كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وهو فيه وفي المجنون موافق لما تقدم: أن المجنون يصح حجه [، والأول موافق لما ذكره العراقيون من [أن] المجنون لا يصح حجه،].
ومن العجب أن الغزالى قال بصحة حجّه، وأنه لا يعتد بوقوف المغمى عليه؛ كما ذكرناه، ولعل مراده؛ أنه لا يعتد به عن الفرض لا مطلقاً، كما صرَّح به في "التتمة"؛ حيث قال: "لو حضر الموقف وهو مجنون، لا يحسب له؛ لأن الجنون يضاد الخطاب، ولكن يقع نفلاً مثل حج الصبي".
ومن هنا يظهر لك أنه لو وقف سكران، فإن كان من غير معصية، كان حكمه حكم المغمى عليه؛ وإن كان بمعصية، فقياس من جعله كالصاحى فى الطلاق ونحوه - تغليظاً عليه - ألاَّ يعتد له بالوقوف؛ تغليظًا عليه، وحينئذٍ يتوافق فيه الوجهان.
ويجوز أن يقال: من جعله ثم كالصاحي؛ لأجل التغليظ، فالتغليظ أن يجعل هنا كالمغمى عليه فيجري الوجهان، وهما مذكوران فى "تعليق القاضي أيى الطيب" والبيان:
أحدهما: يعتد [له] به؛ كالصاحي.
والثاني: لا؛ تغليظ عليه.
قال: ومن أدرك الوقوف بالنهار، وقف حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، رواه مسلم عن جابر.
قال: فإن دفع [قبل] الغروب، لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله - عليه السلام – "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ"، والوقوف بعرفة إلى الليل نسك.
ولأنه - عليه السلام - سَنَّ الدفع عن عرفة بعد الغروب، كما سنَّ الإحرام من الميقات، ثم ثبت أن الدم يجب لمجاوزة الميقات؛ فكذا هنا، وهذا ما نص عليه في القديم [لفظاً] والجديد، وقال النواوي: إنه الأصح.
ومقابله: أنه يجب، بل يستحب؛ لأنه - عليه السلام - في خبر عروة الطائي السابق لم يأمر به؛ فدلَّ على أنه غير واجب.
وبالقياس على ما لو وقف ليلاً؛ فإنه لا يلزمه الدم بلا خلاف؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، و"الإملاء".
وقال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: إنه نص عليه في القديم، وقد صححه المحاملي والروياني.
وقال الرافعي: إن ثبت ذلك، فالمسألة مما يفتى فيها على القديم، لكن أبا القاسم الكرخي ذكر أن الوجوب هو القديم.
وبالجملة فهذا الخلاف مبني على أن الجمع بين الليل والنهار في الوقوف في حق من تمكن منه هل هو من واجبات الإحرام أو من سننه؟ وسيأتي الكلام فيه.
فإن قلنا: إنه واجب، لزمه الدم بتركه، وإلاَّ فلا، وهو الذي اختاره في "المرشد"، وهذه الطريقة أصح الطرق، ووراءها طريقان [آخران]:
أحدهما: أنه إذا أفاض مع الإمام فهو معذور؛ لأنه تابع، وإن انفرد
بالإفاضة ففيه القولان.
والثاني: نفي وجوب [الدم] والجزم الاستحباب مطلقاً.
والدم الواجب هنا، وكذا في ترك الميت بمزدلفة، وليالي منى، وطواف الوداع إن أوجبنا ذلك ما هو؟ [وفيه]، كلام سنذكره في باب فرض الحج والعمرة، إن شاء الله تعالى.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الدم يجب هنا - على القول به - عاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أَوْ لا.
وقد جزم الماوردي وغيره بأنه إذا عاد قبل الغروب، وأقام إلى الغروب: أنه لا يلزمه الدم بلا خلاف.
وإن عاد بعد الغروب، فهل يسقط بهذا العود الدم؟ فيه وجهان:
المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" أبي الطيب، والقاضي الحسين، و"الشامل": السقوط أيضاً؛ لأنه لو وقف بها ليلاً دون النهار، لم يجب؛ فأولى ألاَّ يجب إذا وقف ليلاً ونهاراً.
ووجه المنع: أن المقصود أن يتصل آخر النهار بأول الليل وهو كائن بعرفة.
ولا فرق في عدم وجوبه على من وقف ليلاً لا غير بين أن يكون لم يدرك الوقوف نهاراً، أو أدركه ولم يفعله ووقف ليلاً، وإن كان لا يجوز له تأخير الوقوف إلى الليل؛ كما قاله ابن الصباغ عند الكلام في الرمي في أيام التشريق.
قال: ثم يدفع بعد الغروب إلى المزدلفة على طريق المأزِمَيْنِ؛ لآن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فلو سلك الطريق الآخر جاز.
وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم سلكه حين غدا من منى إلى عرفات.
قال عطاء: وهي طريق موسى، عليه السلام.
والمزدلفة سميت بمزدلفة؛ من التزلف والازدلاف، وهو التقريب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: تقربوا ومضوا إليها؛ قاله الأزهري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: 90]، أي: قربت.
وقيل: سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: 64]، أي: جمعناهم.
قال الماوردي: وكذلك قيل: لمزدلفة: جمع؛ كما جاء في الحديث السابق.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: 5]: إنه المزدلفة.
وقال غيره: إنما سميت بجمع؛ لاجتماع آدم وحواء فيها.
وقيل: لأنه يجمع فيها في تلك الليلة بين الصلاتين، وهي - كما قال الشافعي رضي الله عنه - من حيث يفيض من مأزمَيْ عرفة إلى أن أتي قريب مُحَسِّر عن يمينك وشمالك من تلك المواطن الظواهر، كل ذلك من المزدلفة، والمأزمان ووادي محسر ليسا منها، وكذا [نقل] عن عطاء.
والمأزمان: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك همزه كما في راس، والزاي مكسورة.
والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين، [وهما جبلان] بين عرفات ومزدلفة.
قال: ويمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فرجة أسرع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما دفع شَنَقَ للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكَ رحله، ويقول بيده اليمنى: "أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كلما أتى جبلاً من الجبال، أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة.
رواه مسلم عن جابر.
وعن أسامة بن زيد أنه سُئل: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاض من عرفة؟ قال: "كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نصَّ"، أخرجه البخاري ومسلم.
ومورك الرحل: هي المرفقة التي تكون [عند قادمة الرحل يضع الراكب رجله
عليها، ليستريح من وضع رجله في الركاب، يكون] شبيه المنعدة الصغيرة.
والعنق: مسير الجماعة والرفاق.
والنص: قال أبو عبيد: هو التحريك حتى يستخرج من الدابة أقصى سيرها.
والفجوة- بفتح الفاء، وسكون الجيم، وبعدها وأو مفتوحة، وتاء تأنيث-: الموضع المتسع من المسير يخرج إليه من مضيق.
قال الشيخ زكي الدين: وقد روي: فُرجة، بضم الفاء، وسكون الراء المهملة.
قال: ويصلي بها المغرب والعشاء، أي: في وقت العِشَاء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئاً؛ كذا رواه مسلم.
وهذا الجمع جائز للآفاقي بلا خلاف، ويفعل قبل حط الرحل، وهو مخير بين أن ينيخ راحلته أو يعقلها ويصلي؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك.
وهل يجوز لأهل مكة والمقيمين بها؟ فيه ما تقدم في الجمع بـ"عرفة".
ولا خلاف في أنه لو أقام كل صلاة في وقتها، جاز.
ومحل القول باستحباب الجمع- كما قال في "الإملاء" - إذا لم يخف فوت وقت الاختيار للعشاء قبل أن يوافي مزدلفة، وفيه قولان في الكتاب، الجديد: ما لم يذهب ثلث الليل؛ كما قال أبو الطيب، فإن خاف فوت ذلك فيصلى فى الطريق دون مزدلفة.
وقد دلَّ ظاهر الخبر على أنه يأتي بأذان واحدٍ وإقامتين، وبه قال في القديم.
وقال في الجديد: إنه يجمع بينهما بإقامتين من غير أذان؛ لرواية ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة لكل واحدة، ولم يناد في الأولى، ولم يسبح على إثر واحدة منهما؛ أخرجه أبو داود.
فإن قلت: قد حكى الشيخ في باب الأذان فيما إذا جمع بين صلاتين أو فائتتين ثلاثة أقوال، وقضية ذلك جريان القول الثالث [هنا].
قلت: قد حكاه ابن الصباغ وغيره، وعزاه القاضي أبو الطيب إلى نصّه في "الإملاء"، وهو إن رجا حضور جماعة أذَّن للأولى، وأقام للتي بعدها، وإلا أقام لكل واحدة منهما.
وإن أبا إسحاق المروزي قال: إنه يجيء على ما قاله في "الإملاء": أن يؤذن في الصلوات الراتبة؛ إذا رجا اجتماع الناس، ويقتصر على الإقامة إذا لم يرج اجتماعهم.
وقال البندنيجي: إن القول الثالث الذي نَصَّ عليه في "الإملاء" يجيء هاهنا؛ لأن الناس قد اجتمعوا.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن القولين هنا في الأذان مفرعان على القول بأنه لا يؤذن للفوائت.
فإن قلنا: يؤذن لها، فالمغرب بمزدلفة عند الجميع أولى؛ لأنها في الحقيقة كالمؤداة في وقتها؛ لأن وقت العشاء جعل وقتاً لها.
وعلى كل حال إذا صلى العشاء، قال العجلي: أتي بعدها بنافلة المغرب، ثم بنافلة العشاء، والوتر، وهكذا يفعل الجامع في السفر.
وفي "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي - رضي الله عنه - قال: ولا يسبِّح بينهما، ولا في إثر واحدة منهما، وهو ما حكيناه في الخبر، وأراد بذلك: أنه لا يتنفل بين صلاتي الجمع؛ لأن التنفل بينهما يقطع الجمع، ولا يتنفل قبل المغرب، ولا بعد العشاء؛ لأنه مأمور بالتأهب لمناسكه.
قال القاضي: ولو فعل كان جائزاً، لكنه غير مسنون.
قال: ويبيت بها - أي: يمكث بها نائماً أو مستيقظاً - إلى أن يطلع الفجر الثاني؛ لقول [جابر - كما رواه مسلم-:] "ثم اضطجع حتى طبع الفجر حين تبيَّن له الفجر بأذان وإقامة".
واعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على ما هو مستحب بلا خلاف، وهو المقام بها بعد نصف الليل إلى صلاة الصبح؛ كما يدل عليه كلامه الآتي من بعد، وهو في حق غير الضَّعَفَة، فأما الضعفة والنساء فالأولى في حقهم الدفع بعد نصف الليل إلى منى؛ روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في النفل – أو قال: في الضعفة - من جَمْع بليل"، أخرجه مسلم.
وعلى ما هو نسك بلا خلاف، وهو المبيت إلى بعد نصف الليل، وليس بركن عندنا، خلافاً لأبي محمد وعبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبي بكر بن خزيمة من أصحابنا، وهل هو واجب؟ فيه قولان ثابتان في الكتاب.
قال: ليأخذ منها حصا الجمار؛ لما روي عن الفضل بن العباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة، وهو على راحلته؛ "الْتَقِطْ لِي"، فالتقطت له حصيات مثل حصا الخذف، فلما وضعها في يده، قال: "بِمِثْلِ هَذَا فَارْمُوا".
ولأنه إذا دخل الحرم، استحب له أن يبدأ بالرمي تحية له، فإذا أخذ الحصا من المزدلفة لم يشتغل بغير الرمي].
وقد أطلق الشافعي - رضي الله عنه - القول في "المختصر" بأنه يأخذ منها حصا الجمار؛ كما فعل الشيخ.
وقال الشيخ أبو حامد: إنما أراد بما قال: إنه يأخذ منها الذي يرمي [به] جمرة العقبة، وهو سبع حصيات، وبه قال الأكثرون، وحكوه عن نصه في موضع آخر؛ ولأجله قال القاضي أبو الطيب والشيخ فى "المهذب": إنه يأخذ منها حصا جمرة العقبة.
وعن بعضهم أنه قال: يستحب الأخذ من المزدلفة تكون لجميع الجمار؛ فيأخذ [منها] سبعين حصاة، لكن الأخذ لرمي يوم النحر أحب.
وفي "النهاية": أن الحجج يعتادون أخذ ما يحتاجون إليه من الحصا من جبال مزدلفة، ولم يرد في التزود منها نص وتوقيف في الشرع.
قال: ومن حيث أخذ جاز؛ لحصول المقصود منه.
وفي "الشامل": أنه مكروه؛ للمخالفة.
والمنقول عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه كره أخذه من ثلاثة مواضع: من المسجد، والحُشِّ، والمرمى:
أما المسجد؛ فإن أحجاره فرشه [، ويكره تعطيل فرش المسجد.
وأما الحش؛ فإن أحجاره نجسة]، ويكره الرمي بالنجس.
وأما المرمى؛ فلأن ما بقي فيه من الحجارة قيل: إنه مردود؛ فإن من يقبل حجه يرفع حجره، ولولا ذلك لصارت جبالاً من كثرة ما رمي فيها؛ قال - عليه السلام-: "الحَجَرُ قُرْبَانٌ؛ فَمَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ بَقِيَ حَجَرُهُ".
ولا فرق في كراهية الرمي بالحجر الذي رمى به بين أن يكون هو راميه أو غيره.
نعم: هل يجزئه ما رمى هو به؟ فيه كلام سنذكره.
قال الأصحاب: ويستحب أن يلتقط الحصا، ولا يكسره، وكذا يستحب أن يغسله؛ لما روى عن عائشة - رضي الله عنها- أنها كانت تغسل جمار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فإن دفع قبل نصف الليل، أي: ولم يعد قبل الفجر - لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله - عليه السلام-: "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ".
قال في "الحاوي": وهذا ما نص عليه في القديم والجديد، وكذلك اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي.
وحكى الرافعي طريقة قاطعة [به].
ومقابله: أنه لا دم عليه؛ كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وهو ما نص عليه في
"الأم" و"الإملاء"؛ كما قال الماوردي.
وحكى الرافعي طريقة قاطعة به.
وبالجملة: فالخلاف في لزوم الدم مبني على أن المبيت بها في هذه الليلة واجب أو مستحب؟ وفيه قولان يأتيان من بعد:
فإن قلنا بالوجوب وجب الدم، وإلا فلا.
وقد اختصر الماوردي ما ذكرناه، فقال: الكلام في هذا كالكلام في الدفع من عرفة قبل الغروب.
لكنه قال: إنه لو دفع من عرفة ليلاً، وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل، كان في الدم القولان؛ لأنه لم يبت بها إلا أقل من نصف [الليل]؛ فصار كالخارج منها قبل نصف الليل، وقد تقدم أنه لولم يقف إلا ليلاً: أنه لا يلزمه الدم جزماً، وهو نظير ما نحن فيه في الحكم، وكان قياسه ألا يجب جزماً، وهو مقتضى قول الأصحاب؛ إن من لم يدرك الوقوف إلا ليلاً، فاشتغل به حتى فاته المبيت بمزدلفة لا دم عليه، بلا خلاف كما سنذكره.
وكذا قول النواوي في "الروضة": إن الذي نص عليه الشافعي - رضي الله عنه - فيما إذا حصل بمزدلفة في النصف الأخير: أنه حصل له المبيت.
وحكى قولاً ضعيفاً عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يحصل بساعة بعد نصف الليل وطلوع الشمس.
فإن قضية القولين التوافق على عدم الدم.
وقد حكى الإمام عن نقل شيخه وصاحب "التقريب" في حد المبيت في هذه الليلة، وفي ليالي "منى" قولين:
أظهرهما: أن المعتبر كونه بموضع المبيت في معظم الليل.
والثاني: أن الاعتبار بحال طلوع الفجر.
وقال: إن طردهما على [هنا]، النسق في ليلة مزدلفة محال؛ لأنَّا جوزنا الخروج منها بعد انتصاف الليل، ولا ينتهون إليها إلا بعد غيبوبة الشفق عالياً، ومن انتهى إليها والحالة هذه، وخرج بعد انتصاف الليل -[لم يكن بها حال طلوع الفجر، ولا في معظم الليل]؛ فلا يتجه لها الاعتبار حالة الانتصاف.
قال الرافعي: ولك أن تقودت هذه الاستحالة [واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحب على هذا القول]؛ فعلى هذا لا يستحيل المصير إلى الكون بها في معظم الليل، أو حالة الطلوع، ويجوز خلافه، وهذا في [حق] غير المعذورين.
أما المعذورون فسيأتي حكمهم عند الكلام في الدعاء، إن شاء الله تعالى.
قال: ثم يصلي الصبح في أول الوقت؛ للخبر؛ وقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة إلا لوقتها [إلا] بِجَمْعِ؛ فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الصبح من الغد قبل وقتها".
انتهى.
وأراد ابن مسعود قبل وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر؛ لما تقدم.
والمعنى في ذلك: ليتسع الوقت للدعاء؛ ولأجل ذلك قال الجمهور: الأولى أخذ
الجمار قبل الصلاة؛ كما اقتضاه إيراد الشيخ، وإن كان في "التهذيب" قال: إنه يؤخر أخذها عن الصلاة.
قال: ثم يقف على قُزَح، وهو المشعر الحرام، ويذكر الله تعالى إلى أن يسفر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، وقال جابر في صفة حجه - عليه السلام - كما رواه مسلم: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا".
قال: ويكون من دعائه: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إيَّاه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق، ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: 198] إلى
قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]؛ لأنه لائق بالحال، وهو مضمون الآية.
ويستحب أن يدعو سرًّا ويرفع يديه؛ لما ذكرناه من الخبر، وهذا الوقوف سنة، وليس بنسك، ولا يجب يتركه دم.
قال القاضي الحسين: ويكتفي فيه بالمرور كما في الوقوف بعرفة.
[قال في "الأم": "ويستحب الاغتسال لهذا الموقف؛ لأنه موضع اجتماع".
وعلى هذا يغتسل بعد صلاة الصبح يوم النحر.
وقد أهمل الشيخ هاهنا هذه السنة؛ اتباعاً لسياق الخبر].
تنبيه: قُزح - بقاف مضمومة، ثم زاي مفتوحة، ثم حاء مهملة-: جبل صغير من المزدلفة؛ كما قال ابن الصباغ، ودلَّ عليه ما رواه مسلم: أن ابن عمر كان يقدِّم ضَعَفَةَ أهِلِه؛ فيقومون عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وهو آخرها كما قال الماوردي،
والقاضي الحسين، وليس هو من [منى]؛ كما قال النواوي.
وعلى ذلك يدل ما رواه أبو داود عن علي قال: فلما أصبح - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - ووقف على قزح، وقال: "هَذَا قُزَحُ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْغٌ كَلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَزْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ".
قال الترمذي: هو حسن صحيح.
وفي ابن يونس: أن قزح جبل بمنى، ولم أره لغيره؛ فلعله من طغيان القلم.
وقد صرح ابن الصباغ والشيخ بأن المشعر الحرام قزح، وهو قول حكاه الماوردي مع قول آخر: أنه الجبل الذي [في] ذيله وأطنابه.
والمشعر: المعلم، وكل شيء علمته بعلامة فقد أشعرته، والمشاعر: المعالم؛ وعنه قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 2]، أي: معالم الله.
قال: ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفع قبل أن تطلع الشمس؛ كما رواه مسلم عن جابر.
وعن عمر بن الخطاب قال: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون حتى تزول الشمس على ثَبِير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فدفع قبل طلوع الشمس"، أخرجه البخاري.
وقد قيل: إن قائلهم [كان] يقول: "أشرِقْ ثَبِير كيما نغير"، أي: فلتطلع الشمس عليك يا ثبير، أو أضئ ثبير- يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت - كيما ندفع ونسرع بالمشي؛ يقال: أغار الرجل، إذا أسرع في المشي.
فلو أخرّ الدفع إلى بعد الطلوع، كره؛ لمخالفة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموافقة أهل
الجاهلية؛ قاله في "المهذب".
قال: فإذا وجد فرجة أسرع؛ كما فى السير من عرفات.
قال الأصحاب: وكذا يستحب أن يمشي وعليه السكينة والوقار؛ روي عن ابن عباس أنه قال: "أفاض النبي صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة والوقار، فلما بلغ وادي مُحَسِّر، أَوْضَعَ"، والإيضاع- كما قال أبو عبيد-: سير الإبل إذا سارت الخَبَبَ.
قال: فإذا بلغ وادي محسِّر أسرع، أي: إن كان ماشياً، أو حرك دابته؛ إن كان راكباً قدر رمية حجر؛ كما قاله في "المهذب" و"الشامل"، ووجهه فيما إذا كان راكباً [الخبر].
وقد روى مسلم أن جابراً قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى إذا أتى بطن محسر، حرَّك قليلاً، ثم سلك طريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة".
وإذا كان ماشياً؛ فبالقياس على الراكب؛ كما في الرمل.
قال الرافعي: ورأيت في بعض الشروح: أن الراكب يحرّك دابته، وأما الماشي فلا يعدو، ولا يرمل.
ثم إسراعه - عليه [السلام]- يحتمل أن يكون، لأجل [سعة المكان، ويحتمل أن يكون لأجل] أن العرب كانت تقف فيه، وتذكر مفاخر آبائهم؛ فأمرنا بمخالفتهم، وهذا ما ذكره الغزالي.
وقال القاضي الحسين: إنما كان ذلك؛ لأن النصارى كانوا يقفون بها، وعليه يدل فعل الصحابة؛ روي أن أبا بكر حرّك دابته في هذا الموضع حتى إن فخذه لتندلج بالقتب.
وعن عمر أنه كان يحرّك في محسِّر، ويقول:
تشكو إليك قلقاً وضِينها معترضاً في بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينُها
وقال القاضي الحسين في حكاية ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-:
إليك تعدو قلقاً وضينها معترضاً فى بطنها جنينها
مخالفاً دين النصارى دينها
وقال: إنه يستحب أن يقول ذلك فيه.
وعلى هذا لو ترك الإسراع فيه كره، ولا شيء عليه، ولم يذكر في "الشامل" الكراهة.
تنبيه: محسر: بميم مضمومة، ثم حاء مفتوحة، ثم سين مكسورة مشددة مهملتين، ثم راء، سمي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل حَسَّر فيه – أي: أَعْيَى، وهو واد بين المزدلفة ومنى، وليس من واحد منهما، وذَرْعُهُ - كما قيل - خمسمائة وأربعون ذراعاً.
قال: فإذا وصل إلى منى، بدأ يجمرة العقبة؛ لحديث جابر، ووصوله إليها يوافي [بعد] طلوع الشمس إذا فعل ما ذكرناه؛ فحينئذ يكون الأفضل الرمي بعد طلوع الشمس، وبه صرّح الأصحاب، وعليه يدل ما روى مسلم عن جابر قال: "رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضُحى".
قال الماوردي: ويستدام وقت الفضيلة إلى الزوال يوم النحر.
قال ابن الصلاح: وقد قيل: إنه يليه في الفضيلة ما بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس.
وقال: إن هذه الجمرة تسمى: الجمرة الكبرى، والرمي إليها تحية منى؛ فلا يبدأ بغيرها من مناسك هذا الأيام الأربعة كما سنبينها، ويبدأ بها قبل نزوله في المنعيم.
واختلف الناس فى تسميتها: جمرة، وكذا ما قبلها من الجمرتين:
فقيل: إنما سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، ومنه ما روي "رأنه صلى الله عليه وسلم نهي عن
التجمير"، يعني: اجتماع الرجال والنساء في الغزوات، ويقال: جَمَّر بنو فلان؛ إذا [اجتمعوا] فصاروا إِلْبًا على غيرهم.
وقيل: سميت بذلك؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - لما عرض له إبليس هناك فحصبه جَمَّر بين يديه، أي: أسرع، والإجمارت الإسراع.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تجمر بالحصى، والعرب تسمى الحصى الصغار: جماراً، وسميت: جمرة العقبة؛ لأنها حائدة عن الطريق، مرتفعة قليلاً فى حضيض الجبل.
وقد قال الشافعي - رضي الله عنه- الجمرة: مجتمع الحصى، إلا ما سأل من الحصى، فمن رمى في المجتمع أجزأه، وإن رمى في السائل فلا.
قال: يرمي إليها مع حصيات، أي: بيده؛ فإنه لو رمى عن القوس أو دفع ذلك برجله [لم يجزئه]؛ كما قاله في "العدة" وغيرها.
قال: واحدة واحدة؛ للخبر.
قال: لا يجزئه غير ذلك؛ لأنه فعل غير معقول المعنى؛ فاتبع فيه ما ورد؛ وبهذا خالف ما لو جمع الأسواط [في الحد]، وضرب بها ضربة واحدة؛ فإنه يجزئ؛ لأنه معقول المعنى، وهو إيصال الألم إليه.
وفي تعليق أبي الطيب حكاية قولين فيما إذا رمى فوقع الحصى في مسيل الماء:
المنصوص في "الأم": أنه لا يجزئ، وهو الموافق لما في الكتاب؛ لأنه – عليه السلام - رمى الحصى في المرمى، فدلَّ على أن الفرض أن يرمي الحصى فيه دون غيره.
ووجه مقابله: أن مسيل الماء [متصل] بالمرمى، وليس بينهما حائل، وهو بمنزلة جزء منه.
فرع: هل تجب الموالاة في رمي الحصى؛ حتى لو فرق بينهما تفريقاً كبيراً لا يعتد
به؟ فيه قولان فى "التتمة"؛ كالموالاة فى الوضوء.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً:
أحدها: أنه لو رمى بغير الحصى لا يجزئه، وسيأتي الكلام فيه.
الثاني: [أنه] لو رمى في الهواء، فوقع في المرمي، لا يجزئه، وهو يفهم أن القصد إلى المرمى شرط فيه، وقد صرح [بذلك] في "المهذب" وغيره.
وقال أبو الطيب وغيره; إنه إذا قصده، فوقعت الحصاة على محمل، أو بدن إنسان، أو بعير، ثم جازته إلى أن حصلت في المرمى، أجزأته؛ ونص عليه.
ويخالف ما لو جرى مثل ذلك في المرمى في المسابقة؛ حيث لا يحتسب له على أحد القولين؛ لأن المقصود ثم معرفة حذق الرامي، ولم يوجد، والقصد هنا حصول الحصى في المرمى بفعله، وقد حصل.
وقولنا: "بفعله" يحترز به عما إذا وقعت على ثوب رجل، فنفضها، فوقعت في المرمي، [أو وقعت على بعير، فانتفض،] ووقت في المرمى؛ فإنها لا تجزئه - أيضاً- لأنها حصلت فيه بغير فعل منه.
لكن هذا القيد لا يخرج ما إذا رمى، فوقعت الحصاة في كمه [أو ثوبه،] فنفضه فوقعت فى المرمى؛ فإنها لا تجزئ؛ كما قال القاضى الحسين.
فلا جرم أنه احترز عنه يقوله: "يقوة الرمي".
ولو رمى حصاة، فوقعت أعلى من المرمي، ثم تدحرجت إليه، ففي إجرائها وجهان جاريان: فيما لو وقعت على بعير وهو ينتفض، فوقعت في المرمي، وقد أبداهما القاضي الحسين في الأولى احتمالين لنفسه، وقال في "التهذيب" فيها: الأصح الإجراء؛ لأنها حصلت فيه لا بفعل الغير.
الثالث: أنه لو وضع الحجر في المرمى لا يجزئه؛ لأنه لا يسمى: رمياً، وقد صرح به أبو الطيب وغيره، وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه بعيد: أنه يعتد به، اكتفاء
بالحصول في المرمى.
الرابع: أنه لو رمى حصاتين دفعة واحدة، لا يعتد بهما، سواء وقعتا متساويتين، أو متعاقبتين، وهو المذهب.
[و] الذي حكام القاضي الحسين عن النص: أنه يعتد له بواحدة منهما، وكذا لو رمى السبع دفعة واحدة، ولم يحك غيره.
وغيره من المراوزة حكى وجهاً بعيداً فيما إذا رمى دفعة بحصاتين، وتلاحقتا في الوقوع، ولم يتساويا-: أنه يعتد بهما اثنتين.
نعم، حكى القاضي - وتبعه المتولي - فيما لو رماهما في دفعتين، وتساويتا في الوقوع [وجها: أنه لا يجزئه إلا واحدة منهما؛ نظراً إلى الوقوع،] وكذا لو رماهما على التعاقب، فوقعت الثانية قبل الأولى، لم تحتسب له إلا واحدة على وجه، والمذهب خلافه.
الخامس: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى [أم لا تجزئه؛ لأنه جعل الواجبَ، الرميَ] إلى الجمرة، وقد حصل، وهو قول قديم؛ لأن الظاهر؛ أن الحصاة سقطت فيه.
لكن الجديد: المنع؛ لأن الفرض حصول الحصاة برميه في المرمى؛ فلا تسقط بالشك، وقد قطع بعضهم به، وقال: إن الأول ليس بمذهب للإمام الشافعي - رضي الله عنه - وإنما حكاه عن غيره.
السادس: أنه لو أخذ حصاة واحدة، ورمى بها [ثم عاد، وأخذها، ورمى بها،] وكذا سبع مرات في يوم واحد - لا يجزئه، وهو وجه حكاه القاضي الحسين وغيره، وأن المزني اختاره، وهو الأظهر في "النهاية".
لكن الظاهر من نص "المختصر"، وهو الذي صححه في "التهذيب": أنه يجزئه مع الكراهة؛ كما لورمى هو بها في جمرة أخرى، أو في يوم آخر؛ وهذا يشعر بموافقة المزني على ذلك، وكلام القاضي أبي الطيب وغيره يقتضي مخالفته فيه أيضاً؛ لأنهم
قالوا: الذي نض عليه في "المختصر": أنه يجزئه ما رمى به هو وغيره، وقال المزني: إنه يجزئه ما رمى به غيره، ولا يجزئه ما رمى هو به.
وقد قيل: إن هذا غلط.
وعلى المذهب يكفيه للجمرات كلها حجر واحد؛ كما تتأدى به الكفارة بمد واحد؛ بأن يدفعه لفقير، ثم يشتريه منه [، ثم يدفعه لآخر، ويشتريه منه]، وهكذا إلى أن يتم المقصود، وليس كالماء إذا استعمل في الطهارة مرة لا يستعمل فيها مرة أخرى؛ لأن ثم انتقل إليه مانع؛ فألحق بالمستهلك، ولا كذلك هنا، بل نظير الحصاة نظير الثوب؛ فيصلي فيه مراداً.
قال: ويكبر مع كل حصاة؛ للخبر.
قال الشافعي - رضي الله عنه – "فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد".
قال: ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطه؛ لما ذكرناه من الخبر أول الباب، ولأنه أعون على الرمي.
قال الأصحاب: ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء؛ لما سنذكره، بل يدعو في منزله.
قال: والأولى أن يكون راكباً؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
أشار الشيخ بذلك لما رواه جابر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لنا: "خذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه".
أخرجه مسلم.
قال في "المهذب" والمستحب أن يرمي من بطن الوادي؛ لما روت أم سلمة قالت: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي من بطن الوادي، وهو راكب، وهو يكبر مع كل حصاة".
وروى [مسلم] عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى الجمرة، فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: "يا [أداء عبد الرحمن، إن الناس يرمونها من فوقها" فقال: "هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
وفي "الحاوي" أن الشافعي - رضي الله عنه – قال: "إنه لا يمكنه غير ذلك، لأنها على أكمة، ولا يتمكن من [الرمي إليه] إلا كذلك".
نعم: لو رمى الجمرة من فوقها، ولم يرمها من بطن الوادي، أجزأه؛ لأن عمر لما أتى الجمرة، ورأى زحام الناس صعد الجمرة، فرماها من فوقها.
قال ابن الصلاح في "المناسك": وإذا رمى من بطن الوادي جعل مكة والقبلة عن يساره ومنى وعرفة عن يمينه، ويستقبل العقبة.
وقطع الشيخ أبو حامد وغيره بأنه يقف مستقبل الجمرة، مستدبر الكعبة، وهو المذكور في "الشامل" وغيره.
وحكى في "الروضة" وجهاً آخر: أنه يقف فى بطن الوادي مستقبل الكعبة؛ فتكون الجمرة - على هذا - على جانبه الأيمن.
قال ابن الصلاح: وهذا قد رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود.
والقول الأول هو المختار عندنا، وكذلك جعله النواوي في "الروضة" الصحيح؛
لأنه جاء في مسلم والبخاري وغيرهما عن ابن معود أنه لما انتهي إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حميات، وقال: "هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة".
قال: ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجه مسلم عن رواية الفضل بن عباس، وهو أعرف الناس بحال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان؛ لأنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من مزدلفة إلى منى.
والمعنى في ذلك: أنه مدعو إلى فعل جميع المناسك، فما لم يتحلل من إحرامه يستحب له التلبية [؛ لأنها إجابة الداعي، وإذا رمى فقد شرع في التحلل؛ فلم يستحب له التليية]؛ لأنه أخذ في فعل الانصراف، ولا معنى للإجابة في حال الانصراف.
وكذلك يستحب للمعتمر أن يقطع التلبية بأخذه في الطواف.
ولو شرع الحاج في خلاف الأولى، وهو تقديم الطواف على الرمي، أو الحلق، وقلنا: إنه نسك - كما سنذكره - قطع التلبية بشروعه فيه –أيضاً- لما ذكرناه.
ولو خالف السنة بأن قطع التلبية، وكبر قبل رمي جمرة العقبة وغيرها من أسباب التحلل، أو استدام التلبية، ولم يكبر إلى أن فرغ من [رمي] الجمرة - كان فاعلاً لمكروه، ولا فدية عليه.
وعن القفال: إن الحجاج إذا رحلوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في ممرهم، فإذا ابتدءوا في رمي جمرة العقبة محضوا التكبير.
قال الإمام: ولم أر ذكر المزج إلى الرمي لغيره.
قال: وإن رمى بعد نصف الليل، أجزأه؛ لما روى الشافعي - رضي الله عنه - بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بأم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول
الله صلى الله عليه وسلم، يعني عندها.
وأخرجه أبو داود، وقال البيهقي: إن إسناده صحيح، لا غبار عليه.
وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة، وأن توافي مكة مع صلاة الصبح.
قال الشافعي - رضي الله عنه – "وهذا يدل على جواز خروجها بعد نصف الليل، وقبل الفجر، وأن رميها كان قبل الفجر أيضاً؛ لأنها لا تصلي الصبح بـ"مكة" إلا وقد رمت قبل الفجر [بساعة].
ولأنه وقت يجوز الدفع فيه للمعذورين من مزدلفة؛ فجاز الرمي فيه لبعد طلوع الفجر؛ وهذا بيان أول وقت جواز الرمي، وأما آخره فلم يتعرض له الشيخ.
وقد قال القاصي الحسيين والماوردي وغيرهما: أنه غروب الشمس من يوم النحر.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه يمتد إلى طلوع [الفجر أول] أيام التشريق [على وجه]؛ اعتباراً بالوقوف بـ"عرفة"؛ فإنه لما تعلق بالنهار والليل، تعلق بالليلة المستقيلة.
والأصح في الرافعي [و"الروضة" الأول لكن سيأتي; أن يقول: إن الصحيح فيما إذا أخَّرَ هذا الرمي إلى اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق – وقع أداءً؛ وهذا يدل على أن الوقت لم يخرج بما ذكر.
ويجوز أن يقال]: إن المراد هنا: خروج وقت الاختيار، والذي سيأتي المراد به: ييان وقت الجواز؛ وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات:
وقت فضيلة: وهو بعد طلوع الشمس إلى الزوال.
ووقت اختيار: وهو من الزوال إلى الغروب.
ووقت جواز: وهو إلى آخر أيام التشريق في حق من لم يتعجل، والله أعلم.
قال: وإذا رمى، ذبح هدياً إن كان معه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، يعني: الرمي، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، يعني: نحر الهدي.
ولقول جابر في صفة حجه - عليه السلام-: "ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، ثم أعطى عليَّا [فنحر] ما عبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، وطبخت؛ فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها".
وقد استحب الشافعي - رضي الله عنه - لأجل ذلك أن يأكل من كبد هديه – إذا كان متطوعاً به - قبل أن يمضي إلى طواف الإفاضة، وأما إذا كان [واجباً فقد تقدم الكلام فيه، وأما إذا كان] منذوراً، فسيأتي حكمه، إن شاء الله تعالى.
ثم الهدي ما يهدى إلى الحرم من حيوان وغيره، والمراد هنا - كما قال النواوي:
ما يجزئ في الأضحية من الإبل والبقر والغنم.
ويقال: هّدْيٌ، وهدِيُّ بإسكان الدال وتخفيف الياء، وبكسرها وتشديد الياء؛ ذكرهما الأزهري وغيره.
قال الأزهري: وأصله التشديد، والواحدة: هَدْية وهدِيَّة، ويقال: أهديت الهدي.
قال ابن الصلاح: ومن السنة التي غفل الناس عنها في هذا الزمان سياقة الهدي.
والأفضل أن يكون هدي الحاج والمعتمر معه من الميقات شعراً مقلداً؛ فإن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن وقت ذبح [الهدي] يدخل بالفراغ من الرمي، وكذلك الحلق والتقصير، وهو كذلك فيما إذا وقع الرمي في الوقت المسنون.
أما إذا وقع في أول وقت الجواز، وهو بعد نصف الليل، فليس كذلك؛ لأن القائل فى الهدي قائلان:
أما اختصاصه بيوم النحر، وأقام التشريق، أو لا؛ كما تقدمت الإشارة [إليه] في آخر باب كفارات الإحرام، ويأتي في باب الأضحية، وحينئذ فلا يكون موافقاً للرمي
ولا مرتباً عليه.
وأما فى الحلق والتقصير، فلأن أول وقتهما أول وقت الرمي لا بعده، وليس لآخر وقتهما انتهاء، وهو إذا قلنا: إن الحلق نسك؛ كما سيأتي.
قال: وحلق أو قصر - أي شعر رأسه - لما رَوى جابر أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يحلقوا أو يقصروا.
لكن الأفضل للرجال الحلق؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27]، والعرب تبدأ بالأهم فالأهم، وهو الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع.
وروى مسلم - أيضاً - عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، والحجام جالس، وقال بيده عن رأسه، فحلق شقه الأيمن، فقسمه فيمن يليه، ثم قال: "احلق الشق الآخر"، فقال: "أين أبو طلحة: فأعطاه إيَّاه.
وروى مسلم –أيضاً- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال: "اللهم اغفر للمحلقين"، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال: "والمقصرين".
ولو نذر الحلق في وقته، قال الغزالي: فلا خلاف في وجوبه، وقد نص عليه؛ كما قال الإمام.
وقال الرافعي: إنه غير صافٍ عن الإشكال، و [قد] قال غيره - يعني: غير الغزالي: إنه إنما يلزم بالنذر على قولنا: إنه نسك، ولا يقوم التقصير مقام الحلق إذا نذره، وقلنا بانعقاد نذره.
وفي استئصال الشعر بالقص، وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام.
والظاهر المنع؛ لفوات اسم الحلق.
وقد ألحق في القديم تلبيد الشعر بالنذر، فأوجب على الملبد شعره حلقه، وقال: لا يجزئه غيره.
والجديد: لا.
قال الرافعي - تبعاً للإمام، والمسعودي: والقولان كالقولين في أن التقليد والإشعار، هل يتزل منزلة قوله: "جعلته أضحية".
والتلبيد: قد تقدمت صفته في باب الإحرام.
ويستحب للمقصر - كما قال القاضى الحسين-: أن يأخذ من شعر لحيته وشاربه.
قال: وأقل ما يجزئ [أي] أن يحلق أو يقصر - ثلاث شعرات؛ لأنها أقل الجمع؛ كما تقدم؛ وهذا بناء على أن الدم لا يكمل إلا في ثلاث شعرات.
أما إذا قلنا: أنه يكمل في شعرة - كما تقدم - كفى حلقها أو تقصيرها هنا؛ ومن هذا يظهر لك أنه لو حلق على المشهور شعرة، ثم شعرة، أو قصر شعرة ثم بعضها ثم استكملها، هل يكتفي بذلك أم لا؟
[إن] قلنا: إنه يكمل الجزاء بذلك إذا كان محظوراً كفى، وإلا فلا؛ وقد صرح به الرافعي والإمام.
ولا فرق فيما إذا قصَّرَ بين أن يكون [المأخوذ] مما يحاذي الرأس أو من المسترسل.
وفي وجه: لا يغني الأخذ من المسترسل؛ اعتباراً بالمسح.
قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ لأنه يقع عليه اسم التقصير، فأجزأه، ويخالف
المسح؛ لأنه مأمور يه في الرأس، والرأس ما ترأس وعلا، وها هنا المأمور يه التقصير، وذلك من أطراف الشعر.
ولا يقوم حلق شعر آخر، ولا تقصيره مقام حلق شعر الرأس في ذلك وإن استوى الكل في وجوب الفدية؛ إذا أخذ قبل الوقت؛ لأن الأمر ورد في شعر الرأس.
تنبيه: كما يحصل الحلق المجزئ بالموسى يحصل بالنورة، والقص، والنتف؛ نص عليه.
وكما يحصل التقصير المجزئ بالقص يحصل بالقطع بالسكين، والإحراق، لكن السنة الحلق بالموسى، [و] إليه يرشد قول الشيخ من بعد [حيث] قال: "والأفضل أن يحلق جميع رأسه"؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحب أن يبدأ بمقدم رأسه، ويحلق الشق الأيمن، ثم الأسر [ثم الباقي] تأسياً به عليه السلام، ولو نذر حلق جميع رأسه، ففي لزومه تردد عن القفال، وله نظائر تأتي في باب النذر.
ويستحب أن يكون في حال الحلق والتقصير مستقبل القبلة، وأن يكبر بعد الفراغ من ذلك، وأن يدفن شعره.
قال: فإن لم يكن له شعر، استحب له أن يمر الموسى على رأسه؛ تشبهاً بالحالقين، وقد روي عن عمر أنه قال: "الأصلع يمر الموسى على رأسه".
قال الشافعي - رضي الله عنه - "ولو أخذ من شاربه، أو من شعر لحيته شيئاً، كان أحب إليَّ كي لا يخلو من أخذ الشعر".
قال الأصحاب: وهذا -كما قلنا- فيمن قطعت يده عن فوق المرفق: أنه يغسل موضع القطع بالماء؛ كي لا تخلو الطهارة من غسل اليدين.
وقد يفهم من كلام الشافعي - رضي الله عنه - أنه إذا أراد أخذ شيء من لحيته
وشاربه، لا يمر الموسى على رأسه، وليس كذلك، بل الذي حكاه الإمام عن رواية الصيدلاني عنه: أنه يستحب المجموع.
ثم قال الإمام: ولست أرى للأخذ من الشارب وجهاً، إلا أن يكون أسنده إلى أثر.
قال: ولا نقول على قولنا: إن الحلاق نسك - ينبغي أن يصبر حتى ينبت شعره، ثم يحلقه.
وإنما لم يجب إمرار الموسى على رأسه؛ لأنه لو فعله في حال الإحرام، لم تلزمه الفدية.
ولأنها عبادة تعلقت بجزء من البدن، فسقطت بفواته، كغسل الأعضاء في الوضوء، [ويخالف المسح في الوضوء] حيث يجب مسح الرأس إذا لم يكن عليها شعر؛ لأن الوجوب في المسح متعلق بالرأس، وفي الحلق متعلق بالشعر، ولم يوجد.
تنبيه: الموسى يذكَّر ويؤنَّث.
قال ابن قتيية: [قال الكسائي:] هي "فعلى".
وقال غيره: هي "مُفعل" من أوسيت رأسه، أي: حلقته.
قال الجوهري: والكسائي والفرَّاء يقولان: "فُعلى" مؤنثة، وعبد الله بن سعيد الأموي يقول: "مفعل" مذكر.
قال أبو عبيد: لم يسمع تذكيره إلا من الأموي.
قال: والمرأة تقصر، ولا تحلق؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس على النساء الحلق، وإنما على النساء التقصير".
ولأن حلاق شعر المرأة مُثلة، والمثلة منهي عنها، فلو فعلته فقد فعلت مكروهاً؛ قاله في "الحاوي".
قال الشافعي - رضي الله عنه-: وأحب أن تجمع ضفائرها وتأخذ من أطرافه قدر
أنملة؛ [لتعم الشعر كله]، وهكذا نقول في الرجل إذا قصر.
قال: وهل الحلاق أو التقصير نسك، أي: في الحج والعمرة؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك، أي: فيثاب عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رميتم، وحلقتم [حل] لكم كل شيء إلا النساء"، علق الحل بالحلق، كما علقه بالرمي.
ولأن الحلق أفضل من التقصير، ويلزم بالنذر - كما تقدم، والتفضيل واللزوم بالنذر إنما يقع في القربات دون المباحات، وهذا هو الصحيح.
قال الإمام: وعلى هذا فهو ركن، وليس كالرمي والمبيت؛ فاعلم ذلك؛ فإنه متفق عليه، وآيته أنه مع الحكم بوجوبه لا يقوم الفداء مقامه؛ حنى لو فرض اعتلال في الرأس، تعسر معه التعرض للشعر، ولكنه كائن - فلا بد من التريث إلى إمكان الحلق - أي: أو التقصير - ولا يرد عليه إذا لم يكن له شعر؛ لأن النسك هو حلق ثم يشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن على الرأس شعر في وقت الحلق، لم يتحقق ما ذكرناه.
[وما دكره] من الاتفاق على أنه ركن، فيه نظر؛ لأنا سنذكر عن الداركي عند الكلام في التحلل ما ينازع فيه، وهو مقتضى قول الشيخ: "وأفعال العمرة كلها أركان إلا الحلق"، فلو كان ركناً عنده على هذا القول، لم يستثنه لما عرفت أن هذا القول هو الصحيح عند الجمهور.
وأصرح من ذلك عَدَّه الحلقَ من الواجبات على أحد القولين.
[قال:] والثانى: أنه استباحة محظور - أي: فلا يثاب عليه - لقوله تعالى: ولا ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، فحظر الحلق، وجعل لحظره غاية، وهي التحلل، فلم يجز أن يكون نسكاً يقع به التحلل.
ولأن كل ما لو فعله قبل وقته، لزمته الفدية، [فإذا فعله بعد وقته، لزمته الفدية،] فإذا فعله في وقته، كان استباحة محظور؛ كالطيب، واللباس، وهذا ما قال في
"الحاوي": إنه أقيس.
وقال القاضي أبو الطيب عند الكلام في السعي: إنه الصحيح.
وفائدة الخلاف يأتي في الكتاب مع ما سنذكره معها، إن شاء الله تعالى.
والحلاق - بكسر الحاء – بمعنى: الحلق.
قال: ثم يخطب الإمام بعد الظهر بمنى، ويعلم الناس النحر والرمي والإفاضة.
أما استحباب الخطبة بمنى في هذا اليوم؛ فلما روى أبو داود عن أبي أمامة - وهو الباهلي قال: "سمعت [خطبة] رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر".
وروى- أيضاً- عن الهرماس بن زياد الباهلي قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الأضحى بمنى"، وأخرجه النسائي.
وعن الحناطي رواية وجه: أن موصع هذه الخطية مكة.
وأما كونها بعد الظهر؛ فلأنها خطبة مشروعة في الحج، فكانت بعد الظهر؛ كغيرها من الخطب فيه.
وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه في "المختصر"، ولم يحك أبو الطيب وابن الصباغ غيره.
لكن قد روى أبو داود عن رافع بن عمرو المزني قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعلي - رضي الله عنه - يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد".
وأخرجه النسائي.
وأما كونه يعلم الناس فيها النحر والرمي والإفاضة؛ فلما روى أبو داود عن عبد الرحمن ابن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ونحن] بمنى، ففتحنا
أسماعنا؛ حتى كنا سمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين، ثم قال: بحصى الخذف، وأخرجه النسائي.
فإن قيل: المستحب في النحر أن يكون قبل الزوال، فأي فائدة في تعليمهم سنته، وقد فات ذلك؟
قيل: فائدته: أن من وقع له فيه خلل تداركه كله؛ كما قلنا: إن المستحب في عيد الفطر: أن يؤدي زكاة الفطر، ثم يخرج إلى المصلى، ثم الإمام يخطب، ويعلمهم كيفية أدائها؛ كذا هنا؛ وهذه هي الخطبة الثالثة في الحج.
قال: ثم يفيض إلى مكة، ويغتسل ويطوف طواف الزيارة.
لا شك في أن الإفاضة إلى مكة في يوم النحر، لأجل الطواف مشروعة؛ لما سنذكره، والاغتسال له مسنون؛ لما تقدم وهو ما ادعى في "الوسيط": أنه قوله في القديم، وأنه لم يستحبه في الجديد، لاتساع وقته.
وقد اقتضى كلام الشيخ هنا وفي "المهذب": أن الإفاضة؛ لأجل الطواف تكون بعد الخطبة التي ذكر أنها تشرع بعد الظهر، وهو ما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: "يستحب أن يخطب الإمام يوم النحر بعد صلاة الظهر بمنى؛ فيعلِّم الناس النحر والرمي والمصير إلى طواف الإفاضة، وذلك وجه محكي في "تعليق القاضي أبي الطيب"؛ لأن عائشة قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض في آخر النهار من يوم النحر".
وروى أبو داود عنها في الخبر الذي سنذكره: أنها قالت: "أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى".
وروي عنها وعن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخَّر الطواف يوم النحر إلى
الليل".
وقال الترمذي: إنه حسن.
وهذا القائل كأنَّه - والله أعلم - أخذ ذلك من ترتيب المزني في "المختصر"؛ فإنه قال بعد ذكر النحر: "ويخطب الإمام بعد الظهر يوم النحر، ويطوف بالبيت طواف الفرض".
لكن الذي نص عليه [الشافعي - رضي الله عنه -] في "الأم"؛ كما قال أبو الطيب عند الكلام في الجبران: "أنه إذا رمى جمرة العقبة، ونحر، وحلق، مضى إلى مكة، فطاف، ثم عاد إلى منى، فصلى الظهر، وشهد الخطبة، وبه قال بعض الأصحاب.
وقال القاضي: إنه الصحيح، ولم يذكر القاضي الحسين والغزالي والرافعي غيره.
ووجهه ما روى مسلم عن [ابن] عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى".
قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وأخرجه البخاري مختصراً.
لكن في مسلم -أيضاً-: أن جابراً قال في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أكل من لحم هديه وشرب من مرقه: "ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر"، وهذا بظاهره معارض لخبر ابن عمر.
وقد اختار القاضي أبو الطيب وجهاً ثالثاً في المسألة فقال: إن كان الزمان صيفاً
عجل الإفاضة في أول النهار؛ لاتساعه، وإن كان شتاء أخرها؛ بقصر النهار.
تنبيه سمي هذا الطواف: طواف الزيارة؛ لإتيانهم البيت بعد مفارقتهم له، ولا يقيمون عنده، بل يرجعون إلى منى.
وسمي: طواف الإفاضة؛ لأنه يفعل بعد إفاضتهم من [منى] إلى مكة.
ويسمى: طواف الركن، والفرض، لأنه ركن الحج وفرضه.
ويسمى: طواف الصدر.
وقيل: باختصاص هذا الاسم بطواف القدوم.
قال: وأول وقته بعد نصف الليل من ليلة الحر، لأن ما بعد نصف الليل وقت لرمي جمرة العقبة؛ فكان وقنا لطواف الإفاضة؛ أصله: ما بعد طلوع الفجر.
قال القاضي أبو الطيب: وليس للشافعي في ذلك نص، إلا أن أصحابنا ألحقوه بالرمي في ابتداء الوقت.
قال: والمستحب أن يكون في يوم النحر؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهل الأفضل أن يكون قبل الزوال أو بعده؟ فيه الخلاف السابق، والمذكور في "تعليق البندنيجي" و"الحاوي": أنه قبل الزوال.
قال: فإن أخره عنه - أي: ولو إلى آخر عمره؛ كما قال البندنيجي وغيره - جاز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] ولم يوقِّت؛ فكان على إطلاقه.
وما ذكره الشيخ هو الذي ذكره الجمهور، وحكاه الإمام عن شيخه؛ حيث قال: "لو
أخر طواف الركن إلى انقضاء أيام منى، فلا بأس، وفي قلبي منه شيء، والعلم عند الله سبحانه".
وقد حكى ابن التلمساني أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حتى يطوف.
وقال الماوردي: إنه يكون مسيئاً بتأخره بغير عذر عن يوم النحر.
وفي "التتمة": أنه إذا أخَّره حتى مضت أيام التشريق، وفعله كان قضاة، وإليه يرشد قول ابن الصباغ: "إذا خرج، ولم يكن طاف للوداع، وجب عليه الرجوع للطواف".
ولا يحل له النساء حتى يطوف وإن طال زمانه، وخرج وقته.
وبالجملة: فالكل متفقون على أنه لا يلزمه دم بالتأخير؛ لأنه أخَّر النسك عن وقت الاختيار إلى وقت الجواز؛ فلم يلزمه الدم؛ كما لو أخَّر الوقوف بعرفة عن النهار إلى الليل.
قلت: والذي يظهر لي: أن قول من قال: "إنه يجوز له تأخير الطواف إلى آخر العمر"، ليس على إطلاقه، بل هو محمول على ما إذا كان قد تحلل التحلل الأول، أما إذا لم يكن قد تحلل التحلل الأول، فلا يجوز له تأخيره وتأخير ما يحصل به التحلل الأول إلى آخر العمر، بل لا يجوز تأخيره إلى العام القابل؛ لأنه يصير مُحرِمًا بالحج في غير أشهره، [وسنذكر مادة ذلك في باب الفوات والإحصار عن الماوردي، إن
شاء الله تعالى].
فرع: لو طاف للوداع، ولم يطف طواف الزيارة.
قال الأصحاب: وقع عن طواف الزيارة.
وعن بعضهم بناء ذلك على أنه لو صرف الطواف بالنية إلى غرض آخر، هل يفسد؟ فيه خلاف سبق:
فإن قلنا يفسد، لم يعتد بهذا الطواف عن الإفاضة، ولا عن الوداع؛ إذ لا وداع مع إيجاب الرجوع عليه حتماً.
وإن قلنا: لا يفسد، فالأمر كما تقدم.
قال: فإذا فرغ من الطواف، فإن كان قد سعى مع طواف القدوم، لم يسع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، لم يسع عقيبه؛ إذ كان قد سعى مع طواف القدوم.
وقد تقدم عن رواية مسلم عن جابر بن عبد الله قال: ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً" [فلو سعى] قال الشيخ أبو محمد: فقد فعل مكروهاً.
قال الإمام؛ والأمر كما ذكر.
قال: وإن لم يكن قد سعى أتى بالسعي؛ لأنه من أركان الحج؛ كما سيأتي بيانه، [وشرطه - كما تقدم: أن يكون عقيب طواف، ولم يبق في الحج طواف آخر يأتي به] قبل تمام التحلل غيره؛ فتعين.
فلو لم يفعله، وأتى بالمناسك التي بمنى، قال الإمام؛ اعتد بها.
ومن هنا يظهر [لك] ما قاله الأصحاب: إن لآخر وقت السعي زمناً
معيناً؛ لأنه إذا جاز فعله عقيب طواف الزيارة، [وطواف الزيارة] لا آخر لوقته إلى آخر العمر، فكذلك [ما] يجوز فعله بعده، والسنة أن يفعل عقيب طواف القدوم.
ومما يشرع في هذا اليوم سنة بعد الطواف: الشرب من نبيذ سقاية العباس؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى السقاية؛ ليشرب منها، فقال له العباس: إنه نبيذ قد خاضت فيه الأيدي، ووقع فيه الذباب ولنا في البيت نبيذ صافٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هات" فشرب صلى الله عليه وسلم منه.
قال أبو الطيب: قال الشافعي- رضي الله عنه-[ولم يكن] نبيذ سقاية العباس يسكر في جاهلية ولا إسلام، وإنما كان حلواً، وقد جاوز حَدَّ الحلاوة".
وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ من حين قوله: فإذا وصل إلى منى [إلى هنا]، عرفت أن المشروع إيقاعه في يوم النحر –كما ذكر- أربعة أشياء:
رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، وهو من [مناسك الحج].
ونحر الهدي بعده، وليس من مناسك الحج والعمرة بلا خلاف، وإنما هو قربة على حياله.
والحلق أو التقصير بعده، وهل هو من مناسك الحج والعمرة أو لا؟ فيه ما تقدم.
وطواف الزيارة بعد ذلك، وهو من مناسك الحج بلا خلاف.
وإيقاع ذلك على الترتيب الذي ذكره الشيخ مستحب، لا واجب بلا خلاف بين أصحابنا، إلا في الحلق –كما سنبينه- لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]، يعني: الرمي، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، يعني نحر الهدي، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
ولأنه – عليه السلام- فعلها كذلك.
فلو قدم الطواف على الرمي جاز، وكذا لو قدم النحر على الرمي، أو قدم الحلق على النحر جاز؛ لرواية مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [و] أتاه رجل يوم النحر، وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، إني حلقت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج"، [فأتاه آخر، فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج"] [فأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي؟ قال: "ارم ولا حرج"] فما رأيته مثل يومئذ عن شيء إلا قال: "افعل ولا حرج".
وأخرج مسلم عن عبد الله المذكور، قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته، [فطفق الناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قل النحر؛ فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ارم ولا حرج" قال:] فطفق آخر يقول: لم أشعر أن النحر قبل الحلق؛ فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: "انحر ولا حرج"، قال: فما سمعته سُئل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل إلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افعلوا ولا حرج".
ولو قدم الحلق على الرمي والطواف، قال الأصحاب: فإن قلنا: إن الحلق نسك، جاز – أيضاً- ولا شيء عليه، وعليه يدل الحديث السابق.
وبه –أيضاً- يستدل على أن الحلق نسك.
وإن قلنا: إنه استباحة محظور، فعليه الفدية؛ لوقوع الحلق قبل التحلل؛ وهذا البناء هو الذي ذكره الجمهور.
وعلى ما ذكرناه يدل قول الشيخ من بعد: فإن قلنا: إن الحلق نسك حصل له التحلل الأول ... إلى آخره.
وقد حكى ابن كج عن أبي إسحاق وابن القطان: أنهما قالا: يلزمه الفدية، وإن قلنا: إن الحلق نسك.
وحكى الماوردي وجهاً وعزاه إلى أكثر البصريين من أصحابنا: أنه لا فدية عليه، وإن قلنا: إنه ليس بنسك؛ للحديث.
وحينئذ فلك أن تقول: في لزوم الدم وجهان، سواء قلنا: إن الحلق نسك أم لا.
قال: فإن قلنا: إن الحلق نسك، حصل له التحلل الأول باثنين من ثلاثة، وهى: الحلق، والرمى، والطواف؛ لما روى أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلا النساء".
وفي كتب الفقهاء: أنه قال: إذا رميتم، وحلقتم، فقد حل لكم الطيب واللباس، وكل شيء إلا النساء.
وقد حكي عن القاضي أبي حامد المرْوَرُّوذي أنه قال في جامعه: على قولنا: إن الحلق نسك، يحصل له التحلل بالرمي وحده؛ لأن الشافعي - رضي الله عنه - نص
في [المنسكين] "الأوسط" و"الصغير": أنه يتحلل بالرمي.
قال القاضي أبو الطيب في تعليقه: وله وجه، وهو إذا قلنا: الحلق إطلاق محظور؛ فإنه إذا رمى جمرة العقبة، حصل له التحلل الأول، وقد بقي عليه سُنَّتان: الطواف، والسعي [؛ فكذلك إذا قلنا: الحلق نسك، يجب أن يحصل له [التحلل] بالرمي؛ لأنه يبقى عليه سنتان: الطواف] والحلق.
قلت: وهذا من القاضي قد يفهم تخصيص قول القاضي أبي حامد بما إذا كان قد سعى [مع طواف القدوم، أما إذا لم يكن قد معى] فلا؛ لأنه على هذا يكون قد بقى عليه أكثر مما أتى يه، وهو ثلاثة أشياء، وليس كذلك؛ لما ستعرفه.
وقد قال الإمام - تبعًا للقاضي الحسين، وتبعهما الغزالي: إن السعي مع الطواف في حق من لم يسع يعدان شيئاً واحداً.
ويأتي فى المسألة وجه آخر من قول الإصطخري الذي سنذكره: "إن دخول وقت الرمى كالرمي": أنه يحصل التحلل الأول - على قولنا: إن الحلق نسك - بالحلق أو الطواف.
وقد حكى الماوردي عنه أنه قال: إذا مضى بعد نصف الليل من ليلة النحر زمان حلق، ورمي، فقد حد إحلاله الأول، وإن لم يرم لأن لم يحلق.
وعن الداركي: أنا إذا جعلنا الحلق نسكًا، حصل له التحللان معًا بالحلق والطواف، [وبالرمي والطواف،] ولا يحصل بالحلق والرمي، [ولا أحدهما.
والفرق: أن الطواف ركن، فما انضم إليه يقوى به؛ بخلاف الرمي، والحلق].
وهذا نزاع فيما سبق: أن الحلق ركن على هذا القول.
وعن أبي إسحاق المروزي رواية وجه آخر عن بعض الأصحاب: [أنه يحصل] التحلل الأول على القول الذي عليه نفرع بالرمي وحده، وبالطواف وحده.
وما عدا ما قاله الشيخ - بعيد.
قال: وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك، حصل له التحلل الأول بواحد من اثنين: الرمي، والطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني، لما تقدَّم.
وحكى القاضي أبو الطيب وغيره عن الإصطخري: أنه قال: دخول وقت الرمي - وإن لم يرمِ- قائم مقام الرمي في وقته.
وقال: إن هذا مذهب الشافعى - رضى الله عنه-؛ لأنه قال قى "الإملاء": "إذا دخل عليه وقت الرمي، فلم يرمِ حتى جَنَّه الليل، حصل له التحلل، وثبت الدم في ذمته"؛ ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "رإذا رميتم، وحلقتم، فقد حلَّ لكم كل شيء إلاَّ النساء".
ولا يجوز أن يكون [المراد] بذلك فعل الرمي؛ لأنَّا أجمعنا على أنه إذا لم يرم حتى ذهب وقت الرمي، حصل له التحلل؛ فدلَّ على أنه [بحصول الوقت]، لا بالفعل.
قال: ولأن الحج والصوم عبادتان متشابهتان من جهة إيجاب الكفارة بإفسادهما، ولو دخل وقت الفطر، ولم يفطر، حكمنا بخروجه من الصوم؛ فكذلك هنا.
وقد حكى القاضي الحسين عن الإصطخري: أنه قال: إذا ترك جمرة العقبة حنى فات وقتها، فقد تحلل التحلل الأول.
فإن قلت: هل يحمل ما أطلقه أبو الطيب وغيره عنه على هذا؟
قلت: لا؛ لأن في "المهذب" و"الحاوي": أن الإصطخري قال: إذا دخل وقت الرمي، حصل له التحلل الأول وإن لم يرم؛ كما إذا فات وقت الرمي، حصل له التحلل [الأول] وإن لم يرم.
والذي قاله أبو إسحاق وعامة الأصحاب - وهو المذهب فى "المهذب": إنه لا يحصل له التحلل حتى يرمي؛ للخبر؛ فإن ظاهره: أن من لم يفعل ذلك لا يحصل له التحلل.