كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 265-304
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 265-304
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: أكل طعام الغير، وضمن بدله؛ لأنه قادر على أكل الطعام الطاهر بعوض مثله؛ فوجب عليه أكله، ولم يجز له العدول إلى أكل الميتة؛ كما لو كان حاضراً وبذل له بعوض مثله؛ فإنه يجب عليه ذلك قولاً واحداً كما سنذكره، ولا فرق على هذا بين أن يكون قادراً على البدل أو عاجزاً عنه؛ لأن الذمم تقوم مقام الأعيان، لكن ما الذي يأكله؟ فيه ثلاث طرق حكاها البغوي وغيره من المراوزة.
إحداها- وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرهم من العراقيين-: أنه على القولين فيما يأكله من الميتة.
والثانية: القطع بأنه يأكل قدر الشبع؛ لأن جنس الطعام حلال بخلاف الميتة، وهذان الطريقان لم يورد القاضي الحسين سواهما.
والثالثة: القطع بأنه لا يزيد على سد الرمق؛ لأن حق الآدمي أضيق من حق الله تعالى؛ فيقتصر فيه على ما يدفع الضرورة؛ وهذا ما أورده الفوراني مع الأول.
وقيل: يأكل الميتة؛ لأن إباحة الميتة بالنص، وإباحة هذا [الأخذ] بالاجتهاد، والنص أقوى من الاجتهاد؛ فوجب اتباعه.
ولأن ذلك حق الله تعالى، وهذا حق آدمي، وحقوق الله تعالى تدخلها المسامحة دون حقوق الآدميين؛ وهذا ما صححه النواوي؛ تبعاً للرافعي والروياني، ونقله القاضي الحسين عن النص.
وحكى عن بعضهم القطع به؛ وعلى هذا يظهر أن يقال: لو كان المالك حاضراً، لم يجب عليه بذل الطعام، وإلا لما كانت الغيبة عذراً في الترك كالديون.
وقد حكى البغوي وغيره من المراوزة في المسألة قولاً- أو وجهاً- ثالثاً: أنه يتخير؛ بناء على الأقوال الثلاثة في تعارض حق الله تعالى وحق الآدمي.
وقد ألحق القاضي أبو الطيب بصورة الكتاب ما إذا كان مالك الطعام حاضراً غير مضطر إليه، والمضطر قادر على مقاومته وقلعه منه، وأجرى الخلاف فيها.
وأطلق الماوردي والقاضي الحسين القول بأن صاحب الطعام إذا كان حاضراً ممتنعاً من البذل أنه يأكل الميتة، وهو ما حكاه في "البحر" عن النص في "ذبائح بني إسرائيل"؛ فإنه قال فيه: "وليس بحلال له أن يكاثر رجلاً على طعامه وشرابه، وهو

يجد ما يغنيه عنه من شراب فيه ميتة، أو ميتة، ولا تناقض بين النقلين، بل ما قاله الماوردي ودَلَّ عليه ظاهر النص محمول على ما إذا كان الأخذ لا يتأتى إلا بالقتال، أو كان المضطر غير قادر على مقاومة صاحب الطعام، وما قاله القاضي أبو الطيب محمول على ما إذا تأتى أخذه بدون قتال؛ لضعفه، وقد صرح البندنيجي بذلك، وبه يحصل لمسألة الكتاب صورتان.
ولو كان صاحب الطعام باذلاً له؛ إما تبرعاً أو بثمن مثله، وجب عليه قبوله قولاً واحداً؛ كما قاله البغوي وغيره؛ قياساً على ما لو كان عنده طعام؛ فإنه يلزمه أكله، ويمسك به رمقه، فإن لم يفعل ذلك، كان كمن قتل نفسه.
قال أبو الطيب: ويفارق هذا الميتة؛ حيث قلنا على قول أبي إسحاق: إن له أن يمتنع من أكلها؛ لأن له غرضاً في ذلك، وهو التنزه عن النجاسة، ولا غرض له هاهنا.
وأشار ابن التلمساني في شرح هذا الكتاب إلى جريان قول أبي إسحاق هنا أيضاً بقوله: "ولا يعصي المضطر بتركه على الأصح".
ولا فرق على الأصح بين أن يكون المضطر قادراً على ثمن المثل أو غير قادر عليه، إما مطلقاً أو في موضعه، ورضي الباذل بذمته؛ حتى قال البغوي: لو كان معه إزار واحد لا يأمن من نزعه الهلاك بسبب البرد، وجب عليه صرفه إلى الطعامن ويصلي عرياناً؛ لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة، بدليل أنه لا يجوز أن يكابر الغير على أخذ الثوب؛ ليستر العورة، ويجوز أن يكابره على أخذ الطعام؛ وهذا إذا كان الطعام المبذول لا تنشأ منه زيادة مرض بالمضطر؛ ولا يتوهم من الباذل أنه سمة له، فلو وجد أحد الأمرين، لم يجب القبول؛ صرح به الشافعي.
ولو لم يجد المضطر إلا طعام الغير، نظر: فإن كان مالكه غائباً، جاز له الأكل منه، وهل يعصي بالترك؟ فيه وجهان في"التهذيب"، وإذا أكل ضمن البدل كما تقدم.
[و] في "الحاوي" وجه: أنه لا يضمن البدل؛ لأنه أخذ بالضرورة؛ كاستباحة الشيء الذي لا يضمن من الميتة، وهو فاسد؛ لأن الميتة لا قيمة لها، ولا مالك؛ بخلاف الطعام.
وإن كان حاضراً وهو غير مضطر إليه، قال الماوردي: فلا يباح له الأكل دون

مراجعته وإعلامه بحاله، وهذا ما ادعى الغزالي: أنه الأصح.
وفيه وجه: أنه لا يستأذنه- قال الإمام-: لأنه إنما يظهر اشتراط ذلك حيث يفيد التحريم لو عدم الإذن، أما إذا كان مأخوذاً على كل حال، فلا معنى لاشتراطه.
قلت: وسيأتي لهذا الوجه نظير نذكره في آخر باب الربا.
والقائلون بالأول شبهوا ذلك بالظفر بمال المديون، لا يجوز أخذ حقه منه ما لم يعجز عن إذنه، وقد اتفقوا على أنه يجب على مالك الطعام بذله [له] لكن بثمن المثل في الحال إن كان المضطر قادراً عليه ولا يؤدي تشاغله بتسليمه إلى تلفه إن كان معصوم الدم، كالمسلم والذمي والمعاهد؛ أو في الذمة إن كان عاجزاً عنه أو أدى تشاغله بتسليمه إلى تلفه.
ويجب على المضطر شراء ذلك منه أو قبوله، وهكذا نقول فيمن رأى شخصاً قد أشرف على الحريق أو الغرق، لكنه متشبث بشيء أو يسبح سباحة ضعيفة وتتسع المدة للموافقة على بذل أجرة- يجب عليه تخليصه بأجرة يشترطها عليه، وتجب على ذلك موافقته، ولا يجب عليه تخليصه مجاناً؛ جمعاً بين الحقين، ودفعاً للضررين، ويجيء فيه الوجه السابق.
نعم: لو أدى التشاغل بتعاطي الشراء أو تقدير الأجرة إلى التلف، وجب الإطعام والبذل والتلخيص مجاناً على الأصح، وهو الذي أورده ابن الصباغ تبعاً للقاضي أبي الطيب.
وزاد البندنيجي فقال: لو خاف المضطر على نفسه إن تشاغل بالموافقة، فاستلب المال وأكله، فلا قيمة عليه.
وقيل: إذا أوجر المضطر العام في هذه الحالة، رجع بثمن مثله.
والخلاف جارٍ فيما لو ناوله الطعام، ولم يذكر له شيئاً مع إمكان ذلك، فأكله المضطر.
ووجه الرجوع: أنه خلصه من الهلاك بذلك، فرجع عليه بالبدل؛ كما في العفو عن القصاص.
وعلى الصحيح ينطبق قول الماوردي: أنه لو أذن له في الأكل، ولم يسم له ثمناً

ولا عوضاً، فلا يرجع عليه بشيء.
نعم لو اختلفا: فقال صاحب الطعام: إنما أذنت بعوض، وقال المضطر: بل أذنت مستحباً؛ فلا عِوَضَ لك عليَّ- فالقول للمالك مع يمينه.
وحكى الإمام وغيره قولاً آخر: أن القول قول الآكل.
وقد أفهم كلام الروياني في "البحر": أن من الأصحاب من لم يجوز طلب الأجرة في مسألة التخليص من الغرق ونحوه؛ فإنه فرق بينه وبين مسألة الطعام: بأنه لو كان لا مال له، يلزمه تخليصه؛ لحرمته، ولا يحتاج إلى إزالة ملكه، ولا يجوز الانتظار على الأجرة، فكذلك إذا كان له مال، وهاهنا بخلافه.
ولو امتنع صاحب الطعام- وقد تعين عليه البذل [من البذل: إما مطلقاً، أو إلا بأكثر من ثمن المثل- نظر: فإن كان المضطر قادراً على مكابرته ومقاتلته] على أخذه منه، كان له ذلك، وهل يجب؟ فيه وجهان في "الحاوي".
وقال الرافعي: إنهما مبنيان على أنه: هل يجب أكل الميتة أم لا؟ والأولى بأن لا يجب هنا؛ لأن عقل المالك وديته تبعية على الإطعام، وهو واجب عليه؛ فجاز أن يجعل الأمر موكولاً إليه، ويكتفي به.
ثم ما القدر الذي يقاتله عليه؟ فيه الخلاف المذكور فيما يحل من طعام الغائب؛ إذا قلنا: إنه يأكله وقد تقدم، ولا خلاف في أنه إذا أذن له في الأكل، أكل إلى حد الشبع.
قال في "البحر": ولا يجوز له الزيادة على الشبع.
قلت: وهذا ليس؛ لأن أكل الزائد على قدر الشبع حرام، بل لأن الإذن مقيد به عرفاً؛ فحمل عليه، وإلا فالأكل فوق الشبع جائز؛ وإن كان مكروهاً؛ كما صرح به الروياني والقاضي الحسين، واستأنس فيه بما روى عن عمر أنه قال: "اجعلوا بطونكم ثلاثة: ثلث للطعام، وثلث للماء، وثلث للنفس".

ثم إن أتى القتال على المضطر، لزم صاحب الطعام ضمانه بالقصاص أو الدية؛ مكا لو قتله ابتداء؛ لأنه ما حلَّ له أن يقاتله.
وإن أتى الدفع على صاحب الطعام، كان هدراً؛ لأنه ظالم.
وإن لم يقدر المضطر على مقاومته ومكابرته على الطعام، فإن لم يقدر على شرائه منه ومات، لم يضمنه بقودٍ ولا دية، لكنه آثم.
قال الماوردي: ولو قيل: إنه يضمن ديته، كان مذهباً؛ لأن الضرورة قد جعلت له من طعامه حقاً؛ فصار منعه منه كمنعه من طعام نفسه، ولو منع الشخص من طعام نفسه حتى مات جوعاً، ضمن ديته؛ فكذلك هنا.
والذي ذكره القاضي أبو الطيب والفوراني وغيرهما- كما ذكرناه في باب: ما يجب به القصاص-: أنه لا ضمان فيما إذا أخذ من رجلٍ طعامه وشرابه [في برية]، لم يضمنه وإن قدر على الشراء؛ لكون المالك سمح بالبيع، لكن بأكثر من ثمن المثل؛ فإنه يعاقده عليه بما يقول من الزيادة، ويحتال حتى يشترط فيه شرطاً فاسداً، فإن لم يتمكن من ذلك وعاقده عارياً عن الشرط الفاسد- ففيما يلزمه وجهان: أحدهما: الثمن المسمى؛ لأنه اشتراه من غير أن يكرهه عليه؛ وهذا ما قال في "البحر": إن القاضي صححه، وقال الإمام: إنه الأقيس.
والثاني: لا يلزمه إلا ثمن المثل؛ لأنه في معنى المكره على ذلك العقد؛ لأن الاضطرار حمله عليه؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقال الروياني: إنه أظهر عندي، وأقرب إلى المصالح.
فإن قلت: على هذا ينبغي أن يقال: إذا كان قادراً على قتاله ألا يقاتله، لأنه إذا عاقده بأكثر من ثمن المثل، لا يلزمه إلا ثمن المثل؛ فلا ضرورة إلى القتال.
قلت: الأولى عدم جريان هذا الوجه في حال القدرة على أخذه بالقتال، لأنه ينتفي معنى الإكراه؛ فإن المكره حقيقة مَنْ لا يقدر على دفع المكره، فكيف الميتة به؟ [ولأجل هذا قال الرافعي: إنه يلزمه في هذه الصورة المسمى بلا خلاف، لكن ابن الصباغ صرح بجريانه] هنا أيضاً، وقد رجع حاصل الوجهين إلى أن البيع هل يصح أم لا؟ كما صرح به الإمام وغيره.

وقال الماوردي: أصح من هذين الوجهين عندي: أن ينظر: فإن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر؛ ليساره، فهو في بذلها غير مكره [وإن كانت شاقة عليه؛ لإعدامه فهو في بذلها مكره] فلم تلزمه.
أما إذا كان صاحب الطعام- أيضاً- مضطراً إليه، لم يبح لغير المالك من المضطرين أكله بدون إذنه، ولا يجب على المالك بذله له قال القاضي الحسين والفوراني والروياني: إلا أن يكون نبياً؛ فحينئذ يجب عليه أن يعطيه له ويؤثره على نفسه، سواء استدعى منه ذلك، أو لم يستدعه؛ لقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: 6].
نعم: يستحب له إيثار غير النبي به إذا كان معصوماً بالإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
قال صاحب "الإبانة" و"البحر": ويجب عليه القبول.
قلت: وفيه نظر.
ولا يجوز أن يؤثر به المعصوم من الكفار ولا بهيمة نفسه؛ صرح به البغوي.
فرع: إذا كان لرجل دابة جائعة، أو كلب غير عقور جائع، ومع صاحبه علف أو لحم- وجب أن يعلف دابته، ويطعم كلبه، فإن لم يفعل، فلصاحب الدابة أن يغصبه؛ قاله في "التهذيب".
[فرع] آخر: إذا بلغ الشخص من الجوع مبلغاً مضراً، قال الإمام في كتاب صلاة الجمعة: فلست أرى تدارك هذا من فروض الكفايات، فإن هذا لو قيل به، لأدى إلى تأثيم خلق الله تعالى على عموم الأحوال، فإن الحاجة عامة، والضرر غالب في الأصحاء والمرضى.
نعم: يجب على الإمام تعهدهم وسد خلتهم من سهم المصالح.
قال: والدليل عليه أن من اضطر وانتهي إلى خوف الهلاك، فله أن يأخذ، ولو جاع لم يكن له ذلك.
نعم لو خلا بيت المال عن المال، ففي هذا نظر.
قال: وإن وجد صيداً- أي: حياً- وميتة، وهو محرم، أي: أو في الحرم؛ كما

قال البندنيجي ففيه قولان: أحدهما: يأكل الميتة.
والثاني: يأكل الصيد.
وهذا الخلاف أخذ من قول الشافعي في "المختصر": "لو وجد المضطر ميتة وصيداً، وهو محرم، أكل الميتة، ولو قيل: يأكل الصيد ويفدي، كان مذهباً"، واختلف الأصحاب في ذلك.
فالذي ذكره أبو إسحاق والقاضي أبو حامد: أن في المسألة قولين مطلقين؛ أخذاً بظاهر اللفظ: أحدهما: يأكل الميتة؛ لأن إباحتها ثابتة بنص الكتاب، وتناول الصيد مجتهد فيه، وما ثبت بالنص أولى مما ثبت بالاجتهاد.
ولأن في الصيد تحريمين: تحريم ذبحه، وتحريم أكله، وفي الميتة تحريم واحد، وما خف تحريمه كان أولى.
والثاني: يأكل الصيد؛ لأن تحريمه أخف؛ لأنه مختص ببعض الناس في حالة الاختيار دون بعض، بخلاف الميتة؛ فإنها حرام على الكافة؛ ولأن تحريم الميتة؛ لمعنى فيها، وتحريم الصيد لمعنى في غيره؛ فكان ما فارقه معنى التحريم أخف مما حله معنى التحريم.
والذي قاله صاحب "التلخيص"، ولم يورد ابن الصباغ في كتاب الحج غيره-: أن في المسألة قولين مبنيين على القولين في ذبح المحرم الصيد، هل يضره كالميتة؛ فيحرم عليه وعلى غيره أو لا؛ فيحل لغيره؟ فإن قلنا بالأول- وهو الجديد – أكل الميتة؛ لأنه إذا ذبحه صيره مثل الميتة التي معه، ولزمه الجزاء، ولا حاجة به إلى ذلك.
وإن قلنا بالثاني، أكل الصيد؛ لأن لحمه طاهر، وتحريمه أخف؛ بدليل ما سبق؛ فكان تناوله أولى.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة وأبو علي الطبري صاحب الإفصاح إلى أنهما مبنيان أيضاً على القولين في ذكاته، لكن إن قلنا بالأول، أكل الميتة أيضاً.
وإن قلنا بالثاني: فهل يأكل الميتة أو الصيد؟ فيه القولان، وتوجيههما ما ذكرناه؛ وهذه الطريقة اقتصر الفوراني على ذكرهما.
وحكى الغزالي- تبعاً لإمامه- طريقة أخرى، فقال: إن قلنا بالأول، أكل الميتة أيضاً، وإن قلنا بالثاني، فهو كما لو وجد الميتة وطعام الغير؛ فيخرج على الخلاف،

أي: وهو ثلاثة أقوال؛ كما تقدم حكاية ذلك عنهم؛ ثالثها: التخيير؛ وهذه التي أوردها البغوي [ثم قال الغزالي- تبعاً لإمامه – وفيه نظر؛ فإن الميتة وطعام الغير] تقابل فيهما حق الله تعالى وحق الآدمي، وهاهنا الحق لله تعالى من الجانبين.
ومختار المزني في المسألة تناول الصيد، وماذا يأكل منه؟ فيه قولان كما في الميتة، وهما مذكوران فيما إذا لم يجد إلا الصيد.
والذي صححه النواوي، واختاره في "المرشد"- تبعاً لصاحب "البحر"- أكل الميتة، وقال: إن القاضي الطبري نقل أن الشافعي [صرح] في "ذبائح بني إسرائيل" بأنه يأكل الميتة، ويترك الصيد؛ فهو مذهبه، ولا حاجة إلى هذا التطويل.
وقد خص الماوردي الخلاف بما إذا لم تكن الميتة ميتة آدمي، فلو كانت قال: فلا يأكل إلا الصيد قولاً واحداً؛ وهذا كله إذا وجد الصيد حياً، أما إذا وجد لحم صيد وميتة، قال الغزالي: فلحم الصيد أولى؛ لأن المحذور حق الصيد في القتل، وتحريم اللحم على المحرم أهون من تحريم الميتة العام تحريمها.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه ينظر: فإن كان قد ذكى الصيد حلال غيره، فلحمهُ كذلك، وحكمه كما لو وجد ميتة وطعام الغير.
وإن كان قد ذكاه محرم، فإن قلنا: إن ما ذبحه المحرم من الصيود حرام على غيره، تناول أيهما شاء؛ لأنهما قطعتا ميتة؛ وهذا ما صححه في "العدة".
ونقل ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب في كتاب الحج: أنه يأكل الصيد؟ لأنه مختلف في إباحته، وحكي هنا عن الشيخ أبي حامد أن أكل الميتة أولى، وهو ما أورده الماوردي، واختاره في "المرشد".
[ثم] قال القاضي وغيره: وإن قلنا: إنه مباح لغيره؛ فإنه يتناول اللحم، ويدع الميتة؛ لأن هذا اللحم طاهر ليس بملك لأحد؛ لأن المحرم إذا اصطاد، وذبح، لم يملكه بذلك؛ وهذا منه يفهم أن محل ذلك إذا وقع الصيد والذبح في حال الإحرام.
أما إذا وقع الصيد وهو حلال، والذبح في حال الإحرام، فالأمر كذلك؛ إن قلنا بزوال ملك المحرم أما إذا قلنا ببقائه، فلا.
وقد أشار إلى ذلك الماوردي بقوله: لو لم يجد إلا لحم صيد ذكاه محرم آخر،

وقلنا: إنه لا يحرم عليه- فإنه يأكله.
وفي ضمان المضطر لقيمة ما أكله وجهان من اختلاف القولين: هل يستقر للمحرم عليه ملك أو لا؟ أحدهما: لا ضمان؛ إذا قيل: إن المحرم لم يملكه.
والثاني: يجب؛ إذا قيل: إنه ملكه.
ولو كان هو الذي ذبحه، فإن كان قبل إحرامه، فهو كما لو وجد ميتة وطعام نفسه.
وإن كان في حال إحرامه، قال البندنيجي: ففيه قولان، بناء على أن ذبحه يحرم على غيره أو يحل له؟ فإن قلنا: يحرم، فالميتة أولى، وإلا فالصيد أولى.
قال الإمام: ولا يجوز أن نقدر في تقديم الصيد على الميتة خلافاً؛ تفريعاً على هذا القول؛ لأن المحذور [ثم] الإقدام على محرم آخر وهو ذبح الصيد، وهو مفقود هنا.
وقال في "البحر" على طريقة ابن أبي هريرة: إن قلنا: إن ذبحه يصير كالميتة، فالميتة أولى، وإلا فقولان.
وقد حكى ابن الصباغ عن القاضي في هذه الصورة: أنا إن قلنا: يحرم الصيد على غير الذابح، تخير في أكل أيهما شاء.
وقال في "البحر": إن القفال ذكره قولاً ثالثاً.
فرعان: أحدهما: إذا وجد المضطر صيداً، وطعام الغير، قال القاضي الحسين وصاحب "العدة" والبغوي: إن قلنا: لا يصير ميتة، فثلاثة أقوال: أحدها: مال الغير؛ لأن في قتل الصيد هتك حرمة أولاً.
والثاني: الصيد أولاً؛ لأنه محض حق الله تعالى.
والثالث: هما سواء؛ فيتخير؛ وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً بعد حكاية الوجهين الأولين.
أما إذا قلنا: يصير ميتة، فقد قال القاضي وصاحب "العدة": يتناول مال الغير.
وقال البغوي: هو كما لو وجد ميتة وطعام الغير، وهو الذي ذكره الإمام، وقضية ذلك أن يكون في المسألة على قولنا: إنه يصير كالميتة أو لا يصير؟ ثلاثة أقوال- أو

أوجه كما حكاها الرافعي- فأي فائدة للتقسيم؟ ويظهر أن يقال: إن الأقوال الثلاثة فيما إذا قلنا: إنه ليس بميتة مفرعة على قولنا: إذا وجد ميتة وطعام الغير، [أنه يأكل طعام الغير،] أما إذا قلنا: يأكل الميتة؛ فلا يجيء إلا قول واحد: أنه يأكل الصيد.
الفرع الثاني: إذا وجد الصيد والميتة وطعام الغير، فمجموع ما قيل في المسألة سبعة أوجه، أوردها الإمام، واقتصر القاضي الحسين على أربعة منها، وكذلك البغوي؛ تفريعاً على أن ذبح المحرم لا يكون ميتة: أحدها: طعام الغير، وهو الأضعف.
والثاني: الميتة.
والثالث: الصيد.
والرابع: يتخير بين الكل.
والخامس: [يتخير] بين الميتة وطعام الغير.
والسادس: يتخير بين الصيد وطعام الغير.
والسابع: يتخير بين الصيد والميتة.
قال البغوي: أما إذا قلنا: إنه كالميتة؛ فيصير كالمعدوم.
قال: ومن اضطر إلى شرب الخمر- أي: للتداوي، أو عطش- جاز له شربها؛ لأنه يدفع به الضرر عن نفسه؛ فجاز؛ كما لو غص بلقمة، ولم يجد غيرها؛ فإنه يسيغها؛ وهذا ما نسبه القاضي الحسين هنا إلى الداركي.
فإن قلت: قضية ما ذكرته من القياس: أن يجب شربها في الحالتين المذكورتين؛ لأن الأصل المقيس عليه كذلك؛ حتى قال الإمام: إن الوجه المذكور في أنه لا يجب أكل الميتة؛ لا يجري فيه لأنا وجهناه بالتردد في دفع الضرورة، وإساغة اللقمة معلومة.
[قلت]: أما وجوب شربها؛ لأجل التداوي؛ فلا سبيل إليه؛ لأنه لا يجب بالطاهرات؛ فضلاً عن المحرمات.
وأما شربها للعطش، فقد جزم الأصحاب بوجوبه في كتاب الحدود، وقالوا هاهنا:

إن في وجوب شرب الماء النجس والبول للعطش قولين؛ كما في وجوب أكل الميتة؛ وذلك في الخمر من طريق الأولى.
وقيل: لا يجوز: أما التداوي؛ فلقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن التداوي بالخمر فقال- "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم".
وقد خرج مسلم عن وائل بن حجر: أن طارق بن سويد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -[عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال له: يا نبي الله إنها دواء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ولكنها داء".
وأما في العطش؛ فلأنها لا تدفعه، بل تزيده عطشاً عظيماً وإن فرض تسكينه في الحال؛ وقد يستدل للصورتين بعموم قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]، وبأن استعمال قليلها يدعو إلى استعمال كثيرها، ولا يؤمن أن يتولد منها ما هو أضر؛ وبهذا خالفت البول والماء النجس؛ وهذا ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ هنا، وفي كتاب الحدود عن النص، وأنه وجهه بأنها تزيد الجائع جوعاً، والعطشان عطشاً، ولا دواء فيها؛ [فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -] قال: "الخمر داء وليس بدواء"، وقد اختاره ابن أبي هريرة، وهو الأظهر عند الشيخ أبي حامد والمحاملي وابن كج وغيرهم؛ وعلى ذلك جرى النواوي.
وعن "تعليق" الشيخ إبراهيم المروروزي حكاية مثله وجهاً في إساغة اللقمة [أيضاً، وإليه أشار في "الكافي" بقوله: "يجوز إساغة اللقمة] بها على الأصح".
وقيل: يجوز للتداوي؛ لأن النفع بها متوقع، والحديث محمول على أنه علم أن الشفاء لا يحصل بها؛ كما قاله الغزالي في كتاب الطهارة، أو معناه: ما فيه شفاؤكم فما حرم عليكم؛ كما تقدم.
ولا يجوز للعطش؛ لأنها لا ترده بل تزيده.

[والعلة الجامعة:] أنها متعينة في الدواء و [غير] متعينة [في العطش]، وهذا ما نسبه الماوردي هنا إلى بعض البصريين من أصحابنا، وقال في "البحر": إنه اختيار القاضي أبي الطيب، وقال: إنه منصوص الشافعي، وما عداه خلاف مذهبه؛ ولأجل ذلك رجحه في كتاب الحدود.
وفي "الشامل" طريقة رابعة في المسألة: أنه يجوز للعطش؛ لأنها تروي في الحال، وذلك موثوق به، ولا يجوز للتداوي؛ لأن دفع العلة غير موثوق به؛ فإن الطبيب وإن تبحر لا يجزم بقضاء على مريض؛ ولذلك قال "أبقراط": "التجربة خطرة والقضاء عسر"، [ومراده- كما قال الإمام-: أن القضاء بماهية المرض، ثم بعلاج نافع عسر] مع استنادهما إلى التجربة.
وهذه الطريقة نسبها الماوردي إلى بعض البغداديين من أصحابنا، ولم يورد الغزالي هنا غيرها، وهو متبع للإمام؛ فإنه قال هاهنا: إن من انتهى بالعطش إلى الضرورة، فيتعاطى الخمر؛ فإنها تسكن العطش، ولا يكون استعماله في حكم العلاج، ومن قال: الخمر لا تسكن العطش، فليس على بصيرة، ولا يعد مثل هذا مذهباً، بل هو غلط ووهم، ومعاقر الخمر يجتزئ بها عن الماء.
وقال في كتاب "الحدود": يجوز الشرب؛ لدفع العطش في قول الأصحاب أجمعين، وقالوا: لا يجوز التداوي، وبلغنا عن آحاد من المتأخرين ينتسب بجوازه من غير تدوين في تصنيف، وإنما يترامزون به ترامز المتكاتمين، وقد حكاه في "الوسيط" في الباب الثاني في المياه النجسة.
وقد نسب في "البحر" القول بأن الخمر تروي ولا تعطش إلى بعض المخالفين، وأنه خطأ الشافعي في قوله: "إنها لا تروي بل تزيده عطشاً"، كما تقدم، وقال: ليس بعيب عليه؛ لأن مثله يجوز أن يخفي عليه؛ فإن تأثير الخمر في نفس الشارب.
قال الروياني: وهذا خطأ من المخالف، والشافعي أعرف بهذا منهم؛ فإنه وصف

في كتاب الوصايا من الأمراض وأحكامها ما يدل على معرفته بالطب، واضطلاعه به.
وقال القاضي أبو الطيب: أني سألت عن هذا بعض من يعرف ذلك، فقال: الأمر على ما قاله الشافعي.
وفي "التهذيب" طريقة خامسة حالية للوجهين في جواز التداوي بها، وجازمة بمنع الشرب للعطش، ولم يورد غيرها، وهي المذكورة في "تعليق" القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة.
وفي "المرشد" طريقة سادسة: أنه لا يجوز للتداوي، ويجوز للعطش شرب الجديد منها دون العتيق، والاضطرار لشربها؛ لدفع الجوع كهو لدفع العطش.
وعن بعضهم: أنه لا يجوز لدفع الجوع، وإن جاز للعطش؛ لأنها تحرق كبد الجائع.
واستعمالها في المعجون كاستعمال المعجون الذي فيه لحم الحية والسرطان.
ثم اعلم أن محل الخلاف في التداوي مخصوص بالقليل الذي لا يسكر؛ كما ذكره ابن الصباغ والروياني والبغوي في كتاب الحدود.
لكن في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لو احتاج إلى قطع عضو منه لأكله، فهل يجوز الشرب؛ ليزول عقله أم لا؟ فيه وجهان.
[وأيضاً: فإن محل الخلاف] مخصوص بما إذا قال مسلم خبير من أهل الطب: إن فيها دواء، ولا يوجد ما يقوم مقامها، وكذا في استعمال غيرها من النجاسات يشترط هذان الأمران.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب حد الخمر: أنه يجب أن يشهد طبيبان مسلمان أن علته لا تذهب إلا بهذا، وخبرة المريض بذلك تقوم مقام ذلك.
ولو كان في استعمالها تعجيل الشفاء، ففي الجواز وجهان: أولاهما: الجواز، وهو نظير ما نص عليه الشافعي في استعمال غيرها من النجاسات.
والقاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة حكى الوجهين في جواز التداوي بالنجاسة؛ لتعجيل البرء، وقال: إنهما مخرجان من الوجهين من نظير المسألة في التميم.

فرع: إذا وجد المضطر للشرب للعطش خمراً وبولاً، شرب البول؛ كما لو وجد بولاً وماء نجساً، شرب الماء النجس؛ لأنه أخف، وما الذي يشربه هل ما يرويه أو ما يسد رمقه؟ فيه قولان كما في أكل الميتة.
قال: ولا يحرم كسب الحجام، أي: سواء اكتسبه حر أو عبد؛ لما روى أبو داود عن ابن عباس قال: "احتجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطى الحجام أجرته، ولو علمه خبيثاً لم يعطه، أخرجه البخاري.
وروى أبو داود عن أنس بن مالك أنه قال: "حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه"، أخرجه البخاري ومسلم.
قال جابر: وكان خراجه ثلاثة آصعٍ من تمرٍ في كل يوم، فخففوا عنه في كل يوم صاعاً.
ووجه الدلالة من ذلك ما قاله ابن عباس: أنه لو كان حراماً لما أعطاه؛ لأن كل موضع حرم الأخذ على الآخذ، حرم الدفع على المعطي؛ كأجرة المغني والنائحة.
ويستثنى من ذلك ما إذا دعت إليه ضرورة؛ كما إذا أعطى الشاعر شيئاً؛ ليذر هجوه، والظالم؛ كي لا يمنع حقه، أو لا يأخذ منه أكثر من الذي أعطاه؛ فإن في مثل ذلك يأثم الآخذ دون المعطي، وسنذكر ذلك في كتاب الأقضية.
فإن قيل: قد روى مسلم عن رافع بن خديج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كسب

الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث".
قيل: قد أنكر ابن عباس هذا بقوله السابق.
ولأنا نتأوله ونقول: أراد بالخبيث: الدناءة، فإنه كسب دنيء؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] [و] أراد [به] الدون الرديء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267]. فإن قلت: قول على وابن عباس حكاية حال، لم يعينا فيها من حجمه - صلى الله عليه وسلم - وأنس عينه؛ فيجوز أن يكون واحداً؛ وهو أبو طيبة، وإذا كان كذلك، فهو رقيق، والخصم وهو كما قال الإمام أحمد وغيره من أصحاب الحديث وأهل الظاهر- موافق على حل كسب الحجام للرقيق دون الحر؛ فلا حجة لكم فيما ذكرتم؛ لأن وقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال، سقط بها الاستدلال.
قلت: يظهر أنه لأجل ذلك قال ابن خزيمة من أصحابنا بمثل مذهب الخصم؛ كما حكاه الموفق بن طاهر.
وجوابه على المنصوص الصحيح في المذهب ما قاله الماوردي: أنه لم يزل على هذا في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه إلى وقتنا في سائر الأمصار يكتسبون بهذا، ولا ينكره منكر؛ فدل على انعقاد الإجماع به وارتفاع الخلاف فيه.
وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن كسب حجام له ماذا يصنع به؟ فقال: آكله.
ولأنه كسب يحل للعبد؛ فحل للحر؛ كسائر المكاسب.
قال: والأولى أن يتنزه الحر عن أكله، أي: سواء اكتسبه حر أو عبد؛ كما قاله البنددنيجي وغيره؛ لما روى أبو داود عن ابن محيصة عن أبيه أنه استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أجرة الحجام؛ فنهاه [عنها] فلم [يزل] يسأله ويستأذنه حتى أمره أن

أعلفه ناضحك ورقيقك، وقال الترمذي، إنه حديث حسن؛ فدل هذا على كراهته للحر دون التحريم، فإنه لو كان حراماً لما أمر بإطعامه الناضح والرقيق؛ لأن ما حرم أكله؛ لعدم ملكه، حرم التصرف فيه.
وقد اختلف الأصحاب في علة الكراهة على وجهين: فمنهم من قال: لأجل مباشرة النجاسة؛ وروي أنه- عليه السلام- قال: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها"، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهم، وقالوا: إن ذلك يتعدى إلى كسب الكناس الذي يستخدم العذرة من الكنف، والقصاب، والزبال الذي يجمع العذرة ويوقدها في الحمام، والفاصد، والطبيب، والخرائجي.
وقال في "الوسيط": إنه لم يذهب إلى الكراهة في هذه الأشياء أحد وهذا من العجائب؛ لأن الإمام قد صرح بالكراهة فيها أيضاً.
وحكى الماوردي على هذا في كراهة كسب الفاصد وجهين، ونسب عدم الكراهة إلى ابن أبي هريرة؛ لأنه قلما يباشر النجاسة، وقد أقرن بعلم الطب، وهو الذي

صححه النواوي في "الروضة" ولا يجري في كسب الختان؛ لأنه يزيد على الحجام بمباشرة العورة.
ومنهم من قال: لدناءة الحجام عند الناس، قاله الماوردي، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنه جعل من المكاسب دنياً وحسناً، ولم يورد في "المذهب" و"التهذيب" سواه، وعلى هذا تتعدى الكراهة مع من ذكرنا ثم إلى المكاسب الدنيئة: كالسماك، والحلاق، والقيم في الحمام.
واختلف على هذا في كسب الحمامي على وجهين: أحدهما: أنه دنيء؛ لأنه يشاهد العورات، ويكسب بجزاء [من غير] مقدر.
والثاني: لا يكره؛ لأنه لا يباشر عملاً، ويمكنه غض طرفه عن العورات، وأيضاً: فليس هو مكتسب بمباشرتها.
والدباغ يلحق عند الماوردي بالسماك؛ فيكون في كراهية كسبه وجهان.
و [يلحق] عند القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والشيخ بالحجام.
والحائط يلحق عند صاحب "الإفصاح" بالحمامي، وصحح النواوي في "الروضة" عدم كراهية كسبه.
والصنائع الدنية محل الكلام فيها كتاب الشهادات، فليطلب منه، ولا يخفى تخريج صورها عن المأخذين في الكراهة هاهنا.
وقد قال الغزالي: لعل السبب في كراهة كسب الحجام والفاصد: أن الحجامة والفصد جرح يفسد البنية، وهو حرام في الأصل، وإنما يباح بتوهم المنفعة، وذلك مشكوك فيه، ويطرد هذا في أجرة من يقطع يداً متآكلة؛ لاستبقاء النفس، ولا يطرد في أجرة الجلاد الذي يقطع في السرقة.
قلت: [و] قد يقال: إن مساق ما ذكره يفهم كراهة نفس تعاطي الفصد والحجامة، وإن لم تكن بأجرة؛ لما ذكره، لكن القاضي الحسين قد صرح بأن ذلك مباح، وإنما الكراهة في أكل الأجرة.
أما العبد فلا يكره له أكله، سواء اكتسبه حر أو عبد؛ إذ لو كره، لكره للسادة إطعامه

لهم، ولأن العبد دنيء فلا يشينه تعاطي ذلك؛ قال- عليه السلام-: "يسعى بذمتهم أدناهم"، أي: عبيدهم؛ وهذا هو المذهب، ولم يذكر القاضي الحسين والبندنيجي سواه.
وقيل: يكره للعبد أيضاً، حكاه الماوردي، ونسبه إلى الأكثرين.
ومن قال به قال: المراد بـ"أدناهم" في الحديث الأدنى إلى دار الحرب.
ويكره-: أيضاً- كسب الصاغة؛ لأنهم قلما يحترزون عن الربا، وقد نسب في "البحر" هذا إلى بعض المراوزة، وهذا حكم خبيث الكسب مع عدم التحريم.
وأما خبيثه مع التحريم وطيبه فلنقتصر فيه على ما ذكره الماوردي؛ فإنه أحسن الترتيب فيه، فقال: أصول المكاسب المألوفة ثلاثة: زراعة، وتجارة، وصناعة؛ فينبيغ للمكتسب بها أن يختار لنفسه أطيبها: لقوله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267] واختلف الناس في أطيبها.
فقال قوم: الزراعات، وهي عندي أشبه؛ لأن الإنسان فيها متوكل على الله- تعالى- في عطائه، مستسلم لقضائه.
وقال آخرون: التجارة أطيبها، وهو أشبه بمذهب الشافعي- رحمه الله- لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، واقتداء بالصحابة- رضوان الله عليهم- في اكتسابهم [بها].
وقال آخرون: الصناعة، لاكتساب الإنسان فيها بكد يده، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "من الذنوب ما لا يكفره صوم ولا صلاة، ولكن يكفره عرق الجبين في طلب الحرفة".
قال النواوي: وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده".

لكن الزراعة أفضلها؛ لعموم النفع بها للآدمي وغيره، وعموم الحاجة إليها.
قال الماوردي: "فأما الزراعة، فلا مدخل لها في تحريم ولا كراهة"، وهذا أدل شيء على أنها أطيب المكاسب.
وأما التجارة: فتنقسم ثلاثة أقسام: حلال وهي البيوع الصحيحة، وحرام وهي البيوع الفاسدة، ومكروه وهو الغش والتدليس.
وأما الصناعة فثلاثة أقسام: حلال وهي ما أبيح من الأعمال التي لا دنس فيها: كالكتابة، والنجارة، والبناء.
وحرام وهو ما حظر من الأعمال كالتصاوير والملاهي، ومكروه وهو ما ذكرناه من كسب الحجام ونحوه، والله أعلم.

باب النذر

النذر: واحد النذور، وهو في اللغة: الوعد بخير أو شر؛ قال عنترة العبسي المشهور: [من الكامل].
الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي وفي الشرع- كما قال الماوردي-: الوعد بالخير دون الشر؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
وهذا قريب من قول من حده بأنه التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع.
وقد قيل: إنه التزام قربة مقصودة غير لازمة بأصل الشرع؛ ولهذا الاختلاف أثر يظهر لك من بعد.
ويقال: نذرت أنذر وأنذر؛ بكسر الذال وضمها.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
أخرجه البخاري وغيره عن عائشة.
لكن هل هو مكروه أو قربة؟ الذي دل عليه ظاهر الخبر الأول؛ فإن البخاري ومسلم وغيرهما أخرجوا عن ابن عمر أنه قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النذر، ويقول: "لا يرد شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل".
وفي "التتمة" في كتاب الوكالة: أن التوكيل بالنذر لا يجوز؛ لأن نفس النذر قربة؛ بدليل أنه لا يصح من الكافر على طريقة.
ويمكن أن يتوسط فيقال: الذي دل عليه ظاهر الخبر كراهة نذر المجازاة، وأما نذر التبرر وهو الذي لم يعلق على شيء؛ فيظهر أن يقال: إنه القربة؛ تمسكاً بما علل به

القاضي الحسين صحته، وهو أن له فيه غرضاً صحيحاً، وهو أن يثاب على القربة إذا فعلها، لو لم تكن منذورة، فإذا نذرها صارت متجهة عليه، فإذا فعلها يثاب ثواب المفترض، وثواب الفترض يزيد على ثواب المتنفل بسبعين درجة.
وفي "الحاوي": أن الحديث يدل على أن ما ينتدبه الشخص من البر أفضل مما يلزمه بالنذر.
قال: ولا يصح النذر إلا من مسلم، لأنه معنى وضع لإيجاب القربة؛ فلم يصح من الكافر؛ كالإحرام بالحج.
قال: بالغ عاقل؛ للخبر المشهور، ولأنه إيجاب حق بالقول؛ فلم يصح من الصبي والمجنون؛ كضمان المال.
وقيل: يصح من الكافر [أي]: ويلزمه الوفاء به إذا أسلم؛ لما روى مسلم والبخاري عن عمر- وهو ابن الخطاب، رضي الله عنه-[أنه] قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية: أن أعتكف في المسجد الحرام ليلة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أوف بنذرك".
وقد وقع في الصحيح- أيضاً-: "أن أعتكف يوماً".
والمذهب الأول، والخبر محمول على الاستحباب؛ لأنه لا يحسن أن يترك بسبب الإسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير.
قال الشيخ مجلي: ويمكن بناء الخلاف على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ قلت: وفي البناء نظر من وجهين: أحدهما: أنه يتقضي أن يكون الصحيح الصحة؛ لأن الصحيح أنهم مخاطبون بها.
والثاني: أن القائل بأنهم مخاطبون بالفروع، قائل بعدم المخاطبة بالأداء بعد الإسلام.

والقائل بصحة النذر هاهنا قائل بلزوم الوفاء بالنذر بعد الإسلام؛ عملاً بظاهر الخبر.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في صحة النذر من المسلم البالغ العاقل بين أن يكون محجوراً عليه؛ لسفه أو فلس أو رق، أو لا ولا شك في ذل كفي السفيه والمفلس؛ إذا كان المنذور غير مال: كالصلاة والصوم، وإن كان مالاً فلا يصح من السفيه، ويصح من المفلس؛ إذا كان في الذمة، ويؤديه بعد البراءة من حقوق الغرماء، وإن كان معيناً قال في "التتمة": فيبنى على أنه لو أعتق أو وهب: هل يصح تصرفه موقوفاً أم لا؟ فإن قلنا: يصح موقوفاً، فكذلك نذره، [وإلا فلا.
وقال فيما إذا نذر المفلس عتق المرهون إن قلنا بصحة عتقه صح نذره] وإلا فهو كما لو نذر عتق عبد غير مملوك، وسنذكره.
وأما العبد فيظهر أن يقال: صحة نذره في الذمة المال كضمانه، وفي العين التي يملكها على القول القديم لا يصح كالعتق والصدقة، ونذره للحج في انعقاده وجهان سبق ذكرهما؛ أصحهما الانعقاد كالسفيه.
وعلى هذا لو أتى به في حال الرق، فثلاثة أوجه؛ ثالثها: إن كان الأداء بإذن السيد أجزأه، وإلا فلا.
وغير الحج يشبه أن يكون كالحج في انعقاد النذر به.
قال: ولا يصح النذر إلا في قربة، أما صحته في القربة وعدم صحته في المعصية؛ فدليله خبر عائشة السابق.
وقد روى مسلم وغيره في حديث طويل أنه- عليه السلام- قال: "لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
وأما عدم صحته في المباح؛ فدليله ما روى أبو داود عن ابن عباس قال: بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، قال: "مروه فليتكلم، وليقعد، وليتم صومه"، وأخرجه البخاري وغيره.
وأبو إسرائيل هذا اسمه: قيصر العامري، وليس من الصحابة من يشاركه في اسمه ولا كنيته.

فإن قيل: قد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف، قال: "أوف بنذرك"، والضرب بالدف ليس بقربة، وقد أمرها بالوفاء به.
قيل: هو محمول على الإباحة دون الوجوب.
وقال في "البحر": إن الخطابي أجاب بأنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكان مساءة للكفار، وإرغاماً للمنافقين صار فعلها كبعض القرب التي هي من نوافل الطاعات؛ ولهذا أبيح ضرب الدف، واستحب في النكاح؛ لما فيه من الإشارة بذكره، والخروج عن معنى السفاح.
وما ذكره الشيخ من عدم صحته بالمعصية هو المشهور، وقد رأيت في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب الاعتكاف: أنه لو نذر أن يعتكف جنباً، فالأصح أنه ينعقد نذره.
وهل يخرج عن نذره قراءة القرآن إذا قرأ وهو جنب؟ الأصح: لا، ومقابله: نعم؛ كما يحنث إذا حلف لا يقرأ القرآن، فقرأه وهو جنب، وسيأتي في نذر صوم يوم العيد ونحوه خلاف.
تنبيهان: أحدهما: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن كل قربة غير لازمة بأصل الشرع، تلزم بالنذر؛ كما هو قضية حد النذر الأول، وعليه ينطبق قول القاضي الحسين: "عندي كل ما يتقرب بجنسه إلى الله تعالى فرضاً أو تطوعاً ينعقد نذره عليه؛ إذا لم يكن فيه إبطال رخصة: كنذر السلام على مسلم، أو عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو زيارة قادم؛ إذا قصد بها التقرب".
ويوافقة قول الماوردي فيما إذا قال: "إن هلك فلان فلله علي أن أهب مالي من زيد": [إنه] ينظر: فإن كان فلان من أعداء الله، وزيد ممن يقصد بهبته الأجر والثواب- انعقد نذره.
وإن لم يكن فلان من أعداء الله، وزيد ممن يقصد به التواصل والمحبة- لم ينعقد.
وكذا فيما إذا قال: "لله علي أن أتزوج"، فإنه ينظر: فإن قصد به غض الطرف،

وتحصين الفرج- فإنه يكون قربة، قال: ويكون واجباً في أصح الوجهين يعني الآتيين فيما إذا نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء.
وإن قصد به الاستمتاع والتلذذ، كان مباحاً، لا يجب على الوجهين.
قال: ثم على قياس هذا في نظائره، يعني: كالأكل؛ إذا قصد به التقوية على العبادة، والنوم؛ إذا قصد به طرد الغفوة؛ حتى إذا نسك في جوف الليل، كان صاحي القلب، منتفض النفس؛ فيلزم بالنذر.
وقد ادعى الإمام في هاتين الصورتين ونظائرهما: أنه لا خلاف في عدم لزومهما بالنذر.
وحكى عن شيخه والمتقدمين: أنهم قالوا: إنما يلزم بالنذر ما له أصل في الوجوب الشرعي: كالصلاة، والصدقة، والحج ويوافقه قول القاضي الحسين.
ويحتمل أن يقال: كل ما له مثل في الشرع، فينعقد نذره، وإلا فلا، وأنه مستنبط من قول الشافعي فيما لو نذر المشي إلى المسجد الأقصى قال: لا ينعقد في قول، وفرق بينه وبين المسجد الحرام؛ وعلى هذا لا يلزم بالنذر عيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام على المؤمنين، وتجديد الوضوء؛ كما صرح بحكايته عن الشيخ أبي محمد، ويوافقة قول من حد النذر بأنه التزام قربة مقصودة غير لازمة بأصل الشرع؛ لأن العبادة المقصودة هي التي وضعت للتقرب بها، وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق باتباعها عبادة، والأظهر الأول.
قال المتولي تبعاً للقاضي: والخلاف ينبني على أن مطلق النذر يحمل على أقل ما يتقرب به أو على أقل ما يجب في الشرع من جنس الملتزم، وسيأتي هذا الأصل، إن شاء الله تعالى.
ومما ذكرناه يظهر لك ما هو متفق عليه وما هو مختلف فيه، ولنذكر من ذلك نبذة: فمن المتفق عليه: نذر الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، وكذا الاعتكاف.
قال الأصحاب: لأن له أصلاً ثابتاً في الشرع، وهو الوقوف بـ"عرفة"؛ لأنه لبث بمكان مخصوص.
وفيه نظر يظهر لك من كلام القاضي الذي سنذكره فيما إذا نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء.

وقال الإمام: إن فروض الكفايات التي يحتاج في أدائها إلى بذل مال أو معاناة مشقة: كالجهاد، وتجهيز الموتى- من ذلك.
ثم قال: ولا أعرف خلافاً في لزوم الجهاد بالنذر كما حكيته عن صاحب التلخيص، وحكى الخلاف في لزوم الصلاة على الجنازة بالنذر، وكذا في الأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكبير مشقة من فروض الكفايات، والأظهر اللزوم.
لكن ما ادعاه في نذر الجهاد غير مسلم؛ فإن العبادي في "الرقم" حكى وجهاً عن القفال: أنه إذا نذر أن يجاهد لا يلزمه شيء.
وقد ادعى الغزالي في "الوسيط" في الباب الثاني في كيفية الجهاد من كتاب السير في المسألة الخامسة-: أنه الصحيح.
ومن المختلف فيه نذر تطويل القراءة، والركوع، والسجود في الفرائض، أو إقامة بعض الرواتب، أو أن يقرأ في صلاة الصبح سورة كذا، أو أن يصلي الفرائض بالجماعة، أو في المسجد- كما قاله في "الوسيط"- أو ألا يفطر في السفر في رمضان.
والمنسوب إلى عامة الأصحاب في الأخيرة، وبه جزم الغزالي-: أنه لا ينعقد نذره، وله أن يفطر إن شاء؛ لأن في إلزام ذلك إبطال رخصة الشرع.
والمختار عند البغوي وشيخه الصحة أيضاً، لكنه يشكل بما إذا وجب عليه كفارة يمين، فنذر تعيين إحدى الخصال؛ فإن القاضي جزم في كتاب الأيمان بعدم اللزوم؛ لأن فيه تغيير إيجاب الله تعالى.
وقد ألحق بنذر الصوم في السفر إتمام الصلاة في السفر؛ إذا قلنا: الإتمام أفضل، وما لو نذر أن يقوم في السنن ولا يقعد فيها، ويديم غسل الرجلين، ويستوعب الرأس بالمسح في الوضوء، ويغسل الأعضاء ثلاثُا ثلاثاً في الوضوء والغسل، وأن يسجد للتلاوة، أو الشكر عند ما يقتضي السجود.
وذكر الإمام على مساق وجه المنع: أنه إذا نذر المريض أن يقوم في الصلاة، ويتكلف المشقة- لم يلزمه الوفاء، وأنه لو نذر صوماً وشرط ألا يفطر بالمرض- لم يلزمه الوفاء.

ومنه إذا نذر أن يتيمم، فالمذهب أنه لا ينعقد نذره؛ لأن التيمم يؤتى به عند الضرورة.
فرع: إذا نذر أن يصلي الظهر في جماعة، وصححنا نذره، فصلاها فرادى- قال القاضي أبو الطيب: لا يجب عليه أن يعيدها في جماعة [لأنه لما صلاها سقط عنه الفرض، وإذا سقط عنه الفرض، سقط النذر؛ وهذا بخلاف ما لو نذر أن يصلي ركعتين في جماعة]؛ فإنه يلزمه ذلك، فإن صلاهما وحده؛ فلا يجوز؛ لأن صلاة الجماعة تفضل على صلاة الواحد بخمس وعشرين درجة، وتحصيل ذلك ممكن.
وفي "التتمة" في المسألة الأولى: أنه يقضي الصلاة كما لو صلى الفرض منفرداً، ثم أدرك الجماعة، وأراد إدراك القضيلة؛ فإنه يستحب له قضاء الصلاة وهذا يظهر إذا قلنا إن الثانية هي الفرض.
التنبيه الثاني: المفهوم من عدم صحة النذر: إلغاؤه؛ حتى يصير وجوده كعدمه.
لكن القاضي الحسين حكى أنه لو قال: "إن دخلت الدار، [فلله علي عتق رقبة" يلزمه كفارة يمين، ولو قال: [نذرت لله] أن أدخل الدار"]، أوك "آكل هذا الطعام" فموجبه كفارة يمين؛ [قال- عليه السلام-: "من نذر فسمى، فعليه ما سمى؛ ومن لم يسم؛ فعليه كفارة يمين".
وأشار البغوي إلى خلاف في ذلك بقوله: "لزمته كفارة يمين] على ظاهر المذهب"، وكذلك قال: إن ظاهر المذهب فيما إذا قال: "لله علي أن أصلي الظهر" أو: "أصوم رمضان" أو: "لا أشرب الخمر"، ونحو ذلك- أنه يمين حتى إذا لم يصل ولم يصم وشرب الخمر [تلزمه كفارة يمين، وهو قياس قول القاضي فيما إذا قال: "نذرت لله أن أشرب الخمر"] أن الظاهر أن عليه كفارة يمين.
قال: وقيل: لا يلزمه شيء؛ لأنه معصية؛ وهذا هو المشهور؛ كما قال المتولي، والذي عليه عامة الأصحاب من العراقيين وغيرهم؛ كما قال الرافعي، والمختار في "المرشد"، وقد نسب الأول إلى رواية الربيع واختيار البيهقي.

وقد يستدل له بما روى الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه، لكن الترمذي قال: إنه لا يصح؛ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة.
وقال غيره: لم يسمعه الزهري من أبي سلمة، لكن سمعه من ابن أرقم، وهو متروك.
وعلى الخلاف يخرج ما إذا نذر ذبح ولده، أو نذرت المرأة صوم أيام حيضها، أو الصلاة فيها، ونذر صوم أيام العيدين والتشريق، ونحو ذلك.
نعم: لو نذر الصلاة في الأوقات المكروهة، فقد تقدم أن الكراهة [كراهة تحريم فيأتي فيه الخلاف مع وجه آخر حكاه الأصحاب: أنه ينعقد نذره على القضاء في غيرها] دون الوفاء به؛ وهذا هو المنقول.

وقد رأى الإمام أن يلحق قوله: "نذرت لله أن أدخل الدار"، ونحوه بالكناية في اليمين، فرجع إلى نيته وقصده؛ فإن إلحاق ذلك بالأيمان مطلقاً لا وجه له، والخبر الأول فيه احتمال، وهو متردد بين الغلق والتبرر.
قال: ويصح النذر بالقول، مثل أن يقول: "لله علي كذا"، أو: "علي كذا"، أي: وإن لم يضفه إلى الله تعالى.
[أما في الأولى فبالاتفاق، وأما في الثانية، فلأن القربة لا تكون إلا لله تعالى].
وحكى القاضي الحسين- ومن بعده- وجهاً آخر: أنه لا يكون نذراً، والأول هو الأصح في "النهاية"، وهما جاريان- كما قال مجلي- فيما إذا أتى بلفظ يقتضي إلزاماً؛ كقوله: "يلزمني"، أو: ["لازم لي"] أو: "ألزمت نفسي" أو: "أوجبت عليها"، ونحو ذلك.
قال الرافعي: وهو قريب من الخلاف في أنه: هل يجب في نية الصلاة والصوم الإضافة إلى الله تعالى؟ ومحل الخلاف- كما حكاه الإمام عن القاضي- فيما إذا كان النذر معلقاً على شيء، أما إذا قال: "علي عتق رقبة"، واقتصر على هذا، فلا يلزمه مذهباً واحداً.
قال الإمام: ولا وجه للقطع الذي ذكره؛ فإن النذر المطلق إذا جعلناه ملتزماً بمثابة النذر المعلق على الشرط عند وجوده، فإذا جرى الخلاف في النذر المعلق؛ وجب – لا محالة- إجراء مثله في النذر المطلق.
قال: وقيل: يصح بالنية وحدها؛ لأن اعتماد القربات على النية؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وهذا يشبه أن يكون من تخريج ابن سريج، وإن لم أقف عليه منقولاً؛ لأن الشافعي نص في الجديد على أن الصالح للأضحية والهدي لا يصير أضحية وهدياً بمجرد النية، بل لابد من القول وهو أن يقول: "جعلته أضحية"ـ، ونحوه كما تقدم، ووجهه بأن ذلك إزالة ملك على وجه القربة، يصح بالقول؛ فلم يصح بدونه مع القدرة عليه؛ كالوقف والعتق.
ونص في القديم- كما حكاه أبو الطيب- على أنه يصير كذلك إذا قلده وأشعره،

ونوى أن يكون أضحية أو هدياً، وإن لم يوجد النطق؛ احتجاجاً بأنه- عليه السلام- "كان إذا بعث الهدي قلده وأشعره"، ولم يثبت أنه كان يقول: "هذه أضحيتي".
واختلف الأصحاب - تفريعاً على القديم-: فقال الإصطخري بإجراء اللفظ على ظاهره.
وقال غيره: تصير هدياً وأضحية بالنية والذبح.
وقال ابن سريج: تصير هدياً وأضحية بالنية والذبح.
وقال ابن سريج: تصير هدياً وأضحية بمجرد النية؛ فلأجل هذا [قلنا] يشبه أن يكون القول بصحة النذر بمجرد النية من تخريج ابن سريج؛ لأنه لا فرق؛ ويؤيده أن الأصحاب جعلوا المذهب فيما إذا لم يعلق النذر على شيء الصحة؛ لأن الشافعي نص على أنه إذا قال: "لله علي أن أضحي" أنه يصح؛ فدل على أنه لا فرق؛ ومن هذا يظهر لك أن التخريج من القديم، والصحيح هو الجديد.
وأجاب الأصحاب بأن قوله- عليه السلام-: "وإنما لكل امرئ ما نوى" يقتضي أن يكون ما نواه له لا عليه، ولو جعلناه بمجرد النية ملتزماً، لكان عليه لا له؛ فيكون بخلاف الخبر، وسوقه- عليه السلام-[الهدي] يحتمل أنه كان تطوعاً، أو عن قضاء، وبتقدير أن يكون عن نذر، فلعله تلفظ، ولم ينقل، وقد ذكرت طرفاً من ذلك في باب الأضحية؛ فليطلب منه.
قال: ومن علق النذر على أمر يطلبه، أي: من الله تعالى: كشفاء المريض، وقدوم الغائب، أي: مثل أن قال: "إن شفى الله مريضي" أو: "قدم غائبي، فلله عليه أن أتصدق بكذا"، أو: "أن أحج"، ونحو ذلك- لزمه الوفاء به عند وجود الشرط؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: 91]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75 - 77] وهه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب الأنصاري؛ لأنه كان له مال بالشام خاف هلاكه، فنذر إن وصل إليه أن يتصدق منه، فلما قدم بخل به؛ كذا قاله الكلبي.

وقال مقاتل: إن سبب نزولها فيه: أن مولى لعمر- وقيل: حميماً له- نذر: إن وصل إليه الدية أن يخرج حق الله تعالى منها، فلما وصلت إليه، بخل بحق الله تعالى، فلما بلغ ثعلبة ما نزل فيه، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله أن يقبل صدقته، فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فحثا التراب على رأسه، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبض منه شيئاً، ثم أتى بعده أبا بكر، فلم يقبلها منه، ثم أتى عمر، فلم يقبلها منه، ثم أتى بعده عثمان- قال الماوردي-: فلم يقبلها منه، ومات فيأيامه.
وهذا من أشد وعيد وأعظم زجر في نقض العهود ومنع النذور، ويدل عليه من جهة السنة مع ما ذكرناه في صدر الباب: ما روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عباس أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله- تعالى- أن تصوتم شهراً، فنجاها الله، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها- أو أختها- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرها أن تصوم عنها.
ومن هذا النوع ما إذا علق النذر على حصول مال له، أو ولد؛ لاشتراكهما في طلب مباح، وطرده القاضي الحسين في كل مباح.
قال الإمام في كتاب الأيمان: وكان شيخه يخصص النذر بما يظهر كونه مقصوداً، وحصوله على ندور، وقد وافقه طائفة من الأصحاب.
وحاصل الطريقة: أن التبرر لا يتحقق في النعم المعتادة، كما أنا لا نستحب سجود الشكر لها وإن كانت نعماً، وما ذكره القاضي أفقه، وأوقع، والمعتبر في سجود الشكر التعبد، ومن طريق الأولى إذا علقه على حصول طاعة، مثل أن يقول: "إن كفاني الله ظفر أعدائي بي"، أو: "رفع عني ما يقطعني عن الصلاة والصيام"، أو: "إن رزقني الله عز وجل الحج" أو: "فتح على يدي بلاد أعدائه"- فله علي كذا.

ولا فرق في لزوم الوفاء بالنذر في الصور التي ذكرناها بين أن يقول: "فلله علي كذا"، ويعين بعض ماله، أو يقول: "فلله علي أن أتصدق بمالي"، أو يقول: "فمالي صدقة"؛ حتى يلزمه التصدق بجميع ماله؛ الزكاة منه وغيره؛ كما في الوصية.
وقياس ما سنذكره عن القاضي أن يكون قوله: "فما لي صدقة" لغو، لكن الذي فهمته من كلامه في التعليق الأول، وهو الذي أورده الجمهور.
نعم: حكى الماوردي في أواخر كتاب الأيمان وجهين في التصدق [بجميع ما] يستر به عورته.
ولو كان المنذور الحج قال في "البحر": فلا يعتبر في وجوبه عليه الزاد والراحلة، وهل يعتبر وجودهما في وجوب أدائه؟ ظاهر المذهب أنه يعبتر.
وقال صاحب "الحاوي": فيه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة.
أحدهما: لا يعتبر؛ لأنه كان قادراً على استثنائه في نذره، وهو قول من لا يطرح [الغلبة] في الأيمان.
والثاني: يعتبر؛ كما قلنا في المشروع.
وهل يجب تعجيله على الفور؟ فيه وجهان.
وهل يجوز تعجيل المنذور قبل وجود الشرط؟ قال الرافعي في كتاب الأيمان: إنه يجوز، وإن [في] فتاوي القفال ما ينازع فيه.
وفصل المتولي ثم وهنا، فقال: إن كان المنذور مالاً جاز، وإن كان صوماً أو صلاة فوجهان: ووجه الجواز: أن الصوم هاهنا أصل، فهو كالعتق في الكفالرة.
ومقابله، لم يحك الفوراني غيره.
فرع: لا يجوز تعليق النذر على مشيئة [زيد]، فإن علقه لم ينعقد، وإن شاء زيد؛ لأنه لم يوجد منه التزام جازم كما يليق بالقربات؛ كذا حكاه القاضي الحسين والماوردي.
وقال الإمام: هذا عندي خطأ؛ فإن تقديره: فإن شاء زيد، فلله علي [صوم فهو بمثابة ما لو قال: إن قدم فلله علي صوم أو غيره.
ولا نزاع بينها في أنه لو قال: لله

علي] أن أصوم – إن شاء الله تعالى- أنه لا يلزمه شيء بالنذر، نعم نقل الإمام في كتاب الاعكاف عن صاحب "التقريب" فيما لو قال الناذر: "لله علي أن أتصدق بعشرة دراهم إلا أن أحتاج قبل التصدق" واحتاج، هل يسقط واجب النذر؟ - أنه قال: المسألة محتملة.
وكذلك لو فرض في نذر الصلاة والصوم وغيرهما من القرب الملتزمة بالنذر، وطرد هذا فيما إذا قال: "لله علي شيء من ذلك إلا أن يبدو لي"، وزعم أن المسألة محتملة إذا بدا له.
نعم: ذكر شيخي أنه استثنى في هذه القربات ما يتعلق به غرض: كالافتقار في نذر الصدقة، أو ما يناظر هذا في كل قربة- فالاحتمال لائح، وأما إذا قال: "إلا أن يبدو لي"، فالأوجه إبطال هذا الاستثناء، وقد يتجه عندنا إفساد النذر في هذه الصورة.
قال: ومن نذر شيئاً، ولم يعلقه على شيء؛ أي: مثل أن قال: "لله علي أن أتصدق بمالي" أو: "أن أحج"، ونحو ذلك- فقد قيل: لا يصح؛ لأن أهل اللغة قالوا- كما حكاه ثعلب-: النذر هو وعد بشرط، ولم يوجد هاهنا شرط؛ فلم يوجد النذر الذي تقدمت النصوص على الوفاء به.
ولأن الحقوق على ضربين: حق لله تعالى، وحق للآدمي، ثم [ثبت أن] حق الآدمي إذا كان بعوض؛ لزم الوفاء به: كالبيع وغيره، وما لا يكون بعوض: كالهبة، لا يلزمه الوفاء به؛ [فكذلك حقوق الله تعالى ما لم يكن فيها عوض، لا يلزم أن يفي بها].
وتحريره قياساً: أنه إلزام حق من غير عوض؛ فلم يلزم بالقول؛ كالوصية، والهبة؛ وهذا قول أبي إسحاق، وأبي بكر الصيرفي، ونسبه المتولي إلى جماعة من الأصحاب، وحكاه القاضي الحسين [قولا]؛ أخذاً من قول الشافعي في هذا الموضع: "إن أعمال البر لا تكون إلا ما فرض الله أو تبرراً"، وفسر التبرر بما إذا قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي كذا".
قال: والمذهب أنه يصح؛ لعموم الأدلة السابقة، وما ذكر من أنه لا يسمى نذراً؛ إذا لم يعلق بشرط- ممنوع؛ لأن الله تعالى- قال حاكياً عن مريم: {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا

فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران: 35] فأطلق نذرها، ولم يذكر تعليقه بشرط وجزاء؛ فدل على صحة التسمية بدون الشرط؛ وهذا ما ادعى البندنيجي: أنه المنصوص عليه في كتبه، ونسبه القاضي أبو الطيب وغيره إلى قول ابن سريج، والإصطخري، وابن أبي هريرة.
قال القاضي: وإنما كان كذلك؛ لأن الشافعي قد نص عليه، وقال: "إذا قال: "لله علي أن أضحي"، أو: "لله علي أن أعتكف"، يلزمه ذلك"، كذلك هاهنا.
وبالجملة: فالذي ذهب إليه الأكثرون من أصحابنا- كما قال القاضي الحسين-: الصحة.
وكذلك قال في "البحر" في آخر كتاب "الأيمان": إن الجمهور قطعوا بها وصحح هذه الطريقة.
قال القاضي: ومن قال بالأول، قال: إنما لزم الاعتكاف بالنذر؛ لأنه ليس له أصل في الوجوب ابتداء، وكان نذره له سبيلاً إلى إيجابه، ولا كذلك الصلاة والصوم والحج؛ وهذا منه يدل على أنه لا خلاف في لزوم الاعتكاف، وكذلك في الأضحية؛ [نظراً للعلة المذكورة.
وقد وافق البندنيجي على الجزم باللزوم في الأضحية، وحكى الخلاف في الاعتكاف، وكذلك حكاه فيه الماوردي أيضاً هاهنا، والإمام في كتاب الأضحية].
وقد ادعى القاضي الحسين في أواخر كتاب الأيمان: أنه لو كان له مريض، فشفاه الله تعالى، فقال: "لله على عتق رقبة؛ لما أنعم الله علي من شفاء مريضي" يلزمه الوفاء بالمنذور قولاً واحداً؛ كما لو علق العتق بشفائه.
وعنه أنه لو قال ابتداءً: "مالي صدقة"، أو: "في سبيل الله" أنه لغو؛ لأنه لم يأت

بصيغة إلزام، وهو ما رآه الغزالي أظهر.
وقال في "التتمة": إن [كان] المفهوم من اللفظ في عرفهم معنى النذر أو نواه، فهو كما لو قال: "لله علي أن أتصدق بمالي" أو: "أنفقه في سبيل الله"، وإلا فلا حكم له.
وعن الشيخ أبي محمد ذكر طريقين: أحدهما: حمل ما ذكره على النذر المطلق؛ فيكون فيه الخلاف السابق.
والثاني: أن ماله يصير بهذه اللفظة صدقة؛ كما لو قال: "جعلت هذه الشاة ضحية"، واستبعده الإمام، وقال فيما إذا قال: "إن دخلت الدار، فمالي صدقة": إنه لغو عند القاضي، وعلى طريقة شيخه يكون تعليق إيقاع في طريقة، ونذر لجاج [وغضب في طريقة].
والذي رأيته في "تعليق" القاضي: أنه يكون نذر لجاج وغضب حتى يلزمه أن يتصدق بجميع ماله حتى [ثياب بدنه] ونفقة يومه على قول.
قال: ومن نذر شيئاً على وجه اللجاج والغضب بأن قال: "إن كلمت فلاناً أي: أو: إن لم أكلمه"، أو: "إن دخلت الدار" أو: "إن لم أدخلها"، ونحو ذلك- فعلي كذا، فهو بالخيار عند وجود الشرط بين الوفاء بما نذر وبين كفارة يمين.
ووجهه: أنه إن اختار الوفاء، فهو الذي صرح بإلزامه؛ فلم يلزمه غيره؛ كما في النذر المعلق على أمر يطلبه؛ وعملاً بقوله- عليه السلام-: "من نذر وسمى، فعليه ما سمى".
وإن اختار كفارة اليمين، فهي التي أوجبها ظاهر أدلة الشرع؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، وهذا حلف؛ لأنه يقال: حلفت بطلاق امرأتي، وبعتق عبدي لا فعلت كذا، وهو إجماع الصحابة.
روي أن رجلاً أتى عمر فقال: إني جعلت مالي في رتاج الكعبة إن كلمت أخي، فقال: إن الكعبة لغنية عن مالك، كلم أخاك، وكفر عن يمينك.

وقد روي نحو هذا اللفظ عن عائشة وحفصة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة- رضي الله عنهم- ولم يظهر لهم فيه مخالف.
وروى مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كفارة النذر كفارة يمين".
وباتفاق لا يكفر عن نذر التبرر وهو النوع الأول والثاني؛ فتعين أن يكون المراد به نذر الغلق وهو هذا، وسمي به؛ لأنه يغلق به على نفسه طريق الفعل أو الترك؛ كما سمي: نذر لجاج وغضب؛ لأنه إنما يقع غالباً في حالة الغضب.
ولأن هذا الفرع أخذ شبهاً من أصلين: من نذر المجازاة؛ لأنه التزام طاعة، ومن اليمين وهو منع نفسه من الفعل أو الترك، والفرع إذا أخذ شبهاً من أصلين لا يمكن الجمع بينهما، يجب أن يكون مخيراً في إلحاقه بأيهما شاء؛ وهذا ما حكاه الماوردي وابن الصباغ عن مذهب الشافعي [رحمه الله تعالى- ولم يورد القاضي أبو الطيب سواه، وبعضهم قطع به.
قال الرافعي] ومنهم من يقول: إنه غير منصوص عليه.
وقيل: إن نذر حجاً لزمه؛ لأنه لما لزم بالدخول فيه، كان أغلظ من غيره؛ فلزم بالنذر.
ومن هذه العلة يظهر لك أن العمرة تلزم به على هذا؛ كما صرح به الأصحاب؛ وهذا أخذه الشيخ أبو حامد من قول الشافعي: "فيه قولان".
قال: وليس بشيء؛ لأن العتق أيضاً يلزمه إتمامه بالتقويم؛ فكان أغلظ من غيره، وهو لا يلزم بالنذر، وقول الشافعي: "فيه قولان"، أراد للفقهاء؛ لأن لهم في الصدقة ستة أقاويل حكاها، وليس لهم في الحج إلا قولان: إما التزامه، وإما التخيير بينه وبين التكفير، وإن كان مذهبه فيه التخيير.
قال البندنيجي: وهو الذي نص عليه، والذي حكاه المراوزة في المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها: قول التخيير، واختاره القاضي الحسين لنفسه، وقال: إن الشيخ- يعني: القفال- استنبطه مما إذا قال: "إن قربتك، فعلي صوم هذا الشهر"، فليس بمول يضيق عليه؛ لأنه لا يخاف من التزام شيء بعد المدة، وإنما هو حالف: إن قربها في خلال الشهر، صام بقية الشهر، أو كفر كفارة اليمين؛ فيصير على التخيير.
والثاني: أنه يلزمه الوفاء بما نذر؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر وسمى [فعليه ما سمى".
قال في "البحر": وهذا أخذ من قول الشافعي في الاعتكاف: "لو قال: إن فعلت] كذا وكذا، فعلي اعتكاف شهر" [وكان] قد فعل ذلك الشيء_ فعليه اعتكاف شهر.
والقائلون بالتخيير، قالوا: ما ذكره في الاعتكاف ليس بقول آخر في المسالة، بل هو أحد الشيئين المخير فيهما.
والثالث: أنه يلزمه كفارة يمين؛ لما ذكرناه من الأخبار والآثار، وقد ادعى الإمام والقاضي الحسين: أنه المنصوص، والصحيح، وبالتصحيح قال- أيضاً- البغوي، وإبراهيم المرورذي، والموفق بن طاهر، ومنهم من قطع به، ونفي ما عداه.
وحكى الصيدلاني وغيره عن القفال: أنه أنكر هذا القول، ولم يثبت في المسألة إلى قول التخيير وقول وجوب الوفاء بما نذر، لكن نقل بعضهم أنه سمع الحليمي يقول: إن الشافعي نص عليه، فلما قدم على القفال حكى له ذلك، فلم يصدقه، ثم عاد إلى الدرس في اليوم الثاني، فقال للناقل: أسهرتني البارحة، طالعت الكتب، فوجدت النص كما ذكرته عن الحليمي.
قال الرافعي: فلعل ما حكاه الصيدلاني وغيره كان قبل هذه الحكاية، وعلى هذا هل يجزئه الوفاء بما نذر عن الكفارة؟ قال الرافعي: فيه وجهان في شرح مختصر الجويني، والظاهر المنع.
وقد حكى الوجهين الإمام أيضاً، ثم قال: وقول الإجزاء زلل عظيم؛ فإنه قول التخيير بعينه؛ فلا معنى لاعتقاد مزيد في التفريع على قول التخيير.
وكلام الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ يقتضي أنه غيره؛ لأنهم بعد حكاية قول التخيير عن المذهب، قالوا: ومن أصحابنا من قال: الواجب عليه كفارة يمين، وله أن

يسقطها بالوفاء بما نذر، وهو الأفضل.
قال ابن يونس: بشرط ألا يكون أقل من الكفارة؛ كما تقول فيمن ملك خمساً من الإبل: يلزمه شاة، وله إسقاطها بإخراج بعير.
قال الرافعي: وعلى القول بعدم الإجزاء إن كان الملتزم من جنس ما تتأدى به الكفارة، فالزيادة على قدر الكفاءة تقع تطوعاً، وإن كان المنذور عبداً لا يجزئ في الكفارة لا يجزئه عتقه عن النذر.
فروع: أحدها: لو قال: "إن دخلت الدار، فلله علي نذر"، قال في "الحاوي" لزمته كفارة يمين؛ لأنها معلومة، وموجب النذر المطلق مجهول؛ فلم يجز أن يقع التخيير بين معلوم ومجهول، وهذا ما حكاه البغوي وغيره.
وقال القاضي الحسين: إنه المنصوص، وإن أصحابنا ذكروا وجهين.
وعندي أن ذلك مبني على أن موجب يمين المعلق ماذا؟ فإن قلنا: موجبها الكفارة، فعليه كفارة يمين، وإن قلنا: موجبها الوفاء، فيؤمر بتسمية شيء يتقرب به.
قال الرافعي حكاية عنه وعن غيره: وإن قلنا بالتخيير تخير [بين] ما ذكرناه وبين الكفارة.
الثاني: إذا قال: "إن فعلت كذا، فعلي كفارة يمين"، قالوا: [تلزمه] كفارة يمين بلا خلاف، وإن قال: "فلله علي يمين"، فالصحيح في "النهاية" أنه لغو؛ فإنه لم يأت بنذر ولا بصيغة يمين، وليست اليمين مما يلزمه في الذمة.
ومنهم من قال: عليه ما على الحالف إذا حنث.
قال الإمام: والوجه عندنا في هذه الطريقة أن يلحق هذا بالكنايات المحضة، ويرجع إلى نيته وقصده.
ولو قال: "نذرت لله أن أفعل كذا"، فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن أطلق فوجهان، أوردهما الفوراني والبغوي.
الثالث: إذا قال في نذر اللجاج والغضب: "إن كلمت فلاناً، فلله علي حج وعتق وصدقة".

قال الإمام: كان شيخي يتردد في ذلك، فربما كان يقول: إن فرعنا على قول الكفارة عددناها بتعدد الأجناس؛ وهذا أبداه في معرض الاحتمال، ثم استقر جوابه على اتحاد الكفارة، وهو الذي يجب القطع به؛ فإنا إذا لم نوجب الوفاء؛ فلا حاصل إلى النظر [إلى] الملتزم تعدد أو اتحد، بل التعويل على الالتزام فيما يصح التزامه، ثم يحاد عنه إلى الكفارة، وما قدمناه غير معتد به، ولا خلاف أنه لو ذكر حججاً لم تتعدد الكفارة.
الرابع: إذا قال: "إن دخلت البصرة"، أو: "إن رأيت زيداً، فمالي صدقة" أو: "علي حج"، ونحو ذلك- قال في "الحاوي": إنه ينظر: فإن أراد به الترجي لدخول البصرة ولقاء زيد، فهو معقود على فعل الله دون فعل نفسه، فهو نذر جزاء وتبرر؛ فيلزم الوفاء بنذره.
وإن أراد منع نفسه من دخول البصرة ورؤية زيد، فهي يمين عقدها على نذر؛ فيكون مخيراً فيها بين الوفاء والتكفير، ويجيء فيه الأقوال الباقية.
وهكذا الحكم فيما لو قال: "إن صليت فلله علي صوم يوم": إن أراد: إن وفقني الله للصلاة صمت، كان نذر مجازاة؛ فيلزمه الوفاء بما نذر.
وإن قصد منع نفسه من الصلاة، كان نذر لجاج وغضب؛ فيجيء فيه الأقوال.
ولو قال: "لا صليت الظهر" لم يجيء فيه إلا نذر اللجاج.
ولو قال: "إن لم أَزْنِ، فلله علي صوم يوم": فإن قصد: إن عصمني الله من الزنا، فهو نذر مجازاة.
وإن قصد حث نفسه على الفعل، فهو نذر لجاج وغضب.
ولو قال: "إن زنيت، فلله علي كذا"، لم يتصور فيه إلا نذر اللجاج والغضب، [والله أعلم].
قال: ومن نذر الحج راكباً، فحج ماشياً، لزمه دم.
هذا الفصل ينظم حكمين: أحدهما: صحة نذره في لزوم الركوب في الحج المنذور، وللأصحاب فيه خلاف مبني على أن الأفضل الحج راكباً أو ماشياً؟ وفيه قولان مشهوران حكاهما القاضي

أبو الطيب وغيره [في باب المواقيت]: أحدهما: أنه راكب أفضل؛ لأنه- عليه السلام- حج راكباً؛ وهذا ما ادعى النواوي في "الروضة" في كتاب الحج: أنه المذهب، ولم يحك في "المهذب" ثم غيره؛ فعلى هذا يلزمه الدم؛ كما صرح به الشيخ، وهو الحكم الثاني؛ لأنه قد ترفه بتركه مؤنة الركوب.
وفيه قول آخر: أنه لا يجزئه الحج ماشياً عن نذره؛ كما سنذكر مثله في المسألة الآتية؛ صرح به المتولي؛ حيث قال: إن الحكم في هذه المسألة تفريعاً على هذا كالحكم في تلك المسألة.
والقول الثاني: إن المشي أفضل؛ لقوله- عليه السلام- لعائشة- رضي الله عنها-: "أجرك على قدر نصبك"، ولأن المشي إلى العبادة أفضل من الركوب إليها؛ ولهذا روي أنه- عليه السلام- لم يركب في عيد ولا جنازة قط؛ وهذا هو الصحيح في "التهذيب" وغيره، والمنصوص عليه في "المختصر"، ولم يورد القاضي أبو الطيب وابن الصباغ سواه هنا؛ فعلى هذا هو مخير بين المشي والركوب؛ كما قال المتولي، ولا يلزمه الدم؛ لأنه فعل الأفضل.
لكن القاضي أبا الطيب والبندنيجي جزما القول بلزوم الدم عند ترك الركوب.
وقال القاضي: إنه لو أكرى ما يركبه، واختار المشي، جاز؛ لأنه قد تكلف المؤنة التي شرطها.
وإيراد البغوي يقتضي: أن ما ذكره الشيخ هو المذهب أيضاً؛ لأنه الذي صدر به كلامه، ثم قال: وقال الشيخ: عندي لا دم عليه؛ لأن عدوله عن الطريق الأسبق؛ لزيادة الثواب؛ فلا دم عليه.
ووراء ما ذكرناه من القولين في أن الأفضل الركوب أو المشي؛ وجهان.
أحدهما: عن الصيدلاني أنهما سواء، وقد حكاه في "البحر" قولاً.

قال الرافعي: وقد يوجه ذلك بتعارض المعنيين.
والثاني- عن ابن سريج-: التسوية بين الركوب والمشي ما لم يحرم، فإذا أحرم، فالمشي أفضل.
وقال في "الإحياء": ينبغي أن يفصل؛ فيقال: من سهل عليه المشي فالمشي في حقه أفضل؛ لأن الصوم للمسافر والمريض- ما لم يؤد إلى ضعف وسوء حال- أفضل.
قال: ومن نذر الحج ماشياً، أي: بأن قال: "إن شفى الله مريضي فلله علي أن أحج ماشياً" أو: "أمشي حاجاً" لزمه الحج؛ لما سبق من الأدلة.
قال: ماشياً، أي: تفريعاً على الصحيح في أن المشي إلى العبادة أفضل.
قال: من دويرة أهله، أي: يحرم بالحج، ويمشي من دويرة أهله؛ كما قاله المتولي والماوردي والعمراني في "الزوائد"؛ لأن إتمام الحج في الأصل يتعلق بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] قال عمر وعلي- رضي الله عنهما-: إتمامهما: أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وإذا كان كذلك فتأخيره إلى الميقات رخصة، فإذا نذر رجع إلى الأصل؛ وهذا قول أبي إسحاق؛ كما قال المتولي.
وقيل: من الميقات؛ لأن المطلق يحمل على ما عهد لزومه شرعاً، وهو الإحرام من الميقات؛ وهذا قول عامة الأصحاب؛ كما قال ابن يونس.
والوجهان متوافقان على أنه حيث يلزمه الإحرام يلزمه المشي، وحيث لا يلزمه الإحرام لا يلزمه المشي؛ فلا ينفك أحدهما عن الآخر.
وفي كلام المراوزة خلافه؛ فإن القاضي الحسين وغيره قالوا فيما إذا قال: "لله علي أن أحج ماشياً"، أو: "أمشي حاجاً"- في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزمه المشي من مخرجه الذي يخرج منه.
والثاني: من مكان الإحرام؛ لأنه نذر الحج ماشياً، وإنما يصير شارعاً في الحج بالإحرام؛ وهذا ما صححه الرافعي، وقال: إن به قطع قاطعون، وردوا الخلاف إلى ما

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل