كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 163-202
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج

صفحات 163-202
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أبداه الرافعي احتمالاً.
ولو طرأ عليه النسيان بعد انصرافه من الوقوف، فإن كان الوقت باقياً، نوى القران، وعاد إلى الموقف، وكان حكمه كما لو وقع النسيان وهو بعرفة.
وإن كان [وقت الوقوف] قد فات، فلا يسقط عنه فرض الحج؛ لأنه يجوز أن يكون ما نسيه عمرة؛ فلا يصح إدخال الحج عليها في زمان لا يصح فيه الإحرام بالحج.
وأما فرض العمرة، فإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج إذا وقف بعرفة - فلا يسقط فرضها؛ وإن قلنا: يجوز ما لم يرم جمرة العقبة - سقط عنه فرضها.
وإن كان لما أحرم توجه إلى مكة قبل الوقوف، وطاف طواف القدوم، ثم طرأ عليه الشك - لم يسقط [عنه] فرض الحج؛ لأنه يجوز أن يكون ما نسيه عمرة، والطواف منصرف إلى طوافها، ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف.
وأما فرض العمرة، فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج، فلا يسقط [أيضاً] وإن قلنا: يجوز - أما في حال الاختيار أو في هذه الحالة؛ كما قاله أبو إسحاق - سقط؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وهو منه بناء على أن طواف القدوم في الحج لا يمنع إدخال العمرة عليه، أما إذا قلنا: [إنه] يمنع - كما اختاره البغوي وغيره - فلا يسقط؛ صرح به القاضي الحسين؛ ولذلك قال ابن الحداد - كما حكاه ابن التلمساني -: إنه لا تجزئه العمرة يكل حال على القولين جميعاً؛ لأن [من] مذهبه - كما تقدم - أن طواف القدوم يمنع إدخال العمرة على الحج.
وقال الشيخ أبو علي: إنه الصحيح، وهو الذي ذهب إليه أبو حامد في "التعليق".
نعم، قال ابن الحداد: [له] في هذه الحالة أن يصلي ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق، ثم يحرم بالحج، ويهريق دماً لحلاقه قبل أوانه، أو لتمتعه، وقد تم حجه.
وقال أبو زيد؛ كما قال القاضى الحسين وصاحب "التقريب"، والأكثرون؛ كما قال الرافعي-: لا يفتى له بما قاله ابن الحداد؛ لجواز أنه محرم إلحج؛ فيصير

بالحلاق جارحاً لإحرامه، ولا يطلق للإنسان جرح الإحرام، لكنه لو أقدم على الحلاق، وأحرم بالحج، فالحكم فيه كما قاله ابن الحداد، وعلى [هذا] ينطبق قول الإمام: إن كافة الأصحاب نقموا على ابن الحداد ما قاله.
وقد جعله في "الوسيط" الأظهر، ووجهه بأن هذا الضرر أعظم من أذى الشعر؛ إذ يؤدي إلى فوات الحج لو لم يفعل ذلك.
وقال في "المهذب" - تبعاً للبندنيجي -: إذا أراد أن يجزئه الحج، طاف، وسعى لعمرته، وحلق، ثم يحرم بالحج، ويجزئه.
قال العمراني: قال الشيخ الإمام: ينبغي [عندي] أن يقال: يكفيه السعي، ولا يحتاج إلى إعادة الطواف؛ لأنه طاف، وليس من شرط السعي أن يكون بعقب الطواف، بل يجوز التفريق بينهما بسنة وأكثر.
وهذا [عين قول ابن الحداد].
وقد فرض القاضي أيو الطيب الكلام في المسألة فيما إذا طرأ النسيان بعد طواف القدوم والسعي والحلاق، ولم يكن فعل بعد الإحرام سوى ذلك، وقال: إنه ينوي القران، ويأتي بأفعاله، ويسقط عنه فرض الحج؛ لأنه إن كان الذي نسيه عمرة فقد أتى بأفعالها، واستأنف الحج؛ فيكون متمتعاً، وإن كان حاجاً فقد حلق في الحج؛ وإن كان قارناً فقد أتى بالحج، وحلق في إحرامه، فالحج ساقط؛ وكذا العمرة إن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج، وإلا فلا، وهل يجب عليه دم أو دمان؟ فيه وجهان: أحدهما: دمان؛ احتياطاً للفرض.
والثاني: دم واحد، وهو الصحيح في "البحر"؛ لأن المنسي إن كان عمرة، فهو متمتع؛ فيلزمه دم واحد، وإن كان حجاً؛ فقد حلق؛ فيلزمه دم الحلاق.
قلت: ودم القران إن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج.
وإن كان قراناً؛ فيلزمه دم القران، ودم الحلاق، غير أن المتيقن دم واحد؛ فلم

يلزمه غيره، وهذا ما قال البندنيجي: إنه المذهب، وبه جزم الإمام، فعلى هذا إن كان المنعرج: الدم، فينوي به الفداء أو الواجب عليه، ولا يضره الجهل بالتعيين: أنه عن تمتع أو قران أو حلاق؛ كما نقول في الكفارات.
وإن كان بالصوم، فصوم التمتع عشرة أيام، وصوم الحلق ثلاثة، فإن صام العشرة مع التفريق، برئ، ولا يضر عدم التعيين في نية الصوم، وإن صام ثلاثة أيام، قال الشيخ أبو علي؛ لا يجزئه، وكذا لو أطعم ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لاحتمال اشتغال ذمته بدم التمتع أو بدله، وقد تيقنا وجوب الكفارة، ولم نتحقق البراءة؛ فإن الإطعام لا مدخل له في التمتع.
وقال الإمام: يحتمل أن يجزئه الثلاثة والإطعام؛ لأن الأصل براءة الذمة، والسبعة مترددة يين الثبوت والسقوط، فكيف نوجبها وقد تقرر فى المذهب: أن من خرج منه بلل احتمل أن يكون منيًّا ومذيًا: أنه يقتصر على الوضوء للشك؛ أخذاً بالأقل حتى قال قائلون: لو توضأ منكساً في هذه الصورة، أجزأه؟! وقد أقام في "الوسيط" هذا الاحتمال في إجزاء صيام الثلاثة وجهاً، وأثبت في المسألة وجهين؛ وهذا إذا كان الشاك من أهل التمتع والقران، وإلا فلا دم عليه لذلك، ودم الحلاق لا يجب بالشك، والاحتياط أن يريق الدم؛ لاحتمال الوجوب.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن محل القولين في مسألة الكتاب إذا شك؛ هل أحرم بحج أم عمرة؟ فإنه قال: "والثاني: يتحرى، ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما"، وهو ما حكاه الماوردي عن البصريين، وأنهم قالوا: إذا وقع الشك في أنه حج أو عمرة أو قران، تعين [القول] الأول جزماً.
وحكي عن البغداديين إجراؤهما في الصورتين، وهو الذي حكاه الجمهور.
وعن الشيخ أبي علي: نفي الخلاف في جواز التحري، وحمل النص الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النسكين، أو قرن؛ وبهذا يحمل في المسألة ثلاث طرق.
قال: ولا يستحب أن يذكر ما أحرم به في التلبية، أي: إذا قلنا: إن التعيين أفضل؛

كما قاله ابن الصباغ؛ لما روي عن جابر قال: "لم يسم رسول الله صلى الله عليه وسلم [نسكاً] أحرم به قط، لا حجًّا ولا عمرة".
وروي أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: "لبيك بحجة وعمرة"، فضرب بيده على صدره، وقال: "إنه يعلم ما في نفسك".
وروي أنه قال: أتلبون له بما في قلوبكم؟! إنما هي نية أحدكم.
ولأن إخفاء العبادة أولى؛ وهذا ما نص عليه فى عامة كتبه؛ كما قاله البندنيجى وابن الصباغ، [ثم] قال: ومن أصحابنا من قال: الأفضل أن يذكره.
والقاضى أبو الطيب والماوردي والفورانى حكوه قولاً ثانياً فى المسألة، ووجهوه بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وهو بالعقيق: "أتانى الليلة آت من ريى، فقال: صل في هذا الموضع المبارك، وقل: عمرة في حجة".
وروى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلَّ بهما جميعاً: "لبيك عمرة وحجًّا".

ولأن ذكر النسك فى التلبية يمهد النية؛ فاستحب لذلك، وما ذكر من [أن] إخفاء العبادة أولى، فهذا قد أظهرها بالتلبية؛ فلا معنى للإخفاء بعد ذلك.
قال: والتلبية: أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك [لا شريك لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن [عبد الله] بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: "لبيك اللهم لبيك ... " إلى آخره.
قال الأصحاب: ويستحب أن يأتي بالتلبية نسقاً لا يتخللها كلام، وإن سلم عليه رد السلام؛ لأنها سنة والرد فرض.
ويستحب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: "والملك"، ثم يقول: "لا شريك لك"، ويستحب ألا يزيد على هذه الكلمات، ولا ينقص منها.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: "واختار أن يفرد تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يقصر عنها، ولا يجاوزها؛ لما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع بعض بني أخيه، وهو يلبي: يا ذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد

رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والفرق بينها وبين تكبيرات العيد؛ حيث استحب الزيادة فيها: أن تكبيرات يوم العيد لم يشرع فيها التكرار، فشرعت فيها الزيادة؛ لإكثار الذكر، وأما التلبية فقد شرع فيها التكرار؛ فاستغني به عن ضم الزيادة.
ثم لو زاد على ذلك لم يكن مكروهاً على المشهور؛ فإن الشافعي - رضي الله عنه – قال: لا يضيق أن يزيد عليها؛ لما روى البخاري و [مسلم] في تتمة الحديث [الأول].
قالوا: وكان عبد الله يرفع مع هذا: "لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير [كله] بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل".
وروى أبو داود وابن ماجه عن جابر قال: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون "ذا المعارج" ونحوه من الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع، فلا يقول لهم شيئاً.
وقد حكى الشيخ أبو حامد: أن أهل [العراق] ذكروا عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه تكره الزيادة على ذلك، وغلطوا فيه؛ فإن المنقول عنه ما ذكرناه وهو ما أورده الفوراني.
وقد استحب الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" أن يلبي ثلاثاً.
واختلف أصحابنا في تأويله على ثلاثة أوجه حكاها الماوردي:

أحدها: أنه يكرر قوله: "لبيك" ثلاث مرات.
والثاني: أنه يكرر قوله: "لبيك اللهم لبيك" ثلاث مرات.
والثالث: أنه يكرر جميع التلبية.
تنبيه: لبيك: من التلبية، وهى إجابة المنادي، والقصد [بها] هنا: إجابة إبراهيم - على نبينا وعليه السلام - التي أمر بها كما تقدم في أول الباب.
وممَّ هي مشتقة؟ فيه خمسة أقوال: أظهرها- وهو قول الخليل، وثعلب-: أنها مشتقة من: ألبّ [فلان] بالمكان؛ إذا أقام فيه.
ومعنى "لبيك": أنا مقيم على طاعتك.
وعن الأزهري وغيره [أنه قال]: معنى "لبيك" على هذا القول: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، والله أعلم.
قلت: وهذا الاختلاف يمكن أن يكون أصله أن "لبيك" هل [هو [على]] معنى التثنية [وان كان] لا واحد له، كقولهم: حنانيك؛ فإنها تثنية لا واحد لها، [أو هو]، على معنى الإفراد؟ وفيه وجهان عند أهل اللغة نقلهما الماوردي؛ ليكون الأول مبنياً على الثاني، والثاني مبنياً على الأول، وهو المشهور، ولذلك قال بعضهم: إنها لا تستعمل إلا على لفظ التثتية، وإن أصلها: "لبَّين"، فحذفت النون للإضافة.
والقول الثاني - وهو قول الفراء -: أنها مشتقة من الإجابة، ومعناها: إجابتي لك.
والثالث: أنها مأخوذة من "اللب" و"اللباب" الذي هو خالص الشيء، ومعناها: الإخلاص، أي: أخلصنا لك الطاعة.
والرابع: أنها مأخوذة من "لب" العقل من قولهم: "رجل لبيب"، ويكون معناه: إني منصرف إليك، وقلبي مقبل عليك.

والخامس: أنها مأخوذة من المحبة من قولهم: "امرأةٌ لبَّهٌ"، إذا كانت لولدها محَّبة، ويكون معناها: محبتى لك.
وكرر قوله: "لبيك"؛ للتوكيد.
وقوله: "إن الحمد" روي بكسر الهمزة وفتحها، وهما وجهان مشهوران، وأشهرهما: الكسر؛ قاله الأزهري وغيره، وهو على الاستئناف، والفتح للتعليل.
وقال ثعلب: من كسر فقد عمم، ومن فتح فقد خص.
وحكم التلبية بغير العربية حكم التسبيحات في الصلاة.
قال: ويرفع صوته بالتلبية؛ لرواية الشافعي - رضي الله عنه - أنه عليه السلام قال: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصوأنهم بالإهلال"، وقد أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح.
وقد روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا [لا] يبلغون الروحاء حتى تُبَحَّ حلوقم من التلبية.

ولأن معناها معنى الأذان، الذي لا يسمعه شيء إلا شهد له، وقد جاء عنه عليه السلام - أنه [قال]: "ما أهلَّ مهلٌّ قط إلا بشر، [ولا كبر مكبر قط إلا بشر"]، قيل يا رسول الله، بالجنة؟ قال: "نعم".
ثم حد الرفع: أن يتتهي إلى حد لو زاد عليه، انقطع صوته؛ لما روي عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكنا إذا علونا كبرنا، فقال – عليه السلام -: "اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً" أخرجه البخاري.

ومعنى اربعوا: كفوا.
قال: والمرأة تخفض صوتها؛ خشية من الافتتان به؛ ولهذا شرع التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء.
قال القاضي الحسين: ويشرع لها: أن تقيم ولا تؤذن، ولا تجهر بالقراءة؛ وهذا - كما قال أبو الطيب - على وجه الاستحباب، فلو رفعته، كره لها كراهة تنزيه لا تحريم؛ فإن صوتها ليس بعورة.
ووافقه على ذلك البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيره.
[وفي "الرافعي"] وجه أنه عورة.
ولا فرق في استحباب التلبية لها بين أن تكون طاهراً أو [حائضاً أو نفساء، كما أنه لا فرق في الرجل بين أن يكون طاهراً أو] جنباً.
قال: ويستحب أن يكثر من التلبية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: 196]. قال ابن عمر: فرض الحج: التلبية.
وروى الشافعي بإسناده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبي راكباً وماشياً، وقائماً وقاعداً ومضطجعاً.
وروي أن سعيد بن جبير كان يوقظ الناس في المسجد الحرام، ويقول لهم: لبوا؛ فإني سمعت ابن عباس يقول: "التلبية زينة الحج".
قال: ويستحب ذلك في المساجد، أي: أكثر من غيرها - وإن كان رفع الصوت

منهي عنه فيها؛ كما جاء في الخبر: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، ورفع أصواتكم"- لعموم الأخبار مع أنه ذكر هو شعار العبادة؛ فكان مستحباً في المساجد؛ كالقراءة والأذان.
وعن القديم إثارة إلى أنه لا يلي إلا في [ثلاثة مساجد]: المسجد الحرام بمكة، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد إبراهيم بعرفات؛ لاختصاص المناسك بهذه المساجد؛ فاختص استحباب التلبية بها.
وفي الحاوي ما يقتضي حكاية هذا القول على غير هذا النحو؛ فإنه قال: كره الشافعي - رضي الله عنه - رفع الصوت بالتلبية في القديم فيما عدا المساجد الثلاثة؛ لأنه يؤذي به المصلين والمرابطين، ثم رجع عن هذا في الجديد، واستحب رفع الصوت في كل مسجد؛ لأنه ذكر لله تعالى، [فكانت المساجد] أولى البقاع به؛ لقوله - عليه السلام-: "إنما بنيت المساجد؛ لذكر الله والصلاة".
قال الإمام: وإذا قلنا بكراهية رفع الصوت بها فيما عدا المساجد الثلاثة، فهل نعدِّيه [إلى المساجد] الثلاثة؟ فيه وجهان.
قال: وإقبال الليل والنهار، وعند اجتماع الرفاق، أي: وكذا عند الصعود والهبوط، وخلف الصلوات من فرض ونفل، لأن السلف كانوا يستحبون التلبية في هذه الأحوال، وفي الأسحار.
قال البندنيجي: وإذا لبى دبر الصلاة، لبى ثلاثاً؛ كما يكبر في أيام التشريق ثلاثاً نسقاً.
قال: وإذا رأى شيئاً يعجبه، قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، أي: وكذا إذا دهمه ما يكرهه.
قال الشافعي - رضي الله عنه-: لأنه عليه السلام قالها في أسرَّ حاله، وفي أشد حاله: [فأما أسرُّ حاله]، فحين وقف بعرفة عام الوداع، ورأى جمع المسلمين؛ فسرَّه

ذلك المنظر، واستبشر، وقال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة".
وروي أنه - عليه السلام - أحرم بذى الحليفة وهو على ناقة عليها قطيفة لا تساوي درهمين، ورأى أصحابه يتتظرون أمره ونهيه؛ فتضاءل حتى توارى براحلته تواضعاً لربه، وقال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة".
وأما أشد [حاله، فما] روي أنه - عليه السلام - وأصحابه كانوا يحفرون الخندق، وقد نهكت أبدانهم، واصفرت ألوانهم، فقال - عليه السلام -: [اللهم] إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة"؛ فأجابوه: "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا".
ومعنى قوله: "إن العيش عيش الآخرة": أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هى حياة الدار الآخرة.
قال: وإذا لبّى، صلَّى على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]، أي: لا أذكر إلا وتذكر معي.
قال: وسأل الله - تعالى - ما أحب، [أى] من أمر الدين والدنيا؛ لما روى خزيمة بن ثابت: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة، سأل

الله - تعالى - رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار".
[قال في "الأم": وهذا أعظم ما يسأل".
ثم يسأل الله تعالى بعد هذا ما أحب].
قال الإمام: ويكون هذا وكذا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت خفيض؛ بحيث يتميز عن التلبية.
قال: ولا يلبي في الطواف؛ لأن له ذكراً يختص به؛ فكان الاشتغال به أولى.
قال سفيان: ما رأيت أحداً يلبى وهو يطوف إلا عطاء بن السائب! قال القاضي أبو الطيب: وهذا حكاه سفيان على سيل النكرة؛ لمخالفة عطاء الإجماع، ولذا [كان] لا يليى في السعي؛ لأن له ذاكراً يخصه.
وحكى البندنيجي عن القديم قولاً: أنه يلبي في الطواف والسعي، ويخفض صوته قدر ما يسمع نفسه، قال: وهذا في طواف القدوم؛ فإنه لا تلبية بعد جمرة العقبة.
وقد عكس القاضي الحسين هذه الحكاية، فقال: الجديد: أنه يلبي فيهما، والقديم [أنه] لا يلبي، والمشهور: الأول.
وقال الإمام: إن اختلاف القول في ذلك يقرب من اختلاف القول في أنا هل نستحب للمصلي أن يجيب المؤذن فى الصلاة؟ قال: وإذا أحرم، حرم عليه لبس المنعيط في جمع بدنه، أي: المعمول على

قدره على الهيئة المألوفة فيه؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلبسوا القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل الكعبن، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس".
وقد جاء في رواية غيره أنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس المحرم القميص والأقبية"، فنص على منع القميص والقباء، ونبه على الجبة والدراعة، ونص على السراويل، ونبه [به] على التبان.
والمنسوج على هيئة المحيط والملزوق والملّبَّد في معنى المنعيط.
ولا فرق في ذلك بين المتخذ من خرق أو ورق أو جلد [أو حديد]، كالدرع؛

كما قاله أبو الطيب وغيره.
والعفو في معنى الكل؛ إذا كان الملبوس معتاداً: كالقفازين، أما إذا لم يكن معتاداًَ: كما إذا اتخذ للحيته خريطة، وجعلها فيها، فقد قال القفال: إن الفدية تلزمه.
وحكى غيره نصاً: ألا فدية عليه؛ كما لو لف عليها خرقة؛ كذا حكاه القاضي الحسين قبيل باب ما يجتنبه المحرم.
وفي "الرافعي": أن الذي أجاب به الأكثرون: الأول.
ولو اتخذ لساعده أو لعضو آخر شيئاً مخيطاً، فقد تردد فيه جواب الشيخ أبي محمد.
قال الإمام: وهو لعمري محتمل؛ فإن التكشف ليس واجباً في غير عضو الإحرام، وإن القاعدة المعتبرة اجتناب زي مخصوص، وذلك يختص بالملابس المعتادة، والخريطة ليست لبساً على الزي المنعصوص.
[وقال الرافعي: إن الذي أجاب به الأكثرون: التحريم].
وفي "الحاوي": أنه إذا لبس القباء، ينظر: فإن كان من أقيية أهل خراسان، ضيق الأكمام، قصير الأذيال- وجبت الفدية، أخرج [يده من]، كمه أو لم يخرج؛ لأنه يلبس هكذا.
وإن كان من أقيية أهل العراق طويل الذيل، واسع الأكمام - لم تجب الفدية، إلا إذا أخرج يده من كمه؛ لأنه لا يحفظ نفسه؛ فكان كالرداء والإزار.
والذي حكاه في "البحر" عن نصه في "الأم"، وهوالذي أورده العراقيون والغزالي وغيرهم-: وجوب الفدية؛ إذا أدخل كفيه فيه، سواء أخرج [يده من كمه] أو لا.
وأما [إذا أراد لبس شيء مما ذكرناه على هيئة لم تؤلف؛ كما] إذا أراد أن يأتزر يقميص أو سراويل، فإنه يجوز، وكذا لو أخذ خرقاً، وخاط بعضها إلى بعض، وجعلها

شبه المئزر، أو الرداء - جاز لبسها.
ولو ألقى على نفسه قباء أوفرجية، وهو مضطجع، قال الإمام؛ إن أخذ من يديه؛ بحيث إذا قام [عدَّ لابساً له]؛ فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد، لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر، فلا.
ويجوز أن يعقد الإزار لأن فيه مصلحته، وهو ثبوته على عورته، وكذا يجوز أن يجعل له حجزة؛ ليدخل فيها تكة؛ ليشدَّه بها؛ لأنه لا يعد لابساً مخيطاً، وإنما هو استيثاق في الستر؛ كذا أورده الجمهور.
وفيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه لا يجوز؛ لأنه [لا] يصير كالسراويل.
وعلى المشهور يجوز من طريق الأولى شد التكة فوقه بعد الائتزار.
ولا يجوز شق الإزار، وأن يجعل له ذيلين يسدهما على ساقيه؛ كما نقله في البحر وغيره عن نص الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم".
وقال الإمام: إن ذلك جائز، ولا تجب الفدية به إلا إذا فرطت خياطة أو شرج أو عرى.
وفي "البحر" حكاية ذلك عن بعض الأصحاب، وهو اختيار القاضي أبي الطيب في "تعليقه"، وأيده بنص الشافعي - رضي الله عنه - في "الأم" على جواز لف الرداء على عاتقه لفتين وثلاثة.
والذي أورده الجمهور: الأول.
ولا يجوز له عقد ردائه، ولا خله بخلال أو مسلة، ولا ربط طرفه إلى طرف بخيط ونحوه، وإن جاز غرز طرفيه فى إزاره، وهو ما حكاه فى "الروضة" عن النص، وقال: إنه المذهب.
وفي "النهاية": أنه لو ارتدى المحرم رداء، وعقد أحد طرفيه بالآخر، فلا بأس؛ فإن هذا مخالف للستر المعتاد، والعقد الذي جرى استيثاق التوشح، هذا بمثابة

عقد الإزار، وكذا لو عقد طرف ردائه بإزاره.
وهل يجوز أن يجعل [لردائه سرجاً] وعرى؟ حكى الإمام فيه عن العراقيين المنع، وعن شيخه تردداً، ثم قال: ولا شك أنه لو فرض [ذلك] على طرف من الرداء، ولم ينتظم انتظاماً قريباً من الخياطة، [فلا بأس والرجوع في ذلك إلى العقد والخياطة:] فما حل محل العقد فلا بأس [به]، وما ضاهى الخياطة ففيه التردد، والظاهر: المنع؛ لأنه نص في "الأم" على أنه لا يجوز أن يزر إزاره ولا يخيطه بشوكة؛ لأنه يصير [به] كالمنعيط.
قال: فإن لم يجد إزاراً، جاز أن يلبس السراويل، [أي:] الذي لا يتأتى الائتزار به لو فتق؛ لما روي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين"، أخرجه أبو داود [والبخاري] ومسلم بنحوه.

ولا يقال: ما الفرق بينه وبين القميص؛ حيث لا يجوز لبسه إذا لم يجد رداء لإمكان ارتدائه بالقميص؟ لأنا نقول: المسألة مصورة في المحرم الذي لا يمكنه الارتداء بالسراويل لو فتق، أما إذا أمكن، فالذي أورده الجمهور: أنه لا يجوز له لبسه على هيئته.
وأطلق البندنيجي القول بأنه لا يلزمه فتق الرأويل، بل يلبسه على هيئته.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أن] الذي حكاه - رضي الله عنه -: أنه إذا لبسه على هيئته، لا فدية عليه؛ لأنه مرخص بالحديث، بخلاف الخفين؛ فإنا اتبعنا في قطعهما النص.
[و] الذي وجدت في كتب بعض أصحابنا: أن عليه الفدية؛ كما لو لبس الخف على هيئته عند عدم النعل، بل [فى] السراويل أولى؛ لأنه [لا يضيع و] لا ينقص [كثير من قيمته بالفتق، والخف ينقص] نقصاناً متفاحشاً بالقطع، ولا وجه للمنع في هذه المسألة وإن كان ما حكاه مذهباً؛ لتعذر الفرق بينه وبين الخف.
ثم في الحالة التي يجوز فيها لبس السراويل، لا نكلفه أن يقطع من السراويل ما جاوز حد العورة، ويجوز عقده فوق السرة.
وللإمام في جواز ذلك إذا حصل الاستيثاق بدونه نظر، وقال: إنه يظهر عندي

تكليف رد عقده إلى حد السرة.
قال: ولا فدية عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة.
نعم، لو وجد بعد لبسه الإزار، فعليه خلعه، فإن لم يفعله، لزمته الفدية، نص عليه في "الأم".
تنبيه: المراد بالوجدان: وجود من الإزار أو قيمته مع القدرة على شرائه، وكذا بذله [له] عارية لا هبة من أجنبي.
ولو كان البذل هبة من ابنه، ففيه وجهان؛ كما في بذل النفقة في الحج؛ [قاله القاص أبو الطيب.
ولو قدر على بيع السراويل، وشراء إزار به، فهل يجب؟] قال القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو عورته، وجب، وإلا لم يجب.
قال: ويحرم عليه لبس الخف؛ للخبر، فإن لبسه، لزمته الفدية؛ لأنه فعل محظوراً في الإحرام؛ فأشبه الحلق.
قال: فإن لم يجد نعلين، جاز أن يلبس خفين مقطوعين من أسفل الكمين، للخبر، ولا فديت عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة.
نعم: لو وجد بعد لسهما كذلك نعلين، لزمه نزعهما، فإن لم يفعل، لزمته الفدية.
قال في البحر وغيره: ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين، وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه؛ لأنهما [صارا] بمنزلة النعلين؛ وهذا وجه من جوز لبسهما ابتداء كذلك مع وجود النعلين؛ لصيرورتهما كالنعلين؛ فإنه [لا] يجوز المسح عليهما.
قال الأصحاب: وهو باطل بالخف المنعرق؛ فإنه لا يجوز المسح عليه، ويحرم لبسه على المحرم مع أن الخبر يرد عليه.
والمداس ملحق بالخف المقطوع، فيجوز لبسه عند فقد النعلين، ولا يجوز مع وجودهما؛ على ما نص عليه في الأم؛ كما حكاه الماوردي.

ومن الأصحاب من قال بالجواز وإن لم يجوز لبس الخف؛ لأن القدر المنعيط بأعلاه، للاستمساك في القدم، بخلاف الخف؛ فإنه يلبس لقصد [الستر].
واعلم أن ظاهر الحديث يدل على جواز لبس الخف عند عدم النعلين وقطعهما بعد ذلك، والأصحاب مصرحون بعدم جواز ذلك، وأجابوا عن ظاهر الخبر بأن مثل هذا جائز في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]، والرفع قبل الوفاة قطعاً.
قال: ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره، أي: عن غير عذر؛ لقوله – عليه السلام-: "لا يلبس المحرم العمائم ولا البرانس"، وقوله في المحرم الذي خرَّ من على بعيره: "ولا تخمروا رأسه؛ قإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً"، أخرجه البخاري.
وقد ادعى الماوردي الإجماع على تحريم ستر الرأس.
وحكم ستر الجزء منها الذي يقصد ستره لشجة أو غيرها، حكم ستر الكل.
واحترزنا بقولنا: "يقصد ستره"، عما إذا شد خيطاً على رأسه؛ فإنه يجوز لأن قدر موضع الخيط لا يقصد ستره.
وقد اعترض الرافعي على ذلك، وقال: إن ستر المقدار الذي يحويه وشد الخيط قد يقصد - أيضاً - لغرض منع الشعر من الانتشار وغيره، وهو ينقض الضابط

المذكور؛ فالوجه: النظر إلى تسميته حاسر الرأس، ومستور جميع الرأس، أو بعضه.
قلت: لعلَّ مراد الأصحاب بما يقصد ستره: لأجل الستر لا لأمر آخر، وحينئذ يندفع الاعتراض.
وقال الغزالي: يحتمل أن يقال: كل ستر يلوح للناظر - أي: السليم - على بعد، فهو الممنوع.
وهذا الاحتمال للإمام قبله، والله أعلم.
[قال: فإن ستر لزمته الفدية؛ لأنه ارتكب محظوراً [فيه]].
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي بمنطوقه أموراً، وبمفهومه آخر، ويحتاج إلى التنبيه على ذلك: فمن الأول قوله: "وغيره" يقتضي [تحريم] ستر الرأس بالزنبيل والعدل المحمول من مكان إلى مكان، وقد جزم في "المهذب" بجوازه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، والصحيح من المذهب.
لكن في "الشامل": أن ابن المنذر حكى عن الشافعي - رضي الله عنه - أن عليه الفدية.
وقال أصحابنا: هذا لا يعرف فى شيء من كتب الشافعى.
لكن أبا حامد حكى فى "التعليق": أنه نص فى بعض كتبه: أن عليه الفدية؛ كما لو طلاها بالطين، وقد عزى البندنيجى هذا القول إلى "الإملاء"، وهو منسوب في "البحر" إلى رواية القفال، وأنه اختيار [أبي سليمان] الخطابي وجماعة، فللشيخ أسوة بهم.
وقد تلخص في المسألة قولان، وخصهما [فى] "الحاوي" بما إذا لم يقصد الستر، فإن قصده لزمته الفدية وجهاً واحداً.

ومنه - أيضاً: [ما] إذا انغمس فى ماء حتى ستر رأسه، فقد فعل محرماً، وقد نص الأصحاب على جوازه.
ومنه –أيضاً-: أنه لا يجوز [له] أن يغطي رأسه بكفيه أو يد غيره، وقد جزم الأصحاب بجواز ذلك بكف نفسه، ولا فدية عليه، وهو المذهب فى كف الغير أيضاً.
وفي "الحاوي" وجه آخر: أنه لا يجوز، ويجب به الفدية.
والفرق: فى جواز السجود على كف الغير، دون كف نفسه.
[ومنه: تحريم الستر بالطين والحناء، وقد نص الشافعي على أنه إذا خضب رأسه بالحناء، لزمته الفدية، ولم يحك البندنيجي غيره.
وكذلك أطلقه فيما إذا خضبها بالنورة.
وفيه وجه: أنه لا يلزمه الفدية كالوجه في أنه لا يحمل بالطين ستر العورة.
قلت: [وقائله] قد يؤول النص في الحناء، ويقول: إنما لزمته الفدية؛ لأن الحناء طيب؛ كما حكاه الفوراني قولاً عن رواية بعض الأصحاب، والصحيح: الأول.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: وهو محمول على ما إذا كان الخضاب بحناء يمنع النظر إلى الرأس، أما إذا كان رقيقاً فلا فدية عليه.
وحكم المرهم حكم الحناء، يختلف بالثخانة والرقة.
وقال ابن الصباغ: عندي أنه يجري مجرى ما لو طلى رأسه بعسل، وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه لا فدية عليه، وكذا إذا طلاها بسدر؛ فإنه لا يجري مجرى الحناء؛ لأن الحناء له جرم، فقد يخف ويكون ساتراً، بخلاف المرهم إلا إذا كان معه قرطاس].
ومن الثاني: جواز تغطيتها بثوب تبدو البشرة من ورائه؛ لأنه لو لبس مثل هذا الثوب من يحاول الستر، لم يكن ذلك سترًا.
وقال الإمام: إنه في الرأس ستر يوجب الفدية فيما يظن، وإنه لا بعد في إلحاق

ذلك [بوضع الزنبيل]، والأوجه: الأول.
ومنه: جواز ستر الوجه؛ كما نص عليه الأصحاب؛ لأنه ليس من الرأس، لكنه يخرج البياض الذي وراء الأذن من وجوب الفدية بستره.
وقد حكى في "الروضة" عن الروياني وغيره: أنه تجب الفدية يتغطيته، وقال: إنه ظاهر.
ومنه: جواز الاستظلال بالظلالة، والسفيفة، والخيمة، والمحمل، والمجن المرفوع، والعمامة المكورة إذا توسدها؛ كما صرج بذلك الأصحاب؛ لأن ذلك لا يُعد ستراً، وقد دل على جوازه الخبر.
لكن صاحب "التتمة" خص ذلك بما إذا لم تمس المظلة والمحمل رأسه، أما إذا مسه، فتلزمه الفدية.
قال الرافعي: ولم أر هذا لغيره، وإن لم يكن بد منه فليلحق بالزنييل.
قال: ويحرم عليه الطيب، أي: استعمال الطيب في [بدنه وثيابه].
أما في الثياب؛ فللخبر السابق؛ فإنه نص فيه على منع الورس والزعفران، ونبه بهما على منع الكافور والمسك وغيرهما.
وأما في البدن؛ فبالقياس على الثياب من طريق الأولى.
ولأن الإحرام عبادة تحرم النكاح؛ فجاز أن تحرم الطيب؛ كالعدة.
وقد ادعى الماوردي الإجماع على حرمة استعمال الطيب على المحرم.
ولا فرق في ذلك بين تبخير الثياب والبدن [به]، أو تلطيخ ذلك به، وكذا صبغ الثوب وغسله، ولا بين الأخشم وغيره؛ كما قاله في "الإبانة"، ولا بين الرجل والمرأة؛ لقول ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس من الثياب.

والنعل في هذا المعنى كالثوب؛ حتى إذا وطئ به طيباً قصداً، أو من غير قصد، واستدامه - لزمته الفدية.
أما إذا لم يستعمل الطيب، بل طيبه غيره، فقد حكى الغزالي عن الأصحاب: أن على الفاعل الفدية.
قلت: ويظهر أن يجيء في كون المطيب طريقاً للضمان، الخلاف الآتي في الحلق،

ويظهر ألا يجيء.
والفرق: أن من قال إن المحلوق يكون طريقاً، جعل الشعر في يده كالمستعار، ولا كذلك في التطيب.
لكن قد حكى النواوي وغيره: أن الولي إذا طيب الصبي لا لحاجة، فالفدية عليه، وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقاً؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وهذا يؤيد الاحتمال [الأول]، ويلغي الفرق.
ثم ما ذكرناه في الثوب المطيب إذا ابتدأ لبسه بعد الإحرام سواء طيبه بعده أو قبله، فإن طيبه قبل الإحرام، ولبسه، [ثم نزعه بعد الإحرام]- فهل يحرم عليه لبسه ثانياً؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين، وقد تقدم ذكرهما، والمشهور: المنع.
فروع: [أحدها:] إذا طيب أرضاً، أو فرشاً، وجلس عليه، ملاقياً له بثوبه أو بدنه - لزمته الفدية، سواء كان رطباً أم يابساً ينقص بالاستعمال أم لا.
وفي "الحاوي": أنه إذا فرش الثوب المطيب، ونام عليه؛ إن أفضى بجلده إليه افتدى، وإن لم يفض بجلده إليه، وكان بينه وبينه ثوب [آخر] فلا فدية عليه؛ لأنه ليس بلابس ولا متطيب، وإنما هو مجاور للطيب.
والمشهور: الأول.
نعم، لو فرش عليه ثوباً ساتراً، وكان صفيقاً يمنع العين والريح- لم يضر، وإن كان خفيفاً لا يمنعهما، فوجود الثوب كعدمه لأن منع العين دون الريح، كره، ولا فدية عليه؛ قاله البندنيجي وغيره.
[الثاني:] إذا مس طيباً، فعبقت به رائحته دون عينه؛ ففي إيجاب الفدية عليه قولان في "المهذب" وغيره، أحدهما: نعم؛ كما لو عبق من غباره شيء يبدنه.
[الثالث:] إذا حمل المسك والعيب في خرقة مشدودة، أو كيس [أو فأرة]

أو [قارورة] مصمتة الرأس، أو الورد فى ظرف - لا تجب عليه الفدية؛ نص عليه في "الأم".
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنها تجب؛ لاستمتاعه برائحته إذا شمه في خرقة.
وفي غيره [تخصيص هذا الوجه] بما إذا كان يشم ذلك قصداً.
ولو حمل المسك فى فأرة غير مشقوقة، ففى الفدية وجهان: أصحهما- وبه قال الشيخ أبو حامد، ولم يورد في "المهذب" غيره-: لا.
والأصح عند صاحب "العدة": نعم.
وهما - كما قال القاضي الحسين - فيما إذا لم يقصد حملها للنقل من مكان إلى مكان؛ فلو قصده فلا فدية.
قال: ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة، أي: كدهن الورد، والزنبق، والبان المنشوش - وهو المعلى بالمسك ونحوه - بالقياس على المنصوص عليه.
وقد أطلق الإمام الحكاية عن الشافعي - رضي الله عنه -: أن البان ودهنه ليس بطيب.
وعن يعفى المصنفين أنه يعتبر عادة كل ناحية في طيبها، وقال: إنه فاسد؛ فإنه يشوش القواعد.
وقال الغزالي: إنه غير بعيد.
والأكثرون أطلقوا القول بأنه طيب، والتقييد الذي ذكرناه صرح به المصنف والبغوي والماوردي، وقالوا: غير المغلي بمسك ليس يطيب.
قال الرافعى: ويشبه أن يكون من أطلق القول بأنه ليس بطيب مراده: غير المنشوش، ومن أطلق القول بأنه طيب، أرادت المنشوش.
قلت: لكن كلام القاضي [الحسين ينفي هذا الحمل]؛ فإنه قال: البان يحرم على المحرم استعماله، سواء شمه أو اتخذ منه الدهن واستعمله، أو عصر ماءه واستعمله.

قال: وأكل ما فيه طيب ظاهر؛ لأنه مستعمل للطيب، والظهور يحصل جزماً إذا ظهر في طعمه ولونه وريحه، وكذا لو ظهر في ريحه لا غير بلا خلاف.
ولو لم يظهر فيه إلا اللون فقط، مثل: أن صبغ اللسان إذا استعمل، فقد قال في "المختصر الأوسط" من الحج: "إنه لا يجوز"، [وقال في القديم و"الإملاء" و"الأم":

"يجوز"، واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين: إحداهما- وبها قال أبو إسحاق-: أنه يجوز] قولاً واحداً، وحمل نصه في "المختصر" على ما إذا كانت له رائحة.
والثانية- قالها أبو العباس وأبو الطيب بن سلمة-: إجراء النصين على ظاهرهما، وحكاية قولين في المسألة.
والأصح في "المهذب" و"الحاوي" و"الإبانة": الجواز؛ لأن الطيب بالطعم والرائحة.
ووجهه الماوردي: أن رائحة الطيب لو زالت من الثوب، وبقي لونه - لم تجب الفدية بلبسه؛ فكذلك المطعوم، وهذا يدل على أنه متفق عليه في الثوب.
وقال الغزالي: إنه ينبني على القولين: ما إذا بقي جرم الطيب [على الثوب] دون رائحته إذا لم تفح رائحته إذا أصابه ماء.
نعم، لو فاحت فهي غير ذاهبة، بل كامنة.
وإن عليهما ينبني – أيضاً- ما إذا مزج ماء الورد بالماء حتى سقطت رائحته.
ولو لم يظهر إلا الطعم فقط، فقد حكى البندنيجي في التحريم ثلاث طرق: إحداها: يحرم، وتجب الفدية قولاً واحداً، وهي التي حكاها الماوردي والفوراني وغيرهما.
والثانية: لا يحرم قولاً واحداً.
والثالثة: إجراء القولين فيها.
وقال القاضي الحسين: الخلاف في ظهور الطعم وحده مرتب على الخلاف في ظهور اللون وحده، فإن أوجبنا الفدية بظهور اللون وحده، فبظهور الطعم أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن الطعم يقصد أكثر من اللون، فضاهى الرائحة.
ولو ظهر فيه الطعم واللون دون الرائحة، فقد حكى الإمام عن العراقيين القطع

بالتحريم، [ثم] قال: ليس الأمر كذلك عندنا.
والطعم مع اللون كاللون المجرد.
قال: وشم الرياحين: كالورد، والياسمين، والورس، والزعفران؛ لأنه ترفه لا يليق بالمحرم.
وعن الحناطي حكاية وجه في الورد والياسمين: أنه لا يحرم.
وحكى القاضي الحسين الوجهين في الياسمين كالريحان، وجزم في الورد بالتحريم.
تنبيه: الياسمين: فارسي معرب؛ وسينه مكسورة.
قال ابن الجواليقي: ويقال: الياسمون، وإن شئت أعربته بالياء والواو، وإن شئت جعلت الإعراب في النون؛ لغتان.
والياسمين: هو الذي يتخذ منه الزنبق.
واعلم: أن قول الشيخ: "وشم الرياحين" قد يفهم [عدم] تحريم ثم غيرها من المسك، والعنبر، والصندل، ونحو ذلك، وهو حرام بالاتفاق، وهو يؤخذ من كلام الشيخ من طريق الأولى، ولا يلتحق بذلك ثم ماء الورد، بل الحرام منه رشه على بدنه أو ثيابه؛ وكذا لا يحرم شم العود ولا ربطه على طرفه؛ لأنه لا يعد تطيباً، بخلاف شد المسك ونصه وشمه.
نعم، المحرم التبخير به، وكذلك بالند والكافور، وهو صمغ شجر؛ كما قاله البندنيجى وغيره.
وما ذكرناه في العود إذا لم يعبق من ريحه شيء، فإن عبق فقد قال الإمام: إنه

على القولين فيما إذا مس طيباً يابساً، فعلق به ريحه، ولم يتعرض غيره لهذا التقييد.
قال: ويجوز له شم النيلوفر والبنفسج؛ لأن القصد بهما التداوي، ولأنه لا يتخذ من يابسهما طيب؛ فأشبها الأترج والسفرجل والنارنج؛ فإن الطرق متفقة على أنه يجوز شمها؛ لأن القصد منها الأكل والتداوي، إلا أن الإمام قال: إن في النفس من الأترج والنارنج شيء؛ فإن قصد الأكل والتداوي ليس بأغلب من قصد التطيب.
وألحق التفاح بالسفرجل، وستعرف ما حكاه غيره فيه.
وزهر النارنج وغيره مما ذكرناه ملحق به كما حكاه الماوردي.
ووراء ما ذكره الشيخ في النيلوفر طريقان: إحداهما - ولم يحك القاضي أبو الطيب غيرها-: أنه لا يجوز، وهي التي صححها النواوي وغيره.
والثانية - وتعزى إلى الشيخ أبي حامد-: إجراء القولين في المسألة، وهي التي أوردها في "المهذب"، وحكى في البنفسج - تبعاً للقاضي أبي الطيب - ثلاث طرق: إحداها: ما ذكره هنا، وهي التي نص عليها الشافعي - رضي الله عنه - في عامة كتبه؛ كما قال البندنيجى.
والثانية: [المنع]، وهي التي رجحها المراوزة والنواوي، وقال البندنيجي: إنه الذي يجيء على مذهبه كالورد سواء.
وقوله: "ليس بطيب" عنى به: إذا رُبِّبَ وجعل دواء، فاستهلك فيه.
وقال الغزالي: إن الشافعي -رضي الله عنه - إنما تردد جوابه فيه؛ لأنه لا يعرف طيباً فى بلاده.
وقال غيره: إنه أراد البنفسج الجاف؛ فإنه بعد الجفاف لا يصلح إلا للتداوي.
وقال الفوراني: إن من القائلين بهذه الطريقة من قال: مراد الشافعي – رضي الله عنه - بنصه على عدم الفدية: دهن البنفسج؛ لأنه ليس بطيب، نص عليه في مختصر الحج، وقد حكاها الإمام طريقة لبعض العراقيين.

قال البندنيجي: وهذا القائل مخالف لما عليه أكثر الأصحاب، فإنهم قالوا: إذا قلنا: إن البنفسج طيب، فدهنه كذلك.
وهو الذي أورده الماوردي وغيره0 وقال في "الوجيز": الخلاف في دهن الورد والبنفسج مع جزمه بأن البنفسج والورد طيب، وهي طريقة حكاها الإمام عن رواية شيخه، ثم قال: ولست أرى لهذا وجهاً، وحكي عنه أنه قطع بأن دهن الورد كالورد.
ثم قال: ولست أرى لهذا وجهاً، فلا فرق بين الدهنين؛ لأن الغالب أنهما لا يستعملان لغرض التطيب.
وعكس الطريقة التي رواها الشيخ أبو محمد ما ذكره الماوردي: أن الأترج ليس بطيب، وفي دهنه وجهان، الذي قطع به منهما الرازي: أنه طيب محرَّم، حكاه عنه في الروضة، وفرق بأن أصله مأكول، وقشره يربى به الدهن كالورد.
ثم المراد بدهن البنفسج والورد: [الشيرج إذا أقام فيه البنفسج والورد]؛ كما حكاه الإمام عن العراقيين، أما إذا طرحا على السمسم حتى أخذ الرائحة، ثم استخرج منه الدهن، فليس بطيب وفاقاً؛ وهذا ما ذكر الرافعي: أن به أجاب المعظم.
وهو معزي في "تعليق" القاضي أبي الطيب إلى الشيخ أبي حامد، وقال: إنه غلط، بل لا فرق بين أن يجعل السمسم على الورد، فإذا اكتسب ريحه عصر دهنه، وبين أن يجعل الورد في الدهن.
وكلام البندنيجي يقتضي أن المراد يدهنهما: ما إذا طرحا على السمسم حتى اكتسب ريحهما، ثم عصر؛ فإنه قال: وأصل الأدهان كلها الشيرج، والشيرج من السمسم، يربى السمسم بهذه الأشياء، ويكرر عليه حتى يصير برائحته ثم يعصر منه دهنه، وعلى هذا ينطبق قول الشيخ أبي محمد، ووجهه بأنه أشرف وألطف مما يغلى فيه البنفسج والورد؛ ليشرب السمسم ماءهما وهى الطيبة المقصودة منهما.

تنبيه: النيلوفر: مفتوح النون والسلام، ويقال: نينوفر بنونين مفتوحتين، ذكرهما أبو حفص بن مكي الصقلي، قال: ولا يقال: نينوفر بكسر النون، وجعله من لحن العوام.
قال: وفي الريحان الفارسي قولان: وجه الجواز - وهو أحد قوليه في القديم-: ما أورده مسلم في كتاب الحج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عرض عليه ريحان، فلا يرده؛ فإنه خفيف المحمل طيب الريح".
وروي أن عثمان سئل عن المحرم يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
ووجه التحريم - وهو المنصوص في الجديد وعاعة كتبه؛ كما قال الفوراني، [وأحد قوليه فى] القديم-: أنه يقصد شمه كالورد والزعفران، وقد صحح النواوي وغيره هذا القول، وجزم به في "الوجيز".
وقال في "الوسيط": إن الشافعي - رضي الله عنه - إنما تردد نصه فيه؛ لأنه لا يعرف طيباً في بلاده.
وفيه نظر؛ لأن البندنيجي حكى عن الشافعي - رضي الله عنه - أنه اختار هذا القول في القديم، وأنه شنع على من ذهب إلى القول الأول.
والريحان الفارسي هو الضيمران المذكور في باب جامع الأيمان.
والقولان يجريان في مائه، ويجريان أيضاً- كما قال البندنيجي- في الريحان العربي، ويجريان [أيضاً]- كما قال في المهذب - في النرجس والنبق، وكذا في التفاح والمرزنجوش، كما قال البندنيجي؛ تبعًا للشيخ أبي حامد والقاضي الحسين.

والذي أورده الماوردي في الرجس: التحريم.
قال: فإن استعمل شيئاً من ذلك، لزمته الفدية؛ لأنه ارتكب محظوراً ترفه به، ولا فرق فى ذلك بين أن يستعمله وحده، أو فى مأكول، أو سعوط، أو كحل، أو حقنة، نص عليه في "الأم".
وقيل: لا تجب الفدية في السعوط والحقنة.
واحترز الشيخ بقوله: "فإن استعمل" عما إذا جلس عند الكعبة وهي تجمر، أو في بيت وهو يبخر كما نقله الإمام عن الأئمة، أو في حانوت العطار؛ فإن ذلك لا يوجب الفدية.
نعم، هل يكره له ذلك؟ قال الأصحاب: أما الجلوس عند، الكعبة فلا يكره وإن قصد ذلك لأجل الطيب، وأما الجلوس عند العطار وعند المتطيب، فقد قال البندنيجي: إنه ينظر: فإن كان لغير شم الطيب، لم يكره [قولاً واحداً، وإن كان لشم الطيب، كره]، وأطلق الرافعي حكاية قولين فيما إذا جلس عند الكعبة، وعند

حانوت العطار، وقال: إن أصحهما الكراهة.
وحكي عن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية.
والذي رأيته في "تعليقه" أنه هل يكره أن يستنشق الروائح الطيبة؟ فيه وجهان.
[وينبغي أن يخرج في وجوب الفدية إذا قصد الاستنشاق وجهان]، كالصائم [ثم] إذا فتح فاه حتى وصل إلى جوفه غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإن في حصول الفطر به وجهين.

قال: ويحرم عليه أن يدهن رأسه – أي: إن لم يكن أقرع - ولحيته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "الحاج أشعث أغبر"، وذلك زينة، وهذا بخلاف غسلهما بالدر والخطمي

وغيرهما حيث يجوز ذلك؛ لأن ذلك لإزالة الأوساخ، والدهان لتنميته وتزيينه في عادة العرب.
قال: فإن فعل [ذلك] لزمته الفدية، لما سبق.
والحكم كما ذكرناه فيما إذا كان محلوق الشعر؛ لأن الدهن يحسن الشعر إذا نبت، كذا حكاه العراقيون.
ونقل الفوراني عن المزني: أنه يجوز، وهو الصحيح؛ إذ لا شعث عله حتى يزول به.
أما إذا كان أصلع، جاز له دهان موضح الصلع من رأسه؛ لأنه ليس فيه تزيين.
وهل يجوز خضاب الشعر بالحناء؟ حكى الفوراني تردد قول الشافعي فيه، فقيل؛ [هو] تردد في أنه هل يلحق به بالترجيل بالدهن أم لما فيه من التزيين؟ وقيل: [هو] تردد في أن الحناء طيب أم لا؟ وهو بعيد.
وقيل: هو تردد في أن الخريطة المحيطة باللحية، هل يحرم اتخاذها أم لا؟ لأن الخضاب يحتاج إليها.
قلت: وهذا يعتضد بما حكاه القاضي الحسين من أن الشافعي - رضي الله عنه - قال في موضع [آخر]: إذا خضب لحيته، ولف عليها خرقة، فلا فدية عليه.
فرع: إذا كان للمرأة لحية، فدهنتها بدهن غير طيب، قال القاضي الحسين في التعليق: يلزمها الفدية؛ لأن المرأة وإن لم يكن لها جمال في اللحية؛ فالمجيز, ينقص القبح الذى بها بسبب اللحية؛ فالتحقت بالرجل فى ترجيل لحيته بالتدهين.
قال: ويحرم عليه تقليم الأظفار، وحلق الشعر، أي: من نفسه، من غير عذر.
ووجهه في حلق [شعر رأسه] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، والمراد: شعر رءوسكم؛ لأن الرأس لا تحلق، وإنما يحلق الشعر.

وفي شعر باقى الجسد قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمس المحرم من شعره ولا [من] بشره شيئاً؛ كذا قاله الماوردي، وبالقياس على شعر الرأس، بل أولى؛ لأن شعر الرأس يحصل بحلقه الترفه فحسب، وحلق [شعر] البدن يحصل به الترفه والزينة.
وفي تقليم الأظفار قوله - عليه السلام -: "المحرم أشعث أغبر"، وتقليمها يزيل الشعث، ولأنه قطع جزء من البدن يزيل الشعث ويحدث الترفه؛ فحرم كالشعر.
قال: فإن فعل ذلك، [أي:] ولو في شعر العانة والإبط - لزمته الفدية: أما في شعر الرأس، فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية: [البقرة: 196]، وقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ روى البخاري ومسلم وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بكعب بن عجرة زمن الحديبية، فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم، فقال النبي صلى لاله عليه وسلم: "احلق، ثم اذبح نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع عن تمر على ستة مساكين".
وفي رواية لأبي داود؛ أن كعب بن عجرة قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حتى تَخَوَّفْتُ على بصري؛ فأنزل الله - عز وجل -[فيَّ]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ﴾ الآية [البقرة: 196]، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زبيب، أو انسك شاة"، فحلقت رأسي، ثم نسكت.
وفي رواية لمسلم: أنه قال: نزلت هذه الآية في خاصة، وهي لكم عامة.
فإذا وجب ذلك مع العذر بالنص؛ فمع عدمه من طريق الأولى.
وأما في باقى شعر الجسد، وتقليم الأظفار؛ فبالقياس على المنصوص عليه للاشتراك في الترفه والتنظيف مع أن ذلك مما ينمي.

واعلم أن النواوي اعترض على الشيخ، فقال: لو قال: ويحرم عليه إزالة الظفر والشعر، لكان أحسن وأعلم؛ فإنه يحرم إزالتهما بالقلم والحلق وغيرهما، يعني من الكسر، والقطع، والتقصير، والنتف والإحراق.
والجواب: أن الشيخ جرى على الغالب؛ فإن العادة فيهما ما ذكره.
وأيضاً: فإن الإزالة قد تحصل من الحك بالأظفار، وليس الحك حتى ينتف الشعر محرماً، بل مكروهاً؛ كما قاله في "المهذب".
نعم، لو حكه فانتف الشعر، لزمته الفدية.
ولو شك: هل حصل ذلك بمشط اللحية أو لا؟ ففي وجوبها قولان أو وجهان؛ كما أوردهما الجمهور، وأصحهما: لا.
ولا خلاف أنه لو قطع من جسده عضواً، أو كشط منه جلداً عليه شعر- لا يلزمه الفدية؛ لأن الشعر تابع في الإتلاف، وشبه ذلك بما إذا قتلت زوجته، لا يجب له المهر؛ لما ذكرناه من العلة، بخلاف ما لو أفسد نكاحها برضاع.
أما تقليم أظفار غيره وحلق سعره، هل يحرم؟ ينظر: فإن كان ذلك الغير حلالاً، لم يحرم؛ قاله في "المختصر"، وجزم به الأصحاب.
وإن كان محرماً، أطلق في "الحاوي" القول بالتحريم.
ويظهر أن يقال فيه: إن كان يحرم ذلك على المحرك نفسه، [حرم على غيره من المحرمين أيضاً؛ لأنه يحرم على الحلال، وإلا فإن كان بإذنه لم يحرك؛ [لأنه] كالآلة له،] وإن كام بغير إذنه حرم.
قال: ويحرم [عليه] أن يتزوج، وأن يزوج، أي: بالوكالة، أو الولاية الخاصة والعامة؛ لقوله- عليه السلام-: "لا ينكح المحرم ولا ينكح"، وفي رواية: "ولا يخطب"، أخرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.

وروى الدارقطني عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج".
فإن قيل: قد روى البخاري و [مسلم] عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم.
وقد أفهم كلام الشافعي –رضي الله عنه- جواز ذلك؛ حيث قال

في "الكبير" –كما قال القاضي [الحسين] في باب حد الصبي يبلغ: "على هذا لو أحرمت، فنكحت، فليس للزوج أن يمنعها"، وهذا يدل على ما ذكرناه.
قلنا: أما الحديث، فعنه أجوبة: أحدها: أن الرواية عنه قد اختلفت، فروي مطر الوراق عن عكرمة عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل