كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 463-502
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 463-502
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الإمام: والوجه إلحاق ذلك بما إذا طلب الولي المال في قصاص الصبي؛ لأن للولادة أمداً ينتظر؛ كما أن للصبي أمداً ينتظر.
وقد قال الأصحاب: إنه لا يجوز للولي ذلك.
ثم إذا أخذ المال، وأراد بعد الوضع رده واستيفاء القصاص – فهل له ذلك؟ فيه وجهان، حكاهما المتولي، كالوجهين فيما إذا أخذ القيمة عند انقطاع المثل، ثم قدر على المثل.
قال: ويسقي الولد اللبَأ؛ لأن الولد لا يكاد يعيش في الغالب بدونه، ويقال: إنه إذا لم يشربه لا يعيش، وهو ما ذكره القاضي الحسين والمتولي والمصنف، وإذا كان كذلك ففي منعه بقتلها أو بقطع طرفها الذي لا يؤمن معه الموت توصل إلى قتله غالباً أو محققاً.
وفي "الجيلي" أن صاحب "الكافي" قال: لا ينتظر سقي الولد اللبأ؛ لأن الولد يعيش بدون اللبأ؛ كما لو ماتت الأم حال الوضع، وهذا ما ادعى الرافعي ميل القاضي أبي الطيب إليه، وعلق الإمام القول في ذلك؛ فقال: إن تحقق أن الولد لا يعيش بدونه، فتمهل.
واللبأ: مقصور ومهموز، وهو أوائل اللبن بعد انفصال الولد.
قال: ويستغني عنها بلبن غيرها؛ لأن قبل استغنائه بلبن غيرها لو اقتص منها لهلك، وإذا وجب تأخير القصاص – لحفظه مجتنًّا – فأولى أن يجب لحفظه مولوداً.
وعن ابن خيران: [أن] له الاستيفاء، ولا يبالي بذلك؛ كما لو كان للقاتل عيال يضعفون ظاهراً لو اقتص منه، والصحيح الأول، وهذه الحالة تنتهي باستكمال رضاع المولود حولين، وإنما جاز له الاستيفاء بعد استغنائه بلبن غيرها، وإن كان قبل استكمال الحولين؛ كما ذكره الماوردي وغيره، وأشار إليه الشيخ بقوله: "بلبن غيرها"، وادعى الإمام الاتفاق عليه؛ لأن الفائت على

الولد منها مزيد إشفاق وحذر، ولا يقع هذا موقعاً في مقابلة حق آدمي تأخر.
وهكذا الحكم عند الشيخ أبي حامد [فيما] إذا وجب عليها الرجم، [وعليه جرى الشيخ؛ كما سيأتي].
وقال المراوزة، كالفوراني والإمام وغيرهما: من وجب عليها الرجم لا يستوفي منها حتى تنقضي مدة الرضاع، وإن وجدنا من يرضعه، يوجد للطفل كافل مسلم.
ويشهد لما ادعوه ما رواه أبو داود في حديث مطول: "أَنَّ الغَامِدِيَّةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَتْ: زَنَيْتُ؛ فَطَهِّرْنِي، وَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى، قَالَ: فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي.
فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم-[بِالصَّبِيِّ] فَقَالَتْ: قَدْ وَلَدْتُ؛ فَقَالَ: ارْجِعِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ.
فَجَاءَتْ بِهِ وَقَدْ فَطَمَتْهُ وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ يَاكُلُهُ؛ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – بِالصَّبِيِّ فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأُمِرَ بِهَا؛ فَرُجِمَتْ".
قال الإمام: والفرق بين القصاص و [بين] الجلد: ما تحقق: أن حقوق الله – تعالى- تبنى على المساهلة؛ ولذلك يقبل الرجوع عن الإقرار فيها، وحقوق الآدميين تبنى على التضييق.
وأيضاً: فإن الهارب في الحد لا يتبع، وفي القصاص يتبع.
[وقد حكى القاضي الحسين في باب حد الزنى تأخير الرجم وتعجيل القصاص عن نص الشافعي، وقال: إن من الأصحاب من خرج قولاً في المسألتين، ومنهم من أجرى النصين على ظاهرهما، وفرق بما ذكرناه].
ثم المراد باستغناء الولد بلبن غيرها: أن تتسلمه امرأة ذات لبن، أو توجد بهيمة ذات لبن يحل تناوله، لكن الأولى للولي في الحالة الثانية: الصبر؛ لتقوم

برضاعه؛ فإن لبن النساء أوفق للطفل، وكذا الأولى في حقه إذا لم توجد مرضعة راتبة له ألا يستوفيه؛ لئلا يختلف عليه لبن النساء، وعلى هاتين الحالتين حمل قول الشافعي؛ فإن لم يكن لولدها مرضع فأحب إليَّ لو ترك بطيب نفس الولي حتى توجد له مرضع، فإن لم يفعل قتلت.
ولو علم [أنه] ستوجد له من تترتب لرضاعه، ولكن لم تتعين في الحال، ولا تسلمته – ففي جواز تعجيل قتلها [قبل تعيين] مرضعة وتسلمه وجهان: أظهرهما في "الحاوي": الجواز، وبه جزم غيره، وقالوا: إذا كان في البلد مرضعة واحدة أجبرت بعد القتل على الرضاع، وإن كان فيه أكثر من واحدة أجبرت واحدة منهن عليه بالأجرة.
فرع: إذا بادر الولي وقتلها قبل استغناء الولد بلبن غيرها، ومات الولد بسبب ذلك- فهل يجب ضمانه؟ قال القاضي أبو الطيب: سمعت الماسرجسي يقول: سمعت أبا عليّ بن أبي هريرة يقول: لا يضمنه؛ لأن أكثر ما فيه أنه حال بينه وبين ما يقوم به؛ فهو [بمنزلة ما] لو أخذ زاده في البرية؛ فمات من الجوع؛ فإنه لا يضمنه، كذلك هاهنا.
قال الماسرجسي: ثم سمعته يقول بعد ذلك: إن عليه القصاص؛ لأنه لو حبس رجلاً في بيت، ومنعه الطعام والشراب؛ فمات – وجب عليه الضمان، كذلك هاهنا.
وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد في "التعليق"، وحكاه القاضي ابن كج عن النص، وحكى الرافعي أن الماسرجسي قال: سمعت ابن أبي هريرة يقول: عليه دية الولد؛ فقلت له: أليس لو غصب طعام رجل في البادية أو كسوته؛ فمات جوعاً أو برداً – لا ضمان عليه، فما الفرق؟ فتوقف، ثم [لما] عاد على الدرس – قال: لا ضمان فيهما جميعاً.
قال: وإن ادعت الحمل، فقد قيل: يقبل قولها؛ لقوله تعالى: {وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ

يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة:228] أي: من حمل وحيض؛ كما قاله أهل التفسير، ومن حرم عليه كتمان شيء وجب [قبول] قوله إذا أظهره، أصله: الشهادة؛ فإن كتمانها حرام بقوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: 283] الآية، وإذا أخبر الشاهد بما عنده قبل قوله.
ولأن للحمل أمارات تظهر وأمارات تخفى، وهي عوارض تجدها الحامل من نفسها، وتختص بمعرفتها، وهذا النوع يتعذر إقامة البينة عليه؛ فقُبِل قولها فيها؛ كالحيض، وهذا ما ادعى القاضي أبو الطيب أنه المذهب، والمنصوص عليه – يعني: في "الأم" – كما حكاه ابن الصباغ، وهو الذي عليه أكثر الأصحاب.
فعلى هذا تحبس، فإن ظهر استمر إلى وقت إمكان [استيفاء القصاص]، وإن لم يظهر في زمن ظهور مخايله استوفى على الأظهر من الاحتمالين عند الإمام؛ فإن انتظار انقضاء مدة الحمل بعيد.
قال الإمام: والقائل بهذا القول ليت شعري ما مذهبه إذا استوجبت المرأة القصاص، ثم وطئت، الوطء على الإعلاق، ولو اعترف السيد بالوطء، ترتب عليه لحوق نسب المولود الذي يأتي به.
وأعرض الغزالي عن ذلك، وقال على هذا القول: لا يجوز استيفاء القصاص من امرأة يغشاها زوجها.
قال الرافعي: وهذا إن كان المراد به إذا ادعت الحمل [فظاهر، وإن أراد أنه يمتنع الاستيفاء بمجرد المخالطة والوطء من غير دعواها الحمل، فهو ممنوع؛] لأن الأصل عدم الحمل؛ فجاز أن يقال: إنما يعدل عن الأصل بشهادة تستند على الأمارات الخفية.
قال: وقيل: لا يقبل حتى تقيم بينة بالحمل، أي: وللولي قتلها قبل ذلك؛ لان حقه واجب على الفور، والحمل يحتمل وجوده، ويحتمل عدمه، مع أنه الأصل، وهي متهمة في الإخبار؛ فلا يترك المحقق بالوهم، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري، وصححه في "الوجيز".
وقال الماوردي والقاضي أبو الطيب: إنه خطأ، كما ذكرناه.

ويكفي في البينة المقامة على الحمل أربع نسوة يشهدن به، أو بظهور مخايله.
قال: وإن اقتص منها- أي: الولي – بعد تمكين الإمام، وتلف الجنين من القصاص – وجب ضمانه؛ لأنه مخلوق فات بالجناية، ثم ضمانه – إن وضعته ميتاً – الغُرة، وإن وضعته حيًّا متألماً إلى الموت فالدية الكاملة، والكفارة واجبة في الحالين؛ كما سنذكره، ومحل وجوب الدية محل وجوب الغُرة؛ كما ذكره – ابن الصباغ في كتاب الحدود.
أما إذا لم يتلف منه؛ بأن لم ينفصل منها، أو انفصل حيًّا غير متألم – فلا شيء عليه، سواء مات بعد ذلك أو لم يمت.
قال: فإن كان السلطان علم به، أي: بالحمل، وقد مكن منه؛ كما ذكرناه – فعليه ضمانه؛ لأن الاجتهاد والنظر إليه، والبحث والاحتياط عليه، وفعل الولي صادر عن رأيه؛ فكان كالآلة.
قال العراقيون والماوردي والقاضي الحسين والمتولي: ولا فرق – في ذلك – بين أن يكون الولي جاهلاً بالحال أو عالماً، وفيما ذكروه – في حالة العلم –نظر؛ لنا قد ذكرنا فيما إذا أمر السلطان بقتل رجل ظلماً، والمأمور عالم به: أن الضمان واجب على المأمور؛ لأنه المباشر دون الإمام، والقول بهذا هنا أولى؛ لأن الاستيفاء إلى خيرة الولي؛ بخلاف المأمور [ثَمَّ]؛ فإنه لا يقدر على المخالفة، وقد صار إلى ذلك الفوراني، وجزم به، وحكاه الغزالي وجهاً ثانياً، وصححه، وهو يحكي عن اختيار المزني في كل حال؛ نظراً للمباشرة.
وقال الإمام: إنه الذي صار إليه معظم أصحابنا، وحكى وجهاً ثالثاً عن رواية صاحب "التقريب": أن الضمان عليهما؛ لأن الولي مباشر، وأمر الإمام كالمباشرة؛ يشتركان في الضمان، ثم قال: وهذا غريب لم أره لغيره، وقد رواه غيره عن [رواية] أبي علي الطبري، ورأيته فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي أيضاً، وقالوا في حالة الجهل: عن أوجبنا الضمان على الإمام في حالة العلم فهاهنا أولى، وإلا فوجهان قريبان مما إذا أضاف الغاصب بالطعام المغصوب غيره –

على من يستقر الضمان؟ وظاهر المذهب وهو المنصوص: الأول، وعلى هذا فتحمل العاقلة عن الإمام الضمان غرة كانت أو دية، وعليه الكفارة.
قال القاضي الحسين والإمام: ولا يجب في بيت المال من ذلك شيء؛ لأنه عامد غير مخطئ.
وهذا ما حكاه الرافعي.
وحكى ابن الصباغ ذلك طريقة في استيفاء الحد في حالة الحمل، مع علم الإمام بهن ثم قال: والظاهر من المذهب أن في ذلك قولين: أحدهما: أنها على عاقلته.
والثاني: أنها في بيت المال؛ لأن إتلاف الجنين إنما هو عمد خطأ لا يتمحض فيه عمد؛ فجرى مجرى الخطأ.
قال: وإن لم يعلم، وعلم الولي ذلك – فعليه ضمانه؛ لأنه المباشر، والسلطان لما لم يعلم به، لم يكن مسلطاً له على الإتلاف.
وعن صاحب "التقريب" رواية وجه: أنه على الإمام؛ لتقصيره في البحث، قال الإمام: وهو غريب لم أره لغيره.
فعلى المذهب: تتحمل العاقلة عن المقتص الغرة أو الدية دون الكفارة؛ وكذا إذا أوجبنا عليه الضمان في الحالة السابقة.
وعلى وجه صاحب "التقريب": الغرة أو الدية هل تتحملها العاقلة عن الإمام، أو تجب في بيت المال؛ لكونه مخطئاً؟ فيه قولان يأتيان في الكتاب.
فإن قلنا الوجوب في بيت المال فالكفارة هل تجب فيه أيضاً، أم على الإمام؟ فيه قولان في "تعليق" البندنيجي، والقاضي أبي الطيب.
وغيرهما أثبت الخلاف وجهين، ويظهر جريانهما في الحالة السابقة أيضاً؛ بناء على ظاهر المذهب.
قال: وإن لم يعلم واحد منهما، فقد قيل: على الإمام؛ لتقصيره، وهذا قول ابن أبي هريرة، وبه قطع الشيخ أبو حامد، مال إليه الشيخ أبو محمد، وجزم به صاحب الفروع.
قيل: على الولي؛ لقوة جانبه بالمباشرة، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وحكى غير الشيخ في المسالة وجهاً ثالثاً أنه عليهما؛ لوجود التسليط من الإمام،

والمباشرة من الولي، وهو قول البصريين.
وإذا جمعت ما ذكر في المسألة واختصرت، قلت: على من يجب الضمان؟ فيه أربعة أوجه: على الإمام مطلقاً.
على الولي مطلقاً.
عليهما مطلقاً.
على الإمام إن كان عالماً، أو كانا معاً جاهلين، وعلى الولي إن اختص الإمام بالجهل، وهذا حكم الضمان.
وأما الإثم، فهو يتبع العلم.
أما إذا كان المقتص نائب الإمام، أو جلاده، دون الولي: فإن كان جاهلاً فلا ضمان عليه بحال، وإن كان عالماً ففيه خلاف مرتب على الخلاف في الولي إذا كان عالماً، وأذن له الإمام، والجلاد أولى بألا يضمن؛ لأنه لا يستوفي لنفسه شيئاً، وإنما يمتثل مأموراً يمضيه الإمام؛ ولذلك قيل: إنه آلة سياسة الإمام، وإنه لا كفارة عليه إذا جرى على يده قتل بغير حق.
وعن أبي الفرج السرخسي حكاية وجهين في أنه هل يعتبر علم الولي والمباشر الجلاد، وقال: أصحهما: أنه يعتبر حتى إذا كان عالماً، وهما عالمان، يكون الضمان عليهم أثلاثاً.
ولو كان الولي هو المستوفي بغير إذن الإمام فهو آثم، وتجب الغُرة أو الدية على عاقلته بكل حال، والكفارة في ماله.
واعلم أنه ليس المراد مما أطلق من العلم بالحمل وعدمه حقيقة العلم؛ فإن ذلك لا يتصور، وإنما المراد به الظن المؤكد بظهور مخايله، وعبر عنه الإمام بأن قال: إن كان عالماً بالحمل علم منه.
قال: وإن قتل واحد جماعة، أو قطع عضواً من جماعة، أي: على الترتيب –

أقيد بالأول لسبق حقه، وأخذت الدية للباقين، أي: بعد استيفاء الأول القود؛ لأن من خير بين أمرين إذا تعذر أحدهما تعين الآخر، أصله: إذا تعذر القصاص بعفو [بعض] الورثة؛ فإنه يتعين للباقين الدية؛ فعلى هذا: إن اتسعت تركته لجميع الديات فذاك، وإلا قسمت بين الجميع، ولا نظر إلى المتقدم والمتأخر.
ولو عفا الأول عن القصاص أقيد للثاني، وهكذا، وليس لولي الثاني أن يجبر ولي المقتول أولاً على المبادرة إلى القصاص أو العفو عنه، بل حقه على التراخي كما [كان]، قال الإمام: ولا يختلف المذهب في ذلك.
ولو كان ولي المقتول أولاً غائباً، أو صبيًّا أو معتوهاً، حبس القاتل إلى حضور الغائب، وكمال حال غيره وهو ما رواه الربيع.
وفي "الإبانة" و"العدة" حكاية قول عن رواية حرملة: أن للثاني أن يقتص، ويصير الحضور والكمال مرجحاً.
ولا فرق – فيما ذكرناه – بين أن يثبت القتل أو القطع مرتباً بالبينة، أو بإقرار الجاني وتكذيب بعض الأولياء نعم، في حالة الإقرار قال أبو الفرج: للولي المكذب تحليفه.
والاعتبار في التقدم بوقت الموت، [لا بوقت] الجناية، حتى لو قطع يد إنسان، وقتل آخر؛ فسرى القطع إلى النفس – فحق التقدم بالقتل للثاني، صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما.
وفي التتمة حكاية وجه: أنه يقتل بالمقطوع يده؛ لأن القطع صار قتلاً.
فرع: إذا قتل أجنبي هذا القاتل، قال المتولي: فالمذهب أن الدية تؤخذ وتقسم بين الجميع، وهذا ما جزم به القاضي الحسين.
وقيل: يختص بها ولي المقتول [أولاً].
قال: وإن قتلهم، أو قطعهم دفعة واحدة، أو أشكل الحال – أقرع بينهم؛

لتساويهم، وحينئذ من خرجت القرعة له كان كمن قتل مورثه، أو قطع طرفه أولاً، فإن عفا أعيدت القرعة للباقين.
وحكى الفوراني والطبري في "العدة" في أصل المسألة - والحالة هذه -: أنه يقتل ويقطع لجميعهم، ويجب لكل واحد من الأولياء حصة مورثه من الدية.
وقد حكاه الرافعي عن الروياني في القتل، وأن صاحب "البيان" حكى أن بعض أصحابنا بخراسان قالوا: يكتفي بقتل الواحد عن الجماعة؛ كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك.
لكن إيراد الرافعي مصرح بأن محل هذين الوجهين إذا وجد القتل أو القطع مرتباً، وإلحاق هذه الحالة بها.
تنبيه: ظاهر إطلاق الشيخ وأكثر الأصحاب القول بالإقراع، يقتضي إيجابه، وقد صرح به الماوردي؛ حيث قال: فإن بدر أحدهم فاقتص منه بغير قرعة، فإن كان بأمر الإمام فقد أساء الإمام، ولم يعزر المقتص.
وعن رواية أبي الفياض وغيره: أنه مستحب، وللإمام أن يقتله بمن شاء منهم؛ لثبوت استحقاق الكل على التساوي.
قال الروياني: وهو الأصح، وعليه جرى القاضي ابن كج وغيره، وحكوا عن نص الشافعي أنه قال: أحببت أن يقرع بينهم.
ولو رضوا بتقديم واحد بلا قرعة جاز، والحق لا يعدوهم؛ فإن بدا لهم ردوا إلى القرعة، قاله الإمام.
وهذا إذا كان أولياء القتلاء حضوراً بالغين عقلاء، فلو كان بعضهم غائباً أو صغيراً أو معتوهاً فالمشهور: أن الحكم كذلك.
وفي "الوسيط"، عن رواية حرملة: أن للحاضر والكامل أن يقتص، ويكون الحضور والكمال مرجحاً كالقرعة.
فرع: لو كان القاتل عبداً فهل يقتل بواحد؛ كما لو كان حرًّا، أو يقتل بجميعهم؛ لأن في تخصيصه ببعضهم تضييعاً لحق الباقين؟ فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في أثناء المسألة الأولى وغيره.

والذي أورده ابن كج- منهما-: الثاني.
وأصحهما – عند الإمام والقاضي الروياني والفوراني والقاضي الحسين والمتولي، وغيرهم-: الأول، ويكون بمنزلة المعسر [يقتل بواحد] وللباقين الديات في ذمته، يلقى الله – تعالى – [بها].
وهذا قد يقال: إنه يؤخذ من كلام الشيخ؛ لكونه لم يفصل بين الحر والعبد، وليس كذلك؛ لأن قوله في صدر المسألة: وأخذت الدية للباقين يأبى ذلك في حالة القتل، وإن لم يأبه في حالة القطع.
فعلى هذا: إن قتلهم على الترتيب، أو في دفعة واحدة – يكون حكمه ما سبق، ولا يكون عفو ولي الأول عن القصاص على مال مانعاً من أن يستوفي ولي المقتول ثانياً القصاص منه، وإن تعلق المال برقبته، لكن [لو] عفا ولي الثاني أيضاً على مال تعلق الجميع بالرقبة، ولا نظر إلى [التقدم والتأخر]؛ كما لو أتلف مالاً على جماعة في أزمنة مختلفة.
وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بأن محل الخلاف فيما إذا قتلهم في دفعة واحدة، أما إذا كان على الترتيب فلا يُقتل بهم، وهذا هو الذي يتقضيه كلام القاضي أبو الطيب عند الكلام في قتل الحر بالعبد؛ حيث قال: إذا قتل عبد عبدين؛ أحدهما بعد الآخر، فيبدأ بالأول؛ فإن قتله سيده، سقط حق الثاني؛ لفوات الرقبة، فإن عفا سيد الأول كان لسيد الثاني أن يقتص، وإن قتلهما معاً.
[قال]: فإن قتلاه به فقد استوفيا حقهما، وإن عفا أحدهما، ولم يعف الآخر، فإن حق الذي لم يعف لم يسقط، ولا يملك القتل؛ لأن القصاص لا يتبعض؛ فيتعلق الأرش برقبته؛ فيباع، ويستوفي قيمة المقتول من ثمنه، وهذا منه في الصورة الأخيرة؛ بناء على أنه يقتل بهما؛ كما أورده ابن كج، وإلا لم يستقم ما ذكره حكماً وتعليلاً.
ثم فيما ذكرناه عن الأصحاب من تعليل الوجه الثاني ما يفهمك أنه لا يجري

في القطع؛ لإمكان تعلق الأرش بالرقبة بعده.
قال: فإن بدر واحد فقتله، أو قطعه، أي: من غير قرعة ولا عفو من الأول- فقد استوفى حقه؛ لأن حق كلِّ من الأولياء قد تعلق بذلك المحل؛ بدليل ما لو عفا ولي المقتول أو المقطوع أولاً، أو من خرجت له القرعة؛ فإن ذلك ينتقل إلى من بعده؛ فإذا استوفاه فقد استوفى حقه من محله، لكنه يعزر؛ لما في ذلك من إبطال حق الغير.
وشبه القاضي أبو الطيب ذلك بما إذا تقدم رجلان إلى ماءٍ ليستقياه، وأحدهما سبق الآخر – فإن الثاني لو أزاح الأول عنه واستقى، كان قد أخذ حقه، ويكون متعدياً؛ لأن السابق أحق.
قال: وجبت الدية للباقية؛ لتعذر القصاص عليهم بغير اختيارهم؛ فكان كالموت.
وحكى القاضي الحسين في "التعليق" وجهاً ضعيفاً: ان المبادر يغرم للأول دية قتيله، ويأخذ من تركة الجاني دية قتيل نفسه.
وفي "التتمة" وجه: انه تلزمه الدية، ويختص بها ولي المقتول الأول؛ لأنه كان مقدماً عليه؛ فإذا فوت الحق عليه غرم له؛ كالعبد المرتهن إذا جنى، ثم جاء المرتهن فقتله، يغرم الأرش لحق المجني عليه.
والفرق بين هذه العبارة [والأولى]: أن الأولى توجب دية المقتول أولاً، والثانية توجب دية القاتل للمقتول، وذلك يظهر عند اختلاف الديات بسبب الأنوثة والدين.
قال المتولي: ولا يجيء هذا الوجه فيما إذا خرجت القرعة لواحد، فقتله غيره؛ لأن القرعة لا توجب زيادة قوة، وإنما صرنا إليها؛ لقطع المنازعة، بخلاف السبق.
فرع: إذا تمالأ على القاتل أولياء القتلاء، وقتلوه جميعاً – فقد حكى المراوزة في المسألة ثلاثة أوجه: أصحهما: أنه يقع عن جميعهم موزعاً عليهم، ويرجع كل منهم إلى ما يقتضيه

التوزيع من الدية: فإن كانوا ثلاثة رجع كل منهم بثلثي دية مورثه، [أو أربعة رجع كل منهم بنصف وربع دية مورثه]، وهذا ما جزم به المتولي.
والثاني: أنه يقرع بينهم، ويجعل القتل واقعاً عمن خرجت له القرعة، وللآخرين الدية.
والثالث- حكاه الشيخ أبو محمد عن الحليمي -: أنه يكتفي به عن جميعهم، ولا رجوع لهم إلى الدية؛ لأنه لو قتل جماعة واحداً ظلماً لجعلنا كلَّ واحد منهم كالمنفرد بالقتل في الاعتداء؛ كذلك نجعله كالمنفرد في الاستيفاء.
قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنا قد حكينا أن مذهب الحليمي فيما إذا قتل عشرةٌ واحداً ظلماً – أن المستحق على كل [واحد] منهم عشر روحه، إلا أن الروح لا تتجزأ؛ فلا يمكن استيفاء المستحق إلا بغيره؛ فاستوفى لتعذره، وإذا كان هذا مأخذه في استيفاء جميع [النفس من كل واحد منهم] ثَمَّ، لم يحسن جريان مثله هاهنا؛ لانتفاء عدم إمكان استيفاء البعض.
نعم، قد يقال: إنه ذكر هذا تخريجاً على أصول الشافعي في تلك المسألة، [لا] على ما اعتقده، والله أعلم.
فرع مُرَكَّبٌ من القتل والقطع: إذا قتل رجلاً، وقطع طرف آخر، ولم يسر، وحضر المستحقان- فإنه يقطع طرفه أولا، ثم يقتل، سواء تقدم القتل، أو تأخر؛ لأن في ذلك جمعاً بين الحقين، وهذا بخلاف ما لو قطع يمين إنسان، وقطع لآخر أصبعاً من يمينه، وحضر المستحقان؛ فإنه يقطع للسابق منهما، وللآخر من الدية بقدر ما تعذر عليه استيفاؤه.
والفرق: أن نقصان الطرف لا يوجب نقصان النفس؛ ألا ترى أن بدلها لا يختلف، ويُقتل كامل الأطراف بناقص الأطراف، ونقصان الإصبع يوجب نقصان اليد؛ ولذلك اختلف البدل، ولم يقطع الطرف الكامل بالناقص.
وما أطلقه في الوجيز في هذه الحالة من أن يقرع بينها، فهو محمول على ما

إذا وقع القطعان معاً، لا على الترتيب، أو جهل السابق.
ثم في الصورة الأولى، [لو أخر مستحق الطرف استيفاء القصاص، قال الإمام في باب حد قاطع الطريق: فإجباره على التعجيل محال، وحمله على العفو محال، وتفويت حقه بتسليط مستحق النفس على القتل، لا وجه له.
نعم]، لو ابتدر مستحق القصاص في النفس، وقتله، فلا شيء عليه.
وفي "التتمة": أن الحكم كما لو قتل رجلين، وابتدر ولي الثاني فقتله.
أما إذا سرى القطع إلى نفس المقطوع أيضاً: فإن كان قبل أن يصدر من القاطع القتل، قطع، ثم قتل، وإن كان بعده فقد حكى ابن الصباغ عن الأصحاب: أنه ليس للولي استيفاء القصاص في الطرف، إلا أن يعفو ولي المقتول قبل السراية؛ فحينئذ يكون له القطع ثم القتل، قال: وفيه نظر؛ لأنه استحق القطع قبل قتل الآخر، فسرايته لا تسقط حقه، وإنما يجيء هذا على قول من قال: إن القصاص في الطرف يدخل في النفس، وغنما يقطع الطرف؛ لأنه طريق إلى قتله بمثل ما قتل [به].
قلت: وهذا هوا لذي اقتضاه قول أصحابنا أيضاً؛ حيث جزموا – كما حكاه الرافعي – فيما إذا قطع يده؛ فسرى الجرح إلى نفسه، فعفا عن النفس – بأنه لا قصاص في الطرف، وإن ترددوا فيما إذا عفا عن الطرف في هذه الصورة، هل يكون عفواً عن النفس؟ على وجهين.
وهذا ما أشرت إليه من قبل عند الكلام فيما إذا قال: عفوت عن هذه الجناية وما يحدث منها.
قال: وإن قتل وارتد، أو قطع وسرق – أقيد للآدمي، أي: عند الطلب، ودخل فيه حد الردة والسرقة؛ لأن حق الآدمي مبني على التشديد، وفي تقديمه تحصيل مقصود حق الله – تعالى [من وجه].
وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنهما لا يتداخلان، ويستوفيان؛ فيقطع بالسرقة [أولاً]، ويقتل بالردة، وتجب الدية، ولعل محل هذا الوجه إذا تقدمت الردة

والسرقة، أما إذا تأخر ذلك فقد يقال: لا يجري؛ لما فيه من تفويت حق السبق، وقد يقال به؛ لأن حق الله –تعالى- إذا سقط لا جابر له، بخلاف حق الآدمي.
وهذا الخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا اجتمع في المال الزكاة وحق الآدمي.
والثالث – وهو القسمة – لا يجيء هاهنا؛ لأنا لا نرى قتل الشخص الواحد لشخصين وإن قتل وليهما معاً؛ ففي هذه الصورة.
فرع: إذا قتل الوليُّ المرتدَّ عن الردة، دون القصاص – فعن "فتاوى" صاحب "التهذيب" أنه ينظر: إن كان ولي القصاص إماماً فله الدية في تركة المرتد؛ لأن للإمام قتله عن الجهتين.
وإن كان غير الإمام، وقع قتله عن القصاص، ولا دية له؛ لأن غير الإمام لا يملك قتله عن جهة الردة، قال: وكذلك لو اشترى عبداً مرتداً؛ فقتله المشتري قبل القبض عن الردة – ينفسخ العقد إن كان المشتري الإمام، وإن كان غيره صار قابضاً؛ كما لو قتله ظلماً محضاً.
قال: وإن قطع يد رجل، ثم قتله – قطع، ثم قتل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ولأن المقصود من القصاص التشفي والانتقام، وإنما يكمل التشفي إذا فعل به مثل ما فعلن لكن الولي يتولى القتل، [وهل يتولى] قطع اليد إن منعناه عند الاندمال؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي، وقال: إنهما مخرجان من القولين فيما إذا اجافه؛ فمات: هل يجاف؟ كما سنذكره.
قال: وإن قطعه؛ فمات منه – قطعت يده، فإن مات، أي: في مثل تلك المدة التي سرت فيها جنايته، وإلا قتل؛ لأن ذلك أقرب إلى المماثلة.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره من العراقيين –كالبندنيجي والمحاملي وغيرهما – يقتضي وجوب الإنظار، وهو المحكي عن أبي الحسين بن القطان.

والذي جزم به الغزالي والقاضي الحسين، وادعى الرافعي أنه المشهور: أنه غير مستحق حتى يجوز لولي المقتول أن يقتله عقيب القطع.
وفي "التتمة": أنه إذا أراد قتله قبل مضي تلك المدة؛ فإن اندمل الجرحُ، أو ظهرت أمارات الاندمال، فله ذلك.
وإن كانت الجراحة متألمة، ولم تظهر أمارة البرء – فليس له ذلك.
قال: وإن قطع يد رجل من الذراع، أو أجافه، فمات – ففيه قولان: أحدهما: يُقتل، أي: بالسيف، ولا يفعل به مثل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ والمثلية لا تتحقق في [مثل] هذه الحالة؛ بدليل عدم إيجاب القصاص في ذلك عند الاندمال؛ فتعين المصير إلى القتل بالسيف، وهذا ما صححه في "التهذيب".
قلت: ولو قيل على هذا القول: إن له قطع اليد من الكوع في مسالة قطع الذراع؛ كما كان له ذلك لو لم يسر الجرح – لم يبعد.
قال: والثاني: يُجْرح كما جرح؛ تحقيقاً للمماثلة في طريق الإزهاق؛ كما في الحالة الأولى وما قبلها، ويخالف حالة اندمال الجراحة؛ لأن المقصود ثَمَّ ليس إزهاق الروح، وقد يكون في هذا الفعل – بسبب الزيادة على المستحق – إزهاقها، وهاهنا المقصود إزهاقها؛ فلا اثر لتفاوت يتفق في ذلك؛ ألا ترى أنه لو ضربه بمثقل، فلم يمت، لا يجب القصاص فيه، ولو مات منه، وجب القصاص فيه، وضرب بمثله؟ وقد بنى المتولي القولين في الجائفة على الخلاف الذي ذكرناه فيما ذا قطع يده فمات في أن قطع اليد في هذه الحالة لكونه مقصودة في نفسها، أو لكونها طريقاً في الاستيفاء؟ فعلى الأول: يتعين السيف، وعلى الثاني: يُجيفه.
قال: فإن مات، وألا قتل؛ لأنه لا يمكن أن يفعل به مثل ذلك مرة أخرى، وإزهاق الروح مستحق؛ فتعين له هذا الطريق، وهذا القول أصح عند الشيخ أبي

حامد وأبي الطيب وغيرهما من العراقيين، والروياني – أيضاً – وهو جارٍ، كما حكاه أبو الطيب وغيره فيما إذا قطع ذراع من لا كفّ له، والجاني صحيح الكف؛ فتقطع يده من الذراع، فإن مات، وإلا قتل، وهو الأظهر عند الإمام، وقيل: إنه المنصوص في "المختصر".
ثم محل هذا القول إذا قال الولي: أنا أقتص في الجرح، ثم أحز رقبته إن لم يمت، أما إذا قال [الولي]: أنا أقتص في الجرح، وأعفو عنه إن لم يمت – لم يمكن منه، صرح به البندنيجي، والرافعي في مسألة الجائفة، وقال: إنه إذا أجافه، ثم عفا عنه – عزر على ما فعل.
والقاضي الحسين خصّ محل التعزير بما إذا قال بعد الإجافة: كنت لا أريد قتله.
والذي حكاه الماوردي أن [محل القول الثاني] في الصورتين: إذا لم يرد العفو عن القصاص، [فإن أراد العمل به] مع عفوه عن القصاص في النفس – لم يجز؛ لأنه قد صار بالعفو عن النفس كالمنفرد عن الراية.
والقولان في مسألة الكتاب يجريان – كما قاله الأصحاب – فيما إذا قطع يداً شلاء، ويد القاطع صحيحة، أو شجه هاشمة، أو منقلة، أو مأمومة، فمات بالسراية.
وخصّ بعض الأصحاب القولين بما إذا كانت الجناية الغالب منها الموت، أما إذا لم يغلب منها فيقتل بالسيف، قال القاضي أبو الطيب: وهذا ليس بشيء.
قال: وإن قتل بالسيف أو السحر لم يقتل إلا بالسيف، أما في الأولى؛ فللآية، وأما في الثانية، فلما روى الترمذي عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ" ولم يفصل.

قال الأصحاب: ولأن عمل السحر محرم، ولا شيء مباح [يشبهه]، على أن ذلك لا ينضبط، ويختلف تأثيره.
وقد ادّعى المحاملي والبندنيجي نفي الخلاف في ذلك بين الأصحاب، ولم أر تصريحاً بخلافه، لكن في كلام القاضي الحسين ما يقتضي أن له أن يقتله بالسحر؛ فإنه قال: كل آلة يجب بها القود يستوفي القود بجنسها، إلا في مسألتين: إذا لاطَ به، وإذا أوجره خمراً.
على أن ما ادّعاه الأصحاب لا يخلو عن احتمال؛ من حيث إنا إذا قلنا: تعلم السحر ليس بحرام، ففعله – إذا لم يكن فيه سجود لصنم، ولا ما شابهه أو قاربه – إنما حرمناه؛ لما فيه من الإضرار بالغير، وإذا كان كذلك فهو كالقطع والضرب، [والضرب والقطع] إذا أفضى إلى الموت جاز أن يقتص من فاعله بجنسه؛ فكان القياس أن يكون السحر كذلك.
فإن قيل: إن أثر السحر لا ينضبط؛ فيُقال لقائل هذا: هلاَّ خرجته على الخلاف في الجائفة وتسليط السبع والحية على القاتل.
نعم، قد يُقال: معرفة كون السحر يقتل لا يهتدي إليها غير فاعله؛ ولذلك قلنا: لا يتصور وجوب القصاص به إلا بالإقرار، وإذا كان كذلك فلم يظهر كونه فعلاً صالحاً للقتل – غالباً – فلا يسلط به عليه؛ لما فيه من الخلو عن الفائدة، بخلاف الجائفة ونحوها؛ فإن كل أحد يعرف أن ذلك يوصل إلى إزهاق الروح غالباً، فلم يخلُ الإتيان به عن الفائدة، والله أعلم.
قال: وإن قتل باللواط أو سقى الخمر فقد قيل: يقتل بالسيف؛ لان ما قتل به محرم الفعل؛ فلم يجز أن يفعل به مثله، وتعين له السيف؛ كما في القتل بالسحر، وهذا هو الأصح.

وقيل: يعمل في اللواط مثل الذكر من الخشب؛ فيقتل بهن وفي الخمر يسقي الماء؛ فيقتل به؛ [لقربه من فعله]، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري؛ كما حكاه القاضي الحسين، وأبي إسحاق المروزي كما حكاه المحاملي والبندنيجي، وحكى الماوردي عنه أنه في مسألة اللواط: يقتل بإيلاج خشبة كما ذكره الشيخ، وفي سقي الخمر [يقتل بسقي] الخلّ.
وحكى القاضي أبو الطيب عنه [أنه] في مسالة الخمر يسقي الماء حتى يموت، كما ذكره الشيخ، وفي مسألة اللواط: يعمل له من الجلود مثل الذكر، ويوالي عليه، ويكرر الفعل إلى أن يموت، قال المتولي: ومحل هذا الوجه إذا كان موت القاتل متوقعاً بالمقابلة بمثل ما فعل، أما إذا لم يتوقع، وكان موت المجني عليه؛ لطفولية، ونحوها – فلا؛ لأن فيه ارتكاب محظور بلا فائدة.
وهذا موافق لما قاله الإمام، فيما إذا ضرب نحيفاً بضربات يقتل مثلُها مثلَه غالباً ولا يقتل مثل الجاني- إما يقيناً، أو غالباً لقوته -: إن الوجه القطع بأنه لا يضرب بتلك الضربات؛ لأنها لا تقتله، وإنما يراعى المماثلة إذا توقعنا حصول الاقتصاص بذلك الطريق، لكن الإمام بدا له في الأخيرة احتمال آخر.
وقد حكى الفوراني وجهاً آخر في اللواط: أنه لا يجب به القصاص؛ لأن المقصود به طلب اللذة؛ فلا يتحقق العمد فيه، ثم قال: وهو خطأ.
وحكى أبو الفرج السرخسي وجهاً في سقي الخمر مثله؛ لأنه لا يقصد به الإهلاك.
فرع: لو سقاه البول حتى مات، قال القاضي الحسين: احتمل أن يوجر بقدره من البول، بخلاف الخمر؛ لأن البول يباح شربه عند الضرورة، والخمر لا يباح على الصحيح من المذهب، وكذا لو سقاه السم، ومات، والسم طاهر- يسقي مثله، وحكى الرافعي عنه وجهين في مسألة البول، أو يكون كالخمر.
قال: وإن غرق، أو حرق، أو قتل بالخشب، او بالحجر – فله أن يقتله

بالسيف؛ لأنه أوحى وأسهل على المقتول؛ ففيه ترك بعض الحق، وله أن يفعل به مثل ما فعل، أي: من كل وجه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة:194]، ولما روى البراءُ بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ"، وما روى مسلم والبخاري وأبو داود وغيرهم، عن قتادة:"أَنَّ جَارِيَةَ وُجِدَتْ قَدْ رُضَّ رَاسُهَا [بَيْنَ حَجَرَيْنِ]، فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلانٌ، حَتَّى سَمَّوا اليَهُودِيَّ، [فَأَوْمَتْ بِرَاسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ]، [فَاعْتَرَفَ]؛ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرَضَّ رَاسُهُ بِالْحِجَارِةِ".
قال البيهقي: ولا تجوز دعوى الشيخ في [هذا؛ لنهيه] – عليه السلام – عن المثلة؛ إذ ليس في هذا تاريخ ولا سبب يدل على النسخ، ويمكن الجمع بينهما: بأنه إنما نهى عن المثلة فيمن وجب قتله، لا على طريق المكافأة والمجازاة.
["وضابط هذا"] النوع: أن يقع القتل بما يوحي، إلا ما ذكرناه.
وحكى الإمام أن في بعض الطرق رمزاً إلى أنه في مسألة الحرق لا يقتل به، وحكاه المتولي قولاً في الضرب، وفيما إذا رماه من جبل، أو حبسه في بيت حتى مات جوعاً، وقال: إنه اختيار المزني.

وقد أجرى الخلاف- أيضاً – فيما إذا قتله بإنهاش حية ونحوها، أو بحبسه مع سبع في مضيق ونحوه؛ لأن الأفاعي غير متماثلة، وكذا السباع، حكاه الماوردي.
فرع: إذا تعذر الوقوف على قدر الحجر، او قدر النار، أو قدر الماء، أو عدد الضربات – فعن القفال: أنه يقتل بالسيف، وعن بعضهم: أنه [يؤخذ] باليقين.
قال: فإن فعل [به مثل] ذلك، فلم يمت – ففيه قولان: أحدهما: يقتل بالسيف؛ لأن المماثلة قد حصلت، ولم يبق إلا تفويت الروح؛ فوجب تفويتها بأسهل ما يمكن، وهو ضرب العنق بالسيف، وهذا ما ادّعى القاضي الحسين أن الشافعي لم يقل بخلافه، [ولا يختلف] مذهبه فيه.
والثاني: يكرر عليه مثل ما فعل إلى أن يموت.
قال الماوردي: أو ينتهي إلى حالة يعلم – قطعاً – أنه يموت فيها؛ فيُمسك عنه؛ كما يمسك عن المضروب العنق إذا بقيت فيه حياة.
ووجهه: انه فعل به فعلا اتصل بالموت؛ فيجب أن يفعل به مثل ذلك على أن يموت؛ ليكون أشبه بفعله، وكي لا يوالي عليه بين نوعين من العذاب، وهذا ما ادّعى القاضي أبو الطيب والبغوي، والنواوي أنه الصحيح، وقال القاضي الحسين: إنه أخذ من قول الشافعي في "المختصر".
وقال بعض أصحابنا: إن لم يمت من عدد الضرب، قتل بالسيف.
وحكى في مسألة القتل بالنار، إذا بقينا الجاني بقدر ما بقي المقتول فيها حتى مات، فلم يمت – أنا ننظر: فإن كان إخراجه وحَزُّ رقبته أسهل فعل، وإن كان تبقيته في تلك النار زماناً أسهل عليه من حز رقبته، فوجهان: أحدهما: يبقى.
والثاني: لا؛ لأنا نراعي الأسهل عليه في هذا الباب.
وقال: إن هذا الحكم فيما هو في معنى ذلك مثل التخنيق، وعلى ذلك جرى صاحب "الإبانة"وغيره.

وصور الإمام محل الوجهين بما إذا لم يمكن قتله بالسيف في النار.
وتردد الشيخ أبو محمد فيما إذا كان الإخراج أهون، وتراضوا على البقاء، والأظهر: أنه لا أثر لتراضيهما.
قال: إلا في الجائفة وقطع الطرف؛ لتعذر إمكان ذلك في المحل، وفي غيره يؤدي إلى أخذ طرف بطرفين، وجائفة بجائفتين، وهذا ما ادّعى ابن الصباغ والمحاملي وغيرهما نفي خلافه.
وفي "البسيط" [وجه]: أنه يزاد في الجوائف، إذا جوّزنا القصاص فيها؛ ليكون إزهاق الروح قصاصاً بطريق إزهاقه عدواناً، وهذا ما ادّعى المزني أنه قياس مذهب الشافعي، والأصحاب فرّقوا بما ذكرناه.
قال: ومن وجب له القصاص في الطرف، استحب له ألا يعجل في القصاص حتى يندمل.
هذا الفصل يقتضي بيان حكمين: أحدهما: جواز القصاص قبل الاندمال، وقدخالف [فيه] أبو حنيفة ومالك والمزني.
[والثاني: استحباب التأخير على الاندمال].
ودليلهما: ما روى الدارقطني في "سننه"، عن رواية أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر:"أَنَّ رَجُلا طَعَنَ رَجُلا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ؛ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَقِيد، فَقِيلَ لَهُ: حَتَّى تَبْرَأَ؛ فَأَبَى، وعَجَّلَ؛ فَاسْتَقَادَ، فَعَرِجَتْ رِجْلُهُ، وَبَرِئَتْ رِجْلُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ؛ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ شَيْءٌ، أَنْتَ اَبَيْتَ".

قال الماوردي: وفي هذا الحديث دلالة على شيء ثالث، وهو جواز القود من الجناية بغير الحديد؛ لأن الجناية كانت بقرن.
قلت: وعلى أمر رابع، وهو أن ما حصل بسبب الجناية من شين بعد الاقتصاص لا يجبر بشيء آخر.
وفي تعليق القاضي الحسين حكاية وجه: أنه لا يجوز استيفاء القصاص قبل الاندمال؛ كما سنذكره في الديّات، [والإمام حكاه في آخر النهاية، وقال: إنه بعيد، لا أعرف له وجهاً] وادّعى الرافعي أنه قول مخرج، وان الأول هو المنصوص.
قال: فإن أراد العفو عنه على الدية، قَبْل الاندمال –ففيه قولان: أحدهما: يجوز؛ لأن الدية أحد البدلين؛ فكان له الرجوع إليها قبل الاندمال؛ كالقصاص.
قال القاضي الحسين: وهذا اخذ من نص الشافعي في كتاب المكاتب، فيما إذا جنى السيد على عبده المكاتب، فقطع يده: أن له أن يعجل أرش يده قصاصاً من كتابته.
وقال الرافعي: إنه أخذ من نصه في تعجيل القصاص.
فعلى هذا: لو كان أرش الطرف زائداً على دية؛ مثل أن قطع يديه ورجليه؛ فهل له أخذ الزائد على دية النفس؟ فيه وجهان، حكاهما الشيخ أبو حامد: أحدهما –وبه قال أبو إسحاق-: لا؛ لأن دية النفس في هذا المقام هي المحققة، وما زاد مشكوك فيه.
والثاني: نعم؛ لأن الأصل بقاء استحقاق ذلك، وعدم السراية.
قال: والثاني: لايجوز؛ لأن الأرش لا يستقر قبل الاندمال؛ إذ قد يسري القطع؛ فيدخل أرشه في دية النفس، وقد يشارك الجاني فيه شخص آخر، أو

أشخاص فيتوزع عليهم؛ بخلاف القصاص في الطرف، فإنه لا يسقط، ولا يتبعض؛ بسبب ما يحدث من اندمال، أو سراية، أو مشاركة في قتل النفس، وهذا هو الصحيح، والمنصوص عليه في جميع كتبه، والمعمول عليه عند سائر الأصحاب؛ كما قاله الماوردي.
قال القاضي الحسين: وقد قال بمثله في مسألة المكاتب بعضُ الأصحاب، وبعضهم أقرّ النصين، وفرق بأن للمكاتب غرضاً في الاستيفاء قبل الاندمال، وهو وصوله إلى الحرية، بخلاف الحر.
قال الإمام: والصائرون إلى جواز التعجيل في مسألة المكاتب اختلفوا: فمنهم من خصّ ذلك بما إذا كان المال المأخوذ وافياً بالنجوم أو بما بقي منها، ومنهم من يعمم الحكم، وهو قضية إطلاق القاضي الحسين.
فرع: لو كانت الجناية مما لا توجب قصاصاً ولا أرشاً مقدراً، فلابد من التوقف حتى تتبين العاقبة.
وعن بعض الأصحاب فيما رواه الشيخ أبو محمد: أنه يأخذ أقل ما يفرض حكومة لتلك الجراحة.
قال: وإن اقتص في الطرف؛ فسري على نفس الجاني – لم يجب ضمان السراية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 41، 42] وهذا قد انتصر؛ فيجب ألا يكون عليه سبيل.
وأيضاً: فقد روى عن عمر وعليّ – رضي الله عنهما – أنهما قالا:"إِنَّ [مَنْ] مَاتَ مِنْ حَدٍّ، أَوْ قِصَاصٍ؛ فلاَ دِيَةَ لَهُ، [الحق قَتَلَه] ". ولأنها عقوبة مستحقة مقدرة؛ فوجب ألا تُضمن سرايتها؛ كالقطع في السرقة.

قال: وإن اقتصّ في الطرف، ثم سرى إلى نفس المجني عليهن ثم [سرى] على نفس الجاني – فقد استوفى حقه؛ لأن السراية لما كانت كالمباشرة في إيجاب القصاص، وجب أن تكون كذلك في استيفائه.
قال المحاملي: وهكذا الحكم لو اقتص من الجاني في الطرف، فعاد وقتل المجني عليه، ثم سرى القطع غلى نفسه؛ فإنه يجعل قصاصاً؛ لأنها سراية عن قصاص بعد وجوب القصاص.
وهكذا الحكم إذا قطع يدي إنسان، [فسرى القطع إلى النفس، فقطع الولي إحدى اليدين،] ومات الجاني قبل قطع الأخرى – يجعل مستوفياً لحقه، ولا تجب دية اليد الأخرى؛ لأن الجرح قد صار قتلاً، وقد استوفاه بالسراية.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله:"ثم سرى إلى نفس الجاني" عما إذا اقتصّ [في الطرف]، فسرى إلى عضو آخر، لا إلى النفس، كما إذا قطع أصبعه، فسرى إلى كفه، ثم قطع أصبع الجاني؛ فسرى [-أيضاً-] إلى الكف؛ فإن الشافعي نص في موضع – كما ادعاه الرافعي – على أنه لا قصاص.
وقال في المختصر فيما إذا أوضحه؛ فذهب ضوء عينه وشعر رأسه؛ فاقتص المجني عليه في الموضحة؛ فذهب ضوء عينه، وشعر رأسه: إنه يكون مستوفياً لحقه.
ولو لم يذهب ضوء عين الجاني، وثبت شعره – فعليه دية البصر، وحكومة الشعر.
وفي [هذا النصّ] إيقاع الشعر [في مقابلة الشعر] وهو من الأجسام؛ فأشعر بأن السراية إلى الجسم تقع قصاصاً.
واختلف الأصحاب – لأجل ذلك – في حصول الاستيفاء بالسراية إلى ضوء العين والطرف؛ إذا لم نوجب القصاص فيهما بالسراية والشعر – على طرق: إحداها: المنع في الجميع، والقائلون به اختلفوا: فمنهم من قال: إنما أراد الشافعي بالشعر: شعر موضع الموضحة؛ فإنه يتبع

الموضحة؛ كالشعر على اليد والرجل يتبعها قصاصاً ومالاًز ومنهم من قال: لم يتكلم الشافعي في الشعر، وغنما هو من زيادة المزني، وقالا: ما ذكره في الضوء مفرع على الصحيح في وجوب القصاص فيه بالسراية [إليه].
والثانية: القطع في مسألة الضوء بالحصول، وفيما عداه قولان: أحدهما: الحصول؛ كما في النفس، وهو اختيار المزني.
فعلى هذا: لا نظر في حكومة الشعر إلى التفاوت بين قدر الحكومتين.
والثاني: المنع، وبه جزم ابن الصباغ والماوردي والمتولي.
والفرق بينه وبين الروح: أن السراية إليها توجب القصاص، بخلاف ما نحن فيه.
والثالثة: القطع في مسألة الضوء بالحصول، وي مسألة الشعر بالمنع، وفي الطرف قولان؛ وهما جاريان – كما حكاه الإمام – فيما إذا قطع يد إنسان، فاقتص المجني عليه في أصبع من يد الجاني؛ فسرى إلى الكف، ومال إلى الحصول، وقال: لا وجه عندنا إلا القطع به.
والصحيح – [وإن ثبت] الخلاف في الشعر والطرف -: عدم الحصول، وعلى هذا: تجب دية ما فات من الأطراف بالسراية، وحكومة الشعر.
قال الرافعي: وله المطالبة بأرش الأصبع عند القطع؛ لأنه إن سرى القطع إلى الكف لم يسقط ما في الذمة؛ فلا [معنى] لانتظار السراية.
قال: وإن سرى إلى نفس الجاني، ثم [سرى] على نفس المجني عليه- فقد قيل: تكون السراية قصاصاً؛ لأنها سراية عن قصاص، وقد وجب عليه القصاص في النفس؛ فكان قصاصاً عنه كالتي قبلها، وهذا قول أبي إسحاق المروزي.
والمذهب: أن السراية هدر، أي: سراية القصاص؛ لأن القصاص إنما يجب في النفس بزهوق الروح؛ فلو جعل مستوفياً بالسراية السابقة لكان كالسلف في القصاص، والسلف في القصاص لا يجوز؛ كما لا يجوز أن يقول: اقطع يدك

حتى إذا قطعت يدي لا يكون [لي] عليك شيء.
وعلى هذا: يجب نصف الدية في تركة الجاني؛ إن كانت دية الجاني مثل دية المجني عليه، فإن كانت أقل فيجيء في قدر ما يرجع به الخلاف السابق.
وقد اعرض غير الشيخ من الأصحاب عن ذكر المذهب في هذه المسألة، وحكى الخلاف وجهين، وقال الإمام: إنه يمكن بناؤها على أنَّا [هل] نجعل الجرح قتلاً إذا أدى إلى القتل، أم لا؟ وفيه وجهان ذكرناهما فيما إذا جرح الكافر كافراً، ثم أسلم الجارح، أو العبد عبداً، ثم اعتق العبد، ومات المجروح، وقضية هذا البناء أن يكون الراجح عنده [أن السراية هدر؛ لأن الراجح عنده] ثم امتناع القصاص.
تنبيه: الهدر- بفتح الدال والهاء – المُلْغَى الذي وجوده كعدمه.
قال: وإن قلع سن صغير لم يثغر، أي: لم يسقط أسنان اللبن – لم يجز أن يقتص منه؛ لأن العادة في أسنان من هذا حاله أنها تعود بعدما سقطت؛ فلم يتحقق إتلافها.
قال: حتى يؤيس من نباتها؛ لأنَّا حينئذ نتحقق الإتلاف وفساد المنبت، وهذا بخلاف الموضحة والجائفة؛ فإنه يقتص منهما في الحال، وإن كان الغالب عودهما.
والفرق: أنَّا لو لم نفعل ذلك لصارت معظم المواضح والجوائف هدراً.

وقد جزم بما حكاه الشيخ الجمهور، ومنهم: الإمام، ثم قال: وفي القلب من إيجاب القصاص في هذه الحالة شيء؛ لأن عين السن من المثغور عضو قصاص، ومن غير المثغور ليس عضو قصاص؛ فلا تتجه فيهما المقابلة.
وقد حكى الغزالي وغيره ذلك قولا، ووجهوه بأنه فضلة في الأصل نازلة منزلة الشعر الذي ينبت مرة بعد أخرى، وسن البالغ أصلية.
وحكى الإمام عن صاحب التقريب وجهاً: أن الجائفة إذا التحمت زال حكمها، ورأى تخصيصه- على ضعفه – بما إذا تعدت الحديدة إلى الجوف، وحصل الخرق من غير زوال لحم من البين، دون ما إذا شيء، ونبت [شيء] جديد، ورأى طرده في مثلها في الموضحة.
ثم حالة الإياس من الإنبات في السن: [أن ينتهي] الصبي إلى سن يقول أهل الخبرة فيه: إنه لا ينبت بعد ذلك.
ولو مات الصبي قبل بلوغ ذلك السن، لم يجب القصاص، وفي وجوب الأرش خلاف يأتي.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين: أحدهما: أنه إذا قلع سن من قد أثغر – أنه يجب القصاص في الحال، و [قد] حكى عن الشيخ أبي حامد أنه قال في ذلك: يسأل أهل الخبرة أيضاً؛ فإن قالوا: لا تعود؛ وجب القود [في الحال]، وإن قالوا: يرجى عودها إلى مدة؛ انتظرت.
وهذا ما ذكره في المهذب، لكن أكثر الأصحاب على ما أفهمه كلام الشيخ.

الثاني: إذا قلع سن كبير لم يثغر أنه [لا يجوز] القصاص في الحل.
وقياس قول الشيخ أبي حامد في المسألة السابقة، أنه لا قصاص إلا بعد مراجعة أهل الخبرة؛ وهو قضية ما حكاه الرافعي؛ حيث قال: إذا قلع غير مثغور سن غير مثغور فلا قصاص في الحال؛ لأن الغالب في السن المقلوعة النبات؛ فإن نبتت فلا قصاص ولا دية؛ وإن لم تنبت وقد دخل عليه وقته؛ فالمجني عليه يأخذ الأرش أو يقتص، وعلى هذا يكون ذكر الصبي لا للتقييد؛ بل لأن الغالب أن السن الذي لم يثغر: سن الصبي.
فرع: إذا اقتص من الجاني بقلعه سن من قد اتَّغَر، أو أخذ منه الأرش، فعاد سن المجني عليه؛ فقولان منصوصان جاريان فيما لو قطع لسانه فنبت: أحدهما: أنه نعمة مجددة، وهذا هو الأصح في مجموع المحاملي، وقد قيل: بالقطع به في اللسان، فعلى هذا: يرجع الجاني على المجني عليه بأرش السن خمس من الإبل.
وعن رواية أبي الطيب بن سلمة: أنه لا يطالب في صورة الاقتصاص بشيء؛ بخلاف أخذ الأرش، فإن أخذ الأرش المدفوع ممكن؛ بخلاف القصاص.
ولو انعكس الحال؛ فعاد سن الجاني، دون المجني عليه، فعلى الأول: لا شيء عليه، وعلى الثاني وجهان: أحدهما: يقلع ثانياً، وكلما عاد قلع؛ لأن الجاني أعدم نبات [سن] المجني عليه؛ فوجب أن يفعل به مثل ذلك.
والثاني: لا يقلع، وعلى هذا فوجان حكاهما الماوردي: أحدهما-وبه جزم أبو الطيب والمحاملي-: أنه يؤخذ منه أرش السن، وهو خمس من الإبل.
والثاني: [لا يؤخذ بالدية]؛ كما لا يؤخذ بالقصاص.

ولو عاد سن الجاني والمجني عليه معاً، فلا شيء لأحدهما على الآخر باتفاق القولين.
تنبيه: يقال للصبي إذا سقطت رواضعه: قد ثغر يثغر؛ فهو مثغور؛ كضرب يضرب فهو مضروب، فإذا نبتت بعد ذلك قيل: اتَّغر، بتشديد التاء ثالثة الحروف، وأصله: اثتغر؛ فقلبت التاء تاء، ثم أدغمت، وحينئذ يكون قول الشيخ: لم يثغر، بمثناة، آخر الحروف مضمومة، ثم مثلثة ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة.
قال: وإن وجب له القصاص في العينين بالقلعن لم يمكَّن من الاستيفاء؛ [لأنه] لا يحسنه [لعماه] وعدم بصره بهما، بل يؤمر بالتوكيل فيه؛ لأن به يحصل مقصوده من غير حيف.
ولو كان قصاصه واجباً في عين واحدة، وهو يبصر بالأخرى - مكِّن [من الاستيفاء؛ إن كان يحسنه]، صرح به الماوردي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهم.
قال: ويقلع بالأصبع؛ لأنه يأتي على ما لا يأتي عليه الحديد؛ فتقع المماثلة.
وقيل: يقلع بالحديد.
ومحل ذلك: إذا كان الجني قد قلع بالأصبع، أما إذا كان قد قلع بالحديد، لم يقلع إلا به.
قال: وإن كان [قد] لطمه [حتى] ذهب الضوء؛ أي: ضوء العينين، ومثل تلك اللطمة تذهبه - فعل به مثل ذلك؛ طلباً للمماثلة، وهذا ما حكى عن نص الشافعي في الأم، ونسبه في المهذب لبعض الأصحاب، وقال: يحتمل عندي ألا يقتص باللطمة؛ كما لا يقتص إذا هشمه؛ فذهب ضوء عينه بالهاشمة، وأنه لا اقتصاص في اللطمة كما لا اقتصاص في الهاشمة.
وقد أقام البغوي هذا الاحتمال وجهاً، وقال: إنه الأصح.
أما إذا ذهب ضوء إحدى عينيه فلا يمكن أن يفعل به مثل ما فعل؛ لأنه ربما

أذهب عينيه جميعاً، وربما زال عقله؛ فيكون قد أتلف [منه] أكثر مما جنى عليه، وعلى هذا يكون الحكم كما سنذكره.
قال: فإن لم يذهب [الضوء]، وأمكن أن يذهب [الضوء] من غير أن يمس الحدقة، أي: مثل أن يوضع في العين كافور أو يقرب منها حديدة مُحمَاة ونحو ذلك- فعل ذلك؛ لإمكان استيفاء الحق من غير حيف.
قال: وإن لم يمكن، أي: إلا بإذهاب الحدقة، اخذت الدية؛ لتعذر القصاص؛ وهكذا الحكم فيما إذا شخصت عين المجني عليه باللطمة، مع ذهاب ضوئها، ولم تشخص عين الجاني باللطمة المستوفاة؛ فإنها تعالج بما يفضي إلى شخوصها إن أمكن، وإن لم يمكن قال البندنيجي: فلا ضمان فيه ولا قود.
قال: وإن وجب له القصاص في اليمين، فقال: أخرج يمينك، أي: لأقطعها؛ فأخرج اليسار عمداً؛ فقطعها – لم تجزئه عما عليه؛ لأنه لا يجوز أن يعتاض عن [طرف] طرفاً بالتراضي، كما لا يجوز قتل شخص عوضاً [عن] شخص؛ فعند عدم التراضي أولى.
قال: غير أنه لا يقتص منه في اليمين حتى تندمل المقطوعة.
هذا الفصل يقتضي أمرين: أحدهما: أن قصاصه في اليمين لا يسقط؛ وهو كذلك، إذا لم يقصد أخذ اليسار عنه؛ لأنه لم يرض بإسقاطه، أما إذا قصد ذلك: فإن علم أنها اليسرى، قال في الحاوي: سقط قصاصه من اليمنى، وإن قال: ظننتها اليمنى؛ ففي سقوط قصاصه وجهان يأتي مثلهما من بعد، واجراهما الرافعي وغيره فيما إذا علم أنها اليسرى، وظن أنها تجزئ عن اليمنى، وقال: إن أظهرهما وهو المذكور في

المهذب، ومختار أبي حامد، والقاضي الحسين، على ما حكاه الإمام، وقد رأيته في تعليقه: أنه يسقط؛ لأنا إذا جعلنا مجرد الإخراج مع قصد الإباحة كالتصريح [بالإباحة، لم يبعد أن يجعل قطع اليسار على قصد الاكتفاء بها كالتصريح] بإسقاط القصاص في اليمنى.
وقد أبدى الإمام احتمالاً لنفسه، وجزم به: ان الخلاف يجري فيما إذا علم القاطع أنها لا تجزئ عن اليمنى، ثم قال: ولو قلت [بأن هذه] الصورة أولى بأن [يسقط القصاص فيها؛ بأن] يحمل ما صدر من القاطع على [معاملة فاسدة]؛ لكان قريباً؛ فإنه لم يجر في الصورة المتقدمة إلا الظن، وقد تبين أنه مخالف للشرع، والذي جزم به القاضي الحسين في هذه الصورة: عدم السقوط.
الثاني – وهو ظاهر اللفظ -: أنه لا يقتص منه في اليمين حتى تندمل المقطوعة؛ لأن القصد أخذ الطرف، دون إتلاف النفس، والموالاة لا يؤمن معها على النفس؛ كذا وجهه الأصحاب.
ومقتضى هذا التوجيه أن يُقال: إذا وجب له القصاص في حر، أو برد شديدين، أو بالجاني مرض مُحْظَر: انه لا يستوفي [منه] في هذه الأحوال؛ خشية من إذهاب النفس؛ كما قلنا بذلك في الحد لهذا المعنى، وقد صرح بذلك صاحب جمع الجوامع، حكاية عن نص الشافعي – رضي الله عنه – في الأم.
لكن الذي جزم به الغزالي والبغوي أنه لا يؤخر بسبب ذلك في مسألة الكتاب، وإن أُخِّرَ في الحدود؛ لأن حقوق الله – تعالى – مبنية على المساهلة والمسامحة، بخلاف حقوق الآدميين، وخشية الهلاك في مسألتنا جاءت

بسبب تعدي المستحق؛ فغلظ عليه بتأخير حقه، بخلاف ما إذا توقعت بسبب حرّ ونحوه؛ فإنه لا تعدي منه حتى يكون مانعاً من حقه؛ ألا ترى أنه لو وجب القصاص في أطراف الجاني جاز له الموالاة في قطعها، وإن خشي من ذلك تلف النفس؛ لما ذكرناه.
على أن في مسألة الكتاب قولاً مخرجاً حكاه الإمام: أنه لا يمنع [من استيفاء حقّه في اليمين عاجلاً، وفي مسألة قطع الأطراف وجه: أنه يمنع] من التوالي فيها كما في مسألة الكتاب على النص، وقال الإمام: إن هذا لا أصل له.
ووجه آخر، وبه أجاب القاضي الحسين في التعليق: أنه يجوز عند قطع الجاني أعضاء المجني عليه متوالية، أو دفعة واحدة، ولا يجوز عند قطعها متفرقة.
وقد طرد القاضي أصله، فيما إذا قطع يمين زيد، ثم يسار عمرو، وقال: إنه لا يقطع للمتأخر حتى يندمل القطع المتقدم.
وقال فيما إذا قطعهما معاً: إنه يقرع بينهما، فمن خرجت قرعته، قطع له، ثم يترك حتى يندمل، ثم يقطع.
ثم لا يخفى أن القاطع لليسار لا يجب عليه قصاص ولا دية، وإن كان عالماً بالحال، كما حكى عن نص الشافعي؛ لأن صاحبها بذلها مجاناً، وإن لم يتلفظ بالإباحة؛ كما قلنا في تقديم الطعام للضيف.
قال الإمام: وقد حكى وجه ضعيف: أن الضيف لا يستبيح الطعام بالتقديم، بل لابد من لفظ يدل على الإباحة، والقياس أن يطرد هاهنا، ويقول: يجب الضمان؛ يعني: الدية، وقد حكى ذلك عن رواية أبي الحسين بن القطان، وأنه حمل نص الشافعي على ما إذا أذن صريحاً، لكن الإمام لم يعده من المذهب، وقال: ينبغي أن يستدل بمواضع الوفاق على فساد [المواضع الضعيفة، ولا يتعرض بالوجوه الضعيفة على مواضع الوفاق].
وقد روى عن أبي الطيب بن سلمة أنه قال: يحتمل أن يجب القصاص عند العلم؛ لأنه قطع عضواً لا حق له فيه عن علم بالحال، وهذا الاحتمال نشأ من أمرين:

أحدهما: اعتقاد أن الإخراج ليس بإباحة.
والثاني: أن سكوت الإنسان عند إقدام ظالم على قطع عضوه لا يسقط القصاص عنه؛ كما حكيناه من قبل.
والظاهر المشهور في مسألتنا-الأول: نعم، لو سرى [قطع اليسار] إلى النفس، قال الرافعي: ففي وجوب الدية الخلاف المذكور فيما إذا قال: اقتلني فقتله، وكان الأولى في العبارة أن يُقال: فهو كما لو قال لرجل: اقطع يدي؛ فقطعها، وسرت؛ لأنه وزان المسألة، وإن كان الحكم في المسألتين [واحدا]، وقد ذكرنا من قبل فيما إذا قال: اقطع يدي فسرى القطع إلى النفس – وجوب القصاص على وجه، ويظهر جريان مثله هاهنا من طريق الأولى.
ثم إذا لم نوجب الدية هاهنا، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي؛ فكأن المخرج هو القاتل لنفسه، وحينئذ تجب له دية اليمين، ويكون في وجوب الكفارة في ماله الخلاف الآتي، وقد صرح المحاملي بالأول، والإمام بالثاني.
قال: وإن قال: فعلت ذلك غلطاً، أي: بسبب ما حصل لي من الدهش، أو ظناً أنه يجزئ، أو ظننت أنه طلب مني اليسار – نظر في المقتص: فإن قطع وهو جاهل، أي: بأنها اليسار أو بأنها لا تجزئ- فلا قصاص عليه؛ لجهله، وبذل صاحبها.
وحكى صاحب التهذيب في حالة جهل القاطع بأنها اليسار، وقول المخرج: فعلت ذلك ظناً أنه يجزئ- وجهاً: أنه يجب القصاص؛ كما لو قتل إنساناً، وقال: ظننته قاتل أبي.
وحكاه القاضي الحسين، والإمام – بناء على هذا الأصل-[أبداه احتمالاً] فيما إذا قال المخرج: فعلت ذلك غلطاً بسبب الدهش.
وهذا منهم؛ بناء على اعتقادهم أنه إذا قال: تعمدت القطع – أنه يجب القصاص، كما سنذكره عنهم.
ويمكن أن يفرق بين قتل من ظنه قاتل أبيه، وبني ما نحن فيه؛ بأن المخرج

هاهنا مقصر؛ حيث لم يتثبت، و [لم] يفحص عن الحال؛ بخلاف من ظنه قاتل أبيه؛ فإنه لا تقصير من جهته.
وقد حكى الإمام والغزالي في حالة جهل القاطع: بأنها لا تجزئ [وقول المخرج: ظننت أنها تجزئ] عن اليمين – أن العراقيين حكوا عن أبي حفص بن الوكيل وجوب القصاص، وكتبهم ساكتة عنه في هذه الحالة، ومصرحة بحكايته عنه في الحالة التي سنذكرها والله اعلم.
قال: وتجب عليه الدية؛ لأن الباذل بذلها على ان تكون عوضاً عن اليمين، والقاطع قطعها على اعتقاد ذلك؛ فإذا لم يصح العضو، وتلف المعوض، وجب بدله؛ كمن اشترى سلعة بعوض فاسد، وتلف عنده.
قال القاضي أبو الطيب، والمصنف، وغيرهما: وهذا الوجه هو المذهب، وهو ظاهر النص في المختصر فعلى هذا تكون الدية على العاقلة، أو في مال القاطع؟ ينظر: إن كان في صورة الجهل بأنها اليسار، فهي على العاقلة؛ كما صرح به الماوردي.
وإن كان في صورة الجهل بأنها تجزئ؛ فيتجه أن يتخرج على الوجهين فيما إذا قتل قاتل أبيه بعد عفو أخيه، وجهله بتحريم القتل، وقد ذكرناهما من قبل.
وقال الرافعي: إنا إذا أوجبنا دية اليسار، فهي في مال القاطع؛ لأنه قطع متعمداً.
وعن نصه في الأم أنها تجب على العاقلة، ولم يقيد هذا الكلام بصورة.
قال: وقيل: لا تجب؛ لأنه قطعها ببذل صاحبها؛ فكان [كما في الصورة] السابقة.
ثم على الوجهين: هل يسقط قصاصه في اليمين، وتجب له الدية عند جهله بأنها تجزئ، أو لا يسقط، ويستوفيه من بعد؟ فيه الوجهان السابقان، صرح بهما الماوردي، والمذكور منهما في الشامل، ومجموع المحاملي: عدم السقوط.
وهذا إذا لم يسر القطع، أما إذا سرى إلى النفس قال ابن الصباغ: كانت

مضمونة بالدية الكاملة، وقد تعذر قطع اليمين، ووجب له نصف الدية؛ فيتقاصان، ويبقى للجاني نصف الدية لورثته.
وحكى عن الشيخ أبي حامد أنه قال: عندي أنه استوفى حقّه من اليمين بتلفه؛ فسقط حقّه؛ ويجب عليه كمال الدية؛ كما لو كان له القصاص في اليد؛ فقطعها ثم قتله؛ والذي رجحه الأول؛ وهو المذكور في مجموع المحاملي، والبندنيجي.
قال: وإن قطع وهو عالم، أي: بأنها اليسار، وانها لا تجزئ، ولم يقطعها عمّاله – فالمذهب: أنه لا قصاص عليه؛ لأنا أقمنا ذلك مقام الإذن في القطع، وهو لو قال لغيره: اقطع يدي؛ فقطعها – لا قصاص عليه؛ فكذلك هاهنا، فعلى هذا تجب الدية.
وقيل: يجب؛ لتعمده قطع يد محرمة، ويخالف مسألة الإذن في القطع، فإنه إنما أذن هاهنا على أن يكون عوضاً عن اليمين؛ فإذا لم يكن عوضاً؛ فكأن لا إذن؛ بخلاف تلك المسألة؛ فإن الإذن فيها لم يتقيد بحالة، فحمل على عمومه، وهذا قول أبي حفص بن الوكيل.
وقد حكى هذا الخلاف في الصورة المذكورة القاضي أبو الطيب والمحاملي ابن الصباغ؛ ولم يفصلوا بين أن يكون القاطع قصد أخذها عن حقّه، أو لا عن حقّه.
والماوردي جزم فيما إذا أخذها عن حقّه بأنه لا قصاص، وفي الحالة الأخرى – بوجوبه، وإلى ذلك صار الإمام والقاضي الحسين، والبغوي في حالة [قول المخرج: فعلت ذلك غلطاً؛ بسبب الدهش وفي حالة] قوله: فعلت ذلك ظنًّا أنه يجزئ، انفرد القاضي الحسين بالجزم بوجوب القصاص.
ولو قال القاطع عند العلم بأنها اليسار: إنما قطعتها لظني أن المخرج قصد الإباحة، فقد جزم في التهذيب في حالة قول المخرج: غلطت بوجوب القصاص؛ كمن قتل إنساناً، وقال: ظننت أنه أذن لي في القتل.
وقضية ذلك أن يُقال بمثله فيما إذا قال المخرح: ظننت أنه تجزئ عن اليمين، وقال القاطع: إنما قطعت؛ لظني انك أبحتها.

وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً موجهاً لذلك: بأن هذا الظن بعيد، والظنون البعيدة لا تدرأ القصاص، لكن المحكي عن القفال وغيره: انه لا قصاص؛ لان ما يقوله ممكن.
ولو قال القاطع: دهشت؛ فلم أدر ما صنعت، وكان المخرج قد قال ذلك –قال الإمام: لزمه القصاص في اليسار؛ لأن الدهشة السالبة للاختيار لا تليق بحال القاطع.
قال: وإن اختلفا في العلم أي: في علم الباذل بأنها اليسار؛ كما قاله البندنيجي وغيره، وأن قطعها لا يجزئ عن اليمين – فالقول قول الجاني؛ لأنه أعرف بحاله، مع أن الأصل عدم العلم؛ فإن حلف ثبتت له ديتها، وإن نكل فيحلف القاطع انه ما بذلها إلا وهو يعلم أنها [لا تقع] بدلاً عن اليمين، وتكون الجناية هدراً.
قال: وإن تراضيا على أخذ اليسار؛ فقطع – لزمه دية اليسار؛ لأن الصلح لم يصح، فإن القصاص إذا تعلق بمحل لم يجز استيفاء غيره ولو بالتراضي: كقطع اليد عن الرجل، وبالعكس، وقد سقط القصاص؛ لبذل صاحبها إياها؛ فتعين وجوب الدية؛ لأن البذل كان في مقابلة ما عليه؛ فإذا لم يسلم له، وقد فات ما بذله، وجب أن يرجع إلى بدله؛ كما في العقود الفاسدة.
قال: وسقط قصاصه في اليمين؛ لأن عدوله إلى اليسار رضا منه بترك القصاص فيها.
وقيل: لا يسقط؛ لأنه أخذ اليسار، على أن تكون بدلاً عن اليمين؛ فإذا لم يسلم البدل والمبدل قائم بحاله – استحق أخذه؛ فعلى هذا يجيء ما تقدم في قطع اليمين.
وعلى الأول تجب له الدية، وقد وجبت عليه الدية، فإن تساويا تقاصًّا، وإن اختلفا، كيد الرجل، ويد المرأة – تقاصا فيما تساويا فيه، ويردّان الفضل.

قال: وإن كان القصاص على مجنون؛ أي: بأن جني وهو عاقل، ثم جنّ؛ فقال له: اخرج يمينك؛ فأخرج اليسار؛ فقطعها؛ فإن [كان] المقتص عالماً وجب عليه القصاص، وإن كان جاهلاً، وجبت عليه الدية؛ لأن بذل المجنون لا يصح؛ فكان كما لو قطعها بغير بذل، ثم حكم قصاصه في اليمين لا يخفى مما تقدم، والله أعلم.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به: [الفرع الأول]: إذا وجب على سفيه قصاص، وامتنع من له القصاص عن العفو عنه إلا بأكثر من قدر الدية – كان للسفيه بذل ذلك مع مراجعة الولي: فإن أبي الولي ذلك، أو تعذرت مراجعته – استقل السفيه، وإن احتاج إلى بذل ديات.
ولو نهى [السفيه] عن المصالحة، أو سكت عنها، قال الإمام في باب الحرية: الوجه عندنا أن للولي ذلك؛ كما أنه تدارك رمقه – وإن احتاج إلى استيعاب ماله – بطعام يحصله.
ثم قال: وقد يخطر للفقيه: أنه ليس للولي التصرف في دمه، وهو بعيد.
[الفرع الثاني]: إذا جنى حرّ على حرّ جناية توجب القصاص، فصالحه المجني [عليه] على عين عبد، أو ثوب- جاز، وإن لم تكن الدية معلومة لهما؛ فإن تلفت العين قبل القبض، أو ردها بعيب، أو خرجت مستحقة – فلا رجوع إلى القصاص، وبم [يرجع]: هل بقيمة العين، أو بارش الجناية؟ ينبني على أن بدل الصلح عن الدم مضمون ضمان العقد، أو ضمان اليد.
وإن كانت الجناية موجبة للدية؛ فصالح منها على عين، أو اشترى بها عيناً: إما من العاقلة في الخطأ، أو من الجاني في العمد – فيُنظر: إن لم يعلما قدر إبل الدية وأسنانها لم يصح، وإن علما ذلك، ولم يبق إلا الجهل بأوصافها – ففي

صحة ذلك وجهان.
وإذا صح فلو تلف الصالح عليه، أو ردّه بعيب – فالرجوع إلى الأرش قولاً واحداً؛ لأنه يمكن الرجوع إلى المصالح عنه؛ [لأنه مال، وفي الصلح عن القصاص لا يمكن الرجوع إلى المصالح عنه].
[الفرع الثالث]: إذا قتل أحد عبدي الرجل [العبدَ] الآخر عمداً – فللسيد أن يقتص منه؛ فإن أعتقه، لم يسقط عنه القصاص، ولو عفا عنه بعد العتق مطلقاً، لم يثبت المال؛ لأن القتل لم يثبته.
قال صاحب التهذيب في فتاويه: ولا يخرج على أن العفو المطلق هل يوجب المال؟ وإن عفا بعد العتق على مال ثبت [المال].
[الفرع الرابع]: إذا ضرب ثنيته فزلزلها، ثم سقطت بعد ذلك [بأيام] بيجب القصاص؛ وكذا لو ضرب على يده؛ فاضطربت أو تورمت، ثم سقطت بعد أيام] – يجب على الضارب القصاص.

باب من لا تجب عليه الدية بالجناية

لا تجب الدية على الحربي؛ لأنه غير ملتزم لأحكام الإسلام.
ويجيء على قياس قول الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني: إنه يجب عليه القصاص؛ بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة - أن تجب عليه الدية أيضاً.
قال: ولا على السيد في قتل عبده؛ لأنها لو وجبت لوجبت له.
قال: ولا على من قتل حربيًّا أو مرتدًّا؛ لإباحة دمهما وسقوط حرمتهما، ومحل الكلام في المرتد إذا قتله مسلم، أما إذا قتله ذميّ، فقد تقدم الكلام فيه.
وهكذا الحكم فيما [لو جرح أحدهما، أو قطع طرفاً من أطرافه] على المذهب؛ كما يأتي في باب: الديات.
[وفي" الجيلي" حكاية وجه في المرتد: أنه يجب فيه الدية]، وسنذكره في بابه، [إن شاء الله تعالى].
قال: وإن أرسل سهماً على حربيّ، أو مرتد؛ فأسلم، ووقع به السهم؛ فقتله - لزمه دية مسلم؛ لأن حالة الرمي حالة تسبب للجناية، وحالة الإصابة حالة تحقيق الجناية؛ فكان الاعتبار بها أولى؛ لأن الضمان يتعقبها؛ كما نقول في حالة الحفر والإلقاء فيها، وحالة وضع الحجر، والإلقاء عليه.
ولأن استقرار الجناية بحالة الإصابة، دون حالة الرمي؛ فكانت أوْلى بالاعتبار، وشهد له: أنه لو حفر بئراً في الطريق، وهناك حربي، أو مرتد؛ فأسلم،

ووقع فيها؛ فمات – ضمنه، وإن كان عند التسبُّب مهدراً، وهذا هو المنصوص عليه في الأم؛ كما حكاه البندنيجي.
قال: وقيل: لا يلزمه؛ لأنه وجد السبب الداخل تحت الاختيار في حالة كونه مهدراً؛ فأحيل الحكم عليه؛ كما لو جرحه، ثم أسلم، ومات وهذا ما ادعى الرافعي أنه المشهور عن أبي جعفر الترمذي، وقال: إنه هكذا روي عن الداركي، عن أبي محمد الفارسي عنه.
والمراوزة حكوا هذا الوجه، ولم ينسبوه، وصححه الفوراني في مسألة الحربي.
وقال الماوردي: إن أبا علي بن أبي هريرة كاد أن يخرجه في مسألة المرتد، لكن لم يصرح به فيها أحد من أصحابنا، وكأن الفرق بينه وبين مسألة الجرح المقيس عليها – على الصحيح -: أن الجرح الذي هو سبب الضمان وجد حالة الإهدار، والرميُ إنما يتم بالإصابة، وقد حصلت في حالة العصمة.
وفي المسألة وجه ثالث حكاه المصنف، والمحاملي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ بدلاً عن الثاني أنها: تجب للمرتد، دون الحربي؛ لأن إباحة قتل الحربي جائزة لكل أحد، بخلاف قتل المرتد؛ فإن إباحته مختصة بالإمام، ونسبوا هذا الوجه – وكذلك الماوردي- إلى أبي جعفر الترمذي من أصحابنا.
قال القاضي أبو الطيب: وراويه أبو القاسم الداركي، عن أبي محمد الفارسي عنه، وقد حكاه أيضاً المراوزة، ونسبه أبو الفرج الزاز إلى ابن سريج، والقاضي الحسين في تعليقه إلى أبي إسحاق، وقال: إنه قيل له: ما قولك فيما إذا كان الرامي إماماً، على هذه الطريقة؟ فقال: لا نوجب الضمان.
وهكذا أورده صاحب التهذيب، ثم قال: ولكن للإمام في قتل المرتد ضربة بالسيف صبراً، دون أن يرشقه بالنشاب؛ فالرمي إليه ضرب من المثلة، وهو غير سائغ.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل