كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[قال:] وإن بعث أمير الجيش – أي: بعد خروجه كما ذكرنا – سريتين إلى موضعين، فغنمت أحداهما [شيئاً]؛ اشتركوا فيه؛ لأنه جيش واحد، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقال القاضي الحسين: إنه مذهب الشافعي – رضي الله عنه – ولم يحك سواه، وحكى الإمام عن المراوزة القطع به.
وقيل: ما يغنمه الجيش مشترك بينه وبين السريتين؛ لاعتضاده بهما، وما تغنمه كل واحدة من السريتين يكون بين السرية الغانمة وبين الجيش، لاعتضادها به، ولا تشركها فيه السرية الأخرى؛ لأن أحداهما ليست بأصل للأخرى، بخلاف الجيش.
وذكر القاضي ابن كج – وكذا الإمام – أن شرط الشركة – فيما ذكرناه – أن يكونوا بالقرب مرتصدين للنصرة، وحد القرب: أن يبلغهم الغوث والمدد منهم إن احتاجوا.
قال الرافعي: ولم يتعرض أكثرهم لذلك، واكتفوا باجتماعهم في دار الحرب، وهذا حكاه الغزالي عن القفال واستبعده، وهو في "النهاية" معزي إلى رواية بعض المصنفين عنه.
وقال الإمام – أيضاً – فيما إذا كان المقصد قطراً واحداً بنواحيه: إنه لا يعتبر القرب، وهو مسلك المحققين.
واستدل له بالخبر الذي ذكرناه في غنيمة أوطاس؛ فإن بينهما وبين حنين ليالي.
فعلى الأول: لو كانت أحداهما قريبة والأخرى بعيدة، اختصت القريبة بالمشاركة.
تنبيه: السرية، قال ابن السكيت: هي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة.
وقال الخليل: هي نحو أربعمائة، ويعضده ما روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ
أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ".
فرع: الجاسوس إذا بعثه الإمام لينظر عدد المشركين وينقل أخبارهم، فغنم الجيش قبل رجوعه إليهم، ثم رجع – ففيه وجهان في "الشامل" وغيره:
أحدهما: لا يشاركهم؛ [لأنه لم يحضر الوقعة.
والثاني: يشاركهم، وإليه ذهب الداركي؛ لأنه كان في مصلحتهم، وخاطر بنفسه بما هو أكثر من الثبات في الصف؛ فوجب أن يشاركهم]، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: وأما الفيء فهو كل مال أخذ من الكفار من غير قتال: كالمال الذي تركوه فزعاً من المسلمين، والجزية، والخراج، والأموال التي يموت عنها [صاحبها و] لا وارث له من أهل [الذمة]، أي: وغير ذلك مما في معناه كمال المرتد إذا قتل أو مات كما تقدم في بابه، والعشر المأخوذ من تجارتهم، وقد تقدم بيان [ممَّ اشتُقَّ] ذلك.
قال: وفيها قولان:
أحدهما: أنها تخمس؛ فيصرف خمسها إلى أهل الخمس، أي: الذين تقدم ذكرهم على النعت السابق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان له أربعة أخماس الفيء [خاصة] يصرفها في نفقته ومؤنة عياله، وخمسه [يقسمه على ما] يقسم عليه الخمس،
[وهو الأصناف الخمسة السابق ذكرها، وفيها خمس له صلى الله عليه وسلم؛ فوجب أن يخمس] بعد وفاته أيضاً كما قلنا في الغنيمة.
كذا قاله القاضي الحسين، ويشهد له قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: 7] الآية، ووجه الدليل منها: أن الله – تعالى- أضاف "الفيء" إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى من استثناه في سهم الغانمين، فوجب أن يكون إطلاق ما جعل لهم من الفيء محمولاً على المقدار المجعول لهم من الغنيمة، وهو الخمس، ويكون الباقي لمن أضاف المال إليه، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما كان الباقي من الغنيمة لمن أضافها إليهم وهم الغانمون، وهذا هو الجديد.
والثاني: لا يخمس إلا ما هربوا عنه فزعا من المسلمين؛ أي: وما في معناه، وهو المبذول للكف عن قتالهم دون ما عدا ذلك؛ لأن الآية المذكورة – كما قال القاضي الحسين – نزلت في أموال بني النضير، وكان [النبي] صلى الله عليه وسلم قد صالحهم على أن يتركوا الدور والأراضي، ويحملوا كل صفراء وبيضاء، وما تحمله الركائب، فاختص الحكم بها، وهذا ما حكاه القاضي الحسين والعراقيون عن القديم، وعلى هذا يكون جميع ما سوى المذكور كالأخماس الأربعة من المذكور، كما قاله في "التهذيب".
وفي "الحاوي": أنه يكون مصروفاً في المصالح.
وفي "النهاية": أن ظاهر كلام صاحب "التقريب" يقتضي أن يكون مصروفاً إلى ما يصرف إليه خمس الفيء الحاصل بالإرعاب.
وقيل: المحكي في القديم محض إخراج مال المرتد عن أن يكون فيئاً دون إخراج غيره من الأموال المذكورة؛ لأن المرتد يستصحب فيه [حكم] دار الإسلام؛ ولذلك يؤمر بقضاء الصلوات، ومال المسلم إذا مات ولا وارث له لا يخمس.
وفي "النهاية": أنا إذا فرعنا على القديم، ففي الطرق تردد في الجزية؛ من جهة أن الكفار وإن كانوا يبذلونها على طوع، فسبب بذلهم لها استيلاء يد الإسلام عليهم، واستعلاء كلمة الله تعالى، فكانت حرية أن تلحق بالفيء الحاصل بالترعيب.
وفي "الرافعي": أن منهم من أطلق في مال الفيء قولين: الجديد: أنه
بخمس، والقديم: المنع؛ لأنه لم يقاتل عليه، ونسب هذه الطريقة إلى رواية صاحب "التهذيب"، والجديد هو الصحيح؛ لاستواء جميع الأموال المذكورة في الوصول إلينا بغير قتال وإيجاف خيل وركاب، وعدم اختصاص بعض المسلمين بها.
وقد روى البراء بن عازب، قَالَ: لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةٍ ابنه أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ.
وما ذكره القاضي [الحسين] [من سبب] النزول فيه نظر؛ لأن الماوردي ادعى أنه – عليه السلام – كان له في صدر الإسلام جميع الفيء؛ كما كان له جميع الغنيمة، واستدل له بما روي أنه – عليه السلام – ملك أموال بني النضير وكانت مما أفاء الله عليه، ولم يشاركه فيها أحد، ونسب ذلك إلى قول الشافعي – رضي الله عنه – أيضاً، وأنها صارت بعد وفاته من صدقاته التي تصدق بها مع نصف فدك، وثلث وادي القرى والحصون الثلاثة من خيبر: الكتيبة، والوطيح، والسلالم، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن أنزل الله في الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية [الحشر: 7]، وفي الغنيمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: 41].
قال: وفي أربعة أخماسها قولان:
أحدهما: أنها لأجناد الإسلام، أي: المقاتلة الخاصة الذين عينهم الإمام لجهاد العدو والذب عن البيضة والمنع من الحريم، وأثبت أسماءهم في الديوان، بعد استجماع البلوغ والعقل والإسلام والحرية والصحة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يستحقها في حياته لرعب العدو منه، قال – عليه الصلاة والسالم -: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"، ورعب العدو بعده من الجيش للمقاتلة؛ فكانت لهم.
ولا يشرك من ذكر أنهم أهل السهم من الزكاة، وهم الذين يجاهدون إذا نشطوا، وهم أرباب المعايش والصنائع، والأعراب الذين يتطوعون بالجهاد إن شاءوا، ويقصرون فيه إن أحبوا، ولم يثبتوا في الديوان بسهم ولا رضخٍ كما لا يشركهم أهل الفيء في سهم الزكاة، وقد أشار الشيخ إلى الفريقين بقوله في قسم الصدقات: والسابع: الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وقد كان أهل الفيء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعزل عن أهل الصدقات، كما حكاه القاضي الحسين عن قول ابن عباس.
وقال الماوردي: إن المطوعة كانوا يسمون أعراباً، ويسمى المقاتلة مهاجرين، وعلى ذلك يدل ما سنذكره من الحديث في أول عقد الذمة.
وهذا القول هو الأصح في "الرافعي" و"النهاية" وعند النواوي.
والثاني: أنها للمصالح؛ لأنها كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فصرفت بعده إلى المصالح كخمس الخمس من الفيء والغنيمة، وفي "الحاوي": أنه – عليه السلام – كان يصرفها فيها، وكذلك حكاه أبو العباس الروياني، وقال: إن ذلك هل كان واجباً عليه أو تفضلاً منه؟ فيه طريقان.
وقد حكينا من قبل: أنها كانت له، وكان ينفق منها على نفسه وعياله، ويلزم من هذا خلاف في أنها كانت له أم لا؟ وكذا في أن نفقته من أي شيء كانت؟ فعلى قول من جعل الأخماس الأربعة ليست له، تنحصر في خمس خمس الفيء والغنيمة، وقد حكاه الروياني [أيضاً].
قال: فيعطون، أي: الأجناد، من ذلك قدر كفايتهم؛ لان إعانتهم من أهم المصالحن والباقي للمصالح، أي: الباقية بعد ذلك، وهذا ما اختاره في "المرشد"، فعلى هذا: ينبغي للإمام أن يثبت المقاتلة في جميع الثغور والبلدان في ديوانه، أي: دفتره؛ كما قاله في "الشامل" و"المرشد"، وما يحتاجون إليه في نفقاتهمومؤناتهم، وذلك يختلف بكثرة العيال وقلتهم، فيتعرفهم، ويقدر لكل منهم ما يكفيه لزوجاته، وإن كن أربعاً على الأصح.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه لايزيد على كفاية زوجة واحدة.
وكذا نقدر له كفاية عبيد الخدمة الذين يحتاج إليهم في أمر الغزو، وكذا
من يعزو منهم معه، على الصحيح.
وفي "النهاية": أن بعضهم قال: لا يعطي مؤنة عبيده الذين أعدهم للقتال.
وكذا نقدر له كفاية من تلزمه نفقتهم من الأقارب، وعبداً واحداً للخدمة في حال عدم الغزو، كما قلنا في خادم الزوجة، ولا ندخل في تقديره زائداً على عبد واحد ولا نفقة العبيد الزَّمْنَى.
وعن رواية الحناطي وأبي الفرج الزاز حكاية وجه: أنه لا يقدر للأولاد شيئاً؛ لأنهم لا يقاتلون، وهو غريب.
ويلاحظ مع ذلك كونه من الفرسان أو الرجالة، وقربه من المغزى وبعده عنه؛ لأن البعد يوجب كرة الكلفة والقرب يقللها، وكذا يلاحظ خصب البلد الذي هو فيه وجدبه؛ فإن المؤن في بلاد الخصب أقل منها في بلاد الجدب، وغلاء السعر ورخصه.
وينظر بعد ذلك فيمن يتجدد له من الأولاد أو أكثر ويزيده ما يليق به، وإلى ذلك أشار الشافعي – رضي الله عنه – بقوله: ويعطي المنفوس شيئاً، وكلما كبر زاده.
[وكذا] ينظر فيمن نقص من عياله بطلاق أو موت أو بيع، وينقص مما قرره [له] بقدر كفاية ذلك.
ويلاحظ في الكفاية – أيضاً – ثمن السلاح والمركوب، إن لم يكن هناك سلاح ودواب معدة لها موقوفة أو مشتراة من سهم المصالح.
وقد حكى الإمام عن الأصحاب: إثبات قولين في أن ما يأخذه أحد المرتزقة للذرية الذكور هل يحكم له فيه بالملك أو للذرية؟ فإن قلنا بالثاني، فهل تملك بنات المرتزقة ما يأخذه لكفايتهن، أو يكون ملكاً للمرتزقة؟ فيه وجهان.
ووجه الفرق: أن الغلمان يتوقع أن يبلغوا رجالاً للقتال كآبائهم، فإن حكمنا بالملك للبنات، ففي الملك للزوجات خلاف، والذي مال إليه الأكثرون: أنهن لا يملكن، وحكى الفوراني: أن القولين في الجميع من غير ترتيب.
وفي "الرافعي": أن الإمام هل يدفع إلى الواحد من المرتزقة ما يتعهد به
الأولاد، أو يتولى الإمام تعهدهم بنفسه، أو بمن ينصبه لذلك؟ فيه قولان؛ أشبههما: أولهما.
وفي مسألة الكتاب قول ثالث حكاه المراوزة أن الأخماس الأربعة تقسم على الجهات كما يقسم الخمس؛ فعلى هذا: يقسم جملة الفيء على خمسة أقسام، قالوا: وعليه يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية [الحشر: 7]، ونسب الإمام هذا القول إلى القديم، ولاتفريع عليه.
تنبيه: في قول الشيخ تفريعاً على القول الثاني: فيعطون من ذلك قدر كفايتهم، والباقي للمصالح - ما يفهمك أنا على القول الأول [لا نفعل] كذلك، بل نقسمه بينهم، والأمر كما أفهمه كلامه على الصحيح، وبه جزم الماوردي في أول الكلام، وحكى في أواخر الباب وجهين أوردهما القاضي الحسين وابن الصباغ أيضاً:
أحدهما- وهو الذي صححه الرافعي -: أنه يصرف من الفاضل عن الكفاية ما يرى صرفه في السلاح والكراع وإصلاح ما تشعث من الحصون والثغور، ثم يرد الفاضل بعد ذلك عليهم.
والثاني: أن الفاضل عن الكفاية يصرف عليهم، وبهذا جزم في "الوسيط"؛ حيث قال معبراً عن القول الأول: الأظهر أن الأربعة أخماس للمرتزقة كأربعة أخماس الغنيمة، لكن هذا اللفظ قد يفهم: أنا نسوي بين الرجالة وكذا بين الفرسان، ونفاضل بين الفرسان والرجالة كما نفعل في أربعة أخماس الغنيمة، وليس كذلك؛ بل المراد التشبيه في نفس القسمة لا في صفتها.
وقد اختلف النقلة في كيفية القسمة:
فالذي أورده الإمام: أنَّا نوزع الفاضل بعد كفاية كل منهم على عدد رءوسهم بالسوية، فإن المؤن قد زالت بالكلية وكأنها غير معتبرة، والفيء مضاف إليهم.
والذي أورده ابن الصباغ والماوردي والقاضي الحسين - في باب تفريق أربعة أخماس الفيء -: أن الفاضل يقسم على قدر الكفايات، فإذا كانت كفاية واحد ألفاً مثلاً، وكفاية ثان ألفين، وثالث ثلاثة آلاف، ورابع أربعة آلاف - فمجموع
كفاياتهم عشرة آلاف، فيفض [جميع] أربعة أخماس الفيء على عشرة أجزاء، ويعطي الأول: عشرها، والثاني: خمسها، والثالث: ثلاثة أعشارها، والرابع: خمسيها، وهكذا يفعل إذا زادوا.
ووراء ما ذكرناه فرعان:
أحدهما: لو عجز مال الفيء عن كفاية الجند، قال الماوردي: فعلى القول الأول: لا شيء لهم غيره في الحال [والمآل]، وعلى الثاني: يبقى ديناً لهم على بيت المال، قال القاضي الحسين: فإن كان فيه شيء من مال المواريث والوصايا التي فاضت على مصرفها، صرفها إليهم.
الثاني: لو فضل بعد الصرف للأجناد قدر كفاياتهم، والصرف في جهات المصالح في ذلك الوقت قدر حاجتها بحيث لم يبق مصرف فضل، وقلنا: إن الأخماس الأربعة للمصالح، فماذا يصنع به؟ فيه وجهان حكاهما ابن الصباغ والقاضي الحسين وكذا الماوردي وغيره:
أحدهما: يستبقي في بيت المال؛ لأنه قد تنفق مصلحة فيكون معداً لها.
والثاني: أن يرده إلى الجيش بقسطه على أرزاقهم.
وعلى هذا قال الماوردي: ففي كيفية الرد إليهم وجهان:
أحدهما: أنه معونة لهم لا تحسب عليهم.
والثاني: يرد إليهم سلفاً معجلا، يحتسب به عليهم من رزق العام الثاني.
وحكى الإمام: أن ظاهر نص الشافعي –رضي الله عنه – والمشهور في كتابه: أن الفاضل عن قدر الكفاية ووجوه المصالح يخرج ولا يدخر منه شيء ما وجد مصرفاً [له، فيبدأ ببناء] رابطات ومساجد على حسب الرائي فيها؛ تأسيا بسيرة الشيخين؛ فإنهما ما كانا يدخران مال سنة [قط]، بل كانا يصرفان مال كل سنة إلى مصارفه.
وعلى هذا إن ألمت ملمة – والعياذ بالله تعالى – [وتعين] القيام بها، فإنه يخاطب [بها أهل] الثروة من المسلمين، وقال: إن الإمام إذا رأى أن يصرف من الفاضل عن كفاية المرتزقة شيئاً للمطوعة بالقتال، فلا معترض عليه.
واعلم أنه لا فرق في إعطاء الأجناد قدر الكفاية بين أن يكون بهم حاجة، أو لا، كما إذا كانوا موسرين من أهل الثروة؛ كما حكاه الإمام على القولين معاً، والله أعلم.
قال: ويبدأ فيه، أي: في العطاء للمرتزقة، بالمهاجرين؛ لأن الله – تعالى- شهد لهم بالصدق، وبنصرة دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليهم بطلب فضله ورضوانه، وقدمهم في الذكر على غيرهم في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ...﴾ [الحشر: 8]، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة:100]، فكانوا جديرين بالتقديم فيما نحن فيه.
والمستحق لهذا الاسم – كما حكاه الشيخ زكي الدين في "حواشيه على مختصر السنن" له-: أهل مكة، الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [قبل الفتح؛ لوجوب البقاء عليهم مع النبي صلى الله عليه وسلم]، والتحول معه حيث تحول، وادعى بعضهم الإجماع عليه، ولوجوب أصل الهجرة عليهم [والاختلاف في وجوبها على غيرهم، والمراد بالمقدمين هنا: أولادهم كما بينه الأصحاب في] كتاب الصلاة.
قال: ويقدم القرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه – عليه الصلاة والسلام – سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ؛ كما نطق به الخبر الصحيح، والقرب من الشريف تشريف؛ فاستحق به التقديم، وأيضاً ما سنذكره من فعل عمر، رضي الله عنه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي – وهو الذي جدد بناء الكعبة بعد إبراهيم عليه [الصلاة و] السلام – ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
واختلف النسابون من علماء الشريعة فيمن هو قريش من أجداده صلى الله عليه وسلم على أقوال:
أصحها – وهو قول الشعبي -: أنه النضر بن كنانة.
قال الأستاذ أبو منصور: وهو قول أكثر النسابين، وبه قال الشافعي وأصحابه.
فعلى هذا: من كان من ولد النضر فهو من قريش، ومن جاوز النضر بنسبه فليس من قريش.
والثاني: أنه فهر بن مالك بن النضر؛ لأن اسمه قريش؛ وعلى هذا من يفرق نسبه عن فهر فهو من قريش، ومن جاوز فهراً بنسبه فليس من قريش.
وهذان القولان لم يورد في "المهذب" و"الحاوي" سواهما.
والثالث: أنه إلياس بن مضر.
وذكر القاضي الحسين في "تعليقه" – في باب: قتال البغاة – أن اسم "قريش" يقع على من جمعهم وقرشهم قصي بن كلاب بن مرة بمكة، وسموا قريشاً؛ لأن قصيًّا قرشهم بمكة، أي: جمعهم.
فإذا عرفت ذلك، فهمت أن قريشاً يقدمون على غيرهم، وأن بني هاشم مقدمون على سائر قبائل قريش؛ لان رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فإنهم أولاد جده؛ فكانوا أقرب من غيرهم، ولا يشاركهم في القرب أولاد [بني] عبد شمس ونوفل، وإن كان جد الجميع عبد مناف؛ لأنهم أولاد أخي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان بنو هاشم أقرب منهم بجد، وقضية هذا: ألا يساوي بني هاشم – أيضاً – بنو عبد المطلب؛ لأنهم أولاد أخي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرناه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم سوَّى بينهم في سهم ذوي القربى، وعلله بما ذكرناه، ثَمَّ.
واتبعه عمر –رضي الله عنه – فيما نحن فيه، ولم يخالفه فيه أحد؛ كما أنه لم يخالفه أحد في تقديم القبيلتين على غيرهما.
فلذلك قال الشيخ – رضي الله عنه -: ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب أي: يجعلهم كالقبيلة الواحدة
ثم يقدم بعد بني هاشم وبني المطلب بنو عبد شمس؛ لأن عبد شمس أخو هاشم والمطلب لأمهما أيضاً، كما نقله الإمام وغيره، فكان أقرب من نوفل؛ لأنه أخوهم لأبيهم خاصة، وكذلك فعل عمر، رضي الله عنه.
ومن هذا يؤخذ دليل ما جزم به الماوردي فيما إذا أوصى لأقرب الناس إليه،
وله أخ شقيق، وأخ لأب: أنها للشقيق.
ثم يقدَّم بعد بني عبد شمس بنو نوفل، [وبهم يكمل] أولاد عبد مناف، [ثم يقدم بعدهم بنو قصي، وهم بنو عبد العزي وبنو عبد الدار؛ لأن بعد العزي وعبد الار أخوا عبد مناف]، وهم أولاد كلاب؛ لان كلاباً ليس له عقب من غيرهمز ثم يقدم بنو مرة - وهم بنو تيم - وبنو مخزوم؛ لأن تيماً ومخزوماً أخوا كلاب، وأبو بكر - رضي الله عنه - من بني تيم.
ثم يقدم بنو كعب - وهم بنو عدي وبنو سهم وبنو جمح - لأنهم إخوة مرة، وعمر - رضي الله عنه- من بني عدي، وهكذا يقدم بنو جد بعد جد؛ اقتداء بعمر - رضي الله عنه- فإنه كذا فعل لما رتبهم في ديوانه.
قال: فإن استوى بطنان في القرب [إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم]، أي: كبني عبد العزى وبني عبد الدار، وكبني تيم وبني مخزوم.
[قال:] قدم من فيه أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: فيقدم بنو عبد العزى على بني عبد الدار، لأن خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، ومنهم - أيضاً - الزبير ابن العوام؛ [لأن العوام] أخو خديجة، ويقدم بنو تيم على بني مخزوم؛ لأن عائشة منهم، وهكذا فعل عمر - رضي الله عنه - وهكذا يقدم بنو
عدي على بني سهم وبني جمح؛ لأن حفصة منهم، وعمر – رضي الله عنه – لما قسم سامح بحقه، فأخرهم وقدم بني جمح، وسوى بين بني سهم وبني عدي، فلما ولي المهدي أمير المؤمنين قدم بني عدي على بني جمح وبني سهم؛ لما ذكرناه، ولسابقة عمر، رضي الله عنه.
قال: ثم بالأنصار، أي: من الأوس والخزرج؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: 100]، ولأن لهم من الأثر في الإسلام ما ليس لغيرهم؛ فإنهم آووا ونصروا، وآثروا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أنفسهم بالأنفس والأموال، وقد روي أنه – عليه السلام – قال لهم حين وجدوا في أنفسهم –لما أعطي غيرهم من مال هوازن ولم يعطهم -: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار، أما والله لو شئتم لقلتم – ولصدقتم -: "أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآمناك، وعائلاً فآسيناك، يا معشر الأنصار، وجدتم في أنفسكم للعاعة من الدنيا، تألفت بها قوماً أسلموا ووكلتكم إلى إيمانكم، أفلا ترضون عنا يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَولاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ؛ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَو سَلَكَ النَّاسُ شِعْباً [وَالأَنْصَارُ شِعْباً] لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ! " فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله قسماً وحظَّا.
واللعاعة: خسيس الثمر، وقيل: أوائل البقل عند طلوعه.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ دال على أن البدأة بالمهاجرين، ثم يقدم من
قبائلهم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو الذي ذكرناه، ويسوي بين بني هاشم وبني المطلب من المهاجرين، وإذا استووا في القرب مع الهجرة، قدم من فيهم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يبدأ بعد المهاجرين بالأنصار، وهذا إذا تأملته اقتضى أمرين:
أحدهما: أن من هاجر ونسبه بعيد من رسول الله صلى الله عليه وسلمن يقدم على من لم يهاجرن ونسبه قريب منه- عليه السلام - بل إن من هاجر مقدم على الأنصاري، والأنصاري مقدم على من نسبه أقرب من نسب الأنصاري على رسول الله صلى الله ليه وسلم وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهم، ودلَّ عليه ظاهر لفظ الشافعي - رضي الله عنه-: أن الذين يبدأ بهم قريش؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "قدموا قريشاً [ولا تقدموها"].
ثم يقدم من قريش الأقرب فالأقرب -كما تقدم - إلى أن ينتهوا، فيقدم بعدهم الأنصار.
واعتمدوا في ذلك فعل عمر- رضي الله عنه - حين رتب الجيش على هذا النحو، وجعل العباس في أولهم، كما نقله الإمام، [مع] أنه لم يكن من المهاجرين، [بل] من المأسورين يوم بدر، ولم يخالفه أحد، وحينئذ فيتعين حمل كلام الشيخ على أحد أمرين:
إما أن يكون قد أطلق لفظ "المهاجرين" وأراد بهم قريشاً؛ لأن أكثر المهاجرين منهم، مع إرادة التنبيه على فضلهم بالهجرة منضمًّا إلى فضلهم بالنسب، كما عدل عن لفظ "الأوس والخزرج" إلى لفظ "الأنصار"، وليتبع في ذلك لفظ الكتاب العزيز.
وإما أن يكون في كلامه تقديم وتأخير، وهو شائع في كلام العرب، بل في الفصيح منه؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: 1] [والتقدير: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجاً].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:129]،
والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً، وغير ذلك من الآيات، وإذا كان كذلك، كان تقدير كلامه: ويقدم الأقرب فالأقرب- أي: من القبائل – إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبدأ منهم بالمهاجرين، أي: عند الاستواء في القرب، فإن استووا فيها قدم من فيه أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بالأنصار.
فتكون الهجرة رجحة عند الاستواء في القرب، فإن عدمت الهجرة كان الترجيح بالنصرة.
وعلى التقديم بالهجرة ينطبق قول الشافعي – رضي الله عنه- الذي حكاه أبو الطيب: ومن فرض له الوالي من قبائل العرب، رأيت أن يقدم الأقرب فالأقرب، فإذا استووا قدم أهل السابقة على غير أهل السابقة ممن هو مثلهم في القرابة.
وكذا قول الماوردي: أما ترتيب القبيلة الواحدة من قريش أو غيرهم، فينبغي أن [يقدم] منهم ذو السابقة، [ثم ذو السن]، ثم ذو الشجاعة.
وعلى التقديم بالنصرة ينطبق ما حكاه الرافعي عن أبي الفرج السرخسي: أنه حمل ظاهر لفظ الشافعي –رضي الله عنه – في تقديم الأنصار على غيرهم من قبائل العرب بعد قريش، على العرب الذين هم أبعد من الأنصار، فأما سائر العرب الذين هم أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار فهم مقدمون على الأنصار.
وبهذا يبقى قول الشيخ: ثم بسائر الناس، على عمومه، كما سنذكره.
لكن في "المهذب" و"التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين و"الرافعي": أنا نقدم عند الاستواء في القرب بالسن؛ كما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي بني هاشم وبني المطلب، فإذا كان السن في الهاشمي قدمه على المطلبي، وإذا كان في المطلبي قدمه على الهاشمي.
وكذلك اعتمد عمر – رضي الله عنه – فإن استووا في السن قدم أقدمهما هجرة وأفضلهما سابقة، وأنه إذا فرغت قريش قدمت الأنصار.
[وعلى] كل حال، فما ذكرته أقرب من أن يكون ما قاله مخالفاً فيه كافة الأصحاب، على أن ما دل عليه ظاهر لفظ الشيخ من تقديم المهاجرين على
من هو أقرب منهم قد يقال: إنه مقتضى كلام الأصحاب، وإن خالفوه؛ لأنهم جزموا بتقديم الأنصار على من هو أقرب منهم، وإذا كان كذلك فالمهاجري مقدم على النصاري بالاتفاق؛ فاقتضى وصفه الذي يقدم به على الأنصاري، أن يتقدم به على من يقدم عليه الأنصاري، وجوابه: أن الأنصار ما قدموا على قريب، بل على قريب ليس [من] قريش، ولا يبعد أن يقولوا: إن المهاجرين من غير قريش مقدمون على من هو أقرب منهم من [غير] قريش، بل يجب القطع به؛ لما ذكرناه، [والله أعلم].
قال: ثم بسائر الناس.
هذا الكلام يجوز أن يكون المراد به سائر الناس من العجم؛ بناء على التقدير الذي سبق؛ لأنه إذا قدم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم أن يكون العجم بعد جميع العرب؛ لأن العرب أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [من غيرهم]، وعند الانتهاء إلى العجم لا يمكن التقديم بالقرب؛ لأنه لا تنضبط معرفته، بل من بعد عدنان من العرب لا يمكن ضبط قبائلهم؛ للاختلاف في المقدم منها والمؤخر، وإنما قدمناهم على العجم للعلم بأن العرب أقربن وإذا كانوا كذلك كانوا كالقبيلة الواحدة؛ فيقع التقديم فيهم بالسن والفضائل والسابقة إن كانت لهم، كما صرح به الماوردي، وعليه ينطبق قوله في "المهذب" والبغوي: ولا يقدم بعض العجم على بعض بالنسب.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ثم بسائر الناس، أنه يبدأ بعد الأنصار بسائر الناس؛ بناء على أن مراده بالمهاجرين: قريش، وحينئذ فلا يمكن حمل الكلام على ظاهره؛ لأن الذين يبدأ بهم بعد الأنصار بالاتفاق بقية العرب ثم بالعجم، حتى قال الماوردي: إنه بعد الأنصار يعدل إلى مضر، ثم إلى ربيعة، ثم إلى جميع ولد عدنان، ثم إلى قحطان.
فرتبهم على السابقة، [والله أعلم].
ثم ما ذكرناه من التقديم والترتيب، حكى الرافعي عن الأئمة: أنه مستحب لا مستحق، وعليه ينطبق قوله في "المهذب": ويستحب [أن يبدأ] بقريش.
ولا يظهر للشرف الذي ذكرناه أثر في التفضيل في المقدار، بل يستوي ذو النسب والعلم والورع والسابقة في الإسلام له أو لآبائه، وغيرهم فيه، أعني في قدر الحاجة إذا قلنا: إنهم يعطون من أربعة أخماس الفيء للمصلحة، وكذلك إذا قلنا: إن أربعة أخماس الفيء لهم وفضل شيء عن قدر كفايتهم.
هكذا جزم به الماوردي وغيره، وعليه نص الشافعي – رضي الله عنه – اتباعاً لقضاء أبي بكر وعلي – رضي الله عنهما- ولأنهم يعطون بسبب الجهاد وهم مستوون فيه؛ فلم يفضل بعضهم على بعض كما في الغنيمة.
وأشار القاضي الحسين إلى خلاف في ذلك [بقوله]: ولا يزاد بسبب مما ذكرناه على المذهب.
وحكى الرافعي عن رواية أبي الفرج السرخسي وجهاً: أنه يجوز التفضيل اتباعاً لقضاء عمر، رضي الله عنه.
وحكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" أنه قال: إن اتسع المال، ورأى الإمام أن يفعل ذلك كما فعله عمر – رضي الله عنه – كان [ذلك] محتملاً.
وأن الشيخ أبا محمد – رحمه الله – كان يقول: التصرف في ذلك قريب من التصرف في حدِّ الشرب؛ فإنَّا قد نفوض الرأي إلى الإمام [فيه].
واعلم أن الأصحاب قالوا: الأولى للإمام أن يجعل الجيش كتائب، ويجعل لهم علامات يتعارفون بها فيما بينهم، ويعقد لهم ألوية، ويجعل على كل قبيلة نقيباً، كما فعله – عليه السلام – في طائفة الأنصار، ثم النقيب يعرف على كل طائفة من القبيلة عريفاً، روى الزهري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف عام خيبر على كل عشرة عريفاً، وجعل يوم فتح مكة للمهاجرين شعاراً، [وللأوس شعاراً]،
و [للخزرج شعاراً].
والمعنى في ذلك: أن يسهل عليه الأمر إذا أراد أن يَرْزُقهم أو يدعوهم لغزو أو غيره.
والأولى [له]: [أن يرتب أسماءهم] في الديوان على حسب ما ذكرناه في العطاء؛ اقتداء بعمر – رضي الله عنه – فإنه هكذا فعل لما كثر الناس والمال في زمنه.
وينبغي أن يجعل للعطاء وقتاً معلوماً في السنة، والأولى أن يكون مرة واحدة، فإن رأى زيادة مصلحة فعله، ولا يجعله [في] كل أسبوع؛ كي لا يكون طريقاً لتعطيل الجهاد.
وقد ذكرنا أن الديوان: عبارة عن الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجند، وفي كلام الماوردي ما يدل على: أنه الموضع الذي يجلس فيه للكتابة؛ فإنه حكى اختلافاً في [أن] الديوان سمي بذلك لماذا؟.
فحكى عن قوم: أن سببه أن كسرى اطلع يوماً على كتابه وهم يحسبون مع أنفسهم، فقال: ديوانه، أي: مجنون؛ فسمي موضع جلوسهم ديواناً.
وعن آخرين: أنه سمي بذلك؛ لأن الديوان اسم للشيطان؛ فسمي الكتاب باسمهم؛ لوصولهم إلى غوامض الأمور وضبطهم الشاذ وجمعهم المتفرق، ثم سمي موضع جلوسهم باسمهم، فقيل: ديوان.
قال: ومن مات منهم، أي: من أجناد أهل الفيء، دفع إلى ورثته، أي: من الأولاد الذين كانت تلزمه نفقتهم، وزوجته – الكفاية، أي: من أربعة أخماس الفيء؛ اعتباراً بالمصلحة؛ فإنهم إذا علموا انه يفعل مع عيالهم كذلك، وفروا نفوسهم على الجهاد، ولم يتشاغلوا عنه بأسباب التحصيل للأموال ليخلفوها لهم، وقد روي أن عمر –رضي الله عنه – كان يفرض لأولاد المرتزقة.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الأولاد والزوجة فقراء أو أغنياء، كما ذكرنا في الصرف للأجناد.
وهذا الذي ذكره الشيخ هو ما جعله الغزالي الأظهر، واختاره في "المرشد".
وانتهاء الدفع للزوجة بتزوجها، وفي الأولاد الذكور ببلوغهم على صفة يقدرون على التكسب والقتال معها، فإن بلغوا عاجزين عن ذلك استمروا على الرزق كما كانوا يرزقون قبل البلوغ، كذا ذكره ابن الصباغ وغيره.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أن بالبلوغ انقطع الاستحقاق، وحكاية الوجهين أيضاً فيما إذا بلغ واحد من أطفال المرتزقة في حياة أبيه كذلك؛ لأنه جمع بين المسألتين، وحكى فيهما ثلاثة أوجه، ثالثها: يدفع للبالغ كذلك من أولاد الأجناد وأولاد الموتى.
ثم قال: والأصح عندي أن ينظر:
فإن كان الذي أقعدهم عن القتال موجباً لنفقاتهم على الآباء بعد بلوغهم كوجوبها عليهم في صغرهم، كالجنون والزمانة المانعة من الاكتساب – بقوا على حكم الذراري في مال الفيء.
وإن كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ؛ لقدرتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال- خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء.
وإن كان ما أعجزهم عن القتال لا يوجب نفقاتهم بعد البلوغ؛ لقدرتهم على الاكتساب مع العجز عن القتال – خرجوا عن حكم الذرية في مال الفيء.
وأما الإناث، فقضية ما في "الوسيط": أنهن يرزقن إلى أن ينكحن.
ووراء ما ذكره الشيخ أمران:
أحدهما: حكى في "المهذب" وغيره من الكتب المشهورة قولاً آخر جعله الرافعي الأظهر: أن الذرية والزوجة لا يعطون شيئاً؛ لأن ما استحق به العطاء – وهو إرصاد النفس للجهاد – مفقود فيهم.
والثاني- حكاه الماوردي: أن القولين في الذرية محمولان على حالين:
فالأول: محمول على ما إذا كان في الذرية من يرجى أن يكون من أهل الفيء إذا بلغ فيعطي قدر الكفاية.
والثاني: محمول على ما إذا فقد ذلك.
قال: إن بلغ الصبي، أي: من الذرية، واختار أن يفرض له، أي: يقدر له قدر كفايته من مال الفيء، ويكون من المقاتلة – فرض له؛ كما لو جاء واحد من المتطوعة ورام ذلك، لكن بشرط أن يكون في المال متسع.
[قال: وإن لم يختر ترك، أي: ولا يعطي من مال الفيء ما كان يأخذه؛ لأنه صار من أهل التكسب والاستقلال].
قال: ومن خرج [عن] أن يكون من المقاتلة، أي: بمرض لا يرجى زواله، كالعمى والزمانة، أو بجرح في القتال وغيره – سقط حقه، أي: من مال الفيء في المستقبل؛ لزوال سبب استحقاقه، وهو إرصاد النفس للجهاد.
وفي "الشامل" و"الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين: أن في إعطائه قدر الكفاية من مال الفيء القولين في الذرية وعليهما ما تقدم.
أما إذا كان المرض مرجو الزوال؛ لم يسقط حقه وإن طال، قال الماوردي: وسواء فيه المخوف وغيره.
وأما حقه في الماضي فينبغي أن يكون الحكم فيه كالحكم فيما لو مات إذا قلنا بسقوطه في المستقبل، وقد قال الأصحاب: إنه إن مات بعد جمع المال وانقضاء الحول صرف نصيبه إلى ورثته بلا خلاف؛ لأنه حق لازم ثبت له؛ فانتقل لورثته كالجرة في الإجارة.
ولا يسقط هذا الحق بالإعراض عنه على الظاهر؛ كما قاله الإمام بعد أن حكى تردداً فيه عن الأصحاب.
ولو مات بعد جمع المال وقبل تمام الحول فقولان – ويقال: وجهان:
أظهرهما: أن قسط ما مضى يصرف إلى ورثته كالأجرة في الإجارة.
والثاني: المنع، كالجعل في الجعالة لا يستحق قبل تمام العمل.
وبنى القاضي الحسين والفوراني الخلاف على الخلاف في الذمي إذا مات في أثناء الحول هل يطلب منه حصة ما مضى، أم لا؟
قال الإمام: وهذا البناء غير مرضٍ عند المحققين؛ من جهة أن [مدة] الجزية لا تنقص عن السنة أصلاً، وهذا توقيف شرعي متفق عليه، ومدة العطاء لا حدَّ لها، ولو أراد صاحب الأمر أن يجعلها ستة أشهر أو أقل جاز، ولا معترض عليه.
قلت: وما قاله القاضي ظاهر في حصته من الجزية وما قاله الإمام ظاهر في حصته من غيرها.
ولو مات قبل جمع المال وبعد تمام الحول، فظاهر النص: أنه لا شيء للوارث، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وآخرون، واقتصر في "التهذيب" عليه.
وقال الشيخ أبو حامد: إن عطاءه مصروف إلى ورثته.
وادعى ثبوت الحق له بمضي المدة، وهذا ما أورده القاضي الحسين، وقال الماوردي: إنه خطأ.
ولو مات قبل حيازة المال في أثناء الحول، فالذي جزم به الماوردي والفوراني: عدم الاستحقاق، وفي "الرافعي": أنا إن قلنا: إنه لو مات بعد انقضائه لا يستحق، فهاهنا أولى، وإن قلنا: إنه يستحق ثم، ففي قسط ما مضى الخلاف المذكور فيما إذا مات بعد جمع المال وقبل تمام الحول، والمحكي في "الشامل" عن أبي حامد: المنع.
وهذا كله مبني على ما إذا كان الإمام يعطي في السنة مرة واحدة، أما إذا عين له وقتين أو أكثر، فالاعتبار بمضي المدة المضروبة.
فرع: على المرتزق من الفيء إذا أمره الإمام بالخروج إلى الغزو ألا يتخلف، فإن امتنع سقط حقه؛ كالزوجة يسقط حقها من النفقة ونحوها بالنشوز.
قال: وإن كان في مال الفيء أراضٍ، وقلنا: إنها، أي: الأخماس الأربعة، للمصالح- صارت وقفاً تصرف غلتها فيها؛ لما في ذلك من استدامة المصلحة
واستدراك الغلة في كل عام، وقضية هذا: أن نجزم بمثله في سهم المصالح من خمس الفيء، وكلام الرافعي مصرح بجريان الخلاف الآتي فيه.
قال: وإن قلنا: إنها للمقاتلة، قسمت بينهم؛ لأنها ملك لهم، فوجب قسمتها بينهم - كالمنقول وغيره - كأربعة أخماس الغنيمة.
وهذا ما اختاره النواوي.
وقيل: تصير وقفاً وتقسم غلتها بينهم؛ لأن ملك الغلة في كل عام أمر وأنفع، ولأن أهل الفيء قاموا في تملكه مقام النبي صلى الله عليه وسلم، وحقه من أراضي الفيء وقف؛ فكذلك ما ملكه الجيش بعده منها.
ويخالف ما ينقل ويحول؛ فإنه لا تتأبد منفعته، ويفارق الغنيمة؛ لأن للاجتهاد مدخلاً هاهنا في التقدير، بخلاف الغنيمة، وهذا ما دل عليه ظاهر [لفظه في] "المختصر"، وقال به كثير من أصحابنا، كما حكاه الماوردي، وهو أصح في "الرافعي".
فعلى هذا: هل تصير وقفاً بنفس حصولها للفيء من غير لفظ؛ كما يصير الذراري والنسوان [بنفس الأسر أرقاء]، أم لا بد [من] أن يتلفظ الإمام بالوقف؟ فيه وجهان في "الشامل" وغيره، والذي رجحه الماوردي: الأول، كما دل عليه كلام الشيخ، ونسب الثاني إلى بعض البصريين، وقال: إنه خطأ، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، وقالا: إن رأى الإمام أن يبيعها ويصرف ثمنها لهم، فعل، فإن رأى وقفها، فعل، وهذا وجه ثالث حكاه الإمام.
وحكى الرافعي وجهاً: أن المراد بالوقف – هاهنا – على التصرف، لا الوقف الذي يمنع البيع وغيره.
وظاهر كلام الإمام يقتضي أنه الراجح عند الأصحاب.
وهذا حكم الأخماس الأربعة.
وأما الخميس الباقي، ففي "المهذب": أنه لأهل الخمس، وفي "الشامل" و"الحاوي": أنا إن قلنا: إن الأخماس الأربعة لا تصير وقفاً، فكذلك الخمس، وإن قلنا: إنها تصير وقفاً، فكذلك الخمس إلا سهم ذوي القربى [منه]؛ فإن فيه وجهين:
أحدهما – وهو الأصح في "الحاوي" -: أن الأمر كذلك.
ومقابله هو المختار في "المرشد"؛ لأن تملكهم له على سبيل الميراث، ولا مدخل للاجتهاد فيه.
وفي "الرافعي": أن في سهم ذوي القربى الخلاف المذكور في الأخماس الأربعة، إذا قلنا: إنها للمقاتلة.
وأما سهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل، فمترتب على سهم ذوي القربى، وأولى بكونها وقفاً، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بما تقدم الوعد به من فروع أقوال الملك في الغنيمة:
فمنها: إذا وطئت جارية من الكفار، نظر:
إن كان ذلك قبل الحيازة واستقرار الظفر بهزيمة أهلها- فهي باقية كما كانت؛ فيكون الوطء زنى إن علم بالتحريم؛ فيجب به الحد – قاله الماوردي، وهذا محمول على ما إذا قصد فعل الزنى، أما إذا قصد اختداعها عن نفسها والاستيلاء عليها واسترقاقها، فقد قال القاضي الحسين عند الكلام فيما إذا فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب ما يوجب الحد: إنه لا حد عليه.
ولو لم يقصد ذلك ولكنه جهل التحريم، فهو وطء شبهة يسقط الحد، قال
المتولي في باب قتل المرتد: ولا يجب المهر؛ لأن مالها غير مضمون بالإتلاف؛ فكذلك منفعة بضعها.
وإن كان الوطء بعد استقرار الظفر والحيازة لها: فإن كان بعد وقوع القسمة فلا يخفى حكم ذلك من القواعد، وإن كان قبلها، نظر:
فإن لم يكن للواطئ في الغنيمة سهم ولا رضخ ولا ولد له ولا والد يستحق ذلك، فحكمه – كما قال القاضي الحسين – حكم من وطئ جارية بيت المال: فإن كان ذميًّا وجب عليه الحد، وإن كان مسلماً فوجهان:
أظهرهما: أنه يحد، وعلى ذلك جرى صاحب "التهذيب" والروياني.
ومقابله هو الأقوى عند ابن كج، وقال الإمام في أواخر باب السرقة: إنه لا يجب أن يعتد به.
وإن كان ممن له في الغنيمة سهم أو رضخ، فلا حد عليه سواء علم بتحريم ذلك أو لا، وسواء قلنا: له ملك أو لا.
قال القاضي الحسين: ويخالف الجارية المشتركة إذا وطئها أحد الشريكين؛ حيث يجب عليه الحد على أحد الوجهين، كالوجهين في وجوبه بوطء الجارية المحرمة عليه برضاع أو نسب؛ لأن ملك الشريك هناك متأكد، بخلاف جارية المغنم.
وقال الإمام: إن القول القديم في إيجاب الحد على الشريك يجري فيه.
وحكى في آخر الفصل أن القاضي حكى على قولنا: إن الشريك يجب عليه الحد، وجهين في وجوب الحد على من وطئ جارية من المغنم، وبإيجابه قال أبو ثور.
وإن كان ممن له في الغانمين ابن يستحق السهم أو الرضخ، فهكذا حكمه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: إلحاق الوالد بالولد في ذلك.
وفي "النهاية": أنه لا أثر لذلك ويجب الحد؛ لأن من وطئ جارية أبيه، وجب عليه الحد، بخلاف من وطئ جارية ابنه.
وهذا هو الصحيح.
والمهر واجب على الواطئ وإن كان من الغانمين، ومصرفه مصرف الغنائم، قال الماوردي: سواء حصلت في ملكه بعد ذلك بالقسمة أو لا، وسواء كان عدد الغانمين محصوراً أو لا، يعني: وفي الغنيمة غير الجارية
وحكى عن بعض الأصحاب فيما إذا كان عدد الغانمين محصوراً: أنه يسقط
من المهر بقدر حصته منها، سواء حصلت في ملكه أو لا؛ لأن ملكه موقوف عليهم، ولاحق لغيرهم فيها، وهذا هو ظاهر النص، وهو الذي أورده القاضي الحسين، والإمام والقاضي ابن كج جعلاه مبنيًّا على أن كل واحد من الغانمين قد ملك حصةً من الغنيمة قبل القسمة، وبنيا الأول على القول بعدم الملك، وهوا لذي جزم به العراقيون؛ بناء على الأصل المذكور، وقال الماوردي: إنه الأشبه.
وجعل النص محمولاً على ما إذا كان قد تملكها بالقسمة مع جماعة محصورين قبل الوطء، ولو حمل على حالة كون الجارية كل الغنيمة لكان أولى؛ فإن قياس ما سنذكره عن "الحاوي" في هذه الصورة: الجزم بسقوط حصته من المهر.
وقال الإمام فيما إذا وقعت الجارية في حصة غيره: إن قضية الوجه الذي رواه صاحب "التقريب" – من أن نتبين بالقسمة أن ما حصل في يد كل واحد، قد ملكه بنفس الاغتنام – أن يجب جميع المهر لمن وقعت [في] قسمته، واستضعفه، وروى عن صاحب "التقريب" فيما إذا وقعت الجارية في حصة الواطئ: أنه لا يجب عليه شيء من المهر؛ بناء على الوجه المذكور، وقد حكاه ابن كج قولاً غريباً عن رواية أبي الحسين.
وقد ظهر بما ذكرناه أن محل الخلاف في وجوب جميع المهر أو بعضه فيما إذا كان عدد الغانمين محصوراً، أما إذا كان غير محصور، فيغرم جميع المهر، وتوضع في المغنم وتقسم؛ فإن حصته من المهر ليست نفساً، وبذلك صرح القاضي الحسين وغيره، وجعل الإمام محل الاتفاق على ذلك إذا طابت نفس الواطئ بأداء جميع المهر، وقال فيما إذا قال الواطئ: أسقطه قدر حصتي -: فلابد من إيجاب، فإن تيسر الضبط فذاك، وإلا أخذ المتحقق وحط المتيقن، وتوقف في المشكوك فيه.
وهكذا كله إذا خلا الوطء عن الإحبال، [أما] إذا أحبلها أحد الغانمين، فحكم الحد والمهر كما تقدم، فإذا لم يوجب الحد، فهل يثبت الاستيلاد؟
قال بعضهم: إن قلنا: لا ملك له، لم ينفذ في الحال، وفي نفوذه إذا ملكها يوماً ما القولان المذكوران في باب الاستيلاد، وهذا ما أورده العراقيون، وقال
القاضي أبو الطيب: إنه لا يختلف المذهب فيه.
وإن قلنا: غنه قد ملكن ففي نفوذه في الحال في حصته إذا كان موسراً وجهان؛ كالوجهين في نفوذ الاستيلاد المشترى في زمن الخيار على قولنا: إن الملك له؛ لأنه ملك ضعيف، وهذه الطريقة رواها صاحب "التقريب".
وقيل: إن قلنا: إنه يملك نفذ، وألا فقولان كالقولين في استيلاد الأب جارية ابنه، وضعف الإمام هذه الطريقة.
ويخرجه من الطريقين عند الاختصار قولان أو وجهان:
أحدهما: نفوذه مطلقاً، وهو الذي أورده القاضي الحسين، سواء كان الغانمون محصورين أو لا، قال: لأنا نتيقن أن له شركاً فيها.
وهذا بناه على الصحيح في أن السراية تحصل مع اليسار بنفس الاستيلاد لا بدفع القيمة.
وقد نسب المنع إلى ابن أبي هريرة، وهو المذكور في أكثر الكتب، وكذلك في "الحاوي" في حالة عدم انحصار الغنيمة، وقال فيما إذا كانوا محصورين: إنه ينظر: فإن لم يكن في الغنيمة سواها قطعنا بنفوذه، وإن كان ثمة غيرها ففي نفوذه وجهان؛ بناء على الوجهين في سقوط مهرها إذا انحصر عددهم، وفي المغنم غيرها.
وعلى وجه المنع، فالفرق بينه وبين ما إذا لم يكن ثم غيرها: أنه إذا كان ثم غيرها احتمل أن يجعل الإمام الجارية لغيره؛ فإنَّ له أن يقسم الغنيمة قسمةَ تحكمٍ لا قسمة مراضاة، بخلاف ما إذا لم يكن ثم غيرها.
وقد أشرنا إلى أن محل ما ذكرناه إذا كان الواطئ موسراً بقيمة ما يخص الغانمين من الجارية، فلو كان معسراً، فإن كان الجند محصورين فالحكم في نفوذه في حصته كما تقدم، ولا يسري الاستيلاد إن نفذناه إلى باقيها، وهكذا الحكم فيما إذا كانت حصته من باقي الغنيمة تفي بقيمة ما بقي من الجارية، ورُدَّ، قال الإمام: ولا نقول: إن حق السراية يلزمه اختيار التملك؛ فإن الاختيار بمثابة ابتداء الاكتساب.
ولو كان عدد الغانمين غير محصور، ففي "تعليق" القاضي الحسين: أنها لا تصير أم ولد؛ لأن نصيبه منها على قول الملك مجهول، والحكم بانعقاد أمومة غير معلومة لا معنى له.
وقال الرافعي: إن أفرزها الإمام لطائفة قبل الوطء وهو منهم، فالحكم كما إذا كانوا محصورين، وإلا فلا نحكم بالاستيلاد في الحال، فإن وقعت في الآخرة في حصة الواطئ ثبت الاستيلاد حينئذ، أي: إن أثبتناه في حصة الموسر، وإن صار بعضها له، ثبت في ذلك البعض، ونسبه إلى "التهذيب" وغيره.
التفريع:
إن قلنا بنفوذ استيلاد الموسر في حصته، ففي "الحاوي" أنه هل يسقط خيار الإمام في قسمتها لمن شاء، ويلزمه دفعها إليه، أو يكون على خياره؟ فيه وجهان محتملان.
قلت: والثاني لا وجه له أصلاً.
وإن قلنا بعدم النفوذ، فإن تأخرت القسمة حتى وضعت، فعن ابن كج: أن الجارية تجعل في المغنم، وتدخل في القسمة، وإن دخلها نقص بالولادة لزمه الأرش.
وقبل الوضع هي حامل بحُرٍّ كما سنذكره، ولا يجوز بيعها على الصحيح، وبه جزم العراقيون، وكذلك قسمتها إن قلنا: [إن] القسمة بيع.
وعلى هذا، فعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل أن تسلم له في حصته إن كانت حصته قدر قيمتها أو أكثر، ويأخذ الفاضل، وإن كانت أقلن أخذ منه الفاضل، وهذا ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق، وضعفه الأصحاب.
وقيل: تؤخذ منه قيمتها، وتلقى في الغنيمة؛ لأنه بالإحبال حال بينها وبين الغانمين.
وفي "الحاوي" حكاية وجهين مع الأول:
أحدهما: أنها لا تقوم عليه.
والثاني: أنها تقوم عليه إن قلنا: إنه إذا ملكها صارت أم ولد لهن وإلا فلا تقوم عليه، وهذا [قد] حكاه أبو الطيب أيضاً، وللإمام احتمالان:
أحدهما: أنها توقف إلى أن تلد، ثم تلقى في الغنيمة.
والثاني: جواز قسمتها في هذه الحالة، وأنه يقوى إذا قلنا: إن القسمة إقرار.
ولا شك في أن الولد ينسب – إذا لم نوجب الحد – وينعقد في حال يسار
الواطئ حُرًّا إن ثبت الاستيلاد في جميع الجارية؛ لان له شبهة ملك، وهل تجب قيمته؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الجارية هل تقوم عليه أم لا؟ فإن [قلنا:] نعم، لم يلزمه؛ لأنها في ملكه حين وضعت الولد، وإن قلنا: لا، لزمته؛ لأنه منع رقه بوطئه، كذا حكاه الرافعي، وظاهره: أن محل الخلاف إذا حكمنا بالاستيلاد، وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، لكنه بناه على أن السراية تحصل بنفس الإحبال، أم لابد من دفع القيمة؟ فعلى الأول: لا يجب، وعلى الثاني: يجب عليه [منها قدر] حصة أصحابه، وفي "تعليق" أبي الطيب والبندنيجي الجزم بعدم الاستيلاد.
وحكاية الوجهين في قيمة الولد مبنيان على الخلاف في أنها تقوم عليه، أم لا؟ كما بناهما الرافعي.
وقد شبه مشبهون – ومنهم الإمام – الخلاف بالخلاف في وجوب قيمة الولد إذا وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة وهو موسر، ثم منهم من بنى الخلاف فيهما على أن الملك يحصل للمستولد قبل العلوق أو مع العلوق أو بعده؟
ثم حكم قيمة الولد حكم المهر، وقيمة الجايرة.
ولو كان الواطئ معسراً، وثبت الاستيلاد في حصته من الجارية، أو لم يثبت كما حكاه العراقيون، فيخلق الولد كله حرًّا؟ أو الحر منه قدر حصته والباقي رقيق؟ فيه وجهان – أو قولان – حكاهما الفريقان.
فإن قلنا بالثاني، فلو ملك باقي الجارية أو جميعها [من بعد] بقي الرق في الباقي دون حصته إن حكمنا بنفوذ الاستيلاد [في الحال]؛ لأنها علقت برقيق في غير الملك.
وإن قلنا بالأول، وهو ما دل كلام الإمام على ترجيحه، ففي نفوذ الاستيلاد في الباقي أو في الجميع على قول من [لم] ينفذه ابتداء – القولان.
ومحل الوجهين في انعقاد جميع الولد على الحرية أو بعضه – كما قاله
القاضي الحسين – إذا انحصر الغانمون، فإن كانوا غير محصورين، ففي "تعليق" القاضي و"التهذيب": أنا إن قلنا عند الانحصار: كل الولد حر؛ فتؤخذ منه قيمته، وتوضع في المغنم، وتقسم على الكل، وإن قلنا: إن هناك الحر قدر حصته، فهاهنا يكون الكل رقيقاً – قالا: ثم الإمام عند القسمة يجتهد حتى تقع الأم والولد في حصة الواطئ، فإن وقعا في حصته، قال القاضي: فتصير أمَّ ولد له، والولد في قول: خلق رقيقاً كله، وهذا – على مذهبنا – غريب.
وقال في "التهذيب": إن الجارية تصير أم ولد، [كما تقدم، والولد حر، وإن وقع البعض في ملكه صار بقدره من الجارية أم ولد]، وعتق من الولد بقدر ما ملك.
ومنها: إذا وقع في الأسر من يعتق على بعض الغانمين، ورق: إما بنفس الأسر، أو بإرقاق الإمام – فالنص: أنه لا يعتق قبل القسمة واختيار التملك، وهوا لذي أورده العراقيون، والنص فيما إذا استولد بعض الغانمين جارية من المغنم: أنه يثبت الاستيلاد كما مر، فمن الأصحاب من جعلهما على قولين؛ بناء على أن الغنيمة تملك بالاستيلاد أم لا.
ومنهم من أقر النصين، وهو الذي صححه القاضي الحين، وقالوا: الفرق: أن الاستيلاد أقوى؛ بدليل نفوذ إحبال المجنون دون إعتاقه.
وعن الشيخ أبي محمد في "المنهاج": أنه فرق بان الوطء اختيار التملك، وكذلك جعل وطء البائع في مدة الخيار فسخاً، وليس في مسألة القريب ما يدل على الاختيار، وأنه بنى [على ذلك] ما لو قال مشيراً إلى حريته قبل القسم: قد أعتقت هذه، نحكم بثبوت العتق.
قال الرافعي: والظاهر أنه لا يثبت العتق في الحال وإن قدرنا الخلاف، فإذا استقر ملكه فيه بأن وقع في نصيبه واختار تملكه، أو وقع بعضه في نصيبه واختاره – عتق عليه، وينظر لتقويم الباقي عليه إلى يساره وإعساره.
وفي "الحاوي": أن الغانمين إذا كانوا محصورين ولم يكن في الغنيمة إلا
قريبه – فيملك حصته، وإن لم يَجْرِ التملك، ويعتق عليه، ولا يقوم عليه الباقي؛ لأنه ملكه بغير اختياره.
وإن كان في الغنيمة غيره، ففي نفوذ العتق في حصته وجهان كما قلنا في الاستيلاد، فإن قلنا بالعتق لم يقوم عليه الباقي – أيضاً- بخلاف ما لو وقع قريبه في حصة أقوام هو أحدهم مع كون الغانمين غير محصورين؛ فإن الحصة تعتق عليه إذا اختار التملك، ويقوم الباقي عليه؛ لأنه ملكه باختياره.
ومنها: لو أعتق واحد من الغانمين عبداً من الغنيمة، قال الرافعي: ففي ثبوت العتق في الحال ما ذكرناه في عتق القريب، كذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره.
وفي "الحاوي": أنه لا يعتق بحال، والفرق: قوةُ عتق القريب؛ فإنه يثبت بلا اختيار، وضَعْفُ غيره المتوقف على الاختيار.
وكذلك يعتق على المحجور عليه قريبه إذا ملكه، ولو أعتق مملوكه لم ينفذ [عتقه]، والله – عز وجل – أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء السابع عشر المحتوى: تتمة كتاب الجنايات - كتاب الحدود
بسم الله الرحمن الرحيم
باب عقد الذمة [وضرب الجزية]
الذمة: العهد والالتزام، وضرب الجزية: إثباتها وتقريرها.
ويسمى [المأخوذ: ضريبة، "فعيلة"؛ بمعنى "مفعولة"، جمعها ضرائب.
والجزية: عبارة عن المال] المأخوذ بالتراضي من الكفار؛ لإسكاننا إياهم في دار الإسلام، أو لحقن دمائهم وذراريهم وأموالهم، أو لكفنا عن قتالهم، على اختلاف في ذلك.
وهي مأخوذة من "المجازاة" و"الجزاء"؛ لأنها جزاء عن سكني دارنا، أو عن حقن دمائهم، أو عن كفنا عن قتالهم، على حسب الاختلاف السابق.
والأخير مختار القاضي الحسين، وقال: [إن] جعلها في مقابلة مقامهم في دارنا مدخول؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام كالرجل ولا جزية عليها، وكذلك جعلها في مقابلة حقن الدماء مدخول؛ لأن الجزية تتكرر بتكرر السنين، وبدل حقن الدم لا يتكرر بتكرر الأزمنة، ولأنها لو كانت بدل حقن الدماء لما ارتفع [حقن الدماء] بحال؛ كما لو صالح من دم العمد على مال، وهو يرتفع بنقض العهد.
وقال الإمام: الوجه أن نجمع مقاصد الكفار ونقول: هي مقابلة بالجزية.
وقيل: إن "الجزية": "فعلة"، من: جزي يجزي: إذا قضي؛ قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]، أي: لا تقضي.
وتقول
العرب: جزيت ديني، أي: قضيته، وجمعها: جزى، كقربة وقرب.
والأصل فيها – قبل الإجماع – من الكتاب قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، أي: حتى يلتزموها؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]، والمراد: حتى يلتزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في وقت استحقاقها، بالإتيان بلفظ الشهادتين المتضمن لذلك.
وقد قيل: إن آية الجزية ناسخة لهذه الآية، وقيل: لا، بل هي خاصة بأهل الكتاب وهذه عامة في كل مشرك.
ومن السنة: ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيرا، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فأدعهم إلى إحدى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم، وكيف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول إلى دار المهاجرين وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، [فإن أبوا واختاروا دارهم، فأعلمهم] أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن الله وقاتلهم".
خرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، ومن أهل أيلة وهم ثلاثمائة رجل.
ولأن في أخذها معونة للمسلمين وإهانة للمشركين، [وربما بعثهم] على الإسلام.
قال – رحمه الله –: ولا يصح عقد الذمة إلا من الإمام أو ممن فوض إليه الإمام؛ لأنه من المصالح العظام؛ فاختص بمن له النظر العام، ولأن الولاية في المال المستفاد بهذا العقد [للإمام ونائبه؛ فوجب أن تكون ولاية العقد لهما كما في العقد] على مال اليتيم.
وعن كتاب ابن كج نقل وجه: أنه يصح من الآحاد، كالأمان.
وعلى الأول: لو عقدها واحد من المسلمين من غير إذن الإمام، فلا يغتال المعقود له بل يلحق بمأمنه.
ولو أقام سنة فصاعدا، فهل يؤخذ منه لكل سنة دينار؟ فيه وجهان، أشبههما: المنع؛ لأن القبول ممن لا يقبل الإيجاب لغو؛ فكأنه لم يقبل شيئا.
وهل يجب هذا العقد عند طلب الكفار له؟ فيه كلام تقدم في باب "قتال المشركين".
قال: ولا يعقد لمن لا كتاب له ولا شبهة كتاب كعبده الأوثان والمرتدة؛ لأن الله – تعالى – أمر بقتل جميع المشركين إلى أن يسلموا، بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} [التوبة: 5]، وخص منهم في كتابه العزيز أهل الكتاب بالآية السالفة، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من له شبهة كتاب – وهم المجوس – بما سنذكره من الخبر، وبفعله؛ فبقي الحكم فيمن عدا المذكورين؛ لعموم الآية.
والمرتدة: جمع مرتد.
قال: ومن دخل في دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل؛ لأنه دخل في دين لا حرمة له؛ فلم يعقد له كعبدة الأوثان.
والواو في قول الشيخ: "والنصارى ... والتبديل" يتعين أن تكون بمعني ["أو" إن] استعملت لفظة "من" للإفراد، كما نبهنا على جواز ذلك في الباب [قبله]، ويكون معنى الكلام: ومن دخل في دين اليهود أو النصارى بعد النسخ أو التبديل.
ويجوز أن تكون بمعنى: "أو" – أيضا -[إذا استعملت لفظة] "من" للجمع كما هو معناها، والظاهر أنه المراد.
[و] يجوز أن تبقى على حالها ويكون قد أثبت هذا الحكم للجمع، وخص كل حالة ببعض الجمع؛ [كما] في قوله تعالى: [﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]، وفي قوله تعالى: [﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41]، أي: لينفر الخفاف منكم خفافا والثقال ثقالا، ويكون تقدير الكلام: والداخلون في دين اليهود والنصارى، أي: بعضهم في هذا الدين وبعضهم في الآخر بعد النسخ والتبديل، أي: بعضهم بعد النسخ وبعضهم بعد التبديل، أو كلهم كذا أو كذا.
والمحوج إلى ذلك: أنه لا يمكن جعل الواو في قوله: "والتبديل" [الواو]
المشركة؛ لأن المراد [أن] من دخل بعد النسخ فلا تعقد له [الذمة] وإن دخل في دين غير مبدل، وكذا من دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين [المبدل] [لا تعقد له، كما صرح به أبو الطيب والبندنيجي والمصنف وكثيرون؛ لما ذكرناه من التعليل.
وفي "الرافعي" على هذه الطريقة حكاية قولين في جواز العقد لأولاد [من] دخل قبل النسخ وبعد التبديل في الدين المبدل] كأولاد المرتدين، وهذه طريقة الفوراني والطبري في "العدة"، وضعفها الإمام، وحكى طريقة أخرى: أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ [وبعد التبديل]، سواء دخل في الدين المبدل أو لا، وقال: المذهب: القطع بها؛ لأنهم وإن بدلوا فمعلوم أنه بقي [منه] ما لم يبدل؛ فلا ينحط التمسك به عن شبهة كتاب المجوس.
وحكى الرافعي: أن أبن كج لم يورد سواها، وأن الروياني [اعتمدها] في "البحر".
وحكى عن القاضي أبي الطيب أنه قال: لا أحفظ الشرط المذكور عن الشافعي، وإنما فرق في كتبه بين ما قبل نزول القرآن وما بعده، وهذا أولى؛ [تغليبا] لحقن الدم.
ثم المراد بالذين دخلوا [بعد النسخ: الداخلون] بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به القاضي أبو الطيب في أوائل الباب.
وعن "التحرير": أنهم الداخلون بعد نزول القرآن، وعلى ذلك ينطبق ما عزي لـ "البحر" حكاية عن الشافعي – رضي الله عنه – كما تقدم، وقد أورده القاضي أبو الطيب في [باب] تبديل أهل الذمة من كتاب الجزية.
وبين العبارتين فرق؛ لأن هذه [العبارة] تقتضي أن من دخل في الدين المذكور بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5]، لا تعقد له الذمة؛ لأنها أول آية أنزت عليه صلى الله عليه وسلم والعبارة الأولى تقتضي أن تعقد له؛ لأنه في هذه الحالة لم يؤمر بإنذار ولا رسالة، ولم يزل كذلك إلى نزل عليه قوله تعالى: ﴿يأيها المدثرقم فأنذر ...﴾ إلى قوله: ﴿والزجر فاهجر﴾ [المدثر: 1 - 5]، ففي هذه الحالة تمت نبوته، وتحققت رسالته.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر مع الأول عن رواية أبي إسحاق المروزي – وقال: إنه الأظهر -: أن شريعة موسى – عليه السلام – نسختها [شريعة] عيسى – عليه السلام – فمن دخل فيها بعد بعثته لا تعقد لأولاده، وهذا ما حكاه البندنيجي عن الشافعي – رضي الله عنه -، وجزم به في "المهذب"، وعزا إلى المزني أنها تعقد لمن دخل قبل النسخ أو بعده، وسواء دخل في دين المبدلين أو غيره.
قال: ويجوز أن يعقد لليهود والنصارى، أي: من العرب والعجم؛ لعموم الآية؛ فإنها دلت على عقدها لأهل الكتاب، ولم يقع فيها فصل بين عجمي وعربي، واليهود والنصارى أهل كتاب بالاتفاق؛ قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156]، وقد روى أبو داود عن أنس بن مالك أنه صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من أكيدر دومة، بعد أن أسره وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة على اختلاف فيه، وأخذها من أهل اليمن وأكثرهم عرب.
وأكيدر: بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها دال مهملة [مكسورة وراء مهملة.
ودومة:] من بلاد الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة.
وممن تهود من العرب: كنانة وكندة وحمير وبنو الحارث بن كعب، وومن تنصرهم: ربيعة وغسان وبعض قضاعة.
ولا فرق في اليهود والنصارى فيما ذكرناه بين أن يكونوا لم يبدلوا أو قد بدلوا؛ لأن لهم في الحالة الأولى شرف دينهم الذي كان حقا، وشرف آبائهم الذين ماتوا على دين حق، وفي الحالة الثانية: شرف آبائهم [فقط].
قال: والمجوس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، كما رواه الشافعي – رضي الله عنه – وروي عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، وقد أخذها منهم أبو بكر – رضي الله عنه – فيما فتحه من أطراف العراق، [وأخذها عمر – رضي الله عنه – ممن كان بالعراق] وفارس منهم، وأخذها عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أيضا – فكان أخذها منهم سنة عن رسول الله وأثرا عن الخلفاء الراشدين، وقد ذكرنا في باب قتال المشركين أثرا عن علي – رضي الله عنه – في ذلك.
قال: ولمن دخل في دين اليهود والنصارى، ولم يعلم هل دخل قبل النسخ والتبديل أو بعده.
هذا الفصل ينظم في هذا الحكم صورتين:
إحداهما: يثبت فيها بالمفهوم.
والأخرى: يثبت فيها بالمنطوق.
فالأولى: إذا دخلوا في دين اليهود والنصارى قبل التبديل والنسخ؛ فيجوز أن يعقد لهم؛ لأنهم دخلوا في دين حق إذ ذاك؛ فكان كما لو دخلوا في عصر موسى وعيسى، على نبينا وعليهم السلام.
ولا فرق فيهم – أيضا – بين من بدل بعد ذلك أو لم يبدل.
ويلتحق بهذه الحالة ما إذا دخل بعد التبديل، لكن [في الدين الذي لم يبدل]، كما صر به البندنيجي.
وهذه الصورة ظاهر كلام الشيخ في ابتداء الكلام يأباها؛ فينبغي أن يحمل كلام الشيخ على ما عداها، كما نبهت عليه [من] قبل.
والثانية – وهي التي صرح بها -: إذا شككنا هل دخلوا قبل النسخ والتبديل أو بعده، فيعقد لهم – أيضا – كما نص عليه في "الأم"؛ لأنهم دائرون بين أمرين: أحدهما: يقتضي حقن الدم، والآخر: إباحته، فغلب حكم الحقن عملا بالأصل؛ فإن الأصل في الدماء الحقن، ومع هذا لا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم، كما تقدم؛ لأن الأصل في الأبضاع والميتات التحريم، فتمسكنا فيهما عند الشك في المبيح بالأصل؛ كصنعنا في المجوس، وقد حكينا طرفا من ذلك في كتاب النكاح، وممن وقع الشك في أنهم دخلوا بعد التبديل أو قبله: تنوخ، وبنو تغلب، وبهراء.
قال: وأما السامرة والصائبة فقد قيل: يجوز أن يعقد لهم، وقيل: لا يجوز هذا الفرع ينبغي على أصل تقدم في باب ما يحرم من النكاح، وهو أن السامرة طائفة من اليهود، والصائبة طائفة من النصارى [أم لا]؟ وقد حكينا فيه أربع طرق:
إحداها – وهي التي صار إليها الجمهور، ونص عليها الشافعي – رضي الله عنه – أنهم إن كانوا يخالفون اليهود والنصارى في أصول الأديان فليسوا منهم، وإن وافقوهم في أصول الاعتقادات، وخالفوهم في فروعها – فهم منهم.
وعلى هذه الطريق يكون حكم عقد الذم لهم كذلك، وهي التي صححها النووي والفوراني.
الثانية: أنهم منهم كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في "الأم" على ما نقله البندنيجي.
والقائلون بها قالوا: ما ذكر من النص الأول كان قبل أن يظهر له حالهم، ثم بأن له أمرهم بعد ذلك، فأجابا بأنهم منهم، وهذا قول أبي إسحاق، ونص الخلاف في المسألة، وقال القاضي أبو الطبيب: إنه المذهب.
فعلى هذا: يعقد لهم الذمة، وتحل مناكحتهم وذبائحهم.
الثالثة: أنهم ليسوا منهم كما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – في بعض كتبه، كما نقله الإمام، فعلى هذا: لا يعقد لهم الذمة.
وهذه والتي قبلها هما ما في الكتاب.
الرابعة: أن في كونهم منهم قولين، وكذا هما في عقد الذمة [لهم].
وقال الإمام في كتاب النكاح: لا وجه للخلاف فيمن يكفرهم اليهود والنصارى، ولا يعدونهم منهم، ولا يبعد التردد في الذين يبدعونهم ولا يخرجونهم من زمرتهم في سقوط الجزية بالبدعة، وقال هنا: إنا لو تحققنا تعطيلهم، أي: باعتقادهم أن مدبر العالم الأنجم السبعة، ومدبرها الفلك الأعلى الحي الناطق، أو أنهم يقولون بقدم النور والظلمة وإسناد الحوادث إليهما – فلا شك أنا لا نأخذ الجزية منهم.
ولو بقي الأمر مشكلا في حالهم فهل يجوز عقد الذمة لهم [أم لا]؟ فيه احتمالان، والظاهر: الأول، وبه جزم القاضي الحسين والماوردي.
قال: ومن تمسك بدين إبراهيم وشيث، أي: وهو ابن ادم لصلبه، وغيرهما من الأنبياء – عليهم السلام – فقد قيل: يعقد لهم؛ لأن الله – تعالى – أخبرنا أنه أنزل عليهم صفحا، قال الله تعالى ﴿أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وافى﴾ [النجم: 36، 37]، ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ [الشعراء: 196]، وهذه تسمى كتبا، وإذا كان كذلك اندرجوا في قوله تعالى: ﴿ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: 29].
وإنما قلنا: [إن] هذه تسمى كتبا؛ لأن الشافعي – رضي الله عنه – لما سأله الرشيد في المحنة، فقال له: كيف معرفتك بكتاب الله؟ قال [له]: عن أي
كتبه تسألني؛ فإن الله أنزل على آدم ثلاثين صحيفة، [وأنزل على إدريس ست عشرة صحيفة]، وأنزل على إبراهيم ثماني صحف.
فدل هذا [على] أن الصحف كتب، ولأن المجوس يقرون بالجزية وليس لهم كتاب؛ بل شبهة [كتاب]؛ فكان هؤلاء بذلك أولى، وهذا قول أبي إسحاق وغيره، كما حكاه الصنف وغيره، وهو الذي صححه النووي والرافعي وصاحب "المرشد"، وكلام الإمام يقتضي ترجيحه.
قال: وقيل: لا يعقد لهم؛ لأن هذه الكتب لم ينزل بها جبريل، وإنما أثبتت بما حصل [لهم] من الإلهام، وليس فيها بيان الأحكام من الأمر والنهي، وإنما هي مواعظ وتسبيح وتهليل؛ [فلم تلتحق بالكتابين]، ولأنا لا نثق بأقوالهم، ولا ندري صدقهم من كذبهم.
قال القاضي الحسين: وهذا ما صار إليه الأكثرون.
وكلامه قد يفهم أن أبا إسحاق منهم؛ فإنه حكى عنه أنه قال: لو تصور لنا ثبوت كتاب [سوى الكتابين، [لأعطينا أهله حكم أهل الكتابين] في حقن الدم، ولكنه لا يثبت؛ إذ لا طريق إلى معرفته إلا من جهة مدعيه، ولا يمكننا معرفته بقولهم؛ إذ لا حكم له، وليس كذلك؛ بل هو مصرح فيما إذا ثبت لهم كتاب]: بأن حكمهم حكم اليهود في حل مناكحتهم وذبائحهم وعقد الذمة معهم، وإن لم يثبت وشككنا فيه: بأن حكمهم حكم المجوس، كذا صرح به ابن الصباغ عنه.
[و] في هذه الحالة يجب أن يقال بعد حل المناكحة والذبيحة، وإن جوزنا عقد الذمة لهم كما صرح به بعضهم.
وفي "الرافعي": أن منهم من أجرى خلافاً في حل ذلك في هذه الحالة، وجزم بالحل عند تحقيق كتابهم، وكذا عند إسلام اثنين منهم [وشهادتهما بصحة الكتاب.