كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 423-462
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 423-462
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

والثاني: أنه لا معنى للعفو عن المال، مع بقاء [القود]، فالذي جرى منه لغو، وهو على خيرته الأولى، وكأنه لم يعف، والسبب فيه: أنا وإن كنا نثبت المال أصلاً فهو على قضية التبعية للقود؛ فيستحيل أن نثبت له المال مع بقاء القود.
والثالث وهو اختيار الشيخ أبي محمد -: أن العفو عن المال يلحق هذا القول [بقولنا]: موجب العمد القود المحض، وفائدة هذا القول: أنه إن عفا عنه على مال ثبت، وإن عفا مطلقاً ففي ثبوت الدية الطريقان السابقان: أحدهما: القطع بعدم الاستحقاق.
والثاني: حكاية قولين أو وجهين، كما حكاهما أبو إسحاق.
ثم قال الإمام فيما إذا كانت صيغة الولي: اخترت القصاص -: الوجه أن ينبني على التصريح بإسقاط المال، فإن قلنا: العفو لغون فلا معنى لقوله: اخترت القصاص.
وإن قلنا: العفو عن المال له حكم، فقوله: [ما] اخترت القصاص، هل يفيده؟ فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقد عكس القاضي أبو الطيب الكلام في المسألة في "تعليقه"، فقال: إذا اختار القصاص، ثم عاد واختار الدية – ثبتت له الدية؛ لأنه يريد أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى؛ فجاز له ذلك.
وإن اختار الدية، ثم عاد وقال: أنا اختار الآن القصاص- فهل يثبت له القصاص، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه ليس [له] ذلك؛ لأنه يريد أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى.
والوجه الثاني: أن له ذلك؛ لأن برجوعه قد سقط حقه من الدية، ويكون كأنه اختار القصاص ابتداء.
وإن أصل هذه المسألة ما إذا ادعى إنسان على رجل شيئاً، وله [به] شاهد، فإنه يحلف معه ويستحق، فإن نكل عن اليمين، ورددناه على المدعي

عليه؛ فنكل، فهل ترد على المدعي [أم لا]؟ فيه قولان: وجه الرد: أن الشاهد قد سقط بنكوله؛ فيكون كاليمين تثبت في حق المدعي عليه ابتداء، وإذا ثبتت في حقه ابتداء، فنكل عنها- ردت على المدعي؛ كذلك هاهنا.
وقد تحصل لك من مجموع ما ذكرناه فيما إذا اختاره القصاص، ثم الدية، أو العكس- ثلاثة أوجه: أحدها: أنه إذا اختار أحدهما ليس له العود إليه.
[والثاني: أن له العود إليه].
وقد حكى هذا عن القفال أبو الفرج السرخسي في "أماليه"، وشبهه بما إذا أتلف كُرّ حِنْطَةٍ جيدة على إنسان، ولم يوجد هناك إلا كر حنطة رديئة؛ فإنه يتخير رب الحنطة بين أن يأخذه، وبين أن يعدل إلى القيمة، فلو قال: اخترت أحدهما، لم يبطل به خياره.
والثالث: إن اختار القصاص كان له الرجوع إلى الدية، وإن اختار الدية لم يكن له الرجوع إلى القصاص.
أما إذا قلنا: الواجب القصاص عيناً، لم يكن لعفوه عن الدية معنى، ولا له تأثير في القصاص ولا في الدية؛ لأن القود لم يعف عنه، والدية لم يستحقها مع بقاء القود؛ فلم يصح عفوه عنها، صرح به الماوردي.
فرع: إذا قال: عفوت عن الدية، وصححنا عفوه، فمات الجاني قبل استيفاء القصاص، كان المستحق الدية؛ لفوات القصاص بغير اختياره.
وعن القاضي ابن كج حكاية قول: انه لا رجوع له إلى المال بعد إسقاطه.
واعلم أن جميع ما ذكرناه مفروض فيما إذا كان الوارث مكلفاً غير محجور عليه، أما إذا كان غير مكلف؛ فلا أثر لعفوه، وإذا كان مكلفاً محجوراً عليه – نظر: فإن كان الحجر لحق غيره كالمفلس فله أن يقتص، ولو عفا عن القصاص سقط وأما الدية، فإن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين، فله القصاص، وله العفو

عنه، فإن عفا عنه ثبتت الدية، سواء صرح بإثباتها، أو بنفيها، أو سكت عنها، وحينئذ، تصرف إلى غرمائه، ولا يكلف تعجيل القصاص، أو العفو؛ ليصرف المال إليهم.
وإن قلنا: موجب العمد القود، فإن عفا على المال، ثبت، وتعلق حق الغرماء به، وإن عفا مطلقاً، أو على أن لا مال، فإن قلنا: مطلق العفو [لا] يوجب الدية؛ فكذلك الحكم هنا، وإن قلنا: مطلقه يوجبها، فعند الإطلاق تجب، وعند النفي هل تجب؟ فيه وجهان: المذكور منهما في "مجموع" المحاملي: الوجوب.
وأصحهما في "الرافعي": المنع، لأن العفو مع نفي المال لا يقتضي مالاً؛ فلو كلفنا المفلس أن يطلق؛ ليثبت المال؛ كان ذلك تكليفاً بالكسب، وليس عليه الكسب؛ لما عليه من الديون.
قال الإمام: ويعبر عن الوجهين بأن العفو مع نفي المال – إسقاط للواجب، أو منع للوجوف.
وحكم المريض بالنسبة إلى القدر الزائد على الثلث، ووارث من له القصاص، وعليه دين- حكم المفلس، صرح به القاضي أبو الطيب، والمحاملي.
وعفو المكاتب عن الدية تبرع لا ينفذ [من غير] إذن السيد، وإن أذن فعلى الخلاف في تبرعاته.
وإن [كان] الحجر لحق نفسه كالسفيه، فيصح منه إسقاط القصاص واستيفاؤه، وفيما يرجع إلى الدية حكمه حكم المفلس على أحد الوجهين، وبه أجاب أكثرهم؛ ومنهم: القاضي أبو الطيب، والقاضي الحسين، والمحاملي.
والوجه الثاني: أنه لا يصح عفوه عن المال بحال؛ كالصبي، ويحكي عن القفال أنه قطع به، وعلل بأنا وإن قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال؛ فإذا

تصدى له مال لم يجز له تركه؛ كما لو وهب له شيء [أو وصى] له بشيء، فلم يقبل – فوليه يقبل عليه، بخلاف المفلس: لا يقبل عليه الغرماء ولا الحاكم.
وحكى الإمام أنه لو رد لم يصح رده؛ فإن الولي يقبل عليه، ويوقف فيه.
قال: وإن قطع اليدين من الجاني، ثم عفا عن القصاص – لم تجب [له] الدية، [أي:] سواء أطلق، أو عفا عليها؛ لأنه استوفى ما يوازي [بدله] بدل النفس، فلو وجبت له الدية – لأدى إلى أن يأخذ ديتين لنفس واحدة.
وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" أن من أصحابنا من جوز له الرجوع إلى المال.
قال الإمام: والمال في هذا المقام: الدية الكاملة.
ثم على الأول – وهو المذهب – هل يسقط حقه عند العفو على الدية؟ يظهر مجيء الوجهين السابقين فيه؛ إذا كان جاهلاً بالحكم.
وهل تجوز المصالحة عن القصاص في هذه الصورة قبل العفو على مال؟ حكى الرافعي فيه وجهين، وصحح الجواز، والقاضي الحسين صحح خلافه، وهو قضية قول الإمام.
والمتولي جعل الخلاف مبنيًّا على أن موجب العمد ماذا؟ فإن قلنا: موجبه القود، صح؛ سواء كان المال من جنس الدية [أو من] غير جنسها.
وإن قلنا: موجبه أحد الأمرين، لم يصح؛ لأنه قد استوفى ما يوازي بدله بدل حقه.
قال: وإن قطع إحداهما، [ثم] عفا عن القصاص – وجب له نصف الدية؛ لأنه أخذ ما يوازي بدله نص الدية؛ فبقي له [النصف].
وهذا إذا عفا على الدية، أو مطلقاً، وقلنا: الواجب أحد الأمرين، أما إذا قلنا: الواجب القود عيناً، فيجيء في استحقاقه الطريقان السابقان:

أحدهما: القطع بعدم الاستحقاق.
والثاني: جريان قولين أو وجهين فيه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أنه لا فرق [-فيما ذكره-] بين أن تكون دية الجاني قدر دية المجني عليه، أو دونها، أو أكثر منها، وهو متفق عليه، فيما إذا كانت [قدرها، أما إذا كانت] دونها؛ كما إذا كان المقتول رجلاً، والقاتل امرأة؛ ففي الصورة الأولى قال المتولي: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين، كان له مطالبتها بنصف الدية، وهو الأظهر في "الرافعي"، وإن قلنا: موجبه القود فلا يستحق شيئاً؛ لأنه الدية، وهو الأظهر في "الرافعي"، وإن قلنا: موجبه القود فلا يستحق شيئاً؛ لأنه لو قتلها لجعل مستوفياً لحقه، وقد استوفى منها ما يوازي روحها في الحكم.
وقال في الصورة الثانية: إن قلنا: إن الواجب أحد الأمرين، طالبها بثلاثة أرباع الدية.
وإن قلنا: الواجب القود، طالبها بنصف الدية.
والقاضي أبو الطيب وغيره حكوا الخلاف في الصورتين؛ كما ذكره المتولي، لكنهما لم يثبتاه.
ولو كانت المرأة قد قطعت يدي الرجل وأذنيه؛ فاقتص منها الولي، ثم عفا – لم تجب الدية جزماً.
وعلى الأصل الذي ذكرناه يخرج ما إذا كان المجني عليه مسلماً، والجاني يهوديًّا، وقد قطع الولي يديه: فعلى القول بأن الواجب أحد الأمرين: يطالبه بثلثي الدية؛ لأن بدل يديه ثلث الدية.
وعلى القول بأن الواجب القود لا يطالب بشيء، وعلى هذا فقس لو كان الولي قد قطع إحدى يدي المجوسي، ولو كان الجاني –حال قطع الولي يديه- مرتدًّا، وقد كان مسلماً حال الجناية فعلى القول بأن الواجب أحد الأمرين، للولي

مطالبته بكل الدية؛ لأن أطراف المرتد لا تقوَّم وعلى القول بأن الواجب القود ليس للولي مطالبته بشيء، لأنه استوفى ما يوازي روحه.
الثاني: أنه لا فرق عند قطع [الولي] اليدين من الجاني – أو أحداهما – بين أن يكون الولي مسيئاً بالقطع أو غير مسيء؛ بأن يكون الجاني قد قطع اليدين من المجني، أو إحداهما، ثم سرت الجراحة إلى نفسه، أو لم تسر، وحزّ الجارح رقبته قبل الاندمال، وهذا لا شك فيه فيما إذا كان الولي مسيئاً بالقطع أو غير مسيء، وقد حصل زهوق الروح بالسراية؛ وكذلك إذا حصل بحز الرقبة بعد القطع وقبل الاندمال على المذهب؛ لأنه لا فرق عند الشافعي بين أن يقطع يده ويسري القطع إلى نفسه، وبين أن يقطع يده، ثم يحز رقبته قبل الاندمال- في أن أرش الطرف يدخل في دية النفس.
وعلى قياس قول الإصطخري وابن سريج- أن أرش الطرف لا يدخل في دية النفس عند حز الرقبة، ويلزم الجاني دية الطرف والنفس بالغة ما بلغت؛ كما حكاه عنهما القاضي أبو الطيب والرافعي، وادعى الإمام أن للشافعي قولاً يدل على موافقته، وانه الأصح في القياس - يجب أن يقطع بوجوب الدية في الصورة الأولى، والثانية إن عفا الولي عليها؛ وكذا إن أطلق العفو على قولنا: إن الواجب احد الأمرين.
وإن قلنا: الواجب القود، فيجيء الطريقان.
ويعضد ذلك أن القاضي أبا الطيب وغيره حكوا عنهما فيما إذا قطع رجل طرف رجل، فعفا عنه، ثم عاد الجاني، وحز رقبته – أنه يجب القصاص في النفس، وإذا عفا عنه، وجب كمال الدية؛ بناء على الأصل المذكور.
وحكوا عن غيرهما في هذه الصورة وجهين آخرين: أحدهما: أنه لا يجوز القتل؛ لأن القتل حصل بهما؛ فهما كجناية واحدة، فإذا سقط القصاص في بعضها سقط في جميعها، إلا أنه يجب نصف الدية.
وادعى

الماوردي أن هذا ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يجب القصاص، وإذا عفا عنه وجب نصف الدية؛ لأن القتل ليس من أثر الجناية التي عفا عن القصاص فيها، وإنما هو قتل ابتدأه، فلا يؤثر العفو عن الطرف شبهة فيه.
وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب، والإمام، والشيخ في المهذب، وغيرهم، ونسبه الماوردي إلى أبي عليّ بن أبي هريرة.
وقال المحاملي والبندنيجي: إنه المذهب.
قلت: وهذان الوجهان في هذه الصورة يمكن ان يُرَتَّبا على وجهين حكاهما صاحب "التقريب"؛ فيما إذا قطع إنسان يد رجل؛ فسرت الجراحة إلى نفسه، فعفا الولي عن القصاص في الطرف – هل يسقط حقه من القصاص في النفس، أم لا؟ فإن قلنا: لا يسقط، وهو القياس؛ كما لو كان مستحق القصاص في الطرف غير مستحقه في النفس – وصورته: أن يقطع يد عبد، ثم يعتق، فتسري الجراحة إلى نفسه؛ فإن القصاص في الطرف للسيد، وفي [النفس] لوارث العبد المعتق – لم يسقط هاهنا.
وإن قلنا: إنه يسقط في النفس؛ نظراً إلى أنه لما عفا عن الطرف؛ فكأنه ضمن سلامة الأطراف، وفي قتله إتلاف أطرافه – فهاهنا يجري الوجهان، ووجه الفرق: أن العفو عن قصاص الطرف في المسالة الثانية وجد قبل استحقاق القصاص في النفس؛ فضعف فيه الإلزام، [وفي الأولى وجد بعد استحقاق قصاص النفس، فقوى الإلزام].
لكن قد حكى الرافعي الجزم بأنه إذا قطع يده، ثم حز رقبته قبل الاندمال، فعفا وليه عن القطع- لا يسقط قصاص النفس.
وهذا يبطل الفرق المذكور، والله أعلم.
قال: وإن كان القصاص لنفسين، فعفا أحدهما، أي: عن القصاص – سقط القصاص؛ لتمليكه صلى الله عليه وسلم استيفاء القتل لجملة الأهل؛ فلم يملكه بعضهم.

ولما روي: أن رَجُلاً قَتَلَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فَجَاءَ وَرَثَةُ المقْتُولِ؛ فَقَالَتْ أُخْتُ المقْتُولِ – وَهِيَ امْرَأَةُ القَاتِلِ –قَدْ عَفَوتُ عَنْ حَقِّي، فَقَالَ عُمَرُ: عُتِقَ مِنَ القَتْلِ".
ولأن القصاص لا يتبعض، فإذا سقط بعضه – سقط جميعه، ويخالف حد القذف إذا ثبت لجماعة، فعفا بعضهم؛ حيث أثبتناه للباقين – على قول- لان حد القذف ليس له بدل ينتقل إليه، [والقصاص له بدل ينتقل إليه].
قال: [و] وجب للآخر حقه من الدية؛ لما روى زيد بن وهب قال: دخل رجل على امرأته؛ فوجد [عندها] رجلاً؛ فقتلها؛ فاستعدى إخوتها عمر – رضي الله عنه – فقال بعض إخوتها: قد تصدقت؛ فقضى لسائرهم بالدية.
وقد ادَّعى المتولي عند الكلام في العفو المطلق الإجماع على ذلك.
ولا فرق – فيما ذكرناه – بين أن يكون نصيب العافي مثل نصيب الآخر؛ كما إذا كانا ابنين، وهو ما يفهمه كلام الشيخ من بعد، وفيها فرض الشافعي الكلام، أو أكثر؛ كما إذا كن العافي أخا، ومعه أخت، أو أقل؛ كما إذا كان العافي أختاً، ومعها أخ؛ كما صرح به الماوردي.
ثم هل يجب للعافي شيء من الدية؟ ينظر: إن عفا عليها فنعم، وإن عفا عنها فلا، وإن أطلق؛ جاء الخلاف السابق.
قال: وإن أراد القصاص لم يجز لأحدهما أن ينفرد به؛ لأن الشرع أثبته للأهل؛ فلم يكن لأحدهم الاستبداد به؛ لما فيه من الافتيات على الباقين وتفويت حقهم؛ كما في سائر الحقوق، فإن تراضيا على أن يستوفيه أحدهما- جاز وكان المستوفي وكيلاً عن صاحبه في حصته، قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما: ولا يجوز الاستيفاء إلا كذلك، أو يوكلا وكلاً واحداً يستوفيه.

قال: وإن تشاحّا أقرع بينهما؛ لأنه [ليس] أحدهما بأولى من الآخر؛ فتعينت القرعة؛ حسماً لتنازعهما، فلو خرجت لأحدهما، قال البندنيجي: لم يكن له أن يستوفيه حتى يستأذنه؛ لأن حقه قائم، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه الأظهر.
وحكى وجهاً آخر: أنه يجوز بعد خروج القرعة بدون إذنه، نعم لو منعه منه، امتنع.
قال: [فإن بدر] أحدهمان فاقتص، أي: بغير قرعة، ولا إذن من صاحبه، ولا حكم [من] حاكم بالمنع منه، وهو عالم بتحريم ذلك ففيه قولان: أحدهما: [أنه] لا قود عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" و"ادْرَءُوا الْحُدُودَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَلأَنْ يُخْطِئَ الإِمَامُ فِي العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ".
والشبهة ثابتة من وجهين: أحدهما-وهو الظهر عند الإمام والرافعي -: أن له فيه حقًّا، فاندفع عنه

الحد به؛ كما لو وطئ الجارية المشتركة.
والثاني: أن من علماء المدينة، أو أكثرهم – كما قال القاضي أبو الطيب – من ذهب على أن لكل من الورثة الانفراد باستيفاء القصاص، حتى لو عفا بعضهم – كان لمن لم يعف القصاص، وقد حكى الماوردي، والمحاملي وغيرهما ذلك عن مالك أيضاً، واختلاف العلماء في إباحة الفعل الذي لا يدعو قليله إلى كثيره شبهة دارئة للعقوبة؛ [ولذلك لا نوجب] الحد في الأنكحة المختلف فيها.
وهذا القول اختاره المزني، وصححه الرافعي، والقاضي أبو الطيب، والمحاملي، والإمام، والمصنف.
والثاني: يجب عليه القود؛ لأنه استوفى أكثر من حقه؛ فلزمه القصاص فيه؛ كما لو كان له القصاص في الطرف؛ فاستوفى النفس.
وأيضاً: فإن القصاص لهما؛ فإذا استوفاه أحدهما، فقد قتل نصفاً لا يملكه.
قال القاضي أبو الطيب: [فجاز] أن يقاد به؛ كما إذا اشترك رجلان في قتل واحد؛ فإنهما يقتلان به، ويكون كل واحد منهما بنصفه.
وقد وافق القاضي في هذا التعليل المحاملي، والبندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ، والمصنف، والرافعي، وإن اختلفت عباراتهم.
وقد ادعى الجيلي أن هذا القول هو الأصح في "الشامل"، و"البسيط"، ولم أره في "الشامل" في موضعه، [و"البسيط" لم أقف عليه فيه] ونسبه المتولي إلى القديم.
أما إذا كان القتل بقرعة، أو بإذن الآخر، أو كان القاتل جاهلاً بالتحريم – فلا يجب عليه [وجهاً] واحداً، صرح به في "التهذيب" في الأخرة.
ولو كان بعد حكم الحاكم بالمنع منه، قال الماوردي: فالصحيح أن عليه القود؛ لنفوذ حكمه برفع الشبهة فيه.
قال وإن عفا أحدهما، ثم اقتص الآخر قبل العلم بالعفو، أو بعد العلم قوبل الحكم بسقوط القود، أي: وقلنا: لا قود عليه إذا اقتص قبل العفو – ففيه قولان:

أصحهما: أنه يجب [عليه] القود.
والثاني: لا يجب.
هذان القولان بناهما الأصحاب على الوجهين في [علة] امتناع القصاص في المسألة السابقة: فمن قال: العلة ثمَّ شبهة أن له فيه حقًّا، قال بوجوبه هنا؛ لأن بالعفو سقط حقه؛ فأشبه ما لو قتله بعد عفوهما، أو قتله العافي بعد عفوه، فإنه يجب القود قولاً واحداً.
ومن قال: العلة ثَمَّ شبهة أن له فيه حقًّا، قال بوجوبه هنا؛ لأن بالعفو سقط حقه؛ فأشبه ما لو قتله بعد عفوهما، أو قتله العافي بعد عفوه، فإنه يجب القود قولاً واحداً.
ومن قال: العلة ثَمَّ شبهة اختلاف العلماء لم يوجب [القود] هنا؛ لأن اختلافهم موجود، لكن هذه العلة قد ينقضها [ما] إذا قتل المسلم ذميًّا، فقتله وليه؛ فإنا نقتله به، وإن كان الخلاف في قتله ثابتاً، فلا جرم كان الصحيح الأول.
ولا شك في أن الخلاف المذكور في قتله بعد العلم بالعفو مرتب على الخلاف في قتله بعد العفو وقبل العلم به، وأولى بإيجاب القصاص؛ وكذا حكاه البندنيجي، ومن هنا تخرج طريقة قاطعة بإيجاب القصاص فيما إذا قتله بعد العلم بالعفو، وقد حكاها ابن الصباغ وغيره [وأما] إذا قتله بعد العفو وحكم الحاكم بسقوط القصاص – وجب القصاص قولاً واحداً، سواء علم بالعفو أو لم يعلم، صرح به القاضي أبو الطيب والبندنيجي؛ لأن بحكم الحاكم يصير المختلف فيه إجماعاً، فتزول الشبهة.
وهذا الجزم فيه نظر؛ لأنا قد حكينا فيما إذا قتل من [قد] عهده مرتداًّ، وثبت أنه أسلم قبل القتل في وجوب القصاص عليه – قولين، [مع] أنه لا شبهة في إباحة قتله، إلا كونه بني على استصحاب الحال، وذلك موجود هنا.

ووجه الشبه بين الصورتين: أن المقتول معصوم بالإجماع، والقاتل جاهل بحاله، غير معذور في الإقدام.
نعم [الأشبه ما قاله البندنيجي؛ وهو الجزم بوجوب القصاص إذا وقع القتل بعد الحكم، سواء علم بالحكم أو لم يعلم].
وقد يتخيل بينهما فرق؛ وهو أن المرتد كان مهدر الدم بالنسبة إلى القاتل، بل إلى كل واحد، ومنعه من قتله حذر من الافتيات على الإمام؛ لكون الاستيفاء منصبه، ولما كان الأمر كذلك قويت الشبهة في استصحاب المهدر؛ فسقط القصاص، ولا كذلك في مسألتنا، فإن المقتول بالنسبة على القاتل معصوم الدم؛ ولذلك تجب عليه الكفارة والدية؛ فضعفت الشبهة في استصحاب المسقط للقصاص فقط، وهو عدم العفو، فوجب القصاص، [والله أعلم].
قال: وإن قلنا: يجب، فأُقِيد منه، وجبت الدية، أي: دية المقتول أولاً، في تركة القاتل الأول.
ووجهه في الصورة الأولى – كما قاله ابن الصباغ، والرافعي وغيرهما-: أن القصاص لمَّا وجب، لم يقع قتل الجاني قصاصاً؛ كما لو قتله أجنبي، وإذا فات القصاص وجبت الدية.
ووجهه في الصورة الثانية والثالثة: أن بالعفو تعين حق ورثة المقتول أولاً في الدية، ولم يؤخذ، ولا عوض عنها، ثم الدية-في هذه الحالة – تصرف إلى ورثة المقتص وإلى الذي لم يقتص، [كما كانت تصرف إلى] من اقتص وغلى [من لم يقتص] لو مات القاتل، وهذا مجزوم به في طرق الأصحاب.
قلت: وفي في الصورة الأولى نظر؛ لأنهم جعلوا علة وجوب القصاص فيها كون المقتص استوفى أكثر من حقه، أو كونه قتل نصفاً لا يملكه، ومثل ذلك يوجب القصاص؛ كما إذا اشترك اثنان في قتل رجل، وهذا منهم دليل ظاهر على

جعله مستوفياً لحصته من القصاص، وإنما وجب عليه القتل؛ لاستيفائه حق الآخر؛ فكان [يجب أن يقال: لا] يجب [من الدية] في تركة القاتل أولاً إلا قدر نصيب الذي لم يقتص.
نعم، لا يرد ما ذكرته على الإمام، فإنه جعل علة القول بوجوب القصاص أن استيفاءه حق نفسه من القصاص غير ممكن، ولا سلطان له في استيفاء حق أخيه؛ فلا يقع قتله عن جهة القصاص، لا في حقه، ولا حق أخيه، وإذا لم يقع عن جهة القصاص، كان قتله [إياه] بمثابة قتل الأجنبي [والله اعلم].
أما إذا لم يقد منه، فإن عفا عنه مجاناً، فالحكم كما لو أقيد منه؛ وكذا إذا أطلق العفو، وقلنا: مطلقه لا يوُجب الدية، فأما إذا قلنا: مطلقه يوجبها، أو عفا عليها؛ فالحكم كما إذا قلنا: لا يجب القود في حال القتل بعد العفو، وسنذكره.
قال: فإن قلنا: لا يجب، فقد استوفى المقتص حقه: أما في الصورة الأولى، فظاهر؛ لأن قتل الجميع يتضمن قتل البعض.
وفي "التتمة" أن من علل من أصحابنا سقوط القصاص باختلاف العلماء، لم يجعل لشركة تأثيراً؛ فلا يصير مستوفياً حقه.
وأما في الصورة الثانية والثالثة، فلأن الواجب عليه دية الذي قتله، والواجب له نصف دية مورثه؛ فسقط مما عليه بإزاء ما له، وبقي الباقي في ذمته، وهذا ما جزم به البندنيجي، وهو من الشيخ، ومنه تفرعي على وقوع التقاص بنفس الوجوب.
أما إذا قلنا: لا يحصل إلا بالتراضي، لم يجعل المقتص مستوفياً لحقه إلا به، صرح به الماوردي، والمصنف وغيرهما.
واستشكل الرافعي جريان التقاص في مسألتنا؛ من حيث إن موضع الخلاف في التقاص؛ إذا تساوى الديتان في الجنس والصفة، حتى لا يجري فيما

إذا كان أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً، أو كانا مختلفين في قدر الأجل، قال: وهاهنا إحدى الديتين ثبتت في ذمة الابن القاتل لوارث الجاني، والأخرى تتع7لق بتركة الجاني، ولا تثبت في ذمة الوارث، وهذا الاختلاف أشد من الاختلاف في قدر الأجل.
قلت: وجوابه أن للشافعي – رضي الله عنه – قولين في أن الدية تثبت للمقتول أولاً، أو للوارث ابتداء؟ فإن قلنا بالأول – وهو الصحيح في الطرق- فمن وجب في ذمته الدين هو الذي وجب له الدين؛ فلا اختلاف.
وإن قلنا بالثاني، فلا نسلم أن هذا الاختلاف اشد من الاختلاف في قدر الأجل؛ لأن الدية- وإن وجبت للوارث ابتداء – فهي متعلق حق أرباب الديون على المورث، ومحل لتنفيذ وصاياه باتفاق الأصحاب، فكانت كأنها له.
نعم، الانتقاد على الأصحاب في شيء ساذكره من بعد، وهذه مادته.
قال: ووجب لأخيه نصف الدية، أي: في الصورة الأولى من غير تفصيل؛ لأنه فات عليه القصاص بدون رضاه؛ فانتقل حقه إلى ما يقابله من الدية؛ كما لو فات بعفو شريكه، وهل هي نصف دية مورثه، أو نصف دية قاتل أبيه؟ يظهر مجيء الوجهين اللذين حكيناهما عن رواية المتولي من قبل، وتظهر فائدتهما فيما لو كان المقتول أولاً مسلماً، وقاتله ذميّ، ثم أسلم، وأما [في الصورة] الثانية والثالثة، فكذلك الحكم إن كان قد عفا على الدية، أو أطلق، وقلنا: العفو المطلق يوجب الدية؛ لما ذكرناه من قبل.
أما إذا قلنا: لا يوجبها، أو صرح بإسقاط الدية عند العفو، فلا يجب [له] شيء.
قال: وممن يأخذ؟ فيه قولان:

أحدهما: من أخيه المقتص، قال الأصحاب: لأن نفس قاتل أبيه كانت مستحقة لهما، فإذا قتله أحدهما فقد أتلف ما يستحقه هو وأخوه؛ فوجب عليه ضمان حق أخيه؛ كما لو كانت لهما وديعة؛ فأتلفها أحدهما، وهذا التعليل يفهم اختصاص هذا القول بالصورة الأولى، مع أنه جار فيها، وفيما عداها؛ كما صرح به الماوردي، وكذا ابن الصباغ، ووجهه بأن القصاص وإن سقط قبل القتل، فالقاتل محل الحق؛ فإذا أتلفه متلف انتقل الحق إليه.
والثاني: من تركه الجاني؛ كما لو قتله أجنبي؛ [و] هذا ما اختاره المزني، وهو الأصح عند النواوي وغيره.
قال الأصحاب: ويخالف الوديعة؛ فإنها غير مضمونة لو تلفت بآفة سماوية، ونفس الجاني أولاً مضمونة لو تلفت بآفة سماوية.
وأيضاً: فإن الوديعة لو أتلفها أجنبي لضمنها لهما؛ فكذلك إذا أتلفها أخوه؛ بخلاف ما لو قتل الجاني [أولاً أجنبيٌّ]؛ فإن ديته تكون لورثته على الأجنبي، ودية المقتول أولاً في تركه قاتله، على أن في هذه الصورة – أيضاً – وجهاً حكاه الرافعي: أن دية المقتول أولاً تجب على الأجنبي، ولا تجب في تركة القاتل.
وقد حكى في مسألة الكتاب عن ابن سريج قول ثالث مخرج: أن الذي لم يقتل من الابنين يتخير بين أن يأخذ حقه من أخيه، وبين أن يأخذه من تركة الجانين وينزلان منزلة الغاصب، والمتلف من يد الغاصب.
تنبيه: محل قولنا: إن نصيب الذي لم يقتص من الدية يأخذه من أخيه إذا كانت دية المقتول أولاً ودية قاتله مستوية، أما لو اختلفتا؛ بأن كان المقتول أولاً مسلماً، وقاتله ذميّ – فإن الواجب على المقتص في هذه الصورة نصف دية الذميّ، وهو سدس دية المسلم، ولأخيه نصف دية مسلم؛ فقد قال ابن الصباغ: لو قلنا: إنه يرجع عليه، لم يمكن أن يرجع عليه بنصف دية المسلم، ولا يمكن أن يرجع على أخيه، وورثة القاتل؛ لأن على هذا القول: أخوه أتلف جميع حقه،

ولم يذكر أصحابنا هذا الفرع، وهذا يدل على تضعيف هذا القول.
فرع: إذا أبرأ الأخ – الذي لم يقتل – أخاه من نصف الدية، أو أبرأه ورثة القاتل منه؛ إن قلنا: إن حق الأخ يأخذه من أخيه، برئ، ولا شيء عليه لأحد، ولا يبرأ بإبراء ورثة المقتص منه.
وإن قلنا: إن نصيب الأخ يأخذه من تركة القاتل، لم يبرأ بإبراء أخيه، ويبرأ بإبراء الورثة.
قال المحاملي والبندنيجي والماوردي وغيرهم: وتبرأ الورثة - أيضاً – على هذا القول بإبراء الذي لم يقتص؛ لأن الحق يثبت له عليهم.
وهذا فيه نظر؛ لأن دية المقتول أولاً واجبة في ذمة مورثهم دونهم، وإن تعلقت بالتركة؛ وهي ملكهم، فحصول براءتهم بالإبراء ولا شيء في ذمتهم- لا وجه له، وهذا ما وعدْتُ به من قبل.
فرع: إذا كان المقتص جاهلاً بتحريم القتل، فقد ذكرنا أنه لا قود عليه جزماً، لكن هل حكم هذا القتل حكم الخطأ حتى يتحمل بدله العاقلة، أم لا؟ فيه قولان: فإن قلنا: تتحمله العاقلة، فالحكم كما إذا قلنا بوجوب القصاص، واقتص منه لكن في هذه [الحالة] يثبت لورثة القاتل أولاً ديته على عاقلة المقتص مؤجلة.
قلت: وينبغي أن يلاحظ فيه جعل الخاطئ مستوفياً لحقه، حتى لا يجب على عاقلته إلا نصف دية القاتل أو لا، على وجه.
وإن قلنا: إن العاقلة لا تتحمله؛ فالحكم كما إذا قلنا بامتناع القصاص في حالة القتل بعد العفو، وقد ذكرناه.
قال: وإن كان القصاص لصبي أو معتوه، حبس القاتل حتى يبلغ الصبين ويفيق المعتوه.
هذا الفصل ينظم حكمين:

أحدهما: بمفهومه، وهو أن وليهما لا يجوز له القصاص ولا العفو على مال.
والثاني: بمنطوقه، وهو حبس القاتل.
ووجه الأول: أنه قتل ثابت غير متحتم لمعين، فلا يجوز استيفاؤه، ولا إسقاطه إلا برضاه؛ كما لو كان غائباً، أو بالغاً؛ ولأن القصد من القصاص [إنما هو] التشفي، ودرك الغيظ؛ وهو لا يحصل باستيفاء الولي؛ فلذلك لم يدخل تحت ولايته.
قال الجيلي: فلو حكم حاكم باستيفاء القصاص فالأصح: أنه لا ينقض حكمه، ولا فرق في الولي بين أن يكون وصيًّا أو حاكماً أو أباً.
وحكم القصاص في الطرف بسبب قطع طرف المولى عليه أو غيره، حكْمُ القصاص في النفس؛ كما صرح به المحاملي في "المجموع"، والقاضي الحسين، والرافعي.
وفي "الذخائر": أن هذا مخصوص بما إذا ثبت له بإرث عن غيره، أما إذا ثبت له بجناية على طرفه فلوليه استيفاؤه.
وحكى عن القفال أن للسلطان استيفاء قصاص المجنون بعد الأب.
وقال الإمام في باب اللقيط: [كان الشيخ أبو بكر يزيفه].
ووجه الثاني: أن في حبس القاتل مصلحة له؛ لأنه لا يقتل في الحال، ومصلحة للمولى عليه؛ لأنه يستوفيه في حالة يصح تشفيه، ودرك غيظه.
وأيضاً فإنه استحق قتله، وفيه إتلاف نفسه ومنفعته؛ فإذا تعذر استيفاء نفسه، أتلفنا منفعته بالحبس إلى أن يمكن إتلاف نفسه.
وكما يحبس القاتل يحبس القاطع لطرف يجب عليه به القصاص كي لا يفوت الحق بتواريه وهربه، والمتولي للحبس: الحاكم دون الولي، ولا يتوقف على طلب الولي؛ صرح به الماوردي.
وهكذا الحكم لو كان المستحق للقصاص في النفس غائباً، دون القصاص

في الطرف – عند ابن الصباغ- لأن للميت في قصاص النفس حقًّا، وللحاكم ولاية على ما يخلفه الميت، بخلاف مال الغائب المكلف.
قال الرافعي: وفي كلام الإمام وغيره ما ينازع فيه، ويشعر بأخذ مال الغائب ويحفظ له، وأنه يحبس لقصاص الطرف [أيضاً].
وفي "الحاوي" أنه لا يحبس لقصاص الغائب إلا باستدعاء منه.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن الشيخ ابا عليّ قال: لا يحبس القاتل؛ لأن الحبس ضم عقوبة إلى القصاص المستحق عليه، وحمل الحبس في كلام الشافعي – رضي الله عنه – على التوقف والإنظار.
والمشهور الأول، وعليه جرى الإمام والقاضي الحسين.
قال: وإن كان الصبي والمعتوه فقيرين [يحتاجان إلى ما ينفق] عليهما، جاز لوليهما العفو على الدية؛ لأن هذا موضع ضرورة؛ فجاز له ذلك؛ كما نقول في بيع عقاره.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه يستحق النفقة في بيت المال؛ فلا حاجة إلى العفو عن القصاص، وهذا ما ادعى البندنيجي أنه المنصوص، والجيلي أنه الأصح، وقال الرافعي: إنه الأظهر في الصبي، بخلاف المجنون؛ فإن الظهر فيه الجواز.
قال الماوردي: ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن يعتبر حال الولي: فإن كان مناسباً، أو وصيًّا، لم يصح عفوه؛ [وإن كان حاكماً صحَّ عفوه]؛ لأنه حكم يجوز أن ينفذ باجتهاده.
أما إذا كان فقيراً غير محتاج إلى ما ينفق عليه؛ بان كان له قريب تلزمه نفقته، لم يجز له العفو جزماً، صرح به الماوردي وغيره.
وقد أطلق الغزالي هنا حكاية نص للشافعي –رضي الله عنه – فيما إذا

[وجب القصاص لمجنون: أن لوليه المطالبة بالأرش؛ للحيلولة، وفيما إذا] كان لصبي أنه ليس له، من غير تقييد بحالة الفقر، ووجه ذلك بأن للصبي أمداً ينتظر؛ بخلاف المجنون، وأن من الأصحاب من خرج من كل مسألة إلى الأخرى وجهاً، واتبع في هذا الإطلاق الإمام، وقد وافقهما على ذلك – في المجنون- أبو إسحاق الخراط؛ كما ذكره القاضي الروياني عنه، لكنا حكينا في باب اللقيط: أن محل النص في المجنون إذا كان معسراً.
وعن الإمام نفي الخلاف في الصبي إذا كان عاقلاً مميزاً موسراً؛ فتعين حمل النصين المطلقين هنا على حالة الاحتياج فيهما، وحمل ما أطلقه البندنيجي من حكايته أن قول المنع الذي ذكره الشيخ هنا هو المنصوص على الصبي خاصة؛ كما صرح به في المهذب، وحينئذ يستقيم التخريج، [والله أعلم].
قال: وإن وثب الصبي أو المعتوه، فقتل الجاني، أي: أو قطع طرفه المستحق له – فقد قيل: يصير مستوفيا؛ لأنه وإن منع من القصاص فهو المستحق له، ولا سبيل إلى إحباط فعله؛ فصرف إلى استيفاء حقه؛ وكما لو كان له وديعة عنده، فأتلفها.
وهذا ما جزم به القاضي الحسين قبيل باب: عفو المجني عليه في الصبي، وقاسه على ما إذا اشترى قيم الطفل له عبداً؛ فبادر الصبي وقتله قبل القبض؛ فإنه يصير قابضاً، وألحق استيفاء القصاص في الطرف باستيفائه في النفس.
وقال المتولي: إنه الصحيح في استيفاء الطرف في الصبي والمجنون.
قال: والمذهب: أنه لا يصير مستوفياً؛ لأنه ليس من أهل الاستيفاء، ويخالف مسألة البيع والوديعة؛ لأن هناك فعله مضمون، والملك له، فلو لم نجعله مستوفياً لأوجبنا عليه ضمان ملكه، وهنا لا ملك له في محل القصاص؛ بدليل ما لو

أتلفه أجنبي؛ فإنه لا يضمن له – على المذهب – وإذا كان كذلك لم يلزم منه إذا ضمناه أن نضمنه ملك نفسه.
وقد فرق الشيخ في المهذب وغيره من الأصحاب بين ما نحن فيه، وبين الوديعة؛ بأنها لو تلفت من غير فعل [برئ منها المودع، ولو هلك الجاني من غير فعل] لم يبرأ من الجناية؛ فعلى هذا هل تجب دية القاتل المقتول في مالهما، أم على عاقلتهما؟ فيه خلاف مبني على أن عمدهما عمد، أم لا فإن قلنا: إنه عمد، كانت في مالهما، ويجيء فيها أقوال التقاص.
وإن قلنا بمقابله، كانت على العاقلة مؤجلة، وحقهما في تركة القاتل المقتول حالاًّ.
قال الإمام: وهذا الخلاف غير مذكور في طريقنا، لكن قياس أئمتنا يقتضيه.
و [قد] احترز الشيخ بلفظ:"وثب" وهو القتل بدون إذن الجاني عما إذا قتله بعد تمكينه من نفسه؛ فإنه لا يكون مستوفياً وجهاً واحداً، ويكون فعله مهدراً لا ضمان فيه؛ لتفريطه.
قال أهل اللغة: يقال: وَثَبَ يَثِبُ وَثْباً ووِثَاباً؛ أي: طفر.
وحكم البالغ العاقل إذا قتل الجاني، أو قطع طرفه خطأ – حكم الصبي والمجنون في جريان الخلاف؛ كما صرح به المتولي والغزالي، وأبداه الإمام تخريجاً، لكن الأصح: أنه يجعل مستوفياً، وهو ما جزم به القاضي الحسين في باب القصاص في الشجاج، وقال الإمام ثمَّ: إنه الذي يجب القطع به، وهو الذي تقتضيه علة الأصحاب؛ حيث عللوا قول المنع في الصبي والمجنون بأنهما ليسا من أهل الاستيفاء، وهذا من أهله.
قال: وإن قتل من لا وارث له جاز للإمام أن يقتص، أي: إذا رأى ذلك مصلحة، وله أن يعفو على الدية؛ [أي:] إذا رآه مصلحة؛ لأن الحق للمسلمين؛ فكان للإمام الذي هو نائبهم ان يفعل ما فيه مصلحتهم؛ كولي

الطفل في ماله، وقد تقدم في كتاب اللقيط حكاية قول عن رواية البويطي أنه لا قصاص بقتل من لا وارث له.
قال المتولي: وعلى ذلك يخرج إيجاب القصاص على من قتل من وارثه الخاص لا يستوعب جميع ميراثه، فعلى الأول يجب ويستوفي باتفاقه، واتفاق الإمام معه، ولا يجوز بدون ذلك.
وعلى الثاني: لا يجب أصلاً، ولا يجوز للإمام العفو عن القصاص والدية؛ لأنه تصرف لا حظ للمسلمين فيه، فلم يملكه؛ قاله في المهذب.
وقد ذكرت عن القاضي الحسين [وغيره في باب الوصية حكاية وجه: أن الوصية بالزائد على الثلث ممن لا وارث له تنفذ بإجازة الإمام؛ إقامة له مقام الوارث الخاص، وعلى هذا: لا يبعد أن يصح عفوه مجاناً.
قال:] وإن قطع أصبع رجل، أي: عمداً، وهو حر، فقال: عفوت عن هذه الجناية، وما يحدث منها؛ فسرت إلى الكف – سقط الضمان في الأصبع؛ أي: من قود ودية؛ لعفوه عنه بعد الوجوب.
وفي "الحاوي" أنا إذا قلنا: [إن] الواجب القود عيناً، ولا تجب الدية غلا باختيار الدية – لم يصح العفو عن الدية، [إلا أن يصرح بالعفو عنها].
وعن المزني: أنه لا يصح العفو عن الدية]، وإن صرح بالعفو عنها؛ لأنها لا تجب إلا بالاندمال؛ فالعفو عنها وجد قبل وجوبها.
قال الشيخ في "المهذب": وهذا خطأ؛ لأن الدية تجب بالجناية، وإنما يتأخر استيفاؤها إلى الاندمال كالدين المؤجل، وبدل على ذلك أنه لو جنى على طرف عبده، ثم باعه، ثم اندمل، كان أرش الطرف له دون المشتري.
قال: ووجبت دية بقية الأصابع؛ لأنه عفا عنها قبل الوجوب؛ فلم يصح.
قال البندنيجي: ويكون الكف تبعاً للأصل.
وحكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة وجهاً؛ أنه يصح؛ نظراً إلى أنه

وجد سبب وجوبها وهو القطع.
وفي كلام القاضي أبي الطيب ما يمنع [أنه سبب] الوجوب؛ كما سنذكره.
ولا يجب القصاص في بقية الأصابع، وإن قلنا بوجوب القصاص بالسراية إلى الأجسام – كما افهمه قول الشيخ – وجبت دية بقية الأصابع؛ [لحدوثها من معفوّ عنه].
أما إذا قال: عفوت عن هذه الجناية، ولم يزد- فقد حكى البندنيجي والمحاملي عن نص الشافعي في "الأم" فيما إذا لم تسر إلى الكف: أنه عفو عن القود، دون العقل؛ لأنه ما عفا عن المال.
وزاد المحاملي في الحكاية عنه: فإذا سقط وجبت الدية.
ثم قال: وهذا مفرع على قولنا: إن موجب العمد القود، أما إذا قلنا: موجبه أحد الأمرين، ففي بقاء دية الاصبع احتمالان، وكذلك حكاهما الرافعي عن القاضي الروياني.
وفي "الحاوي": أنه عفو عن القصاص وعن دية الأصبع؛ إذا قلنا: الواجب أحد الأمرين، وإن قلنا: الواجب القود، ولا تجب الدية إلا باختيارها – لم يصح.
قلت: وما ذكروه يظهر جريانه في مسألتنا؛ لأن السريان لا يظهر له معنى في دية الأصبع، وأما دية بقية الأصابع- فتجب، ولا يجيء فيها الوجه السابق؛ نظراً إلى صحة الإبراء عما لم يجب، ولكن جرى سبب وجوبه.
نعم حكى الطبري، والقاضي الحسين وغيرهما من المراوزة وجهاً: [أنها لا تجب]؛ موجهين ذلك بأن السراية تولدت من جناية غير مضمونة؛ فلم تكن مضمونة؛ كما لو قطع يد مرتد، فأسلم، ثم سري – لم تكن تلك السراية مضمونة؛ [وكما] لو قال لشخص: اقطع يدي، فقطعها، فسرى القطع على عضو آخر، وقضية هذا التعليل: أن يطرد هذا الوجه فيما إذا سرت الجناية إلى النفس، لكن القاضي حكى وجوب مازاد على دية الأصبع بلا خلاف.
ثم [من] طريق الأولى – على هذا الوجه – لا يجب القصاص في بقية

الأصابع، وأما على الأول – وهو المذهب – فقد قال الأصحاب: لا يجب القصاص أيضاً، ويجيء على قياس قول أبي الطيب بن سلمة- الذي سنذكره من بعد – أنه يجب إذا قلنا بوجوبه بالسراية إلى الأجسام؛ كذا قال الرافعي.
قال: وإن سرت إلى النفس سقط القصاص، أي: في الجميع، قال المحاملي: لن القصاص يسقط في الأصبع؛ لعفوه، وإذا سقط في البعض سقط في الكل؛ لأنه لا يتبعض.
وقال القاضي أبو الطيب: لأن السراية تابعة للجناية في حكم القصاص؛ بدليل ما لو قطع يد مرتد، ثم اسلم، ثم سرت الجناية إلى نفسه؛ فإنه لا يجب القصاص فيها؛ كما لا يجب في الطرف؛ كذلك هاهنا: لما سقط القصاص في الجناية، سقط في سرايتها، وهذا ما ادعى القاضي الحسين نفي خلافه.
وفي "ابن يونس" أنه قيل بوجوبه في النفس؛ لأن الفعل كان عدواناً، ولم يعف عن النفس.
وهذا الوجه حكاه المتولي والقاضي الحسين والإمام وغيرهم عن أبي الطيب بن سلمة فيما إذا قال: عفوت عن هذه الجناية، ولم يزد؛ فسرت إلى نفسه.
وذكر في "الزوائد": أن الطبري حكى عن ابن سلمة أنه حكى ذلك قولاً مخرجاً عن ابن سريج، وعلى هذا قال القاضي ابن كج: لو عفا عن القصاص لم ينك له إلا نصف الدية؛ لسقوط النصف بالعفو عن أرش اليد.
قال: وهل تسقط الدية؟ فقد قيل: إن ذلك وصية للقاتل، أي: في الحكم بدليل اعتبار الدية من الثلث، وفيها قولان قد تقدم توجيههما.
فعلى هذه الطريقة:

إن قلنا بقول الصحة، وخرجت من الثلث – برئ منها، وإلا برئ بقدر ما يخرج منه، ووجب الباقي.
وإن قلنا بالمنع وجب جميع دية النفس، ولم يبرا منها بالعفو عنها.
قال الماوردي: وسواء ما وجب بالجناية قبل العفو، وما حدث [بعده بالسراية]؛ لأن سراية جنايته إلى النفس قد جعلته قاتلاً.
فإن قيل: إذا أبطلتم الوصية للقاتل، وأبطلتم عفوه عن الدية؛ فهلا بطل عفوه عن القصاص؛ لأنه وصية للقاتل؟! قيل: لأن الدية مال، والقود ليس بمال؛ بدليل عدم صحة الوصية به لأجنبي، بخلاف الدية.
فإن قيل: لِمَ كان العفو كالوصية إذا سرت إلى النفس على أحد القولين، ولم يكن كالوصية إذا سرت إلى الكف واندمل، قولاً واحداً؟ قال البندنيجي: قلنا: لأنها إذا سرت إلى النفس كان ذلك عطية تجب بالموت؛ فكانت وصية، وإذا اندمل الكف، ولم يمت – كان إبراء عن عقلها؛ فلهذا لم يصح عما لم يجب.
وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنا قد ذكرنا أن جعله وصية من طريق الحكم، لا أنه وصية حقيقة، وإذا كان كذلك: فإن كانت مسألة الاندمال مصورة بما إذا صح، ولم يمت من تلك الجراحة ولا من غيرها، فهذه الحالة لا يعتبر فيها التبرعات من الثلث، بل من رأس المال؛ فانقطع عن التصرفات فيها حكم الوصية.
وإن كانت مسألة الاندمال مصورة بما إذا كان في حالة البراءة مريضاً ومات من ذلك المرض – فالإبراء هاهنا في معنى الوصية؛ فلا يحصل بما ذكره جواب، [والله أعلم].
وفي "الجيلي": أن الشيخ أبا محمد في "السلسلة" خرج الخلاف في مسألة الكف على القولين في الوصية للقاتل.
ثم اعلم أن القول [بأن هذا وصية للقاتل] مفرع على أن صورة الوصية

للقاتل أن يجرحه، ثم يوصي له [أما إذا قلنا: صورتها: أن يوصي له]، ثم يجرحه وإذا جرحه ثم أوصى له، يصح جزماً- فقد يقال: يصح هاهنا على هذه الطريقة قولاً واحداً.
ويظهر أن يقال: لا يكون وصية، بل إبراء؛ كما سنذكره.
قال: وقيل: هو إبراء أي: وليس بوصية؛ لأن الوصية تكون بعد الموت.
وهذا ما صححه الرافعي والنواوي، ونسبه ابن الصباغ إلى أبي حامد.
قال: فيصح في آرش الإصبع، أي: إن خرج من الثلث – لتحقق العفو عنه بعد وجوبه، أما إذا لم يخرج من الثلث شيء منه، فلا يصح أيضاً؛ لوقوعه في حال الخوف؛ كذلك أشار إليه ابن الصباغ، وصرح به القاضي الحسين، وقال: إن الحك كذلك فيما لو قتله آخر قبل الاندمال.
قال: ولا يصح في النفس، أي: في دية [النفس؛ لأنه عفا] عما لا يملكه؛ على قولنا: إن الدية تثبت للوارث ابتداء، أو عما لم يجب؛ إن قلنا بأنها تثبت للموروث ابتداء، وكل من العفوين لا يصح.
قال: فيجب عليه تسعة أعشار الدية؛ لأن القطع صار قتلاً؛ فواجبه الدية، وقد برئ مما قابل الأصبع منها [وهو العشر؛ فبقي الباقي] وهو تسعة أعشارها.
وقيل: لا يجب له عليه شيء إذا خرج ذلك من الثلث؛ بناء على صحة الإبراء عما لم يجب، [ولكن] جرى سبب وجوبه، ولابد – على هذا – من ملاحظة أن الدية تثبت للقتيل أولاً، ثم تنتقل، أما إذا قلنا: إنها تثبت للوارث ابتداءً فيظهر عدم مجيئه؛ لأن المبرئ غير المستحق، وهذا بخلاف ما إذا قلنا: إن ذلك وصية؛ فإن ذلك لا يلاحظ؛ لكون الدية تنفذ منها الوصايا، وإن قلنا: إن الوارث يملكها ابتداء إلا على قول أبي ثور.
وقد سلك القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ في هذه المسألة طريقاً

آخر؛ فقالوا: إذا سرى القطع إلى النفس بعد العفو عن الجناية، وما يحدث منها – فالقصاص غير واجب، وأرش الأصبع هل يبرأ منه؟ ينبني على أن الوصية للقاتل [هل] تصح أم لا؟ فإن منعناها لم تصح، وإلا صحت.
وأما القدر الزائد عليه على تمام دية النفسن فهل يصح العفو عنهن أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: لا يصح؛ لأنه عفو عما لم يجب؛ فلا يصح؛ كما لا يصح عفوه عن ارش الكف إذا كانت السراية إلى الكف فقط.
والثاني: يصح، ويفارق ما إذا سرى القطع إلى الكف؛ لأن الجناية على الأصبع لا تكون جناية على الكف؛ بخلاف الجناية على الأصبع؛ فإنها جناية على النفس.
قال الرافعي: وهذا الخلاف بعينه هو الخلاف في أن الإبراء عما لم يجبن وجرى سبب وجوبه، هل يصح؟ قلت: لو كان هو [هو] لكان يبرأ عن أرش الكف؛ لأن سبب وجوبه الجناية على الأصبع قطعاً.
ثم قال القاضي وغيره فإن قلنا: لا يصح العفو، وجب تسعون من الإبل، وإن قلنا: يصح، انبنى على القولين في الوصية للقاتل: فإن قلنا: لا تصح، صح العفو، وعلى ذلك جرى الرافعي، لكنه سكت عن القول بصحة العفو عن أرش الأصبع إلى تمام دية النفس، ولم يخرجه على الوصية [للقاتل]، وهذا يوهم أنه لا يخرج [عليه].
وحاصل الفرق بين الطريقين: أنا – على طريقة ابن الصباغ، ومن معه – إذا صححنا العفو عن أرش الأصبع، وعن القدر الزائد على أرش الأصبع، فنصححه في أرش الأصبع؛ لكونه إبراء [عما وجب، وفي [القدر] الزائد لكونه

إبراء] عما وجد سبب وجوبه، ونجعل حكمه حكم الوصية للقاتل؛ كما عجلنا حكمه حكمها في اعتباره من الثلث.
[وعلى طريقة الشيخ – وهي التي أوردها المحاملي، والبندنيجي، والماوردي – نصححه في أرش الأصبع على طريقةٍ؛ لكونه وصية، وعلى طريقة؛ لكونه وصية، وعلى طريقة؛ لكونه إبراء، ولا نجعل حكمه حكم الوصية للقاتل، وإن جعلنا حكمه حكمها في اعتباره من الثلث؛ لكونه] صدر في حال الخوف، ونصححه في القدر الزائد- إذا صححناه –لكونه وصية قولاً واحداً.
ثم على طريقة من صحح العفو عن أرش الأصبع، دون القدر الزائدعليه من الدية؛ لكونه إبراء – سؤال لا يكاد يندفع، ويحتاج في تقريره إلى تجديد العهد باصلين: أحدهما: أن الإبراء عن المجهول غير صحيح على المذهب.
والثاني: أن الجراحات إذا سرت إلى النفس، وأفضى الأمر إلى الدية- لا نظر إلى أروشها، سواء كانت مقدرة أو غير مقدرة، بل الواجب – كما قال الإمام – دية واحدة عن النفس، لا عن الأطراف، ولا يختلف مذهبنا في ذلك.
وإذا كان كذلك، فالإبراء حصل عما قابل الأصبع من الدية، وقد تبينا بآخر الأمر أن لا مقابل لها، ولو قيل بأن لها مقابلاً فليس هو عشراً من الإبل، بل جزء من الدية، وهو مجهول، وقضية ذلك: ألا يصح فيما ادعوه.
فإن قلت: إنما صح عن أرش الأصبع؛ لأني انزل الإبراء منزلة الاقتصاص، وهو لو اقتص في الأصبع، لسقط من الدية العشر؛ فكذلك إذا عفا عن أرشه.
[قلت: غنما سقط العشر عند القصاص فيه؛ لأنه استوفى ما قيمته العشر، مع أنه لا يمكن رده؛ فصار كما لو تسلم عشراً؛ بخلاف الإبراء؛ فإنه يقبل الرد.

فإن] قلتَ: قد أشار ابن الصباغ – في أواخر باب القصاص بالسيف – إلى شيء يمكن أخذ الجواب منه، وهو أنا عند السراية في مثل هذه الحالة لا نسقط ارش الجناية السابقة بالسراية، بل نوجب بالسراية تمامَ الدية.
قلت: قد تقدم لنا خلاف فيما إذا قطع يدهن ثم ارتد ومات في الردة: أن القصاص في اليد هل يجب، أم لا؟ بناء على خلاف حكاه الأصحاب فيما إذا قطع يده فمات: [أنه] يجوز لولي المقتول – عندنا – قطع يده، فإن مات وإلا حزَّ رقبته، وهل يكون قطع اليد مقصوداً في الاستيفاء، [أم يكون القطع طريقاً في الاستيفاء؟].
والثاني: هو الذي فرع عليه الأصحاب؛ كما سنذكره عن ابن الصباغ في الباب، فينبغي أن تنبني هذه المسالة على هذا الخلاف: فإن قلنا: إن قطع اليد غنما وجب طريقاً في الاستيفاء؛ فالمقصود: النفس؛ فيكون الواجب ديتها؛ [فلا ينظر] إلى ارش الطرف.
وإن قلنا: وجب مقصوداً؛ فحينئذ يتجه الواب.
ولك أن تجيب عن هذا بان محل التردد إذا لم يتعلق بأرش اليد حق لغير مستحق النفس، أما إذا تعلق به حقن فذلك الحق لا يسقط عند السراية إلى النفس، ولا شيء منهن ما أمكن استيفاؤه اتفاقاً، وإن وجبت دية النفس؛ دليله ما لو قطع يد عبد، ثم أعتقن ثم مات، فإن حق السيد لا يسقط، وإذا كان كذلك، فالجاني هاهنا قد تعلق له حق بأرش الأصبع، وهو براءته منه، فإذا صار القطع قتلاً، ووجبت دية النفس، وجب ألا يسقط الحق السابق؛ كما في حق السيد، وبهذا تحرر الجواب عن السؤال، [والله أعلم].
أما إذا كان الجاني عبداً، فإن أضاف العفو إلى السيد؛ بأن قال: عفوت عما وجب لي على سيدك من قود وعقل – قال القاضيان الماوردي، وأبو الطيب: صح عفوه عن الدية، ولم يصح عن القود؛ لوجوب الدية على السيد، والقود على العبد.

وغيرهما بنى صحته في الدية على أن الدية بجناية العبد هل تثبت في ذمته مع تعلقها برقبته، ام لا؟ وفيه قولان: فإن قلنا: لا تتعلق بالذمة، فالحكم كذلك.
وإن قلنا: تتعلق بالذمة مع الرقبة، لم يصح؛ لانه عفو من غير من عليه العفو.
فإن قيل: فكان يتجه – [على] هذا – أن تكون فائدة العفو انفكاك الرقبة عن التعلق؛ إذا قلنا: إن هذا التعلق قابل للفك؛ كما حكاه الإمام وجهاً هاهنا.
قلت: الإمام أجاب عنه: بأنا إذا قلنا: إن ذلك قابل للفك، فذاك إذا جرد مستحق الأرش القصد إلى قطعه، وهاهنا لم يجرد القصد إليه.
فإن أضاف العفو إلى العبد، قال الماوردي: صح عن القود، ولم يصح عن الدية.
وغيره قال: هذا مفرع على عدم تعلقها بالذمة، أما إذا قلنا بالتعلق، فهو كما لو كان الجاني حرًّا عامداً، وقد عُفي عنه.
وإن أطلق؛ بأن قال: عفوت عن هذه الجناية، وما يحدث منها من عقل وقود – قال القاضي أبو الطيب والماوردي: صح العفو عن القود في حق العبد، وعن الدية في حق السيد، سواء جازت الوصية للقاتل أو لم تجز.
والقاضي الحسين وغيره قالوا: إن الحكم كذلك؛ إذا قلنا: لا تعلق للدية بالذمة؛ فإن قلنا: تتعلق بها، فينبني على أن الوصية للقاتل هل تصح، [أم لا]؟ ثم إذا صححنا العفو؛ فإن قلنا: هو وصية، صح في الجميع، وإن قلنا: هو إبراء، صح في أرش الجناية دون ما حصل بالسراية على الأصح.
ولو كانت الجناية خطأ: فإن كان الجاني عبداً، فلا يخفى حكمه مما مضى، وإن كان حرًّا؛ فإن ثبتت الجناية بإقراره، ولم تصدقه العاقلة – فالحكم فيها كجناية العمد، سواء كان الجاني مسلماً أو ذميًّا؛ لأن وجوبها على الجاني

دون العاقلة.
وإن ثبتت بإقراره وصدقته العاقلة، أو بالبينة: فإن كان الجاني ذميًّا، وعاقلته لا يجري عليهم حكمنا كأهل الحرب، أو كانوا مسلمين- فالحكم كذلك؛ كما حكاه الماوردي.
وإن كان الجاني مسلماً، أو ذميًّا، وعاقلته من أهل الذمة؛ فإن أضيف العفو إلى العاقلة، صح، سواء قلنا: إن الدية تلاقيهم، أو تلاقي الجاني، ثم تنتقل عليهم، صرح به الرافعي.
قال: وكذا لو قال: عفوت عن الديةن ولم يضف إلى أحد، وعلى هذا إن غلبنا على هذا العفو حكم الوصية نفذ في الجميع، وإن قلنا: هو إبراء، نفذ في القدر الواجب بأول الجناية، دون ما سرت إليه – على الأصح – والقاضي الحسين قال فيما لو عفا عن العاقلة: إن قلنا: إن الوجوب يلاقيهم، صح عفوه فيما باشرته الجناية، وفيما لم تباشره الوجهان.
وإن قلنا: إن الوجوب يلاقي الجانين ففيما لم يباشر: الظاهر أنه لا يصح، وفيما باشر وجهان.
وقال فيما إذا أطلق العفو: إن قلنا يجب على العاقلة ابتداء؛ صح فيما باشر، وإن قلنا: يجب على الجاني ابتداء، ففيه وجهان.
وإن أضاف العفو إلى الجاني، فإن قلنا: الوجوب [لا] يلاقيه، فهو لغو، وإن قلنا: يلاقيه، وتتحمله العاقلة – فوجهانا حكاهما القاضي الحسين وغيره، وأظهرهما في "الرافعي" وهو المذكور في "التهذيب"-: أن الجواب كذلك؛ لأنه لا شيء عليه عند العفو؛ فإن الدية كما وجبت انتقلت عنه.
والثاني: أنه ينفذ بتقديره أصيلاً، وبتقدير العاقلة كفيلاً، ثم إذا برئ الأصيل برئ الكفيل.
وهذا ما جزم به الماوردي، وقال: لا فرق عليه بين أن يجعل العفو في حكم الوصية أو الإبراء سواء أجيزت الوصية للقاتل أوْ رُدَّتْ، لكن إذا جرى عليها حكم الوصية كان عفواً [عن الجميع، وإلا لكان عفواً] عما وجب بابتداء الجناية، دون ما حدث بعدها بالسراية.
ومن قال بالأول قال: هذا الانتقال يشبه الحوالة، لا الضمان.

فرعان: أحدهما: إذا جنى عليه جناية توجب القصاص، إذا اندملت: كقطع [الأصبع] ونحوها، فعفا المجني عليه على الدية، ثم سرت إلى النفس – لم يجب قصاص النفس، وفيه الوجه المنسوب إلى أبي الطيب بن سلمة.
ولو جنى جناية لا توجب القصاص إذا اندملت؛ كالجائفة، فأخذ المجني عليه الأرش، ثم سرت الجناية إلى النفس- فالمنقول في "المهذب"، و"تعليق" القاضي ابي الطيب، و"التتمة"، وغيرها: أنه يجب القصاص؛ لأن الجناية لم تتولد عن معفو عنه.
وهكذا لو كان المجني عليه قد قال – والصورة هذه -: عفوت عن القصاص، فهو لغو؛ لأن هذه الجناية لا قصاص فيها.
وقال الإمام في الأولى: يحتمل أن يقال: لا يجب القصاص؛ لأن الجائفة، وإن لم يكن فيها قصاص، فهي على سبيل القصاص، وأخذ الأرش مشعر بالعفو؛ [فيجوز أن يجعل شبهة دارئة للقصاص كالعفو] فيما يوجب القصاص، وهذا الاحتمال جريانه في الصورة الثانية [من طريق] الأولى.
الفرع الثاني: إذا قال لرجل: اقطع يدي؛ وهو مالك لأمر نفسه؛ فقطعها، لم يجب عليه قصاص ولا دية؛ لأن الإذن في الإتلاف من مستحق البدل، يتضمن الإهدار؛ كما لو أذن في إتلاف ماله؛ وهذا ما جزم به ابن الصباغ وغيره.
وحكى الغزالي في باب: ضمان الولاة – في وجوب الضمان – خلافاً منشؤه أن المستحق أسقط حقه، ولكنه مُحَرَّم.
فإن سرى القطع إلى نفسه، أو قال له ابتداء: اقتلني؛ ففعل – فلا قصاص على الأصح، وفيه قول تقدمت حكايته عن رواية أبي سهل الصعلوكي: أنه يجب، ووجهه بأمرين: بأن القصاص يثبت للورثة ابتداء.

وبأن القتل لا يباح بالإذن؛ فأشبه إذن المرأة في الزنى ومطاوعتها لا يسقطه.
وهذا التوجيه يقتضي جريان هذا الوجه في الإذن في قطع اليد.
وهل تجب الدية؟ بناه القاضي أبو الطيب وغيره على أنها تثبت للوارث ابتداء، أم تثبت للموروث في آخر جزء من حياته، ثم تنتقل إلى الوارث؟ فعلى الأول تجب، وعلى الثاني- وهو الأصح-: لا، وهذا ما أشار ابن الصباغ إلى القطع به.
قال الرافعي: وقد اعترض على هذا- يعني: الإمام- بأن الدية إذا ثبتت له، وهي عرضة للانتقال إلى الورثة، فيجب ألا ينفذ الإسقاط والإباحة إلا في ثلثها.
وأجيب بأنه لا يسقط بائناً في الحال، وإنما يبيح ما يتضمن إتلافه مالاً لولا الإباحة، والقاضي الحسين قال: كان ينبغي أن يتخرج هذا القول على أن الوصية للقاتل هل تصح، أم لا؟ ولكن أصحابنا ما بنوه.
ثم إذا قلنا بوجوب الدية؛ وجبت الكفارة لا محالة.
وإن قلنا: لا تجب، ففي الكفارة وجهان: أصحهما: الوجوب، وهو ما ادعى القاضي الحسين نفي خلافه.
ومقابله يخحكي عن تخريج ابن سريج قائلاً بأن حق الله – تعالى- يتبع في الوجوب والسقوط حق الآدمي.
ولو كان الآذن في القطع أو القتل عبداً، فهل يجب القصاص؟ فيه وجهان حكاهما الرافعي وغيره، ووجه السقوط – وهو الذي جزم به القاضي الحسين في القطع-: أن القصاص يسقط بالشبهة، وقول العبد فيه مقبول-[صرح به ابن الصباغ ثمَّ؛ إذا أقر على نفسه-] فلذلك يؤثر رضاه في سقوطه.
قلت: ولو وجه بأن الحق في القصاص استيفاء وإسقاط للعبد، دون سيده؛ كما حكاه في "المهذب" في باب الإقرار، والقاضي أبو الطيب في أوائل باب الديات – لكان أوجه، لكن الذي حكاه الغزالي في "الفتاوى": أن نصوص الشافعي –رضي الله عنه- في كتاب جناية العبد والجناية عليه مصرحةٌ بان حق القصاص في العبد والعفو للسيد، وأن عفو العبد لا ينفذ، وهو ما صرح به

المتولي في هذا الفرع، وفي غيره، [وأشار إليه البندنيجي في باب قذف الأمة]، [وصرح به ابن الصباغ ثمَّ]؛ فلهذا عدل عما ذكرته إلى ما ذكرتم.
وإن لم نوجب القصاص؛ فهل تجب الدية؟ قال في "التتمة": فيه وجهان ينبنيان على أن الأمة إذا طاوعت على الزنى هل يجب المهر أم لا؟ و [في المسألة].
قولان ذكرناهما، والمجزوم به في "الرافعي" الوجوب.
فرع: سكوت المجني عليه عند الإقدام على القطع ظلماً، هل ينزل منزلة الإذن؟ فيه وجهان.
أصحهما: لا؛ كما إذا سكت عند إتلاف ما لهز والثاني: نعم؛ لأنه سكت في محل يحرم السكوت فيه؛ فدل على الرضا.
قال الإمام: والوجهان مفرعان على الا يجوز الاستسلام، ومأخوذان من تردد الأصحاب في أن الزانية لماذا لا تستحق المهر؟ فمن قائل: لان الوطء غير محترم، ومن قائل: لن التمكين رضا في العرف.
قال: وإن وجب القصاص في النفس على رجل؛ فمات، أو في الطرف؛ فزال الطرف – وجبت الدية؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم- "فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ"، ومن خير بين شيئين إذا تعذر أحدهما تعين الآخر؛ ولأن مستحق القصاص سقط حقه منه بغير اختياره؛ فانتقل حقه لبدل محل الاستيفاء؛ وهو الدية؛ كما إذا سقط بعفو بعض الورثة عن القصاص، ولا فرق – في ذلك – بين أن نقول: إن الواجب احد الأمرين، أو القود عيناً.
قال: ولا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان – أي: وإذنه –لان موضع القصاص مختلف فيه؛ فيحتاج السلطان أن يجتهد فيه.

ولأن الاستيفاء إنما يجوز بآلة مخصوصة، والإمام هو المتفقد لها، وأمر الدم خطير؛ فلا وجه لتسليط الآحاد عليه.
فلو فعل دون إذن الإمام، اعتد به، وعزر.
وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق المروزي، والماوردي عن منصور التيمي المصري من أصحابنا: أن للمستحق الاستقلال باستيفائه؛ لأنه حق ثبت بنص القرآن، وبالإجماع، وما كان هكذا لم يفتقر في استيفائه إلى إذن الإمام.
[وحكى الجيلي في باب حد القذف وجهاً مخرجاً: انه لا يعتد به].
وظاهر المذهب الأول، ويستوي فيه قصاص النفس والطرف.
ويستحب أن يحضر الإمام لاستيفاء القصاص شاهدين؛ لأنه ربما جحد المقتص؛ فقال: لم اقتص، ويطالب بالدية، وينبغي ان يضرب عنقه- إذا استحق القتل – من خلف قفاه، وأن يعصب عينيه؛ لأنه أرفق به، قاله الماوردي.
قال: وعليه أن يتفقد الآلة التي يستوفي بها؛ كي لا تكون مسمومة أو كالة؛ فيحصل للمقتص منه بها مثلة وتعذيب، وليس له ذلك، قال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه: أنه لا يمنع من استيفاء قصاص النفس بآلة مسمومة؛ إذ المقصود إزهاق الروح.
قال الإمام: ولعله الأصح، وذكر أن محله إذا لم يتحقق تفتيت الجثة به؛ بحيث يمنع من الغسل، أما إذا تحقق ذلك فلا يجوز بلا خلاف.
ثم ما ذكرناه من منع الاقتصاص بالآلة المسمومة [والكالة، إذا لم تكن الجناية بكالة أو مسمومة]، أما إذا كانت به، فهل يقتل بمثله، أما بصارم؟ فيه وجهان:

أشبههما في الكالة؛ [على ما ذكر عن] القاضي الروياني وغيره: الأول، وبه أجاب في "التتمة" فيهما.
وإذا بان بعد الاستيفاء أنه استوفاه بآلة كالة، فلا شيء عليه؛ لأنه أخذ حقه؛ قاله المحاملي، وفي "الرافعي": أنه يعزر.
وإن بان أنه استوفاه بآلة مسمومة، فعليه التعزير؛ لإساءته، ثم ينظر؛ فإن كان في قصاص النفس؛ فلا شيء [آخر يجب] [عليه]، وإن كان في قصاص الطرف، ولم يسر؛ فكذلك الحكم، وإن سرى إلى النفس، لم يحب القصاص، ووجب عليه نصف الدية، لكن هل تتحمله العاقلة؟ فيه وجهان في "المهذب"، في باب العاقلة، وغيره، وأشبههما: المنع.
وفي كتاب ابن كج ذكر وجه: أن يجب القصاص، وقال: إنه إذا كان السم موحياً وجب وجهاً واحداً.
قال: فإن كان من له القصاص يحسن الاستيفاء، أي: بأن كان رجلاً قوي اليد والنفس، لا يلحقه جبن عند الاستيفاء، عارفاً بالمفصل؛ كما ذكره الماوردي – مكنه منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم:"فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا ... "، ولأن فيه تحقيق حكمة شرعية القصاص؛ وهي كمال التشفي والانتقام.
قال المتولي: فلو طلب – على ذلك – أجرة أعطيها؛ لأنه عمل معلوم، ويجوز أن يتبرع [به]؛ فجاز أن يأخذ عليه الأجرة؛ كما إذا قال: أنا أتولى الكيل بأجرة، لا يمنع.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق – في ذلك – بين أن يكون القصاص في النفس، أو في الطرف.
والمذكور في "الشامل"، و"الحاوي"،و"تعليق" البندنيجي، و"المهذب": أن ذلك لا يجري في الطرف؛ لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي من الحيف بما [لا] يمكن تلافيه.

وحكى المراوزة وجهاً: أنه يجوز فيه أيضاً، وادعى القاضي الحسين في "تعليقه": أنه المنصوص، والرافعي أن الأول أظهر.
وقد حكى المتولي الوجهين أيضاً؛ فيما إذا أراد أن يوكل شخصاً من جهته، وقال: إن محل الجواز جزماً إذا رضي بأن يستوفيه الجلاد المنصوب لاستيفاء العقوبات، أو غيره ممن يختاره الإمام.
فرع: إذا مكناه من القصاص، فإن ضرب عنقه؛ فأبان رأسه- فقد استوفي حقه؛ وإن ضرب غير العنق – نظر: فإن كان في موضع لا يجوز أن يخطئ فيه، مثل: أن ضرب ساقه، [أو وسطه- فإنه يعزر، وإن كان في موضع يجوز أن يخطئ [في مثله]، مثل: أن ضرب رأسه] أو بين كتفيه؛ فيقال له: ما قصدت بهذا؟ فإن قال: تعمدته – عزر، وإن قال: أخطأت، عزر إن لم يحلف، وإن حلف فلا.
ثم بعد ذلك هل يمكن أن يستوفي القصاص، أم يأمر بالتوكيل؟ الذي دل عليه نص الشافعي هنا: الثاني، وقال في كتاب "الأم" بالأول: فمن الأصحاب من قال: في المسألة قولان، وعلى ذلك جرى البصريون.
وحكى الإمام الخلاف وجهين، ونسب وجه الجواز إلى قوله أبي بكر الصيدلاني، وقال: إنه الأوجه؛ فإن حقه في التعاطي ينبغي ألا يعطل بعدوان صدر منه.
وقال الشيخ أبو حامد وأتباعه: المسألة على اختلاف حالين: فالموضع الذي اثبت له اختياره، إذا بان للحاكم أنه يحسن القصاص، والموضع الذي قال: لا يجوز له أن يعود، إذا بان للحاكم انه لا يحسنه، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، والمتولي.
وقد حكى الشيخ في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب، والماوردي الطريقين، لكن الماوردي فرض محل الخلاف فيما إذا تاب بعد عمده؛ وكذلك المتولي ذكره في صورة العمد، ولم يذكر التوبة، وحكاه الإمام – أيضاً – عن الشيخ أبي

بكر الصيدلاني، وأنه جزم في حالة خطئه بعدم تمكينه، وفرق بأن العامد لم يتبين لنا خرقه في الأمر، ولكنه اعتدى؛ فنهيناه، ونحن له – إن عاد- بالمرصاد.
وأما المخطئ، [فتبين أنه] ليس يحسن الأمر؛ فلا ينفع زجره.
وحكى عن غيره أنه لا فرق، ثم قال مستدركاً: وهذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصاً بما إذا لم ينكر منه الخطأ، ولم يظهر خرقه، فإن ظهر فليمنع بلا خلاف.
قال: وإن لم يحسن الاستيفاء؛ أي: كالمرأة، والذي يجبن عنه، أو بيده ضعف من شلل ونحوه – أمر بالتوكيل؛ لأن فيه وصولاً إلى حقه، وأمناً من الحيف، ولا يوكل في استيفائه من مسلم إلا مسلماً، صرح به الرافعي في قتال أهل البغي، وهذا إذا كان المستحق [واحدا، فلو كان المستحق جمعاً،] وفيهم من لا يحسنه، وتشاحوا في الاستيفاء – أقرع بينهم كما ذكرنا، لكن هل يدخل من لا يحسن في القرعة؟ فيه وجهان، وقيل: قولان؛ أرجحهما عند القاضي ابن كج وأبي الفرج والإمام وغيرهم: المنع، وعن بعضهم: القطع به، وعلى هذا: لو خرجت لقادر فعجز، أعيدت القرعة بين الباقين.
ثم فائدة دخول العاجز في القرعة: أنها إذا خرجت له، استناب، وعند عدم إدخاله فيها لا يجوز استيفاؤه إلا برضاه جزماً.
قال: وإن لم يوجد من يتطوع، استؤجر من خمس الخمس، أي: من سهم المصالح؛ لأن ذلك من المصالح، ولا فرق فيه بين القصاص في النفس، أو الطرف.
قال: وإن لم يمكن؛ [أي]: إما لعدم ذلك، أو لوجوده ووجود ما هو أهم منه – فمن مال الجاني؛ لأن الحق عليه؛ فكانت أجرة الاستيفاء عليه أيضاً؛ كأجرة الكيال في كيل الطعام المبيع.

وحكى الإمام وجهاً عن صاحب "التقريب": أن الأجرة على المستوفي؛ نظراً إلى أن الواجب التمكين، لا التسليم، [وأنه] قرب الخلاف من الخلاف في بيع الثمار على رءوس الأشجار، هل يحصل تسليمها بالتخلية.
وفرق الإمام بين البابين: بأن اليد جزء من الإنسان، والتسليم فيها لا يحصل إلا بالفصل، وليست الثمار كذلك؛ ألا ترى أن الجاني لو فاتت يده بعد التمكين يستقر عليه ضمان الجناية بلا خلاف، وإذا [اجتيحت] الثمار بعد التخلية فمن ضمان من تكون؟ فيها الخلاف المشهور، والخلاف الذي يشبه هذا الخلاف وجهان ذكراً في أن مؤنة الجداد على البائع أو على المشتري؟ تفريعاً على أن الجوائح من ضمان البائع.
وحكى المتولي أنه إذا لم يكن في بيت المال شيء: فإن كان للجاني مال، فعليه الأجرة، سواء كان القصاص في النفس، أو في الطرف، وإن لم يكن له مال نظر: فإن كان القصاص في النفس؛ فيستقرض على بيت المال؛ لأنه لا يرجى حصول مال له بعد ذلك.
وإن كان طرفاً فوجهان: أحدهما: أن الحكم كذلك.
والثاني: يستقرض على الجاني.
وقد سلك الفوراني، والمسعودي في المسألة طريقاً آخر؛ فقالا: إن الشافعي نص في القصاص على أن الأجرة على المقطوع والمقتول، وفي الحدود على أن الأجرة على بيت المال؛ منهم من قررها، ومنهم من تصرف فيهما بالنقل والتخريج، وأثبت فيهما قولين: أحدهما: [أن] الوجوب على الجاني والمحدود.
والثاني: انه يجب في القصاص على المستحق، وفي الحدود في بيت المال، وعلى ذلك جرى الغزالي.
وغيرهم ممن لم يحك النصين، قال: في مسألة الحدود وجهان: أحدهما- وهو الذي يقتضيه إيراد الأكثرين تصريحاً وتعريضاً-: أنها تجب

على المحدود والسارق؛ كما قلنا هاهنا: إنها تجب على الجاني، وبهذا قال الماسرجسي.
والثاني: أنها في بيت المال.
ومنهم من خصص الإيجاب على بيت المال بما إذا لم يكن للجاني مال.
ثم إذا وجب ذلك في بيت المال، لم يكن فيه شيء، أو كان ولكن يستوعبه ما هو أهم – فيستقرض الإمام على بيت المال إلى أن يجد سعة.
قال الروياني: أو يستأجر بأجرة مؤجلة أو يسخر من يقوم به على ما يراه.
وإذا قلنا بالصحيح – وهو أن أجرة القصاص على الجاني – فلو قال الجاني على الطرف: أنا أقطعه، ولا أُعْطِي الأجرة- ففي "المهذب" و"العدة": أنه لا يجاب، وهو الأظهر.
وذكر ابن الصباغ والمتولي وجهين فيه، ونسبهما القاضي أبو الطيب إلى رواية أبي الحسن الماسرجسي.
وقال الجيلي: إنهما ينبنيان على ما إذا قالت المرأة: أنا أخدم نفسي، وآخذ أجرة الخادم؛ فإنها هل تجاب؟ فيه قولان.
وليس ما قاله من البناء بظاهر؛ لأنه ليس بِوِزانِ المسألة، وصوابه البناء على ما إذا قال الزوج: أنا أخدمها بنفسي ولا أعطي أجرة الخادم؛ ففي إجابته خلاف سبق.
وحكى الرافعي الوجهين في قصاص الطرف والنفس، وقال: إن الداركي قطع بإجابة الجاني؛ لحصول التعذيب.
وعلى مقابله: إذا قتل نفسه، أو قطع طرفه بإذن المستحق – ففي الاعتداد به عن القصاص وجهان: أحدهما: لا؛ كما لو جلد نفسه في الزنى بإذن الإمام، وفي القذف بإذن المقذوف.
والثاني: نعم؛ لحصول الزهوق، وإبانة العضو، ويخالف الجلد؛ لأنه قد لا يؤلم نفسه الإيلام المقصود [فلا يتحقق المقصود].

قال: وإن وجب القصاص على حامل، أي: في النفس أو الطرف؛ كما صرح به الرافعي وغيره، وثبت حملها، [أو أمارته] الظاهرة بالبينة، أو بإقرار الولي.
قالك لم يستوف حتى تضع: أما في النفس؛ فلقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:33]، أي: لا يقتل غير القاتل، وفي قتل الحامل قتل غير القاتل وهو الحمل، وقد روي:"أن عمر – رضي الله عنه – أمر برجم امرأة أقرت بالزنى، وهي حامل، فردها عليّ – كرم الله وجهه – وقال لعمر – رضي الله عنه -: إنه لا سبيل لك على ما في بطنها، فقال عمر: لولا عليّ لهلك عمر".
وقيل: عن القائل لعمر هذا القول معاذ بن جبل، وإن عمر قال له بعد تركها: عجز النساء أن يلدن مثلك يا معاذ! وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وقال الماوردي: إن الأول أثبت.
ولأنه اجتمع هاهنا حقان: حق الطفل، وحق الولي في تعجيل القصاص، ومع الصبر يمكن استيفاء الحقين؛ فكان أولى من تفويت أحدهما.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين؛ فهو إجماع.
وأما في الطرف؛ فلأن فيه إجهاض الجنين، وهو متلف له؛ كما يتلفه استيفاء قصاص النفس.
ثم في [حالة الحمل] تحبس إلى أن يمكن استيفاؤه – كما قلنا – فيمن وجب عليه قصاص لصبي أو معتوه، وهل للولي أخذ الدية في الحال؛ للحيلولة؟ حكى الإمام أن الشيخ أبا بكر الصيدلاني ألحقه بما إذا قطع إنسان أنملة عُليا من شخص، ووسطى لشخص آخر، وامتنع صاحب العليا من تعجيل القصاص، وطلب صاحب الوسطى أخذ المال؛ للحيلولة، وللأصحاب فيها وجهان.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل