كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 383-422
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 383-422
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال الزجاجي وغيره: لا يجوز تذكيرها؛ وهي المفصل من المرفق إلى الكتف، وفيها لغات؛ أشهرها: عَضُد؛ بفتح العين، وضم الضاد، وعضد: بإسكان الضاد، وعُضد: بضم العين، وعَضِد: بفتح العين وكسر الضاد، وعلى هذا لا يجوز كسر العين وإسكان الضاد.
الثاني: كلام الشيخ يفهم أن الجرح إذا لم ينته إلى عظم لا يجب فيه القصاص، وإن كان في الرأس، وهو ظاهر ما رواه الربيع عن نص الشافعي في "الأم": أنه لا قصاص فيما دون الموضحة، وعلل ذلك بأنه يؤدي إلى أن يستوفي موضحة بمتلاحمة؛ وذلك أنه ربما كان رأس المشجوج ألحم، فإذا قدرنا المتلاحمة، وأخذنا قدرها من رأس الشاج بلغ موضحة.
وظاهر لفظ الشافعي في المختصر يدل على وجوبه؛ فإنه قال: ولو جرحه، ولم يوضحه – اقتص منه بقدر ما شق من الموضحة.
وقال في موضع آخر: اقتص منه بقدر ما شق إن أمكن.
واختلف الأصحاب – لأجل ذلك – في الباضعة والمتلاحمة على طريقين: أقربهما: إثبات قولين، حكاهما الماوردي، وعلى ذلك جرى صاحب "العدة" والفوراني والمتولي.
والأظهر عند الأكثرين: انه لا قصاص، وعند القفال والشيخ أبي محمد: مقابله، وبه جزم القاضي الحسين.
والقائلون بهذه الطريقة اختلفوا في محلها: فقيل: محلها إذا أمكن، وصورته أن يكون على رأس كل من الشاج

والمشجوج موضحة قريبة من موضع الشجة، أو يكون الشاج قد جرح المشجوج موضحة، ومتلاحمة [مثلاً]؛ فيقتص منه في الموضحة، ثم ينظر – على قول الوجوب- في موضحة المشجوج، ونقيس الشجة التي نريد القصاص فيها أهي نصفها، أو ثلثها، وإذا عرفنا ذلك – نظرنا في موضحة الشاج، واستوفينا مثل نصفها، أو ثلثها.
أما إذا لم يكن على رأسهما موضحتان – فليس إلا أخذ الأرش.
وقد زاد الإمام في التصوير أن تكون الموضحتان طريقين؛ فإنهما إذا جَفَّتَا وأخذتا في الاندمال لم يتأت الضبط.
والقاضي الحسين فرض إمكان التصوير بما إذا كانتا مندملتين.
وقيل: محلها على التعميم، وعند عدم الموضحتين يقتص – على قول الوجوب – في القدر المستيقن ويكف عن محل الإشكال، [وهذا ما جزم به] الإمام، والقاضي الحسين.
والطريق الثاني: القطع بالمنع، وعلى ذلك جرى العراقيون، من القاضي أبي الطيب، وابن الصباغ، والمحاملي، والبندنيجي [وغيرهم إلا] الشيخ أبا حامد؛ فإنه قال: يمكن – عندي – القصاص في المتلاحمة.
وذكر صورة الإمكان كما حكيناها من قبل.
ثم القائلون بهذا الطريق تحزبوا: فمنهم من نسب المزني إلى الوهم، قال الماوردي: وهذا لا وجه له؛ لأن المزني اضبط من نقل عن الشافعي – رضي الله [عنهما] – وأثبتهم رواية.
وقال الماسرجسي: كان الشافعي يعلق القول في المسألة، ويقول بوجوب القصاص إن أمكن، [ثم] بان أنه لا إمكان؛ فقطع القول بالمنع.
ومنهم من حمل النصين على حالتي الإمكان وعدمه، وهو ما صار إليه أبو إسحاق وابن أبي هريرة وأكثر أصحابنا، كما حكاه الماوردي.
وحكم ما عدا الباضعة والمتلاحمة مما دون الموضحة – حكمها؛ كما

صرح به الماوردي والفوراني والمتولي، وقال: إن الحكم كذلك فيما إذا قلنا: يجب القصاص في جرح العضد ونحوه، و [إن] لم ينته إلى العظم.
والإمام والروياني قالا بجريان ما ذكرناه في الباضعة والمتلاحمة في السمحاق.
وحكى الإمام في الحارصة القطع بأن لا قصاص [فيها]؛ لأنه [لا] وقع لها، ولا يفوت بها شيء، وأن الشيخ أبا محمد تردد في الدامية، وأن ميل القفال إلى تنزيلها منزلة الحارصة.
وفي وجوب القصاص بقطع بعض المارن والأذن من غير إبانة اختلاف مرتب على الخلاف في الباضعة والمتلاحمة، والأصح في "النهاية": الوجوب؛ لإحاطة الهواء بهما، وإمكان الاطلاع عليهما من الجانبين، ويقدر المقطوع بالتجزئة؛ كالثلث والربع، ويستوفي من الجاني مثله، ولا ينظر إلى مساحة المقطوع.
قال: وإذا أوضح رجلاً في بعض رأسه، وقدر الموضحة يستوعب [جميع] راس الشاج – أوضح جميع رأسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] والقصاص: المماثلة، ولا يمكن في الموضحة إلا بالمساحة، وقد استوعبت المساحة رأسه؛ فوجب.
وقال أبو علي الطبري: لا يجاوز مل محله [بل] يستوفيه، ويأخذ الأرش لما بقي، وبهذا جزم الماوردي والقاضي الحسين؛ لأنا نراعي في ذلك التسمية؛ وهي مختلفة.
وقد حكى ابن الصباغ، عن ابن أبي هريرة رواية الوجهين، وأنه صحح الثاني، لكن الذي حكاه المحاملي عن الشافعي الأول؛ لأن لكلٍّ رأساً؛ فجاز أخذ القصاص فيه، وهو الذي جزم به الفوراني أيضاً، وصححه القاضي أبو الطيب، وقال: إن نص الشافعي في "الأم" يدل عليه.
ولا خلاف أنه إذا كان قدر الموضحة لا يستوعب جميع رأس الشاج، وأمكن

استيفاؤها من غير مجاوزة ذلك المحل - لا يجوز استيفاؤها من غيره، لكن هل يشترط أن يبدأ من الموضع الذي [انتهى إليه الجاني، ويختم بالذي بدأ به الجاني]؟ فيه وجهان؛ أصحهما- عند الماوردي، وبه قال جمهور الأصحاب؛ كما قال؛ وبه جزم أبو الطيب-: الثاني، وإذا قلنا بالأول، وأشكل الحال رجع إلى الجاني.
ثم كيفية الاستيفاء - في هذه الحالة - أن يحلق موضع الموضحة من رأس الجاني؛ إن كان وقت الجناية على [رأس المجني عليه] شعر، ويعلم على قدر المستحق طولاً وعرضاً بسواد، أو غيره، ويشد شدًّا وثيقاً بحيث لا يتحرك، ويقتص منها، قال الرافعي: ولو لم يكن على رأس المشجوج شعر وقت الجناية، وكان الشعر على رأس الجاني - فلا يمكن القصاص؛ لما فيه من إتلاف الشعر الذي لم يتلفه، وعزا ذلك إلى نصه في الأم، وأنه لا يؤثر التفاوت في خفة الشعر وكثافته.
ولو كان رأس المشجوج أقل من رأس الشاج، وقد أوضح جميع رأسه - قال في "المهذب": للمجني عليه أن يقتص بقدر رأسه، من أي جهة شاء.
وإن بعض الأصحاب قال: لا يجوز أن يستوفي بعضها من جهة، وبعضها من جهة أخرى.
ثم قال الشيخ: ويحتمل - عندي - أنه يجوز؛ لأنه لا يجاوز محل الجناية، ولا قدرها، نعم، لو قال أهل الخبرة: إن في ذلك زيادة ضرر أو شين، منع لذلك.
وما حكاه عن بعض الأصحاب به جزم الماوردي، وهو قياس تخريج [ابن سريج] في أن بعض الموضحة إذا تعذر استيفاؤه، يجب فيه أرش الموضحة؛ كما سنذكره، وما أبداه الشيخ قد حكاه البغوي وجهاً، [وهو قياس المذهب في أنه لا يجب في بعض الموضحة إلا قدره من أرشها].
وقد حكى الماوردي وجهاً [في هذه الصورة: أنه يشترط البداية من الموضع الذي بدأ منه الجاني.

وحكى الإمام وجهاً] ثالثاً: أن الخيرة في هذه الصورة إلى الجاني حتى يمكن [من] القصاص من أي جانب شاء، ثم قال: وهو متجه لا بأس به.
قال: وإن زاد حقه على جميع رأس الشاج، أي: مثل أن كانت مساحة رأس الشاج خمسة عشر إصبعاً، ومساحة رأس المشجوج عشرون – أوضح جميع رأسه؛ لما ذكرناه.
قال: وأخذ الأرش فيما بقي بقدره؛ لأنه لا يمكن النزول إلى الوجه ولا إلى القفا؛ لأنه لا قصاص في غير العضو الذي جنى عليه، وإذا تعذر القصاص فيما زاد تعين أرشه؛ وهو في مثالنا ربع أرش الموضحة، وإنما كان ذلك؛ لأن الجميع موضحة واحدة، وهذا بعضها.
وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى انه يجب فيه تمام أرش الموضحة؛ لأنه لو انفرد ذلك القدر لوجب له أرش موضحة كاملة؛ فكذلك هاهنا.
والحكم فيما إذا جرح عضده أو ساقه أو فخذه، وقلنا بالمنصوص – كالحكم الذي ذكرناه في الموضحة في الرأس.
تنبيه: الشاج: بتشديد الجيم، ويقال: شجه يشجه، بضم الشين – [في المضارع]- وكسرها شجًّا؛ فهو مشجوج وشجيج، والجارح شاج؛ وهي الشجة، وجمعها: شجاج.
فرع: لو زاد المقتص في الموضحة على القدر الواجب له، فإن كان سبب الزيادة تحرك المقتص منه؛ فذلك هدر، وإن لم يكن منه سبب: فإن فعله عمداً – فعليه القصاص، بعد اندمال الموضحة التي جناها الجاني.
وإن كان خطأ – فوجهان: أحدهما – وهو الذي حكاه القاضي أبو الطيب، والمحاملي، وابن الصباغ -: أنه يجب عليه [جميع] أرش الموضحة؛ لأن قدر الزيادة لو انفرد؛ كان موضحة، ولا يمكن بناؤه على الأول؛ لان ذلك استيفاء حقن وهذا فعل على وجه التعدي، فانفرد بحكمه.

والثاني- حكاه القاضي الحسين، مع الأول -: أنه يجب بقدره من أرش الموضحة باعتبار التوزيع، وهذا اختيار القفال أولاً، قال الفوراني: ثم رجع عنه إلى الأول.
ولو اختلفا في أنه تعمد ذلك أو أخطأ فيه – فالقول قول الفاعل.
ولو اختلفا في أن سبب الزيادة تحرك المستوفي منه، أو غيره، ففيمن القول قوله وجهان.
قال: وإن هشم رأسه؛ أي: مع الإيضاح – اقتص منه في الموضحة؛ لاشتمال جنايته عليها، وإمكان القصاص فيها؛ كما إذا قطع يده من وسط الساعد؛ فإن له أن يقتص منه في الكف.
قال: ووجب الأرش فيما زاد؛ لتعذر القصاص فيه، وصار هذا؛ كما لو اتلف على إنسان قفيزين من طعام، فوجد عنده أحدهما؛ فإنه يأخذه، وينتقل في الآخر على قيمته.
والأرش هاهنا ما بين أرش الموضحة والهاشمة، وهو خمس من الإبل.
وهكذا الحكم فيما لو كانت الجناية مُنقَّلة، أو مأمومة، أو دامغة، لكن الأرش في المنقلة عشر من الإبل، وفي المأمومة والدامغة ثمانية وعشرون وثلث.
ولو أراد المجني عليه أن يقتص في بعض الموضحة، ويأخذ الأرش عن باقي الموضحة؛ فهل له ذلك؟ فيه وجهان في "النهاية": أحدهما: نعم؛ لأن الذي أفرده بالقصاص قابل له؛ فأشبه ما لو قطع له أصبعين، فأراد القصاص في أحدهما، وأخذ دية الآخر.
وأصحهما في الرافعين وبه أجاب في التهذيب: المنع.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ وغيره من الصحاب يفهم أنا لا نراعي تساوي الموضحتين في السمك والعمق؛ كما راعينا تساويهما في الطول والعرض، وبه صرح القاضي أبو الطيب.
وحكى المحاملي، والقاضي الحسين وغيرهما عن أبي إسحاق المروزي أنه

قال: يراعى تساويهما في السمك والعمق ولا يشق شعيرتين بشعيرة قال الإمام: وهو غلط.
والقاضي قال: إنه واهٍ؛ لأنا لو راعينا هذا – لأدى [ذلك] إلى سد باب القصاص في الموضحة [ولا] وجه لإسقاطه.
قال: وأما الأعضاء، أي: التي أجملنا وجوب القصاص فيها ودللنا عليه، فيجب في كل ما يمكن القصاص فيه من غير حيف؛ أي: ميل وظلم – كما نفصله – لإمكانه.
قال: فنؤخذ العين بالعين؛ للآية فتؤخذ اليمين باليمين، واليسار باليسار؛ عملاً بالمعادلة، ومفهوم هذا اللفظ [أن] اليسار لا تؤخذ باليمين، وبه صرح الأصحاب؛ قياساً على ما لو قطع يمين شخص، ولا يمين للجاني؛ فإنه لا يقتص منه في يساره.
قال: ولا تؤخذ صحيحة بقائمة، أي: وهي التي ذهب ضوءها، وبقي بياضها وسوادها بحاله؛ لأنه [يأخذ] أكثر من حقه، وتؤخذ القائمة بالصحيحة؛ أي: إذا رضي المجني عليه؛ لأنه يأخذ أقل من حقه.
قال: وإن أوضحه – أي: في رأسه؛ كما صرح به المحاملي، والقاضي الحسين، والإمام، فذهب ضوء عينه – وجب فيه – أي: في ضوء العين، القود على المنصوص- أي: في "المختصر" لأنه لا يمكن إتلافه بالمباشرة؛ فوجب القصاص فيه بالسراية، كالنفس.
قال: غير أنه لا يمس الحدقة؛ لأنه لم يجن عليها؛ فلم يقتص منها، فعلى هذا إن أراد القصاص في الموضحة، وضوء العين أوضحه؛ كما أوضح، فإن ذهب ضوء العين بذلك – فقد حصل القصاص فيها على الصحيح كما سنذكره من بعد، وإن لم يحصل فقد حصل استيفاء القصاص في الموضحة، وطريق استيفائه في الضوء يأتي.

تنبيه: الضوء: مهموز، مفتوح الضاد ومضمومها، حكاهما الأصمعي وابن السِّكِّيت وابن قتيبة والجوهري، وهو: الضياء.
والحدقة هي: السواد الأعظم الذي في العين، وأما الأصغر فهو الناظر وفيه إنسان العين.
والمقلة: لحم العين الذي يجمع السواد والبياض، ذكره ابن قتيبة في أدب الكاتب.
وجمع الحدقة: حِداق، ويقال: حَدَق.
والجفن بفتح الجيم.
قال: وخرج فيه قول آخر: [أنه لا يقتص منه] أي: من نصه فيما إذا قطع إصبعاً من كف؛ فسرى إلى الكف؛ فسقط على أنه لا يجب في الكف قصاص؛ إذ كل واحد منهما سراية [فيما] دون النفس.
ووجهه فيهما: أن السراية من جهته خطأ.
قال الشيخ في المهذب، وابن الصباغ: وهذا من تخريج أبي إسحاق المروزي، ولم يخرج من نصه هنا إلى مسالة الكف أنه يجب فيها القصاص، وهذا ما حكاه الرافعي عن العراقيين عنه.
وفي تعليق القاضي أبي الطيب، ومجموع المحاملي: أنه [خرج من مسألة الضوء إلى مسالة الكف قولاً: أنه] يجب القصاص، وجعل المسألتين على قولين، وصحح المحاملي قول الوجوب فيهما.
وهذه الطريقة حكاها الشيخ أبو عليّ عن بعض الأصحاب، ولم يسمه؛ فلعله أراد أبا إسحاق، ويعضده أن الماوردي قال: إن غيره لم يساعده على التخريج.
وفي "الرافعي" أنه قيل: إن المزني قال بهذه الطريقة وأنه كان يختار القول الأول في مسألة الضوء.
وبالجملة فالذي صار إليه سائر الصحاب – كما قال القاضي أبو الطيب،

والمحاملي، وجزم به القاضي الحسين إجراء النصين على ظاهرهما، وفرقوا بأن الأجسام تنال بالجناية [فالجناية] على غيرها لا تعد قصداً على تفويتها [، واللطائف لا تباشر بالجناية، وطريق التوصل على تفويتها] الجناية على محلها، أو ما يجاوره، ويتعلق به؛ فلذلك تعلق به القصاص كالنفس.
وقياس هذا الفرق أن يقال: لو جنى على رأسه؛ فذهب عقله، أو على أذنه؛ فذهب سمعه، أو على أنفه؛ فذهب شمه – أن القصاص واجب على الصحيح.
وقد جزم في "المهذب" بأنه لا يجب؛ لأن هذه المعاني في غير محل الجناية؛ فلا يمكن القصاص فيها.
وقال الرافعي: إن التوجيه يشكل بمسألة الضوء، والتعليل الصحيح أن يقال: لا يجب القصاص؛ لأنه غير مقدور.
وقد وافق الشيخ – على ما ادعاه من الحكم في الصور الثلاثة – البندنيجي، وطرده في غيرها؛ حيث قال: كل جناية سرت إلى ما دون النفس، لا قصاص في السراية، إلا في مسألة العين.
وكذلك القاضي الحسين؛ حيث قال: كل قصاص يجري في النفس يجري في الطرف إلا في شيئين: أحدهما: القود في النفس يجب بالسراية، وفي الطرف لا يجب بالسراية، وغنما يجب بإتلاف عينه إلا في إذهاب البصر.
وحكى الإمام عن الأصحاب تفريعاً على أن الجسام لا يقتص منها بالسراية؛ أنهم نزلوا لطيفة السمع منزلة لطيفة البصر؛ يعني: إذا ذهب بإيضاح الرأس، وأنه لا يبعد أني لحق بهما منعقد الكلام، وأن صاحب التقريب نص على إلحاق لطيفة البطش إذا زالت عن بعض الأعضاء، بلطيفة البصر، وأن شيخه أبدى في ذلك تردداً، وقال في قطع إلحاقه بالبصر: إن غزالة البطش بالسراية تعسر

عسر إزالة الأجرام؛ بخلاف لطيفة البصر؛ فإنها ألطف المعاني؛ فلذلك أثرت الجنايات فيها، وأن الأصحاب ترددوا في العقل، ووجه التردد أنه من وجه: لطيفة، ومن وجه: يبعد تناوله والاستمكان من إزالته.
ثم قال: وأحرى اللطائف البصر والسمع، ويليهما الكلام، ويلي الكلام البطش، وأبعد المعاني عن الإزالة العقل، والأصحاب مترددون في جميعها.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ وغيره يقتضي أنه لا رق في إيجاب القصاص في الصورتين أن تكون الموضحة تسري إليه غالباً أم لا.
[وقد قال] الشيخ أبو حامد فيما لو أوضحه بما يوضح غالباً، ولا يقتل غالباً؛ [فمات من] تلك الجراحة -: إنه لا يجب القصاص في النفس، وقضية ذلك أن يقال بمثله في الضوء، لكن ابن الصباغ استبعد ما قاله الشيخ أبو حامد؛ كما حكاه الرافعي؛ لأن هذه الآلة إذا كانت توضح في الغالب كانت كالحديد.
قال: ويؤخذ الجفن بالجفن؛ لانتهائه إلى مفصل، وقيل: لا قصاص فيه.
قال: الأعلى بالأعلى، والأسفل بالأسفل، واليمين باليمين، واليسار باليسار؛ عملاً بالمعادلة.
ويؤخذ جفن البصير بجفن الضرير، وبالعكس.
تنبيه: قال النواوي: [كان] ينبغي أن يقول: الأيمن بالأيمن، وتأويل ما ذكره أن تقديره: وذو اليمين بذي اليمين؛ بحذف المضاف، وهذا شائع معروف.
قال: ويؤخذ المارن بالمارن؛ أي: بكسر الراء، وهو: ما لان من لحم الأنف، والمنخر بالمنخر؛ لإمكان القصاص فيهمان ويؤخذ أيضاً الحاجز بينهما بالحاجز.
والمنخر: بفتح الميم، وإسكان النون، وكسر الخاء، وبكسر الميم والخاء لغتان مشهورتان، ومنخور: لغة ثالثة حكاها الجوهري.
قال: فإن قطع بعضه قدر ذلك بالجزء كالنصف والثلث فيؤخذ مثله به؛ رعاية للمعادلة.

قال الأصحاب: ولا يقدره بالمساحة كما قلنا في الموضحة؛ لأنه قد يكون أنف الجاني صغيراً وأنف المجني عليه كبيراً؛ فيؤدي إلى أخذ جميع المارن ببعضه، وذلك ممتنع بخلاف الموضحة؛ فإن الرأس بعد استيفائها باق في كل حالة.
وحكى البغوي عن أبي إسحاق المروزي أنه لا قصاص في بعضه.
قال: وإن جدعه، أي: قطع المارن والقصبة، أو بعضها – اقتص في المارن؛ لدخوله في الجناية، وإمكان القصاص فيه، وأخذ الأرش، أي: وهو: الحكومة، في القصبة؛ لتعذر القصاص فيها، والحكومة في هذه الصورة تكون أكثر من دية منقِّلة؛ كما صرح به الماوردي؛ لأنه لو لم يقطع القصبة، لكن نقلها، وجب عليه دية منقلة، وكذلك لو هشمها أو أوضحها، وجبت دية هاشمة أو موضحة.
والجدع – بفتح الجيم والدال المهملة-: ما ذكرناه.
ويقال أيضاً لقطع الأذن والشفة واليد جَدَعَهُ، يجدَعُهُ فهو أجدع، وهي جدعاء.
قال: ويؤخذ الصحيح بالمجذوم إذا لم يسقط منه شيء؛ لتساويهما في الخلقة، والجذام مرض، فلا يمنع القصاص؛ كسائر الأمراض.
وفي "التهذيب" أن الحكم كذلك فيما إذا لم يسودَّ العضو، أما إذا اسودَّ فلا قصاص فيه؛ لأنه دخل في حد البلى، ويكون الواجب فيه الحكومة، فإن سقط منه شيء قبل الاسوداد روعي ما ذهب منه وما بقي، فإن أمكن القود فيه استوفى؛ كما إذا ذهب أحد المنخرين وبقي الآخر، وإن لم يمكن، [كما إذا كان الساقط مقدمه، قال الماوردي: سقط؛ لأنه لا يمكن] استبقاء الأرنبة مع القود فيما بعدها.

قلت: وهذه العبارة تفهم أن مقدمة أنف الجاني لو سقطت لم يكن للمجني عليه القصاص فيما بقي، وهو موافق لما ظنه بعض الأصحاب أن الشافعي أسقط القصاص فيه، إذا سقط بعضه بالجذام، وإن كان نقصان أنف القاطع مثل نقصانه.
وقال الإمام: إنه غلط.
وعلى هذا فالقياس يقتضي أن نقول: يقتص منه في هذه الحالة؛ كما نقول فيمن قطع أنملة وسطى من أصبع رجل، وله أنملة عليا – فإنا لا نقتص منه، فغذا سقطت أنملة الجاني العليا [فإنا نقتص] منه في الوسطى، وعلى تقدير أن يكون الحكم كذلك فالعبارة الوافية بالمقصود أن نقول: لم يستوف [منه]، على أن في مسألة الأنملة وجهاً للقفال: أنه لا قصاص فيها ولو سقطت العليا.
وقال الإمام: إنه لا يجري فيما إذا كان الجاني [قد] قطع الأنملة العليا من شخص، ثم الأنملة تحتها من شخص آخر، فإن العليا كأنها مقطوعة؛ بسبب أنها مستحقة لصاحب العليا.
قال: ويؤخذ غير الأخشم بالأخشم، أي: الذي لا يشم؛ لتساويهما في السلامة، وعدم الشم نقص في غيره وهو الدماغ.
قال: وتؤخذ الأذن بالأذن؛ للآية، والبعض بالبعض، والصحيح- أي: أذن الصحيح- بالأصم، والأًم بالصحيح؛ لما بيناه في الأنف.
وقيل: لا قصاص في بعضها، وعزاه في "التهذيب" إلى أبي إسحاق.
قال ابن يونس: وقال ابن الصباغ: إنه أقيس.
والذي رأيته في "الشامل": أن الأول أقيس، وهو ما حكاه عن الشيخ أبي حامد.
قال: ولا تؤخذ الصحيحة بالمخرومة؛ أي: التي سقط بعضها؛ لأنها دونها، ويثبت للمجني عليه الخيار بين أن يقتص إلى موضع الخرم، ويترك الباقي، ويأخذ ديته؛ بناء على جواز القصاص في بعض الأذن، وبين أن يأخذ الدية إلا ما يقابل قدر النقصان.

قال: وتؤخذ بالمثقوبة؛ أي: التي لم يسقط منها شيء، سواء اتسع الثقب أو لا؛ إذ الثقب ليس نقصاً، بل زينه، وهذا نصه.
وصور الخراسانيون ذلك بأذن النساء، قال الرافعي: ولا اختصاص له بهن، لكنه فيهن أغلب؛ فلذلك ذكروه.
وحكى ابن يونس عنهم أنهم حكوا فيها وجهاً آخر: أن ذلك بمنزلة الخرم.
قال: ويؤخذ الأنف الصحيح والأذن الصحيحة بالأنف المستحشف، أي: بكسر الشين، وهو اليابس، مأخوذ من حشف التمر.
والأذن الشلاء، أي: بالمد، وهي اليابسة – في اصح القولين- لأنهما متساويان في المنفعة، ولا يؤخذان في الآخر؛ كما لا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء.
قال: وتؤخذ السن بالسن؛ للآية، ويقتص من البيضاء بالسوداء والخضراء، ومن سن الشاب بسن الشيخ، ومن القوية بالضعيفة، ومن الكبيرة بالصغيرة، ومن المشدة بالمتحركة إذا كانت منافعها باقية، كذا أطلقه الأصحاب، وسنذكر قولين فيما إذا قلع مثل هذا السن؛ هل تكمل فيه الدية أم لا؟ فإن لم تكمل فيه، فيظهر ألا نوجب على قوي السن أن يقلعها قصاصاً.
قال: ولا تؤخذ سن بسن غيرها؛ لاختلافهما في الاسم والمنفعة.
ولا قصاص في بعض السن؛ كما صرح به في "التهذيب" وغيره؛ بناء على أن كسر العظام لا قصاص فيه؛ لعدم الضبط.
وفي "المهذب" و"الحاوي" أنه إذا كسر سنه، وأمكن أن يكسر من الجاني مثل كسره – اقتص منه، وإن لم يمكن فلا قصاص.
وقد عزا القاضي ابن كج ذلك إلى نص الشافعي في الأم.
وصور ابن يونس الإمكان بأن يكون قد كسر نصف السن بالطول.
قال: ويؤخذ اللسان باللسان؛ للآية، مع أن له حدًّا ينتهي إليه؛ فأشبه الأنف؛ وهذا قول أبي عليّ بن أبي هريرة، واختاره الماسرجسي؛ كما حكاه القاضي ابو الطيب، وقال أبو إسحاق: لا قصاص فيه؛ لأن أصله لا يمكن استيعابه إلا بقطع غيره.

قال ابن الصباغ: وهذا أقيس.
واللسان يذكر ويؤنث؛ فمن ذكر – قال: جمعه: ألسنة؛ كأخمرة، ومن أنث-قال: السن؛ كأذرع.
[قال: فإن أمكن أخذ البعض بالبعض، [أي]: كالنصف بالنصف، والثلث بالثلث؛ أخذ، وهل ذلك ممكن؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.] قال: ولا يؤخذ لسان ناطق –أي: بتنوين "لسان" – بلسان أخرس؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه؛ غذ الخرس نقص في اللسان، ويؤخذ الأخرس بالناطق؛ لأنه يأخذ دون حقه، ويقطع لسان المتكلم بلسان الرضيع؛ إن ظهر فيه أثر النطق بالتحريك عند البكاء وغيره، وألا لم يقطع، وإن بلغ أوان التكلم، ولم يتكلم- لم يقطع به لسان المتكلم.
قال: وتؤخذ الشفة بالشفة؛ [لأن لها نهاية مضبوطة، ثم حد الشفة] في عرض الوجه: إلى الشدقين، وفي طوله أوجه حكاها الإمام: أحدها: أنه المتجافي إلى محل الارتتاق، وموضع الارتتاق من الأعلى يقرب من الوترة، ومن الأسفل يقع في محاذاة نهاية العنفقة.
والثاني: انه الذي يستر عُمُورَ الأسنان.
والثالث – عن الشيخ أبي محمد، ويحكي عن نصه في "الأم"، وبه حد أكثر المتكلمين في الشفة- أنه الذي ينبو عند الانطباق؛ كما انه يراعى هذا القدر في الشفرين.
والرابع: أنه القدر الذي لو قطع لم تنطبق الشفة للأخرى.
وقال في "المهذب": هي ما جاوز جلد الذقن والخدين علواً [وسفلا]،

وهذا ما حكاه في "الحاوي"، عن نصه في "الأم"، لكنه زاد فه: مما ارتفع عن الأسنان واللثة.
قال: العليا بالعليا، والسفلى [بالسفلى]؛ طلباً للتساوي.
قال: وقيل: لا قصاص فيهما؛ لأنهما لا ينتهيان إلى عظم؛ فأشبها الباضعة، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، والأول هو المنصوص في "الأم"؛ كما حكاه في "التهذيب" و"الحاوي".
قال: وتؤخذ اليد باليد، والرجل بالرجل، والأصابع بالأصابع، والأنامل [بالأنامل]، والكف بالكف، والمرفق بالمرفق، والمنكب بالمنكب؛ إذا لم يخف من جائفة؛ لأن لها مفاصل يمكن القصاص فيها من غير حيف؛ فأشبه ما نص عليه [صاحب] الشرع.
وحكى الإمام أن في بعض "تعاليق" شيخه وجهاً بعيداً: أنه لا قصاص في المرفق، ثم قال: وهذا أحسبه غلطاً من المعلق، ولو صح فلعل سببه أنه لا تؤمن الزيادة؛ لأجل تداخل عظم في عظم.
وحكى فيما إذا قطع الجاني العضو، وأجاف، وقال أهل هذا الشأن: إنه يمكننا أن نقطع يد الجاني ويجيفه، مع الاقتصار على مثل تلك الجائفة – أن الذي ذكره الأصحاب في الطريقين: أنا نستوفي القصاص، وليس هذا إجراء قصاص في الجائفة، وإنما محل القصاص اليد وليست الجائفة مقصودة.
واستشكله، [ثم] حكى عن شيخه القطع بأنه لا قصاص، وهو ما ادعى الرافعي أنه المشهور، ومقابله هو المجزوم به في "تعليق" القاضي الحسين.
وهكذا القصاص يجري في الفخذ بالفخذ؛ إذا لم يخف من جائفة، ويعرف ذلك بقول أهل الخبرة.
ثم ظاهر كلام الشيخ يفهم أن احتمال خوف الجائفة موجود عند إزالة المنكب، وكلام القاضي أبي الطيب يأباه؛ فإنه قال: إذا قطع من المنكب، فإن

اقتلع [منه] عظم الكتف، وهو المشط – سئل أهل الخبرة؛ فإن قالوا: إذا اقتلع منه لا تصير جائفة، فإنه يقتص منه، [وإن قالوا: تصير جائفة، فالقصاص في ذلك الموضع لا يجب، وله أن يقتص منه] في ذلك المنكب، ويأخذ الحكومة في العظم الذي اقتلعه.
وظاهر هذا الكلام يدل على أنه لا يقتص فيما دون المنكب، وكذلك كلام البندنيجي؛ حيث قال: يأخذ القصاص في أقرب مفصل إلى الكتف.
وقال المحاملي في "المجموع" في هذه الحالة: إنه بالخيار بين أن يقتص منه في مفصل الإبط [أو مفصل الكوع] أو مفصل الذراع، ويأخذ حكومة في الباقي وكلام الماوردي، والشيخ في المهذب موافق له.
وهذا الاختلاف يقتضي إثبات وجهين في المسألة، وحينئذ يكونان [كالوجهين] اللذين ذكرهما الأصحاب فيما إذا قطع يده من بعض العضد؛ فإنه لا قصاص في العظم، وله أن يقتص في المرفق، فلو أراد أن يقتص في الكتف فهل له ذلك؟ فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره، واختار البغوي الجواز، وهو ما جزم به في "المهذب"، [وجزم] في الإبانة بمقابله؛ وهو المحكي عن الشيخ الحسين الطبري، والذي ذكره ابن الصباغ، لكنه قال: وهذه المسألة لم يذكرها أصحابنا.
ثم على وجه الجواز؛ إذا قطع اليد من الكوع، هل له حكومة ما بين المقدور على قطعه إلى الموضع الذي قطعه؟ فيه وجهان، المذكور [منهما] في "المهذب" و"الحاوي": نعم.
وعن القفال: أنه استشهد لمقابله بما إذا التمست الثيب الجديدة أن يقيم عندها [سبعاً]، فأجابها؛ فإنه يقضي جميع السبع للباقيات – على

وجه – ثم [إن] أسقطنا الحكومة في ذلك فهل تسقط في القدر الذي لم يقدر على الاستيفاء فيه؟ حكى الغزالي فيه وجهين، قال الرافعي: ولم أجدهما لغيره.
قال: وإن قطع اليد من الذراع اقتص في الكف، قال الشافعي: لأنه أقرب إلى المماثلة؛ كذا حكاه البندنيجي، ولأنه داخل في الجناية يمكن القصاص فيه.
قال: واخذ الأرش في الباقي؛ لأنه كسر عظم، لا يمكن القصاص فيه؛ فتعين الأرش؛ وهو الحكومة، قال الماوردي: ولا يبلغ بها دية الكف، وهذا بخلاف ما لو قطع يده من نصف الكف؛ فإنه له أن يقتص في الأصابع، ولا أرش له؛ لأجل الباقي على أحد الوجهين في الشامل؛ لان الكف كله تابع للأصابع؛ فلان يتبعها بعضه أولى؛ وهذا تفريع على ظاهر المذهب في أنه لا قصاص في بعض الكف؛ كما قاله القاضي الحسين، أما إذا قلنا بأن فيه القصاص – كما افهمه لفظ القاضي؛ وهو قياس قول صاحب التقريب في إيجاب القصاص في قطع بعض الكف – فيظهر أن يقال: ليس له قطع الأصابع؛ كما صرح به الأصحاب؛ فيما إذا قطع كفه، فأراد أن يلتقط الأصابع؛ أنه ليس له، وفيما إذا قطع يده من المرفق أنه ليس له القصاص في الكف؛ لإمكان وضع الحديدة في موضع وضعها الجاني، على أن في هذه الحالة وجهاً حكاه القاضي الحسين عن أصحابنا العراقيين: أن له أن يقتص في الكف، ويأخذ الحكومة في الباقي.
وفي "أمالي" أبي الفرج: أن له أن يعدل من مفصل إلى مفصل دونه؛ فإنه كالمسامحة وترك بعض الحق.
ومثل هذه المسائل في الرِّجل، والساق كالذراع، والفخذ كالعضد، والورك كعظم الكتف، صرح به الشيخ وابن الصباغ والماوردي.
فرع: إذا قطع يده من الكفن فالتقط المجني عليه أصابعه – عزر، وهل له أن يعود ويجز كفه؟ فيه وجهان؛ أصحهما في التهذيب: نعم، ومقابله هو نظير ما

جزم به الإمام فيما إذا قطع يده من مفصل؛ فاستوفى من الجاني دونه، وأراد أن يقتص من المفصل؛ كما انه لو طلب حكومته لم يجب إليها، وإن كان البغوي قد ابدى في الحكومة احتمالاً لنفسه.
قال: ولا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر بإبهام، ولا أنملة بأنملة أخرى؛ لأنها جوارح مختلفة المنافع والأماكن، فلم يؤخذ بعضها ببعض؛ كالعين بالأنف.
قال: ولا صحيحة بشلاء، [أي:] وإن رضي؛ لأن الشلاء عضو مسلوب المنفعة؛ فلم يؤخذ به عضو كامل المنفعة؛ كالعين البصيرة لا تؤخذ بالعين العمياء؛ ولان الصحيحة نصف الجملة، والشلاء ليست نصفاً؛ فأخذها استيفاء لأكثر من الحق، وهذا بخلاف الأذن الصحيحة؛ [حيث] تؤخذ بالأذن الشلاء في أصح القولين: أن الأذن الشلاء مساوية للسليمة في المنفعة؛ لأنها تمنع من الهوام وتجمع الصوت؛ كالصحيحة سواء، وليس كذلك في مسألتنا.
ثم شلل اليد: بطلان بطشها، ولا يشترط معه سقوط الحِسِّ على الصحيح.
وعن الشيخ أبي محمد: أن الشلل ينافي الحِسَّ والحركة؛ ولذلك تسمى اليد الشلاء: ميتة.
وقد قال الأصحاب: إن الشلل مما يتصور زوالهن وفرعوا عليه مسائل، وهذا يبين أن الشلل ليس موت العضو.
وحكى الرافعي، عن القاضي أبي الطيب وغيره: أنهم منعوا كونه ميتاً، وقالوا: لو كان كذلك لتغير.
والذي رأيته في "تعليق" القاضي أبي الطيب عند الاستدلال على القصاص في الأطراف، وفي المسالة التي تلي ما نحن فيه: أنها ميتة.
وحكم شلل [بعض الأصابع في منع القصاص – حكم شلل] جميع اليد، لكن في هذه الحالة: للمجني عليه لقط مثل الأصابع التي كانت في كفه، وأخذ

الأرش عن باقي الأصابع التي حصل فيها الشلل، وهل [تجب] له بسبب الكف حكومة؟ فيه وحهان: أصحهما: الوجوب فيما قابل المقتص فيه من الأصابع، وفيما قابل ما لم يقتص فيه؛ لأجل الشلل، وفي هذه الحالة جزم القاضي الحسين بعدم الاستتباع، وقال: تجب الحكومة؛ بخلاف ما لو امتنع القصاص في بعض الأصابع دون بعض، لا لأجل الشلل؛ فإن الصحيح وجوب الحكومة فيما قابل الأصابع المقتص فيها من الكف، وعدم وجوبها فيما قابل الأصابع التي أخذت ديتها من الكف عند المراوزة، وفرقوا بأن الحكومة ضعيفة فلا تستتبع؛ بخلاف الدية.
والعراقيون والماوردي جزموا بسقوط الحكومة فيما قابل ما أخذت عنه الحكومة من الأصابع؛ لأجل الشلل من الكف؛ كما جزموا بسقوطها إذا اخذت دية بعض الأصابع.
فرع: لو تعدى المجني عليه وقطع اليد السليمة بدون إذن الجاني؛ فهل يقع القطع موقع القصاص؟ قال الإمام: لا؛ لأن ذلك بمثابة قتل الحر بالعبد، والمسلم بالذميّ.
ولو مات الجاني من القطع في هذه الحالة؛ فهل يجب على المجني عليه القصاص؟ قضية ما قاله الإمام: إيجابه، وفي "تعليق" القاضي الحسين احتمال وجهين فيه.
ولو كان ذلك بإذن الجاني، قال الرافعي: نظر؛ إن أطلق، جعل المجني عليه مستوفياً لحقه، ولم يلزمه شيء، وبهذا جزم القاضي الحسين في "تعليقه"، وقال بمثله فيما لو مات من ذلك القطع.
فإن قال: اقطعها عوضاً عن يدك؛ قصاصاً – ففيه وجهان: أحدهما: أن على المجني عليه [نصف الدية، وعلى الجاني الحكومة، وهذا ما أجاب به في "التهذيب".
والثاني: أنه لا شيء على المجني عليه]، وكأن الجاني أدى عن الرديء

الجيد وأخذه المستحق.
فرع آخر: سليم اليد إذا قطع يداً شلاء، ثم شلت يده، ذكر الإمام أن شيخه قال: خرج القفال في الاقتصاص منه قولين، ثم رجع وقطع بالمنع، وهو الذي رآه الإمام مذهباًز والجواب في التهذيب: أنه يقتص منه.
وكذا [لو] قطع يداً ناقصة بأصبع، ثم سقطت تلك الأصبع من القاطع.
قال: وتؤخذ الشلاء بالصحيحة؛ لنقصانها عن حقه، ولا أرش له في هذه الحالة، صرح به القاضيان أبو الطيب والحسين.
ثم المسالة مصورة بما إذا قال أهل الخبرة: إن انسداد أفواه العروق ممكن، ولا يخشى من ذلك تلف النفس، أما إذا قالوا: إن قطعها يفتح العروق، ولا تنسد، ويخاف عليه التلف من نزف الدم – فلا يقتص منه؛ لأنه يؤدي إلى أخذ نفسٍ بطرف، وذلك ممتنع، صرح به العراقيون والماوردي والإمام.
وعن شرح مختصر الجويني نقل وجه عن أبي إسحاق: أن الشلاء لا تقطع بالصحيحة مطلقاً؛ لأن الشرع لم يرد بالقصاص فيها.
وفي الجيلي حكاية خلاف في الصورة الثانية، فإنه قال بعد تقرير كلام الشيخ من غير حمله على الحالة الأولى: وقيل: لا تؤخذ الشلاء بالصحيحة إلا إذا قال أهل الخبرة: إن الشلاء إذا قطعت لا يخشى منها الهلاك.
ولم أر ذلك في غيره.
ولو تساوت اليدان في الشلل ففي القصاص وجهان: أحدهما- وهو محكي عن أبي إسحاق -: لا، [ووجهه بأن] العلة في الأبدان تتفاوت، ولا يعرف منتهاها؛ فصار الشللان، مختلفين، غير متماثلين؛ فسقط القصاص فيه.
والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة وأكثر أصحابنا؛ كما قال الماوردي-:أن القصاص فيه واجب.
قال: ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع؛ لأنه يأخذ أكثر من حقه، وفي

هذه الحالة له أن يقتص من أصابع الجاني التي كان للمقطوع [مثلها] صرح به العراقيون والماوردي، والمراوزة، وإذا فعل ذلك – وجب له حكومة ما قابل [المفقود من أصابعه قبل الجناية من الكف، وهل يجب له حكومة ما قابل] الأصابع التي اقتص عنها؟ فيه وجهان في "المهذب"، وغيره، والإيجاب هو الراجح في الرافعي، والمنسوب إلى أبي إسحاق، ونسبه الماوردي – عند الكلام فيما إذا كان في كف المجني عليه أصبعان شلاوان، واقتص من ثلاثة أصابع- إلى منصوص الشافعي رضي الله عنه، ولم يحك في مسألتنا سواه؛ فإنه قال: للمجني عليه بعد القصاص في مثل ما له من الأصابع: أخذ [أرش الكف] المستبقاة له، ولا يبلغ بأرشها دية أصبع؛ لأنها تبع الأصابع.
وإنما قلنا: إن هذا الكلام يقتضي الجزم بهذا الوجه؛ لأنه ذكر في موضع آخر أن الحكومة الواجبة بسبب الكف لا يبلغ بها دية أصبع، وهذا ظاهر النص في "المختصر"، كما حكاه القاضي الحسين؛ لأن الأصبع الواحدة مقدرة، والكف منتسب لها؛ فنقص حكومتها عن ذلك القدر.
وحكى معه وجهاً آخر: أنه يبلغ بحكومته دية أصبع، ولا يبلغ بها دية الأصابع الخمس.
وعلى هذين الوجهين يتخرج قدر الواجب من الحكومة الواجبة فيما قابل الأصبع المقتص منها من الكف: فإن قلنا بما حكاه الماوردي، فإذا كان للمقتص منه ثلاث أصابع، فالحكومة تؤخذ عن ثلاثة أخماس الكف، فلا تبلغ حكومة ذلك أرش ثلاثة أخماس أصبع، وقد صرح به الماوردي.
وإن قلنا بالوجه الذي حكاه القاضي – فلا يبلغ بحكومته أرش ثلاثة أخماس جميع الأصابع.
فرع: اليد التي لا أظفار لها – لا تقطع بها [اليد] السليمة –عند العراقيين ونسبوه إلى النص؛ كما حكاه الإمام عنهم، لكن عن الشيخ أبي حامد وغيره:

أنه تكمل فيه الدية.
وقال الإمام على سبيل الاحتمال: القياس جريان القصاص، وإن عدمت الأظفار، وهذا ما جرى عليه الغزالي، وترك المنقول الظاهر.
وفي صاحب "التهذيب" بقياس المنقول، وقال: تنقص عن الدية شيئاً.
فرع: إذا قطع أصبعاً له ثلاث أنامل، ومثله من يد الجاني فيه أربع أنامل؛ فهل يقطع به؟ قال القاضي الحسين في تعليقه: ينظر: فإن لم تزدد أصبع الجاني؛ بسبب زيادة الأنملة – اقتص منه، وإلا فلا.
ولو قطع من له أربع أنامل في أصبع أنملة من أصبعه ثلاث أنامل – كان له القصاص، وأرش ما بين الثلث والربع من دية الأصبع، وهو خمسة أسداس بعير.
وإن قطع أنملتين اقتص منه في أنملتين، ووجب مع ذلك بعير وثلثان.
وإن قطع الثلاث، قطعت منه ثلاث أنامل، وغرم بعيرين ونصفاً.
ولو كان الجاني صاحب الثلاث: فإن قطع أنملة، لم يقطع منه شيء، ووجب عليه ربع دية الأصبع.
وإن قطع أنملتين، قطعت منه أنملة، ووجب عليه تفاوت ما بين النصف والثلث من دية أصبع؛ وهو بعير وثلثان.
وإن قطع ثلاث أنامل قطع منه أنملتان، وغرم ما بين الثلثين، وثلاثة أرباع دية الأصبع، قال ذلك في "العدة"، وقال إنه إذا قطع جميع الأصبع، يقطع أصبعه ويجب عليه حكومة.
قال: وتؤخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المأخوذ بعض حقه، ويأخذ الأرش عن الأصبع الناقصة؛ لأن كل عضو أخذ قوداً إذا كان [موجوداً أخذت ديته إذا كان] [مفقودا]؛ كما لو قطع أصابعه، وكان للقاطع [بعضها].
وقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – في أخذ الأرش هنا؛ كما حكاه

المحاملي، وعلى هذا فالفرق بينه وبين أخذ الشلاء بالصحيحة؛ حيث لا أرش ثَمَّ إذا رضي بها: أن ثم الصورة كالصورة، والنقصان في الصفة لا يوجب أرشها؛ كقتل الكافر بالمسلم، والعبد بالحر، وهاهنا النقص في الصورة والمعنى؛ فلذلك وجب الأرش.
قال: ولا يؤخذ أصلي بزائد؛ لزيادته على مستحقه، ولا زائد بأصلي؛ لاختلافهما في المحل؛ كما لا يقطع خنصر بإبهام، فلو كان الزائد في محل الأصلي جاز أخذه [به] من غير أرش؛ كما يجوز اخذ الشلاء بالصحيحة، وقد حكى ابن الخلِّ [عن] شيخه أنه قال: مراد الشيخ: أنه لا تقطع يد ذات الأصابع، وفيها واحدة زائدة بذات خمس أصلية، ولا ذات كفين أحدهما زائد بذات كف واحد؛ لزيادته على حقه، وعلى هذا يكون المنع في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأجل الزيادة.
ويجوز له أن يلتقط الأصابع الأصلية، وفي دخول حكومة الكف في القصاص وجهان، أصحهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب: عدم الدخول؛ فيجب.
وفي "ابن يونس" أن في بعض النسخ: ويؤخذ الزائد بالأصلي، وأنه يمكن حمله على ما إذا كان الزائد في ضمن الأصلي؛ كما لو قطع من له أربع أصابع أصلية وأصبع زائدة- كفَّ من له خمس أصابع أصلية؛ فإن له أن يقتص منه في الكف، ولا أرش له؛ لأن الزائدة كالأصلية في الخلقة.
فرع: إذا كان للجاني ستة أصابع، وللمجني عليه خمس أصليات – لم يجز له أن يقطع يده، وله التقاط الأصليات، [إن كانت الزائدة متميزة، ولا يؤدي التقاط الأصليات إلى تلف الزائدة، وإن كان يؤدي التقاطها] إلى تلف الزائدة – التقط منها ما لا يؤدي إليه.
ولو لم تتميز الزائدة عن الأصليات، وقال أهل الخبرة: لا ندري أن الزيادة متفرقة في الكل وشائعة فيها، أو هي واحدة من الست لا بعينها – كان له أن يلتقط ستًّا، فلو التقط خمساً فلا شيء له، ولا عليه، وإن قال أهل الخبرة: الزيادة متفرقة في الكل؛ [بأن] حصلت بها في كل أصبع أدنى

زيادة فليس له – في هذه الحالة- أن يلتقط شيئاً؛ لأن في كل أصبع نقصاناً من وجه، وزيادة من وجه، فإن بادر وقطع الكف ألزمناه حكومة، وإن قطع خمساً منها فقد استوفى أسداس اليد؛ فيبقى له سدس دية [اليد]، ويحط من ذلك حكومة؛ لزيادة الخلقة فيما استوفاه، ولو قطع [واحد أصبعاً] من هذه الأصابع فلا قصاص [عليه]، وعليه سدس دية اليد.
فرع: [هل] يؤخذ الزائد بالزائد؟ ينظر: إن اختلف محلاهما فلا، وتتعين الحكومة، وإن تساويا في الحجم صغراً وكبراً وطولاً وقصراً أخذ.
وإن اختلفا: فإن كان الزائد ستًّا فهل للاختلاف أثر فيه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما في الأصلين وبهذا قال صاحب "التقريب".
والثاني: نعم؛ لأنه ليس له اسم مخصوص حتى يكتفي باتفاق الاسم؛ كما يكتفي في اليمين واليسار، وهذا ما حكاه ابن كج عن ابن سلمة، ونسب الأول إلى ابي إسحاق، وغيره نسب إليه الثاني.
وإن كان الزائد أصبعاً: فمنهم من سكت عن الكلام فيه، ومنهم من أجرى فيه الخلاف، وعلى هذا جرى صاحب "التهذيب" والإمام، وحكيا عمن صار إلى التأثير أننا في السبابة والوسطى ننظر إلى القدر، ونراعي الصورة، وخص الإمام محل الخلاف بما إذا استوت حكومتهما، وقال فيما إذا اختلفت بالتأثير جزماً.
وقطع القاضي أبو الطيب في "تعليقه" بالمنع في حالة زيادة أنامل أحدهما على الآخر.
فإن قلنا بأنه لا أثر للتفاوت في الحجم، وهو الأظهر؛ كما ذكره القاضي الروياني وصاحب "العدة"وغيرهما ونقلوه عن النص- كان للمجني عليه القصاص، ولا حكومة له، إن كانت الزيادة من جهته.
وإن قلنا بمقابله: فإن كان الزائد من جهة الجاني، فلا قصاص، وإن كان من

جهة المجني عليه [كان له] القصاص والحكومة بقدر النقص.
قال: وإن قطع أنملة؛ [فتآكل منها] الكف – أي: وسقط – لم يجب القصاص فيما تآكل؛ لأنه يمكن إتلافه بالمباشرة؛ فلم يقتص منه بالسراية؛ لعدم تحقق العمدية، ولا تحمل العاقلة على هذا دية ما تآكل، وإن كان حكمه حكم الخطأ؛ لأنه سراية جناية عمد؛ هكذا أطلقه بعضهم.
وحكى الماوردي في هذه الصورة وجهين: أحدهما- عن ابن أبي هريرة -: أن الدية تجب في ماله دية العمد حالة؛ لأنها جناية واحدة؛ فلم يختلف حكمها.
والثاني – عن أبي إسحاق-: أنها تجب مؤجلة على العاقلة، وحكاه صاحب "العدة" أيضاً.
قال: وقيل فيه قول مخرج، أي: من ذهاب الضوء بالموضحة: أنه يجب القصاص؛ لأن كل واحد منهما سراية فيما دون النفس، وقد تقدم الكلام في المسالة، ولا خلاف أن له القصاص في الأصبع، وإذا فعله هل تجب له حكومة لما تحت المقتص منه من الكف؟ فيه وجهان تقدما، ولو أخذ عنه الدية اندرجت حكومة ما تحته من الكف فيه عند العراقيين، وحكى الإمام في هذه الصورة أيضاً وجهين.
وحكم قطع جميع الأصابع، وتآكل الكف منها – حكم قطع الأنملة.
قال: ويؤخذ الفرج بالفرج والشُّفر بالشفر؛ لإمكان ذلك من غير حيف، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الأصح في "التهذيب"، وفي "الرافعي": أن العراقيين – كالشيخ أبي حامد، وأتباعه – جزموا بأنه لا قصاص فيهما.
والشفر: مضموم الشين، وهو: [طرف] جانب الفرج، وشفر كل شيء طرفه، ويقال أيضاً: شافر الفرج، وشفيرها.

قال: والأنثيان بالأنثيين، فإن أمكن أخذ [البعض بالبعض]؛ لشمول الآية [له]، ويعرف ذلك بقول أهل الخبرة.
وحكى القاضي أبو الطيب، عن الماسرجسي أنه قال: رأيت رجلاً من فزارة له إحدى الأنثيين، وسئل عن ذلك؛ قال: كانت بي حكة؛ فقعدت في الشمس، فكنت أحك خصيتي إلى أن انشقت؛ فخرجت إحدى البيضتين، وبقيت الأخرى.
وعن عمرو بن شعيب أنه قال:"كان لنا غنم قد خصيناها من جانب اليسار؛ فكانت تلقح".
ولا فرق عندنا في جريان القصاص في الأنثيين بين أن يكون المجني عليه شيخاً أو صبيًّا والجاني شابًّا، ولا بين أن يكون مجبوب الذكر أو عنيناً والجاني سليماً؛ كما ذكرناه في الذكر.
فرع: لو رُضَّ أنثياه ففي "التهذيب": انه يقتص بمثله إن أمكن، وإلا وجبت الدية، قال الرافعي: ويشبه أن يكون [الدق] ككسر العظم.
قال: ويؤخذ الذكر بالذكر؛ لأنه ينتهي إلى حد معلوم؛ فاندرج في الآية، أو نقول به قياساً على قطع الأنف والأذن؛ وكذا يؤخذ البعض بالبعض، ويعتبر بالجزء لا بالمساحة.
وعن أبي إسحاق المروزي منع أخذ البعض بالبعض.
قال: وتؤخذ الأليتان بالأليتين؛ لانتهائهما إلى حد معلوم، وهما اللحمان الناتئان بين الظهر والفخذ، وهذا هو الظاهر عند الأئمة، ومنهم صاحب التهذيب.
وعن المزني: أنه لا قصاص فيهما، وادعى الإمام في الديات اتفاق الأصحاب عليه.
قال: ويؤخذ ذكر الفحل بذكر الخصيّ؛ لأنه مثله، وعدم الإنزال لمعنى في غيره؛ كما قلنا في أخذ أذن السميع بالأصم؛ وكذا يؤخذ [ذكر] الشاب والفحل بذكر الشيخ والخنثى والصبي والعِنين؛ لأنه لا خلل في نفس العضو،

وتعذر الانتشار؛ لضعف في القلب، أو الدماغ؛ كما قاله الرافعي، أو لعلة في الصلب؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
قال: والمختون بالأقلف، أي: الذي لم يختن، وبقيت قلفته عليه؛ لأن غايته زيادة في الخلقة؛ وهي لا تمنع القصاص؛ وكذا يؤخذ الأقلف بالمختونح لان تلك الزيادة مستحقة الإزالة؛ فهي كالمعدومة.
والأقلفن والأغلف، والأغرل، والرغل – بالغين المعجمة في الثلاثة- والأعرم بالعين المهملة بمعنى؛ كما قاله الأزهري وغيره، والجمع: قلف، وغلف، وغرلن ورغل، وعرم.
قال: ولا يؤخذ الصحيح بالأشل؛ لان في اخذه زيادة على القدر المستحق، وشلل الذكر: ألا يتغير في حر باسترسال، ولا في برد بتقلص، بل يبقى على حالة واحدة فيهما.
قال الماوردي: أو ينقبض باليد، فإذا فارقته انبسط، أو ينبسط باليد، فإذا فارقته انقبض.
ويؤخذ الأشل بالأشل؛ بالشرط الذي تقدم.
قال الماوردي: ولا يمنع اختلاف أنواع الشلل من جريان القصاص بينهما؛ لعموم النقص، وعدم المنفعة.
والشل والشلل لغتان بمعنى.
قال: وإن اختلفا في الشلل: فإن كان ذلك في عضو ظاهر، فالقول قول الجاني؛ لأن المجني عليه يقدر على إقامة البينة على سلامة العضو الظاهر، فإذا تعذر ذلك، كان شبهة في سلامتهما، فكان القول قول الجاني.
قال: وإن كان في عضو باطن فالقول قول المجني عليه؛ لأنه يبعد إقامة السنة عليها؛ لأنها لا تشاهد في العادة، والأصل السلام، وهذا ما نص عليه الشافعي في الحالين، وبه قال أبو إسحاق المروزوي؛ كما حكاه في الحاوي.

ثم كلام البندنيجي والأصحاب يقتضي أنا إذا جعلنا القول قول [المجني عليه، أنه يجب القصاص، وله العفو على الدية، وبه صرح في الحاوي، وقد قال الأصحاب فيما إذا قطع ملفوفاً، وجعلنا القول قول] الولي، لا يجب القصاص؛ لأنه يسقط بالشبهة، ولكن تجب الدية.
وقال القاضي أبو الطيب: يحتمل قوله: أنه يجب القصاص؛ فأي فرق بينهما؟ قال: وقيل: فيهما قولان، أي: بالنقل والتخريج.
وجه قبول قول الجاني قوله صلى الله عليه وسلم:"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"، والمجني عليه هو المدعي للسلامة، ولأن الجاني هو الغارم؛ فوجب أن يكون القول قوله؛ لأن الأصل براءة ذمته.
ووجه قبول قول المجني عليه: أن الغالب والظاهر صحة ذلك العضو؛ فوجب الحكم بالظاهر وه والصحة، وهذه الطريقة تحكي عن ابن الوكيل، وأنه طردها في إنكار الجاني أصل السلامة، وفي تسليمه السلامة، ودعوى الزوال.
وادعى الماوردي والبندنيجي والمحاملي أنا إذا قلنا بالطريق الأول فمحل قبول قول الجاني جزماً: إذا كان قد أنكر أصل السلامة، أما إذا اعترف بها، وادعى حدوث الشلل بعدها – ففيه قولان منصوصان للشافعي: أحدهما: أن القول [قول الجاني؛ لأنه يحتمل الأمرين، والأصل براءة ذمته.
والثاني: القول] قول المجني عليه؛ لأن الأصل السلامة، وما يدعيه من طرآن الشلل لم يعلم.
وعلى ما حكاه المحاملي يحمل ما حكاه القاضي أبو الطيب في "تعليقه" – حيث قال: اتفق أصحابنا كلهم: أبو إسحاق المروزي، وأبو عليّ بن أبي هريرة، وابو عليّ الطبري، والقاضي أبو حامد في "الجامع" – على أن الجناية إن كانت في عضو ظاهر، واختلفا في سلامته؛ [فالقول قول الجاني]، [وعلى المجني

عليه البينة قولاً واحداً، وإن كانت على عضو باطن، واختلفا في سلامته فالمسالة على قولين:] [أحدهما: أن القول قول المجني عليه، وهو الصحيح، وقد اتفق أصحابنا على صحته.
والقول الثاني: أن القول] قول الجاني، وقد صرح بهذا الحمل عنهم الرافعي، وقال: إن ابن القطان وافقهم في ذلك، وإن هذه الطريقة أظهر الطرق.
وعن أبي الطيب بن سلمة: أن الجاني إن انكر أصل السلامة فهو المصدَّق بلا خلاف، وإن سلم السلامة، وادعى حدوث النقصان – فالمصدق المجني عليه بلا خلاف، وبهذا تحصل في المسألة عند الاختصار أربعة أقوال كما جمعها الإمام: المصدق: الجاني على الإطلاق.
المصدق: المجني عليه على الإطلاق.
الفرق بين الأعضاء الظاهرة والباطنة.
الفرق بين أن تكون السلامة أصلاً وبين أن ينكر وجودها.
والصحيح – وإن ثبت الخلاف؛ كما قال المحاملي والبندنيجي في العضو الظاهر – تصديق الجاني، وفي العضو الباطن: تصديق المجني عليه.
وهذا الخلاف يجري فيما إذا قطع يداً، واختلف هو والمجني عليه في وجود أصابعها حالة الجناية؛ كما صرح به الإمام، ولا يجيء قول التفصيل بين الظاهر والباطن.
وقد استدرك الإمام على من قال: إن الخلاف يجري فيما إذا قال الجاني: ما خلقت لك يد، وقال المجني عليه: خلقت وقطعتها، أو سلم الجاني أصل الخلقة، وادعى سقوطها قبل الدعوى عليه، فإن من أنكر أصل الوجود، أو زعم أنه كان مباناً – فهو منكر لأصل الجناية، ومن ادعيت عليه جناية؛ فأنكرها،

فالقول قوله في إنكارها.
ثم [ما] المعني بالعضو الظاهر [والباطن]؟ قال الإمام: تلقيت من كلام الأصحاب فيه وجهين: أحدهما: أن الباطن: ما يجب ستره عن الأعين؛ وهو العورة.
والظاهر: ما عدا ذلك.
وأليقهما بفقه الفصل: أن الباطن ما يعتاد ستره مروءة، والظاهر: ما لا يستر غالباً؛ وذلك لأن الفرق بين النوعين مبني على عسر إقامة الشهادة وسهولتها، وما يستر غالباً لا يطلع على حاله؛ فتعسر إقامة البينة فيه.
فرع: إذا جعلنا القول قول الجاني، فأراد المجني عليه إقام البينة على سلامة العضو -ففي كيفيتها قولان حكاهما القاضي أبو الطيب: أحدهما: يقيمها على سلامته حالة الجناية.
والثاني: أنه يكفيه أن يقيمها على سلامته قبل الجناية.
قال: وهذا هو الصحيح؛ لأن مذهب الشافعي - رضي الله عنه - لا يختلف في أن الرجل إذا ادعى على آخر عيناً، وأقام بينة على أنه ورثها، وقال الشاهدان: لا نعلم زوال ملكه إلى أن شهدنا بهذه الشهادة؛ فإنه يحكم له بما ادعى؛ لأن الأصل بقاء ملكه على تلك العين؛ فكذلك هاهنا.
ووافقه على التصحيح كما قاله الرافعي، والروياني وغيره، والمحاملي وابن الصباغ والبندنيجي وغيرهم بنوا لقولين في حالة إنكار الجاني [أصل السلامة على القولين فيما لو اعترف الجاني وغيره] بأصل السلامة، وادعى زوالها، فإن قلنا: القول قوله، فلابد من أن تشهد البينة على السلامة حالة الجناية، ولا يحتاج في هذه الحالة إلى يمين.
وإن قلنا: القول قول المجني عليه، كفاه إقامتها على [سلامته قبل الجناية لكنه يحتاج إلى اليمين، ويجوز للشاهد أن يشهد على] سلامة العين، إذا رآه يتبع بصره الشيء زماناً طويلاً، ويتوقى المهالك، دون ما إذا

رآه يتبع بصره الشيء الزمان اليسير؛ لأن ذلك قد يوجد من الأعمى.
وكذلك يجوز للشاهد أن يشهد على سلامة اليد، والذكر برؤية الانقباض والانبساط.
قال القاضي الحسين في التعليق، والإمام: ولو صرحوا بذلك عند القاضي، لم تقبل شهادتهم؛ كما إذا رأوا شيئاً في يد زيد، يتصرف فيه تصرف الملاك، والناس ينسبونه إليه، وليس له دافع، ولا منازع يسوغ له الشهادة له بالملك، ولو صرح به، ردت شهادته.
وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي جوازه؛ فإنه قال: إذا نقل الشاهدان ذلك إلى الحاكم، أو لم ينقلاه، لكنهما شهدا بأنهما رأياه بصيراً، أو صحيح اليدين – قبلت شهادتهما، وليس للحاكم أن يسألهما عن [سبب التحمل] ومتى سألهما عن سبب التحمل – كفاهما أن يقولا: تحملنا [الشهادة]، من حيث جاز لنا أن نشهد.
فرع: إذا قطع يد رجل ثم سرت إلى النفس؛ فقال ورثة المقطوع: مات من السراية، وقال الجاني: بل من سم شربه؛ وهو موحٍ – ففيمن القول قوله وجهان في تعليق القاضي الحسين، وأصحهما: قبول قول الوارث؛ وجعله المتولي المذهب.
وهذا بخلاف ما لو ادعى الجاني الاندمال في مدة تحتمله، [وقال الورثة: إنه مات من السراية- فإن المذهب أن القول قول الجاني.
وفيه وجه حكاه المتولي] وقال: إن نص الشافعي –رضي الله تعالى عنه- في القسامة يدل عليه.
وقد تقدم في الباب قبله حكم الاختلاف في صغر الجاني أو جنونه.

باب العفو والقصاص

قد يقع في بعض النسخ: [العفو] عن القصاص، والصواب الأول، وتقديره: حكم العفو وكيفية القصاص.
قال: وإذا قتل من له وارث - أي: خاص- وجب القصاص للوارث؛ أي: واحداً كان أو أكثر، ذكراً كان، أو أنثى، وارثاً بسبب كالزوجين والمعتق، أو بنسب؛ لما روى ابن سريج الكعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللهِ عَاقِلُهُ، فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ" خرجه أبو داود والترمذي، وعن أبي هريرة مثله في قوله:"فَمَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ ... " إلى آخره، أخرجه البخاري والترمذي، وقال الترمذي: إنه صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة في خطبة خطبها.
ووجه الدليل من الخبر أنه خيَّر الورثة بين الدية والقتل، والدية تثبت [لجميع الورثة] بالاتفاق؛ كما حكاه الشافعي- رضي الله عنه - ودلت عليه الأخبار التي سنذكرها؛ فكذلك القصاص.
وحكى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وصاحب "العدة"، والمتولي، وراء ذلك وجهين: أحدهما: [أنه للعصبة] خاصة.

ووجهه ابن الصباغ بأن القصاص شرع؛ لدفع العار؛ فاختص بالعصبات؛ كولاية النكاح.
والثاني: أنه لذوي الأنساب من الورثة، دون ذوي الأسباب.
قال ابن الصباغ: وقائله يقول: الزوجية تزول بالموت، وإنما يراد القصاص للتشفي، ودرك الغيظ، وهذا قد يفهم أن مراده بمن يرث بالسبب الزوجان خاصة دون من عداهما، وهو المعتق؛ ولأجل هذا الإفهام؛ اعرض ابن يونس عن هذه العبارة، واقتصر على قوله: وقيل: يختص بغير الزوجين.
وقال المتولي: إنه يتعين للمستحقين بالعصب والولاء، دون الزوج والزوجة.
[وكلام الإمام يفهم أنا إذا قلنا: إنه للعصبات خاصة، هل يندرج في هذا الاسم المعتق، أو لا؛ لأنه قال في حد القذف ذلك، ثم قال: ومن غريب ما حكاه الشيخ في شرح التلخيص أن من أصحابنا من أجرى القصاص مجرى حد القذف؛ حتى تخرج فيه الوجوه التي ذكرناها فيمن يرثهن ويرث طلبه]؟ والمذهب الأول؛ لما ذكرناه، وما ذكروه لا يصح؛ لأنه يثبت للصغار والمجانين بخلاف ولاية النكاح، وقد روى أبو داود أن "رَجُلاً قَتَلَ رجلاً فِي عَهْدِ عُمَرَ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فَطَالَبَهُ أَوْلِيَاؤُهُ بِالقَوَدِ، ثُمَّ قَالَتْ أُخْتُ القَتِيلِ، وَكَانَتْ زَوجَة القَاتِل: قَدْ عَفَوتُ عَنْ حَقِّي؛ فَقَالَ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: اللهُ أَكْبَرُ! عتقَ الرَّجُلُ" ولم ينكر عليه أحد.
تنبيه: قول الشيخ: وجب القصاص للوارث، يفهم أمرين.
أحدهما: انه لا يثبت للموروث، وقد أشار الرافعي – عند الكلام في قتل

المسلم بالكافر- إلى حكاية خلاف في انه يثبت للوارث ابتداء أو تلقياً.
والثاني: نعينه في الوجوب، وقد حكى الأصحاب عن الشافعي في المسألة قولين: أحدهما- وهوا لأصح عند الشيخ أبي حامد، ومن تابعه كالمحاملي وصاحب العدة، وادعى ابن يونس أنه الجديد-: أن الواجب أحد شيئين، لا بعينه؛ وهما القصاص والدية، قال الماوردي: وكل منهما أصل.
وكذلك قال المحاملي، وزاد: انه إذا اختار أحدهما حكمنا بأنه الذي كان وجب بالقتل.
ووجهه: قوله صلى الله عليه وسلم: "فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا"، فتخييره بين القود والدية يقتضي أن يكون كل واحد منهما عن القتل؛ ككفارة الصيد واليمين.
وحكى العزالي أنا على قولنا: الواجب احد الأمرين؛ فهل نقول: القصاص أصل، والدية تابع، أم هما متوازنان من كل وجه؟ فيه تردد.
وهذا التردد استنبط مما حكاه الإمام عن الأصحاب فيما إذا عفي عن الدية، [كما سنذكره.
والقول الثاني: وهو الأصح عند القاضي أبي الطيب والروياني وصاحب التهذيب وغيرهم، كما قال الرافعي]، وادعى ابن يونس أنه القديم -: أن الواجب [القود] عيناً، والدية بدل عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية: [المائدة:45]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [إلى آخرها] [البقرة:178] ووجه الدلالة منها من وجهين: أحدهما: أنه أوجب القصاص على القتلى، ولم يذكر الدية.
والثاني: أنه أوجب الدية بشرط العفو؛ فدل على أن القصاص هو الأصل.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "المد قود لا عقل فيه".
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ"، فهو أن هذا التخيير لا

يدل على أن كل واحد منهما أصل بنفسه، ويدل على صحة هذا: أن لابس الخف بالخيار بين أن يمسح عليه بشرطه، وبين أن ينزعه ويغسل الرجل، ولا يقال: إن كل واحد من الفعلين أصل بنفسه، بل المسح بدل عن الغسل، وهو الأصل.
وللقولين فوائد تظهر من بعد، إن شاء الله تعالى.
قال: وهو بالخيار بين أن يقتص [وبين أن] يعفو؛ لأنه حق ثبت له؛ فكان مخيراً في استيفائه وإسقاطه كسائر الحقوق، وهذا الخيار على التراخي، صرح به الغزالي وغيره في الشفعة.
فرع: إذا تضرع من عليه القصاص لولي القتيل، وسأله أخذ الدية منه، والعفو عن قصاصه؛ فاخذ الولي المال من غير تصريح بالعفو؛ فهل يكون عفواً عن القصاص عليه؟ فيه وجهان، حكاهما الإمام، عند الكلام في قطع اليمين عن اليسار.
قال: فإن عفا – أي: عن القصاص على الدية – وجبت الدية؛ أي: وإن قلنا: [إن] الواجب القصاص عيناً، ولم يرض الجاني بذلك؛ لعموم الخبر، والحكم بعد موت الجاني قبل العفو عن القصاص كالحكم بعد العفو عن القصاص على الدية.
وعن شرح مختصر الجويني: أن صاحب "الجامع" حكى [قولاً] عن القديم مثل [مذهب] أبي حنيفة أنه: لا يعدل إلى المال إلا برضا الجاني، وإذا مات سقطت الدية.
والمذهب الأول؛ لأنها جناية يجوز أخذ المال فيها؛ فلم يعتبر في جواز أخذه رضا الجاني؛ كما إذا قطع يداً تامة الأصابع [وهو ناقص الأصابع]، وقد سلم أبو حنيفة الحكم فيها، وعلى هذا قال الإمام: إذا كنا نخير الولي على القولين،

يرجع إلى الدية بعد الموت؛ ففي العبارة المشهورة بتزجية القولين تكلف، والصيغة الناصة أن يقال: العمد يقتضي ثبوت المال لا محالة، ولكنه يقتضيه أصلاً معارضاً وموازناً للقصاص، أم يقتضيه على قضيته من التبعية؟ فيه القولان، قال المتولي: والواجب من الدية عند العفو دية المقتول، لا دية القاتل؛ لأنه أبقى روحه؛ بإسقاط حقه من مورثه، ومن أحيا غيره ببذل شيء استحق بدل المبذول؛ كما لو كان مضطراً؛ فأطعمه، يستحق عليه [بذل] بدل الطعام.
ولو مات الجاني قبل العفو والقصاص، أو قتل ظلماً، أو بحق في قصاص أو [حد] زنى، وأوجبنا الدية في تركته – فهل الواجب دية المقتول [أم دية القاتل]؟ فيه وجهان، تظهر فائدتهما فيما لو كان القاتل امرأة، والمقتول رجلاً، أو بالعكس.
ثم الدية تثبت للوارث ابتداء، أم تثبت للموروث في آخر جزء من أجزاء الحياة، وتنتقل إلى الوارث؟ فيه قولان حكاهما العراقيون وغيرهم.
وأصحهما في "الوسيط" و"التتمة" و"التهذيب" و"الزوائد" وغيرها: الثاني؛ بدليل وجوب وفاء ديونه وتنفيذ وصاياه [منها] باتفاق الصحاب خلا أبا ثور.
والذي صححه القاضي الروياني: الأول، ومن قال به أجاب عما استدل به بأن الورثة ملكوا الدية من جهته وبدلاً عن نفسه؛ فقدم حقه على حقوقهم.
[قال البندنيجي في كتاب الوصية: والوجهان جاريان في الغُرة، هل ملكها الجنين في آخره جزء من حياته، أم تثبت للوارث ابتداء]؟ قال: وإن [عفا] مطلقاً ففيه قولان: أحدهما: لا تجب.
والثاني: تجب، وهو الأصح.

هذان القولان مبنيان على القولين في أن موجب العمد ماذا؟ فالأول مبني على أن موجبه القود عيناً، وقد صححه النواوي.
والثاني مبني على أن موجبه أحد الأمرين، لا بعينه: القصاص والدية.
وهذا العفو عما ثبت له من تخييره في تعيينه، لا أنه اختاره ثم أسقطه، فإنه لو كان كذلك، لم تجب له الدية جزماً، ومثل هذا [ما] ذكر فيما إذا اسلم على عشر نسوة؛ فعين ستة للفراق؛ فإنه يتعين النكاح في الباقيات، وإن أطلق أربعاً منهن كان تعييناً للنكاح فيهن، وسقط حقه.
وفي "مجموع" المحاملي و"تعليق" القاضي أبي الطيب وغيرهما أن أبا إسحاق المروزي حكى – تفريعاً على القول بأن الواجب القود عيناً – قولاً أو وجهاً بوجوب الدية، ووجهه المتولي بأن عفو المستحق معتبر بعفو الشرع، وفي الموضع الذي عفا الشرع عن القصاص – لعدم الكفاءة – تجب الدية؛ فكذلك هاهنا.
وقال المحاملي، وابن الصباغ: إنه ليس بشيء.
وتأوَّل الإمام لقائله بأن معنى قولنا: الواجب القود عيناً: أنه الأصل، ولا يثبت المال معه؛ كما لا يثبت البدل مع المبدل إذا ترتب البدل على المبدل، وإذا سقط القصاص؛ جاء وقت البدل؛ فثبت المال ثبوت المبدلات.
وحكى الماوردي القولين على غير هذا النحو؛ تفريعاً على قولنا: إن الواجب القود عيناً، وبعد عفوه من غير تعرض للدية: أحدهما – وهو الذي نص عليه في جراح العمد -: أن له أن يختار الدية من بعد.
والقول الثاني – وهو الذي ذكره في كتاب اليمين مع الشاهد-: أنه قد سقط حقه من الدية؛ فليس له أن يختارها من بعد.
وأصل هذين القولين إذا أقام المدعي شاهداً، وامتنع أن يحلف معه، وعرضت

اليمين على المنكر، فنكل عنها: فهل ترد على المدعي، أم لا؟ على قولين.
ثم صورة العفو المطلق أن يقول: عفوت عن القصاص، ولم يتعرض لذكر الدية بإثبات، ولا نفي؛ كما أفهمه كلام الشيخ في "المهذيب"، والمحاملي، والإمام وغيرهم.
وكلام ابن يونس يفهم أن صورته ما ذكره القاضي أبو الطيب، وهو أن يقول: عفوت، ولا يذكر شيئاً آخر.
وإنما صرفنا هذا العفو إلى القصاص على قولنا: إن الواجب أحد الأمرين؛ لأنه اللائق بالعفو، ونقل صاحب "التقريب" [وجها آخر في هذه الصورة، وجزم به الشيخ أبو علي والعمراني في "الزوائد"، وقال الرافعي: إن الأظهر أنه يراجع، فإن قال: أردت به القصاص، سقط، وإن قال: أردت به الدية، فهو كما [لو] صرح بذلك ابتداءً.
والتفريع عليه سيأتي، وإن [قال] لم تكن لي نية، فوجهان حكاهما الشيخ أبو علي، وأشار إليهما صاحب "التقريب"]: أحدهما: أنه ينصرف إلى القصاص.
والثاني: انه يقال له: اصرفه الآن بنيتك.
فرع: لو قال: عفوت عما وجب لي عليك بهذه الجناية، أو: عن حقي الثابت عليك، وما أشبهه – سقط حقه من القصاص والدية؛ كما لو عفا عنهما صريحاً؛ كذا حكى عن رواية القاضي ابن كج عن النص.
وفي "الحاوي" أنه إذا قال: عفوت عن حقي، وقلنا: الواجب القصاص عيناً سقط القصاص، ولا تسقط الدية؛ فإن عجل اختيارها، وجبت له، وإن لم يعجله، فعلى القولين؛ يعني: القولين اللذين حكاهما من قبل.
وحكى فيما إذا قال: عفوت عن القصاص والدية، وقلنا: الواجب القصاص عيناً – أن عفوه يصح عن القصاص.
وهل يصح عفوه عن الدية؟ فيه وجهان، وجه المنع: أنه لم يقع في وقته، وعلى هذا: إن اختار الدية في الحال، وجبت، وإن اختارها بعد ذلك فعلى ما مضى من القولين.

ولو قال: عفوت على أن لا مال [لي]، فوجهان: أحدهما: أنه كما لو عفا عنهما.
والثاني: لا تسقط به المطالبة بالمال؛ لأنه لم يسقطه، وإنما شرط انتفاءه وإلى هذا مال الصيدلاني.
فرع: إذا قال: عفوت عن القصاص ونصف الدية، ففي "تعليق" القاضي الحسين: انه لا خلاف في سقوط نصف الدية؛ لأنا إن قلنا: مطلقا لعفو [لا يوجب المال، فهو بهذا العفو موجب نصف الدية، وإن قلنا: مطلق العفو] يوجب المال؛ فهو بهذا العفو اسقط نصف الدية.
وفي "الرافعي" أنه حكى عن القاضي الحسين انه قال: هذه معضلة أسهرت الأجلَّة.
وحكى عن غيره أنها بمنزلة ما لو عفا عن القود ونصف الدية؛ فيسقط القود ونصف الدية.
قال: وإن اختار القصاص، أي: تفريعاً على قولنا: إن الواجب أحد الأمرين، ثم اختار الدية – لم يكن له [ذلك] على المنصوص؛ لأن باختياره القصاص سقط حقه من الدية؛ فلم يكن له الرجوع إليها؛ كما لو اختار الدية؛ فإنه يسقط حقه من القصاص، وليس له الرجوع إليه، وهذا ما صححه في "التهذيب"، فعلى هذا: [هل] يسقط حقه، من القصاص [أيضاً]؟ فيه وجهان، أصحهما في "التهذيب": لا.
وقد شبه القاضي الخلاف بالوجهين في أن حق الشفعة والرد بالعيب هل يسقط بالمصالحة عليهما على مال، وقلنا بعدم استحقاق المال، وهما جاريان فيما إذا عفا عن القصاص ابتداء على مال غير الدية، ولم يقبل الجاني ذلك؛ كما حكاه البغوي، لكنا إذا أسقطنا القصاص في مسألة الكتاب بالعفو، لا يرجع إلى الدية، وفي المسالة التي ذكرناها إذا أسقطنا القصاص، وجعلنا عفوه كالعفو المطلق، فيجيء فيه الخلاف السابق، فإن قلنا: لا يسقط حقه

من القصاص، وهو المتعين في استيفاء الحق – فهل له أن يصالح عنه الجاني بالتراضي؟ فيه وجهان جاريان فيما لو فعل ذلك ابتداء بعد اختيار القصاص.
ووجه المنع: أن عقوبة فلم تجز المصالحة عنها على عوض؛ كحد القذف.
ووجه الجواز – وهو ما قال الإمام: لعله الأصح- أن القصاص في مقابلة متقوم بالمال على الجملة، وهو النفس، وتتلف به؛ فتُقَوَّم، وليس كذلك العرض في القذف، وعلى هذا لا فرق بين أن يصالح على جنس الدية أو غير جنسها، أقل منها أو أكثر.
ولو كان المصالح أجنبيًّا، ففي جوازه وجهان، أصحهما: الجواز؛ كما في الخلع معه.
ومقابل المنصوص وجه حكاه العراقيون: أن له الدية.
قال ابن الصباغ: وتكون بدلاً عن القصاص، وليست التي وجبت بالقتل، وهذا كما إذا ادعى حقًّا، وأقام شاهداً، فإنه يحلف معه، فإن امتنع من اليمين، عرضنا اليمين على المنكر، فإن نكل رددنا اليمين، وكانت غير الأولة.
ووجهه المحاملي والشيخ في "المهذب": بأنه استحق أعلى البدلين، فكان له أن يعدل إلى أدناهما.
وهذا التوجيه يقتضي أن تكون الدية بدل النفس، لا بدل القصاص، وقد يقوى هذا الوجه بأن في تمكينه من الرجوع إلى الدية ما يدعوه إلى العفو؛ كما قلنا: إنه يجوز له العفو على الدية، مع قولنا: إن الواجب القود عيناً.
وقد ادعى في "الوجيز" أن هذا الوجه الأظهر، وبه جزم في "الحاوي"، والإمام حكى فيما إذا عفا عن الدية صريحاً ثلاثة أوجه: أحدها: أن المال يسقط بالكلية، [حتى] لو أراد الولي إسقاط القصاص على مال، لم يجد إليه سبيلاً.
قلت: ومن طريق الأولى إذا أطلق العفو عنه، وقد صرح [به] الرافعي.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل