كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
والجنس, حتى يجب في النعامة [نعامة] , وفي الغزال غزال, فلما قيد الله- تعالى- ذلك بالنعم, انصرف المثل عن الجنس إلى المثل من النعم, وبقي المثل في الصورة والشبه على ما افتضاه ظاهر الآية, وقد ورد في السنة ما يعضد ذلك.
روى إن جابرًا سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم, قيل: أيؤكل؟ قال: نعم, قيل: فيه كبش إذا أصابه المحرم؟ قال: نعم, قيل وسمعته من رسول الله؟ قال: نعم.
والنعم [من] الإبل والبقر والغنم, ولا فرق في ذلك بين إن يكون قيمة المثل كقيمة الصيد, أو فوقها, أو دونها؛ لظاهر الآية.
قال: فيجب في النعامة بدنة؛ لقوله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] , وقد روى إن عمر, وعثمان, وعلَّيا, وابن عباس, وابن عمر, وزيد بن ثابت, وعبد الرحمن بن عوف, والزبير [وابن الزبير] , ومعاوية حكموا بذلك في قضايا مختلفة في بلدان شتى وأوقات متباينة, ولم ينكر ذلك احد مع إن النعامة تنقص قيمتها عن قيمة البدنة.
ثم الآية دالة مع ما سنذكره من حكم الصحابة علي بقية الأمثال.
قال: وفي حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة.
إما إيجابها في حمار الوحش؛ فلحكم عطاء بها فيه؛ كما قال الماوردي, ولم يخالفه احد.
وفي "المهذب": إن الحاكم فيه بذلك عمر.
والذي اشعر به إيراد القاضي أبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما: إن القاضي فيه بذلك عمر, وعثمان, وعلي, وابن عباس, وغيرهم.
وإما إيجابها في بقرة الوحش, وهي المسماة بـ"الثيثل" بثاءين معجمتين بثلاث, بينهما ياء آخر الحروف- فبالقياس علي حمار الوحش؛ كذا قاله الجمهور.
وفي "الحاوي": إن ابن عباس, وعطاء التابعي قضيا فيها بذلك؛ ولأجل ذلك قال الرافعي: إن الصحابة قضوا في حمار الوحش وبقرة الوحش ببقرة.
وكذا يجب في الأُيَّل؛ لحكم ابن عباس فيه بذلك.
وفي الأراوي؛ لحكم عطاء [فيها] [بذلك].
وقال الشافعي- رضي الله عنه-: الأروية: وهي الأنثى من الوعول- دون البقرة المسنة, وفوق الكبش؛ فيجب فيه الغضب, وهو الفحل الذي طلع قرنه.
قال: وفي الضبع كبش؛ لخبر جابر السابق, وقضاء عمر, وعلي, وكذا عثمان, وابن عباس, وغيرهم بذلك.
والضبع: بفتح الضاد, وضم الباء, ويجوز إسكان الباء الأنثى, ولا يقال: ضبعة.
والذكر: ضبعان: بكسر الضاد, و [سكون] الباء.
والكبش: الذكر من الظان, وجمعه: أكبش وكباش, والأنثى نعجة.
قال: وفي الغزال عنز؛ لان عمر- رضي الله عنه- حكم فيه بذلك, ولم يخالفه [غيره فيه].
وقد قال الأصحاب: إن ما حكم فيه واحد من الصحابة بحكم ولم يخالفه [غيره] فيه, كان كما لو حكم به الجميع كما ستعرفه.
وكلام ابن الصباغ والقاضي أبي الطيب [يفهم] إن القاضي فيه بذلك هم
القاضون في البدنة والبقرة.
والغزال: قال أهل اللغة: هو ولد الظبية إلى حين يقوى ويطلع قرناه, ثم الأنثى: ظبية, والذكر ظبي.
والعنز: الأنثى من المعز؛ كما افهمه كلام النواوي الذي سنذكره.
وهذا الذي ذكره الشيخ في الغزال هو الذي حكاه القاضي الحسين عن قضاء الصحابة وهو ما أورده العراقيون والماوردي, وقالوا: يجب في الظبي تيس وهو الذكر من المعز؛ لقضاء علي, وابن عباس [فيه] بذلك, ووافقهم أبو القاسم الكرخي فيما قالوه في الغزال, وقال: إن الواجب في الظبي كبش, لكنه يعتقد إن الظبي ذكر الغزلان, وإن الغزال الأنثى.
وما ذكره من الحكم في الظبي والغزال قد نسبه الإمام إلي العراقيين, ثم [قال: وهو وهم] , والذي صح القضاء فيه: إن في الظبي العنز, وهو شديد الشبه به؛ فإنه اجرد الشعر متقلص الذنب, والغزال ولد الظبي؛ فيجب فيه ما يجب في الصغار من كل جنس.
وهو موافق فيما قاله في الغزال القاضي الحسين؛ فإنه حكى ذلك في موضع من تعليقه بعد حكايته ما ذكرناه عنه أولًا.
قال: وفي الأرنب عناق؛ لحكم عمر وعطاء- رضي الله عنهما- فيه بذلك.
وكلام أبي الطيب وابن الصباغ يشعر بان القاضي فيه بذلك القاضون في النعامة بالبدنة.
والعناق: الأنثى من ولد المعز إذا قويت قبل استكمالها الحول؛ قال الأزهري, وجمعها: أَعْنُق وعُنُوق, والذكر من ولد المعز يسمى جديًا, وقبل العناق ولد المعز إذا
اشتد عن أمه, وفصل.
قال: وفي اليربوع جفرة؛ لحكم عمر [وابن عمر] وابن عباس- رضي الله عنهم- فيه بذلك.
واليربوع: بفتح أوله, وسكون ثانيه, وبضم ثالثه, وجمعه: يرابيع.
والجفرة- بفتح الجيم-: الأنثى من ولد المعز إذا امتلأ جوفها من الماء والشجر.
وقال الأزهريك وهي الأنثى من ولد المعز إذا بلغت أربعة أشهر, وفصلت عن أمها, والجفر: الذكر, سمي بذلك؛ لإنه جفر جنباه, أي: عظماً.
قال الرافعي: وما ذكر هو معنى الجفرة في اللغة, وهي بهذا التفسير خير من العناق بالتفسير الذي ذكرناه, لكنه يجب إن يكون المراد من الجفرة هاهنا دون العناق؛ فإن الأرنب, خير من اليربوع.
قال: وفي الصغير صغير أي: وإن لم يجزئ في الأضحية- وفي الكبير كبير, وفي الذكر ذكر, وفي الأنثى أنثى, وفي الصحيح صحيح, وفي المكسور مكسور؛ رعاية للمثلية التي افتضاها ظاهر الآية.
[ولأن الصيد] قد يختلف في الصغر والكبر من وجهين:
احدهما: باختلاف أجناسه.
والثاني: باختلاف أسنانه.
فلما كان الصغر والكبر باختلاف أجناسه معتبرًا حتى أوجبوا في الضبع كبشًا, وفي الغزال عنزًا, وفي اليربوع جفرة, اعتبارًا بالمثل في الخلقة, وإن [كان] كل ذلك صيدًا- أوجب إن يكون الصغر والكبر باختلاف أسنانه معتبرًا؛ فلا يجب في الصغير ما يجب في الكبير؛ اعتبارًا بالمثل في الخلقة, وإن كان جميع ذلك صيدًا.
وتحريره قياسًا ضمان يجب باليد والجناية؛ لحرمة غيره, يختلف باختلاف الأجناس؛ فوجب إن يختلف باختلاف الأسنان؛ كسائر الأموال.
وقولنا: يجب باليد والجناية لحرمة غيره يحترز به عن الديات والكفارات؛ حيث سوى فيها بين الصغير والكبير؛ لأنها لا تجب إلا بالجناية؛ لحرمة الروح.
فإن قيل: الآية تقتضي إن يكون المنعرج مما يجزئ في الأضاحي؛ لان الله تعالى يقول: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] , والهدي عندكم مختص بما يجزئ في الأضاحي, وقضية ذلك منع إخراج الصغير والكبير.
قيل: للشافعي قولان في الهدي:
احدهما: إنه يجوز ما ينطلق عليه الاسم ولو بيضة, وعلي هذا سقط السؤال.
والثاني: وهو الجديد: إن الأمر كما ذكرتم, لكن محله إذا أطلق الهدي, والهدي المذكور في الآية مقيد؛ فحمل علي تقييده دون ما يقتضيه إطلاق اللفظ؛ وهذا هو الصحيح.
وفي "الحاوي": إن بعض أصحابنا قال: لا يجوز إن يفدي المعيب بمعيب مثله, وعليه إن يفديه بصحيح.
قال: وهو خطأ؛ لأن الصحيح ليس للمعيب, نعم: لو اخرج الصحيح عن المعيب, والكبير عن الصغير كإن أفضل.
قال: وإن فدى الذكر بالأنثى, فهو أفضل علي المنصوص؛ لأنها أكثر قيمة منه, وأطيب لحمًا؛ وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة.
ولفظ الشافعي فيه: "ولو فدى الذكر بالأنثى, كان أحب إليّ".
وقيل: إن أراد تفرقة اللحم, أي: لاختياره الذبح من الخصال الثلاث دون الإطعام, أو عدل الطعام كما سيأتي, وإلا فمتى اختار الذبح وفعله, وجب تفرقة اللحم بلا خلاف كما سيأتي.
قال: لم تجزئ الأنثى عن الذكر؛ لان الذكر أكثر لحمًا من الأنثى؛ فلا يجزئ للنقص.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أمورًا:
أحدها: بمنطوقه: وهو عدم إجزاء الأنثى عن الذكر علي طريقه عند إرادة تفرقة اللحم بالتفسير الذي ذكرناه, وهو كما قال ابن التلمساني- قول الشيخ أبي حامد, وقد حكاه البندنيجي عن بعض الأصحاب.
لكن في "الحاوي": إنه لم يختلف الأصحاب في أجزاء الأنثى عن الذكر, ولم يحك في " المهذب " غيره.
نعم: اختلفوا فيما لو كان الصيد المقتول أنثى, فأراد فدائه بمثله من النعم ذكرًا هل يجزئه؟ على وجهين حكاهما ابن الصباغ [أيضًا] عن الشيخ أبي حامد.
وقال البندنيجي: إن المذهب الأجزاء أيضًا.
وقال الفوراني في " الإبانة": إن النص مختلف فيما إذا قابل الذكر بالأنثي في الأجزاء.
وأومأ المزني إلي القولين: فمن الأصحاب من قال قولين:
احدهما: يجوز؛ كما في الزكاة.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بمثل.
ومنهم من قال: [حالان.
ثم هؤلاء اختلفوا في ذلك:
فمنهم من قال: إن أراد الذبح لم يجزه, وإن أراد التقويم جاز.
ومنهم من قال: إن كانت الأنثى لم تلد جاز, وإلا فلا.
ومنهم من قال:] إن كان الذكر صغيرًا جازت الأنثى الصغيرة, وإن كان كبيرًا لم تجز الأنثى الكبيرة.
ووافق الإمام الفوراني على [إن] النص مختلف, ثم قال: والذي نراه, ونقطع به أن الأنثى إن كانت قيمتها دون قيمة الذكر من النعم لا تجزئ, وإن آل الأمر إلى الذبح, وكانت الأنثى خسيسة اللحم؛ لأنها ولدت, فلا تجزئ؛ لاجتماع النقص في الخلقة, والنقصان في القيمة, والرداءة في اللحم.
وإن كانت الأنثى طيبة اللحم لو ذبحت, تامة القيمة لو قومت للتعديل, فهل تجزئ عن الذكر؟ فيه طريقان:
من أصحابنا من قال: [فيه] قولان.
أصحهما الأجزاء.
ومنهم من قال: اختلاف النص محمول على ما اشرنا إليه: فحيث منع أراد إذا كانت الأنثى ناقصة أو معيبة اللحم, و [حيث] جوز, أراد إذا كانت أفضل منه.
وقال: إن الحكم فيما إذا اخرج الذكر عن الأنثى كما إذا اخرج الأنثى عن الذكر, وإن الشيخ أبا بكر وغيره قالوا: مقابلة الأنثى بالأنثى واجب, والتردد في مقابلة الذكر بالأنثى؛ وهذا ذهاب عن التحصيل.
وقد اختصر في "الوسيط" هذا التطويل [الذي ذكره الإمام] , وحكى في المسألتين ثلاثة أوجه:
ثالثهما: تجزئ الأنثى عن الذكر دون العكس.
وقال: إن هذا الاختلاف إنما يحتمل إذا لم يظهر اثر في اللحم ونقصان في القيمة.
وجمع في الذخائر بين ما قاله الإمام وغيره واختصره فحكى في المسألتين سبعة أوجه:
احدهما: لا يجوز إخراج أحدهما عن الأخر.
والثاني: يجوز.
والثالث: إن أراد الذبح, لم تجزئ الأنثى عن الذكر, ويجزئ الذكر عن الأنثى, وإن أراد التقويم أجزأت الأنثى عن الذكر, ولا يجزئ الذكر عن الأنثى.
والرابع: أجزاء الأنثى عن الذكر بكل حال, [وعدم أجزاء الذكر عن الأنثى بكل حال] , واختاره في "المرشد".
والخامس: يعتبر القيمة وطيب اللحم: فإن كان أحدهما أكثر قيمة, وأطيب لحمًا, لم يجزىْ [عنه] الأدون, ولا الخبيث [في] اللحم [عنه] , ويجزئ [ويجزئ الأكثر قيمة والأطيب عن الأدون والخبيث] عكسه.
والسادس: يجزئ الذكر عن الأنثى [وأما الأنثى عن الذكر؛ فإن كانا صغيرين جاز, وإلا فلا].
والسابع: يجزئ الذكر عن الأنثى, وأما الأنثى عن الذكر: فإن كانا صغيرين جاز, وإن كانا كبيرين, لم يجز.
الأمر الثاني الذي افتضاه كلام الشيخ, وهو بمفهومه: أجزاء الأنثى عن الذكر [بلا خلاف] عند إرادة التقويم؛ ليخرج بدله [الطعام, أو يعدله بالصيام, وهو مصرح به في "الحاوي" وغيره من كتب العراقيين؛ لأن الواجب يزيد, وفيه الخلاف السابق.
وقد رأيت في ابن يونس حكاية طريقة قاطعة بالأجزاء عند إرادة اللحم وحاكية للقوانين عند إرادة التقويم؛ لأجل] الإطعام أو الصيام, وهي عكس ما في الباب, ولم أرها في غيره, فلعله أراد حكايتها فيما إذا أراد إخراج الذكر عن الأنثى؛ فإن هذه الطريقة بها أشبه؛ فحكاها في مسالة الكتاب.
الأمر الثالث: إن الأنثى أفضل من الذكر عند إرادة التقويم أو التعديل علي رأي, وهذا يفهم من إطلاق قوله: "وإن فدى الذكر بالأنثى فهو أفضل على المنصوص".
وقد قال في "الحاوي": إن الأصحاب لم يختلفوا في إن الأنثى أفضل في هذه الحالة, نعم: اختلفوا عند إرادة ذبح الأنثى, هل الأنثى أفضل أو لا علي قولين:
احدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: إنها أفضل [أيضًا]؛ لما ذكرناه.
والثاني: ليست بأفضل من الذكر وإن أجزأت, وبه قال أبو إسحاق.
وفي "الشامل" و"تعليق [القاضي] أبي الطيب" بدل الوجه الأخير: [إن القاضي أبا حامد قال في الجامع: قول الشافعي- رضي الله عنه-: "ولو فدى الذكر بالأنثى كان أحب إليّ" محمول علي] إذا أراد الذبح, فالذكر أولى, وهذا غير الوجه الذي اختاره أبو إسحاق.
قال: وإن فدى الأعور من اليمين بالأعور من اليسار, جاز, لاستوائها في المقصود من اللحم والقيمة؛ [فأشبه اختلاف اللون, ثم لو فُرِضَ بينهما تفاوت, فهذا يسير؛ وهذا] ما أورده الجمهور.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: إنه لا يجزئ, ويكون متطوعًا به؛ لأن اختلاف العيب يجري مجرى اختلاف الجنس.
ولو اختلف الجنس, فاخرج الأعور عن الأعرج, لم يجز, فكذا هاهنا.
قال: ثم هو بالخيار: إن شاء اخرج المثل, وإن [شاء] اشترى بقيمته- أي
[بقيمة] المثل- طعامًا [وتصدق به, وإن شاء] صام عن كل مد يومًا, [أي: شاء قوم القيمة طعامًا, وصام عن كل مد يومًا].
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: 95].
ووجه الدلالة من ذلك علي التخيير: [إن وضع "أو" في اللغة إنما تدخل في الأوامر للتخيير] وهذا أمر.
ولأنها كفارة واجبة بإتلاف ما حرمه الإحرام؛ فوجب إن تكون علي التخيير؛ كفدية الحلق.
وقد حكى أبو ثور: إن للشافعي- رضي الله عنه- قولًا في القديم كمذهب ابن عباس والحسن البصري: إن جزء الصيد علي الترتيب, فلا يجوز الإطعام إلا بعد عدم الهدي, ولا الصيام إلا بعد العجز عن الإطعام؛ نقله أبو علي في الإفصاح عنه.
وقال في "الحاوي", وغيره: ليس هذا بمشهور عن الشافعي, بل نصه في القديم والجديد والإملاء علي الأول؛ لما ذكرناه في الآية.
ووجه الدلالة منها علي إن المعتبر قيمة المثل عند إرادة إخراج الطعام أو عدله صيامًا لا قيمة الصيد وإن كان هو الأصل- من وجهين:
احدهما: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] برفع الجزاء [وجر المثل] علي قراءة كثير من القراء فأوجب عليه بظاهر هذه القراءة جزاء مثل المقتول, ولم يوجب جزاء المقتول.
والثاني: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95] يعني: كفارة ما تقدم ذكره, وقد تقدم ذكر الصيد والمثل, ولا يجوز إن يرجع إليهما جميعًا, وإنما ترجع
[الكفارة] إلى أحدهما, والمثل اقرب مذكور؛ فتعين.
ولان الواجب عليه إخراج المثل؛ فتعينت قيمته.
ثم بأي حال تعتبر قيمة المثل والطعام وبأي مكان؟ فنقول: أما المكان فهو مكة إذا كان المقتول مما له مثل علي اصح الطريقين في الرافعي, ولم يحك الماوردي وابن الصباغ والقاضي الحسين غيره, وإن الاعتبار بأعدل الأسعار, وادعى في "البحر": إنه لا خلاف في ذلك.
والطريق الثاني: حكاية قولين في المسألة:
أحدهما: ما ذكرناه وهو المنصوص.
والثاني: موضع الإتلاف.
وأما الزمان فهل هو حالة الإفراج أو حالة الإتلاف؟
اختلف النص فيه, والصحيح [في تعليق القاضي] الحسين [وغيره] الأول, ولم يحك في " البحر " تبعًا للحاوي غيره.
فرع: إذا عدل القيمة بالطعام, وأراد الصيام: أما في جزاء ما له مثل, أو فيما لا مثل له, ففضل بعض مد, أو لم تكن القيمة [ألَّا] بعض مد- صام يومًا؛ لأن الصوم لا يتبعض.
واعلم إن جزاء الصيد وما في معناه من كفارات التعديل قد سماها الشافعي- رضي الله عنه- فدية بدل, فإذا رأيت ذلك في لفظ, فاعلم إن مراده ما ذكرناه.
قال: وإن اتلف ظبيًا ماخضًا- أي: حاملاً- ضمنه بقيمة شاة ماخض, أي: ويكون مخيرًا فيها: إن شاء اشتري بها طعامًا, وتصدق به, وإن شاء صام عن كل مد يومًا, ولا يجوز إن يذبح شاة ماخضًا؛ لأن الحمل في الصيد زيادة, وكذلك هو في
الشاة إلا إنه ينقص لحمها, ويضر بها, فقيمتها تزيد به, ولحمها ينقص, فأوجبنا القيمة؛ لتحصل الزيادة من غير نقص؛ وهذا ما قال القاضي أبو الطيب: إنه نص عليه في "المناسك [الكبير,] " ولم يحك غيره, وكذا البندنيجي لم يحك غيره.
وقال الفوراني: إنه الذي نص عليه في ["المختصر الأوسط"] , وإن الذي نص عليه في "المناسك الكبير": إن عليه مثله حائلًا.
قلت: وقد أوَّل ذلك بعض المراوزة, واثبت لأجله وجهًا في المسألة: إنه مخير بين إن يخرج شاة حائلًا بقيمة شاة ماخض, ويتخير فيها بالخصال الثلاث.
وقال الإمام: إنه متخرج مما إذا فدى الذكر بالأنثى, وهو بعيد؛ فإن الحمل إذا تحقق زيادة في الخلقة معتبرة.
وقد قال الفوراني بعد حكاية النصين- كما ذكرنا-:
قال الأصحاب: وليست المسألة علي قولين, ولكن إن أراد الذبح ذبح الحائل, وإن أراد التقويم فعليه تقويم الماخض؛ لأنها أكثر قيمة؛ وبهذا يحصل في المسالة عندهم ثلاثة أوجه:
والثاني: [ما] حكيناه عن بعض المراوزة.
والثالث: ما أُوِّلَ النصان عليه.
وقد قال المزني في "المختصر": إذا قتل المحرم صيدًا ماخضًا, فعليه مثله من النعم ماخضًا, وقال به [بعض] الأصحاب؛ كما حكاه ابن يونس.
لكن الماوردي حكى عن الشافعي- رضي الله عنه- إنه قال: "إني لو قلت: اذبح شاة ماخضًا كانت شرًّا من شراء شاةٍ [حائل] للمساكين, فتكون أزيد ثمنًا, ويتصدق بقيمتها طعامًا؛ فتكون أزيد إمدادًا, وإن أراد الصيام كان أزيد أيامًا".
وهذا القول بين ما أورده [مما حكاه] المزني عنه في "المختصر"؛ فلذلك لم
يقل [بظاهره] معظم الأصحاب, وإذ قلنا به, وأجريناه علي ظاهره, اجتمع في المسألة أربعة أوجه.
وقد اخذ على الشيخ في قوله: "ظبيًا ماخضًا"؛ فإن الصواب "ظبية "؛ لأن الظبي مذكر, والأنثى: ظبية؛ كما ذكرناه من قبل, ولا خلاف في ذلك.
وكذا اخذ عليه في قوله: "ضمنه بقيمة شاة"؛ لأن الواجب عليه عنز [كما ذكر النووي] والشاة [كما ذكرنا] تطلق علي الذكر والأنثى.
وجواب هذا: إن الشيخ اتبع فيه الشافعي- رضي الله عنه- والمراد: العنز, نعم: لو قال: "بقيمة عنز" كان أوضح.
فرع: إذا ضرب المحرم بطن بقرة وحشية رقوبًا- وهي التي قربت ولادتها, وصارت مرتقبة- فألقت ما في بطنها, فإن عاش مع الأم, فقد أساء, ولا شيء عليه, وإن ماتا جميعًا, فإن خرج الولد حيًا, ثم مات مع الأم, فعليه إن يفدي الأم ببقرة كبيرة, والولد بعجل صغير.
وإن خرج ميتًا, فدى الأم ببقرة, والولد بما نقص من قيمة أمه بوضعه, [وهل المعتبر] القيمة حتى يخير فيها بان يشتري بها طعامًا أو يصوم عن كل مد يومًا, [أو المعتبر قدر] وما نقص من المثل؟ فيه الخلاف الذي سنذكره؛ صرح به البندنيجي.
وإن ماتت الأم دون الولد, ضمنها ببقرة.
وإن مات الولد دون الأم, فلا شيء في الأم, لكن ينظر في الولد: فإن خرج حيًا, ثم مات, ضمنه بعجل صغير؛ وإن خرج ميتًا, بما نقص من قيمة الأم, وهو إن تقوم حاملًا به, ثم حائلًا بعد الوضع, ثم ينظر إلى ما بين القيمتين: فإن كان العشر فهو الواجب, ويكون الكلام فيه كما إذا جرح صيدًا, فنقص عشر قيمته؛ قال في "الحاوي".
وحكى الفورإني: إن أبا ثور قال: يجب فيه عشر قيمة الأم؛ كولد الآدمي.
وقال: وإن قتل صيدًا لا مثل له من النعم: كالعصافير, والجراد, والطيور التي يحرم صيدها- وجبت فيه القيمة؛ [لما روى إنه عليه السلام قال: "في بيض النعامة يصيبها المحرم قيمتها"] وقد قضت الصحابة في "الجراد" بالقيمة, وهو مما لا مثل له؛ [لإنه تعذر] إيجاب المثل فيه؛ فضمن بالقيمة كمال الآدمي.
فإن قيل: الله- تعالى- قد أوجب المثل بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة:95] , [فلم أوجبتم] القيمة؟ قيل: في جوابه وجهان.
احدهما: إن جميع الصيد لا مثل له إلا إن المثل علي ضربين:
احدهما: مثل من جهة الصورة.
والثاني: مثل من جهة القيمة, وجميعهما مثلان للمتلف؛ كالحكم على من اتلف طعامًا بمثله وعبدًا بقيمته, وكلاهما مثل على حسب الإمكان, وهذا ما أومأ إليه الشافعي في القديم.
والثاني: إن هذه الآية إنما دخل فيها الصيد الذي له مثل من النعم, وإما ما لا مثل له لم يدخل [في الجزاء المذكور] فيها, ولكن دخل في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96] وهذا نصه في الأم وغيره.
قال: ثم هو بالخيار بين إن يخرج الطعام وبين إن يصوم- أي: هو بالخيار بين إن يخرج بقيمته طعامًا, ويتصدق به, وبين إن يصوم عن كل مد يومًا؛ لما تقدم.
ويجيء القول الذي حكاه أبو ثور في الترتيب؛ صرح به الرافعي.
ولا يجوز له إن يتصدق بقيمته دراهم؛ لما تقدم.
ثم ما المعتبر في قيمة الصيد: هل [يعتبر] بـ"مكة" أو بموضع الإتلاف؟ فيه خلاف مشهور في الطريقين.
وهل تعتبر القيمة حال [الإتلاف] أو حال الإخراج؟ اختلف فيه النص, والصحيح- كما قال القاضي الحسين وغيره-: [الأول] , وهو الذي أورده الماوردي.
والفرق بينه وبين ما ذكرناه فيما له مثل- كما قال القاضي الحسين-: إن ما لا مثل له الواجب فيه القيمة, وحال وجوب القيمة هو حالة القتل, وما له مثل الواجب
فيه مثله, فبالقتل استقر المثل في ذمته؛ فإذا أراد الانتقال إلى القيمة, اعتبرت القيمة بتلك الحال؛ لإن هذه [الحالة] في التقدير هي حالة وجوب الفدية.
وما المعتبر في قيمة الطعام في مسألة الكتاب؟ قال الإمام: إذا قلنا بما رآه العراقيون اصح [وهو اعتبار قيمة] الصيد بموضع [الائتلافي-[وكلامهم متردد-[فيحتمل] [إن يعتبر سعر الطعام في ذلك المكان أيضًا, ويحتمل إن يقال: إذا ضبطت القيمة بمكان الإتلاف] فالمعتبر في صرفها إلى الطعام سعر مكة, وهو الظاهر من كلامهم.
قال: إلا في الحمام, وكل ما عبَّ وهدر؛ فإنه يجب فيه شاة؛ لقضاء الصحابة بذلك, وهم- كما قال في "المهذب" تبعًا "للحاوي"- عمر, وعثمان, ونافع بن عبد الحارث, وابن عباس, ولم يخالفهم احد, وما مستندهم فيه؟
فيه وجهان:
أصحهما- وبه قال الشيخ أبو حامد, ويحكى عن النص: إنه توقيف بلغهم فيه.
والثاني: شبهه بالشاة فيما عبَّ؛ وهذا عند من يرى إن الحمام هو ما عبَّ وهدر؛ كما سنذكره.
[ومن رأي] إنه غيره- ومنهم الغزالي- قال: إما فيما عبَّ وهدر؛ فللشبه السابق, وأما في الحمام, فلشبه بالشاة في الخلق الجامع, وهو الاستئناس.
وقد اشعر كلام الماوردي حكاية الوجهين علي غير هذا النحو, فإنه قال:
"الشاة الواجبة في الحمام هل وجبت توقيفًا أو من جهة المماثلة والشبه؟ اختلف أصحابنا فيه علي وجهين:
أحدهما: وهو منصوص الشافعي- رضي الله عنه-: إنها وجبت إتباعًا للأثر, وتوقيفًا عن الصحابة لا قياسًا.
والثاني: إنها وجبت من حيث الشبه والمماثلة؛ لأن فيهما إنسًا وإلفًا, وإنهما يعبان في الماء عبَّا".
وقد وجه ابن الحداد إيجاب الشاة في الحمام بانه مضمون بالجزاء؛ فضمن بشاة؛ كحمام الحرم, وأراد بذلك الاستدلال علي المنعالف, وهو مالك- رحمه الله- فإنه يرى إن الواجب في حمامات الحرم شاة, ولا يجب علي المحرم إلا حكومة؛ لقول ابن عباس: في كل شيء ثمنه إلا حمام مكة.
[وجوابه: إنه قد ورد عن ابن عباس إنه أوجب في حمام غير مكة] شاة.
على إن القياس مقدم علي قوله وحده مع مخالفة غيره.
قال: ثم هو بالخيار بين الشاة والطعام والصيام؛ لما تقدم.
وحكي القاضي الحسين [إن] من أصحابنا من قال: لو اشترى بالقيمة ما تجوز الأضحية [به] , جاز.
تنبيهان:
أحدهما: كلام الشيخ مصرح بانه لا فرق في إيجاب القيمة فيما عدا الحمام ونحوه بين ما صغر شكله عن الحمام: كالعصافير- كما ذكرنا- أو كبر شكله عنها: كالكراكي, والقطا, واليعقوب, وهو ذكر الحجل, وغير ذلك؛ وهو الجديد, واحد قولي القديم.
والآخر: إن ما كبر شكله عن الحمام تجب فيه الشاة من طريق الأولى.
وعن الشيخ أبي محمد: إنه بنى الخلاف علي الخلاف في إن الشاة وجبت في الحمام بالقياس أو توقيفًا: فعلى الأول لا تجب لفقد الشبه, وعلى الثاني تجب.
الثاني: قال الأزهري: قال الشافعي- رضي الله عنه-: الحمام كل ما عبَّ
وهدر وإن تفرقت أسماؤه إلى اليمام, والدباسي, والقماري, والفواخت وغيرها.
وقد عزا البندنيجي ذلك إلى نصه في "الأم".
وعلى هذا يكون الشيخ بقوله: "وكل ما عبَّ وهدر" قد عطف الشيء علي نفسه وكذا الغزالي حيث قال في "الوسيط": وفي معنى الحمام كل ما عبَّ وهدر".
والجواب عن الشيخ: إن مثل ذلك جائز عندنا لاختلاف اللفظ؛ قال الشاعر [من الوافر]
.. ....... ....... ... وألفى قولها كذبًا ومينا
والكذب هو المين؛ علي أن أبا عبيد قال: سمعت الكسائي يقول: الحمام: هو الذي لا يألف البيوت, وهو الوحشي, واليمام: هو الذي يألف البيوت؛ وهو يوافق كلام البندنيجي في أول كلامه: الحمام: ما كان وحشيًا, واليمام: ما كان أهليًا.
وعن الأصمعي إنه قال: كل ذات طوق كالفواخت, والقماري وأشباههما؛ فهي حمام وهذا يدفع السؤال من أصله.
وفي "المهذب": إنه ينظر في الطائر: فإن كان حمامًا, وهو الذي يعبُّ ويهدر كالذي يقتنيه الناس في البيوت, والدبسي, والقمري, فإنه يجب فيه شاة, وهذا مغاير لجميع ما ذكرناه؛ فتأمله.
العَبَّ بفتح العين المهملة: شرب الماء بلا مص؛ قاله الزبيدي والجوهري، ويقرب منه غيرهما: إنه الذي يجرع الماء عند الشرب جرعاً.
قال الأزهري: وذلك مختص بالحمام البري والأهلي، وأما غيره من الطيور فينقر الماء نقرا، ويشرب قطرة قطرة؛ وهذا قاله بناء ما نقله عن الشافعي -رضي الله عنه - وعليه يرد مثل السؤال المتقدم.
وقد أورده الرافعي عن طريق آخر، فقال: الأشبه أنه ما عبَّ وهدر، فلو اقتصروا في تفسير الحمام علي العبَّ، كفاهم؛ يدل عليه الشافعي في عيون المسائل: "وما عبَّ في الماء عبَّا فهو حمام، وما شرب قطرة كالدجاج ليس بحمام".
والجواب الذي ذكرناه أولاً يدفع ما أبداه الرافعي، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز في قوله تعالي ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سوأتكم وَرِيشًا﴾ [الأعراف: 26]
واللباس: هو الريش؛ علي أن ألقاعي قال: العبَّ: شدة جرع الماء من غير تنفس، يقال: عبَّه يعبُّه عبَّا، وهو يدفع من أصله.
وقال صاحب المحكم: يقال في الطائر عبَّ، ولا يقال شرب.
الهدير: ترجيع الصوت ومواصلته من غير قطع، وهو التغريد.
وذلك في الدبسي والقمري، والفاخت، ونحوها.
قال: ويرجع في معناهم مما ذكرناه ونحوه - ووجهه في معرفة المثل قوله تعالي: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]
وفي معرفة القيمة القياس علي المثل؛ لأنها في معناه.
أما ما حكمت فيه الصحابة بشئ أو بعضهم وسكت الباقون، (ثبت ذلك) فيه، وصار مقدًرا به، لا يعدل عنه أبداً؛ لأن الله تعالي يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] وعدالة الصحابة أكد من عدالتنا؛ لأنهم شاهدوا الوحي، وحضروا التنزيل والتأويل، وجعلهم النبي صلي الله عليه وسلم كالنجوم.
وأيضاً: فإنهم إذا حكموا بشىيئ أو حكم بعضهم [به] وسكت الباقون عليه، [صار إجماعاً، وما انعقد الإجماع عليه] لا يجوز الاجتهاد فيه.
ولأجل هذه العلة قال القاضي الحسين: إن حكم التابعين وغيرهم من أهل الأمصار فيما ذكرناه حكم الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين.
والمارودي وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ اقتصروا على إلحاق التابعين بالصحابة، وسكتوا عن غيرهم.
واعلم أن الآية تقتضي مع ما ذكرناه اشتراط الفقه في العدليين؛ لما سنذكره، وقد حكاه المار ودي عن الشافعي - رضي الله عنه- حيث حكي عنه أنه قال: "ولا يجوز لأحد أن يحكم إلا أن يكون فقيهاً؛ لأنه حكم، فلم يجز إلا بقول من يجوز حكمه".
لكن في "المهذب" أن كونهما فقيهين مستحب، وهو المذكور في "تعليق أبي الطيب" و" الشامل" و"البحر"، وقالوا: إن لفظ الشافعي _ رضي الله عنه- "وأحب أن يكونا فقيهين".
وإذا جمعت هذا وما حكاه المارودي [حصل لك] في المسألة قولان.
وقال الإمام: المعتبر أن يكونا خبيرين من أصحاب الكياسة فيما يتعلق بهذا الغرض.
وقد حكي عن الشافعي - رضي الله عنه- أنه قال: إذا كان القاتل فقيهاً عدلاً، جاز أن يكون أحد العادلين؛ لأنه روى بسنده أن رجلاً يقال له: أربد، وطئ ظبياً، فعقر ظهره، فقدم على عمر، قال له عمر: [احكم يا أربد فيه، فقال: أنت خير مني يا أمير المؤمنين وأعلم، فقال له عمر] إنما أمرتك أن تحكم فيه، ولم آمرك أن تزكيني،
فقال أربد: أرى أن فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، فقال عمر: فذاك فيه؛ فأمضى عمر الحكم باجتهاده واجتهاد أربد، وكان قاتلاً، وليس يعرف له مخالف في الصحابة؛ وهذا ما جزم به الفوراني
ويمكن أن يؤخذ من كلام الشيخ: أنه بني قوله: "ويرجع في معرفة المثل ... " إلي آخره لما يسلم فاعله.
وقد حكي الماوردي وغيره عن بعض الأصحاب: أنه لا يجوز أن يكون القاتل هو أخد العدليين؛ كما لا يجوز أن يكون مقومًا فيما أتلفه من حقوق الآدميين.
قال الغزالي: وهو الأوفيس.
وقال المارودي: إنه خطأ لما ذكرناه من عموم قوله تعالى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة:95].
وكذلك حقوق الآدميين؛ لأنها علي المشاحنة بخلاف حقوق الله تعالي.
وكذلك يرجع إلي من عليه الحق في الكفارات والزكوات.
وهذا الوجه يمكن أخذه من كلام الشيخ بأن يقرأ بفتح الياء آخر الحروف، وكسر الجيم؛ لأن الراجع غير المرجوع إليه، لولا أن الصحيح الأول، وحينئذ يتعين البناء كما ذكرناه.
ثم المسألة مصورة- كما القاضي الحسين والإمام ثم من بعدهم- بما إذا كان مخطئاً في القتل إذا كان عامداً، فسق به.
والبندنيجي والرافعي صوراها بهذه الصورة، وبما قتله لأجل المجاعة.
وما ذكرناه من الخلاف جار كما قالا فيما إذا كان القاتلان هما المقومان.
فرع: لو حكم عادلان في حيوان بمثل من النعم، وحكم آخران فيه بمثل آخر-
فوجهان:
أحدهما: أنه يتخير في الأخذ بأيهما شاء.
والثاني: يأخذ بأغلظهما.
وهما كالوجهين فيما إذا اختلفت فثوي مفتيين له (فيما سألهما عنه)؛ قاله في "البحر"، ويخالف المسألة الأولي ما لو حكم عادلان بأنه له مثلاً، وآخران بأنه لا مثل له؛ فإنه يرجع إلي قول الحاكمين بالمثل؛ لأن النفي لا يعارض الإثبات.
قال: وإن جرح صيدًا له مثل؛ فنقص عشر قيمته، أي: إن لم يؤثر في إزالة امتناعه، أو لكونه صار ممتنعا بعد الاندمال.
قال: لذمه عشر ثمن المثل؛ لأن إيجاب عشر المثل يشق، فدل عنه كما عدل من زكاة الإبل إلي الغنم للعسر.
ولأن كل جملة مضمونة بالمثل يكون النقص الداخل عليها بالجنابة مضموناً بالأرقش من القيمة دون المثل؛ أصله الطعام المغصوب إذا بله الماء أو قلاه بالنار، فإن عليه أرش نقصه دون المثل، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وبه قال أبو إسحاق، وابن
أبي هريرة، وسائر أصحابنا؛ كمال قال الماوردي والبندنيجي، واختاره في المرشد.
وعلي هذا يكون مخيراً بين إخراج الطعام والصوم عن كل مد يوما بلا خلاف، وهل يكون مع ذلك في التصديق بالدرهم وإخراج عشر المثل أم لا؟ الذي قاله الشيخ أبو حامد - وهو المذكور في "الحاوي" والبحر:- الأول؛ فيكون مخيراً بين أربعة أشياء: بين أن يتصدق به، وبين أن يشتري به جزءا من المثل ويتصدق به كما سنذكره، وبين أن يشتري طعاماً ويتصدق به وبين أن يصوم عن كل مد يوماً.
وعليه ينطبق ما حكاه الرافعي عن بن أبي هريرة: أن له إخراج القيمة، وإن وجد
شريكاً في الذبح معه.
والذي أورده البندنيجي الثاني، وقال: إنه لو أخرج عشر المثل لم يجزئه وما قاله أخيراً هو الذي حكاه الرافعي عن رواية أبي القاسم الكرخي وغيره.
وعن البغوي أنه لا يتصدق بالدراهم، ولكنه يصرفها إلي الطعام، ويتصدق به أو يصوم عن كل مد يوماً، وهو الذي أشار إليه في الوجيز بقوله: "فعليه الطعام بعشر ثمن شاة".
قال: وقيل عجب عليه عشر المثل؛ لأن ما ضمن بالمثل ضمن بعضه يبعضه؛ كما لو أتلف ما يضمن بالمثل منن أموال الآدميين.
وعلي هذا قال المزني: إنه أولي بأصل الشافعي -رضي الله عنه- وساعده عليه الأكثر من الأصحاب؛ كما قال الرافعي؛ ولأجله قال الغزالي: إنه الصحيح.
وممن صرح بالتصحيح القاضي الحسين، وتبعه النووي.
والقائلون بهذه الطريقة اختلفوا علي ماذا يحمل النص؟
فمنهم من حمله - وهو صاحب التقريب؛ كمال قال في البحر-علي ما إذا عدم
عشر المثل، وهو الذي أورده الشيخ حيث قال: أن لا يجد عشر المثل وهو موجه بالضرورة.
والمراد بعدم الوجدان: ألا يجد من يشاركه الذبح.
ومنهم من قال: جزاء الصيد علي التخيير، والشافعي -رضي الله عنه- ذكر الأسهل وهو القيمة؛ لأن إخراج جزء من الحيوان فيه مشقة، والمزني بين ماهو الأصل في الواجب؛ فلا اختلاف بينهما؛ وهذه طريقة من نفي الخلاف في المسألة.
وممن الأصحاب من أجري النص علي ظاهره، وأثبت تخريج المزني قولاً في المسألة وجعلها علي قولين، وتفريعهما ما تقدم.
وبذلك يجتمع في المسألة ثلاثة طرق.
وقال الرافعي: إن الأشبه من هذا كله تفريعا علي المنصوص إن أثبتنا الخلاف بغير الدراهم، وحكي قبل ذلك وجهًا في المسألة عن أبي إسحاق أنه يخير بين إخراج العشر وبين إخراج الدراهم.
أما إذا لم ينقص من قيمته شئ بعد الاندمال، فقد جزم القاضي أبو الطيب في تعليقه، وتبعه ابن الصباغ أن الحكم كما تقدم، ولا يسقط الجزاء.
وحكي غيرهما الوجهين فيما إذا نتف ريش طائر، ثم نبتت، ولم ينقص من قيمته شئ، هل يسقط الجزاء أم لا؟ بناء على القولين فيما إذا قلع السن، ثم نبت ولأفرق يظهر بين المسألتين؛ ولأجل ذلك حكي في "المهذب" الوجهين في الصورتين، واختار في "المرشد" منهما السقوط.
وبني ألفوراني وغيره من المراوزة الوجهين عند براء الصيد من الجرح علي الخلاف فيما إذا جرح آدميا، واندمل جرحه، ولم ينقص منه شيئاً هل يجب الحكومة أو لا؟
وحكي في البحر فيها عن القفال: أنه يجب عليه شئ بمقدار ما يجتهد القاضي
لذلك الوجع الذي أصابه.
ولو كان الصيد الذي نقص بجرحه عشر قيمته مما لا مثل له، فالواجب عشر القيمة بلا خلاف.
ويظهر أن يكون تخييره فيها كتخيره فيما إذا كان الصيد مما له، فيما يمكن أو أن يكون حكمه فيما يصرفه كحكمه فيما إذا أتلف صيداً لا مثل له.
فرع: يتعلق بما ذكره تبعا: وهو إذا نتف ريش طائر، فعاد وقد نقصت قيمته، أو قلنا يضمنه مطلقاً، وكان مما يضمن بالشاة، ففيما يضمنه خلاف كالخلاف فيما إذا جرح صيداً له مثل، فنقص من قيمته العشر مثلاً، والله أعلم.
قال: وإن جرح صيداً فأزال امتناعه- أي: واندمل الجرح- ضمنه بكمال الجزاء؛ لأنه عطله؛ فصار بمنزلة التالف؛ ولهذا يجب في قطع يدي العبد تمام قيمته، وهذا ظاهر نصه في الجامع الكبير، والأصح في الرافعي، وقال الإمام: أنه الذي ذهب إليه معظم ألائمه، ولم يحك في " الحاوي" غيره.
وقيل: يلزمه أرش ما نقص؛ لأنه لا يضمن ما لم يتلف، ويخالف ما إذا تلف؛ فإنه لو جاء محرم آخر فقتله، لذمه الجزاء، وهو مثله جريحاً، ويبعد إن يجب علي الجارح دون ما يجب علي القاتل، وإذا مات فقد أمن هذا المحذور؛ وهذا ما زيفه الإمام، وقال الرافعي: إنه الذي يحكي عن ابن سريج.
لكن الذي حكاه عنه غيره: أنه قطع به إذا قتله غيره محرما كان أو حلالاً؛ لأجل ما ذكرناه.
وفي " تعليق القاضي الحسين": أنا إذا قلنا بأن الجارح يضمنه بكمال الجزاء لو لم يقتبه غيره، فلو قتله غيره فوجهان:
أحدهما: يجب على كل واحد منهما جزاء كامل.
والثاني: أن الجزاء على القاتل، وعلى الجارح ما نقص وهو الذي أورده.
البندنيجي وصاحب "البحر"، وقالا: إن الجزاء الكامل إذا كان من النعم أوجبتاه جريحاً، فإن لم نجد جريحا من النعم عدل إلي القيمة، ولا يخفي أن محل تضمين القاتل في هذه المسألة إذا كان محرما.
أما إذا كأمم حلالاً فلا ضمان عليه، والحكم كما لولم يقتله أحد، وقد صرح به في "البحر" وغيره.
التفريع:
إن قلنا بالمنصوص، فلو كان الصيد مما يمتنع بالطيران والجري: كالنعام والدراجة، فأزال أحد الامتناع، فهل يضمن بكمال الجزاء؟ فيه وجهان: حكاهما الأمان عن العراقيين، وقال: إن من لم يكمل، فالغالب علي الظن أنه يعتبر ما نقص، وهو الوجه].
وعكس الوجهين لو أزال الامتناع، فهل يضمنه بجزاء واحد أو جزاءين؟
فيه وجهان: الذي ينطبق عليه كلام الشيخ الأول، وهو الذي أورده البنديجي.
ولو أزال امتناع الصيد ثم قتله قبل الاندمال، فهل يجب عليه موجب الأمرين كما لو قتله بعد الاندمال، أو تتداخل الجنابة؟ فيه وجهان حكاهما الإمام: كما لو قطع يدي شخص، ثم حز رقبته، والمذكور في " الوسيط" التداخل.
وإن قلنا بالقول المنسوب إلى ابن سيريح، قومناه صحيحًا، ثم مندمل الجرح، فإذا عرف ما بينهما، فهل نقول: هو الواجب، أو نقدره من المثل إن كان الصيد مثليًّا؟ فيه الخلاف السابق.
ولو كان الصيد قد غاب بعد جرحه، وجب عليه أرشه، ولا يضمن جميعه، والاحتياط أن يفديه بجملته.
وهكذا الحكم لو وجده ميتاً، ولم يدر من ماذا مات؟
قال الشيخ أبو حامد: وفيه نظر؛ لأنه وجد سبباً يمكن إحالة الموت عليه؛ كما لو جرح رجلاً فمات.
وغير الشيخ من المراوزة حكي فيه قولين؛ بناء علي القولين في حل أكله إذا كان الجارح له بالرمي غير محرم.
قال: وإن كسر بيض صيد- أي يجب به الجزاء- ولا فرخ فيه، لذمته القيمة؛ لقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ الآية [المائدة: 94].
قال مجاهد: ما تناله أيدينا: الفراخ والبيض؛ فدل علي أن ذلك من الصيد، وإذا كان صيداً، وجب الجزاء بإتلافه؛ كالفراخ.
وقد روي عن كعب بن عجزة أن النبي صل الله عليه وسلم "قضي في بيض النعام أصابه المحرم بقيمته"، وروي "بثمنه" وهي رواية أبي هريرة.
ولأنه خارج من الصيد الذي يجب بقتله الجزاء، وقد يكون منه مثله؛ فوجب أن يكون فيه قيمته إذا كان مما قيمته؛ أصله الصيد بعينه؛ فإنه خارج من الصيد الذي يجب بقتله [الجزاء].
وعن المزني أنه لا يجب فيه شئ، وما ذكرناه حجة عليه.
وعلي هذا هل تعتبر بـ"مكة" أو بموضع كسره؟ فيه القولان السابقان؛ صرح يهما الماوردي، وقال: أنه يرجع في تقويمه إلي اثنين، ويجب أن يكونا فقهين عدليين، ويكون مخيراً [بين] أن يتصدق بالدراهم، أو بطعام يساوي قدرها، أو يصوم عن كل مد يوماً.
أما إذا كان فيه فرخ: فإن كان ميتاً، فالحكم كما تقد، وإن كان حيًّا، فإن سلم وطار، فلا شئ عليه، وقد أساء وإن مات ضمنه، لكن بماذا؟ ينظر: فإن كان مما لا حياة مستقرة، ولا يجوز أن يعيش مثله، فيجب عليه قيمته.
وإن كانت الحياة مستقرة وترجي حياته، فإن كان فرخ نعامة ففيه ولد ناقة، وأنن كان فرخ حمامة ففيه وجهان:
أحدهما: فيه شاة؛ كما يجب في أمه.
والثاني: ولد شاة رضع أو فطيم يكون قدر بدنه من الشاة بقدر بدن الفرخ من أمه، وهو ما أورده ابن الصباغ.
وقال الماوردي: إن الوجهين ينيبان على أن الشاة الواجبة في الحمام وجبت توقيفاً، أو من طريق الشبه والمماثلة؟
وأن كان فرخ ما دون الحمام: كالعصفور، ففيه القيمة.
وأن كان فرخ ما فوق الحمام: كالكروكي، فإن قلنا: يجب فيه القيمة، فكذلك في فرخه، وإن قلنا: يجب فيه الشاة، كان في فرخه الوجهان في فرخ الحمام.
وقد أدخل الشيخ في كلامه بالصريح البيض المذر، إذا كانت له قيمة وهو بيض النعام لأن قشره ينتفع به وهو الذي صرح به الماوردي والبنديجي وأبو الطيب وغيرهم.
لكن قال في "الوسيط": إنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يبق حرمة الروح.
وقاسه في " النهاية" علي ما لو أتلف ريش طائر منفصلاً عنه.
وأخرج الشيخ بمفهوم كلامه ما القيمة له وهو المذكور في كتب الأصحاب.
وفي معنى كسر البيض نقله من موضوع ففسد، سواء كان فساده؛ لنفور الطائر عنه، أو لكونه أحضنه دجاجة، أو لم يكن شئ من ذلك اللهم إلا أن يكون قد باض على فراشه، فنقله، ولم يحضنه، فإن الشافعي -رضي الله عنه – نقل عن عطاء؛ أنه لا يلزمه ضمان؛ لأنه مضطر إلي ذلك.
وقال: إنه من المحتمل أن يضمن؛ لأنه أتلفه باختياره؛ فجعل الأصحاب- لأجل ذلك- في ضمانه قولين، وهكا كالقولين فيما إذا افترش الجراد في طريقه فقتله.
ولو أحضنه دجاجة، فصار فرخاً، وطار، فلا ضمان عليه وإن كان مسيئاً.
فرع: إذا نتف ريش صيدد، قال الشافعي- رضي الله عنه-: يضمن مابين قيمته منتوفا وبين قيمته
عافيَّا، أي: نابت الشعر وهو عند الأصحاب محمول على ما إذا كان الصيد مما يضمن بالقيمة، أما إذا كان مضموناً بالمثل، ففيه الخلاف السابق.
ولو عاد الريش، فقد تقدم الكلام فيه وعليه إذا نتف ريشه حطي صار غير
ممتنع: أن يمسكه، ويطعمه، ويسقيه؛ لينتظر ما يئول إليه حاله.
ولو حلب لبن صيد، ضمنه، كالبيض.
وفي البحر أن أصحابنا قالوا: لا جزاء عليه.
والفرق بينه وبين البيض: أنهه يكون من البيض الصيد واللبن بمنزلة ريقه وبوله وبعره.
قال: وأن اشترك جماعة أي: محرمون- في قتل صيد، لهزم جزاء واحد، لقوله تعالي: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، فأوجب في قتل الصيد جزاء، وهو مثل المقتول، ومثل الواحد، سواء كان القاتل واحداً أو جماعة؛ كما أن مثل العشرة عشرة، سواء كان القاتل واجداً أو جماعة.
ولأنه إجماع الصحابة، حكاه الماوردي، وكأنه يشير إلي ما حكاه أبو الطيب: أن ابن عمر سأله جماعة قتلوا ضبعًا، فقال "على كلكم جزاء واحد"، ولا يعرف مخالف.
وأيضاً فصيد الحرام لو قتله جماعة لم يجب عليهم إلا جزاء واحد، فكذا هنا.
وخالف هذا كفارة القتل حيث تعددت علي الصحيح؛ لأن تلك وجبت لهتك الحرمة لا بدلاً؛ ولهذا لم تختلف باختلاف المقتول صغيراً أو كبيراً، ولم تجب في الأطراف، ولا كذلك جزاء الصيد
أما لو كان بعضهم محرماً والبعض حلالاً، وجب علي المحرم ما يقتضيه التوزيع، ولا شئ علي الحلال؛ كما لو اشترك مسلم حر وحربي في قتل عبد مسلم، نص عليه الشافعي في " الأم".
قال: وإن أمسكه محرم، فقتله حلال، وجب الجزاء علي المحرم؛ لأنه تلف في يده، وهو مضمون عليه بوضع اليد، فأشبه ما لو غصب عبدا فقتل في يده، وبهذا خالف مال ومسم حرا، فقتله غيره؛ فإنه لا ضمان علي الممسك؛ لأن الحر لا يضمن بوضع اليد.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا رجوع للمحرم عل الحلال إذا غرم؛ لأنه لو كأن يرجع عليه لقال: "ويرجع به علي القاتل"، كما قال في حلق الشعر، وهو قول الشيخ أبي حامد موجهاً له بأن الحلال يجوز له قتل هذا الصيد؛ فأشبه ما لو مات في يده حتف أنفه.
قلت: أو كما لو قتل العبد المغصوب في يد الغاصب حربي؛ ولأجل ذلك قال ابن الصباغ: إنه لأقيس عندي.
والذي حكاه القاضي أبو الطيب، ولم يذكر في "المهذب" سواه، وهو المختار في "المرشد" أنه يرجع على الحلال إذا غرم؛ لآن القاتل أدخله في الضمان؛ فرجع عليه؛ كما لو غصب مالا، فأتلفه أخره في يده.
وعلي هذا يظهر أن يكون الحكم في ماذا يرجع به إذا كفر بالمال أو بالصوم؟ كما تقدم فيما إذا حلق رأسه مكرها، وقلنا: يرجع علي الحالق.
قال: وإن قتله محرم آخر، وجب الجزاء بينهما نصفين؛ لأنه وجد سبب الضمان من كل منهما.
وظاهر هذا أنه لا يطالب كل منها إلا بنصف الجزاء.
ومن الأصحاب من قال: الجزاء على القاتل؛ لأنه اجتمع فيه [السبب] والمباشرة، وكل منهما موجب للضمان؛ فغلبت المباشرة؛ لأنه لا يجمع بين السبب والمباشرة إذا كان السبب غير صالح في شيء من الأصول؛ وهذا ما قال الرافعي: إنه الأظهر، وتبعه النواوي، وصححه.
وهذا الوجهان ذكرهما الشيخ أبو حامد، وقال في "البحر": إنهما يجريان فيما إذا أمسك محل صيد الحرم فقتله آخر.
وقال القاضي أبو الطيب في مسألة الكتاب: الصحيح من المذهب: أنه يجب الجزاء على كل واحد منهما، فإن أخرجه الممسك يرجع على القاتل [وإن أخرجه القاتل، لم يرجع [به] على الممسك] وهو ما صدر به القاضي الحسين كلامه، وصححه في "العدة".
وقال ابن الصباغ: إنه الأقيس عندي.
وقولهم: إن الجزاء على القاتل؛ لاجتماع السبب والمباشرة ينتقض بما لو غضب شيئاً، فجاء آخر فأتلفه في يده؛ فإنه يجب الضمان على الغاضب.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يحصل ذلك بدلالة المحرم الذي في يده الصيد أو لا.
قال: وصيد الحرم حرام على الحلال والمحرم [أي:] اصطياده؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام، حرمه الله تعالى يوم خلق السموات [والأرض] فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، لا يعض شجره، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاؤه".
قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر؛ فإنه [لنعمهم ولبيوتهم؛ فقال: "إلا
وقد جاء من طريق آخر "إلا الذخر؛ فإنه لقبورنا وبيوتنا".
وفي "تعليق القاضي الحسين": أن العباس قال: " إلا الذخر؛ فإنه لقينا [وقبورنا] [وبيوتنا]).
والقين: الحداد.
وجاء: "فإنه لصياغتنا".
ووجه الدلالة من الخبر أنه حرم تنفير صيد مكة، وليس المراد نفس البلد، وإنما أراد الحرم، وإذا كان التنفير محرما كان القتل والاصطياد أولي به.
وقد قيل: إن معني قوله - عليه السلام-: " لا ينفر صيدها": لا يتعرض له بالاصطياد، ولا يهاج فينفر.
وادعي القاضي أبو الطيب إجماع المسلمين علي تحريم صيده.
وقد أختلف العلماء أن مكة -شرفها الله تعالي- صارت حرماً آمناً بدعوة إبراهيم - عليه السلام- أو كانت قبله كذلك.
وسبب اختلافأنهم ما ذكرناه من الخبر، وما سنذكره من قوله - عليه السلام-: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة"؛ قال النووي في " المناسك".
والصحيح من القولين الثاني؛ لما ذكرناه من الخبر.
والجواب عن الخبر الآخر الذي سنذكره: أن إبراهيم -عليه السلام- أظهر تحريمها بعد أن كان مهجوراً لا أنه ابتدأه.
وقد تقدم أن المراد بـ"مكة" في الخبر: الحرم، وسيأتي ذكر حدوده - إن شاء الله
تعالى- في باب عقد الذمة؛ لأن الأصحاب تكلموا فيه ثم عمل عليه علامات من جوانبه كلها، ومنصوب عليها أنصاب، ذكر الأزرقي وغيره بأسانيدهم أن إبراهيم الخليل - عليه السلام - عملها، وجبريل - عليه السلام - يريه مواضعها، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحديدها، ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية - رضي الله عنهم - وهي إلي الآن بينة ولله الحمد.
وقد أختلف العلماء في سبب تحديده بما سنقف عليه: فقيل: إن جبريل- عليه السلام- أراه إبراهيم الخليل، علي نبينا وعليه السلام.
وقيل إن آدم - عليه السلام لما أهبط خاف الشيطان، فأنزل الله تعالي له ملائكة تحرسه، فحيث وقفت من كل جانب كان ذلك حده منه.
وقيل: أنزلت خيمة من الجنة، فضربها، ووقفت الملائكة من ورائها تحرسه؛ فالحرم موقف الملائكة.
وقيل: إن الحجر الأسود لما أهبط إلي الأرض، أضاء نوره شرقاً وغرباً، ويميناً وشمالاً؛ فكان حد الحرم حيث انتهي نوره.
قال: فمن قتله منهما، أو أتلف في يده، أو جزء منه- وجب عليه ما يجب علي المحرم في صيد الإحرام؛ لأنه روي عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم- أنهم أوجبوا في حمام مكة شاة، ولم يخالفهم أحد، وإنما أوجبوها علي المحل؛ إذ لو كان علي المحرم، لما اختص بحمام مكة دون غيره.
وقد قال - عليه السلام- في الضبع كبش إذا إصابة المحرم، ومن دخل الحرم يسمي محرماً؛ قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ........ ... ............. ... ............
وأرد أنه كان في حرم المدينة، والعرب تقول: "أنجد الرجل"؛ إذا دخل نجدًا،
و"أتهم" و"أحرم"؛ كذا قال ابن الصباغ وغيره.
قلت وإذا كان كذلك، كان الاستدلال بقوله تعالي: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية [المائدة:95] أولى, وأيضاً فقد قرئ "وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً" بفتح الحاء والراء ولأنه صيد يحرم قتله؛ لحق الله تعالي؛ فوجب بإتلافه وبإتلاف جزئه الجزاء؛ كصيد غير الحرم بالنسبة إلي المحرم.
وهو الذي ذكره الشيخ شامل للواجب وصفته من التخيير والتعديل، لكنه يدخل ما إذا قتله عند صياله عليه، وكذا عند صيال راكبه.
وجوابه فهم خروج ذلك مما تقدم.
ولا يتكرر الجزاء بقتل المحرم صيداً في الحرم؛ لأن المقتول واحد، وشبه هذا بقتل القارن الصيد؛ فإنه لا يجب عليه إلا جزاء واحد, ثم المراد بصيد الحرم ما كان فيه بحيث لو كان في الحل، حرم علي المحرم اصطياده؛ لأجل الإحرام.
وأردنا بذلك إدخال الطيور التي في هواء الحرم؛ فإنه يحرم صيدها كما يحرم علي المحرم صيد الطائر في الهواء.
وأخرجنا بقولنا: " لأجل الإحرام" الصيد المملوك للحلال إذا أدخله الحرم؛ فإن صيده في الحل حرام؛ لأجل الملك.
وقد قال الأصحاب- كما حكاه الماوردي، وتبعه في "المهذب" وغيره: إنه يجوز لصاحبه قتله في الحرم والتصرف فيه، ولا جزاء عليه؛ لأنه ملكه خارج الحرم؛ فجاز له التصرف [فيه] في الحرم؛ كما لو أدخل شجر الحل إلى ملكه في الحرم، ونبت فيه.
وقد حكى البندنيجي وغيره ذلك عن النص، لكن ما ذكرناه يخرج -أيضاً- ما لو
كان في الحرم نهر، وفيه صيد عن أن يحرم صيده، ووجوب الجزاء فيه، وهو موافق لما أطلقه المسعودي.
لكن في "البحر" أن الصيمري قال بتحريمه.
وقد ظهر لك مما ذكرناه: أنه لو نفر صيداً من الحل، فدخل الحرم، ثبت له حرمة الحرم، وقد صرح به الأصحاب، وقالوا: إنه لو تلف ضمنه المنفر.
والفرق بينه وبين ما إذا غرس [شجر] الحل في الحرم، لا يثبت له حرمة شجر الحرم: أن الصيد ليس بأصل ثابت، بل منتقل في العادة؛ فاعتبر فيه حكم المكان، والشجر أصل ثابت، ليس بمنتقل؛ فاعتبر [فيه حكم] أصله.
ومنه يظهر أيضا: أنه لو كان في الحل، ورمى إلى صيد في الحرم، فقتله، أو جرحه - ضمنه.
وكذلك لو حبس صيداً في الحل، وله فراخ في الحرم؛ فماتت جوعا - ضمنها؛ كما نص عليه في الإملاء؛ لأنها ماتت بسبب فعله.
وكذا لو قتل صيداً، في الحل بعضه، وبعضه في الحرم [ضمنه]؛ تغلبيا للتحريم؛ كما يضمن المحرم المتولد من مأكول وغيره؛ وقد صرح به الفوراني والرافعي، وكذا قاله البندنيجي، وأنه لو كانت جميع قوائمه في الحرم ورأسه في الحل، فأصاب الرأس، فالحكم كذلك.
وقال القاضي الحسين: إن ضمانه منوط بما إذا كانت إحدى يديه أو رجليه في الحل، والأخرى في الحرم.
أما [لو كان] رأسه في الحرم وباقيه في الحل، فرمى من الحل إلى ما هو خارج الحرم - فلا جزاء عليه.
وفي "الحاوي" حكاية ثلاثة أوجه فيه:
أحدها: لا جزاء فيه: لأن حرمة الحرم لم تكمل.
والثاني: إن كان أكثر الصيد في الحرم ففيه الجزاء، وإن كان أكثره في الحل فلا
جزاء عليه؟ اعتباراً بالأغلب.
والثالث: وبه أجاب بعض متأخري أصحابنا حين امتحن بالسؤال عن الحكم في هذه المسألة:
إن كان الصيد قد خرج من الحل إلى الحرم لم يضمنه، وإن كان قد خرج من الحرم إلى الحل ضمنه؛ استصحاباً لما كان عليه [إلى] أن يتم خروجه عنه.
قلت: ويؤيده ما ذكره الأصحاب فيما إذا أدخل رجليه الخف على طهارة، وقبل استقرارهما فيه أحدث - لا يجوز له المسح عليهما ما لم ينزعهما، ويجدد الطهارة، ثم يلبسهما.
ولو نزع رجليه من الخف، فقبل استكمال نزعهما، أحدث في المدة - يجوز له المسح عليهما.
وما ذكره القاضي الحسين من أنه لوكان في الحرم، وأخرج يده إلى الحل ونصب فيه شبكة، فتعلق بها صيد الحرم أو الحل وهو حلال، لا جزاء عليه [لا يرد عليه] [ولا يرد عليه] ما قاله القاضي الحسين - أيضاً - فيما إذا كان في الحل، فأدخل يده الحرم، ونصب فيه شبكة أو حفر فيه حفرة فوقع فيه صيد الحرم - أنه يضمنه؛ لما ذكرنا من قبل: أنه لوكان بجملته في الحل، ورمى إلى صيد [في] الحرم ضمنه.
واعلم أنه كما يحرم عليهما ميد الحرم، يحرم الاصطياد فيه لصيد الحل، مثل أن يرمي من الحرم سهماً إلى صيد في الحل، أو يرسل عليه كلباً؛ لأن كونه في الحرم يوجب تحريم الصيد عليه، كذا قاله الأصحاب.
ويرد عليه ما حكيناه من قبل عن رواية القاضي الحسين فيما إذا كان في الحرم، فأدخل يده الحل، ونصب فيه شبكة؛ فوقع بها صيد الحل أو الحرم - لا جزاء عليه.
وقد ألحقوا بذلك ما لو حبس صيداً في الحرم، وله فراخ في الحل؛ فماتت جوعاً، وقالوا: إنه يضمنها.
وليس في كلام الشيخ تعرض لهاتين الصورتين إلا أن يستعمل قوله: "وصيد الحرم حرام" في معنيين مختلفين: وهو الاصطياد في الحرم، ونفس صيد الحرم، ولا يمكن ذلك؛ لأن اللفظ الواحد لا يستعمل كذلك.
وأيضا: فيعكر عليه قوله من بعد "فمن قتله منهما ... " إلى آخره؛ فإنه يقوي أن مراده المعنى الثاني لا غير.
فرع: إذا رمى وهو في الحل صيداً في الحل، فمر السهم في جانب من الحرم، وأصاب الصيد، وهو في الحل - ففي ضمانه وجهان، وقيل: قولان، وقيل: إن الشافعي - رضي الله عنه - علق القول فيه.
والمذكور في "تعليق البندنيجي"، والمختار في "المرشد": أنه لا ضمان، وقد حكاه في "البحر" عن الشافعي - رضي الله عنه -.
ووجه مقابله بأنه لما صار في الحرم فقد خرج من الحرم إلى صيد في الحل، فأشبه ما لو خرج ابتداء منه.
وقال الماوردي: إن القولين يجريان في نظير المسألة من إرسال الكلب، وفيه نظر؛ لما سنذكره من أنه لو أرسله على صيد في الحل، فأصابه أو غيره في الحرم – لا
جزاء عليه، بخلاف السهم، والله أعلم.
تنبيه: في قول الشيخ: "فمن قتله منهما ... " إلى آخره - ما يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في حصول ذلك بالسبب أو المباشرة، عمدا أو خطأ، وهر كذلك عند الأصحاب حتى قالوا: لو نفَّر صيداً من الحرم، فتكسر في نفاره في الحل، ضمنه.
قال الإمام: بلا خلاف؛ لأنه من ضمانه إلى أن يستقر ويسكن.
وقد قيل: إنه من ضمانه حتى يرجع إلى الحرم؛ قاله الصيدلاني، وهو زلل فإنه ليس عليه السعي في رده إلى الحرم.
وقالوا: إنه لو رمى إلى صيد في الحل، فأصاب صيداً في الحرم: إما ذاك الصيد أو غيره - يلزمه الضمان، بخلاف ما لو أرسل كلباً على صيد في الحل، فقتل صيداً في الحرم [ذاك] أو غيره، فإنه لا ضمان عليه؛ لأن للكلب اختياراً، كذا حكاه الفوراني والبندنيجي وغيرهما، وعزاه الماوردي إلى النص.
وحكى القاضي [الحسين وجها آخر فيها إذا أرسل كلباً على صيد في الحل، فدخل الحرم، وتبعه الكلب: أنه يلزمه الضمان]؛ كما في نظير المسألة من رمى السهم، وهذا نظير ما حكيناه عن الماوردي في المسألة السابقة.
قال القاضي الحسين: ومحل القول بعدم الضمان في مسألة الصيد إذا كان [لكلب الصيد طريق آخر] غير الحرم فلو لم يكن له طريق سواه ضمنه.
قال الإمام: وان كان غير آثم.
وقال الماوردي: إن محله كما قال [الأصحاب] إذا كان مرسله قد زجره عن اتباع الصيد في الحرم، فلم ينزجر، أما إذا لم يزجره مرسله، ولا منعه من اتباعه- فعليه الجزاء، لأن الكلب المعلم إذا أرسل على صيد تبعه حيث توجه.
وقد تقدم ذكر الأسباب المضمنة للصيد في حق المحرم، وهي جارية هنا، فلا حاجة إلى إعادتها.
نعم: من جملة الأسباب ما لم يذكر ثمَّ، وهو إذا نفر صيد الحرم، فخرج إلى الحل، فقتله قاتل، فإن أكثر النقلة أطلقوا القول بأنه يجب على المنفر ضمانه إذا كان القاتل حلالُا، ولعل ذلك محمول على ما إذا قتله قبل سكون نغاره لا بعده: كما تقدم أن الصحيح زوال الضمان عنه به.
وقال الماوردي: إنه ينظر:
فإن كان القاتل محرماً، كان الضمان عليه لا غير.
وإن كان حلالاً، قال أصحابنا: فإن لم يكن حين نفره ألجأه إلى الحل، ومنعه من الحرم - فلا ضمان على المنفر والقاتل، وإلا ضمنه المنفر.
الأمر الثاني: أن الكافر إذا قتل صيد الحرم، ضمنه وإن كان لا يضمن صيد غيره إذا أحرم وقتله؛ لأنه حلال: فاندرج تحت قوله، وهو المذكور في "تعليق البندنيجي" و"القاضي أبي الطيب"، وحكاه في "المهذب" عن بعض الأصحاب موجهاً له بأنه
ضمان يتعلق بالإتلاف؛ فاستوى فيه المسلم والكافر، كسائر الأموال.
ثم قال: ويحتمل عندي أن لا ضمان عليه؛ لأنه غير ملتزم لحرمة الحرم؛ فلا يضمن صيده.
وعلى الأول يكون حكمه حكم المسلم في كيفية الضمان إلا في الصيام، قاله البندنيجي.
قال: ويحرم على الحلال والمحرم قلع شجر الحرم - أي: في حال رطوبته- سواء كان قد نبت بنفسه، أو استنبت؛ لقوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 3] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: 91]، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق "لا يعضد شجره", والعضد القطع.
وهكذا حكم ما كان بعض أصله في الحل، وباقيه في الحرم: تغلبياً للتحريم؛ حكاه البندنيجي.
وقيل: لا يحرم قلع ما أنبته الآدمي؛ لأنه شبيه بالحيوان الأهلي، والقائل بهذا تمسك فيه بقول الشافعي - رضي الله عنه - في "الإملاء" كما قال القاضي أبو
الطيب والبندنيجي وغيرهما:" ومن قطع من شجر الحرم, فعليه الجزاء؛ لأنه لا مالك له", وهذا الوجه لم يحك الفوراني غيره, وهو الذي أورده القفال؛ كما قال الطبري.
ويشبه أن يكون قول صاحب التلخيص فإنه قال: "الاعتبار بالقصد لا بالجنس, فما استنبت لا يضمن, وما نبت بنفسه ضمن من غير نظر إلى الجنس.
والقائل بهذا لا يثبت الأول.
وقال البندنيجي: إنه يثبته, ويجعل في المسالة قولين, وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة طرق.
قال الشيخ: والأول هو المنصوص, ووجهه على الخصوص: أنه شجر نامٍ غير مؤذٍ نبت أصله في الحرم, فأشبه ما أنبته الله تعالى.
قال القاضي الحسين: ولأنه ما من شجر إلا ويوجد ذلك مباحًا في الآجام والغياض.
وقول الشافعي- رضي الله عنه-" لأنه لا مالك له", لم يذكره ليخرج به ما له مالك التحريم, ولكن ذكره؛ ليخرج به الشجر المملوك في الحرم؛ فإنه يجب فيه مع الجزاء القيمة بلا خلاف؛ كما في الصيد المملوك, وهو لم يذكر القيمة.
وصورة ذلك- كما قال في" البحر"- إن نبت الشجر بنفسه في موضع مملوك لإنسان من الحرم.
وقد وجه في" المهذب" المنصوص بأن ما حرم لحرمة الحرم يستوي فيه المباح والمملوك؛ كالصيد.
وكأنه- والله أعلم- يشير إلى ما ذكره الماوردي في توجيه هذا القول: إن الحرمة للحرم لا للشجر؛ فلا فرق بين ما أنتبه الله تعالى في الحرم وبين ما نقله الآدميون من الحل إلى الحرم, ألا ترى لو أن رجلًا صاد من الحل صيدًا, وأطلقه في الحرم, كان كصيد الحرم؛ لحرمة المكان؛ فكذلك الشجر.
فإن قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنه [إما أن] يعتقد أن الصيد بإطلاقه خرج عن ملك صائده أو لا.