كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 93-132
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 93-132
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أحدها – وهو اختيار المزني -: أنهم يجبرون على أداء الحزية؛ لأنهم التزموا ذلك بعقد [الذمة]؛ فلا حاجة إلى تركه إليهم، ويلحقهم بدار الحرب فيزيدوا في أعدائنا.
والثاني: أنه يقال لهم: إما أن تعطلوا، وإلا سبيناكم الآن ونقتلكم، وصار امتناعكم من بذل الجزية نقصا لأمانكم.
والثالث – وهو أشبه مذهب الشافعي – رضي الله عنه – وهو المنصوص: أنه لا يجبر على الجزية، ولا يسترق في الحال، ولكن ينبذ إليه عهده، ويلحقه بمأمنه.
الثاني: حكى صاحب "التهذيب" وجها: أنه يقنع منهم بالدينار إذا امتنعوا من بذل الزيادة عليه، وكانوا جاهلين بأن الزيادة على الدينار [لا] تلزمهم.
الثالث: حكى ابن كج قولين فيما إذا امتنعوا من إجراء الأحكام عليهم في انتقاض العهد.
وقال الإمام: إن امتنع هاربا فلا أراه ناقضا، وإن امتنع راكبا في عدة وقوة فينبغي أن يدعى إلى الإسلام، فإن نصب القتال انتقض عهده بالقتال.
الرابع: حكى الإمام عن القاضي الحسين حصر الانتقاض في نصب القتال.
[ثم] قال الإمام: ولست أبعد أن الأولين ذكروا القتال، وعدوا منع الجزية من أسبابه، وعبروا بالامتناع عن القتال، وإذا كان كذلك آل الأمر إلى أن الناقض بنفسه وذاته القتال؛ فإنه مناف للأمان.
قلت: وعلى ذلك ينطبق ما حكاه [القاضي] أبو الطيب وابن الضباغ فيما إذا امتنعوا من الضيافة، وقد التزموا زيادتها فوق الدينار، فإن كان الامتناع من البعض أجبر عليه، وإن [كان من] الجميع قوتلوا، فإذا قاتلوا انتقض

العهد والذمة، قال ابن الصباغ: ولا يسقط ما مضى.
وإذا أردنا أن نجمع بين ذلك وبين ما ذكره الشيخ هنا قلنا بعد قوله: "وإن امتنعوا من بذل الجزية والتزام أحكام الملة": أي بالقتال، [ويؤيده أنه] سكت عن ذكر القتال، وعده من جملة النواقض، والله أعلم.
فرع: إذا امتنع الواحد منهم من بذل الجزية، فإن كان مع بقائه على التزامها لم يكن ذلك نقضا لعهده، وأخذت منه جبرا، بخلاف الجماعة؛ لأن إجبار الجماعة [عليها] متعذر، وإجبار الواحد ممكن، وإن امتنع من أدائها لامتناعه من التزامها – كان نقضا للعهد كالجماعة، قاله الماوردي، وما قاله فيما إذا امتنع من الأداء لا غير مع القدرة، هو ما أبداه الإمام احتمالا لنفسه بعد حكايته عن الأصحاب انتقاض العهد – أيضا – واستحسنه.
ولو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنه بعضهم – انتقض عهد المقاتل، قال الماوردي: ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، وهذا قد حكاه البندنيجي في المهادنين.
وقال في أهل الذمة: إنه إذا انتقض عهد بعضهم لم ينتقض في حق الباقين، سواء سكتوا على فعلهم أو لم يسكتوا؛ لأن عقد الذمة أقوى من عقد الهدنة.
قال: وإن زنى أحدهم بمسلمة، أو أصابها [باسم نكاح]، أو آوى عينا للكفار، أي: جاسوسا، أو دل على عورة للمسلمين، أي: على خلل؛ لأن العورة في اللغة: [هي] كل خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب، أو فتن مسلما عن دينه، أو قتله، أو قطع عليه الطريق – نظر: فإن لم يكن قد شرط ذلك في عقد الذمة، أي: لفظا –لم ينتقض؛ لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها؛ لأنها محرمة لا تحل بمقصوده؛ فلم يمنع تعاطيها من استمرار حكمه.
قال: وإن شرط عليهم، أي: باللفظ – فقد قيل: ينتقض؛ لما روي أنه رفع إلى أبي عبيدة بن الجراح نصراني استكره امرأة مسلمة على الزنى، فقال: ما على هذا

صالحناكم.
وضرب عنقه.
ولأنهم خالفوا ما شرط عليهم، وفيه ضرر على المسلمين؛ فانتقض به العهد كقتال المسلمين، وهذا ما قال ابن الصباغ: إنه المنصوص في الأشياء السبعة، وإن الأصحاب ألحقوا القتل بها، وصححه النووي وصاحب "المرشد"، ويحكي عن اختيار القفال، [و] قال القاضي الحسين: إنه المذهب.
وقيل: لا ينتقض؛ لأن ما لم ينقض إذا لم يكن مشروطا لا ينقض إذا كان مشروطا.
أصله: إظهار الخمر، وترك الغيار، ونحوهما، وهذا ما حكاه ابن الصباغ وجها، وقال الرافعي: إنه ينسب إلى اختيار القاضي أبي الطيب، ورجحه صاحب "التهذيب" وجماعة، وهذه طريقة الصيدلاني – أيضا – وغيره من محققي الأصحاب.
وحكى القاضي الحسين والإمام عن العراقيين من أصحابنا: رواية وجه آخر: [أنه] ينتقض العهد بذلك، سواء شرط في العقد أو لم يشرط.
وحكى ابن كج عن بعضهم: القطع به، وهو قضية ما أطلقه الماوردي [من الانتقاض] في باب [حد] السرقة، ولم يحك سواه، وبنى هاهنا [الخلاف] المذكور في ذلك على أن ذلك يجب [بالعقد] من غير شرط، أو لا يجب إلا بالشرط؟ وفيه قولان: فإن قلنا بالأول انتقض العهد بها، سواء شرط أو لا.
وإن قلنا بالثاني – كان الحكم كما ذكره الشيخ.
وعن الشيخ أبي محمد رواية طريقة ثالثة، وهو أنه إن شرط ذلك في العقد

انتقض وجها واحدا، وإلا فوجهان.
وعند الاختصار يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما أوردها الغزالي وصاحب "التقريب" وصاحب "الإفصاح" والقاضي الحسين، والإمام عن العراقيين، ثالثها: إن شرط انتقض، وإلا فلا، قال الإمام: وكنت أحب لو قال قائل: لا ينتقض العهد [بها] بصدور المضرات، ولكن للإمام أن ينقض العهد بها إن شاء، ولم يصر إلى هذا أحد في هذا الفصل، والقول به ممكن.
واحترز بقوله: "في هذا الفصل"، عما حكيناه عن بعض الأصحاب فيما إذا قاتل أهل الذمة أهل العدل مع أهل البغي في حالة ذكرناها ثم: أنه لا ينتقض، ولكن للإمام نقضه، وفي القتل الموجب للقصاص وقطع الطريق طريقة قاطعة بأنه كالقتال؛ لأن شهر السلاح وقصد النفوس والأموال مجاهرة تناقض الأمان.
تنبيه: ما المراد بالشرط في العقد؟ الذي دل عليه كلام الأصحاب: الكف عن ذكر ذلك وفعله، وكلام الماوردي مصرح به.
وقال الإمام: المراد به شرط الانتقاض إذا فعل ذلك، لا شرط الانكفاف عن هذه الأشياء؛ فإن نفس الذمة مزجرة عن هذه الأمور؛ فلا معنى لذكرها، وقال: إن هذا مما اتفق عليه الأصحاب.
فرع: لو أشكال الحال، فلم يعرف هل شرط عليهم في العقد أم لا؟ قال في "المرشد": يجب تنزيله على أنه مشروط؛ لأن مطلق العقد يحمل على ما تقرر في عرف الشرع، وهذا العقد في عرف الشرع كان مشتملا على هذه الشرائط؛ ولهذا قال [ابن] عمر لما وجد من أهل الذمة سب النبي صلى الله عليه وسلم: ما على هذا أعطيناكم الأمان.

قلت: ويظهر أن يقال: الأصل عدم الشرط وعدم إباحة الدم، وبقاء صحة العقد، والله أعلم.
قال: وإن ذكر الله عز وجل، أو رسوله صلى الله عليه وسلم أو دينه بما لا يجوز، أي: مما لا يتدينون [به] ولا يعتقدونه – فقد قيل: ينتقض العهد.
وقيل: إن لم يشترط لم ينتقض، وإن شرط فعلى الوجهين.
هذان الطريقان مبنيان على أن [من] شرط [صحة] العقد: التعرض فيه لاشتراط عدم ذلك منه، أو ليس [ذلك] بشرط في الصحة، وفيه طريقان للأصحاب: الذي اختاره أبو إسحاق المروزي منهما: الأول.
والذي عليه عامة الأصحاب: الثاني.
فإن قلنا بالأول انتقض به العهد؛ كما إذا امتنعوا من أداء الجزية والتزامها وإن قلنا بالثاني كان حكمه حكم الأشياء السبعة السابقة التي لا يشترط في صحة العقد اشتراط تجنبها.
وهذه الطريقة اختارها في "المرشد".
وبني الماوردي الطريقتين على قولين في أن ذلك يلزم بالعقد [أو] بالشرط؟ فإن قلنا بالأول انتقض العهد وإن [لم] يجر [شرط]، وإلا كان كالحالة السابقة.
أما ما يتدينون به، وهو [غير] معتقدهم كقولهم في الله – سبحانه وتعالى -: ثالث وثلاثة، وإن عزيزا والمسيح ابناه – فهو بمثابة إظهار الخمر ونحوه، ومن هذا القبيل قولهم في القرآن: إنه ليس من عند الله، أو: ليس بمعجز، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم: إنه كاذب، وإنه قتل اليهود بغير حق، وهذه طريقة، وهي

المحكية عن الصيدلاني، ورجحها الرافعي.
ووراءها طريقة أخرى، وهي أن محل الخلاف في ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء يعتقدونه ويتدينون به، أما إذا ذكروه صلى الله عليه وسلم بما لا يعتقدونه ولا يتدينون [به]، كما إذا نسبوه إلى الزنى أو طعنوا في نسبه، فيلحق ذلك بالقتال، وينتقض به العهد، سواء شرط عليهم ترك ذلك أو لم يشترط.
قال الرافعي: وهذه قضية ما في "تعليق" إبراهيم المروزي، وما حكاه الروياني عن بعض الخراسانيين.
قلت: وهي التي أوردها القاضي الحسين، لكنه اختار فيما إذا ذكروه بما يعتقدونه فيه: أنه [إن شرط انتقض، وإلا فلا].
وعلى كل قول يستوفي منهم القتل إن كان ما فعلوه يوجبه: كالقتل والزني في حالة الإحصان، وكذا ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابة] ودينه [بما لا ينبغي كما قاله البندنيجي، ولعله أراد ذكر الله – سبحانه – ورسوله [وكتابه] ودينه] بما لا يعتقدونه [ولا] يتدينون به، وحينئذ فيكون استحقاق القتل بسب النبي صلى الله عليه وسلم منطبقا على قول أبي بكر الفارسي الذي ادعى الإجماع عليه: إن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حدا.
لكن قال القاضي أبو الطيب وغيره: إنه ليس بصحيح؛ لأن الله – تعالى – قال: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
[فإن قلت]: إذا كان في بعض الصور مقتولا لا محالة، فأي فائدة [في الخلاف] في بقاء عهده، أو نقضه؟ قلت: فائدته إذا قلنا ببقاء العهد تظهر في ماله؛ فيصرف لمن كان يصرف إليه

لو مات على الذمة، وإن قلنا بنقض العهد [فتظهر أن يبنى] على أن من انتقض عهده يرد إلى مأمنه، أم يغتال في الحال؟ فإن قلنا بالثاني كان ماله فيئا، وإن قلنا بالأول ظهر أن يلحق بمن مات من المعاهدين في دار الإسلام، وله مال [فيها]، وفيه قولان يأتيان.
[وقد حكى ابن كج في كون ماله فيئا إذا قيل بانتقاض عهده، وقتل – وجهين، من غير بناء على ما ذكرناه، والله أعلم.
وكذا يستوفي منهم الحد إن كان ما فعلوه يوجبه، وإن أوجب التعزيز عزروا.
وقد ذكرت حكم من ذكر الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يجوز من المسلمين [في باب الردة] فإنه أشبه به.
قال: وإن فعل ما منع منه مما لا ضرر فيه كترك الغيار وإظهار الخمر وما أشبههما عزر؛ لإظهار ما منع منه إما بالشرط أو بإطلاق العقد.
قال: ولم ينتفض العهد؛ لأنه ليس في منافاة الأمان فلا إضرار [على المسلمين]، أو لأنهم يعتقدونه دينا ومذهبا.
ثم إذا أظهروا الخمور والخنازير فهل نتلفها؟ قال القاضي الحسين: إن لم يكن قد شرط عليهم ألا يظهروها [لم يكن له ذلك، وإن كان قد شرط عليهم ألا يظهروها فله] إتلافها بالإراقة والقتل.
واعلم أن ذكر الشيخ المثالين المذكورين؛ للتنبيه على انه لا فرق في ذلك بين ترك الغيار وشبهه من ركوب الخيل وغيره كما سنذكره، و [لا] بين إظهار الخمر وشبهه من إظهار صلبانهم، وفعل ما يسنح من صلاتهم، وأصوات نواقيسهم، والعلو على المسلمين في البناء، واتخاذ بيعة أو كنيسة في بلاد الإسلام.

وقد حكى الماوردي أن ترك إظهار الخمر وشبهه لا يجب بالعقد ويجب بالشرط، ولبس الغيار لا يجب بالعقد، وهل يجب الشرط؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه يجب، فإذا شرط عليهم وفعلوا خلاف الشرط؛ ففي انتفاء العهد به قولان، وإن قلنا: لا يجب بالشرط، فليس عليهم إلا التعزيز.
وهكذا الحكم إذا فعلوا أمرا حراما، وقلنا: لا ينتقض به العهد، كما ذكره القاضي الحسين.
وألحق الماوردي بالغيار أن يكون على أبوابهم أثر تتميز به دورهم، وإخفاء دفن موتاهم، وعدم إظهار النواح والندب على موتاهم، وعدم دخولهم مساجدنا، وعدم تملكهم رقيقا مسلما، عبدا كان أو أمة.
قال: وإن خيف منهم نقض العهد لم ينبذ [إليهم] عهدهم؛ لأنه عقد لازم من جهتنا لحقهم؛ بدليل وجوبه عند طلبهم؛ فلم يجز إبطاله عليهم بمجرد الخوف مع كونهم في قهر الإمام وقبضته، فإذا تعاطوا شيئا مما يخافه عاملهم بموجبه.
وحكى الإمام في أثناء الفصول السابقة: أن من أصحابنا من يجوز نبذ العهد إذا ظهرت تهمة تجر ضررا، والمشهور الأول.
نعم، للذمي نبذ العهد بلا سبب، وإذا نبذه بلغ مأمنه على الأصح، وفيه وجه: أنه يكون بعد نبذه كافرا لا أمان له، قال الإمام: [و] لا وجه له.
فرع: إذا شرط عليهم في العقد انتقاضه بفعل شيء لا ينتقض به عند عدم الشرط أو معه، فهل ينتقض؟ قال القاضي الحسين: لا؛ لأنه إنما يفعل ذلك تخويفا لهم ومبالغة في الزجر عنه.
وقال الإمام بعد حكايته عن الأئمة: وهذا كلام لا أستجيز الاكتفاء به، بل هو مبني على أصل، وهو أن عقد الذمة مؤقتا هل يجوز أم لا؟ فمن جوزه يجب أن يقول: إذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم فلا عهد [لكم] أو انتقض

العهد بالإظهار، ومن قال: الذمة المؤقتة فاسدة، فقضيته أن يحكم بفساد هذا العقد من ابتدائه، ولا يجوز للإمام عقد مثله.
وفي كلام الصيدلاني والأصحاب ما يشير إلى أن الذمة باقية والشرط فاسد، ثم قال: وهو فقيه؛ لأن الذمة لم تربط بوقت زماني، وإنما أرسلت إرسالا [لا] يتصور أن تتأيد الذمة لو فرض عدم ما شرط انتفاؤه فيئول [الفساد] إلى الشرط، بخلاف التأقيت بالزمان.
قال: ومن فعل ما يوجب نق العهد، أي: من غير قتال – رد إلى مأمنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه في أحد القولين، أي: بعد استيفاء ما وجب عليه بسبب ما فعله كما ذكرنا؛ لأنه حصل في دار الإسلام بأمان فلم يجز قتله قبل الرد إلى مأمنه؛ كما لو دخل بأمان صبي، وهذا ما نص عليه في كتاب الجزية؛ فعلى هذا قال الماوردي: [و] لا يجوز أن يأووا في دار الإسلام، وبعد بلوغ مأمنهم يكونون حربا.
وقال القاضي أبو الطيب في باب تبديل أهل الذمة: إن له الإقامة بعد ذلك؛ ليقضي حوائجه ويجمع ما له مدة الهدنة أربعة أشهر.
وعلى كل حال، يظهر أن يلزمهم ضمان ما يتلفونه قبل انتهائهم إلى مأمنهم، كما حكيناه عن الإمام في باب قتال أهل البغي.
قال: وقتل في الحال في القول الآخر؛ لأثر أبي عبيدة بن الجراح، وبحالف من أمنه صبي؛ فإنه يعتقد أن له أمانا، وهنا هو مفرط بنقض العهد، وهذا ما نص عيه في كتاب النكاح من "الأم"، وهو الصحيح في "المهذب" وغيره، فعلى هذا قال الماوردي وغيره: يتخير الإمام [فيه] بين الاسترقاق والمن والفداء؛ كما في الأسير.
نعم، لو أسلم قبل الاسترقاق، قال البندنيجي وغيره: سقط القتل والاسترقاق، وقال الماوردي: سقطت؛ فلا يجوز القتل والاسترقاق والمفاداة، بخلاف الأسير؛ [لأن له أمامنا متقدما لم يكن للأسير فصار حكمه به أخف من الأسير، وهذا ما حكاه الروياني عن الشيخ أبي حامد، وادعى أن سائر الأصحاب وافقوه.

ولو لم يسلم، لكنه بذل الجزية فهل يعصم بها دمه؟ يظهر أن يقال: إنه يترتب على الأسير] إذا بذلها وقد ذكرنا فيه خلافا في باب قتال المشركين، فإنا قلنا في الأسير: إنه يعصم بها دمه، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ ولهذا الترتيب نظير سأذكره في [باب] عقد الهدنة، إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وابن الصباغ: الجزم بعصمة دمه؛ لأنهما قالا فيما إذا امتنع الكل من بذل ما التزموه زائدا على الدينار من ضيافة: إنهم يقاتلون، فإذا قاتلوا فقد نقضوا العهد، فإن طلبوا بعد ذلك عقد الذمة وبذلوا قدر الدينار وجب قبوله والكف عنهم.
ولا يقال: لعل هذا تفريغ على عدم اغتيالهم؛ لأنهم إذا قاتلوا لم يجز قول تبليغ المأمن كما صرح به الأصحاب – ومنهم الماوردي والإمام – وهم فقد قاتلوا.
قلت: يمكن حمل ذلك على ما إذا خرجوا عن قبضة الإمام بالقتال وامتازوا عن الأسير، وما ذكرناه مفروض فيما إذا كانوا في قهره وقبضته، على أن ما ذكر من كونهم إذا قاتلوا لا يبلغون المأمن [قد ذكرت في باب قتال أهل البغي عند استغاثتهم بأهل الذمة ما] ينازع في ذلك، فليطلب منه، والله أعلم.

تنبيه: المأمن – بفتح الميم الثانية: موضع الأمن.
قال البندنيجي في باب تبديل أهل الذمة: وكل موضع قلنا: يرد فيه إلى مأمنه، فالمراد [به] أقرب بلاد الحرب من دار الإسلام.
وعلى ذلك جرى ابن كج وقال: إنه لا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك إلى أن يكون بين [أول بلاد] الكفر وبلده الذي يسكنه بلد للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه، وعن "البحر": أنه لو كان له مأمنان فعلى الإمام إلحاقه بالذي يسكنه منهما، ولو كان يسكن بلدين فالاختيار إلى الإمام.
فرع: إذا انتقض عهد أهل الذمة فهل ينتقض عهد ذراريهم ونسائهم؟ فيه وجهان في "الحاوي"، أصحهما – وبه جزم ابن الصباغ والبندنيجي في النسوان، واختاره في "المرشد" -: أنه لا ينتقض؛ لأنه قد ثبت لهم الأمان ولم يوجد [منهم] خيانة، وحكى البندنيجي الخلاف في الأولاد [و] الصغار قولين في باب تبديل أهل الذمة، وخص محلهما بما إذا لم يكن لهم أم، أو كانت [وليست] من أهل الجزية، أما إذا كانت من أهل الجزية أقروا معها في دار الإسلام، وكذلك حكى هذا التفصيل والخلاف الإمام عن العراقيين في كتاب السير، واستحسن الفرق بين الحالين، وقال: إن الأوجه من القولين على قياس المراوزة التقرير، وجزم في هذا الكتاب بأن نقض العهد إن كان بالقتال ونبذ العهد فلا خلاف في الاغتيال والاستئصال في النفس والذرية والمال.
[ثم] إذا قلنا بعدم انتقاض العهد فيهم فلا يجوز سبيهم، ويجوز تقريرهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع إلى دار الحرب، قال الماوردي: أعدنا النساء دون الصبيان؛ لأنه لا حكم لاختيار من لم يبلغ، فإن طلبهم أهلهم، قال الماوردي: إن كان الطالب هو المستحق لحضانتهم ردوا إليه، وإلا منعوا منه.

وقال البندنيجي فيما إذا انتقض عهد العاقد بسبب كونه توثن بعد تهوده أو تنصره: فإنا نرده إلى مأمنه وأولاده إذا لم نحكم بانتقاض العهد فيهم على التفصيل الذي ذكرناه، حكمهم حكم زوجته ورقيقه ومدبره وأمهات أولاده ومكاتبه، فإن [اختاروا أن يخرجوا معه فذلك إليهم، وإن] اختاروا المقام في دار الإسلام لم يجبروا على الخروج، ويقال له: وكل في بيع الرقيق.
فرع: عكس هذا: وهو إذا عقد البالغ العاقل [لنفسه] الذمة، فهل يتبعه أحد ممن ليس له أهلية الاستقلال بالعقد.
قال الأصحاب: لا شك أنه يتبعه مماليكه وأمواله مع الشرط وبدونه، ولا يتبعه الأجانب بدون الشرط ومع الشرط، فإطلاق بعضهم يقتضي التبعية حيث قالوا: لو كان في قلعة رجل واحد ونساء فبذل الجزية جاز، وصار النساء تبعا له في العصمة، ونزل الإمام ومن تبعه هذا على ما إذا كن من أقاربه كما سنذكره، وقالوا: لا يتبع الأجانب بحال وتتبعه كل امرأة بينهما وبينه قرابة وإن لم تكن محرما له، ولا على عمود نسبه بالشرط، ولا يتبعه بدون الشرط، وكذا حكم الصبية والمجانين من أقاربه، وفي تبعية أولاده الأطفال من غير شرط وجهان، وجه التبعية – وهو الأظهر، وبه جزم في "الوجيز" -: قرينة الحال؛ فإن الرجل لا يتوطن بلده إلا مع صغار أولاده [في الغالب]؛ فصار كالتصريح بالشرط، وفي تبعية الزوجات طريقان: أحدهما – وهو الأظهر -: أنهن كالصبيان.
والثاني: كالقرابات.
وفي اندراج الأصهار والأحماء مع الشرط خلاف [مشهور] والله سبحانه أعلم.

باب عقد الهدنة

الهدنة: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة، بعوض [أو غيره]، سواء فيهم من يقر على دينه ومن لا يقر، كما قاله الماوردي في كتاب السرقة.
وهي مشتقة من "الهدون" وهو السكون؛ فإنه إذا صالحهم سكنت ثائرة الفتنة وهدأت، وهذا العقد يسمى: مهادنة، [ومعاهدة]، ومسالمة، وموادعة.
قال الشافعي - رضي الله عنه -: "ولم أعلم مخالفا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ? لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية"، وأراد: هادن.
والأصل فيه [قبل] الإجماع قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 1، 2] أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61]، وكذلك فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل المدينة من يهود، وهم نفر من بني قريظة وبني النضير وبني المصطلق حين وافي ضعفا في [أول] الإسلام، وهو أول عهوده، وهادن قريشا [عام الحديبية] على وضع القتال عشر سنين حين لم يقو الإسلام بعد، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة كما تقدم، والعاقد له سهيل ابن عمرو، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7]، وكان هذا الصلح عظيم البركة، أسلم بعده أكثر ممن أسلم

قبله، والمعنى فيه: أنه يرجو إسلامهم؛ فجوز لذلك.
قال: لا يجوز عقد الهدنة، أي: لأهل إقليم أو صقع عظيم أو خلق كثير إلا للإمام أو لمن فوض إليه الإمام، أي: عقدها؛ لأنه باطلاعه على جميع الأمور أعرف بمصالح ذلك من آحاد الناس، وعلى التدبير والسياسة أقدر، وبحراسة الملك أخبر؛ فاختص به، ولو فوض إلى آحاد الناس أفضى إلى تعطيل الجهاد، أما عقد الهدنة لآحاد الكفار والنفر اليسير فقد تقدم الكلام فيه في قتال المشركين، فلو عقدها على العموم آحاد المسلمين لم يغتالوا، بل يردون إلى المأمن، وولاة الثغور المفوض إليهم الجهاد وحده لا يجوز إليهم عقد الهدنة إلا قدر الاستراحة وهي أربعة أشهر، ولا يجوز أن يكون سنة؛ لأن عليه أن يجاهد في كل سنة، وفيما بينهما قولان حكاهما الماوردي، وأطلق الرافعي والفوراني وغيرهما أنه يجوز لولي الإقليم المهادنة مع أهل قرية أو بلدة على ذلك الإقليم للحاجة، وكأنه مأذون بتفويض مصلحة الإقليم إليه، قال الفوراني: ولا يجوز أن يعقدها مع إقليم كالهند.
قال: وإذا رأى في عقدها مصلحة، أي: مثل أن يرجو إسلامهم، أو بذل الجزية، أو معاونة المسلمين على قتال غيرهم، أو ضعف المسمين وقوتهم – جاز أن يعقد؛ لما ذكرنا.
قال: ثم ينظر: فإن كان مستظهرا فله أن يعقد أربعة أشهر؛ للآية.
قال الشافعي: وكان ذلك في أقوى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [حين منصرفه من تبوك، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة يوم الفتح [فر] صفوان بن أمية إلى الساحل على أن يلقي نفسه في البحر، فأخذ له بعض أهله الأمان، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: بلغني أنك وأمنتني فاجعله شهرين، فقال: "وأربعة"، وكان – عليه السلام – يرجو [الإسلام منه]، وأسلم قبل مضي المدة، وحسن إسلامه.
قال: ولا يجوز سنة؛ لأن الله تعالى قد كان منع منه بعد فرض الجهاد بقوله

تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]، وجعل غاية أمرهم الإسلام بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: 11] ثم إنه أمر بقتلهم حتى يعطلوا الجزية إن لم يسلموا بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: 29].
ثم إن الله أذن في الأشهر الأربعة بغير جزية بقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ﴾ [التوبة: 2] بعد قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: 1]، ثم استثنى بعده بآيات فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 4]، فاتبع إذنه، وبقينا فيما [زاد على ذلك] على موجب القتال.
وحكى الفوراني قولا أنه يجوز سنة فما فوقها إلى ما دون السنتين، ووجهه بأن الكافر قد يكون له أشغال لا تحصل إلا في فصول السنة الأربعة، وما لم تكن المدة سنتين، ولم تدخل في حد التكرار فإنها تكون قصير، قال الإمام: وهو غلط، ولم أره لأحد من الأصحاب.
قال: وفيما بينهما قولان: وجه المنع – وهو الذي نص عليه هاهنا وفي الجزية من [كتاب] "الأم"، واختاره الغزالي والرافعي والنواوي وصاحب "المرشد" -: ما تقدم.
ووجه الجواز: أنها مدة قاصرة عن مدة الجزية؛ فجاز أن يؤمن فيها بغير عوض، أصله: الأشهر الأربعة، وهذا ما نص عليه في "سير" الواقدي، وحكى صاحب "البحر" عن أبي إسحاق القطع به.
وفي "الرافعي": أن بانين بنوا القولين على أنه إذا مات في أثناء السنة هل يجب قسط ما مضى أم لا؟ فإنا قلنا: يجب، لم يجز، وإلا جاز، والصحيح عدم البناء.
وهذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود معهم، أما أموالهم فيجوز أن يعقد لها مؤبدا، وهل يجوز كذلك في الذرية؟ فيه وجهان، قاله الماوردي في السير.
قال: وإن لم يكن مستظهرا، أو كان [مستظهرا] ولكن يلزمه في غزوهم مشقة لبعدهم – جاز أن يهادنهم عشر سنين، أي: عند الحاجة؛ لما تقدم من

مهادنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش عشر سنين، وقد كان بالإسلام ضعف، أما إذا لم تدع الحاجة إلى الغزو لم يجز أن يهادنهم العشر، بل ما تدعو الحاجة إليه، صرح به الماوردي وغيره، ولو دعت الحاجة إلى أكثر من العشر لم يزد على العشر، قال القاضي الحسين: بلا خلاف.
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنه يجوز بحسب الحاجة.
قال الإمام: وهو مزيف لا تعويل عليه ولا اعتداد به.
نعم، يجوز في هذه الحالة أن يعقد على عشر سنين، ثم على عشر [سنين] قبل مضي الأولى، جزم به الفوراني وغيره وحكاه القاضي الحسين عن ابن المرزبان،.
وما ذكره [الشيخ هو المشهور من الطرق، وعن] الشيخ أبي حامد: أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل العهد قبل تمام العشر، وأن الأصحاب اختلفوا في ذلك الإبطال هل هو نسخ للزائد على الأشهر الأربعة، أو لفعل أمر اقتضى [رفع العهد؟] والأصح: الثاني؛ فإنه أقام [على الهدنة] سنتين، [وأبطله لما أعان] قريش بني بكر وهم خلفاؤها، على خزاعة وهم حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.
[ثم] قال: فإنا قلنا بالأول لم تجز الزيادة على أربعة أشهر لا لحاجة و [لا] ضرورة، وإن قلنا بالثاني.
[فإن دعت الحاجة] فيجوز إلى سنة، أو يجب أن تقصر المدة عن السنة؟ فيه وجهان.
وإن دعت الضرورة جاز أن تبلغ المدة سنة، ويجب الاقتصار عليها، أم تجوز الزيادة إلى عشر؟ فيه قولان.
فرع: إذا عقدت المدة على أكثر من المدة المشروعة بطل القدر الزائد،

وفي بطلانه في المدة المشروعة طريقان حكاهما الفوراني والبغوي وغيرهما: أحدهما: طرد قولي تفريق الصفقة فيه، ولم يورد البندنيجي وابن الصباغ وكذا الماوردي في هذا الباب سواه، وكذلك الغزالي، وقال الرافعي: إنه الأظهر.
والثاني: القطع بالصحة، وعليه – كما قال القاضي الحسين – الأكثرون، وهو الذي رجحه في كتاب السير وضعف الأول، والفرق: أن البيوع تنزه عن الخطر والغرر، ويحتاج فيها عند فساد البيع إلى توزيع [الثمن]، وذلك يجر غررا وجهالة، والعقد مع المشركين لا يبطل بالغرر.
وأيضا: فإنه لو دهانهم إلى غير مدة على أنه متى بدا له نقض العهد نقضه جاز، ولو باغ بما شاء لم يجز.
تنبيه: [في قول الشيخ]: وإن رأى في عقدها مصلحة [جاز أن يعقد، ما يفهم أمرين: أحدهما: أنه إذا لم يكن في عقدها مصلحة]، بأن كان في المسلمين قوة وبهم ضعف، وإذا هادنهم قويت شوكتهم – أنه لا يجوز، وقد صرح به الماوردي والبندنيجي وغيرهما.
الثاني: أن العقد لا يجب وإن طلبوه في حالة المصلحة، وهو الصحيح عند أئمة المذهب، لكن على الإمام أن يجتهد ويحافظ على الأصلح من الإجابة والترك.
قال الإمام: وما يتعلق باجتهاد الإمام لا يعد من الواجب، وإن كان يتعين عليه رعاية الأصلح كالخصال المشروعة في حق الأسير، وفيه وجه حكاه الرافعي: أنهم إذا طلبوا وجب إجابتهم إذا لم يكن فيها مضرة كما في عقد الذمة، ونسبه الإمام إلى رواية بعض المصنفين، وقد رأيته في "الإنابة"، لكن بشرط أن يرى الإمام العقد مصلحة بأن رجا إسلام الداخل عند سماع كلام الله تعالى.
وبين العبارتين فرق، على أن في عقد الذمة وجها حكاه الفوراني والطبري أيضا: أنه لا يجب عند الطلب والمصلحة، وقد قامت حكايته في قتال المشركين، والوجهان ضعيفان.

قال وإن هادن، أي: من غير تعيين مدة، على أن [له] الخيار في الفسخ متى شاء – جاز؛ لأن النبي وادع يهود خيبر، وقال: "أقركم [على] ما أقركم الله"، ولو عقد الإمام العهد على النعت الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قال: ما شاء الله – لم يصح؛ لأنه – عليه السلام – يعلم ما عند الله بالوحي وغيره بخلاف غيره، ولو قال: هادنتكم ما شاء فلان، وهو مسلم عدل ذو رأي – جاز، فإذا نقضها انتقضت، كذا قاله الرافعي.
واشترط في "الحاوي" في المفوض إليه: أن يكو أهلا للاجتهاد في أحكام الدين، فلو فقد [ذلك] لم يصح التفويض، وقال: إن له الاستدامة، وأما النقض فينظر [فيه]: فإن كان المفوض إليه من ولاة الجهاد لم يحتج في النقض إلى إذن الإمام، وإلا فلا ينفذ إلا بإذن الإمام، وحينئذ فإن وافق رأيه رأي الإمام فعل، وإن اختلفا فإن رأي الإمام البقاء اتبع، وإن كان رأيه النقض: فإن كان لعذر غلب نظر الإمام، وإن كان لغير عذر غلب نظر المفوض إليه.
فرع: لو أطلق عقد الهدنة كان العقد فاسدا؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، جزم به القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وغيرها، وفي "الإبانة" الجزم بأنه يصح عند الضعف وينزل على عشر سنين، وحكى الإمام ذلك عن صاحب "التقريب"، وأن في بعض التصانيف في إطلاق العقد في حال القوة قولين: أحدهما: يحمل على أربعة أشهر؛ تنزيلا على الأقل.
والثاني: على سنة؛ تنزيلا على الأكثر.
[والحالان مذكوران] في "التهذيب" على هذا النحو، واعترض الإمام فقال: القول بتصحيح الهدنة عند القوة سنة غلط، وإن صح فالعقد لا يختص بأربعة أشهر ولا بالسنة؛ [فإنه قد يعقد] [على عشرة أشهر]؛ معنى لتنزيلها على أربعة أو على سنة، وكذلك القول [في تصحيح] العقد على عشر سنين، فالوجه: القطع بالفساد.

واعلم أنه كما يجوز عقد الهدنة بغير شيء يؤخذ منهم، [يجوز بشيء يؤخذ منهم]، بل هو المتعين عند القدرة عليه كما قاله الماوردي، ولا يجوز أن يعقد على مال يؤديه لهم إلا لضرورة بأن يحيط الكفار بالمسلمين ويخافوا اصطلامهم، سواء كانوا في حصن أو في بلد أو في الصف؛ كما يجوز أن يفدى الأسير الذي في أيديهم إذا خلف [على نفسه]، أو كانوا يستذلونه بعذاب أو امتهان، لكن هل يجب البذل في هذه الحالة؟ فيه وجهان مبنيان على الخلاف في وجوب دفع الصائل، قاله أبو الطيب وابن الصباغ، وقال الرافعي في آخر كتاب السير: إن فداء الأسير محبوب، ولم يحك ثم سواه.
ثم المال الذي يأخذونه ما حكمه؟ أطلق البندنيجي والماوردي وأبو الطيب والمصنف أنه كالأموال التي يغنمونها منا.
وحكى القاضي الحسين: أنه إذا فادى أسيرا على مال، ثم أسلم ذلك المشرك الذي أخذ الفداء، أو أظهر المسلمون على الدار، ووجدوا ذلك الفداء بعينه – فهل يرد على من فادى أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي – أيضا – في آخر السير: وجه المنع: أنه أعطى متطوعا به فملكوه؛ كما في ثمن المبيع.
وعلى مقابله: لو وجد المال مع مستأمن، قال الماوردي: نظر، فإن كان سبب تملكه باقيا لم يسترجع منه، وأعيد إلى مستحقه، ولم يتعرض عليه في غيره من أمواله؛ لأمانة، ولو أطلقوا الأسير على أن يحمل إليهم شيئا لا يجب عليه الوفاء.
نعم، قال الشافعي – رضي الله عنه -: يستحب له الوفاء به؛ كي لا يرغبوا عن إطلاق الأسارى، كذا حكاه أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي والقاضي الحسين والبغوي، والإمام قال: إنه رآه في "تعليقه" عن الإمام، [ثم قال]: وحكى الشافعي – رضي الله عنه – عن بعض السلف أنه يجب عليه أحد

الأمرين: إما العود إلى الأسر، وإما بذل المال، وقيل: هذا قول الشافعي – رضي الله عنه – في القديم، وهو بعيد لا أصل له، ولم أره في [غير] "تعليقه"، ولست أعده من المذهب.
وحكى الرافعي قبيل كتاب عقد الذمة: أن الأسير لو قال للكافر: أطلقني على كذا، ففعل، أو قال له الكافر: افد نفسك بكذا، ففعل – لزمه ما التزم، وأنه لو قال مسلم لكافر: أطلق أسيرك ولك علي ألف، فأطلق – يجب عليه الألف؛ كما لو قال: أعتق أم ولدك على كذا ففعل، وأنه لو فدى الأسير بمال من [غير] سؤال لا يرجع عليه، ولو كان بسؤال الأسير بشرط الرجوع فأجابه رجع، وكذا لو لم يشترط الرجوع على أصح الوجهين في "التهذيب".
قال: وعلى الإمام أن يدفع عنهم الأذية من جهة المسلمين، ولا يلزمه دفع الأذية عنهم من جهة أهل الحرب؛ لأن الهدنة عقدت معهم على الكف عنهم، لا على الحفظ لهم، وبهذا خالفوا أهل الذمة، وعبر الأصحاب عنه بأن عقد الذمة حق لهم على المسلمين؛ ولذلك يجب عند الطلب، وعقد الهدنة ليس بحق لهم بدليل عدم وجوبه عند الطلب، وإنما يفعله الإمام إذا كان فيه مصلحة للمسلمين؛ فكان لهم.
وفي تخصيص الشيخ عدم وجوب الدفع بأهل الحرب ما يفهم أن دفع أهل الذمة عنهم واجب كالمسلمين؛ لالتزامهم الأحكام، ودخولهم تحت قهر الإمام، وقد صرح به الأصحاب.
وأهل الهدنة [مع أهل الهدنة] كأهل الحرب معهم.
نعم، يقال لهم: إن تناصفتم وإلا نبذنا إليكم عهدكم، ثم صرتم بعد بلوغ مأمنكم حربا؛ لما توجبه دار الإسلام من التناصف، كذا قاله الماوردي في كتاب السرقة.

ولو قصد أهل الحرب المعاهدين، وأخذوا أموالهم، فقصدهم الإمام، وظفر بهم، [واسترجع] أموال [أهل] العهد – ردها عليهم؛ كذا أخذه الأصحاب من قول الشافعي – رضي الله عنه – في كتاب الجزية، [كما قاله] القاضي أبو الطيب؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يشتروا من أهل الحرب ذلك المال، فإن اشتروه وجب رده على أهل الهدنة، وأراد الأصحاب [بما ذكروه] من هذا الحكم التنبيه على أنا وإن لم نمنعهم من أهل الحرب لا نجلهم بالنسبة إليهم أهل حرب؛ [فإنه لو كان كذلك لم يجب رد المأخوذ إليهم، بل يكون غنيمة؛ فإن بعض أهل الحرب] إذا قهر بعضا على مال ملكه، كما صرح به الرافعي في كتاب السير عند الكلام فيما إذا كان [على] المسبي دين، وهو قضية ما حكيناه من ملكه نفس المقهور في آخر باب قتال المشركين، لكن لك أن تقول: قد حكى القاضي أبو الطيب – أيضا – أن الأمة منهم إذا جاءت إلينا مسلمة صارت حرة؛ لأنها غلبت مولاها على نفسها [فملكت] نفسها بالقهر والغلبة، [وعتقت]؛ كما يملك العبد الحربي سيده بالقهر والغلبة.
وهذا يدل على أنهم كأهل الحرب بالنسبة إلى بعضهم مع بعض؛ فأولى أن يكونوا كذلك بالنسبة إلى أهل الحرب، والله أعلم.
قال: وإن جاء منهم مسلم لم يجب رده إليهم، أي: وإن شرط في العقد؛ لأنه لا يجوز إجبار المسلم على انتقاله من بلد إلى بلد في دار الإسلام، فلألا لا يجبر على الرجوع إلى دار الحرب أولى.
نعم، في حال الشرط ينظر: إن شرط رد المستضعفين [فيهم، وهم الذين لو أسلموا في دار الحرب لوجبت

عليهم الهجرة، كما قيده البندنيجي، أو المستضعفين] وغيرهم، أو أطلق الرد، فالشرط فاسد كما حكاه البندنيجي، وهل يفسد العقد؟ الذي أورده أبو الطيب والقاضي الحسين والبندنيجي وابن الصباغ والغزالي: أن عقد الهدنة يفسد [بالشروط الفاسدة]، وهذا منها، وجزم الماوردي بعدم بطلان الهدنة بها؛ لأنها ليست كالبيوع التي تفسد بالشروط الفاسدة، كما تجر جهالة في الثمن، وليست بأوكد من عقود المناكحات، وحكى الإمام الأمرين، فقال: في الفساد تردد للأصحاب كالتردد في أن الوقف هل يفسد [بالشرائط الفاسدة؟].
وفرع الماوردي على ما حكاه فقال: [و] لا يجب على الإمام أن يعلمهم ببطلان الشرط قبل مطالبتهم به، فإن طالبوه به أعلمهم بإبطاله في الشرع، فإن دعوه إلى نقض العهد نقضه، إلا أن يخاف منهم الاصطلام.
وحكى المزاورة في وجوب رد الذي لا عشيرة له، و [يغلب] على الظن أنه يذل ويهان – طريقين: أظهرهما: طرد الوجهين اللذين سنذكرهما في العبد.
وثانيهما: القطع بالرد؛ لأن الجزية في الجملة مظنة القوة والاقتدار، وعلى هذا فيكون شرط الرد صحيحا.
قال الإمام: ولا يبعد عندي على هذا أن يشترط الإمام عليهم ألا يهينوا المسلم المردود عليهم، فإن أهانوه كانوا ناقضين للعهد، وإن شرط رد من جاء منهم [مسلما] ممن له عشيرة وتحميه وتمنعه كان الشرط جائزا، كما صرح به أبو الطيب والماوردي وكذا البندنيجي، وقال: إن ضابطه كان من لو أسلم في دار الحرب لم يجب عليه الهجرة جاز شرط رده في عقد الهدنة، لكنه لا يجب الرد أيضا، بل الواجب التخلية بينه وبينهم، والإذن له في الانصراف، كما صرح به الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا الرافعي عن

الأصحاب، ولم يحك سواه؛ لأن الواجب في حق أهل الهدنة الكف عنهم، لا معونتهم في حقوقهم.
قال الرافعي: ولا يبعد تسمية التخلية ردا كما في رد الوديعة، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما صالح قريشا قال: "من جاء منكم مسلما رددناه، ومن جاء [منا] فسحقا سحقا، فجاءه أبو بصير مسلما، فجاء رجلان يطلبانه، فمكنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، كما نقله القاضي الحسين والماوردي.
قال القاضي: فخرجا به، وكان مع أحدهما سيف، فقال أبو بصير: أرى سيفك ضاربا؟ فقال: نعم، وقد جربته فوجدته صارما، فقال: أعطني، فأعطاه، فجعله كالأمس الذاهب، وفر الآخر، وجاء [إلى] النبي صلى الله عليه وسلم فلما أيصره قال: "جاء به أمر مفظع"، فقال: إنه قتل صاحبي وكنت في يده كالمقتول.
ثم جاء أبو بصير؛ فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت وفيت بالشروط، وقد خلصني الله منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "مسعر حرب لو وجد أعوانا، يعرض له بأن يرتصد لقطع الطريق عليهم"، فعرف ذلك التعريض، فالتحق به ثلاثمائة نفر، وكان يقطع الطريق على المشركين حتى استغاثوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمنعهم عن ذلك.
قال ابن الصباغ: قال الشافعي - رضي الله عنه -: ويستحب للإمام أن يقول له سرا: لا ترجع إليهم.
وزاد [غيره]: وإن رجعت فالأفضل لك الهروب.
وقال الفوراني: إنه يعرض له بذلك ولا يصرح.
وحكى القاضي الحسين أن ابن سريج خص محل جواز شرط الرد بأن

يشترط الرد [من [بلد] أو بلدين أو بلاد معلومة يرد منها بعد أن يبقى بلد، فلو شرط الرد] من جميع بلاد المسلمين، قال الشافعي – رضي الله عنه -: فالصلح باطل؛ لأن فيه منعا من الإسلام.
ولا نزاع أنه لو شرط أن يبعث إليهم من جاء منهم في فساد الصلح، كما حكاه القاضي الحسين والروياني عن نص الشافعي – رضي الله عنه – لأنه إذا شرط البعث فكأنه منعهم من الإسلام والهجرة إلى دار الإسلام، [ولا يجوز ذلك، بخلاف ما إذا شرط ألا يمنعهم منهم؛ فإنه ليس فيه منع الإسلام]؛ لأنه يقدر أن يغيب عن بلد الإمام إلى بلد آخر، كما فعل أبو بصير.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا قال: يجب الوفاء بالشرط، وأن قضيته ألا يعتبر الطلب.
والظاهر أنه عنى الفوراني؛ فإنه مذكور كذلك في "الإنابة".
قال: وإن جاءت مسلمة لم يجز ردها إليهم، أي: عند إطلاق العقد؛ لأن النبي ? لما شرط لقريش ما شرط جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن [أبي] معيط مسلمة، وجاء أخواها عمارة والوليد في طلبها، وجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية [مسلمة]، فجاء زوجها وابن مسافر في طلبها، وجاءت سعدة زوجة صفي بن الراهب بمكة، فجاء في طلبها، وقالوا: يا محمد، قد شرطت لنا رد النساء، وطي الكتاب لم يجف؛ فاردد علينا نساءنا، فتوقف النبي صلى الله عليه وسلم عن ردهن؛ توقعا لأمر الله تعالى [فيهن] حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾ [الممتحنة: 10]؛ فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردهن ومن رد النساء كلهن، كذا حكاه الماوردي، فإذا لم يجز الرد وقد وجد الشرط، فلألا يجوز عند عدمه

[كان] أولى.
وهكذا الحكم فيما إذا جاءت كافرة ثم أسلمت عندنا، [كما] صرح به القاضي الحسين والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
والصبي إذا أظهر الإسلام وإن لم يحكم بإسلامه، كالمرأة، صرح به الماوردي وغيره، وألحق به البندنيجي والرافعي المجنون.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا شرط رد من جاء منهم، فجاء صبي، وجاء أبوه في طلبه – يرد عليه؛ لأن الصبي لا يصير مسلما بدخوله [في] دار الإسلام، هكذا سمعت منه في الدرس.
يعني من القفال، أما إذا شرط في الصلح رد النساء، فالشرط فاسد وإن كن ممن لهن عشيرة؛ لاستقرار الشريعة على منع ردهن.
والفرق بين الرجال والنساء فيما ذكرناه: أنهن ضعيفات العقول؛ فيخاف أن يفتن، ولا يؤمن أن يزوجهن أولياؤهن من الكفار فينالوهن، ولا يمكنهن في العادة الهرب والنجاة بأنفسهن، وعلى هذا فهل يفسد العقد؟ الحكم كما تقدم.
ثم ظاهر ما حكيناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط لهم رد النساء، وقد اختلف قول الشافعي – رضي الله عنه -[فيه]: فاحد القولين: أنه لم يجر شرط [لهن]، وإنما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم اللفظ أن يرد من جاءه؛ فتوهم الكفار تناوله النساء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بأنهن لا يدخلن، وأطلق ذلك ليخدعهم، ومثل ذلك جائز.
والثاني: أن الشرط شمل النساء، وعلى هذا ففي كيفية الشمول وجهان.
أحدهما: بالتصريح، حكاه الماوردي، وتبعه الروياني.
وأظهرهما: أنه بالإطلاق، والقائل به قال – كما حكاه القاضي الحسين -: لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عالما بأنهم لا يدخلن، ويطلق اللفظ الدال على دخولهن.
وعلى كلا الوجهين اختلفوا في أن شرط ردهن هل كان جائزا أم لا؟ على وجهين: أحدهما – وهو الذي أورده أبو الطيب وابن الصباغ -: نعم؛ لأنه كان

مباحا في ابتداء الإسلام: أن تقر المسلمة على نكاح كافر، ولذلك أقر النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على نكاح أبي العاص بن الربيع، وكان على كفر، إلى أن انتزعها منه حين هاجر، ثم ردها عليه حين أسلم؛ فلذلك شرط الرد، ثم حرم الله – تعالى – ذلك ونسخه.
قال القاضي الحسين: [و] هذا قول من يرى النسخ قبل العمل، فعلى هذا بم نسخ؟ فيه وجهان: أحدهما: بالآية المذكورة.
والثاني: بامتناعه صلى الله عليه وسلم من ردهن.
والوجهان مبنيان على قولين حكاهما القاضي الحسين هنا، والماوردي في كتاب حد الزنى، عن الشافعي – رضي الله عنه – ووراءهما وجهان، وهما أيضا للأصوليين في أن القرآن [هل] ينسخ بالسنة أم لا؟ فالأول: مختار ابن سريج؛ كما قاله [الرافعي والماوردي.
والثاني: مختار الشافعي والمزني – رضي الله عنهما – قاله] القاضي أبو الطيب وكذا [القاضي] الحسين، وادعى أنه الجديد، وعليه الأكثرون من أصحابنا؛ كما نقله الماوردي.
كذا لا يجوز عند الشافعي وأصحابه – رضي الله عنهم – نسخ الكتب

بالسنة، وإن كانت متواترة، حكاه الماوردي أيضا، وحكى [القاضي] أبو الطيب في باب حد الزنى قولا مخرجا عن ابن سريج: أنه يجوز أيضا.
والوجه الثاني: أن شرط ردهن لم يكن جائزا، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أنه – عليه الصلاة والسلام – سها في اجتهاده، فبين الله – تعالى – له الحكم، ولم يقره على خلافه، ومثل ذلك يجوز على الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.
قال القاضي الحسين: ودليله: قوله – تعالى - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء: 78] [إلى قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾]، وقع السهو لداود؛ فنبهه سليمان، عليهما السلام.
والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم علم أن ذلك [غير] جائز بالاختيار، لكن دعت ضرورة الوقت إليه؛ لأنه – عليه السلام – كان في ألف وأربعمائة من أصحابه، وكان المشركون نحو أربعة آلاف؛ فلذلك فعله، وقد يفعل في الاضطرار ما لا يجوز فعله في الاختيار، فلما زالت الضرورة منع [منه].
قال: فإن جاء زوجها، أي: أو من يقوم مقامه من وكيل أو وارث، يطلب ما دفع إليها من الصداق – ففيه قولان: أحدهما: يجب [رده]؛ لأنه لا يختلف مذهب الشافعي – رضي الله عنه – أنه كان يجب بذله على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَءاتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: 10] وإذا كان كذلك وجب على الأئمة بعده.
كذا قاله أبو الطيب والبندنيجي، ولأن الهدنة تقتضي الكف عن أموالهم، وبضع المرأة كمال له، وإذا لم يمكن رده عليه رد [عليه] بدله.
والثاني: لا يجب؛ لأن بضع المرأة ليس بمال حتى يدخل في الأمان، ألا

ترى أن الرجل إذا عقد له الأمان، دخلت فيه أمواله، ولا تدخل [فيه] زوجته؟! كذا قاله أبو الطيب وابن الصباغ، ولأنه لو وجب رد بدله [لكان] مهر المثل دون المسمى؛ لأن هذا لأجل الحيلولة.
ولما لم يجب مهر المثل، لم يجب المسمى، وهذا مختار الشافعي [و] المزني؛ كما قاله البندنيجي، وابن الصباغ وصححه، وكذلك أبو الطيب والماوردي.
وأبدى [الماوردي] لنفسه احتمالا على القول [الأول]: أنه ينبغي أن يجب أقل الأمرين مما دفعه، أو مهر المثل.
وقد بنى طائفة -[و] منهم الماوردي والبندنيجي والقاضي الحسين والفوراني – القولين على القولين – في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل كان قد شرط في صلح قريش رد النساء أم لا؟ فإن بالشرط، [إنه كان قد] شرط، لم يجب المهر بعده؛ لأن الرد وجب عليه بالشرط، ومن بعده من الأئمة [لا] يجوز له الشرط.
وإن قلنا: [إنه] لم يشرط؛ وجب رد المهر على من بعده من [الأئمة]؛ عملا بالآية.
والقولان [يجريان] عند العراقيين وصاحب "القريب" والمحققين في حالة إطلاق عقد الهدمة من غير شرط.
قال الإمام: وذهبت طائفة إلى الجزم بعد الوجوب في هذه الحالة، وخصوا محل القولين بما إذا شرط في العقد رد من [جاء] منهم مسلما؛ فإن النساء لا يدخلن فيه، ولا يفسد العقد به، وإن اعتقد الكفار دخولهن فيه.
ووجه الغرم ما سنذكره، قال الرافعي: [وقد] يرتب، فيقال: إن أوجبناه عند

الإطلاق فهاهنا أولى، وإلا فقولان.
والفرق: أن هذا الإطلاق يوهم الدخول؛ فيكون كالتغرير، والتغرير من أسباب الضمان.
وإن شرط رد النساء، فقد ذكرنا أن الشرط فاسد، وفي فساد العقد خلاف، فإن صححناه جرى القولان، ولا يجب شيء بالاتفاق في حالة اشتراط عدم رد من جاء منهم، أو من النساء خاصة.
وما ذكرناه من الخلاف في الغرم في صورة الكتاب يجري فيما إذا جاءت كافرة، ثم أسلمت عندنا.
وفي كلام الإمام إشارة إلى أنا إذا أوجبنا الغرم في صورة الكتاب، فهاهنا خلاف، والأصح: أنا نغرم – أيضا – ولا يفهم ما حكيته عنه من كلامه إلا من طالع أوله.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح بأن الذي يطلبه الزوج القدر المدفوع، وأنه الذي يدفع إليه على أحد القولين، ولو صح ذلك للزم منه أن تكون هي الغارمة؛ ثم حينئذ يجب أن يقال: إن كان الإسلام بعد الدخول فلا غرم عليها قولا واحدا، وإن كان قبله وجب قولا واحدا؛ كأهل الحرب.
وليس الأمر كما أفهمه صريح كلامه، واللازم عليه – بل المذكور في طرق الأصحاب – تصوير المسألة بما إذا طلب الزوج الزوجة، وأن الواجب بذل المدفوع إن كان متمولا عندنا، دون ما ليس بممول كالخمر ونحوه – فإنه [لا] يجب غرم شيء في مقابلته اتفاقا – وأن المدفوع يكون من سهم المصالح.
وطريق الجواب عن تصوير المسألة بما ذكره: أن فائدة الطلب الرجوع بالمدفوع؛ فلذلك عبر عن طلب الزوجة بطلبه؛ ولأن فيه تنبيها على أن دفع ما دفعه لا يكون إلا بعد طلبه له، وطلبه يستلزم أن يكون قد طلبها أولا؛ لأن دفع المدفوع فرع المنع لها منه، فكان هذا اللفظ أولى مما ذكره غيره؛ لأن ذلك يفهم أنه بمجرد طلبها والمنع منه، يدفع إليه بدل الذي دفعه، وليس كذلك.

وسيظهر لك عند الكلام فيما إذا كان زوجها عبدا.
والجواب عن الآخر: أنه رام في العبارة القرب مما ورد في الكتاب العزيز، [وهو قوله تعالى ﴿وَءاتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ وعدل عن عبارة الكتاب العزيز؛] [لأنها تدخل] بعمومها ما أنفق لغير الصداق من عرس وهدية وكرامة، وليس مرجوعا به عندنا اتفاقا؛ كما نقله أهل الطريقين وعزاه البندنيجي إلى نصه في "الأم"، و"من" [في] قوله: من الصداق: لبيان الجنس، لا للتبعيض، وفائدتها: الاحتراز عما ذكرناه.
على أنه حكى وجه عن رواية ابن كج: أن المرأة إن كان لها مال، أخذ منها؛ فعلى هذا يظهر أن يقال: إن كان ما دفعه في يدها يرد إليه، [وحينئذ] فيحتمل أن يكون [الشيخ] فرع عليه، لكن الصحيح المشهور: الأول.
واحترز بلفظ "الزوج" عما إذا جاء غيره من أقاربها؛ فإنه لا يدفع إليه شيء بالاتفاق؛ لأن المدفوع عوض [عن] الإحالة بينه وبين ما عتقد ملكه، ولا ملك للأقارب عليها نعم، لو جاءت كافرة، وجاء أحد من أقاربها [في طلبها]، ولم تسلم – سلمت إليه.
واحترز به – أيضا – عما إذا داء بعد بينونتها منه بالطلاق الثلاث أو بخلع أو بانقضاء العدة منه بعد الإسلام؛ لأن لفظ "الزوجية" لا يصدق عليه في هذه الأحوال بزعمه، وقد صرح بالجزم بعدم الاستحقاق عند الطلب بعد الطلاق الثلاث والخلع: الماوردي [والبندنيجي والقاضي الحسين، وبعدمه في الحالة الأخرى: الماوردي والرافعي]، وقال: إن شرط الاستحقاق على القول به أن يقع الطلب في العدة، وقضية ذلك: أن الإسلام إذا كان قبل الدخول ألا يستحق الزوج عند مجيئه وطلبه شيئا قولا وحدا، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب في "تعليقه" عند الكلام فيما إذا أسلمت [أمة] منهم وجاءتنا، كما سنذكر لفظه فيه، وحكاه ابن

الصباغ عنه ثم، وسنذكر من نص الشافعي – رضي الله عنه – ما يعضده.
والذي جزم به [الإمام] في أثناء الفروع جريان القولين فيها أيضا، وكذلك ابن الصباغ حكاه في صدر الفصل، وصحح هذه الطريقة، وحكي عن بعض الأصحاب طريقة أخرى قاطعة برد المهر؛ لأن المرأة إذا أسلمت تحت الكافر قبل الدخول سقط مهرها، ثم قال: وهذا سهو من هذا القائل؛ لأن كلامنا في رد الإمام المهر من سهم المصالح، فأما المرأة فلا يجب عليها ما غلبت الكفار عليه؛ كما لو كانت أمة فجاءت مسلمة حكمنا بحريتها.
وهذا الطريق الأخير هو الذي أورده القاضي أبو الطيب في صدر المسألة، وهو الذي يظهر صحته؛ لأنا قد ذكرنا الصداق ونكاح المشركات: أن المرأة إذا أسلمت قبل الدخول سقط [مهرها] على الصحيح من غير فرق بين أن يكون الزوجان حربيين أو ذميين أو أحدهما حربيا والآخر ذميا، وإذا كان الإسلام يسقط فمصيرها إلى دار الإسلام يمنع الإسقاط؛ لأنه إنما يرتد للزوج بعد الإسلام؛ لأن الإسلام ينفسخ [به] النكاح، وإذا انفسخ ارتد إذ ذاك، وهي في حالة الإسلام ممنوعة من أخذ أموال أهل الهدنة كغيرها؛ كما سنذكره؛ فوجب عليها الرد، وسنذكر من كلام الماوردي ما يؤيده، والله أعلم.
ثم قضية الطريق التي صححها ابن الصباغ: أن يجري فيما إذا تأخر الطلب بعد إسلامها إلى أن انقضت العدة؛ لأن النكاح يزول [بهما على حد] سواء؛ وحينئذ فيكون الفارق بينهما وبين ما إذا طلق ثلاثا أو خلعا: أن ذلك إذا صدر [منه دل على إعراضه عنها؛ فسقط حقه به، بخلاف ما إذا صدر الإسلام] قبل الدخول أو بعده، ولم يتفق الطلب حتى انقضت العدة؛ لأنه لم يصدر من جهته ما يدل على الإعراض، ولو حصل الطلب في العدة بسبب

إسلامها أو قبل الطلاق، ثم انقضت العدة على رأي من اعتبرها، أو حصل الطلاق البائن قبل الدفع – لم يسقط.
قال الماوردي: لأنه استحق بالطلب فلا يسقط بالطلاق وغيره، ولو طلقها [طلقة رجعية [فهي زوجة في كتاب الله تعالى.
وقضيته: أن يندرج في كلام الشيخ، فيعطى إذا طلب قبل انقضاء العدة.
وقد قال الشافعي – رضي الله عنه – كما حكاه القاضي الحسين: لا يعطيه حتى يراجعها [ثم يطلبها].
فمن أصحابنا من قال: معناه: راجعها قبل أن تسلم هي، فأما بعد ما أسلمت فلا معنى لرجعته إياها؛ لأنها مسلمة وهو مشرك.
وعبر الإمام عن هذا بأنه يستحق الغرم وإن لم يراجع؛ لأن الرجعة فاسدة فلا معنى لاشتراطها، وجعله قولا منسوبا إلى تخريج المحققين، وارتضاه أيضا.
وقال القاضي: الصحيح غير هذا فمتى راجع استحق، ومعنى الرجعة لبس يراد للصحة، ولكن يستدل بها على مقامه على إمساكها وطلبه إياها، ولولا منعنا عنه بإسلامها لكانت عنده متى راجعها فقد وجع المنع؛ [فيجب رد] العوض.
وهذا ما أورده الماوردي وأبو الطيب وابن الصباغ.
واحترز بلفظ "ما دفع لها" عن الرجوع بما لم يدفعه، وهو: إما كل الصداق أو بعضه، ولذلك حالتان: إحداهما: أن يكون باقيا في ذمته، ولا خلاف أنه لا يرجع في هذه الحالة بشيء.
والثانية: أن تكون [قد] أبرأته منه، أو وهبته منه بعد قبضه، فالحكم في الرجوع إذا فرعنا على القول به في حالة القبض كالحكم فيما إذا طلق المسلمة بعد الإبراء أو الهبة.
وقد ذكرناه، صرح به القاضي الحسين والإمام وغيرهما.
لكن في قول الشيخ: [لها]، ما يشعر بتصوير المسألة بما إذا كانت حرة؛

فإن الدفع لها إنما يكون في حال حريتها، والأمة يكون الدفع لسيدها، وقد قال الأصحاب: إنه لا فرق فيما ذكرناه بالنسبة إلى المدفوع بين الحرة والأمة، ولا بين أن يكون زوجها حرا أو عبدا.
نعم، يختلف الحكم في أمرين: أحدهما: أن محل الاتفاق على الغرم على القول به إذا جاء السيد والزوج في طلبها، أما إذا جاء أحدهما فقد حكى الإمام ومن تبعه ثلاثة أوجه: أحدهما: لا نغرم له شيئا؛ لأن حق الرد مشترك بينهما؛ فلم يتم الطلب، ولم يورد الفوراني سواه.
وأصحها: [أنا نغرم] [في] حق الطالب.
والثالث – واختاره صاحب "التقريب" أنا [نغرم للسيد] إن انفرد بالطلب، ولا نغرم للزوج إن انفراد، والفرق: أن حق اليد في الأزمة المزوجة للسيد؛ ألا ترى أن له أن يسافر بها؟! وإذا لم ينفرد الزوج باليد لم يؤثر طلبه على الانفراد.
الثاني: إذا كان الزوج عبدا فلها خيار الفسخ إذا عتقت كما سنذكره، فإن فسخت النكاح لم تغرم المهر؛ لأن الحيلولة حصلت بالفسخ، كذا جزم به الرافعي.
وقضية ما ذكرناه في إسلامها قبل الدخول أن يجري القولان هنا أيضا.
وإن لم تفسخ توقف الدفع على القول به على حضوره وطلبها، وحضور سيده وطلب المهر، فإن حضر أحدهما لم يدفع إليه.
قاله البندنيجي وابن الصباغ والماوردي والفوراني وغيرهم.
ولو لم تكن الأمة الحاضرة مسلمة مزوجة فقد قال البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والفوراني: أنها تصير حرة؛ لأنها غلبت سيدها على نفسها، فإذا جاء سيدها يطلبها لم ترد إليه، وهل ترد إليه قيمتها لا ما اشتراها به؟ فيه قولان، المذكور منهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب: المنع، وهو الذي صححه المصنف في "المهذب"؛ لأن الحيلولة ليست للإسلام فقط، وإنما وجبت الحيلولة؛ لأن ملكه قد زال عنها وصارت أجنبية منه لا حق له عليها في الحال؛

فهو بمنزلة ما لو أسلمت امرأة قبل الدخول بها ثم جاء زوجها يطلبها أو يطلب مهرها – لم يكن له؛ لأن الحيلولة [وقعت بالبينونة؛ لاختلاف الدين، وليست [الحيلولة]] لأجل الإسلام فقط، قال ابن الصباغ: والصحيح مقابله، وهو المختار في "المرشد".
والذي حكاه الماوردي: أنها إن قهرت مولاها على نفسها قبل الإسلام [أو بعده وقبل الهدنة فالأمر كذلك، وإن كان ذلك بعد الإسلام] والهدنة فلا تعتق؛ لحظر أموالهم بعدها فلا يملكها مسلم بالغلبة، وتكون [على] ملك سيدها، لكن [تمنع منه و] يقال: إن أعتقها كان الولاء لك، فإن امتنع كان الإمام مخيرا بين أن يبيعها لمسلم أو يدفع للسيد قيمتها من بيت المال، ويعتقها على كافة المسلمين، وولاؤها لهم.
قلت: والذي يقتضيه القياس عند امتناعه من العتق أن يؤمر بنقلها عن ملكه ببيع أو هبة؛ كالأمة إذا أسلمت في يد كافر [لا أن] الإمام يتملكها [عليه] قهرا، وقد أشار إلى ذلك صاحب "البيان" من عند نفسه.
وفي "المهذب" حكاية التفصيل المذكور في العتق وعدمه، وقال: إنا إذا حكمنا برقها، فجاء مولاها يطلبها – لم ترد إليه، فإن طلب قيمتها دفعت إليه كما لو غضب منه مال وأتلف.
قال الرافعي: [ومن أطلق الحكم بالعتق له أن يقول به وإن أسلمت ثم فارقت؛ لأن الهدنة جرت معنا، ولم تجر معها]، [وتكون كمن جاءنا مسلما ورددناه أن له التعرض لهم].

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنهم بطلبه ناقضون للعهد معه؛ لأنهم يطلبونه بغير حق؛ فلذلك يسلط عليهم، وصار هكذا كما نقول في الأسير: إذا أمنه أهل الحرب على أنهم في أمان منه، فإنه لا يجوز له اغتيالهم ولا أخذ شيء من أموالهم، فإذا خرج إلى دار الإسلام فتبعه أحدهم ليرده، كان له اغتياله كما صرح به العراقيون والمراوزة في كتاب السير؛ لأنه بطلبه ناقص للإمان؛ لكونه بغير حق، ومما يؤيد ذلك: أن من جاء منهم ولم يطلبوه لم يجز [له أن يغتالهم]، وكان في معاملته لهم كغيره من المسلمين.
صرح به الإمام وادعي أنه لا خلاف فيه، وهاهنا لما [أن] أسلمت قبل الخروج، لم يزل ملك الكافر عنها؛ فلزمها بمقتضى ما قررناه حكم الإسلام، فإذا حضرت [إلينا]، فجاء سيدها يطلبها – لم يكن طلبه بغير حق؛ فانقطع الإلحاق، والله أعلم.
وحكم أم [الولد] إذا جاءتنا بالنسبة إلى العتق واستحقاق القيمة [حكم الأمة، قاله الماوردي، وقال: إن المكاتبة في العتق وعدمه كذلك، فإن حكمنا بعتقها] فالحكم كما في الأمة، وإلا فكتابها باقية، ولا [تباع عليه]، فإن أدت مال كتابتها عتقت بالكتابة، وكان الولاء له، وإن عجزت ورقت حوسب من قيمتها بما أخذه من مال كتابتها بعد إسلامها، دون ما أخذه قبل إسلامها، فإن بلغ قدر المحسوب عليه القيمة أو أكثر، فقد استوفى حقه، ولا يرجع عليه بالفاضل، وعتقت، وكان ولاؤها للمسلمين، هل ترد عليهم من بيت المال؟ فيه قولان: أحدهما: لا: إذا قيل: إن سيد الأمة لا يستحقه.
والثاني: يرد: إذا قيل: إن سيد الأمة يستحقه.

وحكم العبد إذا جاءنا مسلما حكم الأمة إذا جاءت مسلمة عند الفوراني والماوردي وغيرهما، من غير فصل بينهما، فمن فصل في الأمة فصل فيه، ومن أطلق القولين في الأمة أطلقهما [في العبد].
وحكى الإمام في وجوب رد العبد وجهين: أصحهما – وهو الذي يوج للمعظم -: المنع؛ كما في الحر الذي لا عشيرة له؛ [لأنه جاء مسلما مراغما لهم، والظاهر: أنهم يسترقونه ويستهينونه، ولا عشيرة له تحميه].
والثاني: يرد، والمنع في حق النساء لخوف الفاحشة، وعلى هذا فيكون المعنى بالرد: التمكين منه، كما تقدم في الحر.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورا أخر: أحدهما: أنه لا فرق بين أن تكون الزوجة حال الطلب حية أم لا، وقد قال الأصحاب: إنها لو كنت ميتة فلا تستحق قولا واحدا [إذ لا منع]، وكذا لو مات الزوج قبل الطلب لا يستحق ورثته شيئا لم ذكرناه.
نعم، لو ماتت أو مات بعد الطلب استحق، ويدفع في الصورة الثانية إلى ورثته، وحكم القتل قبل الطلب حكم الموت.
وحكى الإمام فيما إذا حصل بعده: أن الغرم يجب على القاتل؛ لأنه المانع بالقتل.
ثم رأى [الإمام] أن يفصل فيقال: إن قتلها على الاتصال بالطلب فالحكم ما ذكروه، وإن تأخر القتل فقد استقر الغرم عليها بالمنع؛ فلا أثر للقتل بعده.
قلت: وهذا الذي ذكره يشبه طريقة ذكرتها فيما إذا قتلت أم الولد

عقيب الجناية: أن السيد لا يغرم؛ فإنه لا حيلولة [له].
ولو جرحها جارح قبل الطلب، ثم طلبها الزوج، وقد انتهت إلى حركة المذبوحين – لم يرجع، وإن بقيت فيها حياة مستقرة فالغرم على الجارح، أو في بيت المال؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني في "النهاية" و"الرافعي" الأمر الثاني: أنه لا فرق مع بقائها عند الطلب [بين] أن تكون باقية على الإسلام أو مرتدة.
وقد حكى الأصحاب في حال ارتدادها [أنها] تمنع منهم، وفي الاستحقاق إذا قيل به في حالة الإسلام وجهان، أصحهما في "النهاية" و"الحاوي" و"الرافعي": نعم، وهو المجزوم به في "الشامل"؛ لأن فرج المرتدة محظور على الكافر كالمسلم، وكلام الإمام مصرح بأن محل الوجهين فيما إذا أسلمت، ثم ارتدت والتحقت بنا مرتدة.
الثالث: أنه لا فرق بين أن يكون الزوج حال الطلب مسلما أو كافرا، و [قد] قال الأصحاب: إنه إذا كان مسلما لم يستحق وجها واحدا؛ لأنا [قد] بينا أن الاستحقاق إنما يثبت [لأجل شبهة ملكه] إذا كان الطلب في العدة، وإسلامه وهي في العدة يستمر به النكاح؛ فلا يستحق معه شيئا، وإن كان الإسلام قبل الدخول فلا يستحق أيضا؛ لأنها بانت بالإسلام.
كذا نص عليه [الشافعي] في "الأم"، كما نقله ابن الصباغ، وهو الذي وعدت بذكره في نصرة قول القاضي أبي الطيب، لكن ابن الصباغ استشعره فقال: وإنما قلنا: لا يجب إذا أسلم الزوج – يعني قبل الدخول – لأنه التزم أحكام الإسلام.

نعم، لو طلب وهو كافر ثم أسلم بعد انقضاء العدة، فهل يستحق؟ فيه وجهان في "الحاوي".
وجه الاستحقاق: القياس عل ما إذا كان قد قبض قبل الإسلام والصورة هذه؛ فإنه لا يسترجع منه [وجها] واحدا.
ووجه المنع – وهو المنسوب لأبي إسحاق في "الشامل"-: يمكنه من نكاحها إن أحب.
الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون البلد الذي هاجرت [إليه فيه الإمام أو نائبه أو لا، وقد قال الأصحاب: إنها إذا هاجرت] إلى بلد غير الإمام [أو نائبه] لا يستحق وجها واحدا، مع الجزم بوجوب المنع كما ذكره ابن الصباغ؛ لأن المدفوع – كما ذكرناه – من سهم المصالح، ولا تصرف لغير الإمام ونائبه [فيه، وأن محل الخلاف فيما إذا هاجرت إلى بلد الإمام أو نائبه]، واستمرت فيه إلى حين الطلب، حتى لو خرجت منه قبل الطلب لم يجب الغرم – أيضا – كما قاله القاضي الحسين.
ثم ما المراد بالنائب المذكور؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي، وتبعه الروياني: أحدهما: أنه النائب عنه في عقد الهدنة بمباشرته لها.
والثاني: النائب في بيت المال.
قال الرافعي: والأحسن ما قاله صاحب "التهذيب" وغيره، وهو أنه [إن] قال عند الهدنة: من جاءني منكم مسلما رددته، لم يلزمه شيء إذا جاءت لغير بلده، وإن قال: من جاء [من] المسلمين، أو: من جاءنا – وجب الغرم، وهذا [وهو] الذي حكاه الفوراني.
وحكى الإمام فيما إذا كان قد قال: من جاءني، وجاءت إلى طرف من أطراف بلاد الإسلام – وجهين في الغرم.
نعم، لو جاءت إلى [بلد من] بلاد البغاة الخارجين عن حكم الإمام فلا يلزمه جزما،

وكذلك [الحكم] [فيما] إذا كان قد قال: من جاءنا.
فروع: إذا جاءت الصغيرة وقد أظهرت الإسلام، فالمذهب – كما تقدم -: أنا [لا] نحكم به، ولا ترد إليهم، وهل يدفع إليه مهرها على القول به؟ فيه قولان في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي، ووجهان في غيرهما: أحدهما: لا؛ كما لو جاءت مجنونة، ولم ندر هل أسلمت أم لا؟ فإنه يوقف أمرها ولا ترد إليهم إلى الإفاقة، فإن أعربت بالإسلام لم يخف الحكم، وإن أعربت بالكفر ردت إليهم، وهذا ما صححه الروياني والبغوي وغيرهما كما قال الرافعي.
والثاني: يصرف إليه، وهو الذي أورده الفوراني و [الغزالي] في "الوجيز"، والفرق بينهما وبين المجنونة: [أن المجنونة] منعنا منها للشك في إسلامها، والصغيرة منعنا منها لوصفها الإسلام.
وفي "النهاية" وجه: أن الصغيرة ترد؛ لأن ما جاءت [به] ليس بإسلام، ولو وصفت [المجنونة] الإسلام، قال الماوردي: فهي كالصغيرة.
والذي أجاب به الشيخ أبو حامد: أنه يحال بينهما، ولا يدفع إليه شيء حتى يتبين حالها.
ولا خلاف أنها لو وصفته قبل الجنون دفع إليه [على] القول بوجوب الدفع.
إذا جاءت إلينا عشر زوجات لواحد منهم قد نكحهن في الشرك، قيل له: اختر من جميعهن أربعا، ولك ما دفعته لهن، على القول بوجوب الدفع، ولا شيء لك فيما عداهن؛ لاستقرار الشرع على تجريم من زاد على الأربع، حكاه الماوردي، وتبعه الروياني.

إذا ادعى الطالب الزوجية وأنكرتها، قال الماوردي وابن الصباغ: لم تقبل دعواه إلا بشاهدين من عدول المسلمين يشهدان بنكاحه.
و [هذا يدل] على عدم توجه اليمين عليها، وقد صرح أبو الطيب والبندنيجي بحلفها، ولو ادعى إقباضها الصداق، وكذبته – فكذلك القول قولها، ولا يمين عليها، كما قاله الماوردي وتبعه الروياني؛ لأن رده مستحق على غيرها، وطولب الزوج بالبينة، ويكفيه شاهد ويمين أو شاهد وامرأتان، وفي "الشامل": أن قولها مقبول باليمين.
وعن "تعليق" الشيخ أبي حامد: أنهما إذا اختلفا يفحص الإمام عن مهر مثلها، وقد تمكنه معرفته من تجار المسلمين الذي دخلوا دار الحرب [أو من] الأسرى، ثم يحلف الرجل: إنه أصدقها [ذلك القدر] وتسلمته، ولو صدقته على النكاح والقبض ثبت الغرم حيث بينته – صرح به الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ – لعسر إقامة البينة على ما يجري بين الكفار.
ورأى الإمام ألا يعتمد قولها، ولا يجعل حجة علينا.
قال: وإن تحاكموا إلينا لم يجب الحكم بينهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42]، وقد ذكرنا أنها نزلت في يهود المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هادنهم بغير عوض، ويقال: إنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43]؛ ولأن المشروط معهم الكف عنهم دون الدفع؛ فكان عدم الوجوب من مقتضى الشرط، بخلاف أهل الذمة؛ فإن عقدهم اقتضى الذب عنهم.
وعلى هذا: لو ترافعوا إلينا، فاختار الحاكم أن يحكم بينهم – كانوا مخيرين بين التزام حكمه بعد الحكم وبين رده، سواء في ذلك حقوق الله – تعالى – وحقوق الآدميين، صرح به الماوردي في باب حد الذميين، ولا فرق في ذلك بين أن [تختلف ملتهما أو تتفق].

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل