كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وجهين، فلعل الشيخ اختار جعله غنيمة، [وعلى مقابله – وهو الصحيح عند الإمام – وهو الصحيح عند الإمام – أنه لا يكون غنيمة]، بل فيئاً.
ففي قوله: ما أخذ من الكفار، ما ينافي ذلك؛ فإنه ليس مأخوذاً منهم.
نعم، لفظة "ما أخذ"، في قول الشيخ تدخل الكلب المنتفع به في الغنيمة، وليس بغنيمة عند العراقيين، فيقسم كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ، [بل] قالوا: إن كان في الغانمين من يحل له اقتناؤه للزرع أو الماشية أو الصيد، دفع إليه، قال ابن الصباغ: ولا يحسب عليه، وإن لم يكن فيهم من يحل له اقتناؤه – لفقد ذلك يهم – دفعه إلى من هو محتاج إليه من أهل الخمس، [وهذا] قد حكاه القاضي الحسين عن نص الشافعي، رضي الله عنه.
قال البندنيجي: وإن لم يكن في أهل الخمس من يل له اقتناؤه ترك.
وهو كذلك في "الحاوي" وقال: إنه إذا دفعه إلى شخص لا يعوض الغانمين عنه؛ لأنه
ليس بمال.
وقد حكاه الإمام عن العراقيين- أيضاً – حيث قال: إنهم قالوا: نسلمه إلى واحد من الغانمين لعلمنا باحتياجه إليه، ولا يكون محسوباً عليه.
واعترض عليه بأن الكلب منتفع به؛ فليكن حق اليد فيه لجميعهم؛ كما أن [من] مات وله كلبن لا يستبد به بعض الورثة.
قال الرافعي: والذي نجده في كتب العراقيين: أنه إن أراده بعض الغانمين، أو بعض أهل الخمس، ولم ينازع فيه –سلم إليه، وإن تنازعوا: فإن وجدنا كلاباً وأمكنت القسمة عدداً، قسمت، وإلا أفرع.
وما قاله الرافعي لم أقف عليه فيما وقفت عليه منها، بل قال في "الشامل" بعد حكاية ما ذكرته عنه: ولم يذكر أصحابنا إذا تنازع فيها الغانمون، وأبدى ما ذكره ["الرافعي"] احتمالاً لنفسه فقال: ينبغي أن يكون الحكم في ذلك: أنه متى أمكن قسمتها بينهم عدداً من غير تقويم فعل، وإن لم يمكن ذلك، أقرع بينهم فيها.
وليس ما أبداه الإمام من الإلحاق بالميراث، بالقوي؛ لأن الوراثة سبب قوي يحصل الملك مع عدم الرضا به، فجاز أن تنقل الاختصاصات، وسبب ملك الغانمين ضعيف؛ لأنه لا يحصل الملك أو لا يلزمه إلا بالرضا؛ فلا يلحق بالقوي.
[وكذلك أعرض] الغزالي عن إبداء احتمال الإمام، وأورد ما ذكره العراقيون، واحترز عن إدخال الكلاب في الغنيمة بقوله: الغنيمة كل مال.
ومن هذا الوجه كان ما ذكره الغزالي من الحد أولى، على أن لك أن تقول: في كلام الشيخ ما يخرجها أيضاً، وهو قوله: "ومتى تملك ذلك"، فنبه به على أن مراده بالأول: ما يقبل الملك، والكلاب لا تقبله، والله أعلم.
وقد حكى الإمام عن رواية شيخه وجهاً في المال المسروق: أنه يكون غنيمة، عند الكلام في غزو طائفة بغير إذن الإمام، وضعفه بعد أن حكى – عند الكلام في التبسط في طعام أهل الحرب – إجماع الصحاب على مقابله، وهو
الذي أورده الفوراني قبيل كتاب قسم الصدقات، وصور الإمام محله بما إذا أمكن الوصول إلى مكان المال منه غير عدة ونصرة، بأن السارق يقصد تملك المال بإثبات اليد عليه، ومال الحربي غير معصوم؛ فصار سبيله سبيل الاستيلاء على المباحات، تملك بوضع اليد، وقد وجد، بخلاف مال الغنيمة؛ فإنه وإن حصل في يد الغانمين فليس مقصودهم الملك؛ إذ لا يجوز التغرير بالمهج لاكتساب الأموال، والغرض الأعظم إعلاء كلمة الله – تعالى- وقمع اعداء الدين، وللمقصد أثر ظاهر فيما يملك بالاستيلاء، وعلى ذلك ينطبق إيراد الشيخ، وما حكاه البغوي والفوراني من أن الرجل إذا دخل دار الحرب، وأخذ من حربي مالا بالقتال، يؤخذ منه الخمس والباقي له، وإن أخذه على جهة السوم، ثم جحد أو هرب، فهو له خاصة- فالمراد: ما إذا لم يكن قد صدر من أهل الحرب للمسلم أمان، أما إذا كان له منهم أمان، فلا يملكه، بل يجب عليه رده على من أخذه منه، فإن لم يفعل اجبر عليه إذا طلبه صاحبه، كما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، والوجه المنقول عن رواية الشيخ أبي محمد، قال الرافعي: إنه الموافق لما أورده أكثرهم، وكأنهم جعلوا دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه قائماً مقام القتال.
قلت: وقد نأخذ ذلك من كلام القاضي الحسين، حيث جزم بأن الأسير في أيدي الكفار إذا أطلقوه، فاستولى على شيء من أموالهم – أنا حيث نجوز له اغتيالهم، فما يأخذه من المال ويخرجه من دار الحرب يكون غنيمة تخمس.
ومن كلام الماوردي حيث جزم بأن المأخوذ خلسة وتلصصاً يخمس، لكنه قال في موضع آخر: إن أبا إسحاق المروزي قال في المختلس: إنه فيء؛ لأنه حصل بغير إيجاف خيل و [لا] ركاب.
وهو الذي أورده في كتاب السرقة، وأبدى احتمالاً لنفسه: أنه يخمس، وقد أجاب القاضي أبو الطيب بمثله في التلصص حيث قال: إن ما أتوا به على وجه التلصص بخمس.
وقال في موضع
آخر قبله في السلب: إنه مال خاطر بنفسه عليه؛ فلم يجز تخميسه؛ كما لو تلصص على الكفار في دار الحرب.
فرع: إذا أهدى الكفار للمسلمين شيئاً، فهل يكون غنيمة أم لا؟
قال القاضي أبو الطيب: ينظر: فإن كان ذلك والحرب قائمة، فإنه يكون غنيمة لجماعة المسلمين، وإن كان بعد انقضاء الحرب، فهو لمن خص به دون غيره.
وعلى [ذلك] جرى الماوردي وابن الصباغ في الرجل الواحد إذا أهدي إليه أميراً كان أو غيره.
وجعل ابن الصباغ حكم الهدية قبل الخروج من دار الإسلام بمنزلة الهدية بعد انقضاء الحرب، ونسب ذلك إلى نصه في "حرملة"؛ ولأجل ذلك قال الرافعي: الوجه أن يجعل محل القول بأن المختلس والسارق يختص بما أخذه، إذا دخل الواحد أو النفر اليسير دار الحرب وأخذوا، فأما إذا أخذه بعض الجند الداخلين بسرقة أو اختلاس، فيشبه أن يكون غُلولاً.
قال: ومتى يملك ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: بانقضاء الحرب؛ لأنه في أيدي الكفار قبل انقضائه، ولم يحصل في قهر المسلمين، وبعد انقضائه زالت أيديهم وقهروا، فحصل في ملك المسلمين؛ لوجود سببه وهو القهر.
والثاني: بانقضاء الحرب وحيازة المال؛ لأن المال قبل حيازته معرض للاسترداد؛ فلا يكمل الاستيلاء عليه إلا بحيازته، قال القاضي الحسين: وحيازته الاستيلاء على أموالهم من غير منازعتهم.
وقال النواوي: الحيازة والحوز: الجمع والضم، ويقال: حازه يحوزه واحتازه.
وقد حكى القولين في الملك هكذا: الماوردي عند الكلام فيما إذا لحقهم مدد أو أسير، وكذلك ابن الصباغ حكى ذلك في موضعين، وقضية ذلك: أن المال متى حيز بعد انقضاء الحرب فقد ملكوا وجهاً واحداً.
وعن المحاملي حكاية القولين فيما يثبت به الحق في الغنيمة، وقضيته: أن الحيازة إذا حصلت بعد انقضاء الحرب، فقد حصل الاختصاص قولاً واحداً.
ويظهر أن ما قاله المحاملي مخالف لما أورده الشيخ وغيره، و [إذا جمعت بينهما جاء في المسألة قولان:
أحدهما: أنهم ملكوا بانقضاء الحرب والحيازة حقيقة.
والثاني: أنهم لم يملكوا المال، بل ملكوا أن يتملكوه، وهو اختيار ابن سريج وابن خيران.
وقد حكى القولين هكذا القاضي الحسين وغيره في كتاب الزكاة].
وقد يجمع بين الكلامين بالحمل على حالين، فيقال: ما أورده الشيخ يحمل على ملك جملة الغانمين، لا على ملك كل [واحد] منهم قدر ما يستحقه، ويحمل ما حكاه المحاملي على كل [واحد] من الغانمين؛ كما هو ظاهر النص في "المختصر" في كتاب الزكاة؛ حيث قال: ولو غنموا ولم يقسم المال حتى حال الحول، فقد أساء إن لم يكن عذر، ولا زكاة في فضة منها ولا ذهب، حتى يستقبل بها حولاً كاملاً بعد القسم؛ لأنه لا ملك لأحد فيه بعينه.
ويدل على الحمل على هذين الحالين أن الماوردي قال في أوائل باب وقوع الرجل على الجارية قبل القسمة من كتاب "السير": إذا استقر الظفر بالهزيمة وحيزت الأموال والسبي فقد ملكها جميع الغانمين، [على وجه الاستحقاق، لا على وجه التعيين؛ كما يملك أهل السُّهمان الزكاة قبل دفعها.
وأما كل واحد من الغانمين]،فإنما يملك بالحضور أن يتملك ولا يتعين إلا بالقسم؛ كالشفعة تملك الخليط بالبيع أن يتملك، ولم يتعين له الملك لمعنيين:
أحدهما: أن حقه فيها يزول بتركه، وتعود إلى غيره كالشفعة.
والثاني: لو تأخر قسمها حتى حال حولها، لم تجب زكاتها، ولو ملكت وجبت.
وعلى ذلك ينطبق ما حكاه ابن الصباغ في الباب المذكور حيث قال: قال الأصحاب: إذا جمعت الغنائم ثبت لكل واحد من المسلمين حق الملك،
ولا يملك إلا باختيار التملك، سواء فيه ما قبل القسمة وبعدها، وهو كذلك في "تعليق" البندنيجي.
لكن في كلام ابن الصباغ – في موضع آخر – ما يخالف ذلك؛ فإنه قال: إذا باع حصته من الغنيمة قبل القسمة، فإن كان قد اختار التملك صح؛ عن كان معلوماً، وإن لم يختر التملك قال أبو إسحاق: يصح إذا كان معلوماً؛ لأنه ملكه بالحيازة.
ومن أصحابنا من قال: لا يملك البيع؛ لأن ملكه لم يستقر عليه.
والوجهان يدلان على أن الواحد قد ملك قبل القسمة بالاحتياز.
فإذا تقرر هذا، فللقولين فوائد:
منها: إذا لحق من شهد الوقعة مدد بعد انقضاء الحرب وقبل الحيازة، فعلى القول الأول: لا يشاركهم المدد، قال ابن الصباغ: وهو المنصوص.
وفي "الرافعي": أنه الصحيح، وعلى القول الثاني: يشاركهم، وهو المختار في "المرشد".
وعن ابن كج: أنه حكى عن بعض الأصحاب أنه قال: إن كان لا يؤمن رجعة الكفار استحق، وإن كان يؤمن لم يستحق، ولو لحقوهم بعد الحيازة وقبل تقضي الحرب، فقضية ما ذكرناه انعكاس الحال.
وفي "النهاية" حكاية القولين فيه، وقال القاضي الحسين: إن ذلك مرتب على الحالة الأولى، وهاهنا أولى بالمشاركة، فإن قلنا بعدمها، شارك [فيما حيز] بعد حضوره [جزماً.
وقد تعرض لذلك بعض الأصحاب كما حكاه ابن كج؛ حيث قال: إنه يشارك فيما حيز بعد حضوره] دون ما حيز قبله، وهو في "الإبانة" أيضاً، ولو لحقهم قبل تقضي الحرب وقبل الحيازة، فلا خلاف في المشاركة.
ومنها: إذا تخلص الأسير من يد العدو ولحق بالمسلمين، فإن كان قبل تقضي الحرب وحيازة المال، ففي "الحاوي" انه يستحق، قاتل أو لم يقاتل.
وفي "الشامل" و"تعليق" القاضي الحسين: أنه إن قاتل استحق، وإلا فوجهان أو قولان، ووجه المنع: انه حضر لخلاصه من الأسر لا للقتال؛ فلم يستحق السهم، وهذا كالخلاف في الأجير [والتاجر] كما سيأتي، وهذا بخلاف الكافر إذا أسلم ولحق بالصف قبل انقضاء الحرب والحيازة؛ فإنه يسهم له إذا قاتل، وكذا إن لم يقاتل، وأشار في "الوجيز" إلى وجه فيما إذا لم يقاتل بقوله: "استحق على [الأظهر] "، وهذا المشار إليه هو الذي أورده صاحب "الرقم" فيه.
وفصل الفوراني في الأسير فقال: إن كان من هذا الجيش استحق إذا حضر الصف، قاتل أو لم يقاتل، وإن كان من جيش آخر، فإن قاتل استحق على الأصح، وإلا فقولان، وإنه خُرج فيه قول آخر إذا قاتل: أنه لا سهم له، وهو الصحيح في "الرافعي".
ولو لحق الأسير بهم بعد انقضاء الحرب وقبل الحيازة، فعلى القول الأول: لا مشاركة، وعلى الثاني: أطلق الماوردي القول بالمشاركة، وفي "الشامل"أنه كذلك إن قاتل، وألا فوجهان على هذا القول.
ومنها: لو أسلم واحد من الكفار بعد انقضاء الحرب، وقبل حيازة ماله، فعلى القول الأول: لا يؤثر إسلامه في إحرازه، وعلى الثاني: أحرزه إسلامه، كذا حكى القاضي الحسين الوجهين.
ومنها: لو مات أحد من الذين حضروا الصف بعد تقضي الحرب وقبل الحيازة والإعراض عن القسمة، فعلى القول الأول: استحق ورثته ما كان له، وهو أصح في "التهذيب"، وعلى الثاني: [لا شيء لهم، قاله القاضي الحسين.
ومنها: إذا مات فرسه قبل الحيازة وبعد انقضاء الحرب، فعلى القول الأول، له سهم الفرس، وعلى الثاني:] لا، قاله ابن الصباغ، وطرد ذلك فيما إذا أعار فرسه أو وهبه، وهذه طريقة، وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" فيما إذا غنمت النساء ولم تقسم، هل يثبت الملك قبل القسمة للغانمين؟ ثلاثة أوجه تجري في سائر الأموال:
أحدها: لا يثبت لهم حقيقة الملك قبل [القسم، وإنما] يثبت لهم حق الملك؛ لأن من أعرض منهم سقط حقه، ولو ملكوا بالاستيلاء لاستقر ملكهم؛ كما يستقر ملك المصطاد والمحتش والسارق من مال الكفار من غير مطاردة وقتال.
وهكذا أورد الحكم البندينيجي والقاضي أبوا لطيب، وكذا ابن الصباغ في كتاب الزكاة، واستدل له بأن الواحد منهم إذا سقط حقه سقط، ولو كانوا قد ملكوا الأعيان لم تسقط بالإسقاط؛ كالميراث.
وأسند أبو الطيب هذا التعليل إلى أبي إسحاق.
والوجه الثاني: أنه يثبت لهم ملك ضعيف؛ كما يثبت للمشتري في زمان الخيار على القول الصحيح؛ فإن سبب الملك الاستيلاء؛ فاستحال أن يثبت السبب ولا يثبت الملك، وأيضاً: فإن ملك الكفار زال، والأموال المغنومة أملاك محضة، ويبعد على مذهب الشافعي- رضي الله عنه – ملك [لا مالك له].
والوجه الثالث: أن ملكهم موقوف، فإن سلمت الغنيمة حتى قسمت، تبين لنا أنهم ملكوها لما غنموها، وإن لم تتفق القسمة حتى تلفت الغنيمة، أو أعرض من يريد الإعراض، فيتبين لنا أن الغنيمة لم تملك إن تلفت، ويتبين أنه [لم] يملكها من أعرض عنها، وهذا مع تعليل الوجه الأول يدل على أن الخلاف في ملك الواحد من الغانمين، على الإشاعة.
ثم قال الإمام: والرأي الحق أنا لا نقول: نتبين أن حصة كل واحد من الغانمين كانت له على التعيين قبل القسمة.
وحكى صاحب "التقريب" وجهاً غريباً مفرعاً على قول الوقف: أنا نتبين بالقسمة أن كل واحد منهم ملك الحصة التي أصابته عند الاستيلاء على المغنم، وهذا على نهاية البعد، وقد ظهر لك مما ذكرناه أن الواحد من الغانمين إذا أعرض قبل الرضا بالملك أو أسقط حقه نفذ إعراضه.
قال الأصحاب: ويقدر كأنه لم يحضر مع الغانمين، وتقسم الغنيمة خمساً وأربعة أخماس، وهكذا أورده الإمام.
قلت: وحينئذ تكون فائدة إعراضه راجعة إلى الغانمين لا إلى أهل الخمس، وكلام الإمام في آخر الفصل – كما سنذكره – مصرح بأن نصيب المعرض يكون أربعة أخماسه للغانمين، وخمسه لأهل الخمس.
وفيه وجه حكاه الرافعي: أنه يضم جميع نصيبه إلى الخمس، وهذا ما أبداه الإمام تخريجاً لنفسه مما سنذكره من تخريج ابن سريج، وقال: إنه تكلف، والمذهب الذي عليه التعويل: الأول، وهو إخراجه من البين.
قلت: [وقضية ما حكيناه] في باب قتال المشركين عن ابن الصباغ من الجزم به فيما إذا كان قد أسر أباه وحده، واختار الإمام استرقاقه، فرد الآسر الملك – أن خمسه لأهل الخمس، والأخماس الأربعة [تكون لمصالح المسلمين – أن يكون هذا حكم نصيب الراد من جملة الغانمين، إلا أن يقال: إنما صرنا إلى ذلك ثَمَّ؛ لأنه تعذر الصرف للغانمين، ولابد من الصرف لجهة الخمس، وجهة أخرى، وهاهنا أمكن للصرف]، إلى جهة الغانمين؛ فلا ضرورة في صرفه إلى جهة المصالح.
وفي كلام الإمام أن محل نفوذ الرد بالاتفاق إذا لم يفرز الإمام الخمس، وكان المعرض بعض الغانمين، أما إذا أفرزه، وأفرز ما يخرج من رأس الغنيمةن ولم يقسم ما للغانمين – فالمذهب وهو المنصوص: أن الإعراض نافذ أيضاً، وذكر ابن سريج قولاً مخرجاً؛: أنه لا ينفذ، ثم قال الإمام: والذي أراه: أن الإمام إن استبد بإخراج الخمس، فحقوق الغانمين لا تحول عما كانت عليه، وإن استقسموا الإمام، واستدعوا منه أن يميز الخمس فأجابهم، فهذا يشعر باختيارهم تأكيد حقوق أنفسهم.
قلت: وهذا يظهر بناؤه على ما إذا قال الغانمون: اخترنا الغنيمة قبل القسمة، فإن الملك هل يلزم بذلك؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، فإن قلنا: إنه لا حكم لذلك، بل لا تستقر الحصص إلا بالقسمة والإفراز – فلا اثر لما صدر من سؤال القسمة من طريق الأولى، وإن قلنا: إن ملكهم يستقر بذلك حتى لو فرض
إعراض- لم يؤثر، وهذا ما حكاه ابن الصباغ في كتاب الزكاة والرافعي عن الأصحاب ثم، وكذلك هاهنا في الواحد، فيظهر أن يكون محل التردد.
وفي "التهذيب" حكاية القول المنصوص والمخرج فيما إذا أفرز الخمس، وأفرز نصيب كل واحد من الغانمين، أو أفرز [لكل] طائفة شيئاً معلوماً، وقال: إن الأصح نفوذ الرد وعدم الملك، وهو الذي أورده العراقيون.
ولو أعرض جملة الغانمين فالذي ذهب إليه المحققون صحة ذلك، وتنعكس الأخماس الربعة إلى مصارف الخمس، وتوزع عليها.
ومن أصحابنا من قال: إذا أعرضوا لم يسقط بإعراضهم شيء من حقوقهم، وهذا الترديد مرتب على ما هو المذهب من أن حصة المعرض نُقَضُّ على الخمس والأخماس الأربعة، ويظهر أن يجيء مثل ذلك فيما إذا كان الغانم واحداً وأعرض.
وقد فرع الأصحاب على أقوال الملك فروعاً ضاق المحل عن الكلام فيها، فلنذكر ما يتيسر منها بعد فراغ مسائل الباب، إن شاء الله تعالى.
قال: وأول ما يبدأ منه بسلب المقتول، فيدفع إلى القاتل؛ للحديث السابق، ولأن حقه متعلق بعينه، وسابق على الاغتنام، وكذا يبدأ بالرضخ إن قلنا: إنه من رأس [المال المغنوم]، كما يبدأ بأجرة النقال والحافظ ونحو ذلك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب "السير": أن الإمام إذا رام نقل الغنيمة [إلى] دار الإسلام، فإن كان معه حمولة، حمل عليها، وإن لم يكن معه حمولة، فينبغي للمسلمين أن يحملوها بلا كراء إن كانت لهم حمولة، فلو امتنعوا فعلى قولين:
أحدهما: يُكْرِي، ويكون الكراء على الغنيمة.
والثاني: يجبر من معه فضل حمولة؛ لأنه موضع ضرورة.
فرع: لو أعرض ستحق السلب عنه، فهل يسقط حقه؟
فيه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: نعم؛ كما تسقط حصة الغانم من المغنم بذلك.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه متعين له، فصار كتعيين الحصة بالقسمة.
قال: ثم يقسم الباقي، أي: بعد الحيازة وانقضاء القتال، على خمسة، [أي: عقاراً كان أو غيره]؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال:41]، وإذا أخرج من مالٍ خُمسه، [كان] مقسوماً على خمسة.
ثم بعد ذلك يأخذ خمس رقاع، فيكتب على واحدة: لله والمصالح، وعلى أربعة: للغانمين، ويدرجها في بنادق من طين متساوية، ويخرج لكل قسم رقعة، فما خرج عليه اسم الله تعالى جعله لأهل الخمس، والباقي للغانمين.
قال الإمام: فلو ثبتت الأيدي صورةً على مغانم والحرب قائمة، والمطاردة قائمة، فاقتسموا في هذه الحالة – فالذي رأيت للأصحاب: أن [هذه] القسمة مردودة، ولست أبعد تخريج صحتها على القولين في أن المدد إذا لحق بعد وضع الأيدي والحرب قائمة هل يشارك أم لا؟ وهذا لابد من تخريجه.
قال: فيقسم الخمس على خمسة أسهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41].
فإن قيل: [المذكور في الآية ستة؛ فينبغي] أن يقسم الخمس عليها كما صار إليه بعض العلماء، وجعل ما لله مصروفاً لرتاج الكعبة؟
قيل في جوابه: إن السنة ثبتت أن المصارف خمسة؛ فإن ابن عباس وابن عمر – رضي الله عنهما – قالا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَسِّمُ الْخُمُسَ عَلَى خَمْسَةٍ.
وروى محمدبن جبير بن مطعم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ"، فلو كان مقسوماً على ستة لقال: إلا السدس، وأما الآية فقد قيل: إنما أضيفت إلى الله – تعالى – تبركا بالافتتاح باسمه – عز وجل- وقيل: إن هذا الخمس لله؛ لأن مصارفه مصارف القربات، وقيل: أضيف إليه؛ قطعاً عما كانت الملوك تفعله قبل الإسلام، فإنها كانت تأخذ الخمس، وقيل: ليعلم أنه ليس مختصاً برسوله اختصاصاً يسقط بموته.
فإذا تقرر ذلك، فهم أن المال كله يقسم على خمسة وعشرين جزءا؛ لأنه أقل عدد لخمسه خمس صحيح.
قال: سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف في المصالح، أي: سهم منها كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، وهو الآن يصرف في المصالح.
ووجه كون الخمس كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته قد تقدم، وروي أنه كان ينفق [منه] على نفسه وأهله وفي مصالحه صلى الله عليه وسلم، وما فضل جعله في السلاح عدة في سبيل الله – تعالى- وسائر المصالح.
ووجه كونه بعد وفاته يصرف في المصالح، قوله صلى الله عليه وسلم في خبر ابن مطعم: "مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ"؛ فدل [برده على جميع] المسلمين على ثبوته لهم وإن تغير حكمه، لا على سقوطه، ولا يمكن رده على جميع المسلمين غلا بصرفه في مصالحهم؛ فتعينت، ولأنه سهم مستحق من سهام الخمس؛ فلم يسقط كسائر السهام.
وحكى الإمام قولا: أن سهمه صلى الله عليه وسلم [بعد وفاته] يسقطن وتبقى القسمة على الأسهم الأربعة الباقية، ثم قال: وهذا غريب لم أره إلا في طريقة شيخنا أبي علي.
وفي "الرافعي" أن أبا الفرج الزاز حكاه عن بعض الأصحاب؛ لأن الشافعي
- رضي الله عنه – حكاه عن بعض أهل العلم ثم استحسنه.
وحكى الإمام –أيضاً – أن بعض العلماء ذهب إلى أن سهم [رسول الله صلى الله عليه وسلم] يصرف إلى خليفة الزمان، ولم يصح عندي نسبة هذا إلى أحد من أصحابنا، وفي بعض الطرق – يعني طريقة الفوراني، كما هو مذكور في "إبانته" – صيغة مخيلة لهذا المعنى؛ فإنه قال: ظاهر المذهب أن السهم الذي كان له – عليه السلام – لا يصرف إلى خليفة الزمان.
فقوله: ظاهر المذهب، يشعر بخلافه، ولكنه إفهام لا حاصل له، وقد أقامه في "الوسيط" وجها لبعض الأصحاب.
[قال: وأهمها سد الثغور، أي: بالرجال المقاتلة والعدد وإصلاحها؛ لأن بها يحفظ المسلمون.
و"الثغور": جمع "ثغر"، وهو موضع المخافة].
قال: ثم الأهم فالأهم من أرزاق القضاة والمؤذنين، وغير ذلك من المصالح.
قال: وسهم لذوي القربى، أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم وبنو المطلب، أي دون غيرهم من بني عبد شمس ونوفل، وإن كان هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل أولاد عبد مناف؛ لما روي عن جبير بن مطعم قال: لما [قسم] رسول الله صلى الله عليه وسلم [سهم] ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيت أنا وعثمان بن عفان النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم؛ لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُوا الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ" خرجه أبو داود والبخاري بنحوه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلا إِسْلامٍ"، يعني أنهم كانوا متناصرين لحلف عقدوه بينهم في الجاهلية، وتميزوا به عن بني عبد شمس
ونوفل لما كتبت قريش الصحيفة وتبايعوا على ألا يجالسوا بني هاشم ولا يبايعوهم ولا ينكاحوهم، وبقوا على ذلك سنة؛ ولهذا الحلف دخل بنو المطلب مع [بني] هاشم في الشِّعْب بـ"مكة" حين دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى بقول جبير وعثمان –رضي الله عنهما -: أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم، أن رسول الله صلى الله عيه وسلم [هو] محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وبقولهما: فما بال إخواننا من بني المطلب وقرابتنا وقرابتهم واحدة، أنا بنو عم؛ لأن جبيراً من بني نوفل، وعثمان من بني عبد شمس.
وقد اختلف الأصحاب لأجل ما نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم في سبب الاستحقاق على ثلاثة أوجه حكاها الماوردي:
أحدهما: أنه القرابة [وحدها]، والمنع مع وجودها في بني عبد شمس ونوفل كان لسبب آخر؛ كما نقول في اثنين احدهما قاتل.
والثاني: أنه القرابة والنصرة.
والثالث: أنه القرابة والتقديم بالنصرة؛ كما نقول في أخوين أحدهما لأب وأم والآخر لأب.
قال: للذكر مثل حظ الأنثيين.
هذا الفصل يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه يصرف للإناث منهم، وقد وجهه الجيلي بأنه – عليه السلام – أسهم لأم الزبير من ذوي القربى، وقال غيره: إن الزبير أخذ من الخمس سهم أمه صفية بنت عبد المطلب، ولأن ما استحق بالقرابة اشترك فيه الرجال والنساء كالميراث.
والثاني: التفاضل، ووجهه أنه مال مستحق بقرابة الأب بالشرع؛ ففضل فيه الذكر على الأنثى كميراث ولد الأب.
وقال المزني وأبو ثور: إنهما يستويان كما في الوصية للأقارب.
قيل: وهذا خطأ؛ لأن اعتبارهم بالميراث أولى من الوصية؛ لأن السهم والميراث عطيتنا من الله تعالى، والوصية عطية من آدمي تقف على اختياره، وإنما سوِّي بين جميع الذكور وبين جميع الإناث، ولم تفوض القسمة إلى رأي الإمام كما [في] حق الفقراء؛ لأن الفقراء يأخذون للحاجة التي قد تختلف فيهم؛ فجاز أن يفضل بينهم لأجلها، وهؤلاء يأخذون لأجل القرابة، وهي لا تختلف؛ فوجب التسوية بينهم لأجلها.
قال: ويدفع [إلى] القاضي، [أي]: البعيد، والداني منهم؛ لظاهر الآية.
وقد روي أن الزبير كان يعمم بالعطاء الغائب عن موضع حصول الفيء والحاضر فيه، ولأنه سهم مستحق بالقرابة؛ [فيستوي فيه] القاضي والداني كالميراث.
وقيل: يدفع ما يحصل في كل إقليم إلى من فيه منهم، أي: فالحاصل من كفار الروم [مثلا] يدفع سهم ذوي القربى منه إلى من في الشام والعراق من ذوي القربى، والحاصل من الترك يدفع إلى من بـ "خراسان"، لما في النقل من المشقة فالتحق بالزكاة.
وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وضعف بأنه يفضي إلى إعطاء بعضهم دون بعض، وهو مخالف للآية، ويخالف سهم الفقراء في الزكاة؛ لأن ثم يجوز أن يعطي بعض فقراء البلد دون جميعهم؛ فجاز أن يخص به فقراء بلد دون غيرها وليس كذلك هاهنا، وما ذكره من المشقة مندفع؛ فإن الإمام يأمر أمناءه في كل إقليم بضبط من فيه من ذوي القربى، ويأمره بصرف حصة من فيه من جميع أسهم مما حصل فيه، فإن لم يتفق في بعضها شيء أو لم يف بمن فيه إذا وزع جميع السهم عليهم، فحينئذ ينفل بقدر الحاجة، وذلك مما لا تعظم فيه المشقة.
ولا فرق في ذلك بين الصغير والكبير، أو الغني والفقير؛ لأن العباس
-رضي الله عنه – كان يأخذ منه وهو من أيسر قريش، اللهم إلا أن يكون القدر الحاصل لهم إذا وزع عليهم لا يسد مسدا؛ فحينئذ قال الإمام: يقدم الأحوج فالأحوج، ولا يستوعب؛ للضرورة، وتصير الحاجة مرجحة، وإن لم تكن معتبرة في استحقاق هذا السهم.
وكذا لا فرق في التساوي في القسم بين المدلي [بجهة واحدة أو بجهتين، وحكي في "الوسيط" عن القاضي الحسين: أن المدلي] بجهتين يفضل على المدلي بجهة [واحدة]؛ كما يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، ثم قال: وهذا يدل على أن الإدلاء بالأم له أثر في الاستحقاق عند الاجتماع؛ فلا يبعد عن القياس أن يؤثر عند الانفراد مع شمول اسم القرابة.
يعني بذلك: أن أولاد البنات لا يبعد أن يدخلنه في هذا السهم؛ للتعليل الذي ذكره القاضي، وهو باطل بأخوة الأم في الولاء؛ فإنه يرجح بها على الصحيح، ولا أثر لها عند الانفراد.
وكذا لا فرق في استحقاق ذلك بين من حضر الصف ومن لم يحضر.
نعم، من حضر يستحق ذلك مع سهمه من الغنيمة.
فرع: لو أعرض ذوو القربى عن سهمهم فهل يسقط؟ قال الإمام: الأظهر أنه لا يسقط؛ لأنه منحة أثبتها الله لهم من غير معاناة وشهود وقعة؛ فليسوا كالغانمين الذين تحمل شهادتهم على إعلاء كلمة الله، تعالى.
ويمكن أن يقال: يسقط بالإعراض قبل القسمة كالغانمين؛ لأن ما يصرف إليهم ملك لا تراعي فيه الحاجة فكانوا كالغانمين.
آخر: إذا جاء الإمام إنسان، وادعى أنه من ذوي القربى، لم يعطه بدعواه حتى يثبت، فإن كان نسبه مستفيضاً اكتفى به، وإلا لزمه إثباته بالبينة إن أراد طلب حقه من ذلك السهم، قاله الإمام.
وفي "الحاوي" في كتاب العاقلة: أن أبا إسحاق المروزوي وأبا على بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا قالوا: إن من ادعى أنه من قريش، وقريش تسمع دعواه ولا
تنكره، أو ادعى أنه من بني هاشم، وبنو هاشم يسمعونه ولا ينكرونه – أنا نحكم بنسبه منهم بإقرارهم [إياه] على دعوى نسبهم، وبمثل هذا يثبت أكثر أنساب [العامة]، فإن تجدد من أنكر نسبه ونفاه عنهم، فقال: لست منهم – لم يقبل نفيه، ولو شهد له بأنه ليس منهم؛ لأن الشهادة على مجرد النفي لا تصح.
قال: وسهم لليتامى الفقراء؛ لأنه مصروف في ذوي الحاجات فخرج منهم الأغنياء، ولأنه إرفاق لمن تتوجه إليه المعونة والرحمة، وهم الفقراء دون الأغنياء، وهذا مذهب الشافعي؛ كما قاله الماوردي وصححه غيره.
وقيل: يشترك فيه الأغنياء والفقراء؛ لإطلاق الآية، وبالقياس على ذوي القربى، ولأنه لو اعتبر فيهم الفقر لدخلوا في جملة المساكين، وهذا قول حكاه القاضي أبو الطيب في "السير"، وكذلك ابن القاص والقفال الشاشي حكياه، وقال القاضي الحسين: إنه مذهبنا ومذهب عامة أصحابنا.
قال: وليس بشيء؛ لأن غناه بالمال فوق غناه بالأب، ولو كان له أب لم يُعْطَ؛ فكذلك إذا كان له مال.
التفريع: إن قلنا بالأول، [قال الماوردي: فلا فرق فيهم بين من مات أبوه أو قتل، و] يجوز الاقتصار على الصرف لبعضهم دون بعض؛ كما في الفقراء، ويجوز أن يجتهد الإمام رأيه في التسوية بينهم والتفضيل.
وإن قلنا بالثاني اختص به من قتل أبوه في الجهاد دون غيره؛ [رعاية] لنصرة الآباء في الأبناء كذوي القربىن وقسم على جميعهم، ولا يخص به بعضهم.
ثم على قول الشافعي – رضي الله عنه – يفرق في أيتام جميع الأقاليم، وعلى قول أبي إسحاق: يفرق ما في كل إقليم إلى اليتامى بمن فيه، ويسوي فيه بين الذكر والأنثى؛ كما في الوقف، وكلام ابن الصباغ يقتضي أن قول أبي إسحاق ومقابله يجريان على القول الأول أيضاً.
وحكى القاضي الحسين وغيره عن القفال: أن المراد باليتامى: يتامى أهل الفيء الذين كتبوا أسماءهم في الديوان، فأما يتامى الأعراب الذين هم أهل الصدقات فلا يعطون من الفيء.
قلت: وبهذا يحصل فيمن المستحق من الأيتام ثلاثة أوجه:
أحدها: كل يتيم.
والثاني: كل يتيم قتل أبوه في الجهاد سواء كان من أهل الفيء أو من أهل الصدقة، كما سنذكرهم.
والثالث: يتامى المرتزقة من الفيء دون غيرهم.
واليتيم: اسم الصغير الذي لا أب له عند الأكثرين، وقيل: الذي لا أب له ولا جد.
قال الماوردي: وقيل: إن اعتبار الصِّغَر في اسم اليتيم جاء من جهة الشرع؛ لقوله – عليه السلام-:"لا يتم بعد حُلُمٍ"، وإلا فهو يطلق على الصغير والكبير.
قال: وسهم للمساكين؛ للآية، ويندرج فيهم من لا يملك شيئاً ومن يملك بعض كفايته؛ لما تقدم في الزكاة والوصية [والوقف]: أن كل اسم من "الفقر" [و"المسكنة"] يطلق على الآخر عند الانفراد.
قال الماوردي: وقد اختلف أصحابنا فيمن يستحق هذا السهم على وجهين:
أحدهما: جميع المساكين من المسلمين؛ لدخول المسكنة في [جميعهم.
والثاني: أنه يختص به مساكين أهل الجهاد الذين قد عجزوا عنه بالمسكنة]، أو الزمانة، ولا حق فيه لغيرهم؛ لأن [مال] الغنيمة بأهل الجهاد أخص، فعلى هذا يجب أن يفرقه في جميعهم في جميع الأقاليم على المذهب، خلافاً لأبي إسحاق، ويجب أن يسوي بينهم من غير تفضيل بين كبير وصغير وذكر وأنثى، ولا يجوز أن يجمع لهم بين [سهمهم من] الخمس
وسهمهم من الزكاة، ويجوز أن يدفع إليهم من الكفارات، بخلاف ما إذا فرعنا على الوجه الأول؛ فإنه يجوز أن يخص به البعض ويجوز التفضيل فيه، ويجوز أن يجمع لهم [بين سهمهم من خمس] الخمس وسهمهم من الزكاة والكفارة.
كذا قاله الماوردي، وفي "الرافعي": الجزم بمنع الاقتصار على ثلاثة منهم، وكذا في بني السبيل.
وكلام ابن الصباغ مصرح بأن قول أبي إسحاق ومقابله يجريان إذا فرعنا على الوجه الأول الذي لم يذكر سواه.
فرع: إذا اجتمع في الشخص الواحد صفة المسكنة واليتم، قال الماوردي: أعطي من سهم اليتيم، لأنه صفة لازمة، والمسكنة صفة زائلة.
قال: وسهم لابن السبيل؛ للآية، وتفسيره مذكور في الزكاة.
قال: تصرف إليهم على قدر حجاتهم؛ كما في الزكاة، وقد أشعر هذا اللفظ بأنه لابد من الحاجة في الصرف إليهم، وهو الأصح، ولا فرق فيه بين أن يكون مع الحاجة غنيا، كما إذا كان مجتازاً وماله في بلده، أو فقيراً لا مال له وقد أنشأ السفر.
وحكى الإمام أن الشيخ أبا عليى ذكر وجهاً عن بعض الأصحاب؛ أنا نصرف هذا السهم إلى كل من يهم بالسفر، وإن لم يكن به حاجة ماسة.
ثم قال: وهذا بعيد جداً لا تعويل عليه.
وفي "الحاوي": أن لأصحابنا وجهين فيمن يستحق هذا السهم منهم:
أحدهما: أنه لبني السبيل من جميع المسلمين.
والثاني: انه لبني السبيل من المجاهدين خاصة.
ويتفرع على الوجهين الخلاف في الأمور السابقة في الفصل قبله، وعند اعتبار التوزيع هاهنا يقسط على مسافة أسفارهم.
قال: ولا يعطي الكافر [منه] شيئاً، يعني: لا يعطي الكافر من
الخمس شيئاً؛ لأنه عطية من الله – تعالى – فاختص بها أهل طاعته، كالزكاة، وهذا فيما عدا سهم المصالح، [فأما سهم] المصالح فيعطي الكافر منه عند وجود المصلحة.
فرع: إذا فقد بعض الأصناف وزع نصيبه على الباقين، كما في الزكاة، إلا سهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه مصروف من بعده، كما ذكرناه.
قال: ويقسم الباقي – وهو أربعة أخماس [بين] الغانمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ...﴾ [الآية]؛ فاقتضى أن يكون الباقي بعد الخمس لمن غنمه، كما قال تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11]؛ فدل على أن الباقي للأب.
وطريق القسمة: أن يحضر أسماءهم، ويسوي بين قويهم وضعيفهم، ولا يفضل أحداً على أحد، إلا الفارس بفرسه، كما سنذكره، وله أن يعين سهم بعضهم في عين وآخر في أخرى وإن كرهوا ذلك، كما صرح به الأصحاب في كتاب الزكاة وغيرهن هذا هو المشهور.
وعن المسعودي والبغوي – وهو [أيضاً] في "الحاوي" -: أن من قاتل أكثر من غيره، فله أن يضخ له مع السهم، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنفل ابن مسعود سيف أبي جهل، ونفل سعد بن [أبي وقاص سيف سعيد بن العاص]، وكان يسمى ذا الكشفة.
وقيل: يزاد له من سهم المصالح ما يليق بالحال.
وعلى الأول قال الماوردي: فلا يبلغ بالرضخ سهم فارس ولا راجل.
ثم الغانمون: هم الذين حضروا الوقعة بنية القتال وهم من أهل الخطاب به، سواء منهم من قاتل ومن لم يقاتل، ومن حضر في أول القتال إلى آخره، ومن حضر في آخره إذا لم يحصل قبل حضوره حيازة [المال]؛ لما روي
أنه – عليه الصلاة والسلام – قال: "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ"، وقد روى الشافعي ذلك موقوفاً على أبي بكر – رضي الله عنه –ومنهم من يقول: إنه موقوف على أبي بكر وعثمان، أو أبي بكر وعمر، وأيَّاماً كان فهو دليل؛ لأنه لا مخالف لهما، كما قاله الماوردي.
أما إذا حصلت حيازة [المال] قبل حضوره فقد ذكرنا حكمها في أول الباب.
ولو حضر في أول القتال دون آخره: فإن كان سبب ذلك حدوث موت أو مرض فسيأتي في الكتاب، وإن كان سببه انهزامه لم يستحق، وإن كان سببه انحرافه للقتال أو تحيزه إلى فئة استحق، هكذا أورده الرافعي في هذا الباب، وقال في كتاب السير: إن النص في المتحيز إلى الفئة البعيدة، لا يشارك الغانمين في الغنيمة إن فارق قبل الاغتنام، وإن غُنم شيء دون شيء، لم يبطل حقه فيما غنم قبل مفارقته، ولا شيء له فيما غنم بعدها، وأن بمثله أجاب في المتحرف للقتال، وأطلق بعضهم القول: بأن المتحرف يشارك، وهو ما أورده الإمام.
قال الرافعي: ولعله فيما إذا لم يبعد ولم يغب، ويكون النص فيما إذا تحرف للقتال ثم انقطع [عن القوم] قبل أن يغنموا.
ولو كان التحيز لفئة قريبة ففي مشاركته للغانمين فيما غنموه بعد مفارقته وجهان، أشبههما: الاستحقاق، وحكى الإمام الوجهين عن الأصحاب من غير تقييد بقرب ولا بعد، وأبدى لنسه القطع بالمنع عند بعد الفئة، وأنه لا يحل العمل بخلافه، ورد الوجهين إلى حالة القرب بحيث تحصل النجدة به.
ولو حضر في أوله، ثم انهزم، ثم حضر في آخره – ففي "التهذيب": أنه يستحق من المحوز بعد حضوره دون المحوز قبله، وهذا بناء على أن الملك يحصل بالحيازة، أما إذا قلنا: [إنه] يحصل بالقتال، فيستحق نصيبه من الجميع، كما حكيناه عن القاضي الحسين فيما إذا حضر بعد الحيازة وقبل انقضاء الحرب.
ولو هرب، ثم ادعى أنه كان متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، ففي "الوجيز": أنه يصدق بيمينه، وفي "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب": أنه إن لم يعد إلا بعد انقضاء القتال لم يصدق؛ لأن الظاهر خلافه، وإن عاد قبله صدق بيمينه، فإن حلف استحق من الكل، وإن نكل لم يستحق إلا من المحوز بعد عوده، وهذا في صورة يكون الانحراف والتحيز المحقق لا يمنع المشاركة.
واعلم أن ظاهر إيراد الشيخ يقتضي أن أهل الخمس يفوزون بسهامهم قبل قسمة الأخماس [الأربعة] على الغانمين، وليس كذلك؛ بل المذكور في "تعليق" أبي الطيب و"الشامل" و"الحاوي" وغيرها: أن الذي يبدأ به إخراج الخمس بالقرعة كما ذكرناه، ثم يقسم الأخماس الأربعة بين الغانمين قبل أن يقسم على أهل الخمس؛ لمعان ثلاثة: لحضورهم، وغيبة أهل الخمس، وكون ما يأخذونه بسبب جهادهم، فصار كالمعاوضة، وأهل الخمس يأخذون مواساة، ولأن بهم ملك أهل الخمس خمسهم، وكانوا أقوى في الغنيمة منهم.
قال الأصحاب: ويستحب أن يعجل بالقسمة في دار الحرب، فإن أخرها كره إلا أن يكون ثم عذر يقتضي التأخير، صرح به الماوردي وغيره في كتاب السير، وابن الصباغ وغيره في كتاب الزكاة.
قال: ويعطي للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم؛ لما روى ابن ماجه عن ابن عمر- رضي الله عنهما – أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَسْهَمَ يَومَ خَيْبَرَ لِلْفَارِسِ ثَلاَثَةَ أَسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ [سَهْمَانِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ] ".
وفي رواية مسلم والترمذي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَسَّمَ فِي النَّفْلِ لِلفَرَسِ سَهْمَينِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمَا.
ولفظ البخاري: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ لِلفَرَسِ سَهْمَينِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْماً.
وفي لفظ آخر: قَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَومَ خَيْبَرَ لِلفَرَسِ سَهْمَينِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْماً،
قال: فسره نافع، قال: إذا كان مع الراجل فرس فله ثلاثة أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم.
والمراد بالفارس هاهنا: من حضر الوقعة وهو من أهل فرض القتال، بفرس يقاتل عليه مهيأ للقتال، سواء كان الفرس عتيقا: وهو الذي أبواه عربيان، أو برذونا: وهو الذي أبواه أعجميان، أو مقرفاً: وهو الذي أمه عربية وأبوه أعجمي، أو هجينا: وهو الذي أبوه عربي وأمه أعجمية.
وسواء في ذلك قاتل عليه أو لم يقاتل لعدم الحاجة إليه، وكذا إن قاتل في الماء أسهم لفرسه؛ لأنه ربما انتقل إلى البر فقاتل عليه، وكذا لو قاتل في حصار حصن أسهم لفرسه؛ لأه عُدَّة يلحق أهل الحصن إن هربوا ويرهبهم إن حضروا، حكاه ابن الصباغ عن نصه في "الأم" وغيره.
وفي "الرافعي" أن ابن كج حمل النص في مسألة القتال في الماء على ما إذا كانوا بقرب الساحل، واحتمل أن يخرج ويركب، فأما إذا لم يحتمل الحال الركوب، فلا معنى لإعطاء سهم الفرس.
وقريب منه ما أورده الإمام فيما إذا نزلوا عن الخيل في مضيق؛ حيث قال: إن لم يبعدوا عن الخل [استحقوا سهامها] وإن درجوا موغلين في القتال، وبعدوا عن الخيل، فهل [يستحقون سهامها]؟ فيه وجهان.
وقد ألحق الماوردي بالمسألتين المنصوص عليهما في "الأم" ما إذا استخلف أمير الجيش قوماً في المعسكر على حفظه وحراسته؛ حذراً من هجوم العدو عليه، أو أفرد [كميناً] ليظفر من العدو ويغرَّهم، وقال: إنه يسهم لهم ولأفراسهم.
أما من حضر القتال بغير الأفراس، لمي ستحق سوى سهم راجل، سواء كان راكباً جملاً أو بغلاً أو حماراً؛ لانه لم ينقل أنه – عليه السلام – أسهم للإبل وقد كانوا يحضرون بالنجب، ولأن الفرس تنفرد بالكر والفر والطلب والهرب، بخلاف غيرها وقد ادعى ابن يونس في ذلك الإجماع، وفيه نظر؛ فإن في
"الشامل": أن الحسن البصري قال: إنه يسهم للإبل.
وفي "الجيلي": أنه يرضخ لمركوبه ويسهم له، ويكون رضخ الإبل أكبر من رضخ البغل، ورضخ البغل أكبر من رضخ الحمار [ولا] يبلغ به سهمه.
والمذكور في "النهاية" و"الإبانة": الأول؛ حيث قالا: لا يستحق راكب البغل والحمار والإبل والفيلة إلا ما يستحقه الراجل.
قال: ولا يسهم إلا لفرس واحد؛ لما روى أبو عاصم عن ابن عمر عن نافع عن ابن عمر: أن الزبير بن العوام حضر بخيبر ومعه أفراس، فلم يسهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا لفرس واحد.
وروى أن [النبي] صلى الله عليه وسلم حَضَرَ خَيْبَرَ وَمَعَهُ ثَلاَثَةُ أَفْرَاسٍ: السَّكْبُ والظَّرِبُ والمُرتَجِزُ، فَلَمْ يُسْهِمْ إِلاَّ لِوَاحِدٍ.
ولأنه لا يقاتل إلا على واحد، ولو تحول عنه صار تاركاً له.
وفي "الرافعي": أن راوين قد رووا قولاً للشافعي – رضي الله عنه -: أنه يسهم لفرسين.
وفي "النهاية" حكاية ذلك وجهاً عن رواية شيخه، وقال: إنه يقرب من قول من جعل الجَنيبة من السلب، والقاضي الحسين في كتاب السير جعل الوجهين كالوجهين في استحقاق الجنيبة.
فرع: لو ركب اثنان فرساً وحضرا الوقعة، فعن بعض الأصحاب: أنهما كفارسين يحصل لهما ستة أسهم، واستبعده ابن كج، وعن بعضهم: أنهما كراجلين؛ لتعذر الكر والفر.
قال ابن كج: وعندي أنه يجعل لهما أربعة [أسهم]، سهمان لهما، وسهمان للفرس.
ويقرب من ذلك إذا حضر اثنان بفرس مشترك بينهما؛ فإن فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يسهم للفرس.
والثاني: يسهم لكل منهما سهم فرس.
والثالث: يعطيان سهم فرس واحد، حكاها أبو الفرج في "الأمالي".
قال: فإن دخل [إلى [دار] الحرب] راجلاً، ثم حصل له فرس، فحضر به الحرب إلى أن ينقضي، أسهم له؛ لأن المقصود من الفرس قد حصل بذلك، فأسهم له كما لو دخل والفرس معه؛ ولأن استحقاق المقاتل بالحضور؛ فكذا الاستحقاق بالفرس.
تنبيه: الفرس يقع على الذكر والأنثى باتفاقهم، فقوله: حضر به، كلام صحيح.
وأما الحرب: فالمشهور أنها مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4].
قال الجوهري: قال المبرد: وقد تذكر، فقول المصنف: [إلى أن] ينقضي، [صحيح على لغة التذكير، وأما على [لغة] التأنيث فيصح أن نقول تَقَضَّي] – بفتح التاء والقاف وتشديد الضاد – أي: تنقضي، فحذفت إحدى التاءين، أو نقول: تقضت، وإن كان قد نقل قول ضعيف أنه يقال: الشمس طلع.
قال: وإن عار فرسُه، أي: هرب، فلم يجده إلا بعد انقضاء الحرب – لم يسهم له؛ لأنه لم يحصل المقصود منه؛ فلم يملك سهمه، كما لو مات أو ضلَّ صاحبه عن حضور الوقعة حتى فاتته؛ فإنه لا يسهم له وإن كان معذوراً.
وقيل: يسهم له؛ لأنه خرج من يده [لا] باختياره، وكان يتوقع عوده حالة القتال، وهذا رواه الشيخ أبو حامد، وخطأ قائله الأصحاب.
وفي "الجيلي": أنه يجري فيما إذا مات الفرس أو باعه، ولم أره في غيره، ومحل الخلاف – كما قال الماوردي-: فيما إذا غاب الفرس عن الوقعة ومصاف القتال، أما إذا لم يغب عنها أسهم.
قال: وإن غصب فرساً فقاتل عليه أسهم [له] أي: سهم للفرس في أظهر القولين، ولصاحب الفرس في [القول] الآخر.
هذان القولان بناهما الشيخ أبو حامد – وتبعه الماوردي- على القولين فيما إذا غصب مالاً وربح فيه، فعلى الجديد: يكون الربح للغاصب؛ فكذلك هاهنا: يكون سهم الفرس [للغاصب، وعلى القديم: يكون الربح لرب المال؛ فكذلك هاهنا: يكون سهم الفرس] لمالكها، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقال ابن الصباغ: عندي أنه يكون السهم للغاصب قولاً واحداً.
ويكون عليه أجرة مثل الفرس لصاحبه، ويخالف مسألة البضاعة؛ لأن جعل الربح فيها على القديم للمالك؛ خشية من أن يكثر الغصب والخيانات في الأمانات، وهذا مفقود هنا؛ [و] لأن أجرة الفرس تجب عليه، وربما كانت أكبر من سهمه؛ فلا يؤدي إلى ذلك.
وبنى القاضي الحسين القولين على ما إذا غصب فهذا اصطاد به، فلمن يكون الصيد؟ وفيه قولان.
ثم [على] مقابل الأظهر، قال الماوردي: يجب على الغاصب الأجرة،
وإن كان السهم لغيره؛ لوجوبها [بالغصب، وكذلك] هو في "تعليق" القاضي الحسين.
قلت: ولا يبعد تخريج وجوبها على الخلاف في وجوب أجرة [المثل] للفهد إذا اصطاد به، وقلنا: إن الصيد لمالك الفهد، إلا أن يقال: منفعة الفهد ليست إلا في الصيد، وقد حصلت لمالكه؛ فلا يأخذ بدلها، [ومنفعة الفرس لا تنحصر في تحصيل السهم؛ فلذلك ضمن بدلها].
وقد ظهر لك مما ذكرناه: [أن سهم] الفرس لابد منه، ولكن لمن يكون؟ وقد صرّح به القاضي الحسين والفوراني، وحكى ابن الصباغ: أن القاضي أبا الطيب حكى في السهم للفرس وجهين، ورأيت في "تعليقه" [قبيل باب فتح] السواد: أنه إذا غصب فرساً فقاتل عليه، فإن كان صاحب الفرس قد حضر الوقعة أو حضر وقت القسمة، دفع إليه سهماً الفرس؛ لأنه يتعذر الانتفاع به لا يبطل حقهن ألا ترى أن الفارس إذا كان القتال في مضيق أو على رأس جبل ولا يمكنه أن يقاتل إلا راجلاً، فإنه يسهم له ولفرسه، وإن كان الانتفاع به قد تعذر؟! كذلك هاهنا مثله.
ولم يحك سواه، وهكذا أورده الماوردي في أوائل باب جامع السير.
فرع: لو استأجر فرساً أو استعاره، حضر به، قال القاضيان الماوردي والحسين: إن استأجره أو استعاره للقتال ملك سهمهن وعن ابن كج [رواية وجه]: أنه يكون للمعير، وإن استأجره أو استعاره للركوب دون القتال كان كما لو غصبه.
قال: وإن حضر بفرس ضعيف أو أعجف، أي: مهزول، أسهم له في أحد القولين؛ لان اختلاف الجند في القوة والضعف لا يوجب اختلافهم في السهم؛ فكذلك الخيل [ولا يسهم له في] الآخر؛ لأن في البغال التي [لا سهم] لها ما هو أغنى منها، ولا يسهم له، فهذه أولى، وهذا أصح في "الرافعي" وغيره.
والقولان جاريان فيما إذا حضر بفرس حطم وهو الكسير، أو قَحْمٍ وهو الكبير، أو ضرع وهو الصغير، وهذه طريقة أبي علي بن خيران، أخذها من قول الشافعي –رضي الله عنه- في "المختصر" و"الأم"، قيل: لا يسهم لها، وقيل: يسهم لها.
وطريقة أبي إسحاق المروزي: أن ذلك ليس على قولين، بل [على] اختلاف حالين، فقوله: يسهم لها، أراد: إذا أمكن القتال عليها [مع ضعفها، وقوله: يسهم لها، أراد: إذا لم يمكن القتال عليها]، وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال الماوردي والقاضي الحسين والرافعي وغيرهم: ومحل ذلك إذا لم يناد الأمير: أن لا يدخل أحد من الجيش بواحد منها، أما إذا كان قد نادى فلا سهم لمن دخل بها.
وهذا يشبه ما ذكرناه في المخذل في الباب قبله على رأي.
قال: ومن مات أو خرج عن أن يكون من أهل القتال بمرض، أي: مثل العمى والزمانة، أو غيره كالجراحة، قبل تقضي الحرب، أي: وحيازة المال – [لم] يسهم له؛ لأن المال يملك في أحد القولين بانقضاء الحرب، وفي الآخر بحيازة المال، ولم يوجد واحد منهما، وهو من أهل القتال، فأشبه المجنون إذا حضر والطفلن وهذا ما أورده القاضي ابن كج وابن الصباغ، وحكى الإمام عن الأصحاب القطع به في مسألة الموت، وحكى غيره فيها قولاً: أنه يستحق السهم ويصرف لوارثه، مخرجاً من نصه فيما إذا مات فرسه في أثناء القتال: أنه يستحق سهم الفارس؛ كما خرج من نصه في مسألة موته [إلى مسألة] موت الفرس قولٌ جزم به العراقيون: أنه لا يستحق سهم الفرس، والأظهر فيهما: تقرير النصين، وفرقوا بأن الفارس متبوع؛ فإذا مات فات الأصل، والفرس تابع؛ فإذا مات جاز أن يبقى سهمه للمتبوع.
وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن حصلت حيازة المال بنصب قتال جديد، فلا استحقاق، لا في موت الفارس، ولا في موت الفرس، وعليه يحمل نصه في
موت الفارس، ولو أفضى ذلك القتال إلى الحيازة ثبت الاستحقاق في الصورتين، وعليه يحمل نصه في صورة الفرس.
وفي "الحاوي" وغيره من كتب المراوزة في مسألة المريض – وراء ما ذكره الشيخ – وجهان:
أحدهما: أنه يستحق السهم؛ عملاً [بظاهر قول الشافعي – رضي الله عنه – في "المختصر".
ولو دخل رجل يريد القتال، فمرض لوم يقاتل، أسهم له، بخلاف ما إذا مات، والفرق: أن الملك له متصور، والرأي والإرهاب به والتكثير حاصل، بخلاف الميت، وهذا أصح عند البغوي كما قاله الرافعي.
وحكى الإمام عن بعضهم القطع بعدم جريانه فيما إذا طرأ الجنون؛ نظراً إلى أن العلة في السهم للمريض: الانتفاع برأيه، وعن آخرين إجراء القول الآخر فيه، وقال: إن هذا المسلك أفقه.
وقد أجرى هذا القول البغوي والقاضي الحسين وغيرهما في الجريح الذي لا يرجى برؤه، وكذلك [ابن] الصباغ، وإن جزم في مسألة المريض بعدم السهم [له] كما ذكرناه، وفرق بأن ذلك مما لا يمكن الاحتراز منه في المحاربة ويكثر وجوده.
والثاني: أنه إن كان يرجى زوال المرض وعوده إلى الصحة: كالحمى الشديدة، ورمد العين، وانطلاق الجوف – يسهم له، وإن كان لا يرجى فلا يسهم له.
وهذا منه دليل على أن في حالة [رجاء البرء وجهين، وكذلك في حالة] عدم رجاء البرء، وقد جزم الإمام وغيره بأن الذي يرجى بره لا يمنع من استحقاق السهم، وأن الوجهين يختصان بالذي لا يرجى برؤه.
ثم ما المراد برجاء البرء؟ قال الرافعي: الأكثرون أطلقوا القول في رجاء البرء [و] عدمه، وحكى بعض [أصحاب الإمام] أن المعتبر رجاء البرء قبل انجلاء القتال.
وهذا نم الرافعي دليل على أنه لم يطالع كلام الإمام في ذلك؛ فإنه
لو وقف عليه لم يسنده إلى بعض أصحابه بل كان يسنده إليه؛ لأنه صرح به [فقال: إن المرض الذي لا يرجى برؤه إلا بعد انفصال القتال، كالذي لا يرجى برؤه؛ فيجري فيه الوجهان، وإذا لم يستحق المريض السهم فيرضخ له]، صرح به الإمام والماوردي والحناطي.
قال: ويرضخ للعبد؛ لما روى أبو داود عن عمير مولى آبي اللحم قال: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عيه وسلم فَأَمَرَ بِي فَقُلِّدْتُ سَيْفاً، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُن فَأُخْبِرَ أَنِّ] مَمْلُوكٌ؛ فَأَمَرَ لِي مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ، وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن صحيح.
الخُرْثِي: متاع البيت وأثاثه، قال الجوهري: الخرثي: أثاث البيت وأسقاطه.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون السيد قد أذن له أو لا.
قال: والمرأة؛ لما روى أبو داود عن زيد بن هرمز، قال: كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلَهُ عَنِ النِّسَاءِ، وَهَلْ كَانَ يُضْرَبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ فَأَنَا كَتَبُتُ كِتَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى نَجْدَةَ: قَدْ كُنَّ يَحْضُرْنَ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَنْ يَضْرِبَ لَهُنَّ بِسَهْمٍ فَلاَ، وَقَدْ كَانَ يَرْضَخُ لَهُنَّ.
وأخرجه مسلم.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون ذات زوج و [قد] أذن لها زوجها، أو لا.
والخنثى المشكل في حكم المرأة، يرضخ له.
قال: والصبي؛ لأنه ليس من أهل فرض الجهاد، وقد حصل به تكثير السواد والنفع؛ فلم يسهم له؛ فأرضخ له كالمرأة، ولفظ الشافعي – رضي الله عنه – كما حكاه البندنيجي دالٌّ على أنه – عليه السلام – أرضخ للصبي؛ حيث قال: شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبيد ونساء وصبي، فرضخ لهم.
ولا فرق في ذلك بين أن يأذن له وليه أو لا.
وفي "الحاوي" إلحاق المجنون في الرضخ بالصبي، وادعى أنه - عليه السلام- أرضخ له.
وبهذا يظهر لك أنه لا فرق في الصبي بين أن يكون فيه منفعة أو لا منفعة فيه كالمجنون.
وفي"النهاية" حكاية تردد عن الأصحاب في الصبي والمرأة إذا لم يكن فيهما منفعة: فمنهم من قال: لا يرضخ لهما، [وهو] ظاهر القياس، ومنه من قال: يرضخ لهما؛ لكونهما حضرا الوقعة، وعلى هذا ينبغي أن يتخرج الرضخ للمجنون.
[فرع: لو ادعى أنه حال القتال كان بالغاً، فإن حلف استحق، وإن نكل فلا، ومن أصحابنا من قال: يصدق ولا يحلف؛ لأنه إن كان بالغاً فلا حاجة إلى الحلف، وإن قدر صبياًّ فلا حكم لحلفه، قاله مجلي في كتاب الأقضية].
قال: والكافر إن حضر بإذن الإمام، أي: من غير استئجار ولا جعالة، كما نبهنا عليه من قبل.
[والدليل عليه]: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم استعان بيهود [بني] قينقاع، فرضخ لهم ولم يسهم.
وعن بعض الشروح حكاية وجه: أنه لا شيء له، وعن أبي إسحاق: أنه إنما يستحق الرضخ إذا قاتل.
وهو ظاهر النص في "المختصر"، كما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب "السير"، بخلاف مستحق الرضخ؛ لأن المدفوع إليه في معنى الأجرة فلابد من العمل.
والصحيح: الأول، وعلى هذا: فلو كان الكافر امرأة وقد حضرت بإذن الإمام، ففي استحقاقها الرضخ كالمسلمة وجهان في طريق المراوزة، وأصحهما: أنها تستحق.
أما إذا حضر الذمي بغير إذن الإمام، فلا يستحق شيئاً؛ لأنه متهم بموالاة دينه، بل للإمام تعزيره إذا أدى اجتهاده إليهن وفيه وجه حكاه الرافعي: أنه يستحق الرضخ، وهو ما أورده الإمام، ووجهه بأنهم في منصب الذب عنَّا، وهم من سكان ديارنا، ورد التردد إلى حالة منع الإمام لهم من الدخول، وفي "الحاوي" في كتاب السير: أنهم إن قاتلوا أرضخ لهم، وإلا [فلا].
وأما المخذل والمرجف، فقد ذكرنا حكمهما في الباب قبله.
ثم هذا الرضخ مستحق أو مستحب؟ فيه قولان عن رواية أبي الفرج الزاز، والمشهور: الأول؛ لأنه – عليه السلام – لم يترك الرضخ قط، ولنا فيه أسوة حسنة، صلى الله عليه وسلم.
فرع: لو انفرد مستحقو الرضخ بدخول دار الحرب والقتال وحيازة المال، نظر: فإن كانوا من العبيد أو الصبيان أو النسوان خمس، وفي الباقي ثلاثة أوجه في "الشامل" و"النهاية" و"الإبانة":
أحدها- عن أبي إسحاق، وهو الأصح عند القاضي أبي الطيب -: أنه يقسم بينهم كما يقسم الرضخ، على ما يقتضيه الرأي من التسوية والتفضيل.
والثاني: يقسم كالغنيمة: للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، وهذا لم يحكه الإمام والفوراني، بل حكيا بدله: أن جميع المال يصرف إليهم من غير إخراج خمسه كالمسروق، [وإن كان الإمام قد ادعى في آخر "النهاية" أنه لا خلاف في تخميس ما انفرد به الصبيان].
والثالث: يرضخ لهم، ويجعل الباقي في بيت المال.
قال الإمام: وهذا بعيد غير معقول.
وفي "التهذيب" تخصيص هذا الوجه بالصبيان والنسوان، ولم يذكر في العبيد إلا أنه لساداتهم، ولو كان معهم واحد من أهل الكمال رضخ لهم، والباقي بعد الخمس لذلك الواحد.
ولو كانوا من أهل الذمة وقد فعلوا ذلك: فإن كان بإذن الإمام فالحكم فيما يأخذونه على ما شرطه، وإن كان بغير إذنه ففي "الرافعي" وآخر "النهاية": أنه لا يخمس؛ لأن الخمس حق [يجب] على المسلمين كالزكاة، وحكى ابن الصباغ
عن أبي إسحاق احتمال وجهين:
أحدهما: يرضخ لهم، ويؤخذ الباقي لبيت المال.
والثاني: أنه يترك في أيديهم؛ كما لو غلب بعض المشركين بعضاً.
وحكى عن الداركي أنه حكى عن الشافعي – رضي الله عنه-: أنه نص علىنه لا يخمس، ولا ينزع من أيديهم، قال: وهذا عين الوجه الثاني.
ولو كان الغانم مسلماً وذميًّا، فهل يخمس نصيب المسلم أو الجميع؟ حكى الإمام في آخر "النهاية" عن رواية الشيخ أبي علي وجهين، وقال الإمام: [إنا] إذا قلنا: إن الرشخ من سهم المصالح، فيخمس الجميع، ولا حق للذمي من الغنيمة.
آخر: لو زال نقصان أهل الرضخ، فعتق العبد، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل انقضاء الحرب – أسهم له، وإن كان بعد انقضائها فقد أطلق الماوردي: أنه ليس له إلا الرضخ.
قال الرافعي: وينبغي أن يجيء في الزوال بعد انقضاء الحرب، [وقبل حيازة المال الخلاف السابق في استحقاق من حضر بعد انقضاء الحرب] وقبل حيازة المال.
ولو ظهرت رجولة الخنثى، قال البندنيجي: يصرف له السهم من حين بان رجلاً.
قال: وفي الأجير، أي: للخدمة وسياسة الدواب ونحو ذلك مدة معينة – ثلاثة أقوال، أي: منصوصة في "المختصر":
أحدهما: يسهم له، ويستحق الأجرة؛ لأن استحقاق السهم بالحضور، واستحقاق الأجرة بالتمكين، وقد اجتمع الأمران.
قال الماوردي: وسواء في ذلك [ما إذا] قاتل أو لم يقاتل.
وقال البغوي والقاضي الحسين والإمام: إن محل استحقاق السهم إذا قاتل، فإن لم يقاتل فلا.
وعلى ذلك جرى الغزالي وجماعة.
وأطلق المسعودي وآخرون استحقاقه من غير تفصيل بين أن يقاتل أو لا، وكذلك أطلق الشافعي –رضي الله عنه- في "المختصر".
ثم استحقاق الأجرة على هذا إذا لم يعطل من العمل الموظف عليه شيئاً؛ بأن يقع القتال في فترة أعماله، وكان لا يحتاج إلى العمل فيها، فإن تعطل في مقدار الزمان [عمل]، استحق السهم، وسقط من الأجرة ما قابله من تعطيله، كذا قاله الإمام.
وفي "الحاوي": فيما إذا كان حضوره الوقعة يمنع من استيفاء منافع إجارته، [ينظر:] فإن دعاه المستأجر إلى خدمته، فتأبَّى ويغلبه على منافع نفسه رد ما قابل مدة حضورهن وإن لم يدعه إلى خدمته؛ ففي استحقاق الأجرة وجهان، وجه الاستحقاق: أن الأجرة في مقابلة التمكين من الخدمة، وهو موجود وإن لم يقترن به الاستيفاء، وهذا القول هو الأظهر في "الرافعي" والمختار للنووي، وإذا فرعنا عليه استحق السلب إذا قاتل.
والثاني: يرضخ له؛ لأن منفعته مستحقة لغيره؛ فأشبه العبد.
وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب "السير" رواية خبر فيه، وعلى هذا يكون الحكم في الأجرة كما تقدم.
وفي "الحاوي": أن هذا [إذا] لم يقاتل، أما إذا قاتل، فإن قتل استحق السلب، وفي استحقاقه السهم-سواء قتل أو لا – وجهان:
أحدهما- وهو قول أكثر البصريين-: أنه يستحقه كالسلب.
والثاني – وهو ظاهر قول أبي إسحاق، والأصح عندي -: أنه لا يسهم له؛ لأن من لا يستحق السهم بالحضور إذا لم يقاتل، لم يستحقه إذا قاتل كأهل الرضخ.
وفي "الرافعي": أنه لا يستحق السهم، وفي السلب وجهان، وحكى عن ابن كج وجهاً: أنه لا يرضخ له؛ لأنه لم يسهم له وهو من أهله، قد حكاه الإمام عن رواية الشيخ أبي علي والعراقيين.
والثالث: يخبر؛ فإن اختار السهم فسخت الإجارة وسقطت الأجرة، وإن اختار الأجرةن سقط السهم، أي: ويرضخ له، كما صرح به القاضي الحسين؛ لأن
التسليم الواحد لا يوجب بدلين مختلفين، وأيهما اختار سقط الآخر؛ كما في القصاص والدية، وهذا ما اختاره في "المرشد".
ومحل الأقوال عند الماوردي: ما إذا كان الأجير يقدر على فسخ الإجارة، أما إذا لم يقدر فلا يأتي إلا القولان الأولان.
وقال صاحب "الإفصاح": إن محلها إذا استأجره الإمام لسقي الغزاة وحفظ دوابهم من سهم الصدقات، أما إذا استأجره واحد من الرعية فلا يكون فيها إلا القولان [الأولان]؛ لأن الإجارة لازمة في حق الأجير، ولا معنى لتوفير الأجرة على المستأجر ودفع السهم من نصيب الغانمين.
وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب، وحكى الرافعي: أن صاحب "الإفصاح" قال: إن السهم يكون للمستأجر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن من أصحابنا من قال: محل الأقوال إذا كانت الإجارة على طريق الجعالة، بأن يقول: إن عملت لي شهراً فلك كذا، فأما إذا عقد عقد الإجارة على خدمة مدة؛ فلا يسهم له قولاً واحداً، وله الرضخ؛ لأنه يستحق الخدمة بعقد لازم.
ثم قال: وعامة أصحابنا على التسوية بين الإجارتين.
وكذا في "الرافعي": أن الأكثرين أجروها فيما إذا كان المستأجر الإمام أو آحاد الرعية؛ كما أطلقه الشافعي، وقالوا: إن لزوم الإجارة لا يختلف في الصورتين.
وعلى هذا فوقت التخيير – كما ذكره ابن الصباغ – قبل القتال وبعده، فيقال له قبل القتال: إن أردت الجهاد فاطرح الأجرة، وإن أردت الأجرة فاطرح الجهاد، ويقال له بعده: إن كنت قصدت الأجرة فخذها ولا سهم لك، وإن كنت قصدت الجهاد فلا أجرة لكن والمراد: أن الغرض يحصل بكل واحد منهما، لا أنه مخير في الحالين.
والمراد على القول الثالث بسقوط الأجرة: أجرة وقت شهود الوقعة، دون ما قبل مدة خروجه من دار الإسلام أو مدة دخوله دار الحرب؛ لأن استحقاق
الغنيمة يتعلق به؛ فلا تجب معه الأجرة، وقبله لا يجتمع الحقان، وهذا ما جزم به ابن الصباغ، ورجحه الرافعي والقاضي الحسين في هذا الباب، ونسبه في كتاب "السير" إلى القفال، ووراءه وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: أنه تسقط الأجرة من حين دخوله دار الحرب إلى انقضاء القتال، وقال القاضي الحسين في كتاب "السير": إنه الذي قاله الأكثرون، وهو الأصح.
وقال الإمام: إنه بعيد عن قواعدنا؛ فإنا لا نعتبر دار الحرب.
والثاني: أنه تسقط الأجرة عنه من ابتداء الإجارة إلى حين انقضاء القتال، وهذا ما حكاه القاضي الحسين في هذا الكتاب عن رواية القفال، معبراً عنه: بأنه يحتاج إلى طرح جميع الأجرة، وأن القفال اختاره.
أما إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة فله السهم بلا خلاف، والعمل للمستأجر دين في ذمته.
ولو كانت الإجارة على الجهاد والأجير كافراً، فقد ذكرنا أنه لا يستحق [إلا] الأجرة، ولو كان مسلماً:
فإن صححنا فله الأجرة دون السهم والرضخ، قال الرافعي: وينبغي أن تجيء الأقوال الثلاثة فيه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن من أصحابنا من خرجها على الأقوال.
وإن لم نصححها فلا يستحق الأجرة، وفي استحقاق سهم الغنيمة وجهان، المذكور منهما في "التهذيب": المنع، قاتل [أو لم يقاتل]؛ لأنه أعرض عنه بالإجارة ولم يحضر مجاهداً.
والوجهان جاريان – كما قال الإمام- فيما إذا كان المستأجر للمسلم آحاد المسلمين ولم نصحح الإجارة، وهما – كما قال الشيخ أبو محمد والقاضي الحسين – مبنيان على القولين فيما إذا أحرم الأجير بالحج عن مستأجره، ثم صرف النية إلى نفسه:
فأحد القولين: أنه يستحق الأجرة في الحج؛ لان الحج حصل عن الغيرز
والثاني: لا؛ لأن كان عنده انه يحج عن نفسه.
والوجهان – هاهنا – على ضد ذلك.
وقال الإمام: لا شك أن هذا التردد مرتب على أن الإجارة للجهاد إذا صحت، هل يستحق المجاهد السهم والأجرة، أم لا؟ فإن قلنا: إنه يستحقهما؛ فهاهنا يستحق السهم، وإن قلنا: لا يستحق ثم السهم؛ فهاهنا، هل يستحقه؟ فيه الخلاف، والمذهب: أنه يستحقه.
قال: وفي تجار العسكر – [أي]: كالخبازين والبقالين والسراجين والصاغة، ونحو ذلك ممن جرت عادتهم باتباع العساكر – قولان:
أحدهما: يسهم لهم؛ لأنهم شهدوا الوقعة، وهم من أهل القتال؛ فاندرجوا في عموم الخبر، وهذا أصح في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب "السير"، وقيل: إنه كذلك في "حلية" القاضي الروياني.
والثاني: يرضخ لهم، أي: ولا يسهم؛ لان السهم إنما يستحقه المجاهدون، وهؤلاء ليس قصدهم الجهاد، وإنما قصدهم التجارة، وهذه طريقة أبي إسحاق وابن القطان، ولم يورد القاضي الروياني في "الحلية" سواها، ولا فرق فيها بين أن يكون ثَمَّ قتال أو لا؛ كما هو ظاهر [لفظ] "المختصر" حيث قال: ولو دخل تجار فقاتلوا أو لم يقاتلوا، لم أر بأساً أن يسهم لهم، وقيل: لا يسهم لهم.
وفي "النهاية" حكاية وجه عن رواية الشيخ أبي علي والعراقيين: أنه لا يرضخ لهم؛ بناء على أنه لا يسهم [لهم].
وقيل: إن قاتلوا أسهم لهم؛ لأن الجهاد – وهو القتال – قد تحقق منهم، وإن لم يقاتلوا، أي: وشهدوا الوقعة، فعلى قولين، ووجههما ما سبق، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يحك الماوردي في هذا الكتاب سواها، ووراء ذلك طريقان حكاهما القاضي الحسين وغيره، وثالثة حكاها الماوردي في "السير":
أحدها: أنهم إن قاتلوا استحقوا السهم، وإلا فالرضخ، وهذه اختارها في "المرشد".
والثانية- حكاها ابن الصباغ أيضاً -: [أنهم] إن لم يقاتلوا لم يستحقوا، وإن
قاتلوا فعلى قولين، وهذه أصح في "الرافعي" و [في] "تعليق" القاضي الحسين في هذا الكتاب، وقال الرافعي: إن [هذا] ظاهر لفظ "المختصر".
والثالثة: إن قصد بخروجه الجهاد، وجعل التجارة تبعاً – استحق، قاتل أو لم يقاتل، وإن قصد التجارة وتخلف في المعسكر؛ فلا يستحق – قولاً واحداً، وإن قصد التجارة وحضر الوقعة فإن قاتل استحق، وإلا فقولان.
قال القاضي الحسين هنا وفي "السير": وأصل هذا الخلاف في التجار والإجراء: أن العزم على القتال هل يشترط في استحقاق السهم، أم لا؟ وفيه جوابان: [إن قلنا]: لا يعتبر، أسهم لهم، قاتلوا أو لم يقاتلوا، وإن قلنا: يعتبر، فلا يسهم لهم، [وهذا ما] حكاه الإمام عن الشيخ أبي بكر، يعني به: القفال.
قال: ومن أين يكون الرضخ؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: من أصل الغنيمة كالسلب، ولأنه أجرة أعوان؛ فصار كأجرة حافظي الغنيمة وحامليها الذين [يُعْطَوْن] أجورهم من أصل الغنيمة.
والثاني: من أربعة أخماسها؛ لأنهم أضعف [من] الغانمين حكماً؛ فلم يجز أن يكونوا أقوى، ولأنه يستحق بالحضور فأشبه سهم الغزاة، وهذا أصح في "الرافعي" و"النهاية"، قبيل الكلام في استحقاق الأجير السهم.
والثالث: من سهم المصالح؛ لأنه مستحق ليس من أصحاب السهام ولا من أصحاب الخمس، فلم يكن الدفع إليه إلا على وجه المصلحة؛ فكان من سهم المصالح.
قال الماوردي: وهذا أضعفها، ذكره الشافعي – رضي الله عنه – في [بعض] منصوصاته، وهو الذي اختاره في "المرشد"، وهذه طريقة البندنيجي وأبي الطيب والفوراني، [وكذا] الماوردي في هذا الكتاب، وحكى في "السير": اختصاص القول الثالث بالكافر، ولم يحكه في المسلم.
وحكى ابن الصباغ الطريقين، وكذلك الرافعي، وصحح الأولى، وحكى طريقة
ثالثة جازمة بإجراء الأقوال في رضخ المسلم، والقطع في الذمي بأن رضخه من خمس الخمس.
واعلم أن أمير الجيش إذا أراد قسمة الرضخ، نظر إلى قدر عنائهم وأعمالهم: فيزيد المقاتل ومن قتاله أكثر على غيره، ويفضل المرأة التي تداوي الجرحى وتسقي العطشى، على التي تحفظ الرجال، بخلاف سهم الغنيمة؛ حيث يسوي فيه بين المقاتل وغيره، وفرق الأصحاب بينهما: بأن الغنيمة منصوص عليها، والرضخ مجتهد فيه؛ فجاز أنا يختلف كدية الحر؛ لما كانت منصوصاً عليها، لم تختلف، وقيمة العبد مجتهد فيها، فاختلفت.
ولا يبلغ بالرضخ سهم راجل إن كان مستحقه راجلاً، وإن كان فارساً فوجهان:
أحدهما – وهو قول ابن أبي هريرة -: أن الحكم كذلك.
والثاني- وهو الذي قال الماوردي في كتاب "السير": إنه عندي أظهر، [وبه أجاب الإمام-:] أنه يجوز أن يبلغ به سهم راجل، ولا يبلغ به سهم فارس؛ لأن الرضخ مشترك بينه وبين فرسه، وإن [كان] ملكها فهو [في] رضخ نفسه مقصر عن سهم الراجل.
وقال الرافعي: إن الوجهين ينبنيان على أن تعزير الحر [هل يجوز أن] يبلغ به حد العبد، أم لا؟ وقال: إن الظاهر الأول، [وهو] المفهوم من كلام الأصحاب، وبه أجاب في "الحاوي".
قال: وإن خرجت سريتان، أي: من الجيش، الذي خرج إلى العدو إلى جهة احدة، أي: في طريقين أو طريق واحدة، فغنمت إحداهما شيئاً – [اشتركوا فيه]، أي: السريتان والجيش؛ لأنه جيش واحد، وقد يشهد له ما روي أنه – عليه السلام – لما فتح هوازن، بعث سرية من الجيش قبل
أوطاس، فغنمت، فأشرك – عليه الصلاة والسلام – بينها وبين الجيش.
كذا قاله القاضي الحسين، وكذا لو غنم الجيش شيئاً شاركه السريتان؛ لأنه – عليه السلام – كان في غزوة أوطاس، فبعث سرية إلى حنين، ثم أشركهم فيما أصاب بـ"أوطاس".
و [قد] روى أبو داود عن ابن عمر قال: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَيْشِ قِبَلَ نَجْدٍ وَابْتَعَثَ سَرَيَّةً مِنَ الْجَيْشِ، فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، وَنَفَّلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيراً بَعِيراً، وَكَانَ سُهْمَانُهُمْ ثَلاَثَة عَشَرَ [ثَلاَثَةَ عَشَرَ] ".
أما إذا لم يكن الجيش قد خرج إلى العدو، لم يشارك واحدة من السريتين، وإن كان بقربهما بحيث يلحقهما غوثه؛ لأن من فيه غير مجاهد ولا ردء لهم، وقد كانت السرايا تخرج من المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يشركهم المقيمون بها، وأما إحدى السريتين مع الأخرى: فإن كان الأمير عليهما واحداً، أو كانت إحداهما قريبة من الأخرى بحيث تكون عوناً لها اشتركا، وإن لم يكن كذلك فلا شركة.
وفي "الشامل" إشارة إلى خلاف في هذه الحالة؛ فإنه قال: إذا بعث سريتين وهو مقيم، فغنمت أحداهما؛ لم تشركها الأخرى على الصحيح من المذهب.
وفي "الحاوي": [الجزم] بالاشتراك، وقال فيما إذا بعثهما إلى جهتين مختلفتين: إنه لا مشاركة.
نعم، لو انضم من كل سرية طائفة إلى الأخرى، وقصدوا جهة واحدة- اشتركوا فيما أخذوا منها، وهل تشرك بقية كل سرية [الطائفة التي خرجت منها فيما حصل لها؟ فيه وجهان: إن قلنا بالمشاركة شاركتهم الطائفة] – أيضاً – فيما غنموه في حال انفرادهم، وإلا فلا.