كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

عن قضاء الدين, وستعرف أن نفقة من تلزمه نفقته وكسوته مقدمة على الدين, فهي أهم منه, والمقدم مقدم.
قال: وأن يجد طريقًا آمنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] , ولأنه لو حصره عدو بعد إحرامه, لم يلزمه البقاء عليه, فلأن يمنع ذلك ابتداءه من طريق الأولى.
والأمن المعتبر في الطريق: أن يكون خاليًا عما يوجب خوفًا في البضع والنفس والمال, ولا يشترط في المعرفة بذلك القطع كما قال الإمام, ولا أن يكون كالأمن الذي يعلم في الحضر, بل الأمن في كل مكان على حسب ما يليق به فإن عدم ذلك بأن يكون فيه من يخاف منه [على النفس [أو البضع] , لم يجب؛ وكذا إن كان فيه من يخاف منه] على المال؛ بأن يكون فيه من يطلب من الحجيج مالًا وإن قل, لم يجب سواء كان الطالب له من المسلمين أو الكفار؛ لقوله –عليه السلام-: "حرمة مال المسلم كحرمة دمه".
قال الشافعي: ولا يستحب بذل المال لهم, بل يكره؛ لأنهم يحرصون بذلك على التعرض للناس.
[وقال في "الحاوي": إن كانوا كفارًا, لم يستحب؛ وإن كانوا مسلمين, استحب.
وعلى كل حال] فلو فعل الإمام أو أحد الرعية ذلك, وأمن الحجيج من غدرهم, وجب, وكذا لو بعثوا بأمان الحجيج, وكان أمانهم موثوقًا به, وإن لم يأمنوهم لم يجب, وهل يستحب الخروج إليهم وقتالهم؛ لأجل أداء النسك إذا

كانوا يطيقونه؟ ينظر: فإن كانوا كفارًا, استحب؛ لينالوا ثواب الحج والجهاد جميعًا.
وإن كانوا مسلمين, لم يستحب.
ولو كان في الطريق من يخاف منه –على ما ذكرناه- الواحد والنفر القليل, دون الجمع الكثير الذي جرت العادة بخروج مثله من كل بلد –لم يمنع ذلك الوجوب.
وقال في "الحاوي": إن كانوا كفارًا, لم يستحب, وإن كانوا مسلمين استحب على كل حال.
وإذا خلا طريق [دون طريق] عن الخوف المذكور, وجب الحج سواء كان المشتمل على الخوف في المسافة كالطريق الآمن, أو أقرب منه؛ كما قاله الجمهور.
وفي "التتمة" وجه: أنه لا يلزمه إذا كان الآمن هو الأبعد؛ كما لو احتاج إلى بذل مؤنة زائدة في ذلك الطريق.
ثم بما ذكرناه من تفسير الأمن يخرج وجوب الحج على من ليس له طريق إلا في البحر وكان مخوفًا أما في نفسه أو لطرآن الأمواج فيه, ويغلب فيه الهلاك, ووجوبه عليه إذا كان الغالب فيه السلامة, لكن الذي نص عليه الشافعي –رضي الله عنه- في "الأم": أنه لم يجب الحج إذا لم يكن له طريق إلا البحر.
ونص في موضع آخر –كما قاله أبو الطيب [وغيره-: أنه يجب.
وقال في "المختصر"]: ولا يبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر.
[وقال في "الإملاء": ولا يبين لي أن أوجب] عليه ركوب البحر إلا أن يكون [أكثر] عيشه في البحر.
واختلف الأصحاب –لأجل ذلك-[في المسألة] على طرق, ملخصها: [أن في المسألة أربعة أقوال: أحدها: وجوبه مطلقًا, فمنهم من قطع به؛ [للظواهر المطلقة في الحج.

والثاني: لا] يجب مطلقًا, ومنهم من قطع به]؛ كما أشار إليه الحناطي وغيره؛ لما فيه من الخوف والخطر.
وإن فرض أن الغالب منه السلامة, فالعوارض التي تطرأ فيه عسرة الدفع, بخلاف البر.
والقائلون بهذا حملوا نص الوجوب على ما إذا ركبه لبعض الأغراض؛ فصار أقرب إلى الشط الذي يلي مكة, شرفها الله تعالى.
وهذان القولان حكاهما الرافعي عن الشيخ أبي محمد وغيره.
والثالث –وبه قال أبو إسحاق, والإصطخري-: إن كان الغالب منه السلامة لزمه, وإن كان الغالب الهلاك؛ أما باعتبار خصوص ذلك البحر, أو لهيجان الأمواج في بعض الأحوال- لم يلزمه.
وحملا النصين على هذين الحالين, وهذا هو الصحيح والمنطبق على ما ذكرناه من تفسير الأمن؛ وعلى هذا لو اعتدل الحتمال, فبأي الحالين يلحق؟ تردد [فيه] كلام الأئمة, وهو في تعليق القاضي الحسين محكي قولين.
والرابع: إن كان الرجل ممن اعتاد على ركوب البحر كالملاحين وأهل الجزائر, لزمه, وإلا فلا؛ لصعوبته عليه.
وقد أورد الغزالي وغيره الخلاف في [هذه] المسألة على غير هذا النحو, معبرين عنه بأن في المسألة أربعة طرق فيما إذا كان الغالب منه السلامة: أحدهما: إجراء قولين في الوجوب؛ لما فيه من الخطر الظاهر مع غلبة السلامة.
والثاني: لا يجب على المستشعر؛ لأن الجبان قد ينخلع قلبه, ويجب على غير المستشعر, وينزل النصان على هذين الحالين.
والثالث: لا يجب على المستشعر وفي غيره قولان.
والرابع: يجب على غير المستشعر, وفي وجوبه على المستشعر قولان.
ولو كان الغالب الهلاك, حرم الركوب بخلاف ركوبه للجهاد على أحد

الوجهين في "النهاية"؛ لأن مقصوده على الغدر.
ولو اعتدل الاحتمال, ففيه تردد للإمام.
وحيث قلنا: لا يجب ركوبه مع غلبة السلامة, فعليه فرعان: أحدهما: هل يستحب؟ فيه وجهان.
أظهرهما في "الرافعي": نعم؛ كما يستحب ركوبه للغزو, وهذا ما حكاه في "البحر" عن الشيخ أبي حامد, ولم يحك غيره.
الثاني: إذا ركبه وتوسطه: هل له الانصراف [أو عليه] التمادي؟ فيه وجهان –وقيل: يبنيان على أن العدو إذا حصر المحرم من سائر الجوانب: هل [له] التحلل أم لا؟ فإن قلنا: نعم, جاز له الانصراف, وإلا فلا, وهو الأصح في "البحر", وقال في "التتمة": إنه المذهب.
ومحل الخلاف [ما] إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في ظنه, فإن كان ما بين يديه أكثر, لم يلزمه التمادي بلا خلاف [على القول الذي عليه نفرّع, وإن كان أقل لزمه.
قال الرافعي وغيره: وموضعه –أيضًا- ما إذا كان له في المنصرف طريق غير البحر, فإن لم يكن [له] فله الانصراف بلا خلاف] لئلا يحتاج إلى تحمل زيادة الأخطار.
قلت: وهذا منه يظهر [أنه] فيمن له أهل أو من لا أهل له على ظاهر المذهب في اعتبار نفقة الرجوع والراحلة فيه, أما إذا لم يعتبر ذلك فيمن لا أهل له أو فيمن له أهل –فيظهر: ألا يكون ذلك شرطًا فيهما.
قال: من غير خفارة, أي: من غير أجرة يدفعها لمن يحرسه في الطريق ممن هو [فيها] مترصدًا للحجيج؛ لأن ذلك كالزائد على ثمن المثل.
وأيضًا: لإإنه لا يجب الحج والعمرة إذا لم يتهيأ ذلك بدفع شيء للمترصدين

كما تقدم؛ فلذلك لا يجب إذا احتيج إلى أجرة لمن يصونه عنهم؛ وهذا ما أورده العراقيون والقاضي الحسين, وهو المنصوص.
وقد حكى الغزالي في أن أجرة البذرقة –وهي الخفارة-: هل تمنع الوجوب؟ وجهين: أحدهما: نعم؛ لما ذكرناه.
والثاني: لا؛ لأن الأجرة بذل مال بحق؛ فإن ذلك أهبة من أهب الطريق؛ كالراحلة وغيرهما؛ وهذا أظهر عند الإمام.
[والخفار] –بضم الخاء, وكسرها, وفتحها؛ ثلاث لغات حكاها صاحب "المحكم"-: الاسم من قولهم: أخفرت الرجل إذا أخذته, وهي هنا بالضم لا غير.
قال: وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير, أي: المعهود في مثله لو أراده تجب بأول الوقت عند وجوب شرائط التكليف [وجوبًا موسعًا, والصوم يجب بطلوع الفجر من رمضان مع وجود شرائط التكليف] به؛ لأن الزمان الذي بين يديه متسع لذلك ظاهرًا؛ فكذلك هاهنا إذا بقي من الزمان بعد استجماع الشرائط السابقة ما يمكنه أن [يسير فيه] إلى مكة أما منفردصا إن احتمل الطريق ذلك كما قاله المتولي, أو مع الجمع إن لم يتمكن من السير إلا معهم, وخرجوا في الوقت المعتاد [بحيث يكونون في يوم عرفة بعرفة إذا ساروا السير المعتاد] يجب عليه الحج, وغلى الحالة الأخيرة أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "وإذا استطاع الرجل وأمكنه مع سير الناس من بلده, فقد لزمه".
وقد أطلق القاضي الحسين القول باشتراط وجود رفقة يتوجهون إلى مكة؛ ليخرج معهم في الوجوب, وأنه إذا لم يجد لم يجب؛ لأجل ما ذكرناه من النص؛ ولأجله قال البغوي وغيره –كما حكاه الرافعي-: إنه يشترط أن يجد رفقة يخرج معهم في

الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه, فإن خرجوا قبله, لم يلزمه الخروج معهم, وإن أخروا الخروج بحيث لا يبلغون إلا بأن يقطعوا أكثر من مرحلة في مرحلة, لم يلزمه أيضًا.
لكن ما ذكرناه هو ما حمل عليه الرافعي هذا الإطلاق؛ لأجل ما نقلناه عن المتولي فيما إذا أمكن السير في حال الانفراد؛ على أنه لو قيل: يحمل هذا الإطلاق على ظاهره, لم يبعد؛ لأن المنفرد في الأسفار مع أمن الطريق تلحقه الوحشة الشديدة, وهو معرض للضياع؛ ولذلك كان "المسافر وماله على قلت إلا ما وقي الله", فجاز أن يسقط مثل ذلك الوجوب كما أسقطه عدم إمكان الوصول إلا بزيادة سير على القدر المعتاد, والله أعلم.
قال: وإن كانت امرأة, فأن يكون معها من تأمن معه على نفسها, أي: من محرم, أو زوج, أو نسوة ثقات, كان مع واحدة منهن محرم أو لا؛ كما صرح به العراقيون؛ لأن السفر بدون ذلك حرام؛ قال –عليه السلام-: "لا يحل لامرأة مسلمة تسافر ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها" أخرجه البخاري ومسلم.
وروى مسلم أنه –عليه السلام- قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم"؛ وهذا نص في تحريم المسافرة بدون محرم, وألحقنا الزوج والنسوة الثقات به؛ لأن المفسدة المتوقعة بفقده المندفعة بوجوده, تندفع بالزوج والنسوة الثقات.
وقد جاء في "البخاري" و"مسلم" عن أبي سعيد الخدري من طريقين أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا فوق ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها, أو أخوها, أو زوجها, أو ذو رحم [محرم] منها".

وفي طريقة المراوزة وجه نسب إلى اختيار القفال: أنه لا تكفي النسوة ما لم يكن مع واحدة منهن محرم أو زوج؛ لأنهن قد ينوبهن أمر فيحتجن فيه إلى الاستعانة بذات المحرم والزوج في مخاطبته ويستغنين عن مخاطبة الرجال.
وقال الغزالي تبعًا لإمامه: إنه حسن, ويؤيده تحريم الخلوة ما لم يكن فيهن ذات محرم, وقد نص الشافعي –رضي الله عنه- على أنه لا يجوز للرجل أن يؤم بنسوة منفردات ما لم تكن إحداهن محرمًا له.
لكن الراجح الأول باتفاق الكل, وقد ادعى القاضي الحسين في كتاب العدد: أنه ظاهر المذهب, ونقلوا عن الشافعي في "الإملاء": أن الثقة إذا حصلت بالمرأة الواحدة كفى, وهو الذي أورده البندنيجي في كتاب العدد.
وروى الكرابيسي عن الشافعي –رضي الله عنه- أنه قال: "إذا كان الطريق آمنًا, جاز السفر من غير نسوة", واختاره أبو الطيب, وصاحب "المرشد"؛ تبعًا للمصنف, وصاحب "البحر" والبغوي؛ واستدل له بقوله –عليه السلام- لعدي بن حاتم: "يا عدي, إن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف", قال عدي: وقد رأيت ذلك.

ولأن المرأة لو أسلمت في دار الكفر, لزمها الخروج إلى دار الإسلام وإن كانت وحدها؛ لوجوبه؛ فهكذا هنا, والحيث السابق يحمل على ما إذا كانت لا تأمن على نفسها؛ إذ هو الغالب, أو على سفر الطاعة: كزيارة الوالدين, وحج التطوع, والمباح كالتجارة؛ فإن المذهب –كما قال البندنيجي في العدد؛ تبعًا لأبي حامد-: أن من شرطه المحرم, وإن كان بعض الأصحاب ألحقه بالسفر الواجب, وهو الذي اختار القفال, وقال في "البحر": إنه أصح وأقيس عندي, لكنه مكروه.
ثم محل الوجوب عليها اتفاقًا: إذا لم يطلب المحرم أجرة, فلو طلبها وقد احتاجت إليه, ففي الوجوب وجهان بناهما الإمام على لزوم أجرة البذرقة, وهنا أولى بالوجوب؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنى فيها؛ فأشبه زيادة مؤنة المحمل في حق من يحتاج إليه.
واعلم أن [ظاهر] كلام الشيخ هنا يقتضي أمرين: أحدهما: أن وجود من تأمن معه على نفسها شرط الوجوب, وقد حكى الموفق ابن طاهر عن الأصحاب ترددًا في أن النسوة الثقات شرط في الوجوب أو التمكن, وذلك يطرد في المحرم والزوج.
الثاني: مساواة المرأة للرجل فيما ذكره إلا في اعتبار المحرم ونحوه, وهو الذي ذكره الغزالي؛ حيث قال: واستطاعة المرأة كاشتطاعة الرجل, [و] لكن إذا وجدت محرمًا.
واعترض عليه الرافعي, فقال: وليس الأمر على هذا الإطلاق؛ لأن المحاملي وغيره من العراقيين أطلقوا القول باعتبار المحمل في حق المرأة؛ لأنه أستر لها, وأليق بحالها.
قلت: وممن قال بذلك القاضي الحسين, ولا يردّ هذا الاعتراض على الشيخ؛ لأن قوله: "وأن يكون واجدًا لراحلة تصلح لمثله" يخرجه؛ فإن المحمل يصلح لمثلها.
نعم, قال الأصحاب: إنا إذا أوجبنا ركوب البحر على الرجل, ففي وجوبه على المرأة وجهان, حكاهما القفال –كما قال في "البحر"- قولين منصوصين:

أحدهما: نعم؛ كالرجل.
قال في "البحر": وهو غريب, لم يذكره العراقيون.
والثاني: لا؛ لأنه أشد تأثيرًا بالأهوال, ولأنها عورة وربما تتكشف لبعض الرجال؛ لضيق المكان؛ وعلى هذا نقول بعدم الاستحباب أيضًا, وإن استحببناه للرجل, وهو الذي قطع به القاضي الحسين وإن حكى الخلاف في الوجوب عليها.
ومنهم من طر الخلاف في الرجل فيها أيضًا.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ في بيان المستطيع بنفسه يقتضي غيجاب الحج والعمرة على السفيه والأعمى عند استجاع ما ذكر, وهو صحيح في السفيه, ولكن لا يسلم إليه المال, بل ينفقه عليه الولي أو من يستنيبه.
وأما الأعمى, فاشترط الأصحاب في الوجوب عليه: وجود قائد يقوده, ويرتفق به عند الركوب والنزول.
لكن هل يعتبر مع ذلك أن يكون القائد متبرعًا أم لا؟ قال الرافعي –تبعًا للغزالي-: الحكم فيه كما في المحرم في حق المرأة.
قال: والمستطيع بغيره أن يجد من لا يقدر على الثبوت على الراحلة –أي: كيف قدرت- إلا بمشقة شديدة؛ لزمانة, أو كبر مالا يدفعه –أي: أجرة أو جعلا أو رزقا- كما قال الرافعي حكاية "العدة" –إلى من يحج عنه, أي: ووجده, كما قال ابن الصباغ, أو له من يطيعه, أي: عند فقده, والمطيع ممن يوثق بقوله, كما قاله أبو الطيب وغيره, فيلزمه فرض الحج, أي: والعمرة.
ووجهه في الحالة الأولى: أن الله –تعالى- علق وجوب الحج بالاستطاعة, [والمستطيع] باستئجار غيره مستطيع؛ لأن العرب تقول: فلان مستطيع لأن يبني داره, ويخيط ثوبه؛ إذا قدر على ذلك بالاستجئار وإن كان لا يتولاه بنفسه؛ فوجب عليه.

ولأنه –عليه السلام- حين سئل عما يوجب الحج قال: "الزاد والراحلة"؛ وهذا يجدهما؛ فاقتضى [ذلك] وجوبه عليه.
وقد سئل عليّ –كرم الله وجهه- عن شيخ يجد الاستطاعة, فقال: "يجهز من يحج عنه".
ولأن ذلك عبادة تجب الكفارة بإفسادها؛ فوجب على الكبير والزمن, كالصوم.
ولأن كل حالة يخاطب فيها بأداء الحج المستقر, جاز أن يخاطب فيها بإيجاب الحج؛ كحالة الصحة.
ووجهه في الحالة الثانية: ما روى مالك في "موطئه" عن ابن عباس: أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: يا رسول الله, إن أمي عجوز كبيرة لا تستطيع, إن تركتها على البعير لا تستمسك, وإن ربطتها خفت أن تموت, أفأحج عنها؟ قال: "نعم".
وروى البخاري ومسلم أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله, إن فريضة الله على عباده الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة, أفحج عنه؟ قال: "نعم", قالت: أو ينفعه ذلك؟ قال: "أرأيت لو كان عليه دين فقضيته هل ينفعه ذلك؟ قالت: نعم, قال: "فدين الله أحق" وعلى هذا؛ فالدلالة منه –كما قال

أبو الطيب –من وجهين: أحدهما: قولها: "إن فريضة الله على عباده الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا ... " إلخ, ولو كان فرض الحج لا يلزم من كان على هذه الصفة, لأنكر قولها, ولقال لها: ليس فرض الحج متوجهًا عليه.
والثاني: قوله: "فدين الله أحق", وهذا يدل على أن الحج صار دينًا عليه.
ولأنا إنما ألزمناه ذلك في الحالة الأولى –كما دللنا عليه- لأنه يتوصل به غلى من يطيعه في أن يحج عنه, فإذا كان ذلك حاصلًا له؛ فأولى أن يلزمه فرض الحج, ويشهد له أن الشخص لو كان مقطوع اليدين, سقط عنه فرض الوضوء والتيمم؛ إذا لم يكن له ما يستأجر به من يفعل له ذلك, [و] إذا بذل له شخص الطاعة في أن يوضئه وييممه, لزمه ذلك؛ كما قال أبو الطيب؛ فكذلك هاهنا.
وفي "الروضة" للنوأوي حكاية وجه ضعيف: أنه لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة.
والمشهور: الأول.
ونضو الخلق والمريض مرضًا لا يرجى برؤه إذا لم يتمكنا من الركوب على الراحلة كالزمن فيما ذكرناه؛ نص عليه الشافعي, ولا يلتحق به من يرجى برؤه وإن كان لا يستطيع معه الثبوت على الراحلة؛ لأنه لا يجوز أن يستنيب عنه في الحج؛ لاحتمال قدرته عليه بنفسه؛ فهو غير قادر عليه بنفسه وبغيره.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورًا: أحدها: لزوم الحج إذا وجد مالًا يدفعه إلى من يحج عنه, سواء كان قدر أجرة مثله أو دونها؛ إذا وجد من يرضى بذلك, وقد صرح به الرافعي.
الثاني: أنه لا فرق في ذلك المال بين أن يكون فاضلًا عما يحتاج إليه –كما ذكرناه من قبل- أو لا, وقد اشترط الأصحاب فيه أن يكون فاضلًا عن ديونه وما يخلفه له لو حج بنفسه.
قال الرافعي –تبعًا للغزالي-: إلا نفقة عياله؛ فإنا شرطنا فيما إذا كان ممن يحج بنفسه: أن يكون المصروف في الزاد والراحلة فاضلًا عن نفقتهم وكسوتهم في

[الإياب والذهاب] , وهاهنا يعتبر أن يكون فاضلًا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستجئار, ولا يعتبر بعد فراغ الأجير من الحج إلى إيابه, وهل تعتبر مدة الذهاب؟ فيه وجهان, أصحهما في "التهذيب": لا, والفرق: أنه إذا لم يسافر يمكنه تحصيل نفقتهم.
قلت: وهذا ما أورده البندنيجي, وقاسه الإمام على زكاة الفطر؛ فإنه لا يعتبر فيها إلا نفقة اليوم, وكذلك في الكفارة المرتبة إذا لم يشترط تخليف رأس المال.
انتهى.
قلت: وهذا الكلام من أوله إلى هنا إذا تأملته ظهر لك منه: أنه يشترط أن تكون الأجرة فاضلة عن نفقته في مدة ذهاب الأجير ورجوعه, وقد صرح البندنيجي بأن نفقته كنفقة عياله.
الثالث: أنه لا فرق في الوجوب عند وجود المطيع بين أن يكون المطيع ممن اجتمعت فيه شرائط وجوب الحج أو لا, وقد جزم القاضي أبو الطيب والبندنيجي بأن محل ذلك إذا كان مستجمعًا لشرائط الوجوب الخمسة؛ لأن المبذول له لو قدر على الفعل بنفسه, لكانت هذه الشرائط معتبرة في حقه؛ فأولى أن تعتبر في حق النائب عنه, وحكى المارودي وجهًا آخر: أنه لا يشترط في الوجوب قدرة المطيع على الزاد والراحلة, بل إذا أطاع, وتكلف المشي والسؤال في الطريق, أو الاكتساب –لزم المبذول له الحج.
والوجهان في الوجوب وعدمه عند عدم المطيع الراحلة جاريان فيما إذا لم يقدر من له مال فاضل عما ذكرناه إلا على أجرة ماشٍ, لكن الصحيح هنا الوجوب.
ووجه مقابله: أن الماشي على خطر, وفي بذل المال في أجرته تغرير به.
الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون باذل الطاعة ولدًا وإن سفل, أو والدًا وإن علا, أو أجنبيًا؛ وهو الذي نص عليه في "الإملاء" و"المبسوط" –كما قال الماوردي- وهو الصحيح.

وحكى البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما: أن من الأصحاب من خص الوجوب بما إذا كان المطيع ولدًا وإن سفل؛ لأنه يختص بما لا يختص به غيره من كونه لا يقاد به الأب, ويجب عليه إعتاقه, ويجوز له الرجوع فيما وهبه له.
ولا نوجب الحج عند بذل الأجنبي والوالد: أما الأجنبي؛ فللمنة, وأما في الوالد؛ فلأن خدمته تشق على ولده.
وحكى القاضي الحسين وجهًا آخر: أن الوالد ملحق بالولد, دون الأجنبي, وهذا ما اختاره الشيخ أبو محمد, وقد حكاه الماوردي بدلًا عن الوجه الذي قبله, وألحق الأحسن بالأب, كما أن البنت ملحقة بالابن.
الخامس: أنه لا فرق في الوجوب عليه عن من يطيعه بين أن يصرح له بالطاعة أو لا عند معرفته بذلك, وهو المذكور في "تعليق" البندنيجي وأبي الطيب والشامل, ويحكى عن النص.
وقيل: لا يجب إلا عند التصريح بالطاعة.
وقال القاضي الحسين: إنه الصحيح؛ لأن الظن يخطئ ويصيب.
ولو لم يعلم المعذور بطاعته, قال أبو حامد في "التعليق": هو بمنزلة من له مال لا يعلمه؛ بأن يموت مورثه, والحكم فيه –كما قال البندنيجي-: أنه يلزمه.
وقال ابن الصباغ والطبري: عندي أن هذا يجري مجرى من نسي الماء في رحله, وتيمم, وصلى, هل يسقط عنه الفرض؟ فيه قولان.
وفي "المعتمد": تشبيه ذلك بالمال الضال والمغصوب في الزكاة.
قال الرافعي: ولك أن تفرق بين الحج وغيره, فتقول: وجب ألا يلزمه الحج بحال؛ لأنه معلق بالاستطاعة, ولا استطاعة عند عدم الشعور بالمال والطاعة.
السادس: أنه لا فرق فيما ذكره من النيابة بين أن يكون بينه وبين مكة مسافة القصر أم لا.
وفي "التتمة": أن محل النيابة إذا كان بينه وبين مكة مسافة القصر, أما لو كانت دونها, فلا تجوز النيابة.

السابع: أنه لو بذل له المال ليستأجر به من يحج عنه, لم يلزمه فرض الحج؛ وهذا ما دل عليه مفهوم كلامه, وهو المشهور فيما إذا كان الباذل [له] أجنبيًا, وادعى القاضي الحسين: أنه لا يختلف المذهب فيه, لكن لماذا؟ فيه معنيان: أحدهما: لأنه يحوج إلى تملكه, ولا يلزم الإنسان تملك مال الغير.
والثاني: لما يلحقه من المنة فيه.
وعليهما يخرج ما لو كان الباذل له الولد وإن سفل, فإن قلنا بالأول لم يجب هنا أيضًا, وهو الأصح في "الحاوي" وغيره.
وإن قلنا بالثاني, وجب لأنه لا تلحقه منة يعظم احتمالها من جهة الولد.
وقد أجريا –كما قال ابن الصباغ وغيره- فيما لو بذل الولد لأبيه الصحيح الفقير مالًا ليحج به هل يجب عليه الحج أم لا؟ وقد حكاهما الرافعي في بذل الأجنبي المال –أيضًا- عن رواية الحناطي.
و [عن] صاحب "الفروع" جعلهما مرتبين على الوجهين في بذل الولد في حال المرض وحال الصحة, وهاهنا أولى بالمنع, والأب في بذل المال ملحق بالولد؛ قاله الغزالي.
وحكى الإمام عن شيخه ترددًا في إلحاقه بالأجنبي أو بالابن, ثم قال الإمام: ولعل الأظهر الثاني.
ولو انتفى المعنيان؛ كما إذا كان الولد الباذل للطاعة عاجزًا أيضًا عن الحج, وقدر على أن يستأجر له من يحج عنه, وبذل له ذلك –وجب الحج على المبذول له وجهًا واحدًا؛ قاله البندنيجي, وحكاه في "الزوائد" عن الشيخ أبي حامد والمحاملي وابن الصباغ.
فرع: من يجب الحج ببذله الطاعة, هل له أن يرجع بعد البذل فيها؟ قال الجمهور: إنه ينظر: فإن كان بعد الإحرام لم يجز, وإن كان قبله فوجهان: المذهب منهما –في "الشامل", ولم يحك البندنيجي سواه- الجواز.
وقال في "الحاوي": إن محلهما إذا كان لم يحرم, وقد أذن له المبذول له الطاعة

في الحج عنه.
زنسب الجواز إلى بعض البصريين؛ وعلى هذا نتبين عدم الوجوب على المبذول [له] الطاعة.
وقال: إن الصحيح عدم الجواز؛ لأن بذله الطاعة قد ألزم غيره فرضًا لم يكن, [و] في رجوعه إسقاط الفرض قبل إقامته, ولا يجوز إسقاط الفرض بعد وجوبه إلا بأدائه.
ثم قال: فإن قيل: لو بذل الماء لغيره في السفر عند عدمه, لم يلزمه إقباضه, وجاز له الرجوع فيه, وإن كان قد ألزم غيره فرضًا ببذله.
قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن بذل الماء ليس بموجب لفرض الطهارة, وإنما غير صفة الأداء, وبذل الحج أوجب فرضه.
والثاني: أن المبذول له الماء يرجع غلى بدل يقوم مقام استعمال الماء وهو التيمم, وليس للحج بدل يرجع إليه المبذول له, والله أعلم.
[قال في البحر: وعلى هذا لو كان الباذل الأب للابن, وأوجبنا به الحج على الابن: فهل يجوز رجوعه؟ فيه وجهان].
قال: والمستحب لمن وجب عليه الحج أو العمرة ألا يؤخر ذلك, أي: عن أول سني الإمكان, فإن أخره وفعل قبل أن يموت, لم يأثم.
هذا الكلام ينظم حكمين: أحدهما: أن فرض الحج أو العمرة إذا وجب لا يجب فعله على الفور.
ووجهه: أن فريضة الحج نزلت سنة ست من الهجرة –كما تقدم ذكره وأنه الصحيح- أو سنة خمس, وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة –شرفها الله تعالى-[فى] سنة ثمان, وأمر فيها عتاب بن أسيد, فحج فيها بالناس, ثم بعث أبا بكر سنة تسع, فحج بالناس, وتأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مشغول بحرب ولا خائف من عدو ومعه مياسير الصحابة: كعثمان بن عفان, وعبد الرحمن بن عوف, ثم أنفذ علي بن

أبي طالب بعد نفوذ أبي بكر يأمره بقراءة سورة "براءة", ثم حج في سنة عشر, وحج معه مياسير الصحابة, فلو كان واجبًا على الفور, لعيب على من تأخر مع القدرة, ولما أخره –عليه السلام- وكيف وقد فعل عمرة القضاء في سنة سبع التي أحصر عنها في سنة ست.
وإذا ثبت أن الحج غير واجب على الفور, فالعمرة كذلك؛ لقوله –عليه السلام- "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة", ووجه الدليل منه يفهم مما تقدم ذكره.
الثاني: أن المستحب المبادرة بفعل ذلك.
ووجهه [مع] ما ذكرناه: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]. ولأن فيه تعجيل براءة الذمة.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره من الحكمين بين أن يكون قد وجب عليه ذلك لاستطاعته [بنفسه, أو لاستطاعته] بغيره, ويكون المستحب فيما إذا قدر على الفعل بنفسه تعجيل الفعل, وفيما إذا قدر عليه بواسطة غيره تعجيل الاستئجار, أو الإذن للمطيع في [فعل] ذلك عنه؛ [فإنه لا يصح فعله منه [عنهي] ما دام حيًا بدون إذنه, على الأصح في "التتمة", وإن جوزه القاضي

أبو حامد؛ كما حكاه القاضي الحسين, وغلطه فيه.
ولا شك في ثبوت الحكمين فيما إذا كان مستطيعًا بنفسه, اللهم إلا أن يظهر له أمارات العجز عن ذلك؛ فإن في تضييق الفعل عليه وجهين, أظهرهما عند الرافعي, وهو الذي ذكره في "الوسيط": [نعم].
وإذا لم يفعل مع الاستطاعة حتى عجز عن الفعل؛ لزمانة ونحوها –قال في "الوسيط": عصى, [أي: إذا فرعنا [على] أنه إذا مات عصى] , وهل تتضيق عليه الاستبانة, كما قال الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم, وهو ما رآه الأظهر؛ لخروج ذلك بتقصيره عن الرفاهية.
والثاني: لا, كما لو بلغ معضوبًا فإن عليه الاستنابة على التراخي.
وأما إذا [وجب عليه ذلك باستطاعته] بغيره, فقد أفهم كلام ابن الصباغ: أنه لا يجب عليه تعجيل الاستئجار, كما صرح به الإمام, وصرح بأنه لا يقوم الحاكم مقامه فيه, وأنه يجب عليه عند بذل الطاعة الإذن للمطيع في فعل ذلك عنه, [وبه صرح الماوردي أيضا, وأنه إذا لم يفعل هل ينوب الحاكم عنه فيه]؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الإذن واجب عليه, فإذا لم يفعله قام الحاكم مقامه فيه, كالزكاة, وهذا قول أبي إسحاق.
وأصحهما: لا, لأن هذا لا تعلق لغيره به, وإنما يقع عنه بإذنه, لقيام الإذن مقام قصده, فلا ينوب الحاكم منابه فيه؛ وبالقياس على ما لو كان معه ما يستأجر به, لا يقوم الحاكم مقامه فيه.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: إنما لم ينب الحاكم منابه في الاستئجار, لأن له غرضًا في تأخيره لينتفع بالمال, والحج على التراخي, ولا غرض له في تأخير الإذن.
فالجواب: أنه قد يكون له غرض في تأخير الإذن, ليجد مالًا يستأجر به من يحج عنه؛ فيكثر ثوابه, أو يستنيب من هو أفضل وأتقى من الباذل, فلا فرق بينهما.

قلت: ولأجل عدم الفرق حكى الفوراني والمسعودي وجهين في أنه إذا قدر على الاستئجار, فلم يفعله, هل يستأجر الحاكم عنه أم لا؟ لكنهما صححا الجواز, ووجهاه بأن الحج إنما يكون على التراخي في الصحة, وهذا يخالف ما ذكره الشيخ؛ وعلى هذا فقد يقال في الفرق بين الحالين: إنه في حال الصحة متمكن من الخروج عن الفرض بنفسه فشابه فرض الصلاة, وفي حال العجز لا يتمكن منه إلا بموافقة غيره, فإذا وجدت, تعين على الفور كالزكاة, ولا يرد الصوم؛ لأنه تعين بحكم الوقت, لكن ترد النذور والكفارات في بعض الصور؛ لأنه لا يتمكن من الخروج عنها إلا بالغير ومع هذا هي على التراخي.
وقد يقال: إن المريض إلى الموت أقرب منه في الظن إلى الحياة, فلذلك يضيق عليه, بخلاف الصحيح, لكن يرد عليه لو كان كذلك: أن يفصل بين الشيخ والشاب في الفورية, ولم يفصل, والله أعلم.
ثم المراد بالفعل في قول الشيخ: "فإن أخر وفعل قبل أن يموت لم يأثم": أن يفعل الحج أو العمرة بنفسه إن استطاع ذلك, وإن لم يستطع بنفسه بل بغيره أن يستأجر من يفعله عنه إن قدر عليه, أو يأذن لمن أطاعه عند عجزه, وقد صرح به الماوردي حيث قال: فإن أذن المبذول له قبل وفأنه, انتقل الفرض عنه إلى الباذل.
وكلام الشيخ مفهم أنه إذا لم يفعل حتى مات [مع تمكنه منه]: أنه يأثم؛ ولذلك لم يذكره عند ذكر هذه المسألة, كما صرح به غيره؛ موجهًا ذلك بأن التأخير جوز بشرط سلامة العاقبة, ولم تسلم.
ووراءه وجوه: أحدها: أنه لا يأثم؛ كما لو أخر الصلاة عن أول الوقت مع التمكن, ومات في أثنائه, فإنه لا يأثم على الصحيح.
والقائل [بالأول] فرق بينه وبين الصلاة: بأن آخر وقت الصلاة معلوم, فلم ينسب إلى التفريط بالتأخير, بخلاف الحج.
والثاني –حكاه ابن الصباغ والغزالي بدلًا عن الذي قبله-: أنه لا يعصي إذا أخر

عازمًا على الامتثال, ومات فجأة.
والثالث –وحكاه القاضي الحسين وغيره من المراوزة -: إن كان شابًا لم يعص بالتأخير, وإن كان شيخًا هرمًا عصى به.
وإذا قلنا بالإثم, فمن أي وقت نؤثمه؟ فيه وجهان في الطريقين: أحدهما –وينسب إلى أبي إسحاق-: في السنة التي فأنه الحج بالتأخير عنها, وهو الذي رجحه الرافعي.
والثاني –وبه قال غيره من الأصحاب-: من أول سِنِي الإمكان.
وفي "الرافعي" وجه ثالث: أنا نحكم بموته عاصيًا من غير أن نسنده إلى وقت معين.
وفي "البيان" مع الوجوه الثلاثة وجه رابع: أنه يأثم من حين تبين في نفسه الكبر والضعف.
ومن فوائد الحكم بموته عاصيًا –كما قاله الرافعي وغيره-: أنه لو كان قد شهد عند القاضي, ولم يقض بشهادته حتى مات –فلا يقضي؛ كما لو بان له فسقه, ولو قضى بشهادته بين الأولى من سني الإمكان وآخرها, فعلى الأول لا ينقض ذلك الحكم بحال, وعلى الثاني: في نقضه القولان فيما إذا بان له فسق الشهود بعد الحكم.
قال القاضي الحسين: إلا أن القولين في فسق خفي اقترن بأداء الشهادة, وفي مسألتنا هو فسق بالاستبانة؛ فحكمه أضعف.
وقد قال بعضهم: إن بناء نقض الحكم على تعصيته من أي وقت, بناء ضعيف؛ لأنه مختلف فيه.
فرع: إذا فعل العاجز ما وجب عليه من استئجار, أو إذن للباذل للطاعة, ففعل عنه, ثم قدر على تعاطي ذلك بنفسه –ففي وقوع ذلك موقعه طريقان حكاهما العراقيون: أحدهما: حكاية قولين [فيه]؛ كما إذا كان مرضه مرجو الزوال, ففعل

مثل ذلك, ثم مات من ذلك المرض بعد أن فعل عنه في حياته؛ فإن في وقوعه عن الفرض قولين محكيين في "الأم" جاريين –كما أبدأه ابن الصباغ احتمالًا- فيما إذا حج عن المجنون, ثم مات قبل الإفاقة, وكان قد استقر عليه الوجوب, ينظر في أحدهما إلى الحال, وفي الآخر إلى المآل: فإن نظرنا إلى الحال قلنا بالإجزاء في مسألتنا, وبالمنع في المقيس عليها, وإن نظرنا إلى المآل؛ انعكس الحكم.
والقاضي الحسين قال: إن أصل القولين ما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي, فبان ميتًا.
وقال الفوراني: أصلهما: القولان فيما إذا رأوا سوادًا, فظنوه عدوًا؛ فصلوا صلاة الخوف, ثم تبين خلافه, هل تجزئهم الصلاة أم لا؟ وقضية كل بناء تقتضي أن يكون الصحيح في إحدى الصورتين خلاف الصحيح في الأخرى, وقد صرج الماوردي وغيره بأن الصحيح فيهما: عدم الإجزاء.
والطريق الثاني: القطع بعدم الإجزاء في مسألتنا, كما نص عليه في "الأم", والقائلون بها فرقوا بأن الخطأ مستيقن فيها؛ لجواز ألا يكون المرض بحيث لا يوجب اليأس, ثم يزداد فيوجبه؛ فيجعل الحكم للمآل.
وقد اتفق الكل على أنه لو فعل ذلك في الصحة, ثم مات: لا يجزئ.
ثم حيث قلنا بعدم الإجزاء, وكان في صورة الاستجئار, فهل يقع ما أتى به الأجير تطوعًا عن مستأجره أو لا؟ في طريقة المراوزة حكاية وجهين فيه: أحدهما –ويحكى عن رواية القفال-: نعم, وهو الذي صححه الغزالي, وإن كان الإمام وغيره استبعدوه؛ إقامة للعجز المقارن للاستئجار في تقديم حج التطوع على فرضه مقام الصبا والرق, فعلى هذا: هل يستحق الأجرة المسماة أو أجرة المثل؟ قال الشيخ أبو محمد: لا يمنع تخريجه على الوجهين الآتيين؛ لأن الحاصل غير ما ابتغاه.
والذي رجحه في "الروضة": إيجاب المسمى.

والثاني: لا؛ كما إذا استأجر من لم يحج أصلا ليحج عنه؛ وعلى هذا: فهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان: أصحهما: لا؛ لأن المستأجر لا ينتفع به.
والثاني: نعم؛ لأن له عملًا في اعتقاده؛ وعلى هذا: فهل يستحق أجرة المثل أو المسمى؟ فيه وجهان مأخذهما: أنا نتبين فساد الاستئجار أم لا؟ أما إذا لم يفعل عنه حتى قدر على ذلك بنفسه, ففعل, فلا يقع عنه قولاً واحدًا, قاله المارودي, ومثله في الصورة الأخرى: لو كان الأجير لم يفعل ما وقع عليه عقد الإجارة حتى مات المستأجر, ففعله عنه [بعد موته] أجزأه [عنه] قولاً واحدًا؛ لوقوعه في زمان يصح فيه النيابة عنه, قاله الماوردي أيضًا.
وقياسه: أن يقال بمثل ذلك لو فعله بعد أن صار إلى حالة أيس من البرء فيها.
قال: ومن وجب عليه ذلك, وتمكن من فعله, أي: أما بنفسه أو بغيره, فلم يفعله حتى مات –وجب قضاؤه من تركته؛ لما روى البخاري ومسلم: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله, إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا, لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة, أفأحج عنه؟ قال: "نعم", قالت: أينفعه ذلك؟ قال: "نعم؛ كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه [ذلك] ". وروى الدارقطني بسنده عن ابن عباس أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي مات وعليه حجة الإسلام, أفأحج عنه؟ [قال: "نعم", قال: أو ينفعه ذلك؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين, فقضيته, هل ينفعه ذلك؟ "] قال: نعم, قال: "فدين الله أحق بالقضاء".
فشبه الحج بالدين الذي لا يسقط بالموت؛ فوجب أن يتساويا في الحكم, ولو

مات وعليه دين, قضى من تركته؛ فكذا هذا.
قال: الزكاة.
هذا من الشيخ يحتمل أن يكون أراد به القياس على الزاكة؛ بجامع كون كل واحد منهما حقًا لله تعالى تمكن من فعله, وهو [مما تدخله] النيابة في حال الحياة مع كون النية شرطًا فيه, ولا يصح فعله عنه بدون إذنه.
ويحتمل أن يكون المراد [به]: أنه يقضى من التركة, سواء أوصى به أم لم يوص, كما تقضى الزاكة أوصى بها أو لم يوص, وأنه يجيء في تقديمه على غيره من الديون عند الضيق ما تقدم من الخلاف في الزكاة؛ كما صرح به في "المذهب" تبعًا للقاضي أبي الطيب والبندنيجي وغيرهما.
وفي "الإبانة": أن من الأصحاب من نسب إلى الشافعي –رضي الله عنه- قولًا: أنه لا يحج عنه إلا إذا أوصى [به] كمذهب أبي حنيفة.
وقال القاضي الحسين –تفريعًا عليه-: إنه يعتبر من الثلث.
ثم قال: وهكذا إذا مات وعليه زكاة, ومنهم من يجعل في إخراجها بغير وصية قولين, والصحيح في الزكاة والدين: الأول؛ ومنهم من قطع به, وقال: إن الحجة المنذورة تترتب على حجة الإسلام, وأولى بأن تعتبر من الثلث؛ بناء على أن مطلق النذر يحمل على ما يستقرب به الإنسان من ذلك الجنس, وكلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق.
ويحتمل أن يكون أراد به المجموع, ولا منع منه, لكن هذا التشبيه يقتضي إجراء خلاف في أنه هل يجوز أن يتبرع أجنبي عن الميت بذلك بدون إذنه وإذن وارثه, أم لا كما هو محكي في الزكاة؟ وقد صرح به ابن التلمساني في "شرحه"؛ تبعًا لصاحب "البحر", والذي أورده القاضي الحسين والمتولي والغزالي: الجواز.

وزاد الفوراني [في "الإبانة] والمسعودي, فقالا: إنه يجوز أن يستأجر من يحج عنه, وهذا بخلاف حال الحياة؛ حيث قلنا: لا يجوز أن يحج عن العاجز بدون إذنه على الأصح؛ لأنه في حال الحياة من أهل الإذن, وبالموت خرج عن أن يكون من أهله.
وقال في "التتمة" – تبعًا للقاضي الحسين-: ويخالف هذا أيضًا ما لو كان على الميت عتق, فأعتق الأجنبي عنه؛ فإنه لا يجوز على أحد الطريقين؛ لأن العتق يقتضي الولاء وثبوت الولاء يقتضي ثبوت الملك, [وإثبات الملك] للميت بعد موته متعذر.
أما إذا مات بعد الوجوب وقبل التمكن من الأداء, لم يقض من تركته؛ لأنه يتبين عدم استقرار الوجوب عليه؛ كما إذا مات في أثناء وقت الصلاة قبل التمكن من فعلها, أو جن, أو حاضت المرأة.
وفي "الحاوي": أن البلخي طرد أصله في الصلاة هنا, فقال: ليس من شرط الاستقرار إمكان الأداء.
لكن حكى في "المهذب" هنا: أن أبا إسحاق أظهر له نص الشافعي؛ فرجع عن ذلك؛ فعلى هذا قال بعضهم: الفرق على مذهبه بين الصلاة والحج: أن الصلاة مما تلزم بإدراك بعض الوقت –وهو الآخر- إقامة لذلك مقام إدراك كله؛ فجاز أن يكون أوله كذلك, وليس كذلك الحج.
قال القاضي الحسين: فإن قيل: التمكن على القول القديم في الزكاة شرط في الوجوب, فما الفرق بينها وبين الحج وغيره من العبادات؟ قلنا: لأن في الزكاة لا ينفرد هو بالأداء, بخلاف سائر العبادات.
قلت: وهذا يبطل بالجمعة.
ثم المراد بإمكان الفعل الذي يستقر به الحج على الميت يختلف: فإن كان موته قبل عود الناس من الحج؛ بأن يكون موته حصل بعد مضي إمكان فعل أركانه في وقتها من الإحرام, والوقوف, والطواف, والسعى, وكذا رمي جمرة العقبة والحلاق

إن قلنا: [إنه نسك] , وهو مستجمع للشرائط السابقة, فلو مات قبل ذلك, فلا استقرار, وتبين عدم الوجوب, وكذا لو مات بعد إمكان بعد إمكان ذلك, لكن بعد فقد شيء من الشرائط السابقة –فلا استقرار.
ولو كان ممن لا يمكنه السير إلا مع الرفقة, فخرجوا في الوقت المعتاد, وتخلف عنهم مع وجود الشرائط, لكنهم أحصروا-: فإن كان لهم طريق آخر فسلكوها وحجوا في تلك السنة, استقر عليه الفرض, لأنه لو خرج معهم لأمكنه الفعل وإن لم يدركوا الحج في تلك السنة أو لم يكن لهم طريق آخر وتحللوا بسبب الحصر, لم يستقر عليه الفرض؛ لأنه لو كان معهم, لم يمكنه الفعل.
ولو كان تخلفه؛ لكون السلطان أو ظالم منعه من الخروج معهم, وأتموا نسكهم –قال القاضي الحسين: ففي استقراره وجهان ينبيان على أن الحصر الخاص هل يفيد التحلل؟ وفيه قولان.
وإن كان موته بعد عودهم إلى بلده نظر: فإن كان الشخص مستطيعًا بغيره, فالتمكن في حقه ما تقدم, لكن لا يشترط بقاء المال معه إلى انتهاء ذلك على وجه؛ لما تقدم تقريره.
وإن كان مستطيعًا بنفسه, فإن كان ممن لا يعتبر في حقه وجود الزاد والراحلة في مدة الرجوع؛ أما لقرب المسافة أو لبعدها وكان ممن لا أهل له, وفرعنا على أحد الوجهين فالحكم كما لو مات قبل عودهم.
وإن كان ممن يعتبر في حقه وجود ذلك في مدة الرجوع, فوجهان حكاهما القاضي الحسين: أحدهما: أن الحكم كذلك؛ قياسًا على حالة الموت, وقد أبداه الإمام احتمالًا.
والثاني –وهو الذي حكاه الإمام ومن تبعه عن الصيدلاني, ولم يحك غيره-: أنه يعتبر مع ذلك بقاء الزاد والراحلة في مدة إمكان الإياب؛ لأن ذلك شرط في الوجوب, فإذا نفد قبله بان أنه كان لا يجد نفقة الرجوع, بخلاف ما لو مات, فإن الموت يغنيه عن الرجوع.

فرع: إذا قضى الحج أو العمرة من التركة, فالاستئجار يكون على فعل ذلك من ميقاته؛ كما قاله الشافعي, رضي اله عنه.
قال القاضي الحسين: وظاهر هذا: أنه يتعين ميقات بلده؛ فمن أصحابنا من قال بظاهره, ومنهم من قال: يجوز أن يستأجر عنه من ميقات هو مثل [ميقات بلده؛ فلو استأجر من ميقات أقرب [منه] فعليه الدم, ولو استأجر من ميقات أبعد منه] بأجرة ميقات بلده, فوجهان: أظهرهما: لا شيء عليه؛ لأنه زاد خيرًا.
والثاني: يلزمه الدم؛ للمخالفة.
ولو استأجر من ميقات هو مثل ميقات بلده, فوجهان أيضًا: أحدهما: عليه الدم؛ لأن ميقات بلده متعين.
والثاني: لا بلزمه؛ لأنه لا يتعين.
وكلام الشافعي –رضي الله عنه- محمول على أنه قصد به التقريب دون التحديد.
قال: ولا يحج ولا يعتمر عن غيره وعليه فرضه: أما في الحج؛ فلما روى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة, قال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب, قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا, قال" "حج عن نفسك ثم عن شبرمة", أي: أدم الحج

عن نفسك ثم [حج] عن شبرمة.
وقد روى مثل ذلك ابن عمر وجابر وعائشة عنه, عليه السلام.
وروى أنه –عليه السلام- قال: "لب عن نفسك, ثم لب عن شبرمة".
وروي أنه قال: "هذه لك, وحج عن شبرمة", وهذه الرواية تعضد ما أولناه من حديث ابن عباس, لكن البهيقي قال: إن إسناد حديث ابن عباس صحيح, وليس في الباب أصح منه.
فأفهم الحديث: أنه لا بد من تقديم فرض نفسه على فرض غيره.
ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة؛ فلم يجز أن يؤديها عن غيره مع وجوب فرضها عليه؛ كالجهاد.
وأما في العمرة؛ قبالقياس على الحج.
وكما لا يجوز أن يحج أو يعتمر عن غيره, وعليه فرضه –لا يجوز أن يفعل ذلك وهو عليه بنذر أو قضاء؛ [لأن ذلك ملتحق] بالفرض.
وقد أشار الشيخ بقوله: "وعليه فرضه" إلى ما ذكره في العمرة مفرعًا على الصحيح في أنها فرض, أما إذا قلنا بأنها سنة, فقد حكي في "البحر" عن والده رواية وجهين فيه:

أحدهما: يجوز.
والثاني: لا؛ لأن العمرة أحد [نسكي] القران, فلا يجوز فعله عن الغير قبل فعله عن نفسه؛ كالحج.
قال: ولا ينتفل بالحج عن نفسه وعليه فرضه, ولا يؤدي نذر الحج وعليه فرض الإسلام, لأن النفل والنذر أضعف من فرض الإسلام, فلا يجوز تقديمهما عليه؛ كحج غيره على حجه, وكذا لا يجوز تقديم حجة القضاء على حجة الإسلام وإن سبقته, ويتصور ذلك في العبد يحج في حال رقه, ويفسده, ونقول بوجوب القضاء عليه, فلم يفعله في حال رقه, أو فعله, وقلنا: لا يجزئه كما سنذكره.
والنذر مؤخر عن القضاء كتأخيره عن فرض الحج.
قال القاضي الحسين: وحى الغزالي في الترتيب بين القضاء والنذر ترددًا, وهو للإمام.
ولو كان القضاء قضاء تطوع أفسده, وقد نذر فأحرم, فهو منصرف –كما قاله القاضي أبو الطيب- إلى الأسبق منهما وجوبًا؛ لأن كل واحد منهما وجب عليه بإيجابه.
واعلم أن قول الشيخ: "ولا يؤدي نذر الحج وعليه فرض الإسلام" يجوز أن يريد بفرض الإسلام حج الإسلام, ويجوز أن يريد به فرض الإسلام: من حج أو عمرة, على الجديد, حتى إنه إذا كان قد حج الفرض, ولم يعتمر؛ فلا يحرم بحجة نذرها, وهذه الصورة لم أقف فيها على شيء, لكن الذي يظهر [الجواز؛ إذ لو امتنع ذلك لامتنع أن يحرم بالعمرة تطوعًا من اعتمر عمرة الإسلام ولم يحج حجة الإسلام, وذلك غير ممتنع؛ يدل عليه أنه –عليه السلام- اعتمر تطوعًا, ولم يحج

حجة الإسلام, وإذا [لم يمتنع ذلك] لم يمتنع التطوع بالحج قبل أداء فرض العمرة] والله أعلم.
قال: فإن أحرم عن غيره أو تنفل, وعليه فرضه, انصرف إلى الفرض, وكذلك لو أحرم بنذر الحج وعليه فرض الإسلام انصرف إلى فرض الإسلام: أما في الإحرام عن الغير؛ فللخبر.
وأما عند إحرامه بالتطوع؛ فلأن الإحرام ركن من أركان الحج؛ فوجب ألا يصح أن يتطوع به وعليه فرضه, بل ينقلب إلى فرضه, كمن طاف ينوي الوداع وعليه طواف الزيارة, فإنه يكون عن طواف الزيارة.
ولأنها عبادة يجب في إفسادها الكفارة؛ فوجب ألا تصح ممن يصح منه فرضها, كالصوم في شهر رمضان.
ولأنا أجمعنا على أنه لو أحرم مطلقًا يقع عن الفرض, ولو جاز أن يسبق النفل الفرض, لكان مطلقه ينصرف غلى النفل, كما في الصلاة.
وأما عند إحرامه بالنذر وعليه فرضه [فلأن الفرض أهم من النذر, فقدم؛ كما إذا حج عن غيره وعليه فرضه].
والحكم هكذا فيما لو أحرم عن الغير وعليه نذر أو قضاء, أو تطوع عن نفسه وعليه نذر أو قضاء, ينصرف إلى ما عليه.
ويظهر أن يكون محل ذلك بالتفاق فيما إذا كان النذر مقيدًا بوقت, ففعل فيه التطوع أو فعل عن العير, أما إذا كان النذر مرسلًا في ذمته, فينبغي أن يكون حكمه حكم من تطوع بالطواف أو فعله عن الغير وفي ذمته طواف منذور غير مخصوص بوقت, وفي صحة ذلك وجهان في "الروضة", أصحهما: أن الحكم كما تقدم.

ولو أحرم بالنذر, وعليه قضاء, انصرف على المذهب.
قال في "البحر": ولو كان قد نذر الحج في عام معين, فلم يحج فيه, وكان قد حج حجة الإسلام, ثم نذر حجًّا آخر –فهل عليه أن يقدم حجة القضاء [أم] له الإتيان بالمنذور ثانيًا؟ قال: والذي عندي: [أن] له أن يأتي بأيهما شاء.
ويحتمل أن يقال: [يقدم] حجة القضاء؛ لأنها أسبق وجوبًا.
قلت: وهذا يوافقه ما قدمت حكايته عن أبي الطيب.
ومن قلنا: إنه لا يصح حجه عن الغير؛ لكونه لم يأت بالفرض, لو كان قد استؤجر عليه, وفعله –لا يستحق على المستأجر شيئًا؛ لأن فعله أسقط عنه واجبًا, بخلاف ما إذا استأجر [عاجز] شخصًا للحج, فبرأ بعد أن حج عنه [أو من يرجى برؤه, فمات قبل البرء وبعد أن حج عنه؛] حيث قلنا: إن ذلك لا يقع عن المستأجر وإن الأجرة تستحق: أما أجرة المثل, أو المسمى؛ على أحد الطريقين؛ لأن فعله لم يسقط عنه واجبًا؛ كذا حكاه العراقيون.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا استأجر من لم يحج عن نفسه [مع علمه بأنه لم يحج عن نفسه] , وقال: اعتقادي بأنه أهل لأن ينوب عن الغير في الحج –هل يستحق الأجرة أو يلزمه ردها عليه؟ فيه وجهان نظيرهما: ما إذا استأجر من يحج عنه, فصرف الأجير الإحرام إلى نفسه في خلال الحج؛ فإنه لا ينقلب إليه, وهل يستحق الأجرة؟ فيه قولان: في أحدهما: ينظر إلى الباطن.
وفي الثاني: إلى الظاهر.
ومثلهما إذا جحد القصار ثوبًا, ثم قصره, هل يستحق الأجرة أم لا؟ نعم, لو غر الأجير المستأجر فقال له: إنه حج عن نفسه, ولم يكن –فإنه يرد الأجرة وجهًا واحدًا.

فروع: [أحدهما]: إذا أحرم عن الغير, ثم نذر حجًا لله, فإن نذره بعد الوقوف, لم بنصرف الإحرام إليه, وإن نذره قبل الوقوف, فوجهان: أحدهما: ينصرف إحرامه إلى المنذور كالعبد والصبي يحرمان, فيكمل حالهما بالعتق والبلوغ قبل الوقوف, ينصرف إحرامهما إلى الفرض.
والثاني: لا, وهو الصحيح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره؛ لأن هذا انقلاب من شخص إلى شخص, بخلاف العبد والصبي؛ فإن ذلك انقلاب من حال إلى حال.
ونظيره: لو تطوع, ثم نذر حجًا لله تعالى قبل الوقوف, فإن المذهب [أنه] ينصرف [إحرامه إلى] المنذور.
والخلاف في هذه الأخيرة, جارٍ –كما قال في "البحر"- فيما إذا استأجر العاجز من يحج عنه تطوعًا, وصححناه, ثم نذر الحج قبل أن يقف الأجير, إذا قلنا: يلزمه الإحرام, لدخول مكة, وإنه إذا تركه لا يجب عليه القضاء إلا إذا صار حطابًا – [هل له أن يحج عن الغير أو يتطوع قبل أن يصير حطابًا؟] حكى في "البحر" عن والده أنه [قال]: يحتمل وجهين, ومال إلى ترجيح الجواز, وأنه إن صح, فليس على أصلنا مسألة يصح التطوع فيها بالحج والنيابة مع وجوب الحج عليه إلا في هذا الموضع.
[الثاني]: العاجز عن الفعل بنفسه إذا كان عليه حجة الإسلام, وحجة بالنذر, فاستأجر رجلين ليحجا عنه في سنة واحدة –نص في الأحسن على الجواز, بل قد فعل الأولى.
ومن الأصحاب من قال: لا يجوز؛ لأنه لا يحج في سنة واحدة حجتين, فعلى هذا لو وقع إحرامهما معًا, وقع عن أنفسهما.
[الثالث]: إذا استأجر للحج والعمرة من حج عن نفسه ولم يعتمر, فإن أحرم بكل منهما منفردًا وقع الحج عن المستأجر والعمرة [عن الأجير.

وإن أحرم بهما معًا, كانا جميعًا عن الأجير؛ لأن العمرة تقع] له؛ فلا يكون الحج عن غيره؛ لأنه إحرام واحد؛ فلا يتبعض؛ وهذا ما حكاه البندنيجي وأبو الطيب [والماوردي وابن الصباغ] ونسبه ابن سريج إلى نصه في الجديد؛ كما قال القاضي الحسين, فإنه قال في "الجامع الكبير": إذا كان [قد] حج عن نفسه, ولم يعتمر, فحج عن غيره واعتمر -أجزأه الحج دون العمرة.
وإن المزني قال: هذا غلط؛ لأنه إذا قرن بينهما, صار إحراماً واحدًا.
وقال أصحابنا: لم يرد الشافعي -رضي الله عنه- إذا قرن بينهما, وإنما أراد: إذا أتى بالحج, ثم بالعمرة بعده.
ثم قال القاضي الحسين: وقد قال في القديم: [إنه] لو مات وعليه حج, فاستؤجر من يحج عنه, فقرن -سقط الحج عن الميت", واختلف أصحابنا فيه: فمنهم من جعل [في المسألة] قولين: أحدهما: يسقط الحج عن المستأجر في مسألتنا, كما قال في القديم.
والثاني: يقع كلا النسكين عن الأجير كما قاله في الجديد.
واعلم أن قول الشيخ: "ولا يتنفل بالحج عن نفسه وعليه فرضه", يفهم صحة التنفل به ممن ليس عليه فرضه, وهو صحيح في العبد والصبي, ومن أسقط فرضه عن نفسه بالفعل, وأما من لم يخاطب بفرضه, لعدم الاستطاعة, فلا؛ لأنه إذا فعل ذلك متكلفًا كان حكمه حكم من فعله وعليه فرضه, والعبارة الوافية بالمقصود أن يقال: ولا ينتفل بالحج عن نفسه من يصح منه الفرض قبل أداء فرضه.
قال: ولا تجوز النيابة في حج التطوع, أي: حيث تجوز في حج الفرض في أحد القولين؛ لأنه من عبادة البدن, وإنما دخلت النيابة في الواجب منه بالشرع أو بالنذر؛ للضرورة, ولا ضرورة في النفل, فأشبه ما لو استناب في حج النفل وهو صحيح, وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب وجماعة, وقال الإمام في كتاب الوصية: إنه الأقيس.

وتجوز في الآخر؛ لأن كل عبادة جازت النيابة [في فرضها جازت] في نفلها, كالصدقة, وهذا ما صححه البغوي, وتبعه الرافعي, ثم النواوي.
وقال الإمام في كتاب الوصية: إنه الأصح في الفتوى.
قال ابن الصباغ: وما ذكرناه للأول ينكسر بالتيمم؛ فإنه يجوز للفرض عند الحاجة إليه, ويجوز للنفل أيضًا.
فإن قلت: القاضي الحسين قد قال هنا: إن الخلاف في جواز هذا كالخلاف في جواز التيمم للنافلة [-أيضًا- فلا كسر].
قلت: الكسر متوجه على من اختار عدم الصحة هاهنا, وجزم بجواز التيمم للنافلة أو صححه.
والقولان يجريان في صحة الوصية بحج التطوع, وفي حج الوارث أو الأجنبي عمن مات ولم يجب عليه الحج؛ لفقد الاستطاعة.
ومنهم من قطع في الأخيرة بالصحة؛ لأنه يقع عن الواجب فيها؛ ولهذا لو تكلف ذلك في حال الحياة, وقع [ذلك] عن فرضه, بخلاف التطوع.
والعمرة فيما ذكرناه كالحج.
ثم حيث قلنا بعدم صحة ذلك, فاستاجر إنسانًا لفعله, وفعله, وقع على نفسه, وهل يستحق ألأجرة؟ أطلق في "المهذب" حكاية وجهين فيه.
وفي "الشامل" و"تعليق" القاضي أبي الطيب حكايتهما قولين, أصحهما عند أبي الطيب والبغوي: المنع, وعند المحاملي [و] غيره: الاستحقاق؛ لأنه دخل في العقد طامعًا في الأجرة, وتلفت منفعته وإن لم ينتفع بها المستأجر, فصار كما لو استؤجر لحمل طعام مغصوب, فحمله.
وإذا قلنا: يستحقها, فهل [أجرة] المسمى أو أجرة المثل؟ يشبه أن يجئ فيه الوجهان السابقان.
وقد رأيت في "المهذب" و"الشامل" الثاني لا غير.

وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب ما يقتضي الأول حيث قال: إنه لا يرد الأجرة.
وقال في "التتمة" إن محل الخلاف في الاستحقاق إذا جهل الأجير عدم الصحة, فلو علمها, لم يستحق شيئًا وجهًا واحدًا.
ثم الأجير في حج التطوع يجوز أن يكون عبدًا أو صيًا؛ لأنه من أهله, بخلاف حج الفرض كما تقدم.
وفي جواز ذلك في الحجة المنذورة وجهان يبنيان على أنه يسلك بها مسلك جائز الشرع أو واجبه.
قال: ويجوز الإحرام بالعمرة وفعلها في جميع السنة, أي: يجوز الإحرام بالعمرة, والأصل في ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة من الأنصار -يقال لها: أم سنان-: "ما منعك أن تكوني حججت معنا؟ قالت: ناضحان كانا لأبي فلان- تعني: زوجها -حج هو وابنه على أحدهما, وكان الآخر يسقي عليه غلامنا نخلًا لنا, قال: "فعمرة في رمضان تقضي حجة" [أو حجة] معي".
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما".
وروى مسلم [أيضًا] أنه -عليه السلام- أمر عبد الرحمن أن يعتمر بعائشة من التنعيم في ليلة الحصبة, وهي ليلة الرابع عشر من ذي الحجة التي يرجعون فيها من

منى إلى مكة, [وتسمى: ليلة الصدر, و: ليلة البطحاء].
وقد روى أنه -عليه السلام-: اعتمر عمرة القضية في شوال, اعتمر عام الفتح في ذي القعدة.
وفي مسلم عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة, إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية [أو زمن الحديبية] في ذي القعدة [وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة] , وعمرة من جعرانة, [حيث] قسم غنائم حنين في ذي القعدة, وعمرة مع حجته".
وقد كانت العرب ترى أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض, ويجعلون المحرم صفر, وقولون: "إذا برأ الدبر وعفا الأثر, وانسلخ صفر, حلت العمرة لمن اعتمر", فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابع ذي الحجة مهلين بالحج, فأمرهم أن يجعلوها عمرة؛ فتعاظم ذلك عندهم, فقالوا: يا رسول الله, أي الحل؟ قال: "الحل كله" كذا أورد مسلم بعضه, وغيره أورد الباقي؛ فدل ما ذكرناه على فتح الباب وعدم التأقيت.
ولأنها إنما سميت عمرة؛ [لجواز فعلها] في العمر كله.
ثم مع جواز الفعل في جميع السنة لا يكره في وقت منها, سواء فيه يوم عرفة,

ويوم النحر, وأيام التشريق, وغيرها.
نعم, فعلها في الأيام الخمسة ليس بفاضل كفعلها في غيرها؛ لأن الأفضل فعل الحج فيها, وعليه يحمل قول عائشة -رضي الله عنها, إن [صح-]: "العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة, ويوم النحر, وأيام التشريق".
والعاكف بمنى للرمي والمبيت, لا تنعقد عمرته لاشتغاله بذلك؛ نص عليه.
ومن تعجل الرمي في اليوم الثاني, يجوز له الاعتمار في الثالث, صرح به المارودي والإمام.
ويجوز أن تفعل في السنة الواحدة مرتين وأكثر, خلافًا للمزني فإنه قال: لا تجوز إلا مرة؛ قياسًا على الحج.
وهو فاسد؛ لما سنذكر أن عائشة -رضي الله عنها- اعتمرت في سنة مرتين بأمره, عليه السلام.
وعن علي -كرم الله وجهه- أنه اعتمر في شهر أربع مرات, وكذا روي عن ابن عمر وأنس, ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنها عبادة غير مؤقتة؛ فجاز تكرارها في السنة, كالصلاة, وخالفت الحج؛ لأن له وقتًا يفوت بفواته وهو عرفة.
قال البندنيجي: ويجوز أن يقيم على إحرامه بالعمرة أبدًا, ويكملها متى شاء.
قال في "التهذيب": والمستحب أن يعتمر في أشهر الحج, اقتداء به عليه السلام.
قال: ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج, لقوله تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] والحج: هو الفعل؛ فلا يصح وصفه بأنه أشهر؛ [فثبت أنه

لا] بد من إضمار ولا يجوز إضمار فعل الحج؛ لأن فعله ليش بأشهر, وإنما يكون في أيام معدودة, ولا يجوز أن يكون التقدير: أشهر الحج أشهر معلومات -كما قال الزجاج- لخلوه عن الفائدة؛ فتعين أن يكون: وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات؛ لظهور الفائدة, قال الماوردي: ولأنه لما جعل الحج أشهرًا, والحج: الإحرام, والوقوف, والطواف, [والسعي, والطواف] والسعي لا يختص بها, بل يصح فيها وفي غيرها, وإن لم يكن الوقوف في جميعها -حصل الاختصاص بالإحرام؛ فكأنه قال: اللإحرام بالحج في أشهر معلومات.
قال القاضي الحسين وغيره: ويدل على ذلك من الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] والفرض: هو العقد والإيجاب, والهاء والنون إنما تستعمل فيما دون العشرة, فأما فيما وراء العشرة فيقال فيها بالهاء والألف, كما قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ , ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36]؛ فدل على اختصاص الإيجاب بأشهر الحج.
قال: وهي شوال, وذو القعدة, وعشر ليال من ذي الحجة؛ كذا ذكره ابن عباس, وجابر, وابن مسعود, وابن الزبير.
وقد خالفنا أبو حنيفة, فعد يوم العيد منها؛ لأنه يفعل فيه معظم النسك؛ فكان كيوم عرفة وما قبله.
ومالك يعد جميع ذي الحجة منها, وقد نص الشافعي على مثل مذهبه في "الإملاء"؛ كما قاله القاضي أبو الطيب والعمراني وغيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: 197] , وهي جمع, وأقل الجمع ثلاثة, وأثر هذا الخلاف يظهر من بعد.
والمذهب: [الأول]؛ لأن الله -تعالى- حد شهور الحج, وأخبر أنها معلومات, والتحديد لا بد له من فائدة وتلك الفائدة عندنا: أن الإحرام بالحج لا ينعقد في غيرها, والفائدة عند مخالفنا: أنه يكره الإحرام بالحج في غيرها, وهذا المعني موجود في يوم النحر وما بعده؛ لأن الإحرام فيه لا ينعقد عندنا بالحج

ويكره عند مخالفنا؛ [فثبت أنه ليس من أشهر الحج.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 197] فنهى عن الرفث -وهو الجماع- في وقت الحج, وقد يحل الجماع في يوم النحر, وهو إذا طاف بعد نصف الليل, ورمى بعد طلوع الفجر, وكذا عنده إذا طاف بعد طلوع الفجر, ورمى بعد طلوع الشمس يستبيح الوطء في بقية يومه] فثبت أن ذلك ليس من جملة أشهر الحج.
والجواب عن حجة أبي حنيفة: أن معظم الحج يفعل في أيام التشريق, وهو الطواف, والرمي, والنحر, والمبيت بمنى, وليست من أشهر الحج.
وعن حجة مالك: أن العرب قد تذكر الشيئين وبعض الثالث باسم الجمع, قال الله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 227] ولو طلقها وكانت طاهرًا, ثم مضى جزء يسير, وحاضت, لكان ذلك الجزء مضافًا إلى قرأين كافيًا.
على أنا [قد] نقول: إن أقل الجمع اثنان, كما قاله [بعض] أصحابنا, فلا نحتاج معه إلى جواب.
وقد حكى الإمام ومن تبعه وجهًا: أنه لا يصح الإحرام به في الليلة العاشرة وهي ليلة العيد, كما حكاه القاضي الحسين عن ابن سيرين.
قال الرافعي: ويجوز أن يكون قائله هو القائل بأنها ليست وقتًا للوقوف, كما سيأتي, ويجوز أن يكون مستنده قول الشافعي -رضي الله عنه-: "أشهر الحج: شوال, وذو القعدة, وتسع من ذي الحجة, وهو يو معرفة, فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر, فقد فأنه الحج"؛ فإن الليلة العاشرة لو كانت منها لقال: وعشر من ذي الحجة.
واعتقاده أن قول الشافعي: "وهو يوم عرفة" أي: اليوم التاسع يوم عرفة, وقوله: "فمن لم يدركه", أي: لم يدرك الوقوف في يوم عرفة الذي هو معظم الحج "إلى الفجر من يوم النحر, فقد فاته الحج", كما قدره المسعودي.
لكن الجمهور قالوا: المراد: من لم يدرك الإحرام إلى الفجر من يوم النحر, فقد فأنه الحج وأفرد الليلة العاشرة؛ لأن فوات الحج يتعلق بفواتها, ولأن المحرم بالحج فيها لا يحصل له فضيلة الإحرام؛ لأنه لم يجمع فيه بين الليل والنهار.

ولأن ليلة النحر لا يتعقبها شيء من أشهر الحج, بخلاف سائر ليالي الحج.
ولأن الليالي تستتبع الأيام, وليلة النحر لا تستتبع يومها؛ فلذلك أفردت بالذكر؛ لما امتازت على غيرها, وهذا أحد الجوابين اللذين أجاب بهما الأصحاب ابن داود حين قال: الشافعي إن كان أراد بقوله: "وتسع من ذي الحجة" الأيام, فقد خالف اللغة؛ لأنه لا يقال: "تسع أيام", وإن كان أراد: الليالي, فقد خالف الشريعة؛ لأن الليالي من ذي الحجة عشرة.
والجواب الثاني: أن الشافعي أراد الأيام, وليس في ذلك مخالفة للغة؛ لأن من شأن العرب إذا جمعت الأيام والليالي تجعل الحكم لليالي؛ قال الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] والعشر تكون ليالي وأيامًا؛ فغلب حكم التأنيث لما اجتمعا, وقال –عليه السلام-: "يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا".
وقال لحبان بن منقذ: "إذا اشتريت فقل: لا خلابة, واشترط الخيار ثلاثًا" وأراد: ثلاثة أيام.
قال: فإن أحرم بالحج في غير أشهره, انعقد إحرامه بالعمرة؛ لأنه –عليه السلام- سئل عمن يحرم بالحج قبل أشهره, فقال: "يهل بالعمرة", وروي أنه قال: "مهل بالحج قبل أشهر الحج مهل بالعمرة".
ولأن الإحرام شديد التشبت واللزوم؛ ولهذا ينعقد مع السبب المفسد؛ بأن يحرم مجامعًا, فإذا لم يقبل الوقت ما احرم به, انصرف إلى ما يقبله.
وأيضًا: فإنه [إذا] بطل قصد الحج, بقي مطلق الإحرام, [والعمرة تنعقد بمجرد الإحرام] فانصرف إليها, وهذا ما نص عليه في "المختصر", ولم يورد العراقيون سواه, وقالوا: لو كان عليه عمرة الإسلام, أجزأته, وهو مراد الشيخ بقوله: "بالعمرة"؛

إذ لو لم يكن هذا مراده, لحذف الألف واللام, ولقال: انعقد بعمرة.
وقد حكى القاضي الحسين والفوراني عن الشافعي –رضي الله عنه- أنه قال في موضع آخر من القديم: "إنه يتحلل بعمل عمرة", فأقامه بعض الأصحاب قولاً ثانيًا في المسألة, ومنهم من قطع به, وقاسه على ما لو فات حجه؛ [لأن كل] واحد من الزمانين ليس وقتًا للحج, وعلى هذا لا تجزئه عن عمرة الإسلام.
وحكى الإمام أن بعض المصنفين –وهو في "الإبانة"-[قال]: إن إحرامه ينعقد فيهما, إن صرفه إلى العمرة كان عمرة صحيحة, وإلا تحلل بعمل عمرة.
ونزَّل [النصين] على هذين الحالين.
وفي "تعليق" القاضي: أن من أصحابنا من قال بنفي الخلاف في المسألة, وينزل الأول على ما إذا أحرم مطلقًا, والثاني على ما إذا قيد الإحرام بالحج.
والأشهر –كما قال الرافعي- طريق القولين, وهما مشبهان- عند من أثبتهما كالقولين- في التحرم بالصلاة قبل وقتها, هل تنعقد نافلة؟ لكن الأظهر هناك: أنه إن كان عالمًا بالحال لم تنعقد نافلة, وهنا: الأظهر انعقاد العمرة بكل حال؛ لقوة الإحرام.
وغيره صحح طريقة القطع بأنه بأفعال عمرة, وفرق بين ما نحن فيه, التحرم بالصلاة قبل وقتها-: بأن الفرض في الصلاة صفة لها؛ فإذا سقطت الصفة, بقيت نفس الصلاة صحيحة, والحج ليس هو عمرة موصوفة.
قال: ويجوز إفراد الحج عن العمرة, ويجوز القران بينهما, ويجوز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ لما روى أبو داود عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع, فمنا من أهل بعمرة, [ومنا من أهل بحج] , ومنا من أهل لالحج والعمرة, وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم [بالحج] ", وأخرجه البخاري ومسلم

وغيرهما مختصرًا ومطولًا.
وقد أجمع المسلمون على ذلك.
[قال العلماء: وسميت: حجة الوداع؛ لأنه –عليه السلام- ودع فيها الناس.
وتسمى: حجة البلاغ؛ لأنه بلغ أمته فيها ما تضمنته خطبته.
وتسمى: حجة التمام؛ لأنه بين تمامها وأراهم مناسكها.
وتسمى: حجة الإسلام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد فرض الحج غيرها وقيل: لم يحج بعد النبوة غيرها.
قال الماوردي في السير: وقد حكى مجاهد أنه حج قبل الهجرة حجتين, ورواه جابر بن عبد الله].
قال: وأفضلها: الإفراد؛ لما روى مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج.
وروى مسلم –أيضًا- عن ابن عباس قال: "فركب –يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم- راحلته, فلما استوت على البيداء أهل بالحج".
وروى مسلم عن ابن عمر قال: "أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج مفردًا", وفي رواية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردًا".
وروى البخاري ومسلم عن جابر قال: "أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [بالحج] خالصًا وحده, ليس معه عمرة".

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل