كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ولو شككنا في رجولته بأن كان خنثى مشكلا وقف أمره.
إذا وقع سلاحنا في أيديهم جاز أن يفادي المشرك به، ولا يجوز إذا وقع سلاحهم في أيدينا أن نعيده إليهم بمال، وهل يجوز بمن أسر من المسلمين؟ فيه وجهان في "التهذيب".
إذا قتل مسلم الأسير قبل أن يختار [الإمام] خصلة لم يجب عليه سوى التعزير، وكذا إذا قتله بعد أن اختار قتله، ولو قتله بعد الاسترقاق ضمن قيمته، وتكون [قيمته] غنيمة للمسلمين.
وإن قتله بعد المن: فإن كان قبل وصوله إلى مأمنه ضمن ديته لأهله، وإن كان بعد وصوله إليهم فلا شيء عليه.
ولو قتله بعد المفاداة على مال أو أسرى: فإن كان القتل قبل فدائه ضمن ديته وتكون غنيمة، وإن كان بعد [فدائه وقبل إطلاقه ضمن ديته لورثته، وإن كان بعد] قبض فدائه وإطلاقه إلى مأمنه فلا ضمان؛ لعوده إلى ما كان عليه قبل أسره.
قال: فإن استرقه وكان له زوجة انفسخ نكاحها؛ لأنه رق طرأ على أحد الزوجين فانفسخ به النكاح كما إذا طرأ على الزوجة، وقبل استرقاقه لا ينفسخ إذا بقيت في دار الحرب؛ لأن العلة حدوث الرق ولم يوجد بعد.
فرع: إذا كان عليه دين فهل يسقط باسترقاقه؟ قال الأصحاب: إن كان لمسلم فالظاهر من المذهب: لا، وحكى الإمام عن الخلافيين أنهم شببوا بسقوطه كمذهب أبي حنيفة؛ لأنه انقلب عما كان [عليه] حتى كأنه عدم ثم وجد، قال: وهذا [لا] يلتحق بالمذهب، والمقطوع به الأول، ولو كان لحربي سقط، وللإمام احتمال فيه على الصحيح في الأولى إذا غنم دون ماله كان حق المسلم باقياً في عين ماله، حتى لو ظفر به المسلمون قضى منه حقه.
ولو غنم المال أولا أو غنم المال معه، وكان المغنوم امرأة أو صبياً، أو وقع غنم المال حال ضرب الإمام الرق [على] البالغ – بقي الدين في ذمته يتبع به
إذا عتق، ولا يقضي من عين المال؛ لتعلق حق الغانمين بعينه، وتعلق حقه بالذمة.
وفي "التهذيب" الجزم فيما إذا غنما معا: أنه يقدم الدين كما يقدم على حقوق الورثة، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، وأشار [إليه] الغزالي بقوله: ولا يقضي من عين المال على الظاهر.
وهل يحل الدين المؤجل بالاسترقاق؟ فيه وجهان مرتبان على حلوله بالفلس، وأولى بالحلول؛ لأن الرق يزيل الملك كالموت، بخلاف الحجر، ومال الذمي فيما ذكرناه كمال المسلم، قاله الإمام.
قال: وإن أسلم في الأسر سقط قتله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ... " الحديث.
قال: وبقي الخيار في الباقي في أحد القولين؛ لأن سقوط الخيار في أحد الأشياء – وهو القتل هاهنا- لا يوجب سقوطه في الباقي؛ كالكفارة إذا سقط خياره في العتق لتعذر لم يسقط خياره فيما عداه.
وهذا ما نص عليه في كتاب الأسرى والغلول، وقال أبو الطيب: إنه المشهور من المذهب.
وهو أصح في "النهاية"، و [في] "الحاوي"، وعند النواوي، وحكى الفوراني طريقة قاطعة به، وعلى هذا لا يجوز أن يفادي به إلا أن يكون له عشيرة يأمن معها على دينه ونفسه.
[قال:] ويرق في الآخر، [أي]: بنفس الإسلام؛ لأنه أسر حرم قتله فرق بالأسر كالصبي والمرأة، ولأنه لو جاز أن يفادي به لأدى إلى أن يرد المسلم إلى دار الحرب.
[وهذا ظاهر النص في "المختصر"].
والقائلون بالأول ردوا ذلك بما ذكرناه من حديث عمران بن الحصين، وفرقوا
[بينه و] بين الصبيان والنسوان بأن الإمام لم يكن مخيراً فيهم في الأصل، بخلاف ما نحن فيه.
وفي "الوجيز" ما يقتضي جريان خلاف في جواز الاسترقاق بعد الإسلام؛ لأنه قال فيما إذا نزل أهل قلعة على حكم حاكم: لو أسلم واحد منهم قبل الإرقاق ففي جواز إرقاقه وجهان، وكذا الخلاف في كل كافر لا يرق بنفس الأسر إذا أسلم قبل الإرقاق.
قال الرافعي: وهذا لا ذكر له في كلام الأصحاب، إنما الكلام في أنه هل يرق بنفس الإسلام أو لا يرق؟
فرع: هل يقوم بذل الأسير الجزية وطلب عقد الذمة – إذا كان ممن يجوز عقدها معه – مقام الإسلام في تحريم القتل؟ فيه قولان في "التهذيب"، ووجهان في "الحاوي" عن رواية ابن أبي هريرة:
[فإن قلنا بالمنع، بقي الإمام على خيرته كما كان.
وإن قلنا بتحريم القتل – وهو ما حكاه القاضي الحسين عن النص في "المختصر"، وقال الرافعي في كتاب عقد الذمة: إنه الأولى – ففي "الحاوي": أنه يبقى على خيرته – فيما عدا القتل – وجها واحداً، بخلاف المسلم في أحد القولين؛ لأن بقاء الكفر يوجب بقاء حكمه.
وقال في "التهذيب": على هذا القول، هل يجوز استرقاقه؟ فيه وجهان]، قال الفوراني: إنهما مبنيان على ما إذا حاصر حصنا، وليس فيه إلا النساء، وبذلوا الجزية، فهل يجب قبول ذلك؟ فيه قولان، ووجه البناء: أن الأسير خرج بالأسر عن أن يكون من أهل الجزية كالمرأة، فإذا بذل الجزية، هل ينتفي إرقاقه؟ وهذا البناء نسبه الإمام إلى القفال.
ثم أصح الوجهين عند البغوي: الجواز، وعلى مقابله يتعين عقد الذمة له ويطلق، وهذا ما حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب"، وأنه زيفه، والفرق
على هذا بينه وبين من أسلم؛ حيث لا يمنع رقه قطعا: أن الجزية من آثار الكفر، فإذا عقدنا له الذمة لم نخله عن صغار الكفر، ولو خلينا المسلم حتما لكان الإسلام محبطاً لآثار الأسر بالكلية، وهذا لا سبيل إليه.
ثم إذا قلنا بالصحيح، فلو أراد الإمام أن يمن عليه لمصلحة رآها – فعل، وإن أراد مفاداته، وهو لا يبغيها، ويأبي إلا الجزية وقبولها – قال الإمام: فلا سبيل إلى إجباره؛ فإن الكلام لا ينتظم؛ فإنه لا يجبر عليها إلا بالقتل، وهذا عود إلى القتل الذي حكمنا بسقوطه، فتعين – حينئذ- قبول الجزية منه، فإن قيل: هذا عين الوجه الذي نقله صاحب "التقريب"، قيل: [إن] الفرق [بينهما]: أن ذلك الوجه يرى إسعاف باذل الجزية، وإن كان الصلاح في إرقاقه، ونحن نقول: إن [كان] الصلاح في إرقاقه، [أرقه] ونفذ الرق عليه قهرا.
قال: وإن غرر بنفسه في أسره؛ فقتله الإمام أو من عليه – ففي سلبه قولان:
أحدهما: أنه [لمن] أسره؛ لأن المخاطرة بالروح فيه أكبر منها في القتل، وهذا أظهر وأصح عند القاضي الحسين، والشيخ أبي حامد، والقفال، ولم يورد الفوراني سواء.
والثاني: ليس له؛ لأنه جعل للقاتل، أو لمن مهد سبيه الإثخان ونحوه، ولم يوجد شيء من ذلك، وهذا مذكور في "الأم".
قال: وإن استرقه أو فاداه بمال، فهل يستحق من أسره رقبته أو المال المفادي به؟ فيه قولان، ووجههما: أنه مال حصل بسبب تغريره؛ فكان فيه قولان كالسلب، وهما – في "تعليق" القاضي الحسين و"الشامل" – مبنيان على القولين السابقين، وقضية البناء: أن يكون الظاهر عند القاضي أن الرقبة والمال للآسر، وعلى ذلك جرى الجيلي.
لكن الذي صححه النواوي مقابله، وهو ما قال الرافعي: إنه يشبه أن يكون
الأظهر، وفي "النهاية": أن الأوجه أنه يستحق السلب والرقبة إذا رقت، وأن الأظهر: أنه لا يستحق المال المفادى به؛ لأنه لم يسلبه، ولا هو عين المأسور.
وكلام الشيخ في "المهذب" يدل على أن القولين في الرقبة والمال [المفادى به] مفرعان على قولنا: إنه يستحق السلب.
وعلى هذا جرى الفوراني؛ حيث جزم بأن السلب له، وفي رقبته القولان، فإن قلنا بأن ذلك يكون للآسر، فيجيء في تخميسه الخلاف السابق في تخميس السلب.
قال الإمام: ولو اتفق الأسر من جميع الجند، فرقاب المأسورين مغنومة مردودة إلى المغنم، وإنه لو قال قائل: إذا رأينا صرف رقبة المأسور – وقد أرق – إلى الآسر، ثم رأينا عدم تخميس السلب؛ فينبغي ألا تخمس الرقاب – لم يكن ذلك بعيدا، لكن [الظاهر] التخميس؛ فإن التخصيص إنما صادفناه عند اختصاص بعض رجال القتال بوجه العناء، ولم يوجد.
قال: وإن حاصر قلعة، فنزل أهلها على حكم حاكم – جاز؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيظَةَ، رَضُوا بَأنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ ظَنَّا مِنْهُمْ أَنَّهُ يَمِيلُ إِلَيهِمْ؛ لأنَّ أُمَّةُ كَانَتْ مِنْ بَنِي قُرَيظَةَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِياتِيَهُ وَكَانَ مُثْخَناً، فَلَمَّا بَلَغَهُ الأَمْرُ، قَالَ: لَقَدْ حَانَ لِسَعْدِ أَلاَّ تَاخُذَهُ فِي اللهِ لَوْمَةٌ لاَئِمٍ، وَرَكِبَ حِمَاراً، وَأَتَى، فَلَمَّا بَدَا لِكُفَّارِ بَنِي قُرَيظَةَ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ"، فَقَامُوا نَحْوَهُ، فَقَالَ: رَضِيتُمْ بِحُكْمِي؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَرَضِيتُمْ بِحُكْمِي فَقَالَ: حَكَمْتُ بِقَتْلِ مُقاتِلِيهِم، وَسَبْيِ ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، [وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ]، فكان يكشف عن مؤتزرهم؛ فمن أنبت قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعةٍ" أي: سماوات؛ لأن السماء تسمى رقيعا؛ لأنها مرقعة بالنجوم، وتقول العرب: ما تحت الرقيع أرفع من فلان، قال أبو الطيب: ويعنون السماء.
وقتل منهم يومئذ زهاء من ستمائة، وكانوا مكتوفين مكبين على وجوههم.
قال: ويجب أن يكون الحاكم حرًّا مسلما ثقة، من أهل الاجتهاد؛ لأنها ولاية حكم، فشرط فيها هذه الصفات كولاية القضاء، وقد اشتمل كلام الشيخ على اعتبار سبع شرائط صرح بها الماوردي وابن الصباغ وغيرها:
الحرية والإسلام والعدالة، وهي مأخوذة من قوله: حرا مسلماً ثقة، ومن هذا اللفظ يؤخذ اعتبار الذكورية أيضاً.
والثلاثة الباقية – وهي: البلوغ، والعقل، والعلم – تؤخذ من قوله: من أهل الاجتهاد، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن يكون المعتبر من استجمعت شرائط الفتوى فيه، وعليه ينطبق قول ابن الصباغ: إنه يعتبر فيه من الشرائط ما نعتبره في الحاكم، إلا كونه بصيراً.
وحكى الإمام أن العراقيين قالوا: ينبغي أن يكون مجتهداً، وما أظنهم شرطوا أوصاف الاجتهاد المعتبرة في المفتي، فإن عنوا بالاجتهاد: التهدي إلى طلب الصلاح، والنظر للمسلمين، فهذا لابد منه، وإن أرادوا استجماع شرائط الفتوى، فهذا غلط غير معتد به؛ ولأجل ذلك قال الغزالي ومن بعده: يعتبر فيه أن يكون عارفاً بمصالح القتال، فلو أخل بشرط مما ذكرناه لم يصح حكمه، لكن يردون إلى مأمنهم.
ولا يضر كونه أعمى وإن ضر في ولاية القضاء على المذهب؛ لأنه هاهنا يحكم بما اشتهرت به أحوالهم، وتظاهرت به أخبارهم، فاستوى فيه الأعمى والبصير، كما استويا في الشهادة بالاستفاضة.
وكذا يجوز أن ينزلوا على حكم اثنين؛ لأن اجتهادهما أقوى، فإن اتفقا فذاك، وإن اختلفا لم ينفذ حكمهما، وردوا إلى القلعة، إلا أن يتفقوا على حكم غيرهما.
ويجوز أن ينزلوا على حكم من لم يتعين في الحال إذا شرط تعيينه للمسلمين، أو لهم وللمسلمين في ثاني الحال، دون ما إذا شرط تعيينه للكفار خاصة، قال
في "المرشد": إلا أن يشترطوا فيمن يعينونه الصفات التي ذكرناها؛ فيجوز، وكذا هو في "الرافعي".
ولو صولحوا على تحكيم أسير في أيديهم، قال الماوردي: فإن كان في وقت اختيار التحكيم أسيراً، لم يصح، وإن كان قد أطلق قبل تحكيمه كرهناه وصحن وكذا لو عقد الصلح على تحكيم رجل قد أسلم منهم قبل الصلح، يصح ويكره.
قال: ولا يحكم إلا بما فيه الحظ للمسلمين من القتل والاسترقاق والمن والفداء؛ ليعلو الإسلام على الشرك، حكى الروياني: أنه لا ينفذ حكمه بالمن على جميعهم، واستغربه.
ويجوز أن يحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم، كما فعل سعد بن معاذ، وتكون أموالهم غنيمة.
ويجوز أن يحكم باسترقاق من أسلم منهم، وقتل من أقام على الكفر، وهذا في حق المقاتلة، أما غيرهم من النسوان والصبيان والمجانين، فالتخيير فيهم يكون بين المن والاسترقاق، فإن اختار الاسترقاق لمي كن له بعد المن إلا برضا الغانمين، كما فعله – عليه السلام – حين جاءه وفد هوازن، فلم يترك لهم سبيهم حتى استطاب قلوب الغانمين، وأخبره عرفاؤهم بإذنهم، صرح به الماوردي وغيره، والحديث أخرجه البخاري وأبو داود.
قال: وإن حكم بعقد الذمة لم يلزم؛ لأنه عقد معاوضة فلم يجز بدون الرضا، وهذا ما جزم به الماوردي، وهو الأصح في "الجيلي"، فعلى هذا: لو رضوا بعقدها، لزم الصلح، وإن امتنعوا بلغوا المأمن.
وقيل: يلزم؛ لأنهم نزلوا راضين بحكمه، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد"، وقال الرافعي: إن الميل إليه أكثر، فعلى هذا: إن تابوا كانوا بمثابة أهل
الذمة إذا التزموا الدية، ثم امتنعوا عن أدائها، وسيأتي حكمهم إن شاء الله تعالى، قاله الإمام وغيره.
قال الرافعي: وقد أجري الوجهان فيما إذا حكم بالمفاداة.
قال: وإن حكم بقتل الرجال، ورأى الإمام أن يمن عليهم – جاز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهب لثابت الأنصاري الزبير بن باطا اليهودي وذريته وماله، بعد أن حكم سعد بقتل الرجال من بني قريظة، وسبي ذراريهم، وأخذ أموالهم.
وهكذا لو رأى الحاكم أن يمن عليهم، جاز كما قاله في "المهذب".
ولو حكم بالقتل وأخذ المال، فعفا الإمام عن واحد منهم وماله – جاز؛ لحديث ثابت، صرح به ابن الصباغ.
ولو أراد الإمام أن يسترق من حكم بقتله، قال في "المهذب" و"التهذيب": لم يجز؛ لأنه [لم] ينزل على هذا الشرط.
وهذا ما حكى عن الصيدلاني، وحكى الإمام معه وجهاً آخر: أنه يجوز؛ لأنه دون القتل، والإمام لا يزيد على حكم الحاكم، وله أن ينقص عنه إذا رأى فيه المصلحة.
قال: وإن نزلوا على حكم حاكم، فأسلموا قبل أن يحكم بشيء – عصم، أي: الإسلام دماءهم وأموالهم، وحرم سبيهم؛ لما ذكرناه من خبر ابني سعية.
قال: وإن أسلموا بعد الحكم، أي: بقتل الرجال وسبي الذراري وأخذ الأموال، كما صوره أبو الطيب – سقط القتل؛ لزوال سببه، هو الكفر، وبقي الباقي؛ لأنه لا ينافي الإسلام كما ذكرناه في الأسير ولأنه متعلق بحقوق المسلمين؛ فلا يجوز إبطاله عليهم.
ويجوز أن يكون مراد الشيخ: سقط القتل إن كان قد حكم به، وبقي الباقي إن كان المحكوم به غير القتل؛ لما ذكرناه، وكذا صور الجيلي، وعلى هذا: إن كان المحكوم به القتل، فقد قلنا: إنه سقطن قال ابن الصباغ والروياني وغيرهما:
وليس للإمام أن يسترقه.
وقال الإمام: إن هذا بناء على منع استرقاقه مع بقائه على الكفر كما ذكرناه، أما إذا قلنا بجواز استرقاقه مع بقاء الكفر فهاهنا يجوز [له] أن يسترقه، وإن حكم بالاسترقاق، فإن أرقه قبل إسلامه فلا كلام، وإن أسلم قبل أن يرق، فكلام الشيخ يقتضي بقاءه، وهو الأشبه في "الرافعي" وفي "الوسيط"، أما إذا قلنا: الاسترقاق فوق القتل، لم يجز استرقاقه.
ثم محل بقاء حكم المفاداة إذا كان له عشيرة [يأمن] معها على نفسه ودينه كما ذكرناه في الأسير.
قال: وإن مات الحاكم قبل الحكم ردوا إلى القلعة، أي: إن لم يتفقوا على حاكم غيره؛ لأنه لا يجوز تحكيم غيره لعدم الرضا به، ولا يجوز اغتيالهم؛ لأنهم نزلوا على أمان؛ فتعين درهم إلى مأمنهم وهي القلعة.
فرع: لو صالح زعيم القلعة على أمان مائة نفس منهم، صح الأمان للحاجة، ويعين الزعيم مائة، فإن عد مائة وأغفل نفسه جاز قتله.
روي أن أبا موسى الأشعري – رضي الله عنه – حاصر مدينة السوس فصالحه دهقانها على أن يؤمن مائة رجل من أهلها، فقال أبو موسى: إني لأرجو أن يخدعه الله عن نفسه، فلما عينهم قال له أبو موسى: أفرغت؟ قال: نعم، فأمنهم وأمر بقتل الدهقان، فقال: أتغدرني وقد أمنتني؟! فقال: أمنت العدة التي سميت، [ولم تسم] نفسك.
قال: ويجوز لأمير الجيش أن يشترط للبدأة والرجعة ما رأى على قدر عملهم.
البدأة –بفتح الباء وإسكان الدال وبعدها همزة -: السرية الأولى التي ينفذها الحاكم على الجيش أول ما يدخل بلاد العدو.
والرجعة – بفتح الراء – السرية الثانية التي ينفذها بعد رجوع الأولى.
وقيل: البدأة: ابتداء السفر، والمراد بها السرية التي يبعثها متولي الجيش قبل دخوله دار الحرب مقدمة له، والرجعة: التي يأمرها بالرجوع بعد توجه الجيش إلى دار الإسلام.
وهذا ما أورده الإمام، وقال الرافعي: إنه المشهور، ووجه ما ذكره الشيخ: ما روى أبو داود بإسناده عن حبيب بن سلمة الفهري قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم [نَفَلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ والثلث فِي الرَّجْعَةِ، وروي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم] كَانَ ينفل فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ.
وفاضل بينهم؛ لأنهم في البدأة مستريحون لم يطل بهم السفر والكفار في غفلة، والإمام [من] ورائهم يستظهرون به، وكل ذلك في الرجعة بخلافه، قال الإمام: وقد يكون الأمر على العكس بأن يقدر الكفار على أهبتهم في الابتداء؛ فتعظم مصادمتهم، ويقدرون مفلولين في الانتهاء؛ فيسهل الكر عليهم.
ولا يتقدر النفل بالثلث والربع؛ لأن ما فعله [رسول الله] صلى الله عليه وسلم كان اتفاقاً لرأي رآه [في] ذلك الوقت لا تقديرا، فرجع فيه إلى رأي الإمام كما تقتضيه المصلحة حتى يجوز له أن يجعل للبدأة أكثر مما يجعل للرجعة إذا مست الحاجة إليه.
قال: من خمس الخمس، أي: الحاصل عند الإمام، أو من الذي يحصل من
المشركين على حسب ما تقتضيه المصلحة، ووجهه: ما روى أبو الزناد عن سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من [خمس] الخمس، ولأنه سهم المصالح وهذا من المصالح.
والنفل: بالتحريك والتخفيف كما قاله المحاملي، وسمي بذلك؛ لأنه زيادة على السهم الراتب، كما سميت صلاة التطوع نافلة؛ لأنها زيادة على الصلاة الراتبة، ثم هل يشترط أن يكون ما يشترطه معلوما؟
قال الأصحاب: إن كان من المال الحاصل عند المسلمين فلابد من معرفته؛ للقدرة عليه، وإن كان من المال الذي يؤخذ من المشركين جاز أن يكون مجهولاً لكن مقدراً بالجزية كالثلث والربع، كما ذكرناه من حديث حبيب.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: قد روى ابن عمر أنه – عليه السلام – بعثه في سرية قبل نجد، [فغنموا] إبلاً كثيراً وكانت سهامهم اثني عشر بعيراً، [أو أحد عشر بعيراً] ونفلهم بعيراً بعيراً، وذلك أكثر من خمس الخمس – قيل: يحتمل أمرين:
أحدهما: أن الغنيمة كانت إبلاً وغير إبل، وإنما كان السهم من الإبل اثني عشر بعيراً.
والثاني: أنه يحتمل أن يكون نفل ما زاد على خمس الخمس من بيت المال، [أو من المال] الذي يختص به وهو أربعة أخماس الفيء، وهذا ما أورده العراقيون، والقائل به جعل الثلث والربع في الحديث قدر ثلث سهامهم [وربع سهامهم] من خمس [الخمس]؛ لأن الغنيمة مقسومة على جميع الجيش، ولا يجوز هذا القائل أن يكون ما يجعله للسرية من غير خمس الخمس، حتى [إنه] لو رأى أن يخصصهم بأعيان ما أتوا به غرم لباقي الجند مقدار
النفل من خمس الخمس كما صرح به الإمام، وقد أول آخرون الثلث والربع في الحديث على ثلث خمس الخمس وربعه، ووراؤه – فيما إذا كان النفل من أموال المشركين- قولان أو وجهان، أو قول ووجه حكاهما الرافعي، وكذا الماوردي حيث حكى عن ابن أبي هريرة أنه [قال: "إنه] كالرضخ":
أحدهما: أنه من رأس مال الغنيمة كالسلب ونحوه ثم يقسم الباقي، وينسب هذا إلى رواية القاضي الحسين عن القديم، والقائل به قال: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للبدأة والرجعة ثلث ما غنموا أو ربعه.
وكان يليق أن يذكر في طريقة العراق أيضاً؛ لأن هذا التأويل مذكور في "الشامل" وغيره من كتبهم.
والثاني: أنه من أربعة أخماس الغنيمة، ثم يقسم الباقي منها بين أصحاب النفل وسائر الجيش، والقائل به جعل الثلث والربع في الحديث ثلث أربعة أخماس الغنيمة وربعها، ويشهد له ما خرجه أبو داود وابن ماجه عن حبيب بن سلمة أنه – عليه السلام – كَانَ يُنَفِّلُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وفي رواية لأبي داود عنه: أنه – عليه السلام – كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ.
ومحل جواز النفل إذا دعت غليه الحاجة، وهو أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة، ولهم شوكة؛ [فيشترط ذلك] تحريضاً لهم على القتال، فأما إذا كانوا مستظهرين عليهم فلا حاجة به.
قال الشافعي – رضي الله عنه-: وذلك أن أكثر مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فيها أنفال؛ فعلم أنه إنما فعل ذلك عند الحاجة، ولأنه من سهم المصالح، فلا يدفع إلا عند المصلحة.
ولو فعل بعض الجيش البدأة أو الرجعة من غير أن يشترط لهم الإمام شيئاً لم يستحقوا النفل، صرح به الإمام.
قال: ويجوز أن يشترط، أي الحاكم على الجيش لمن دله على قلعة، أي: للكفار لا يعرفها أو لا يعرف طريقها 0 جعلا، أي: من خمس الخمس الذي في أيدي المسلمين، أو مما يغنمه من القلعة، لأن في ذلك مصلحة للمسلمين، وكذا يجوز اشتراط الجعل لمن دله على طريق قريب من الكفار، أو سهل كثير الماء والعشب، كما صرح به أبو الطيب وغيره.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه اقتضى إيراده ترجيحه: أنه لا يجوز أن يكون المجعول له مسلما؛ لأنه إذا حضر يندب إلى الدلالة أو يؤمر بها، ونسب الجواز إلى قول أبي إسحاق.
قال: فإن كان المجعول له كافراً؛ جاز أن يجعل له جعلا مجهولا، أي: مما يأخذه من القلعة، كقوله: لك ثلث ما تغنمه منها أو ربعه، كما قاله أبو الطيب، أو لك منها جارية سماها له كبنت رئيس القلعة أو جاريته، أو لم يسمها، بل قال: جارية، وأطلق، ونحو ذلك؛ لأنها معاملة مع الكفار جوزت للضرورة فاغتفرت فيها الجهالة، وقد روي أنه – عليه السلام – صالح بني النضير على أن يأخذوا ما يسوقونه من الإبل إلا المال والسلاح، وهذا مجهول وغير مملوك.
وعن ابن كج وجه فيما إذا لم يسم الجارية: أنه لا يجوز، وهو محكي في "تعليق" القاضي الحسين – [أيضاً] – وإيراد الماوردي مائل إليه؛ حيث قال في تصوير المسألة: إذا سمي الجارية، وكذا البندنيجي وأبو الطيب صوراها بما إذا [كان] شرط بنت رئيس القلعة، لكن الذي صححه القاضي الحسين والرافعي: الأول، أما إذا كان الجعل مما في [يد] المسلمين من المال؛ فلا يجوز أن يكون مجهولاً، كما صرح به أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما؛ للقدرة على نفي الجهالة، وهذه المسألة تلقب بمسألة العلج، والعلج: اسم للكافر الفظ الغليظ
الشديد، مأخوذ من المعالجة وهي المجالدة، ومنه قوله – عليه السلام-: "الدعاء والبلاء يعتلجان في الهواء"، أي يضطربان ويتدافعان، فيدفع الدعاء البلاء، وسمي العلاج علاجاً؛ لأنه يدفع الداء.
ولو كان المجعول له مسلماً فيجوز شرط الجعل المعلوم له، وهل يجوز شرط المجهول؟ فيه وجهان حكاهما الفوراني:
أحدهما: وينسب إلى ابن أبي هريرة: أنه لا يجوز؛ لأنه عقد يشتمل على أنواع من الغرر فلا يجوز مثله مع المسلم الملتزم للأحكام، ويخالف الكافر؛ لأنه إنما جاز معه للحاجة؛ فإنه أعرف بطرق قلاعهم غالباً.
وهذا أصح عند القاضي الحسين والإمام، وهو الذي يفهمه كلام الشيخ.
والثاني: أنه يجوز؛ لأنها جعالة يجوز عقدها مع الكافر؛ فجازت مع المسلم كسائر الجعالات، وأيضاً فللعقد تعلق بالكفار فاحتملت فيه الجهالة، وإن جرت مع مسلم كشرط النفل للبدأة والرجعة، وهذا ما قال الرافعي: [إن أصحابنا العراقيين قالوا به] وهو كذلك في كتبهم، وقد يستدل له بما روي أنه – عليه السلام – قال: "مُثِّلَتْ لِيَ الحِيرَةُ، وَأَنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَهَا"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَبْ لِي بِنْتَ بُقَيْلَةَ، فَقَالَ: "هِيَ لَكَ"، فَلَمَّا فَتَحَهَا أَصْحَابُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَعْطَوهُ الْجَارِيَةَ، فَقَالَ أَبُوهَا: أَتَبِيْعُهَا مِنِّي، فَقَالَ: نَعَمْ بِأَلْفٍ، فَأَعْطَاهُ الأَلْفَ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ طَلَبْتَ ثَلاَثِينَ أَلْفاً أَعْطَاكَ، فَقَالَ: وَهَلْ عَدَدٌ أَكْثَرُ مِنَ الأَلْفِ.
ورأى الإمام تخصيص الوجهين بما إذا جوزنا استئجار المسلم على الجهاد،
فإن لم نجوزه لم تصح هذه المعاملة مع المسلم، ولا يستحق أجرة المثل؛ كما لا يستحق الجارية المسماة.
[قال:] وإن قال: من دلني على القلعة الفلانية، فله منها جارية، أي: بالشرط الذي ذكرناه، فدله عليها ولم تفتح – لم يستحق شيئاً؛ لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين: الدلالة، والفتح، فلم يستحقها بأحد الشرطين، وهذا بخلاف ما لو جعل لمن دله على القلعة شيئاً في غيرها؛ فإنه يستحقه بالدلالة، وإن تعذر الفتح، كما قاله الماوردي وابن الصباغ؛ لأنها معلقة بشرط واحد، وهو الدلالة وقد وجد، وهذا ما جزم به الماوردي وصححه القاضي أبوا لطيب والإمام.
وقيل: يرضخ له؛ لأجل تعبه ودلالته للمسلمين وليس بشيء؛ لما ذكرناه.
وفي "الحاوي": أنه يستحب أن يرضخ له، وفي "إبانة" الفوراني وجه: أنه يستحق أجرة المثل للدلالة.
ومحل ذلك: إذا أطلق العقد، أما إذا شرط له منها جارية إذا فتحت فلا يستحق شيئاً قولاً واحداً.
نعم، لو أمكننا الفتح فلم نقاتل، فهل يستحق الدلال والحالة هذه شيئاً؟ قال الإمام: هذا محل التردد.
ولو لم يتفق الفتح في تلك الدفعة، فعاد الأمير مرة أخرى وفتحها – ففي استحقاق الجعل وجهان في "الحاوي" وغيره، وقال الإمام: إن كان عودنا إليها مستنداً إلى الدلالة الأولى ولولاها لما عدنا، فيظهر هاهنا تسليم الجارية إليه، وإن اتفق ذلك لكوننا رُمنا غيرها؛ فوقعنا عليها من غير استمساك بالإعلام الأول، فهاهنا يظهر الاحتمال، والأصح: أنها لا تسلم له؛ فإن المعاملة الجارية بيننا وإن كانت مطلقة فهي من طريق العرف مقيدة باتصال الفتح بالدلالة، وهذا الظهور جرى منقطعاً، وبالجملة فلا يبعد ترتيب بعض الأحوال على بعض، ولا يخلو كل منها عن الخلاف.
وعن ابن كج حكاية الوجهين فيما إذا دلنا على قلعة ابتداء، ولكنا فتحناها بطريق آخر لا بدلالته، وبناهما على أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة، أو لا يستحق إلا إذا حصل الفتح بدلالته.
ولو فتحها غير المدلول؛ لم يستحق الدليل شيئاً؛ لأن الشرط لم يجر معه.
قال: وإن تحت صلحا، وامتنع صاحب القلعة من تسليم الجارية، أي: لدخولها في شرط الصلح معه، مثل أن يصالحه المسلمون على أنه وأهله آمنون، والباقون يسبون، وكانت الجارية من أهله.
قال: وامتنع المجعول له من قبض قيمتها، أي: أو مثلها - فسخ الصلح؛ لتعذر الوفاء به، فإنه اجتمع أمران متنافيان ولا سبيل إلى إسقاط أحدهما، فعلى هذا يردون إلى القلعة، ولهم تحصينها كما كانت بغير زيادة ولا نقصان، وهذا ما أورده الفوراني والقاضي الحسين والإمام، وحكاه [القاضي] أبو الطيب عن النص، وقال هو والفوراني: إنا نبدأ بالعرض على الرئيس، ونشترط له فيه إعطاء عوضها، فإن أبي عرضنا الأمر على [الدليل.
وفي "الحاوي" و"النهاية": أنا نبدأ بالعرض على الدليل، فإن امتنع عرضنا الأمر على] صاحب القلعة.
وفي "المهذب" و"الشامل" حكاية وجه عن أبي إسحاق: أن الجارية للدليل، وشرطنا في الصلح لا يصح؛ لأن الدليل استحقها قبل الصلح؛ فأشبه ما لو تزوج امرأة ثم زوجت من غيره.
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن الدليل لو عفا أمضينا الصلح، ولو فسد؛ لم يصح إلا بعقد جديد.
التفريع:
إن قلنا بالأول، فردوا إلى القلعة، ثم فتحها الإمام عنوة - استحق الدليل الجارية، ولو لم يفتحها، ففي الغرم للدليل قولان في "تعليق" القاضي الحسين،
ووجه الغرم: أنها وصلت إلى يد الإمام، فتفويتها عليه سببه الأمان، ولو رضي صاحب القلعة بتسليم الجارية، غرم له قيمتها من بيت المال.
صرح به القاضي الحسين والبغوي، وفي "الشامل" و"تعليق" البندنيجي: أنها تكون من مال الرضخ؛ فيكون فيه الأقوال الثلاثة.
قال: وإن فتحت عنوة، أي: قهرا، وعينها مفتوحة، وقد أسلمت الجارية قبل الفتح، أي: وكانت حرة – دفع إليه قيمتها؛ لأنها بالإسلام منعت نفهسا من الاسترقاق، فلا يمكن دفعها إليه، ودفعت إليه قيمتها؛ لأن كل عين لو كانت باقية على الرق، استحق أخذها، فإذا كانت كالفائتة بالحرية، رجع إلى قيمتها؛ كما إذا فسخ البائع البيع بعيب في الثمن، وقد أعتق المشتري المبيع، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من نسائهم من أسلم، فكان يردهن عليهم، فلما أنزل الله – تعالى – تحريم ذلك ورد ما أنفقوا، بقوله تعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية، فكان من أسلم من النساء يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أزواجهن بمهورهن.
وهذا ما أورده القضاة الماوردي وأبو الطيب والحسين، وصححه الفوراني والإمام.
قال الماوردي: وسواء في ذلك الدليل المسلم والكافر، وقيل: لا يستحق شيئاً؛ لأن الشرع منع من استرقاقها؛ فألحقت بالمعدومة.
وفي "الرافعي" حكاية [وجه] عن ابن سريج: أن في المسألة قولاً آخر، [وهو] أن الجارية تسلم إليه؛ لأنه يستحقها قبل أن أسلمت، والمذهب: الأول.
فأما لو أسلمت بعد الفتح، سلمت إلى الدليل إن كان مسلما، وإن كان كافراً انبنى على صحة شراء الكافر المسلم، فإن صححناه استحق الجارية، ويمنع منها حتى يزيلها عن ملكه، أو يسلم فيستحلها، فإن لم يفعل ذلك بيعت عليه جبرا
ودفع إليه ثمنها، وإن منعنا البيع فلا يستحق الجارية ويدفع إليه قيمتها، فإن أسلم من بعد لم يستحقها؛ لانتقال حقه منها إلى قيمتها.
قاله الماوردي.
وفي "الرافعي" حكاية طريقة أخرى عن أبي الطيب بن سلمة: أن في استحقاقه البدل في هذه الحالة الخلاف المذكور في الموت.
وقد أشار إليه الإمام؛ حيث قال في بعض التصانيف: جعل إسلامها – إذا كان المجعول له كافراً – كموتها على وجه.
فيجيء فيه التفصيل الذي سنذكره في الموت.
قال: وإن ماتت قبل الفتح، ففيه قولان:
أحدهما: يدفع إليه قيمتها كما لو أسلمت؛ لأنه ممنوع منها في الحالين، وقاسه البندنيجي على ما لو كان الجعل ثوباً فبان مفقوداً.
والثاني: لا شيء له؛ لأن الميتة غير مقدرو عليها، فصار كما لو لم يكن فيها جارية؛ فإنه لا يستحق شيئاً، وخالفت التي أسلمت؛ فإنه منع الشرع منها مع القدرة على تسليمها.
[قال الماوردي: وعندي أن الأولى من إطلاق هذين القولين: أن ينظر: فإن ماتت بعد القدرة على تسليمها] استحق قيمتها، وإن ماتت قبل القدرة على التسليم فلا شيء له، ويجوز أن يكون إطلاق الشافعي محمولاً على هذا التفصيل.
وسلك الفوراني طريقاً آخر، فقال، إن ماتت [قبل الظفر بها فلا شيء له، وإن ماتت [بعد الظفر، فقولان:
أحدهما: يستحق قيمتها.
والثاني: لا شيء له.
وفي "النهاية"، طريقة أخرى: أنها إن ماتت]] بعد الظفر بها دفع إليه قيمتها، وإن ماتت قبل الظفر فقولان.
ولم يورد القاضي الحسين في تعليقه سوى هذه، وحكى الإمام وجهاً: أنا إذا غرمنا له إنما نغرم [له] أجرة مثله،
ومحل الغرم: مالُ الرضخ، [صرح به الإمام].
فرع: إذا لم يكن في القلعة سوى الجارية، ففي "الإبانة" حكاية وجهين:
أصحهما- في "الرافعي" -: أنها تسلم للدليل؛ عملاً بالشرط.
الثاني: لا؛ لأن هذا تنفيل، ولا يجوز للإمام أن ينفل جميع الغنيمة، قال الإمام: وهذا إذا لم يتمكن من ملك تلك القلعة؛ لكونها محفوفة بالكفر، ويعسر تخليف جمع يقومون بحفظها عن الكفار، أما إذا أمكن فيجب القطع بتسليم الجارية.
ولو لم يكن في القلعة جارية أصلاً في حال العقد، قال الماوردي: فإن وجدت في غيرها، فإن كانت من أهلها فهي كما لو كانت فيها، وإن لم تكن من أهلها فلا شيء للدليل.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يرضخ له؛ لأنه فعل ما أمكنه، ولا ذنب له في عدمها؛ لأنه بالجملة أعاننا.
ولو قال: من دلني على القلعة فله كذا، وكانت بقربه، فقال له شخص: ها هي ذي – ففي استحقاقه الجعل وجهان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره:
وجه المنع: أن الدلالة لا تكون في الشيء الذي نشاهده، وإنما يسمى هذا إخباراً.
[وعن] ابن كج: أن المذهب استحقاق الجعل إذا فتحت؛ كما لو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله كذا، فوجده إنسان في البلد وجاء به.
قال: ويجوز قطع أشجارهم، [أي]: بعد الفراغ من القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ الآية [التوبة:120]، وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا ....﴾ الآية [الحشر: 5]، وسبب نزولها: أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بقطع نخل بني النضير، قال واحد من الحصن: إن هذا فساد يا محمد وإنك تنهي عن الفساد،
فقال المسلمون: يا رسول الله، هل لنا من أجر أو علينا من وزر في ذلك؟ فنزلت.
وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم النخيل بخيبر وبالطائف، وهي آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم كُفِيَ فيها القتال.
قال: وتخريب ديارهم؛ لقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: 2] وبالقياس على قطع النخيل.
قال: فإن غلب على ظنه أنه يحصل لهم، فالأولى ألا يفعل ذلك؛ حفظاً لها على المسلمين، وهذا ما روي عن الشيخ أبي حامد.
وقيل: يحرم؛ نظراً لهذه العلة، وهو ما أورده القاضي الحسين، وحمل ما جرى منه – عليه السلام – على حالة غلبة الظن بعدم بقائها للمسلمين.
وقد حكى الوجهين جميعاً في "المهذب"، ومحلهما: إذا دخل مُغِيراًن أما إذا فتحها وأمن أهلها فلا يجوز قطعها جزماً، وكذلك التخريب.
وفي "الحاوي": أن محل الجواز إذا كان القطع والتخريب يضعفهم وينفعنا، وكذا لو كان لا ينفعنا، لكن مع كراهة، ولو كنا نعلم أنا لا نصل إليهم إلا بالقطع والتخريب وجب، وإن فقد ذلك كله فهو محظور؛ لان [ذلك] مغنم.
قال: ولا يجوز قتل البهائم؛ لما روي الشافعي – رضي الله عنه – بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً [فَمَا فَوْقَهَا] بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللهُ – تَعَالَى- عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: وَمَا حَقُّهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَاكُلَهَا، وَلاَ يَقْطَعَ [رَاسَهَا] فَيَرْمِيَ بِهَا".
وقد نهى [النبي] – عليه السلام – عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة، ولأنها ذات روح لها حرمة؛ فلم يجز إتلافها غيظاً للمشركين، كما في النساء والصبيان.
ولا فرق في ذلك بين ألا يقع في أيدينا، أو يقع ويخشى أن ينزع، أو تعذر سوقها ونقلها إلى دار الإسلام، كما ذكره أبو الطيب وغيره، وهذا بخلاف ما ليس بحيوان؛ فإنا إذا تعذر علينا حمله أو خشينا أخذه أتلفناه.
قال: إلا إذا قاتلوا عليها، أي: فيجوز قتلها؛ توصلاً إلى قتلهم؛ لما روى أبو داود ومسلم "أَنَّ فِي غَزَاةِ مُؤتَةَ، رَأَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ رَجُلاً مِنَ الرُّومِ وَعَلَيهِ لأمَةٌ حَسَنَةٌ، تَلْمَعُ بِالذَّهَبِ، وَهُوَ مُعَدُّ لِلْمُسْلِمِينَ وَالنِّكَايَةِ فِيهِمْ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَطَائِفَةً مِنَ جِلْدِ جَمَلٍ كَالدَّرَقَةِ، وكَمَنَ لَهُ وَرَاءَ حَجَرٍ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ ذَلِكَ الرُّومِيُّ خَرَجَ مِنْ وَرَائِهِ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ فَسَقَطَ إِلى الأَرْضِ، فَجَلسَ عَلَى صَدْرِهِ وَذَبَحَهُ، وَأَخَذَ لامَتَهُ وَسِلاَحَهُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ؛ فَأَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيهِ صلى الله عليه وسلم عَقْرَه الفَرَسَ".
وكذلك يجز قتل الخيل إذا حصلت في أيدينا وخشينا أن يأخذها العدو [ويقاتلنا] عليها، على الصحيح في "ابن يونس"، وفي "تعليق" البندنيجي أنه لا نص في ذلك، والذي يجيء على المذهب: أنه يجوز قتلها إذا خشينا من أخذها الهزيمة، دون ما إذا لم نخش الهزيمة إذا أخذوها، والله اعلم.
قال: وتقتل الخنازير؛ لأنه يحرم الانتفاع بها، وقيل: إذا لم يكن فيها عدوى لم تقتل، وهذا ما أفهمه نصه في "سير" الواقدي؛ حيث قال: يقتل إن كان فيه عدوى.
وأما الكلاب فقد قال الشافعي – رضي الله عنه-: إنها تقتل أو تسيب.
قال القاضي أبو الطيب: وليس هذا على ظاهره، وإنما أراد أنها تقتل إن كانت عقورة، وتسيب إن لم تكن كذلك، يعني: ولا منفعة فيها، وإلا فإذا كانت منتفعاً بها فسنذكر حكمها، إن شاء الله.
قال: وتراق الخمور، وتكسر الملاهي، كما لو وجدت في يد مسلم.
قال القاضيان الحسين وأبو الطيب: فلو كانت ظروف الخمور جوابي يزيد كراء نقلها على قيمتها كسرت؛ كي لا ينتفعوا بها.
قال: ويتلف ما في أيديهم من التوراة والإنجيل؛ لأنه لا يحل للمسلمين تمولها كما نقله البندنيجي، ولا حرمة لها؛ لتبديلها؛ فوجب إتلافها كالخمور.
وكذا كتب السحر [وما لا] منفعة فيه كما قاله أبو الطيب، وكتب الهجو كما قاله القاضي الحسين.
ثم إتلافها يكون بغسلها إن أمكن الانتفاع بوعائها، بأن كانت في رق، وإن كانت في ورق مزقها، بحيث تصلح لعمل الكاغذ، وتباع، ولا يجوز إحراقها؛ لما في ذلك من إتلاف ماليتها.
والقاضي أبو الطيب خص ذلك بما إذا أمكن بيعها بعد التحريق، فإن كانت مما لا يشترى أحرقت.
وعن "البحر": أن التوراة والإنجيل لا يحرقان على الصحيح؛ لما يهما من اسم الله تعالى.
قال: ويجوز أكل ما أصيب في الدار، أي: دار الحرب، من الطعام، أي: سواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – "أَنَّ جَيْشاً غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم طَعَاماً وَعَسَلاً فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ".
وروي أن عبد الله بن أبي أوفى سئل عن طعام خيبر: أَخَمَّسَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، كَانَ أَحَدُنَا يَاخُذُ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَيَتْرُكُ البَاقِي".
وروى أبو داود عن عبد الله بن مغفل قال: "دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شِحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لاَ أُعْطِي مِنْ هَذا أَحَداً الْيَوْمَ شَيْئاً قَالَ: فَالْتَفَتْ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبْتَسِمُ إِلَيَّ" وأخرجه البخاري ومسلم.
وروي عن عبد الله بن عمر قال: "كُنَّا نُصِيبُ فِي دَارِ الْحَرْبِ العَسَلَ وَالفَوَاكِهَ،
فَكُنَّا لاَ نُعْطِي أَحَداً مِنْهَا شَيْئاً".
وروي أن سلمنا الفارسي جاء إلى مولاه سويد في نفر من المسلمين يوم المدائن، فقال: يا سويد، عندك ما نأكل؟ فقال: ما عندي شيء ولكني خرجت في آثار المشركين، فوجدت سلة مخيطة لا أدري ما فيها، ففتحت فإذا فيها خبز وجبنة، وسكرة، فجعل سلمان يلقي إليهم من الخبز ويقطع من الجبنة بالسكين، ويلقي إليهم يأكلون.
والمعنى فيه: أن الحاجة تدعو إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب، وقد يفسد إلى أن ينقل، أو يتعذر نقله، أو تزداد مؤنة نقله على ثمنه؛ فجعله الشرع لأجل ذلك على الإباحة.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن جميع الطعام مباح أكله لهمن ويدل عليه قوله: وتعلف منه الدواب.
[والذي] أطبق [عليه الأصحاب: أن المباح] الطعام المحتاج إليه عادة كالقوت وأدمه من زيت أو شيرج وسمن ولحم وجبن؛ للحديث، وفي الفواكه وجهان في "النهاية".
قال الإمام: ويمكن أن يفصل بين ما يتسارع إليه الفساد ويشق نقله وبين غيره.
وفي "الوسيط" في إباحة الفواكه الرطبة وجهان، وهو يفهم الجزم بالمنع في غيرها، والجمهور جوزوا البسط في الكل، ولم يذكروا خلافاً، وألحقوا بذلك الحلوى.
وأما ما لا يحتاج إلى أكله عادة، بل للتداوي، ففي إباحته ثلاثة أوجه في "الحاوي":
أحدها: أنه ممنوع منه إلا بقيمته، وبحسب على [من أخذه] من سهمه،
وهذا ما أورده القاضيان أبو الطيب والحسين وكذا الإمام، وقال: إن الكر والفانيذ من ذلك.
والثاني: أنها مباحة؛ لأن الضرورة إليها أدعى، فكانت بالإباحة أولى.
والثالث: إن كان لا يؤكل إلا تداويا حسب على الآخذ من سهمه، وإن كان يؤكل للدواء وغيره، لم يحسب عليه.
وقطع بالمنع في الدواء الذي يطلى به في حق نفسه ودابته.
وفي "النهاية" حكاية وجهين في جواز أخذ الشحوم والأدهان كتوقيح الدواب، وهو مسحها بالذائب والمغلي منها؛ لجربها، وأصحهما – وهو المنصوص في "سير" الواقدي -: المنع.
قال الرافعي: وعلى مقابله ينبغي أن يجوز الأذهان بها.
قال: ويعلف منه الدواب التي لا يستغني عنها في الحرب: كفرسه، والبهيمة التي يحمل عليها [قماشه] وسلاحه وماءه؛ لأن أمير جيش لعمر – رضي الله عنه – كتب إليه يستأذنه في طعام بلد دخلوه، فكتب إليه: "فَلْيَاكُلُوا وَلْيَعْلِفُوا دَوَابَّهُمْ، وَلاَ يَبِيعُوا بِذَهَبٍ وَلاَ فِضَّةٍ".
والتبن والقت ملحق في هذا بالشعير، فيجوز.
أما ما لا يحتاج إليها في الحرب، بل هي مستصحبة للزينة والفرجة: كالفهود والنمورة والبزاة، فلا يجوز أن يطعمها من مال أهل الحرب، وما حمله استظهاراً لحاجة ربما دعت إليه كالجنيبة "يستظهر بها" لركوبه، أو دابة يستظهر بها لحمولته، ففيها وجهان في "الحاوي"، والمذكور منهما في "تعليق" أبي الطيب في الجنيبة: الجواز، وهو الذي رجحه الرافعي، وفي "تعليق" البندنيجي الجزم بالمنع.
قال: ويجوز ذبح ما يؤكل للأكل؛ لأنه مما يؤكل في العادة فهو كاللحم، وذبحه منزل منزلة معاناة طبخ اللحم، وهذا ما جزم به القاضيان [الحسين
وأبو الطيب] والبندنيجي.
قال: من غير ضمان، يعني: لا ضمان عليه في الصور الثلاث التي ذكرناها؛ لما ذكرناه من الأدلة.
وقيل: يجب ضمان ما يذبح؛ لأن الأخبار إنما وردت في الطعام، وليس المذبوح بطعام في عينه؛ ولذلك يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً، وليس كذلك اللحم، ولأن اللحم لا يمكن نقله، وهذا يمكن نقله.
قال: وليس بشيء؛ لأنه لو وجب الضمان لم يجز الذبح، ولجرى مجرى سائر الأموال، وقد وافق هذا القائل على جوازه كما حكاه الإمام وأفهمه إيراد الشيخ وابن الصباغ، وفي "الرافعي" حكاية وجه في "البيان": أنه لا يجوز؛ لأن الحاجة إليه تندر، وهو محكي في "تعليق" أبي الطيب؛ لأنه يمكن نقلها.
ثم على المذهب: يجب رد الإهاب إلى المغنم إن لم يكن مأكولا مع اللحم.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين الغنم وغيرها، وهو ما قال الرافعي: إنه الذي يوجد للمعظم تصريحاً [ودلالة] وإنه الوجه، ولم يورد ابن الصباغ والبندنيجي غيره، والقاضي أبو الطيب صور المسألة في الغنم، وسكت عما عداها.
وقال الإمام: إن الذي يتيسر سوقه من الحيوانات يساق، والأغنام تذبح، والأصح: أن مسلكها مسلك الأطعمة؛ فإن الأغنام في الشرع كالأطعمة الضائعة؛ ولهذا قال- عليه الصلاة والسالم – في ضالتها للسائل عنها: "هِيَ لَكَ أَوْ لأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ".
وقال العراقيون: الأغنام تذبح وإن تيسر سوقها، ولكن هل يغرم؟ فيه وجهان، وعلى ذلك جرى الغزالي.
وتلخيص ذلك: أن غير الغنم لا يذبح إذا أمكن سوقه، والغنم تذبح، وعند المراوزة: لا ضمان كما في اللحم، وعند العراقيين في الضمان في حالتي إمكان السوق وعدمه وجهان.
وقال الرافعي: إن إيراد الغزالي يفهم اختصاص الوجهين بما إذا أمكن السوق،
والقطع بعدم الضمان إذا لم يمكن، ثم قال: ولا يبعد على قول من يمنع مِنْ ذبح ما سوى الغنم أن يمنع من ذبح الغنم التي يمكن سوقها.
أما الذبح لغير الأكل كما إذا احتاج بعض الغزاة إلى جلد جمل أو بقرة؛ ليَقُدَّ منه سيورا، أو يعمل منه دَرَقة وما أشبهه - فلا يجوز له الذبح لأجل ذلك؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان لا لمأكلةٍ، فإن خالف وذبح فهل يضمن اللحم أم لا؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وغيره.
وأما الجلد فيجب رده إلى المغنم، فإن قد منه مراده، ضمن ولزمه رده وأجرة مثله في تلك المدة، وما نقص من أجرة الجلد بالاستعمال، نص على ذلك الشافعي - رضي الله عنه - قال القاضي أبو الطيب: وهذا بمنزلة ما قال الشافعي في كتاب الغصب: إذا غصب رجل ثوباً ولبسه وأخلقه، ما الذي يجب عليه؟ فيه قولان:
أحدهما: رده وأجرة مثله في تلك المدة وما نقص من قيمته باللبس.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق في إباحة الطعام والعلف بين أن يكون الآكل والعالف محتاجاً إلى ذلك، أو لم يكن محتاجاً إليه؛ لكون ما معه قدر حاجته من ماله، كما أن له أخذ الماء المباح وإن كان معه، وهو الظاهر من المذهب.
نعم، يشترط ألا يأخذ إلا قدر ما يكفيه في الحال، أو فيما بين يديه لقطع المسافة كما قاله في "التهذيب"، وقد يستدل له بما ذكرناه من حديث عبد الله بن مغفل.
وعن [ابن] أبي هريرة: أنه لا يجوز إذا لم يكن [به] حاجة، كما لا يجوز [للمضطر] أكل طعام الغير إلا للحاجة.
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لوجهين:
أحدهما: أن المضطر لا يباح له إلا عند خوف التلف، وقد أباح هاهنا وإن لم يخف التلف.
والثاني: أن المضطر ضامن، وهذا غير ضامن، وأيضاً فإنه غير مقتصر فيه
على ما يحتاج إليه، بل يجوز أكل الفاكهة والحلوى عند الجمهور.
وعلى كل حال لا يملك المأخوذ ما دام في دار الحرب كما صرح به البندنيجي والإمام وغيرهما، وإن جاز له أكله، ويدل عليه: أنه لو أتلفه أو أطعمه لغير الغانمين ضمنه، كما صرح به الرافعي وغيره، ولا يجوز أن يأكل فوق الحاجة، فلو فعل فقد حكى الروياني عن النص: أنه يؤدي ثمنه إلى المغنم.
الأمر الثاني: أنه لا فرق بين أن يجد المسلمون في دار الحرب أسواقاً يتمكنون من الشراء منها أو لا، وقد حكى الغزالي في حالة التمكن وجهين.
ورأى الإمام القطع بالجواز؛ لأنهم نزلوا دار الحرب في أمر الطعام منزلة السفر في الترخص؛ فإن القصر وإن ثبت لمشاقِّ السفر، فالمترفه الذي [لا] كلفة عليه يشارك فيه المشقوق عليه.
قلت: والخلاف في هذه الصورة قريب الشبه من الخلاف فيما إذا كان معه قدر حاجته من الطعام، بل ينبغي أن يترتب فيقال: إن جوزنا البسط له ثم فهاهنا أولى، وألا فوجهان؛ لأن ثمَّ المحتاج إليه في ملكه، وهاهنا يحتاج إلى تحصيله، وقد يتعذر.
نعم، قال الأصحاب: لو كان لجماعة من الكفار معنا مهادنة، وكانوا لا يمتنعون عن المبايعة والمشاراة مع الذين يطرقونهم من المسلمين – فالأظهر: وجوب الكف عن أطعمة المغنم وإن لم تكن ديار المهادنين معزية إلى دار الإسلام.
فرع: إذا قل الطعام وازدحم الجند فقد حكى الإمام عن المحققين أن قائد الجند إذا استشعر النزاع أثبت يده على الطعام، وقسمه على قدر الحاجات، ويقول لمن معه ما يكفيه: اكتف بما معك [ولا] تزاحم أصحاب الحاجات، وإن كنت تشاركهم فيه لو اتسع الطعام.
آخر: هل يلحق ما بين عمران دار الإسلام ودار الحرب [بدار الحرب] في جواز أكل الطعام وعلف الدواب؟ فيه وجهان، أشبههما – وبه أجاب
الروياني -: نعم؛ لبقاء الحاجة الداعية إليه؛ فإنهم لا يجدون من يشترون منه، ولا يصادفون سُوقاً.
قال: وإن خرجوا إلى دار الإسلام ومعهم شيء من الطعام ففيه قولان:
أحدهما: يجب رده إلى المغنم، أي: إن كان قبل القسمة، وإلا فإلى الإمام، كما قاله ابن الصباغ وغيره.
ووجهه: أنه أبيح له أخذه في دار الحرب؛ لأجل كونها مظنة الحاجة، وقد زالت، وهذا ما نص عليه في "المختصر" ورجحه القاضي الحسين والرافعي.
والثاني: لا يجب؛ لما روي أبو داود عن القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُنَّا نَاكُلُ الْجَزُورَ فِي الغَزْوِ وَلاَ نَقْسِمُهُ، حَتَّى إِنْ كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا وَأَخْرِجَتُنَا مِنْهُ مُمْلأَةٌ"؛ ولأن ما كان أحق به في دار الحرب كان أحق به في دار الإسلام؛ [كما لو احتطب أو احتش أو اصطاد وخرج به إلى دار الإسلام]، وهذا ما نص عليه في "سير" الأوزاعي.
قال البندنيجي: وعلى هذا: فيكون قد ملكه بالإخراج ملكا ينفرد به، وقيل: القولان إذا كان قليلاً، أما لو كان كثيرا، وجب رده قولا واحداً، وهذا ما اقتصر الغزالي على إيراده، وهو منسوب إلى الشيخ أبي محمد، وقال في "المهذب" بعد حكايته: والصحيح الأول، وعليه جرى الجمهور.
ورأى الإمام القطع بالقول الأول فيما إذا حمل الغازي من الطعام ما يغلب على الظن – مع السير الدائم وتواصل التناقل – أنه يفضل منه شيء عند الاتصال بدار الإسلام، وأن محل التردد إذا كان المحمول لا يبعد استنفاق كله، وهذا يؤخذ من كلام الفوراني؛ حيث صور محل القولين بما إذا أخذ قدر كفايته فلم يتفق أكله، ولو صح الحديث الذي ذكرناه لكان فيه رد عليهما.
لكن القاسم تكلم فيه غير واحد، والوصول إلى دار يقطنها أهل الذمة أو العهد – وهي في قبضة المسلمين – بمثابة ديار الإسلام فيما نحن فيه؛ لأن
الرافعي جعلها كذلك في منع التبسط بأكل الطعام فيها.
فرع: إذا لحق الجند مدد بعد انجلاء الحرب وحيازة المغنم، هل لهم أن يتبسطوا في أطعمة المغنم كما يتبسط فيها الغانمون؟ فيه وجهان في "النهاية"، وأصحهما في "الرافعي": المنع.
تنبيه: المغنم: الموضع الذي تجمع فيه أموال الغنيمة، ويقال [له]: القَبَض، بقاف وموحدة مفتوحتين وضاد معجمة.
مسألة: إذا أقرض واحد من الغانمين الطعام الذي أخذه لكفايته واحداً من الغانمين، فعند الشيخ أبي حامد والجمهور: أن القرض لم يصح، وكذلك البيع، لكن المقترض أحق به.
لثبوت يده عليه، ولا يلزمه رده إلى الأول، فإن رده إليه صار أحق به؛ لثبوت يده عليه.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه يصح البيع والقرض؛ لأن الشافعي – رضي الله عنه- نص على أنه: إذا تبايع رجلان طعاماً بطعام في بلاد العدو، فالقياس: أنه لا بأس به.
ثم قال: وإذا قلنا بصحة البيع والقرض، كان بدلهما لنفسه.
وهذا الكلام منه يحتمل أنه أراد به: ما داما في دار الحرب، ويحتمل أنه أراد به ذلك، وما إذا خرج إلى دار الإسلام، والذي يرجح الثاني ما حكاه المحاملي: أنه إذا خرج المقترض من دار الحرب معه الطعام، إن قلنا: إن له أن ينتفع بما معه من الطعام، لزمه أن يرده للمقرض.
لكن الذي حكاه الإمام عمن صحح القرض – وهو الصيدلاني وغيره من المحققين – أن محل جواز المطالبة دارُ الحرب إذا كان عين المقرَض باقية، أو وجد مثلها من طعام دار الحرب ون مال نفسه، أما بعد الخروج إلى دار الإسلام، أو عدم الطعام في دار الحرب، فلا مطالبة، ثم قال: وللإمام إذا كان الطعام المقترض باقياً، وقد دخل به [إلى] دار الإسلام – أن يأخذه ويرده إلى المغنم، فإن تفرق الجند وعسر فض ذلك عليهم، فقد قال الصيدلاني: يضمه
إلى خمس الخمس، وقيل: سبيله سبيل الفيء، ولو كان الطعام تالفاً حين خرجوا إلى دار الإسلام، فالذي قطع به كل محقق: أنه لا يطالب المقترض بشيء.
ثم قال: والحكم في البيع كالحكم في القرض.
ولو باع الطعام بغيره من نقد وغيره، لم يصح جزماً، صرح به ابن الصباغ، ويشهد له أثر عمر، رضي الله عنه.
قال: وما سوى ذلك من الأموال، أي: وإن قلت، لا يجوز لأحد أن يستبد به، أي: ينفرد به ويستقل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: 41]، والاستبداد مخالف لها.
وروي أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في حديث طويل: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دنا من بعير فأخذ وَبَرَةً من سنامه، ثم قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ وَلاَ هَذَا- وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ – إِلاَّ الْخُمُسَ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ؛ فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ"، فقام رجل في يده كبة من شعر، فقال: أخذت هذه؛ لأصلح بها بردعة لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا [مَا] كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكَ"، فَقَالَ: أَمَّا إِذْ بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلاَ أَرَبَ لِي فِيهَا وَنَبَذَهَا" وأخرجه النسائي.
وروى أبو داود عن رويفع بن ثابت: أنه – عليه الصلاة والسلام – قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَلْبَسْ ثَوْباً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ] حتى إذا اخلقه رده فيه".
قال: فمن أخذ [منه] شيئاً، وجب [عليه] رده إلى المغنم؛ لما ذكرناه، فلو دعت حاجته إلى استعمال شيء منه، أخذه بإذن الإمام وحسب عليه.
قال الروياني: ويجوز أن يستأذنه في لبس ما دعت حاجته [إليه] مدة حاجته بالأجرة، ثم يرده إلى المغنم.
قال: وله قول آخر، إذا قال الأمير: من أخذ شيئاً فهو له – صح، ومن أخذ شيئاً ملكه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "مَنْ أَخَذَ شَيْئاً فَهُوَ لَهُ"، وهذا أخذ من قول الشافعي – رضي الله عنه- في "الأم": وذهب بعض الناس- يعني: أبا حنيفة – إلى جوازه، ولو ذهب إليه ذاهب لكان له تأويل، أو لكان مذهبا.
قال الإمام: وهذا متجه في طريق الإقالة، وله [نظير في مورد] الشرع، وهو
اختصاص القاتل بالسلب، وعلى هذا قال الإمام، فيكون بمثابة التنفيل الذي سبق، ويزول الخلاف في وجوب الجبران من خمس الخمس كما تقدم في البدأة والرجعة، ومحله قبل حيازة المغانم، فأما بعدها فلا، [هكذا اقتضاه] كلام الأصحاب كما قاله الإمام، وفي "الحاوي": [أن] محله إذا قال الإمام ذلك قبل الوقعة.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه مع قوله – عليه السلام -: "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ"، فلم يجز أن يختص بها بعضهم، ويخالف السلب؛ فإن سبب التخصيص به التحريض على القتال وكفاية الشر، وهذا عكسه؛ لأنه يشغل وأطبق الأصحاب على ترجيحهن وقالوا: ما روي أنه – عليه السلام – قاله يوم بدر لا يثبت، وإن ثبت لم يكن فيه دليل؛ لأن غنائم بدر كانت خالصة له صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء؛ ولذلك أسهم فيها لعثمان وكان بالمدينة، وهذا فيه نظر؛ لأن هذا القول إن صح فالظاهر أنه قاله قبل حيازة الغنائم، وغنائم بدر إنما جعلت له بعد ذلك، ويدل عليه أنه جاء في مسلم: أن مصعب بن سعد – وهو ابن أبي وقاص – روى عن أبيه قال: جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفي صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف ليس لي ولا لك"، فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يُبْلِ بلائي، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال: أجبن فجئتن فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ سَأَلْتَنِي هَذَا السَّيْفَ وَلَيْسَ هُوَ لِي لَكَ وَإِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَهُ لِي فَهُوَ لَكَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وإذا كان كذلك،
لم يكن جعلها له قادحاً في دلالة الخبر.
نعمن الجواب الصحيح: أن الآية الدالة على التخميس نزلت بعد بدر؛ فكان العمل عليها، وقد يمنع أن قوله – عليه السلام-: "مَنْ أَخَذَ شَيْئاً فَهُوَ لَهُ" كان قبل نزول الآية.
قال: ومن قتل من الكفار، [كره] نقل رأسه من بلد إلى بلد؛ لأنه لم يعهد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا له فائدة، وقد روي أن جماعة نقلوا رءوس الكفار من قتلى دمشق في زمن أبي بكر – رضي الله عنه – إلى المدينة، فقال: لا تنقلوا هذه الجيف إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يخالفه أحد، وهذا ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد.
قال الإمام: وهذه المسألة لا نص فيها للشافعي- رضي الله عنه – والكراهية قياس مذهبه.
وقال شيخي: قصة أبي بكر –رضي الله عنه – يمكن حملها على تنزيه الحرم عن نقل جيف الكفار، فلو [كان] نقل الرءوس فاجعاً في الكفار، فهو ضرب من التنكيل، فإذا رآه الإمام، لم يكن في تجويزه بعد، مع نفي الكراهة، وما صار إليه الشيخ أبو محمد قد أبداه الماوردي احتمالاً لنفسه، وزاد عليه فقال: إن ذلك مستحب، بعد أن قال: إنه لا نص للشافعي – رضي الله عنه – في المسألة، كما قاله الإمام.
قال: وإن غلب الكفار المسلمين على أموالهم، لم يملكوها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: 141]؛ فلو ملكوها لكان لهم عليهم سبيل.
وقوله- عليه السلام -: "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، وكما لا يملكونها لا يضمنونها إذا أتلفوها، وهم أهل حرابة على المشهور.
وحكى القاضي الحسين أن المزني قال في "المنثور": إذا عقدت الذمة للمتلف ضمن ما أتلفه؟ فلو كان المغلوب عليه أمةً، وقد وطئها الكافر، فعلقت منه [بولد- فإن] الولد لسيدها المسلم، ولا يلحق نسبه بالحربي، فلو أسلم الواطئ، قال الشافعي – رضي الله عنه -: كان الولد له.
قال ابن سريج: وهذا أراد به الشافعي – رضي الله عنه – إذا كانت قد علقت [بعد أن أسلم]، وأما إن علقت قبل الإسلام فلا يكون له، قال أبو الطيب: والفرق أنها إذا علقت بعد
الإسلام فهو معتقد أنها ملكه، وله في مال المسلم [شبهة، والنسب] يلحق بالشبهة، والكافر لا شبهة له في مال المسلم بحال.
فرع: لو دخل واحد من المسلمين دار الحرب، فرأى مالا لغيره قد استولى عليه المشركون –جاز له أخذه؛ ليرده إلى صاحبه، وهل يضمنه؟ فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين؛ كما في أخذ العين المغصوبة ليردها [إلى صاحبها].
والثاني: القطع بعدم الضمان، والفرق: أنه في الغصب ينقلها من يد ضامنها، وليس كذلك هاهنا، قاله القاضي الحسين وغيره.
قال: فإن استرجعت، أي: استرجعها المسلمون من الكفار، وجب ردها على أصحابها؛ لما روى الشافعي – رضي الله عنه – بسنده عن عمران بن الحصين – رضي الله عنه -: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ أُسِرَتْ، وَكَانَتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم العَضْبَاءُ أُصِيبَتْ قبلَهَا، فَكَانَتْ تَكُونُ فِيهِمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي انْفَلَتَتْ مِنْ وَثَاقِهَا، فَجَاءَتْ إِلَى الإِبِلِ، فَرَكِبَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَطَلَبَتْ نَاحِيَةَ الْمَدِينَةِ، فَطُلِبَتْ مِنْ لَيْلَتِهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيهَا، فَجَعَلَتْ للهِ عَلَيهَا إِنْ نَجَّاهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ، قَالُوا لَهَا لاَ تَنْحَرِيهَا حَتَّى تُخْبِرِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأُخْبِرَ صلى الله عليه وسلم بِخَبَرِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ، بِئْسَ مَا جَازَتْهَا"، قَالَ: [لاَ] وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ العَبْدُ، وَلاَ وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لاَ يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ"، وَأَخَذَهَا مِنْهَا.
وكذا [لو] لم تسترجع، [ولكن] من هي في يده أسلم؛ فإنها تنزع من يده، فترد لمالكها، فإن تلفت في يده بعد التمكن من الرد ضمنها، وإن تلفت قبلهن قال القاضي الحسين: يجب أن يقال: لا تضمن.
قال: فإن لم يعلم حتى قسم عوض [صاحبها] من خمس الخمس؛ جبرا
لحقه، ولا نفسخ القسمة؛ لحصول المقصود، والمراد بالصاحب هاهنا: من وقعت في سهمه من الغنيمة لا مالكها الأصلي.
قال القاضيان الماوردي والحسين: وهذا [إذا] شق نقض القسمة، فأما إذا لم تشق نقضت ولا تعويض.
وفي "الجيلي" وجه: أنه يسترد من كل سهم بقدر حصته بالتوزيع.
ولو غلب بعض الكفار على بعض، فالمقهور يصير مملوكاً للقاهر، حتى لو قهر العبد سيده، عتق العبد وصار السيد رقيقاً له، كما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب الجزية، والهدنة، والإمام في آخر "النهاية"، لكن أبا الطيب فسر القهر بإخراجه إلى دار الإسلام، وللإمام شرط أن توجد صورة قهر الاستعباد، وأنه لا يشترط قصد الاسترقاق، ثم قال: وفيه نظر؛ فإن القهر قد يجري استخداماً، فلا يتميز قصد الرق إلا بقصد الإرقاق، ثم قال: ولو قهر حربي ابنه، وباعه من مسلم، فهل يصح ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب أبو زيد-: أنه يصح، ولا يعتق عليه؛ لان القهر سبب الملك، فإذا دام القهر دام السبب.
والثاني- وهو اختيار ابن الحداد -: أنه لا يجوز البيع ولا يبقى [له] عليه ملكن وبهذا جزم أبو الطيب في كتاب "السير"، قال الإمام: وعلى هذا فيتجه أن نقول: لا يملك الأب ابنه بالقهر؛ لاقتران السبب المقتضي للعتق بالقهر، ولا يقال: قياس هذا ألا يصح - أيضاً - شراؤه؛ لأن جواز ذلك ذريعة إلى تخليصه من الرق، وهو لا يتأتى مع استمرار القهر [هنا]، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فلنختمه بذكر فروع يسيرة تتعلق به:
إذا قال الأمير: من غزا معي فله دينار، استحق كل من غزا معه ديناراً إذا كان مسلماً ليس من أهل الفيء، أو ذمياً دون أهل الفيء والمعاهدين.
قال الماوردي: ولا يدخل في ذلك النساء.
بخلاف ما لو قال: من قاتل معي فله دينار؛ فإنه يستحقه من قاتل [معه] من الرجال والنساء؛ لأن الغزو حكم فتوجه إلى أهله، والقتال فعل فتوجه إلى من وجد منهن ولا يستحقه الصبيان في الحالين؛ لأن الجعالة عقد، فلم تصح إلا مع أهل العقد.
ولا يدخل في ذلك العبيد إلا بإذن السادة، ولو حضر من يستحق الجعل [الصف] ولم يقاتل، فإن كان لفظه: من غزا معي، استحق، وإن قال: من قاتل، فلا.
ولا يختص جواز هذه الجعالة بقدر الدينار، بل تجوز بما يراه الإمام، وإن زاد على سهم راجل أو فارس، إن كان المجعول له مسلماً وكذا إن كان كافراً على المذهب، وعند ابن أبي هريرة: لا يبلغ بها سهم راجل.
ولو قال: جعلت لجميع من غزا معي ألف دينار، فإن كان المال في الذمة، استحق ذلك من اتصف بما ذكرناه في الجعالة السابقة، ويسوى بين المسلم والذمي، ومن يسهم له ومن لا يسهم له، ولا يدخل فيها من العبيد المأذون لهم إلا من لم يدخل فيها سيده؛ كيلا يؤدي إلى تفضيل السادة على غيرهم؛ لأن ما يجعل للعبد فهو لسيده.
ويدخل في هذه الجعالة الصبيان، إذا لم يدخل فيها أولياؤهم.
ولو كان الجعل معيناً بأن قال: قد جعلت لجميع من غزا معي هذا المال الحاضر، صح، وإن كان مجهولاً.
لكن إن كان المال من مال الصدقات، لم يدخل فيها أهل الذمة ولا أهل الفيء من المسلمين، وإن كان من سهم المصالح فالحكم كما لو كان المال في الذمة، وإن كان المال من أربعة أخماس الفيء ففي الجعالة المعقودة به قولان من اختلاف القولين في وجوب مصرفه، فإن قلنا: مصرفه الجيش، بطلت، وإن [قلنا]: مصرفه المصالح، صحت.
ثم إذا غزا من أخرجه الشرع من هذه الجعالات، فهل يستحق شيئاً؟ قال الماوردي: إن كان عالماً بإخراجه فلا، وإن كان جاهلاً فوجهان، أحدهما: يستحق جُعل مثله؛ لأنه دخل في جعالة فاسدة، والله أعلم.
باب قسم الفيء والغنيمة
"الغنيمة" و"المغنم": بمعنىً، وهو في اللغة مشتقة من "الغُنم"، وهو الفائدة الحاصلة بغير بدل.
و"الفيء" مأخوذ من قولهم: فاء الفيء، إذا رجع، والمراد بالرجوع - هاهنا-: المصير، أي: صار للمسلمين.
قال الإمام: واسم الفيء يطلق - في اللغة ووضع اللسان - على الغنيمة، انطلاقه على ما يظفر به من أموال الكفار من غير قتال، وهو منطبق على قول المسعودي وطائفة: إن كل اسم من المالين يقع على الآخر، إذا أفردا بالذكر، فإن جمع بينهما، افترقا كـ[اسمي "الفقير"] و"المسكين".
وعن الشيخ أبي حامد القزويني وغيره: أن اسم "الفيء" يشمل المالين، واسم "الغنيمة" لا يتناول الفيء.
وفي لفظ الشافعي - رضي الله عنه - ما يشعر به، وضابطهما في عرف الشرع مذكور في الكتاب، ويقال: غنم يغنم غنما، [بضم الغين].
قال- رحمه الله -: الغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال، وإيجاف الخيل والركاب.
الإيجاف: الإعمال، وقيل: الإسراع، والوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل، يقال: وجف يجف - بكسر الجيم - وجفا: بإسكانها ووجيفا، وأوجفته أنا.
والركاب: الإبل خاصة، قال الأزهري وغيره: هي الرواحل المعدة للركوب، ولا واحد لها من لفظها، بل واحدها: راحلة، وجمعها: ركب، ككتاب وكتب.
فإن قيل: إيجاف الخيل والركاب ليس شرطاً في اسم الغنيمة؛ لأن ما حصل
من المال بقتال الرجالة وأصحاب السفن في البحر غنيمة، وليس فيه إيجاف خيل وركاب، وكذا القتال ليس شرطاً في اسم الغنيمة؛ فإن الصفين إذا التقيا وولانا الكفار ظهورهم، ومنحونا أكتافهم من غير [شهر] سلاح، فما تركوه- إذ ولوا منهزمين –مال مغنوم؛ كما صرح به الإمام في أثناء كلامه؛ فالحد الصحيح ما أورده الغزالي أن الغنيمة: كل مال أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة [على الكفار]، دون ما يختلس ويسرق؛ فإنه خاص بذلك المختلس.
قيل في الجواب عنه: إن كلام الشيخ محمول على الغالب، أو كما قال ابن عطية: إن المأخوذ بالسعي وإيجاف [الخيل] والركاب غنيمة، ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفاً له.
وقد يقال: إن هذا السؤال إنما جاء من جعل "الواو" في قول الشيخ: "وإيجاف الخيل" للتشريك، والظاهر أن الشيخ لم يرده، وإنما أراد جعلها بمعنى: "أو"؛ لأن للواء اثني عشر موضعاً أو أحد عشر موضعاً، تستعمل فيه كما قاله أبو الحسن على ابن محمد الهروي النحوي في كتاب "الأزهية"، منها: أنها تستعمل بمعنى "أو"؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، وإن كان الزمخشري منع من استعمالها بمعنى "أو" في الآية المذكورة، ويدل عليه قوله: والركاب؛ فإنه لا يتبادر إلى الفهم اشتراط مجموع إيجاف الخيل والركاب في اسم الغنيمة، وإذا كان كذلك؛ فكأنه قال: الغنيمة: ما أخذ من الكفار بالقتال، أو بإيجاف الخيل، أو الركاب.
وحينئذ يندفع السؤال، ولاندفاعه طريق آخر سأذكره في الباب الذي يليه، إن شاء الله تعالى.
[فإن] قلت: يلزم من هذا أن يكون ما أخذ من الكفار عند انجلائهم بسبب حصول خيل المسلمين أو ركابهم في دار الحرب، وضرب معسكرهم، والبروز في مقاتلتهم –غنيمة، لأنه حصل بإيجاف خيل أو ركاب، وليس كذلك.
قلت: قد حكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي وصاحب "التقريب" في ذلك