كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 503-34
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 503-34
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الرافعي: وقضية هذا الكلام ألا يفرق بينه وبين غيره.
قلت: بل الفرق مع هذا الجمع لائح، فإن الإمام وإن شارك الأجنبي في التعدي بالرمي، فقد امتاز عنه بإباحة القتل.
وقد ادّعى الماوردي أن ما قاله أبو جعفر فاسد؛ لأن اختلافهما في هذا الوجه لما لم يمنع من تساويهما قبل الإسلام في سقوط القود – لم يمنع من تساويهما بعد الإسلام في وجوب الدية، وهذا قد يؤخذ جوابه من قاعدة ذكرها القاضي الحسين؛ وهي: أنّا في القود نعتبر التساوي في الطرفين، والواسطة؛ حتى لو تخللت حالة لم يكن فيها كفئاً للقاتل لا يجب القود؛ لأنه مما يدرأ بالشبهة؛ [فإذا حدثت حالة لم يكن القتيل [فيها] كفئاً للقاتل حصلت شبهة].
وكذا يلحق بالقود حل الأكل؛ فيعتبر فيه الطرفان، والواسطة، حتى لو رمى مسلم إلى صيد، فارتد، ثم أسلم، ثم أصابه السهم: لا يحل؛ لأن الأصل في الميتات الحرمة.
وهكذا الحكم في تحمل العاقلة يعتبر [فيه] الطرفان والواسطة؛ لأنها مؤاخذة بجناية الغير؛ فهي معدولة عن القياس؛ فاحتيط فيها احتياطنا في العقود.
وفي أصل الضمان الخلاف السابق، وفي قدر الضمان يعتبر المال جزماً.
وقد حكى الإمام أن الشيخ أبا علي حكى قولاً فيما إذا رمى سهماً إلى صيد، وارتدّ، وعاد إلى الإسلام، ثم أصاب السهم إنساناً – أن الدية تضرب على عاقلته المسلمين، ويكتفي بإسلامه في الطرفين، ثم قال: وهذا القول يجري فيما إذا رمى إلى مسلم؛ فارتد، وعاد إلى الإسلام، وأصابه؛ لأن الحكم بتحمل العقل والقصاص واحد، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
واعلم أن الخلاف المذكور في مسألة الكتاب يجري فيما إذا أرسل سهماً على قاتل أبيه، ثم عفا عنه، ثم وقع به السهم؛ فقتله.

[وفيما لو] كان الرامي حربيًّا، ثم أسلم، [أو عقد له الأمان] قبل الإصابة.
[وفيما إذا أرسل سهماً على عبده، ثم أعتقه، ثم وقع به السهم؛ فمات منه].
لكن الأولى ترتيبه في الرمي إلى قاتل الأب على الرمي إلى المرتد، وأولى بوجوب الضمان؛ لأن إهدار دم المرتد أعظم من إهدار [دم] من عليه قصاص.
والأولى في الرمي إلى عبده ترتيبهُ على الرمي إلى قاتل الأب، وأولى بوجوب القصاص؛ لأن هذا القتل مضمون بالكفارة إذا لم يتغير الحال؛ بخلاف الرمي إلى قاتل الأب، وقد جزم بالوجوب فيه الفوراني.
فرع: إذا أوجبنا الدية في مسألتي الكتاب، فهل هي دية العمد، أو الخطأ المحض، أو عمد الخطأ؟ فيه ثلاثة أوجه، أوسطها: أظهرها.
قال الغزالي: وهي تجري في كل قتل عمد محض صدر عن ظن في حال القتل.
قال: ومن قتل من وجب رجمه بالبينة، أو انحتم قتله في المحاربة – لم تلزمه الدية؛ لأنه مهدر الدم؛ فكان كالمرتد.
وفي ابن يونس حكاية وجه عن رواية ابن الصباغ في الصورة الأولى: أن الدية تجب إذا قلنا: لا يجب القصاص فيها، كما سنذكره.
وفي تعليق القاضي الحسين في باب القصاص بالسيف [وغيره] حكاية وجه في الصورة الثانية: أنها تجب؛ بناء على أن القتل في المحاربة يقع قصاصاً.
أما إذا قتل من وجب رجمه بالإقرار، ففي ابن يونس أنه يضمن بالدية.
وفي الحاوي عند الكلام في جرح المسلم المرتد ما يقتضي الجزم بأنه لا يضمن بالدية؛ فإنه قال: إذا جرح مقرًّا بالزنى وهو محصن؛ فرجع عن إقراره، ثم مات – ففي ضمان نفسه وجهان، حكاهما ابن أبي هريرة: أحدهما: لا يضمنه بقود ولا دية؛ لإباحة نفسه وقت الجناية.
[والثاني: يضمن ديته وإن جرى عليه حكم الإباحة وقت الجناية].

والفرق بينه وبين المرتد أن المرتد مباح الدم إلا أن يتوب من ردته، والزاني محظور النفس إلا أن يقيم على إقراره.
تنبيه: في عدم إيجاب الدية في الحالتين اللتين ذكرهما الشيخ دليل ظاهر على عدم إيجاب القصاص أيضاً؛ لأن القاعدة العامة: أنها متى انتفت انتفى القصاص، ولا يستثني منها إلا [مسائل قليلة: منها: إذا قطع [من إنسان] ما بدله دية كاملة، ثم قتله، أو سرت الجراحة إلى نفسه؛ فقطع الولي من الجاني مثل ما قطعن ولم يسر الجرح؛ فإن القصاص في النفس ثابت، ولو أراد العفو عنه على الدية لم يثبت.
ومنها: المرتد إذا قتله ذميّ، يجب عليه القصاص على وجه دون الدية إذا آل الأمر إليها.
[ومنها: إذا قتل العبد عبد سيده يجب عليه القصاص، ولا دية].
وقد أطلق الشيخ في المهذب، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهم القول بأن الزاني المحصن إذا قتله مسلم هل يجب عليه القصاص أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن ولي قتله هو الإمام، فإذا تولاه غيره، أقيد منه؛ كالقاتل إذا قتله غير ولي المقتول بغير إذنه.
وأصحهما – وهو الذي عليه جمهور [أصحابنا] كما قاله الماوردي، واختاره الإمام، وروى عن المراوزة: القطع به، وعزاه المصنف إلى النص، يعني في "الأم"؛ كما حكاه المحاملي -: عدم الوجوب؛ كما قلنا: إنه مقتضى كلام الشيخ هنا، واستدل له القاضي أبو الطيب وغيره بما روى سعد بن أبي وقاص قال:"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ لَو أَنَّ أَحَدَنَا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَكَانَ يَقْتُلُهُ، أَوْ حَتَّى يَاتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَفَى بِالسَّيفِ شَا" وَأَرَادَ أَنْ يَقُولَ: شَاهِداً؛ فَلَمْ يُتِمَّ الكَلاَمَ، ثُمَّ قَالَ: لاَ حَتَّى يَاتِي بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ".

وهذا منهم دليل ظاهر على أن محل الخلاف إذا وجب رجمه بالبينة، لكن ما حكيناه عن الماوردي من قبل يلحق حالة ثبوته بالإقرار بذلك، وعليه يدل قول النبدنيجي: إذا قلنا: لا قود، فالمراد به: إذا ثبت أنه [قتله] بعد أن زنى؛ فإن لم يكن له بينة: فإن صدقه الولي فلا شيء عليه، وإن كذبه الولي فالقول قوله.
وقال في الحاوي بعد حكاية الوجهين: والأصح – عندي – من إطلاق هذين المذهبين: أن يقال: إن وجب قتل الزاني بالبينة فلا قود على قاتله؛ [لانحتام قتله، وإن وجب بإقراره أقيد من قاتله]؛ [لأن قتله] بإقراره غير منحتم؛ لسقوطه عنه برجوعه عن إقراره.
ثم قال: وعلى هذا لو أن محارباً من قطاع الطريق قتل في المحاربة رجلاً فللإمام أن ينفرد بقتله دون ولي المقتول، [ولولي المقتول] أن يقتله بغير إذن الإمام لما قد تعلق به من حقه؛ فإن قتله غيرهما من الأجانب؛ فعلى الوجه الأول، [يجب]، وعلى مذهب الشافعي وجمهور أصحابنا لا قود عليه.
وهذا الخلاف ذكره المتولي تفريقاً على قولنا: إن قتل المحارب حق الله – تعالى- خاصة، وطرده القاضي الحسين فيما إذا قتل الزاني المحصن مثله، أو القاتل فيا لحرابة مثله، وفيما إذا قتل الزاني المحصن قاتلاً في الحرابة، وبالعكس، وفيما إذا قتل تارك الصلاة مثله.

قال: وضابطه: أن مباح الدم إذا قتل مباح الدم، واستويا في فضيلة الإسلام – يكون في القود جوابان، وإذا اختلفا لم يقتل الفاضل بالمفضول، وفي قتل المفضول بالفاضل جوابان.
وقضية هذا الضابط: أن [يكون في قتل المرتد بالزاني المحصن جوابان؛ لأن الزاني المحصن أفضل من المرتد مع استوائهما في إباحة الدم.
وقد جزم المتولي بأنه يقتل به، وكلام الشيخ يقتضي [أنه لا] يقتل به؛ لأنه قال: "ومن قتل من وجب رجمه بالبينة"، ولم يفصل بين قاتل وقاتل.
وكذا قضية هذا اللفظ من الشيخ: أن الذميّ إذا قتل من وجب رجمه لا يقتل به، وقد قال العراقيون: إنه يقتل [به] بلا خلاف.
وحكى الرملي في قتله به وجهين: أحدهما: يجب، وإن اختار ورثته الدية لزمه دية مسلم.
والثاني: لا يجب؛ كما لو قتله مسلم، والله أعلم.
قال: ومن قتل مسلماً تترس به المشركون في دار الحرب؛ أي جعلوه ترساً لهم –فقد قيل: إن علم أنه مسلم، وجبت الدية؛ لأنه يلزمه أن يتوفاه؛ فلزمت ديته؛ كما لو [لم يتترس به].
ولا فرق – في ذلك – بين أن يقصده، أو يقصد غيره؛ فيقع فيه.
وإن لم يعلم.
لم تجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أي: [في قوم عدو لكم] ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] فاقتصر على ذكر الكفارة، ولو وجبت الدية لذكرها.
وأيضاً: فإنه غاير بين قتله في دار الإسلام وفي دار الشرك، ولو تساويا لأطلق الحكم، ولم يغاير بينهما.
وهذا الطريق هو الذي حمل عليه المزني نص الشافعي في كتاب حكم أهل

الكتاب على وجوب الدية، ونصّه في موضع آخر منه على أنها لا تجب، وصححه النواوي.
قال: وقيل: إن عينه بالرمي وجبت؛ لأن [اليمان] أبا حذيفة بن اليمان قتله المسلمون، ولم يعلموا بإسلامه؛ فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته.
وإن لم يعينه لم تجب؛ للآية، وهذا الطريق هوا لذي حمل عليه أبو إسحاق اختلاف النصين، [وبه جزم الماوردي في كتاب كفارة القتل] [وجزم في التهذيب] فيما إذا لم يعينه: إما لكونه رمى سهماً مرسلاً، أو قصد غيره؛ فوقع فيه – بأنها لا تجب، وحكى فيما إذا عينه قولين، سواء علم أن في الصف مسلماً، أم لا.
وحكى القاضي أبو الطيب أن أبا علي الطبري حكى عن بعض الأصحاب أنه قال: إن اضطر إلى قتله، لم تجب، وإلا وجبت، وحمل النصين على هذين الحالين.
قال: وقيل: فيه قولان؛ حملا للنصين على ظاهرهما، سواء علم أو لم يعلم، قصد أو لم يقصد، اضطر أو لم يضطر؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
وجه الوجوب – وهو المختار في المرشد: أن الأسير غير مفرط، وهو محقون الدم له حرمة؛ فأشبه ما لو خرج من الصف، فرماه إنسان؛ فقتله.
ووجه مقابله: أنا لو أوجبناها أدى ذلك إلى تعطيل الجهاد.
والذي حكاه القاضي الحسين في كفارة القتل: أنه إذا رمى السهم، ولم يعلم أن في الصف مسلماًن ولا عين شخصاً – أنها لا تجب، وإن علم في هذه الحالة أن فيه مسلماً – فالظاهر الوجوب.
وإن عينه بالرمي؛ فأصابه، فإن علم أن فيهم مسلمين فقولان، [أظهرهما كما حكاه في كتاب السير: الوجوب، فإن لم يعلم أن فيهم مسلمين فقولان] مرتبان على حالة العلم، وأولى بالوجوب.

قال الرافعي: ويشبه أن يكون هذان القولان المذكوران فيما إذا قتل من ظنه كافراً؛ لكونه على زيّ أهل الشرك؛ لأن كونه مع الكفار في صف القتالن يغلب على الظن كونه كافراً، وقد سبق أن الأظهر منهما: أنها لا تجب.
ولو قصد بالرمي كافراً؛ فأصاب المسلم، قال: إن لم يعلم أن في الصف مسلماً، لم تجب، وإن علم أن فيه مسلماً، أو عرف مكانه، وجبت.
وحكى الإمام عن شيخه في هذه الصورة تخريج قولين، وقال: إن ذلك منقاس حسن، ونظيرهما ما حكاه القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ في كفارة القتل؛ فيما إذا قتل مسلماً في دار الحرب خطأ والذي حكاه الماوردي في كتاب السير فيما إذا قتل مسلماً في دار الحرب، ولم يعلم به أنه [إن قتله] خطأن لم يجب إلا الكفارة، وإن قتله عمداً، ففي وجوب الدية قولان: اختيار المزني منهما عدم الوجوب؛ لأن الجهل بإسلامه يغلب حكم الدار.
والثاني: اختاره أبو إسحاق المروزي؛ تغليباً لحكم قصده.
ثم حيث نوجب الدية: فإن كان قد قصده، كانت الدية في ماله، وإن كان لم يقصده، فهي على العاقلة مخففة في ثلاث سنين.
وفي تعليق القاضي الحسين ما يوهم خلافاً في هذه الحالة؛ فإنه قال في كتاب "السير": إذا لم نوجب القود عليه ففي الدية وجهان: أحدهما: [تجب] مغلظة في ماله.
والثاني: تجب على عاقلته؛ لأنه شبه عمد؛ حيث لم يقصده، وإنما قصد غيره، وهذا حكم الدية.
وأما الكفارة فتجب في كل حال، إلا على طريقة سنذكرها في باب كفارة القتل.
والقصاص لا يجب على الصحيح، وسنذكره في قتال المشركين، عن شاء الله تعالى، والله أعلم.

كفاية النبيه شرح التنبيه

الجزء السادس عشر المحتوى: تتمة كتاب الجنايات

بسم الله الرحمن الرحيم

باب ما تجب به الدية من الجنايات

قال: إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل؛ فمات منه، وجبت الدية: أما إذا كان خطأ؛ فلقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:92].
وأما إذا كان عمد خطأ؛ فلما روى الشافعي بسنده عن انب عمر - رضي الله عنهم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا إِنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ، وَالْعَصَا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ" وقد رواه أبو داود، عن القاسم بن ربيعة عن عقبة بن أوس، عن ابن عمر - رضي الله عنهم - لكن لفظه: "أَلاَ إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"

وأخرجه النسائي، وابن ماجه، والدارقطني في "سننه" والبخاري في "التاريخ الكبير"، ويعضده ما سنذكره عن ابن شعبة في هذا الباب.
وأما إذا كان عمداً؛ فلما روى أبو داود عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: "لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم [خَطِيباً] فَقَالَ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ [يُودَى، أو يُقَادَ] " وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن ماجه مختصراً ومطولاً.
ثم هذا الكلام من الشيخ موافق في حالة العمد؛ لما حكيناه في أول باب: العفو والقصاص عن الإمام أن القتل العمد موجب للمال لا محالة، ولكن يقتضيه أصلاً معارضاً، وموازناً للقصاص، أو يقتضيه على قضية من التبعية؟ فيه القولان، المعبر عنهما بأن الواجب أحد الأمرين، أو القود عيناً.
[لكن الشيخ في المهذب قال: إن] الدية تجب بقتل العمد – في أحد القولين – وبالعفو على الدية في القول الآخر.
وإذا كان كذلك فيكون كلامه [هنا] مفرعاً على القول الأول، [أو متعلقاً بمحذوف وهو العفو، ويكون تقديره: إذا أصاب رجلاً بما يجوز أن يقتل فمات منه وعفا عن القود في العمد – وجبت الدية] والله أعلم.
قال: وإن ألقاه في ماء أو نار قد يموت فيه؛ فمات منه – وجبت ديته؛ لنسبة تلفه إليه، وصورة ذلك: [أن] يلقيه في لجة بحر يبعد ساحله، وهو يحسن العوم أو لا يحسنه، أو في نهر أو بحر يقرب ساحله، وهو لا يحسن العوم، أو يلقيه في نار يطول مداها، ونحو ذلك؛ وهكذا الحكم فيما إذا شدّ يديه ورجليه، وطرحه في ساحل؛ فزاد الماء، وهلك منه – فلا فرق فيه بين أن تكون الزيادة معلومة الوجود، أو قد تحصل [أو لا تحصل في] العادة، لكن في الحالة الأول تجب دية العمد، وفي الثانية دية [شبه العمد، وفي الثالثة دية] الخطأ؛ كما صرح به في المهذب، والماوردي في باب: التقاء الفارسين.
قال: وإن أمكنه التخلص، فلم يفعل حتى هلك –ففيه قولان: أصحهما: أنه لا تجب ديته؛ لأن التلف حصل باستدامة منسوبة إليه، دون

ملقيه؛ فلم تجب ديته؛ كما لو خرج من ذلك، ثم عاد إليه.
ووجه الوجوب: القياس على ما لو جرحه وقدر على المداواة، فلم يفعلها حتى مات.
والقائل بالأول فرق بما ذكرناه في باب ما يجب به القصاص.
وقيل في مسألة الماء: لا تجب الدية وجهاً واحداً، وإن جرى القولان في النار؛ لأن الإلقاء في النار جناية متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، وليس الإلقاء في الماء لمن يحسن العوم جناية عليه؛ فإن الناس جناية متلفة لا يقدم الناس عليها مختارين، وليس الإلقاء في الماء لمن يحسن العوم جناية عليه؛ فإن الناس قد يعومون فيه مختارين؛ لتبرد، أو تنظف، ولا ينسبون إلى تغرير.
وعن القفال طريقة قاطعة بالوجوب، وتنزيل ترك السباحة منزلة ترك المعالجة.
وقد حكى الماوردي [أن] القولين في مسألة النار مأخوذان ممن أذن لغيره في قتله، وعلى الصحيح منهما: يجب على الملقي أرش ما عملت فيه النار منحين ألقاه إلى أن أمكنه الخروج.
قال الجيلي: فإن لم يمكن معرفة قدر الأرش لم يلزمه إلا التعزير.
قلت: لو قيل: لم يلزمه إلا المحقق، لكان أولى.
وقد تقدم في باب ما يجب به القصاص طريقة معرفة إمكان التخلص.
وحكم التلف بعد الخروج من النار؛ بسبب النار – حكم تلفه [فيها] ولا خلاف في أنه إذا ألقاه في ماء خفيف لا يصدر إلى صدره عند الوقوف؛ [فرقد فيه] حتى علاه، ومات – أنه لا ضمان على الملقي.
قال: وإن ألقاه على أفعى، أو ألقاها عليه، [أو على أسد، أو ألقاه عليه]، أي: في مضيق – وجبت ديته؛ لأنه ألجأه إلى قتله.
وألحق في الحاوي بذلك في باب: القصاص بغير السيف – ما إذا حبسه في بيت مفعي؛ فنهشته أفعى؛ فمات، [أو كانت] مقيمة فيه، والبيت ضيقاً، وهو يقصر عن طولها، ومدى نفختها، ولا كوى فيه، ولا ثقاب تتسرب فيه الأفاعي.
وقال عند انتفاء شيء مما ذكرناه بعدم وجوب الضمان.

وألحق في "المهذب" و"الحاوي" بذلك أيضاً في باب: التقاء الفارسين - ما إذا شد يديه ورجليه، وطرحه في أرض مسبعة، أو غير مسبعة، وذكرنا في باب: ما يجب به القصاص ما قيل فيه.
وفي التتمة أن الدية لا تجب في مسألة الحية من مسألتي الكتاب؛ لأنه كالممسك؛ وهي كالقاتل، وقال في مسألة الأسد: [إذا كان قد أغراه عليه إن لم يمكنه التخلص منهن وجب فيه القصاص والدية، وإن أمكنه فهو كما لو ألقاه فيما يمكنه التخلص منه.
وهذه الصورة تخالف صورة مسألة الكتاب؛ فلا يظن أن الكلام يجري فيها؛ كما أوهمه لفظ بعض الشارحين.
تنبيه: الأفعى: الأنثى من الحيات، والجمع: أفاعٍ، والذكر: أفعوان؛ بضم الهمزة والعين.
قال الجوهري: الأفعى: أفعل، تقول: هذه أفعى بالتنوين؛ وكذلك أروى، وتفعى الرجل: صار كالأفعى في الشر، ولام الكلمة في الأفعى: واو.
وقال الزبيدي: الأفعى: حية رقشاء، دقيقة العنق، عريضة الرأس، وربما كانت ذات قرنين.
قال: وإن سحر رجلاً بما لا يقتل غالباً وقد يقتل؛ فمات منه - وجبت الدية؛ لأنه عمد خطأ، والدية تكون في ماله مغلظة؛ لأنه لا يثبت أنه سحره إلا بإقراره؛ كما ذكرناه.
نعم ما ينشأ عن ذلك السحر تارة يكون ثبوته بإقراره أيضاً، وتارة بالبينة، مثل: أن يقول: سحرته بكذا، فيشهد عدلان من السحرة بعد توبتهما بأن الذي أقر أنه [الذي] سحره به هذا شأنه.
ولو قال: سحرت غيره، فانقلب إليه - فهو اعتراف بقتل الخطأ؛ فتكون الدية مخففة في ماله.

قال: وإن ضرب الوالد ولدهن أو المعلم الصبي، أو الزوج زوجته – أي: عند النشوز – أو ضرب السلطان رجلاً في غير حد؛ أي: في تعزير؛ فأدى إلى الهلاك – وجبت ديته؛ لأن الضرب أبيح لهم للتأديب؛ فإذا بان مهلكاً – علمنا أنه مفرط؛ فضمن لذلك، [وشهد لذلك ما روى الشافعي بسنده، عن عليّ – كرم الله وجهه –أنه قال: "لَيْسَ أَحَدٌ أُقِيمُ عَلَيهِ حَدًّا؛ فَيَمُوتَ، فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئاً الحق قتله إلاَّ شَارِب الخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ شَيءٌ رَأَينَاهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَمَنْ مَاتَ مِنْهُ – فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ" أو قال: "فِي بَيتِ الْمِال"، الشك من الشافعي.
ولا يجوز أن يكون المراد به: إذا مات من الحد؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم- حد في الخمر؛ فثبت أنه أراد من الزيادة على أربعين.
وقد ادعى القاضي أبو الطيب إجماع المسلمين على ضمان الزوج؛ فنقول في غيره: يضمن بالقياس عليه؛ بجامع ما يشتركان فيه من إرادة الإصلاح بضرب لم يقدره الشرع في آدمي.
واحترزنا بذلك عن المستأجر إذا ضرب الدابة المستأجرة الضرب المعتاد، فهلكت – لم يضمن [وكذلك الراكض إذا ضربها الضرب المعتاد فهلكت – لم يضمن]؛ كما قاله أبو الطيب وغيره].
قال العراقيون – كما حكاه الإمام عنهم في كتاب الرهن -: وهذا بخلاف ما لو قال السيد لآخر: اضرب عبدي؛ فضربه؛ فأتي عليه؛ فإنه لا ضمان؛ لأن لفظ الضرب [مطلق لا تقييد فيه، ثم قال الإمام: وهذا فيه نظر عندي؛ فإن الضرب] يخالف القتل، [وما حكاه قد نقله ابن الصباغ في كتاب الرهن، ثم قال: إلا أن عندي إن كان أذنه في تأديبه، أو تضمنه إذنه؛ فيشترط فيه –حينئذ –

السلامة؛ كما يشترط في الضرب الشرعي].
ثم الدية الواجبة – في هذه [الحالة] – دية شبه العمد؛ كما ستفهمه مما نحكيه عن القاضي أبي الطيب في مسألة ضرب بطن المرأة، [وصرح به الغزالي وإمامه].
واعلم أن هاهنا مباحثة لا بأس بذكرها، وهي أن الأصحاب أطلقوا القول بوجوب الدية في هذه الصورة موجهين ذلك بما ذكرناهن ولم أر في الطرق ما يخالف ذلك إلا ما حكاه في الزوائد، وهو أن الشيخ الحسين الطبري قال: ذكر شيخنا – رحمه الله – أن التعزير على نوعين: نوع واجب: كتعزير من قذف أمه، أو وطئ أجنبية فيما دون الفرج؛ فإذا أدى إلى التلف يحتمل ألا يضمن.
ونوع آخر: لا يجب؛ مثل: أن يسيء أدبه في مجلس القاضي؛ فيعزره؛ فهو مضمون.
وقال الغزالي: [في كتاب القسم النشوز ما يفهم أن الصبي إذا مات لا يضمن؛ لأنه قال: والأولى للزوج ترك الضرب؛ بخلاف الولي؛ فإن الأولى به ألا يترك الضرب؛ لأن مقصوده: إصلاح الصبي لأجل الصبي، وهذا يصلح زوجته؛ لنفسه؛ ولذلك كان [ضرب الزوج] مقيداً بشرط سلامة العاقبة.
وفي الرافعي في كتاب: موجبات الضمان حكاية وجه: أنه لا ضمان؛ إذ عزر بحق الآدمي؛ بناء على أنه واجب إذا طلبه المستحق؛ كما سنذكره.
وأطلق ابن يونس في باب: التعزير [حكاية وجه: أنه] إذا مات منه لا ضمان، ولم أره في غيره هكذا].
لكن لقائل أن يقول: التفريط تارة يحصل من كون الضرب لاقى محلاً يجب أن يُتَوَقى، وتارة عن تركه النظر في الزمان، أو في حال المضروب، أو صفة الضرب، وتارة من كونه جاوز الحد في عدد الضربات ولو تحققنا استناد الهلاك إلى الحالة الأخيرة لقلنا: حصل من مأذون فيه [وغير مأذون فيه]، وقضيته إيجاب نصف الضمان على أي كما قرره الأصحاب في الزيادة على الحد؛ وكذا لو تحققنا أن الهلاك حصل بسبب وقوع الضرب في حرٍّ شديد، أو

بردم مفرط – يجب أن نقول: حصل الهلاك بمأذون فيه، وغيره؛ فيجب عليه نصف الضمان – على وجه – كما حكاه الشيخ في مهذبه فيما إذا ختن الإمام في حر شديد أو برد مفرط، وإذا كان الحكم هكذا عند التحقق وجب أن يقال في حالة الشك: لا يجب أيضاً إلا نصف الضمان؛ لأنه المتيقن، والأصل براءة الذمة مما سواه.
وطريق الجواب أن يقال: ما ذكرتموه جرى في أمور ضبطها الشرع، ولم يكلها إلى اجتهاد المكلف؛ فلذلك أحلنا الهلاك عند مجاوزتها إلى الحق والباطل، وهاهنا لا تقدير من جهة الشرع، ولا مرد للقدر الواجب إلا الاجتهاد وبمجاوزته الحد تبين أنه ليس من أهله، والله أعلم.
قال: وإن سلم الصبي إلى السابح، فغرق في يده – وجبت الدية؛ لأنه لا يغرق إلا بإهمال السابح وقلة تحفظه، وتكون الدية فيه دية شبه العمد؛ كما لو ضرب المعلم الصبي للتأديب؛ فهلك.
وفي التتمة وجه: أنها لا تجب؛ كما لو نقله إلى مسبعة، وبل أولى؛ لأن الخطر هناك أكبر، ولأن ذلك تضييع، وهذا قد تدعو الحاجة إليه.
وأبدى الإمام هذا الوجه احتمالاً، وقال: الحر لا يدخل تحت اليد، ولم يوجد من السابح فعل، إذا خاض الصبي بنفسه في الماء.
نعم لو ألقاه السابح في الماء، ليعلمه، فقد يجعل الإلقاء موجباً للضمان على تفصيل مذكور في باب القصاص.
ويجري الخلاف فيما لو كان الولي يعلمه السباحة بنفسه؛ فغرق.
ولو أدخله الماء؛ [ليغسله، لا ليعلمه السباحة] – فالحكم كما لو ختنه، أو قطع يده من أكلة؛ فمات منه، قاله في التتمة.
قال: وإن غرق البالغ مع السابح لم تجب ديته؛ لأنه مستقل، وعليه أن يحتاط لنفسه، ولا يغتر بقول السابح.
وهذا ما حكاه في التهذيب أيضاً.
[و] في الوسيط: أنه إن خاض معه؛ اعتماداً على يده، فأهمله – فيحتمل أنه يجب الضمان.
قال: وإن صاح على صبي، أي: غير مميز؛ فوقع من سطح، أو على بالغ وهو غافل، فوقع، ومات – وجبت الدية:

أما في الصبي؛ فلأنه كثيراً ما يتأثر ويضطرب بالصيحة الشديدة؛ فأحيل الهلاك عليها.
وأما في البالغ؛ فلأنه مع الغفلة كالصبي.
وقيل: لا تجب في البالغ؛ وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين، والرافعي، وعند النواوي؛ لأن الغالب من حال البالغ التماسك، وعدم التأثر بالصياح؛ فالسقوط والموت يحملان على موافقة.
وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول صاحب المرشد، ونسبه البندنيجي إلى قول ابن أبي هريرة.
أما إذا كان البالغ غير غافل ففي الشامل وتعليق القاضي الحسين والتتمة: القطع بعدم الضمان، وكلام الرافعي يقتضي جريان الخلاف فيه أيضاً؛ فإنه حكى فيه ثلاثة أوجه، ثالثها وهو قول ابن أبي هريرة -: إن غافصه من ورائه وجبت، وإن صاح عليه في وجهه فلا.
والصبي المراهق المتيقظ كالبالغ، والمجنون والمعتوه الذي [تعتريه الوساوس]، والمرأة الضعيفة العقل، والنائم – كالصبي.
وشهر السلاح والتهديد الشديد، كالصياح، والصياح على الغير من صيد أو غيره – فيما ذكرناه – كالصياح عليه، ولا فرق فيه إذا وقع على صيد – بين أن يكون الصائح يحرم عليه الصيد، أو لا.
وعن صاحب التلخيص أن الصائح إن كان محرماً، أو في الحرم – تعلق بصيحته الضمان، وإلا فلا.
أما لو كان الصبي على وجه الأرض، ومات من الصيحة، فلا أثر لذلك.
وحكى الإمام عن بعضهم أنه أجراه مجرى الارتعاد، والسقوط من حرف الجدار، وهو ما جزم به القاضي الحسين في تعليقه.
ثم الدية الواجبة [- فيما ذكره الشيخ-] دية شبه العمد.
قال الرافعي: وقد قيل في مسألة الصبي بوجوب القصاص؛ كما قيل بمثله فيمن حفر بئراً في دهليزه، ودعا غيره؛ فوقع فيها، بل هاهنا أولى؛ لان تأثير

الصيحة بالارتعاد والاضطراب أشد من تأثير الدعوة، وقياس من يقول به: أن تجب مغلظة [على الجاني].
قلت: مسألة الحفر التي يجب فيها القصاص على هذا الوجه مصوَّرة في التتمة بما إذا حفر البئر في دهليز رجل ليس في الدار غيره، ولابد له من الخروج، وكان الرجل أعمى، أو كان الموضع مخرج الرجل، وإذا كان كذلك فلا يظهر للأولوية وجه، والدية الواجبة في حال الصياح على الغير دية الخطأ.
قال: وإن صاح على صبي، أي: غير مميز؛ فزال عقله – وجبت الدية؛ لما تقدم، ولا يجري القصاص على الأصح؛ لأن هذا [لا] يزيل العقل غالباً.
وقيل بوجوبه، فعلى هذا إذا آل الأمر إلى المال، لا يخفى الحكم، وعلى الأول تكون دية عمد الخطأ.
قال: وإن صاح على بالغ؛ فزال عقله، لم تجب؛ لأن معه من الضبط والعقل ما يمنعه من ذلك؛ فدل على أن زواله لم يكن من الصياح، وهذا ما جزم به القاضي الحسين، وكذا البندنيجي، وحكاه عن النص في "الأم".
وقد حكى الرافعي فيه الخلاف السابق في سقوطه وموته، وحكى الماوردي أن ابن أبي هريرة قال بالضمان هنا؛ بخلاف الوقوع، وأنه فرق بأن في الوقوع فعلاً للواقع؛ فجاز أن ينسب الوقوع إليه، وليس في زوال العقل فعل من الزائل العقل، فلم ينسب زواله إلا إلى الصائح المزعج.
قال: وإن طلب بصيراً بالسيف؛ فوقع في بئر –أي: ظاهر له – فمات؛ لم يضمن؛ لأنه سبب غير مجلئ؛ فقدمت المباشرة عليه؛ كما لو حفر إنسان بئراً؛ فجاء آخر وردى فيها نفسه؛ ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحاذره من المتبع؛ فأشبه ما إذا أكره إنساناً على أن يقتل نفسه؛ ففعل؛ فإنه لا يجب الضمان على المكره.
وهذا إذا كان المطلوب مكلفاً، أما لو كان غير مكلف، وقلنا: عمده عمد، فالحكم كذلك، وإلا ضمن الطالب، صرح به المصنف، والماوردي، وغيرهما.
قال: وإن طلب ضريراً؛ فوقع في بئر، أي: وهو لا يعرف بها، ضمنه؛ لأن الواقع لم يقصد إهلاك نفسه، وقد ألجأه المتبع إلى الهرب المفضي إلى المعنى

المهلك؛ فضمنه كالشهود إذا شهدوا بالقتل، ثم رجعوا [عن الشهادة].
وحكم البصير إذا لم يعلم بالبئر؛ لكونه في ظلمة الليل، أو [في] موضع مظلم، أو كانت مغطاة – حكم الضرير، [وحكم الضرير] إذا علم بالبئر حكم البصير.
وحكم الوقوع في النار، ومن شاهق جبل، أو سطح عالٍ – حكم الوقوع في البئر، ولا يلتحق بذلك: إذا [افترس المطلوب سبعٌ في الطريق، سواء] كان بصيراً أو أعمى؛ لأنه لم يوجد من الطالب فعل مهلك، ومباشرة السبع التي عرضت كعروض القتل على إمساك الممسك، اللهم إلا أن يكون ألجأه إليه في مضيق؛ فيجب الضمان.
وهل يلتحق بالبئر انخساف السقف الذي حصل الهروب عليه؟ فيه وجهان في "المهذب" و"الحاوي".
وجه المنع: أن المعنى المهلك لم يشعر به الطالب، ولا المطلوب؛ فأشبه ما إذا عرض سبع؛ فافترسه، وهذا ما أجاب به البغوي، والروياني، والقاضي الحسين.
ووجه الإلحاق: أنه حمله على الهروب، وألجأه إليه، وقد أفضى إلى المعنى المهلك من غير شعور المطلوب [به]؛ فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطاة.
قال الرافعي: وهذا ما أورده العراقيون، وحكوه عن نصه في الأم، ورجحه المتولي، وصاحب المرشد، وإليه مال الإمام.
تنبيه: قد يفهم من عدول الشيخ في هذه المسألة عن قوله: وجبت ديته، كما ذكر فيما تقدم، إلى قوله: "وجب ضمانه" – أن القصاص يجب؛ كما يجب في مسألة الشهود، وليس الأمر كذلك؛ لأمرين: أحدهما: أنه ذكر هذه اللفظة في موضع لا قصاص فيه جزماً، وهو ما إذا ضرب بطن امرأة؛ فألقت جنيناً ميتاً.
والثاني: أن الماوردي صرح في المسألة: بأن الدية تجب على العاقلة، والعاقلة لا تحمل دية جناية يجب فيها القصاص جزماً.

لكن في التتمة أنه إذا حفر بئراً في دهليزه، وغطاه، ثم أذن لإنسان في دخول داره؛ فدخل؛ فوقع في البئر – أن حكمه حكم ما لو خلط السم بطعام، وقدمه إليه، وهذا إن لم يفهم منه القطع بوجوب القصاص هاهنا؛ لكونه هنا مكرهاً بالفعل، وفي مسألة الدهليز هو مكره بالعادة؛ فلا أقل من أن يكون مثله، حتى يجري فيه القولان.
قال: وإن ضرب بطن امرأة؛ فألقت جنيناً ميتاً – وجب ضمانه؛ لما روى أبو داود، عن المغيرة بن شعبة: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتاَ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا وَجَنِينَهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لاَ صَاحَ وَلاَ أَكَلَ وَلاَ شَرِبَ وَلاَ اسْتَهَلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الأَعْرَابِ؟، فَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَة".
وفي رواية: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا" وأخرجه مسلم والترمذي وغيرهما.
ثم هذه الجناية حكمها حكم الخطأ، أو حكم شبه العمد؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: أنها خطأ؛ لأنه [مات] بسبب الضرب، ولم يباشر بالجناية.
والثاني-وهو قول ابن أبي هريرة -: أنه إذا قصد ضربها فهو شبه عمد، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب، وذكر أن الشافعي نص عليه؛ لأن ذلك تولد من فعله؛ كما لو ضربه تأديباً؛ كذا حكاه عنه العمراني في الزوائد في دية الجنين، ولا يتصور في الجنين؛ لمحض العمدية؛ لأنه لا يقصد عينه، بل يقصد غيره؛ كذا جزم به الماوردي، والقاضي الحسين وغيرهما.
وفي المهذب أنه يكون عمداً محضاً، إذا قصد الإجهاض، ونحا صاحب التهذيب نحوه.

فروع: لو طفرت الحامل، فألقت جنيناً ميتاً: فإن لم تخرج الطفرة عن عادة مثلها من الحوامل، ولا كان مثلها مسقطاً للأجنة، لم تضمنه، وإن خرجت عن عادة مثلها، وكانت الأجنة تسقط بمثل طفرتها، ضمنته بالغرة والكفارة، ولم ترث [من الغرة].
وهكذا لو شربت دواء؛ فأسقطت جنيناً ميتاً، روعي حال الدواء: فإن زعم علماء الطب أن مثله قد يسقط الأجنة - ضمنت جنينها.
وإن قالوا: إن مثله لا يسقط الأجنة، لم تضمنه.
وإن أشكل، وجوزوه - ضمنته.
ولو امتنعت من الطعام والشراب حتى ألقت جنينها، وكانت الأجنة تسقط من جوع الأم وعطشها -نظر: فإن دعتها الضرورة إلى الجوع والعطش؛ للإعواز والعدم - فلا ضمان، وإلا ضمنته.
ولو جاعت وعطشت في صوم فرض ضمنت؛ لأنها مع الخوف على حملها مأمورة بالإفطار، منهية عن الصيام.
قالهما الماوردي، والله أعلم.
قال: وإن بعث السلطان إلى امرأة ذكرت [له] بسوء؛ فأجهضت الجنين - وجب ضمانه؛ لما روى: "أَنَّ عُمَرَ - رضي اللهُ عَنْهُ - أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَاءِ الأَجْنَادِ يَغْشَاهَا الرِّجَالُ باللَّيْلِ يَدْعُوهَا، وَكَانَتْ تُرقِي فِي دَرَجٍ؛ فَفَزِعَتْ؛ [فَاَجْهَضَتْ ما في بَطْنِهَا]؛ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوفٍ: إِنَّكَ مُؤَدِّبٌ؛ فَلاَ شَيءَ عَلَيكَ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -: إِنِ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ لَم يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك، عَلَيكَ الدِّيَةُ؛ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لِعَلِيٍّ - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ -: عَزَمْتُ عَلَيكَ لَتُقَسِّمَنَّها عَلَى قَوْمِكَ".
قال الإمام في كتاب الأشربة: وقد اختلف فيمن المشار إليه بقوله: "إن اجتهد فقد أخطأ ... " إلى آخره فقال بعض المتكلمين: إنه رسول عمر الذي بعثه إليها،

ومعناه: إن اجتهد الرسول، أي: في رعاية الوقت والمكان في تأدية الرسالة – فقد أخطأ، وإن لم يتعرض لتخير زمان ومكان – فقد غش.
قال: وهذا بعيد.
والصحيح: انه أراد بما قال عبد الرحمن بن عوف.
وقد أضاف بعضهم إلى القصة: "أن عثمان بن عفان –رضي الله عنه – وافق عبد الرحمن، وأنهم سكتا عند مقالة عليّ – كرم الله وجهه – وذلك يدل على رجوعهما إلى قوله؛ فكان إجماعاً.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا بخلاف ما لو بعث إليها السلطان؛ فماتت – لا ضمان؛ لأن الغالب على البالغة العاقلة عدم موتها من ذلك.
ولو لم يبعث السلطان إليها، لكن الرسول انطلق من عند نفسه، على لسانه – وجبت الغرة على عاقلة الرسول.
قال: وإن رمى إلى هدف، فأخطأ؛ فأصاب آدميًّا فقتله – وجبت الدية؛ للآية، وهكذا الحكم فيما إذا رمى إلى صيد؛ فوقع في آدمي.
ولو كان قد أكرهه إنسان على الرمي في هذه الصورة –فهما قاتلان خطأ، وعلى كل [واحد] منهما كفارة، وعلى عاقلة كل منهما نصف الدية، وهل لعاقلة المكره الرجوع بما يغرمونه على المُكرِه؟ قال الرافعي قبيل كتاب الديات: يحتمل أن يقال: لا يرجعون كما لا يرجعون على القاتل في شبه العمد، ويحتمل أن يقال: لا شيء على المكرِه وعاقلته؛ لأن الذي فعله المكرَه غير ما حمله المكرِه عليه.
قال: وإن ختن الحجام، فأخطأ؛ فأصاب الحشفة – وجب عليه الضمان، أي: وتحمله العاقلة؛ لأنه فوت ما لم يؤذن له في تفويته من غير ضرورة.
واعلم أن ما ذكره الشيخ من وجوب الضمان أو الدية على الجاني في هذا الباب، المخاطب بإيفائه العاقلة، عند اعترافها، أو إنكارها وقيام البينة، وهذا الإطلاق مستعمل كثيراً في كلام الأئمة؛ ومنهم الإمام، وقال: لست أعني به: ارتباط الضمان بماله، وإنما نعني به: ارتباط الضمان بعاقلته، ولكن التحفظ عسير في أثناء الكلام.

وهذا منه بناء على أن الوجوب يلاقي العاقلة ابتداء، أما إذا قلنا: إنه يلاقي الجاني، وتتحمله العاقلة – كما هو الصحيح- فلا حاجة إلى الاعتذار عن هذا الإطلاق، ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم "مَنْ قُتِلَ [فِي] عِمِيًّا، رَمْيّا بِحَجَرٍ، أَوْ ضَرْباً بِعَصَا – فعليه عَقْلُ الْخَطَأِ"، والله أعلم.
قال: وإن امتنع من الختان، أي بعد وجوب عليه؛ وهو بعد البلوغ؛ فختنه الإمام في حرٍّ شديد، أو برد شديد، فمات – فالمنصوص [عليه] أي في "الأم": أنه يجب ضمانه؛ لظهور التفريط؛ فإن الإمام منهي عن أن يختن في هذين الحالين.
قال: وقيل: فيه قولان.
وجه الوجوب: [ما ذكرناه.
ووجه المنع]: أن إتلافه حصل بفعل ما هو مستحق عليه، وهذا خرج من نص الشافعي في المختصر على عدم وجوب الضمان فيما إذا أقام الإمام الحد في حر شديد أو برد شديد، وفيما إذا أقام الحد على حامل؛ فماتت منه.
كما خرج من نصه هاهنا إلى ثَمَّ قولاً بوجوب الضمان.
والقائلون بالطريق الأولى – وهم المُقِرُّون للنصين- قالوا: الفرق من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الحد مقدر بمعلوم، غير مجتهد فيه؛ فلم تضمن سرايته، والختان مجتهد فيه؛ فضمنت سرايته؛ كالتعزير.
والثاني: أن استيفاء الحد إلى الأئمة؛ فإذا أقاموه لم يؤاخذوا بعواقبه، والختان لا يتولاه الولاة، وإنما يتعاطاه المرء في نفسه أو وليه في صباه؛ فإذا خاض الإمام فيه قهراً كان على شرط سلامة العاقبة.
والثالث: أن الختان جرح؛ فالغالب منه التلف والحد ضرب في ظاهر البدن؛ فالغالب منه السلامة.

وحكى القاضي أبو حامد في الجامع طريقة ثالثة حكاها ابن الصباغ عنه: أن ذلك ليس على قولين، وإنما أراد في الختان: إذا كان الغالب التلف، وأراد في الحد: إذا كان الأغلب السلامة، وصرح بذلك في الختان، وأطلق في الحد.
والخلاف المذكور في الختان [في] حالة البلوغ – جارٍ فيما إذا جرى من الإمام في حال الصبا أيضاً، عند عدم الوي، كما حكاه الإمام، وقال: إن النص فيه على وجوب الضمان، وذكر قبل ذلك أن النص الذي ذكرناه عن الأم يجري في الأب إذا ختن الطفل في الحر الشديد، والبرد المفرط، وإن جرى خلاف في نفس الضمان عن الإمام، فالأب أولى بانتفاء الضمان عنه؛ فإن الختان في حقه كالحد في حق الإمام؛ من حيث إنه يتولاه، أما إذا ختن الإمام البالغ عند الامتناع في حال الاعتدال، وأدى إلى الهلاك – فلا ضمان [فيه].
وكذا لو ختن الأب الصب، [أو الإمام] الصبي الذي لا ولي له في هذه الحالة، وأدى إلى الهلاك – لا ضمان فيه عند الأصحاب.
وحكى الإمام، عن القاضي أنه قال: الذي أراه: وجوب الضمان فيه، [ورأيته في تعليقه في السلطان خاصة، وقاسه على التعزير، وقال: إنه هل يجب [القود] أم لا؟ يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو ضرب رجلاً بإبرة؛ فمات، لأنه لا يخاف منه إلا أن فيه إنهار الدم؛ كذا الختان مثله في الصبي.
وقال: إن أصحابنا قالوا على هذا: لو أكره رجلاً على الحجامة؛ فمات منها – ففي وجوب القود وجهان.
ووجه الإمام: [قول القاضي الذي حكاه عنه:] بأنه لا يجب في حق الصبين وليس هو من المعالجات التي لو تركت لجر تركها فساداً في البدن.
ثم قال: وهذا في الأب بعيد؛ فإنه قد صح في الخبر: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِأَنْ تُحْلَقَ رَاسُ الْمَولُودِ، وَيُعَقَّ عَنْهُ، وَيُخْتَنَ فِي السَّابعِ مِنْ وِلاَدَتِهِ".

ووجه ما ذكره الجمهور: بأن الختان لابد منه؛ فإجراؤه في [الصغر] والبدن رخص أولى؛ فيلتحق من هذا الوجه بالمعالجة.
قلت: وهذا من الإمام؛ بناء على تسليم عدم وجوب الختان على الولي قبل البلوغ، [واستحبابه كما ذكره ابن الصباغ والبندنيجي.
أما إذا قلنا بوجوبه قبل البلوغ كما] حكاه في الزوائد، عن الصيدلاني، وأبي سليمان المروزي صاحب المزني؛ [حيث] قالا: الختان واجب، ويعصي الأب بتركه حتى يبلغ – فدليله: كونه قام بواجب؛ فأشبه ما بعد البلوغ.
[ولو ختن الصبي أجنبي في حالة عدم الولي، قال في التهذيب: يحتمل أن يبني ذلك على أن الإمام إذا ختن في الحر [الشديد]، أو البرد؛ فمات المختون؛ هل يضمن؟ إن قلنا: نعم، فكذلك هاهنا، وإلا فلا ضمان.
وعن أمالي أبي الفرج السرخسي أن ذلك مبني على أن الجرح اليسير هل يتعلق به القصاص؟ وفيه وجهان؛ إن قلنا: نعم، فهو عمد، وإلا فشبه عمد، وهذا شبيه بما حكيناه عن القاضي في المسألة السابقة، والذي حكاه الماوردي: إيجاب الضمان].
فرع: إذا قلنا بوجوب الضمان على الإمام في مسألة الكتاب؛ فماذا يضمن؟ فيه وجهان في "المهذب": أصحهما في الحاوي: جميع الدية؛ لأنه مفرط.
والثاني: نصفها؛ لأنه مات من واجب ومحظور؛ فسقط النصف، ووجب النصف، وهذا ما حكاه الماوردي عن الشيخ أبي حامد، وقال الرافعي: إنه أظهر.
ثم محل وجوبها بيت المال أو عاقلته؟ يشبه أن يجيء فيه الخلاف المذكور فيما إذا استوفى الحد من حامل؛ فأسقطت الجنين، وفيه طريقان: أحدهما: القطع بثبوتها على عاقلته، وهي ما حكاها الإمام [ثَمَّ] لأن بيت المال إنما يحمل ما يجب بخطأ الإمام، والإمام هنا عامد.
والثانية: حكاية قولين فيه؛ وهي ما ادعى ابن الصباغ أنها ظاهر المذهب ثَمَّ

قال: وإن حفر بئراً في طريق المسلمين، أي: لمصلحة [نفسه] وسواء كان الناس يتضررونه بالحفر أو لا؛ كما صرح به في المهذب.
قال: أو وضع فيه حجراً، أو طرح فيه ماء، أي: وما في معناه؛ كبوله، أو بصاقه؛ كما حكاه البندنيجي في كفارة القتل.
قال: أو قشر بطيخ، أي: وما في معناه من الكناسات؛ فهلك به إنسان – وجب الضمان؛ لأنه تعدى بذلك؛ فضمن من هلك [به] كما لو جنى عليه، والضمان على العاقلة؛ كما نبهنا عليه من قبل، وصرح به ابن الصباغ وغيره.
وقد جعل الماوردي محل الجزم بوجوب الضمان في البئر، إذا أضر حفرها بالمارة، أو لم يضر، وقصد به التملك، أو لم يصده، ولم يحكم رأسها، وتركها مفتوحة.
وقال فيما إذا أحكم رأسها، وقصد بحفرها اختصاصه بالارتفاق بها؛ إما لحش داره، أو لماء مطرها؛ فإن استأذن الإمام على ذلك لم يضمن.
قال ابن الصباغ: كما يجوز أن يقطع بعض الطريق الواسع لمن يبنيه لنفسه.
قال الرافعي: وهذا ما أورده أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني، وصاحب التتمة.
قال الماوردي: [فإن لم] يأذن الإمام، فوجهان: المذكور منهما في تعليق القاضي الحسين، والشامل: الجزم بالضمان.
وادعى الإمام [عدم] اختلاف العلماء فيه، وإيراد القاضي يقتضي طرده في حالة الإذن، وهو الذي أورده في التهذيب.
وحكى الإمام قطع الأئمة به، وأن في بعض التصانيف حكاية وجه في نفي الضمان، وقال: إنه بعيد عن التحصيل.
وقال البندنيجي في وضع الحجر: لا فرق في الضمان بين أن يكون الطريق ضيقاً أو واسعاً.
وقد ذكر الماوردي تفصيلاً في وضع الطين، ويجب طرده في الحجر، وهو أن الإنسان إذا أخرج من داره طيناً لهدم أو بناء يستعمله حالاً فحالاً: فإن كان الطريق ضيقاً، أو الطين كثيراً – فهو متعد بوضعه فيه؛ فيكون ضامناً لدية التالف، وإن كان الطريق واسعاً والطين قليلاً، وقد عدل [به] عن مسلك المارة إلى

فناء داره – لم يضمن؛ لأنه غير متعد، ولا يجد الناس من مثل هذه بدًّا.
وقال بعض أصحابنا: يضمن؛ لأنه مباح بشرط السلامة؛ فإذا أفضى إلى الهلاك ضمن؛ كتأديب المعلم.
[ثم قال]: وهذا فاسد؛ لما فيه من التسوية [بين المباح] والمحظور.
وما حكاه عن هذا القائل شبيه بما حكاه القاضي الحسين، عن صاحب التلخيص في قشر البطيخ؛ فإنه حكى عنه أنه [قال]: يباح له ذلك بشرط السلامة، وحكى مع ذلك وجهين: أحدهما: أنه إن ألقاه في زاوية من الشارع، ليست بممرٍّ للناس – فلا ضمان عليه، وهو يجري في القمامات؛ كما صرح به الإمام.
والثاني: إن كان الجانب الذي يلي الباطن، وهو الوجه المأكول يلي الأرض؛ فزلقت به رجل إنسان؛ فتحرك – يلزمه الضمان، وإن لم يتحرك – لا يلزمه [الضمان]؛ لان القشر إذا لم يتحرك – كان سوط تَعثُّر به، لا بسببه.
وإن كان الجانب المأكول يلي الهواء؛ فن لم يتحرك، يلزمه الضمان، وإن تحرك، لم يلزمه؛ لأنه بفعله تحرك؛ فكان السقوط على الأرض لمعنى من جهة الساقط، لا بسبب القشر.
وهذا ما حكاه الإمام عن صاحب التلخيص، وطوائف من الأصحاب، [مع] حكاية الوجه الأول، وحكاية وجه آخر حكاه المتولي أيضاً: أنه لا ضمان؛ لأن الشوارع من مرافق الأملاك؛ فلو منع الملاك من طرح الكناسات والفضلات في الطرق الواسعة؛ لضاقت عليهم الأملاك.
ثم قال الإمام: ومعظم المحققين [ذهبوا إلى] إبطال تفصيل صاحب التلخيص، والمصير إلى أن الضمان يجب، وهو ما اختاره القاضي الحسين، ثم قال: وعلى هذا لو رش الماء على باب داره، أو حانوته، فمر به مار؛ فزلق ومات، أو انكسرت رجله؛ فإن بالغ، يلزمه الضمان، وإن لم يفرط، بل قص به تسكين الغبار، [أي عن المارين، فالمذهب أنه لا ضمان.
وقد قال الإمام بدل هذه العبارة:] إنه كاحتفار البئر؛ لمصلحة المسلمين.

ومحل ما ذكرناه من الضمان، إذا لم ير التالف ما حصل بسببه التلف، أما إذا رآه، وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك – فلا ضمنا جزماً في جميع الصور.
فرع: إذا وضع إنسان حجراً في الطريق؛ فعثر به إنسان فدحرجه إلى موضع آخر، فعثر به آخر، وتلف منه – وجب الضمان على عاقلة الذي عثر أولاً؛ لأن الحجر في ذلك الموضع إنما حصل بفعله؛ قاله القاضي الحسين والرافعي، وغيرهما.
قال: وإن حفر بئراً، ووضع آخر حجراً؛ فتعثر إنسان بالحجر، ووقع في البئر؛ فمات – وجب الضمان على واضع الحجر، [أي]: وتتحمله عاقلته؛ لأنه سب دفعه إلى البئر، والسبب كالمباشرة؛ فيجعل ناصب الحجر كأنه باشر دفعه، ولو فرض ذلك، فالضمان على الدافع، وإن كان الهلاك لا يحصل بدفع الدافع لولا البئر؛ كما نقول بعدم وجوب الضمان على دافع الآلة إلى القاتل؛ وإن كان لا يحصل القتل بدون آلة.
وهكذا لو وضع إنسان حجراً، وآخر حديدة؛ فتعثر مار بالحجر، ووقع على الحديدة؛ فمات – وجب الضمان على واضع الحجر على النص، وهو الصحيح في المهذب.
وفيه [وفي] غيره: أن أبا الفياض البصري قال: إن كانت الحديدة سكيناً قاطعاً فالضمان على واضعها دون واضع الحجر فإن كان غير قاطع، وجب على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطع موح.
قال الماوردي: وهكذا قال فيمن دفع رجلاً على سكين [في يد] قصاب؛ فانذبح بها: إن ديته على القصاب دون الدافع.
والإمام، والقاضي الحسين، وغيرهما قالوا في الأخيرة: إن حرك القصاب يده قريباً من جوف الملقي عليه فيجب الضمان عليه حينئذ، وألا فهو على الدافع.
وهكذا لو حفر بئراً، ونصب آخر في أسلفها سكيناً؛ فوقع إنسان في البئر، وهلك من الحديدة، فالضمان على حافر البئر.
وفي البيان وجه: أن الضمان على ناصب السكين خاصة.
وقد أورد الإمام – على ما أجمع عليه الأصحاب [في مسألة الكتاب] –

سؤالاً؛ فقال: الحجر سبب [في الدفع] وليس دفعاً، والبئر سبب في الهلاك، وليس إهلاكاً؛ فلا يبعد، من طريق القياس، وقد اجتمع السببان أن شترك المسببان في الضمان، وليس من الإنصاف أن يجعل الحجر كالدافع المباشر، ويجعل البئر على حقيقة السبب؛ فإن قدرت سبب الدفع دفعاً؛ فقدر سبب الهلاك إهلاكاً؛ فإنه لو ألقى ملقٍ إنساناً على سكين بيد إنسان؛ فتلقاه صاحب السكين؛ فالهلاك منهما، والضمان عليهما.
وما ذكروه من إلقاء الواقف على السكين أظهر إشكالاً من هذا؛ فإن حل السكين، وإلقاءه ممكن فالاشتمال به، والتحمل عيه ليدوم منتصباً كيف يحيط؟ فليكن ما قاله الأصحاب مفروضاً حيث لا يتمكن صاحب السكين من إلقائه وطرحه.
تنبيه: محل ما ذكرناه – كما اقتضاه كلام الشيخ – إذا كان الوضع في الطريق، وفي معناه إذا كان الحفر والوضع في ملك الغير بغير إذنه، والهالك غير متعد بالدخول.
أما إذا كان الحفر والوضع في ملك فاعله، أو في غير ملكه، ولكنه فعل بالإذن – فلا ضمان.
والرضا ببقاء المحفور هل يجعل كالإذن في الحفر؟ فيه وجهان مضيا عن الشامل وغيره في كتاب الغصب، والمذكور منهما في تعليق البندنيجي المنع، والأظهر في الرافعي: مقابله، وعليهما يخرج – كما قال الماوردي -: جواز الطم بعد ذلك بدون رضا المالك.
ولو كان الدخول أيضاً بغير إذن، فهل يحال الهلاك على الدخول، أو على الحفر العدوان؟ فيه وجهان في التتمة.
ولو كان وضع الحجر فيملكه، [أو] بإذن المالك، أو برزت نبلة من الأرض؛ كما قال الماوردي، والحفر أو وضع الحديدة غير مباح؛ فتعثر إنسان بالحجر، أو بالنبلة، ووقع في البئر، أو على الحديدة؛ فمات – فالضمان على

الحافر، أو [على] واضع الحديدة؛ [فإنه المتعدي، قال الرافعي: وينبغي أن يقال لا يجب الضمان على الحافر وواضع الحديدة]؛كما لو كان حفر البئر أو وضع السكين في محل عدوان، وحصل حجر على طرفه بمجيء سيل أو بوضع حربي، أو سبع؛ فعثر بالحجر إنسان، ووقع في البئر، أو على السكين؛ فمات، فإنه لا ضمان على أحد؛ كما صرح به القاضي الحسين، والإمام، وغيرهما؛ قياساً على ما لو ألقاه السبع أو الحربي [في البئر].
قال: ويدل عليه – أيضاً – أن المتولي قال: لو حفر في ملكه بئراً، وجاء آخر؛ فنصب فيها حديدة؛ فوقع إنسان في البئر، وجرحته الحديدة؛ فمات –فلا ضمان على واحد منهما: أما الحافر فظاهر، وأما الآخر؛ فلأن الوقوع في البئر هو الذي أفضى إلى الوقوع على الحديدة؛ فكان حافر البئر كالمباشر، [و] الآخر كالمتسبب.
على أن في المسألة التي حكيناها عن القاضي الحسين والإمام وجهاً حكاه المتولي: أنه يجب الضمان على عاقلة الحافر؛ لأنه لا وجه للإهدار، والحافر هو المتعدي.
فروع: الفرع الأول: لو حفر بئراً قريبة العمق، فعمقها غيره؛ فضمان من تردى فيها على الأول، على وجه، وعليهما على وجه، وهو الأظهر؛ فعلى هذا: في كيفية شركتهما وجهان حكاهما الشيخ أبو عليٍّ: أحدهما: النصف؛ كما لو مات من الجراحات.
والثاني: يوزع على ذلك الحفر.
الفرع الثاني: إذا حفر بئراً متعدياً، ثم طمها، وجاء آخر، وأخرج ما طمت به؛ فتردى فيها إنسان – فالضمان على الأول؛ لأنه المبتدئ بالتعدي، أو على الثاني؛ لانقطاع أثر الحفر الأول بالطم؟ فيه وجهان عن البيان.
قلت: وهذا الإطلاق فيه نظر، بل كان يجب أن يقال: إن كان الطم وجد بوجه مشروع، فلا وجه إلا تعلق الضمان بالثاني؛ لأن الأول برئ من الحفر بالطم.

وإن كان الطم بغير وجه مشروع، فيتجه أن يكون محل الخلاف.
الفرع الثالث: إذا وضع رجل حجراً في الطريق، ووضع آخران حجراً بجنبه، وتعثر بهما إنسان – فالوجه الأظهر: أو الضمان يتعلق بهم أثلاثاً، وهو ما ادعى ابن الصباغ انه قياس المذهب.
وفي التهذيب وجه: أنه يتعلق نص الضمان بالمنفرد، ونصفه بالآخرين.
قال: وإن حفر بئراً في طريق واسع؛ لمصلحة المسلمين، أو بني مسجداً، أي: للمسلمين، أو علق قنديلاً – أي: بكسر القاف – في مسجد، أو فرش فيه حصيراً، ولم يأذن له الإمام في شيء من ذلك، أي: ولا نائبه في أمر المسجد؛ فهلك به إنسان – فقد قيل: يضمن.
قال في المهذب: لأن ما تعلق بمصلحة المسلمين يختص [به الإمام]؛ فمن افتات عليه كان متعدياً؛ فضمن من هلك بهن وهذه العلة تفهم أن الإقدام على ذلك – على هذا القول – لا يجوز.
وقد قال الرافعي: إنه جائز بشرط سلامة العاقبة.
وقد ادعى الجيلي أن هذا القول أصح، وقال القاضي أبو حامد: إن الشافعي أشار إليه في القديم في مسألة البئر.
وقيل: لا يضمن؛ لأنه اعتمد مصلحة المسلمين لا بإضرار؛ فهو كما لو فعله بإذن الإمام، أو إمام المسجد؛ فإنه لا يضمن، وهذا ما ادعى ابن يونس والنواوي أنه الأصح، واختاره في المرشد، وحكاه القاضي أبو الطيب عن نص الشافعي في الجديد في مسألة البئر، وصححه البغوي.
وعلى حكاية الخلاف المذكور قولين، جرى الإمام والقاضي الحسين.
وحكى ابن الصباغ أن الشيخ أبا حامد أثبته وجهين، وعلى ذلك جرى أتباعه – البندنيجي وغيره، [وكذا] البغوي والماوردي [في مسألة حفر البئر وبناء المسجد.
وقال الماوردي:] إن إجراءهما في مسألة القنديل، والحصير من تخريج الشيخ أبي حامد، وإن سائر أصحابنا خالفوه، وقالوا: لا يضمن وجهاً واحداً، سواء أذن فيه الإمام، أو لم يأذن، [وإنه] الصحيح؛ لكثرته في العرف، وإن إذن

الإمام فيه يشق وهو المذكور في الشامل، وتعليق القاضي الحسين؛ كما حكى عن الشيخ أبي حامد، وقال: إن في معنى ذلك: ما إذا طين المسجد أو نصب فيه عماداً، فوقع على إنسان؛ فأتلفه.
وحكم تلف عضو من الأعضاء بسبب الحفر وغيره - حكم تلف النفس.
وحكم وضع دنٍّ على باب المسجد؛ ليشرب الناس منه حكم بناء المسجد، صرح به في التهذيب.
وأصل الخلاف في المسائل التي ذكرها الشيخ وغيره- كما قاله البندنيجي -مسألة البئر.
وادعى القاضي أبو الطيب أنه في مسألة البئر مخرج من القولين المذكورين في مسألة تعليق [قنديل] في مسجد، أو إحداث خشبة في سقفه، أو فرش بارية فيه، وهي الحصير، ولا يقال: حصيرة؛ كما قاله النواوي.
أما إذا بنى المسجد لنفسه فهو كحفر البئر لنفسه.
قال البندنيجي، وابن الصباغ: والحفر في المسجد كالحفر في الشوارع، وقد صرح به البغوي والرافعي، وهذا هو المشهور في الطرق، ووراءه أمران: أحدهما: حكى الإمام طريقة قاطعة بأن الحفر إن حصل بدون إذن الإمام ضمن، وإن كان بإذنه، [ففي الضمان قولان].
ثم قال: الطريقة الأولى أمثل؛ فإن الحفر إذا كان للمصلحة، وكان قد صدر عن إذن الناظر في المصالح بَعُدَ في الرأي الكلي والجزئي تقدير الضمان.
ولو أمر الإمام ابتداء باحتفار بئر، ثم فرض التردي فيها؛ فلا يصير إلى إثبات الضمان - والحالة هذه - إلا جسور، ولا نأمن أن صاحب الطريقة الثانية يقضي بوجوب الضمان أيضاً.
الثاني: حكى صاحب التهذيب أن أبا حنيفة قال: إن الفاعل لما ذكرنه لمصلحة المسلمين إن لم يكن من أهل المحلة ضمن، وهو قول أبي إسحاق.
تنبيه: قد فهم من تصوير الشيخ المسألة بالطريق الواسع لمصلحة المسلمين - أن

محل ما ذكره إذا كان لا يضر بالمسلمين، وإلا لم يكن لمصلحتهم، ولم يكن لذكر "الوسع" معنى، وقد صرح الأصحاب كافة بأن الحفر إذا كان مضراًّ بالمسلمين اقتضى الضمان، وإن كان بإذن الإمام؛ لأنه ليس له الإذن إلا فيما فيه مصلحة.
قال: وإن حفر بئراً في ملكه، أو في موات؛ لينتفع بها، أي في مدة مقامه، ثم يتركها للمسلمين؛ كما نبه عليه البندنيجي؛ فوقع فيها إنسان، ومات - لم يضمن؛ لأنه غير متعد بذلك؛ إذ له الانتفاع بملكه، وبالموات.
قال الأصحاب: وعلى الصورة الأخيرة حمل ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ".
وذكر الماوردي مع هذا التأويل تأويلاً آخر، وهو أن المراد به: الأجير في حفر البئر والمعدن إذا تلف كان هدراً، ثم قال: ولا يمتنع أن يحمل على عموم الأمرين فيما أبيح فعله، وإن أريد به أحدهما؛ لاشتراكهما في المعنى.
لكنه حكى فيما إذا حفرها؛ لينتفع بها هو والسابلة بدون إذن الإمام في الضمان قولين: القديم: وجوبه.
والجديد: منعه.
قال: وإن حفر بئراً في ملكه، [أو في طريق ملكه، [واستدعى إنساناً]؛ فوقع فيها؛ فهلك -: فإن كانت ظاهرة، أي: للداخل، لم يضمن؛ لعدم تفريط الآذن، وتفريط الداخل.
وظهورها يكون بأحد أمرين: بأن يكون الداخل بصيراً، والدخول في النهار، وهي في موضع لا ظلام فيه، أو بالليل وقد أعلم بها، وفي معناه الضرير.
قال: وإن كانت مغطاة، أي: ولم يعلم الداخل بها، ولا رأى أثراً يدل عليها، أو كان أعمى - كما قال الماوردي، وكذا البندنيجي في باب ضمان البهائم - ففيه قولان.
وجه المنع - وهو المنصوص هنا؛ كما قاله الماوردي، وأنه الأظهر، وادعى

القاضي أبو الطيب أنه المذهب -: أنه دخل باختياره، والحفر مباح.
ووجه الوجوب- وهو الذي صححه النواوي، واختاره في المرشد -: أنه ملجئ إلى ذلك عرفاً؛ فأشبه الإلجاء الحسي؛ فإنه لو فعله ضمن جزماً.
وقد ادعى الماوردي أنه مخرج من أحد قوليه؛ فيمن سم طعاماً، وأذن في أكله.
وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل هذه المسألة أولى بوجوب الضمان؛ فإن تناول الطعام وازدراده تعلق بعين المتلف؛ بخلاف الطروق؛ فإن التردي يقع لا عن اعتماد إليه.
لكن الإمام فرض ذلك فيما إذا كان الحفر في طريق ضيق لا مدخل إلى الملك غيره، ولا محيص للداخل عن التردي في البئر، وقال فيما إذا كانت البئر مائلة، وأمكن تقدير الازورار عنها: إن في هذه الحالة طريقين للأصحاب: منهم من قطع بانتفاء الضمان، فإن الحفر ليس بعدوان، وكان من حق الداخل [أن] يتحفظ، وهذا هو المسلك الأصح.
ومنهم من جعل في الضمان قولين.
فرع: لو كان الحافر غير المالك بدون إذنه، لكن المالك علم بالبئر، ولم يعلم من استدعاه بها – ففي تعليق القاضي الحسين وجهان: أحدهما: أن الضمان على المالك؛ حيث لم يعلمه.
والثاني: على الحافر؛ لأنه المتعدي بالحفر.
قال: وإن كان في داره كلب عقور؛ فاستدعى إنساناً؛ فعقره؛ فعلى القولين.
وقيل: لا يجب الضمان وجهاً واحداً، وهو ما نص عليه في باب: ضمان البهائم، وما جزم ابن الصباغ في باب: صفة العمد، وإن حكى الخلاف في باب ضمان البهائم، وأجراهما فيما إذا كان في داره أحبولة؛ فأذن لإنسان؛ فدخل فأصابته؛ لأن للكلب اختياراً، ويمكنه دفعه بعصاً وغيرها، وهذا إذا علم به،

ولم يعلم بأنه عقور، أما إذا علم بذلك فلا يجب الضمان جزماً، وكذا إذا كان مربوطاً في موضع؛ فصار إليه المستدعي، وهو غير عالم بحاله.
ولو أكرهه رب الدار على الدخول، قال الماوردي: فإن اتصل الإكراه بالتلف، فيكون مضموناً بالدية على المكره؛ لتعديه بالإكراه.
وإن لم يتصل الإكراه بالتلف ففي استصحاب حكمه وجهان: أحدهما: أن حكمه مستصحب؛ فعلى هذا يكون مضموناً على المكره.
[والثاني: أن حكمه قد زال بانقطاعه فيكون كغير المكره، والله أعلم].
قال: وإن أمر السلطان رجلاً أن ينزل إلى بئر، أو يصعد إلى نخل؛ لمصلحة المسلمين؛ فوقع؛ فمات- وجب ضمانه؛ لأنه يستحب للمأمور طاعته؛ فإذا فعل، وترتب عليه الهلاك – ضمن؛ لأن الاستحباب مرجح للفعل على الترك في نظر الفاعل؛ كما أن الإكراه الحسي بما يفضي إلى الهلاك مرجح للفعل في نظر فاعله على الترك، وقد قلنا: إن المكره يجب عليه الضمان؛ فكذلك هاهنا.
وما ذكرناه من الاستحباب هو ما صرح به القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ في باب: عدد الخمر، [وكلام الإمام في "التغريب" يقتضي وجوب الفعل على المأمور؛ فإنه قال: إذا استعان الإمام بأحد من المسلمين لزمه الانقياد له].
وقال في التهذيب: إنما يجب ضمانه، إذا قلنا: إن أمر السلطان يكون إكراهاً؛ نظراً إلى سطوته، ووجوب طاعته، وهذا ما اقتصر على إيراده في الجنايات الرافعي، وبعض الشارحين لهذا الكتابن ولو كان هذا المأخذ لما وجب ضمانه عند العراقيين؛ لأنهم لم يجعلوا أمر السلطان إكراهاً.
ثم الضمان على من يجب؟ قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في هذه الصورة: فيه قولان: أحدهما: على عاقلته.
والثاني: في بيت المال.
وقالا فيما إذا كان قد أمره بذلك، لخاص نفسه: إنه يكون على عاقلة الإمام، وإن هذا بخلاف ما لو أمره أن يسعى في حاجته؛ فسعى؛ [فعثر] فمات؛ فإنه لا

ضمان على الإمام، لأن السعي ليس بسبب الإتلاف، ولا العثار؛ بخلاف صعود النخلة، ونزول البئر.
قال: وإن أمره بعض الرعية فوقع؛ فمات – لم يجب ضمانه؛ لأن طاعة هذا [الأمر] لا تجب، ولا تستحب؛ فصار كما لو فعل ذلك بدون أمر.
نعم، لو أكرهه على الصعود أو النزول فقد قال في الوسيط: إن القصاص واجب على المكره، ولم يجعله كشريك الخاطئ؛ لأن هذا الخطأ ولده إكراهه؛ بخلاف جهل المكره وصباه؛ فإن فيه وجهين، يعني: إذا أكره البالغ صبياًّ على القتل، فإن في وجوب القصاص على البالغ قولين مبنيين على أن عمد الصبي عمد، أو خطأ؟ قال الرافعي: والأظهر ما ذكره الفوراني، وصاحب التهذيب، وحكاه القاضي الروياني -: أنه عمد خطأ، لا يتعلق به القصاص؛ لأن الفعل ليس مما يقصد به الهلاك.
قال: وإن بنى حائطاً في ملكه، أي: مستقيماً، فمال إلى الطريق، فلم ينقضه، حتى وقع على إنسان؛ فقتله – لم يضمن على ظاهر المذهب؛ لأنه وضعه في ملكه، وسقط بعد فعله؛ فلم يتعلق به ضمان؛ كما لو سقط من غير ميل، واستهدام.
ولفظ الشافعي – رحمه الله – الذي قيل: إن هذا ظاهره: "إن مال حائط دار؛ فوقع على إنسان؛ فأتلفه – فلا شيء فيه، وإن أشهد عليه؛ لأنه بناه في ملكه، والميل حادث من غير فعله، وقد أساء بتركه.
وقد رجح هذا المزني والإمام، وقال به أبو سعيد الإصطخري، وأبو عليّ الطبري، والشيخ أبو حامد، وأكثر أصحابنا؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
ولا فرق فيه بين أن يطالب بإزالته؛ فلم يزله، أو لا؟ كما صرح به المزني، وهو مأخوذ من قول الشافعي – رضي الله عنه – وإن أشهد عليه.
وقيل: يضمن؛ لأنه [لما] مال، لزمه إزالته؛ فكان متعدياً بتركه؛ فضمن ما هلك به؛ كما لو بناه مائلاً إلى الطريق؛ فإنه يضم ما تلف به جزماً، وهذا قول

أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، واختاره صاحب المرشد، والقضاة: الماوردي، وأبو الطيب والروياني، وأيده الماوردي بأنه لو أخرج روشناً من داره أقر عليه، وضمن ما تلف به، وهو هاهنا لا يقر على ميل الحائط؛ فكان أولى أن يضمن ما تلف به، ثم قال القاضي أبو الطيب: إن قائله حمل النص على ما إذا: مال [وسقط من غير أن يتمكن من تداركه.
والماوردي وابن الصباغ قالا: إنه حمل النص على ما إذا مال] إلى ملك نفسه؛ فإنه لا يضمن ما تلف به جزماً.
قلت: وما قالوه فيه نظر؛ لأن قول الشافعي: [وإن أشهد عليه]، يأبى الحمل الأول، وكذلك قوله: "فقد أساء بتركه"، يأباه، ويأبى الحمل الثاني؛ لأنه إذا مال، ولم يعلم به حتى سقط، أو مال إلى ملكه، وعلم به – غير مسيء بالترك.
ومن قال بأنه عند الميل مأمور بالإزالة أو لا يقر على ميل الحائط؛ فذاك منه مصادرة؛ لأن القائل بعدم الضمان لا يلزمه بالنقض؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب.
لكن يشكل هذا بقول الشافعي: "فقد أساء"، إلا أن يحمل على ترك الأولى.
ثم على قول أبي إسحاق لو مال بعض الجدار، وحصل التلف بالمائل – كان المضمون جميع الدية، وإن كان بما لم يمل خاصة، لم يجب شيء، وإن كان بهما فهو كما سنذكره في الميزاب والجناح، إلا القول الثالث ثَمَّ.
وقد فهم من قول الشيخ والقاضي أبي الطيب: إن محل الخلاف في مسألة الكتاب إذا تمكن من النقض، فلم يفعله، أما إذا لم يتمكن، فلا يضمن وجهاً واحداً.
وقد صرح الرافعي بحكاية ذلك عن الشيخ أبي حامد، والبغوي.
وحكى القاضي الحسين مع هذه الطريقة طريقة أخرى، وهي: أن محلها إذا لم يتمكن، أما إذا تمكن، ضمن وجهاً واحداً.
وعند الاختصار يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه: ثالثتها: إن تمكن ضمن، وإلا فلا، وهذا ما أورده الإمام، وقال: إنه لم يره لأحد من أئمة المذهب.
ثم الوجهان في مسألة الكتاب جاريان – كما حكاه ابن الصباغ، والقاضي أبو

الطيب، والبندنيجي، وغيرهم – فيما إذا مال إلى ملك جاره، لكن في هذه الصورة للجار مطالبته بإزالة المائل إلى ملكه؛ كما إذا انتشرت إليه الأغصان؛ فإن لم يفعل كن له نقضهن قاله البندنيجي والماوردي.
ويجري الوجهان أيضاً – كما حكاه ابن الصباغ، عن رواية القاضي أبي الطيب- فيما لو وضع عدلاً على حائط نفسه، فوقع في ملك غيره؛ فأمر بإزالته، فلم يفعل؛ فعثر به إنسان؛ فهلك، أو سقط الحائط إلى الطريق؛ فلم يرفعه حتى تعثر به إنسان، وهلك؛ وكذلك حكاهما الماوردي في مسألة سقوط الحائط [المائل، فقال: إن قلنا: لا يضمن بسقوط الحائط]، فكلك لا يضمن من تعثر بنقضه إذا لم يتمكن من رفعه؛ فإن تمكن؛ فلم يفعل، ضمن.
وإن قلنا: يضمن بسقوط الحائط؛ فكذا يضمن من عثر به.
وإطلاقه القول بالضمان عند التمكن موافق للطريقة التي حكيناها عن رواية القاضي الحسين في محل الخلاف.
وقد بقي من الصور السبع التي ذكرها الأصحاب في وقوع الحائط ثلاث: إحداها: أن يبنيه مائلاً إلى ملكه؛ فيقع، ويتلف به إنسان، أو بما طار منه من شظية- فلا ضمان؛ كما قاله القاضي الحين وغيره.
نعم لو ربطه تحته – فسقط عليه، قال الماوردي: إن كان مؤذنا بالسقوط، ضمن الرابط، وإلا فلا.
الثانية: أن يبنيه مستقيماً؛ فيميل إلى ملكه – فلا ضمان بسببه من طريق الأولى.
الثالثة: أن يبنيه مستوياً؛ فيستهدم من غير ميل؛ فليس لأحد مطالبته بنقضه، وإذا وقع على إنسان؛ فأتلفه؛ فلا ضمان، وهذا ما حكاه الماوردي، ونسهب ابن الصباغ إلى الاصطخري، ثم قال: وفيه نظر؛ لأنه ممنوع من أن يصنع في ملكه ما يعلم أنه يتعدى إلى ملك غيره؛ كما ليس له أن يؤجج ناراً في ملكه، مع وجود

الريح، ولا يطرح في داره ما يتعدى إلى ملك غيره، كذلك هاهنا: إذا كان مستهدماً؛ فالظاهر أنه يتعدى إلى ملك غيره؛ فيمنع.
وقد أبدى المتولي هذا الاحتمال وجهاً، وقال: للجار، والمارة في الشارع المطالبة به؛ لما يخاف منه الضرر؛ فإن لم يفعل حتى سقط؛ فهو كما لو مال فلم ينقضه حتى أتلف.
واعلم أنا حيث نوجب الضمان فيما ذكرناه [والمتلف آدمي يكون على عاقلة صاحب الحائط، كما ذكرناه] من قبل، وإن كان مالاً غير آدمي، كان على صاحب الحائط.
ولو باع الحائط المبني مائلاً، قال صاحب التهذيب: لم يبرأ من الضمان حتى إذا سقط على إنسان؛ فهلك -يكون الضمان على عاقلة البائع.
[قلت: وقد يتخل أن محل ذلك إذا لم يقبض الجدار، أما إذا أقبضه فلا يكون من ضمانه، بل يكون من ضمان المشتري، ولا شك في أن هذا الحكم لا يزول عن البائع؛ إذا لم يقبضه المشتري، أما إذا خلي بينه وبينه؛ فيشبه أن يبني ذلك على أن التخلية في المنقول هل تكون قبضاً أم لا؟ وفيها خلاف، والأصح: أنها لا تكون بضاً؛ فعلى هذا لا يزول الضمان في هذه المسألة عن البائع بالبيع والتخلية؛ لأن الجدار المائل يستحق نقضه؛ فهو كالمنقول.
قد فرعنا على أن التخلية فيه لا تكفي، ويصح جواب البغوي - مطلقاً - وإن قلنا: إنها تكفي، فيكون هاهنا على المشتري، والله أعلم].
قال: وإن وضع جرة على طرف سطح، فرماها الريح؛ فمات بها إنسان - لم يضمن؛ لأنه غير متعد بوضعها في ملكه، ووقوعها كان بغير فعله.
وهكذا الحكم فيما لو ابتلَّ موضع الجرة؛ فسقطت، وفيما لو نام على السطح؛ فانهار به الجدار؛ فسقط على إنسان؛ فقتله - لا ضمان عليه، بخلاف ما لو سقط؛ لتقلبه في نومه؛ فإن الضمان ثابت؛ كما حكاه الماوردي.
ولو وضع على طرف سطحه قفصاً فيه قوارير، فهبت الريح وألقته في الشارع، وكاد أن يسقط على أحد؛ فرماه عن نفسه حتى سقط على الأرض، وانكسرت القوارير - قال القاضي الحسين: عليه الضمان؛ لأنه كان من حقه أن يتأخر عنه،

ولا يدفعه حتى سقط على الأرض بفعله، فلو لم يتمكن من الخلاص إلا بالدفع والإتلاف؛ فهل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ تنزيلاً لذلك منزلة البهيمة الصائلة.
وأظهرهما في الرافعي: نعم؛ لأنه لا قصد ولا اختيار فيها بخلاف البهيمة.
قال: وإن أخرج روشناً إلى الطريقين أي: وكان يسوغ له إخراجه؛ فوقع أي: بجملته – على إنسان؛ فمات – وجب نصف الدية، لأنه هلك بشيئين: أحدهما: الخارج منه، وهو مضمون؛ لأنه جاز فعله بشرط سلامة العاقبة؛ كالرمي إلى الصيد.
والآخر: الداخل في ملكه؛ وهو غير مضمون؛ فقسط الضمان على الشيئين، وهذا ما جزم به القاضي الحسين، وحكاه الإمام عن الأكثرين، وقال: إنه القياس المرضي.
وحكى القاضي أبو الطيب وغيره قولاً آخر: أن الواجب من الدية بقدر ما كان خارجاً منه إلى الطريق: فإن كان الخارج ثلاثة أشبار، [والداخل] الذي على الحائط شبر – وجب ثلاثة أرباع الدية، وإن كان الخارج شبرين، والداخل شبراً – وجب ثلثا الدية.
والقولان مأخوذان من القولين فيما إذا ضرب الجلاد أحداً وأربعين في الخمر؛ فمات.
وحكى الماوردي أن القاضي أبا حامد حكى في جامعه قولاً ثالثاً: أنه يضمن جميع الدية لأن الداخل في الحائط من الخشب جذبه الخارج منه؛ فضمن به جميع الدية.
وحكى عن الشافعي [أنه] قال: ولا أبالي أي طرفيها أصابه.
يعني: الخشبة؛ لأنها قتلت بثقلها.
وحكى الغزالي وإمامه وجماعة أنا على قول التوزيع ننظر إلى الوزن لا إلى المساحة.
قال: وإن تقصف من خشبة الخارج شيء؛ فهلك به إنسان –ضمن جميع الدية؛ لأنه هلك بما هو مضمون خاصة.
قال القاضي أبو الطيب، وغيره: وهذه المسألة يُعَمَّى بها؛ فيقال: ما تقول في خشبة إذا وقع جميعها على إنسان؛ فمات، لم يضمن إلا نصف ديته، وإذا وقع

بعضها عليه؛ فمات، وجب كل الدية؟ وفي النهاية أن القابول – وهو الروشن البارز – لو تناهى مخرجه في الاحتياط؛ فجرت حادثة لا تتوقع موجودة أو صاعقة؛ فسقط بها القابول- فلست أرى إطلاق القول بالضمان؛ فلينظر من أدرك هذا.
قال القاضي الحسين: ولو تصور حصول التلف بسقوط الداخل في الملك دون الخارج، لم يجب شيء.
تنبيه: قول الشيخ: أخرج روشناً إلى الطريق، احترز به عما إذا أخرجه إلى ملكه؛ فسقط؛ فإنه لا ضمان.
قال القاضي الحسين: وكذلك لو أخرجه إلى ملك غيره بإذن مالكه؛ لأنه وجد الإذن في المستحق المتعين.
وفيه أيضاً احتراز عما إذا أخرجه إلى درب غير نافذ بإذن أهل الدرب؛ فإنه لا يضمن؛ كما [إذا] أخرجه إلى ملك غيره بإذنه وقد صرح بذلك القاضي الحسين والمتلوي.
قال: وإن نصب ميزاباً؛ أي: في الطريق؛ فوقع على إنسان؛ فأتلفه –فهو كالروشن؛ لأن كلاًّ منهما جاز إخراجه ليتوسع به في الانتفاع في ملكه، وهذا هوا لجديد كما حكاه القاضيان: الماوردي وأبو الطب، والمصنف، وغيرهم؛ على هذا في كيفية ما يضمن به إذا سقط الجميع الأقوال السابقة.
ولا فرق بين أن يصيب الطرف البارز أو الذي في الحائط؛ كما حكاه المستظهري وابن الصباغ، وحكينا مثله عن النص في الروشن.
وقيل: لا يضمن؛ لأن الضرورة تدعو إليه؛ فإن المياه إذا اجتمعت، فلم يكن لها سبيل إلى الخروج- عادت إلى الدار؛ فيكون منه خرابها؛ بخلاف الروشن؛ فإن إخراجه؛ لاتساع في المنفعة، لا للضرورة الحاقّة، وهذا حكاه القاضي أبو حامد في جامعه عن القديم.
قال الأصحاب: وليس بشيء، لأنه [قد] كان يقدر على إجراء مائة إلى بئر يحفرها في داره، أو يفتح أخدوداً في الجدار، [و] يجري فيه الماء؛ فانتفت الضرورة.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل