كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 355-394
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 355-394
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بمن تقوم به الكفاية، وإن كان العدو مثلي أهل الثغر فما دون، قال الماوردي: فإن كان في صورة إطلال العدو كان في حق غير أهل الثغر فرض كفايةٍ باقياً عليهم، وإن كان في الصورة الأخرى، فهل يسقط بأهل الثغر فرض الكفاية عمن عداهم؟ حكى ابن أبي هريرة فيه وجهين: أحدهما: [لا،] خوفاً من الظفر بهم؛ فيصير فرض القتال متعيناً عليهم وباقياً على الكفاية في حق غيرهم، وفي "الوسيط" وغيره: أن أهل الثغر إذا كان فيهم كثرة في صور إطلال العدو، فخرج بعضهم وفيهم كفاية، فهل يتحتم على الآخرين المساعدة؟ فيه وجهان.
وأصحهما في "الرافعي": نعم؛ لعظم الواقعة وكون النصر غير منضبط.
وفي "الإبانة" وكذا في "العدة" كما حكاه العمراني: أن العدو إذا لم يدخل بلاد الإسلام، فقتاله فرض على الكفاية، وإن دخل كان على من يقربه فرض عين، وكذا على من بعد عنه إن كان يجد الزاد والراحلة، ويقوى أن يجاهدهم، وإن كان بعيداً ولا يجد الزاد والراحلة، ولا يقوون على قصد العدو، فهل يلزم ذلك؟ فيه وجهان، أحدهما: نعم، ويكون على أعيانهم؛ لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾؛ فإن القرب والبعد معتبر بمسافة القصر، وفي "الوسيط" إجراء الوجهين [فيما] إذا كان في أهل البلد كثرة، وخرج من تقوم به الكفاية في وجوبه على من هو خارج البلد فيما دون مسافة القصر.
ولو كان العدو قد سار في بلاده إلى نحو بلاد الإسلام، فإن كان غير متأهب للقتال، فقتاله فرض كفاية، كما لو أن مقيماً في بلاده ولم يسر كما ذكرناه، ولكن ينبغي أن يتحرز من مكره، ولو انتهى إلى أن صار بينه وبين بلاد الإسلام يوم وليلة، فالفرض في جهاده كما لو كان مقيماً في بلاده أيضاً، لكن يجب التأهب لقتاله.
قال الماوردي: وفرض هذا التأهب على أعيان [أهل] ذلك الثغر.

فرعان: نزول العدو في موات دار الإسلام أو خرابها، هل ينزل منزلة دخوله بلاد الإسلام؟ فيه وجهان حكاهما الغزالي، والمذكور منهما في "النهاية" حكاية عن الأصحاب: الأول، والذي رآه لنفسه: مقابله.
وأسر المسلم أو المسلمين هل ينزل منزلة الدخول لدار الإسلام؟ فيه وجهان، أظهرهما عند الإمام: الأول؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين؛ فالاستيلاء على المسلم أعظم.
قال: ويستحب الإكثار من الغزو؛ لأنه طاعة، والإكثار من الطاعة مستحب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر منه كما ذكرناه، وقد سأل ابن مسعود – رضي الله عنه – رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "الصَّلاَةُ لِمِيقَاتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ".
وروى سهل بن سعد الساعدي: أنه – عليه السلام – قال: "لَغَزْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ- تَعَالَى – خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"، غير ذلك من الأخبار.
قال الماوردي: والذي [استقرت عليه سِيَر] الخلفاء الراشدين أن يكون لهم في كل فصل غزوة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد فرض الجهاد على هذا.
تنبيه: الغزو: مصدر: غَزَوْتُ العدو، وأصله: الطلب، يقال: ما مغزاك؟ أي: ما مطلوبك؟ والغازي يطلب إعلاء كلمة الله – تعالى – والثواب والغنيمة، والاسم: الغَزاة والغَزْوة، وهو غازٍ، وهم غُزَاة، وغُزَّى، وأغزيته: جهزته للغزو.
قال: وأقل ما يجب في كل سنة مرة: أما وجه وجوبه في كل سنة فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ أمر به لم يتركه في كل سنة، والاقتداء [رسول الله] صلى الله عليه وسلم واجب، وأما كون أقل ذلك [في السنة

مرة]، فوجهه قوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ الآية [التوبة:126]، قال مجاهد: إنها نزلت في الجهاد، ولأن فرض الجهاد متكرر، وأقل الفرض المتكرر ما وجب في كل عام مرة كالصيام وزكاة المال والفطر، ولأن الجزية تؤخذ للكف عن القتال، وإنما تؤخذ مرة واحدة في السنة، وسهم الغزاة يؤخذ في كل سنة مرة؛ فلابد من غزوة واحدة، ثم الإمام فيها مخير: إن شاء خرج بنفسه، وإن شاء بعث قوماً وأمَّر عليهم أميراً، على حسب ما تقتضيه المصلحة، قال ابن الصباغ: و [يلزم] الرعية طاعته فيما يراه من ذلك، وهذا ما نص عليه الشافعي – رضي الله عنه – وقال أيضاً: إنه يُغْزِي كل قوم إلى من يليهم من الكفار؛ لأنهم أعرف بقتالهم.
وعلى ذلك جرى أصحابه وقالوا: للإمام تكليف أهل البر القتال في البر؛ لأنهم أعرف به، وتكليف أهل البحر القتال في البحر: لأنهم أخبر به.
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره: أن الاعتبار بإرسال الجند مرة واحدة إلى أي جهة كانت من جهات العدو في إسقاط الفرض، ومن ذلك قول البندنيجي: وإذا غزا [جهة سنة غزا جهة] أخرى [في] السنة الثانية.
وكلام الإمام مصرح بأمر زائد على ذلك؛ فإنه قال: قال الفقهاء: يتعين على الإمام أن يقيم في كل سنة قتالاً مع الكفار، ويجب أن يغزي إلى كل صَوْبٍ منهم جنداً إذا أمكن ذلك، وزعموا أن فرض الكفاية يسقط بقتال واحد في كل صوب، والمختار – عندي في هذا – مسلك الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فيجب إدامته على حسب الإمكان، حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة في السنة، وإذا أمكنت الزيادة لا يعطل الفرض.
وما ذكره الفقهاء حملوه على الغالب؛ لأن الأموال والعدد لا يتأتى تجهيزها للجند في السنة أكثر من مرة واحدة، وإذا اصطلى الرجال بنار القتال ونالوا من العدو، ونيل منهم – لم يعودوا ولا دوابهم إلى الاستعداد التام إلا في مدة السنة.

قال: فإن دعت الحاجة إلى أكثر [من ذلك] وجب؛ لأنه فرض كفاية، فيقدر بقدر الكفاية.
قال: وإن دعت إلى تأخيره لضعف المسلمين، أخره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخر قتال قريش بالهدنة، وأخر قتال غيرهم من القبائل بغير هدنة، ولأن ما يرجى من النفع بتأخيره أكثر مما يرجى من النفع بتقديمه؛ فوجب تأخيره.
و [الضُّعْف و] الضَّعْف – بضم الضاد وفتحها – خلاف القوة، وتارة يحصل بقلة المسلمين، وعظم شوكة الكفار في هذا العام، وتارة لكون بلاد المسلمين مجدبة، ولا شيء لهم يتقوون به [على] عدوهم، وما أشبه ذلك، ولو أمكن قتال بعض الكفار [دون بعض] تعين على النعت المتقدم.
وهذا كله في الغزو، وأما حراسة حصون المسلمين، فمتعينة على الفور، ويجب إدامتها بلا فتور، وذلك بعمارة الثغور، وإعداد الكراع والأسلحة، وحفر الخنادق، وترتيب الرجال- كما قال ابن الصباغ – في أطراف البلاد، يلقون من بإزائهم من المشركين إذا أمكن، ويؤمِّر في كل ناحية أميرا يجيشهم في المقام، ويديرهم في أمر الحرب والجهاد، ويعتبر فيه أن يكون مسلماً حرًّ ممن له رأي وعقل ونجده وبصيرة بالحرب، ومكايدة العدو، ويكون فيه أمانة ورفق ناصح للمسلمين، وأن يكون من أهل الاجتهاد [في أحكام الجهاد].
وحكى الماوردي في اعتبار كونه [من أهل الاجتهاد] في الأحكام الدينية وجهين؛ بناء على اختلاف أصحابنا في هذا الأمير، هل يجوز أن ينظر في أحكام جيشه إذا كان مطلق الولاية؟ ولو فوض إليه ولاية التنفيذ، وهي ما كانت موقوفة على رأي الإمام في تنفيذ أمره [فلا يعتبر] من الشرائط المذكورة الحرية، ولا أهلية الاجتهاد في أحكام الجهاد وغيرها.
قال: ولا يجب الجهاد إلا على ذكر بالغ عاقل مستطيع، أي: مسلم،

وسكت الشيخ عنه لوضوحه.
ووجه وجوبه على من هذه صفته: الاتفاق، وهذه الصفات جمعت شروط الأهلية وانتفاء الموانع الحسية والشرعية.
قال الماوردي: ولا فرق فيه بين أن [يكون] يحسن القتال أو لا؛ لأنه إن كان يحسنه حارب، وإلا كثَّر وهَيَّب.
ووجه عدم وجوبه على من لم يتصف بها سيأتي.
قال: فأما المرأة والعبد والصبي، فلا يجب عليهم: أما المرأة؛ فلقوله تعالى: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ [الأنفال: 65]، وإطلاق لفظ "المؤمنين" يتوجه إلى الرجال دون النساء، ولا يدخلن فيه، كما هو مذهب الشافعي – رضي الله عنه – إلا بدليل يدل على إرادة دخولهن؛ كما نقله الماوردي.
وقد روي عن عائشة – رضي الله عنها – أنها [قالت]: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجهاد فقال: "جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ"، وروى أبو هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ؛: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ".
والخنثى المشكل في ذلك كالمرأة.
وأما العبد؛ فلقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41]،وهذا الخطاب لا يتوجه للمملوك؛ لأنه لا يملك؛ فصار داخلا في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 91]، وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم تَبِعَهُ مَمْلُوكٌ لاِمْرَأَةٍ مِنْ مُزَينَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَاذَنْتَ مَوْلاَتَكَ؟ " فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ – عَلَيهِ السَّلاَمُ -: "لَو مِتَّ أُصَلِّ عَلَيكَ، ارْجِعْ فَاسْتَاذِنْهَا، وَاَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلاَمَ"، فَرَجَعَ فَاسْتَاذَنَها، فَأَذِنَتْ لَهُ.
وَرَوَى جَابِرٌ أن عَبْداً قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، فَقَدِمَ صَاحِبُهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَرَهُ اَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِعَبْدَينِ، فَكَانَ بَعْدُ إِذَا

أَتَاهُ إِنْسَانٌ لاَ يَعْرِفُهُ لِيُبَايِعَهُ، سَأَلَهُ: أَحُرٌّ هُوَ أَمْ مَمْلُوكٌ؟ فَإِنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّن بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَالْجِهَادِ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ، بَايَعَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلَى الْجِهَادِ.
ومن جهة المعنى: أنه لو حضر الغنيمة لم يسهم له، بل يرضخ، ولو كان من أهل فرض الجهاد لأُسْهِمَ له، والمدبر والمكاتب.
ومن فيه جزء من رق – وإن قل في ذلك – ككامل الرق.
ولو أذن السيد للعبد في الجهاد، قال الإمام: فالوجه ألا يلزمه طاعته؛ فإنه ليس من أهل هذا الشأن بنفسه، والملك لا يقتضي التعرض للهلاك، وليس القتال من الاستخدام الذي يجب للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خلاف، وإذا لم نوجب الدفع عن المسلم المقصود على التفصيل الذي قدمناه للفقهاء، فلا يجب على العبد أن يدفع عن سيده إذا كان في الدفع تعريض نفسه للقتل.
نعم، له استصحابه لخدمته في السفر [وليسوس] دوابه.
وهذا ما أورده الغزالي، وقال الرافعي: إن قوله: وليس عليه الذب عن سيده، ينبغي أن يعلم بالواو؛ فإنه جواب على أن الدفع عن الغير لا يجب.
قلت: ولا ينبغي أن يعلم بالواو؛ لأن موضع الخلاف في وجوب الدفع عن الغير إذا لم يخف على نفسه، أما إذا خاف عليها فلا يجب، والمسألة مصورة هاهنا بالخوف.
وأما الصبي؛ فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: 91] قيل: وهم الصبيان؛ لضعف أبدانهم، وقوله – عليه السلام -: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ ... " الخبر المشهور.
وقد روي أنه – عليه الصلاة والسلام – رد زيد بن ثابت ورافع بن خديج والبراء بن عازب وعبد الله بن عمر –رضي الله عنهم – [يوم بدر، استصغرهم.

وروى نافع عن ابن عمر] قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَومَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي وَلَمْ يُجِزْنِي فِي القِتَالِ، وَعُرِضْتُ عَلَيهِ يَومَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي.
خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قال: فإن حضروا جاز، أي: بإذن الإمام؛ لما في حضورهم من النفع.
وقد روى أبو داود عن أنس قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عيه وسلم يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْم وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، يَسْقِينَ الْمَاءَ، وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى.
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي.
وحضور العبد منوط بإذن مولاه، وإلا فلا يجوز.
قال: ولا يجب الجهاد على معتوه؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ [قيل: وهم] المجانين؛ لضعف عقولهم، وللخبر المشهور.
وأفرد الشيخ هذه المسألة عما قبلها؛ لافتراقهم في جواز الحضور؛ فإن المعتوه لا نحضره الحرب؛ لأن حضوره مظنة الضرر على المسلمين؛ فإنه قد يعبث فيهم فيشغلهم عن القتال، بخلاف غيره كما تقدم.
قال: ولا على غير مستطيع، وهو الأعمى والأعرج والمريض الذي لا يقدر على القتال؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [الفتح: 17]؛لأن سورة الفتح نزلت في الجهاد باتفاق المفسرين، وقول الشيخ: الذي لا يقدر على القتال، يعود إلى الثلاثة، وفيه احتراز عن أعمى إحدى العينين؛ فإنه يجب عليه القتال، كما يجب على الأعشى والأعمش ومن في بصره سوء وهو يدرك به الشخص والسلاح، وعن الأعرج الذي يقدر على الركوب والمشي معاً؛ فإنه يجب عليه،

دون ما إذا قدر على أحدهما كما صرح به ابن الصباغ وغيره.
وفي "الرافعي" وجه اختاره في "المرشد": أن الأعرج إذا كان عنده ما يركبه وقدر على ركوبه خاصة وجب عليه، يعني في موضع يمكن القتال فيه راكباً، وهو ما حكاه الإمام عن العراقيين، وألحق في "المرشد" به ما إذا كان يقدر على المشي خاصة.
والظاهر: الأول وبه جزم البغوي والمراوزة، كما حكاه الإمام؛ لأن الدابة قد تهلك فيهلك.
وعن المريض مرضاً يسيراً لا يمنعه عن القتال، كالحمى اليسيرة والصداع [اليسير]، ووجع الضرس؛ فإنه يجب عليه، بخلاف ما يخشى منه كالحمى الشديدة ورمد [ووجع العين]، كما حكاه أبو الطيب.
ومن طريق الأولى: لا يجب على مقطوع الرجل، وكذا مقطوع إحدى اليدين، ولو كان مقطوع بعض أصابعها، فإن كان المقطوع الأكثر فكذلك الحكم، وإن كان المقطوع الأقل وجبن قاله [المصنف] والماوردي.
وكذلك حكم الأنامل.
قال: والفقير الذي لا يجد ما ينفق على نفسه وعياله، ولا يجد ما يحمله، وهو على مسافة تقصر فيها الصلاة، أي: سواء قدر على المشي أو عجز عنه كما قاله الماوردي، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [الآية] [التوبة: 91] إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَاذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ [التوبة: 93]، وفي الآية – أيضاً – دليل على أن العادم إذا دفع له الإمام من بيت المال ما ينفقه عليه ويحمله يجب عليه الجهاد، وقد صرح به الأصحاب، وأنه لا يجب عليه إذا كان المدفوع من غير بيت المال، والفرق: أن له في مال بيت المال حقا؛ فلا تلحقه مِنَّةٌ، بخلاف مال غيره.
نعم، لو قبله لزمه فرض الجهاد بعد القبول، وإذا

كانت المسافة دون مسافة القصر لم يكن عدم الراحلة مانعاً من الوجوب إذا كان قادراً على المشي، كما أن ذلك لا يمنع وجوب الحجز نعم، في هذه الحالة القدرة على النفقة شرط، إلا إذا كان العدو على باب البلد الذي هو فيه؛ فإنه يجب عليه القتال بكل حال، كما قاله أبو الطيب والمصنف والبندنيجي وغيرهم.
ثم المعتبر في النفقة نفقة الأهل وآلة الجهاد ونفقته في الذهاب، وكذا في الإياب؛ لأن الأصل بقاؤه، والنفس تحدثه بالرجوع إلى أهله وإن كان هذا السفر مظنة الموت.
نعم، لو كان لا أهل له ففي اعتبار نفقة الإياب في مثله في الحج وجهان، قال الإمام: وهما جاريان هنا وقد يرتبان، وهاهنا أولى بعدم الاعتبار.
قال الأصحاب: وكل عذر يمنع [وجوب] الحج يمنع وجوب الجهاد إلا الخوف من طلائع الكفار في الطريق؛ فإنه يمنع الحج ولا يمنع الجهاد، وفي الخوف من متلصصي المسلمين وجهان في "النهاية"؛ أصحهما – وهو الذي أورده الغزالي وقال [الإمام]: إن ميل النص [والأئمة إليه]-: أنه لا يمنع؛ لان الخوف محتمل في هذا السفر، مع أن قصد المتلصصين من فروض الكفايات، فلعله أهم.
قال: ولا يجاهد من عليه دين، أي: حالاًّ أو مؤجلاً، إلا بإذن غريمه، أي: مسلماً كان أو كافراً، ووجهه: ما روى أبو قتادة: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبيلِ اللهِ صَابِراً مُحْتَسِباً، مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ"، وفي رواية: أَيَحْجُزُنِي عَنِ الْجَنَّةِ شَيءٌ؟ فَقَالَ: "لاَ، إِلاَّ الدَّيْنُ".
[وما] حجز عن الجنة لم يتوصل بالجهاد إليها، ولأن فرض الدين إذا كان حالاًّ [فهو] متعين عليه، وفرض الجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية.
وإذا كان مؤجلاً

فمقصود الجهاد: طلب الشهادة ببذل النفس والاستسلام للقتل، وذلك يؤدي إلى إسقاط حق ثابت؛ فمنع منه.
نعم، لو أذن له صاحب الدين صار من أهل الجهاد، وللإمام احتمال فيه مع جزمه بجوازه، وإذا جاهد لم يتعرض للشهادة، ولم يتقدم أمام الصفوف، ويقف في وسطها أو حواشيها، ليحفظ الدين بحفظه نفسه، قاله الماوردي، وهذا على وجه الاستحباب، كما صرح به البندنيجي.
وقيل: يجوز في الدين المؤجل أن يجاهد بغير إذنه؛ لأنه في الحال مخاطب بفرض الكفاية، بخلاف الدين؛ فإنه لا يتوجه الخطاب به إلا بعد حلوله؛ فلا يترك أمراً ناجزاً لشيء منتظر، وهذا أصح عند النواوي وصاحب "المرشد".
والصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الأول؛ لما ذكرناه، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين، وما ذكره صاحب الوجه الثاني منتفض بما لو كان الدين الحالُّ على معسر؛ فإن المعنى المذكور موجود فيه، وقد قال الأصحاب: إنه لا يجاهد إلا بإذن الغريم، كما لو كان الدين حالاًّ وهو موسر، صرح به الماوردي، ومحل المنع عنده مصور بما إذا لم يستتب من يقضي الدين من ماله الحاضر، أو [استناب من يقضيه من ماله الغائب، أما إذا استناب من يقضيه من المال الحاضر] لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه كالمؤدين وعلى ذلك جرى في "التهذيب"، والحق به غيرهما قيام كفيل به كما ذكرناه في باب التفليس.
واعلم أن ظاهر نص الشافعي – رضي الله عنه – الذي حكيناه، وكلام الشيخ هاهنا وفي "المهذب" وكلام البندنيجي والماوردي يقتضي أمرين: أحدهما: منع نفس الجهاد، لا منع السفر له.
والثاني: إناطة المنع منه بعد الإذن، وعدم الإذن تارة يُعقل مع المنع من الجهاد، وتارة يعقل مع السكوت.
وبهذا التقرير يظهر لك: أن هذه المسألة مخالفة للمسألة المذكورة في هذا

الكتاب في أول باب التفليس؛ لأنه ذكر ثم أن الممنوع السفر، وحينئذ لا يقال: إن إيراده ثم يقتضي تصحيح قول اقتضى إيراده هنا تصحيح مقابله، بل يقال: إن الخلاف المذكور في باب التفليس مرتب على الخلاف المذكور هاهنا، إن قلنا: [إن] الجهاد نفسه لا يتوقف على إذن الغريم، فالسفر إليه من طريق الأولى، وإن قلنا: يتوقف على الإذن - كما هو ظاهر النص - جاء الخلاف المذكور في باب التفليس، ويكون وجه الجواز الذي اقتضى إيراد الشيخ ترجيحه: [أن المحذور] المتوقع الناشئ من طلب الشهادة، وهو تعذر الدين [بالموت]- مأمون؛ لتوقف الجهاد على الإذن، ومن منعه، قال: إذا كان الجهاد ممنوعاً بدون الإذن، كان ما يتوصل به إليه كذلك؛ حسما للباب كالخلوة.
والفرق على الأول: أن الجهاد إنما تدعو النفس إليه لطلب الأجر، فإذا كان محرماً لم يقدم عليه؛ لأن من طبعها كراهة الموت، بخلاف الزنى؛ [فإن] في النفس داعية إليه؛ فلذلك مُنعت الخلوة، [ويكون الفرق بين الصحيح في المسألتين: أن الجهاد نفسه مظنة المظنة؛ فإنه قد يحصل مع السفر للجهاد جهاد، وقد لا يحصل].
لكن في كلام الماوردي والمصنف شيء قد يفهم منه: أن الممنوع منه هاهنا جزماً أو على أحد الوجهين، السفر للجهاد؛ فإنهما قالا فيما إذا كان الدين مؤجلا: أحد الوجهين: أنه يجوز أن يجاهد من غير إذن الغريم؛ كما يجوز أن يسافر لغير الجهاد [بغير إذنه]، وهو مصرح به كذلك في "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية" في هذا الموضع، وفيهما في الدين المؤجل وجهان آخران ذكرناهما في باب التفليس [مع] غيرهما، وكلام القاضي أبي الطيب هنا ليس فيه تصريح بأحد الأمرين؛ لأنه ذكر فيما إذا كان الدين حالا: أن لرب الدين منعه من الخروج، وإذا كان مؤجلاً فهل له منعه من الخروج؟ فيه وجهان.
ولفظ "الخروج" يحتمل أن يريد به: [السفر، وهو الظاهر من قوة الكلام،

ويحتمل أن يريد به]: إلى وجه العدو؛ فيكون مراده الجهاد كما هو [ظاهر] لفظ الشافعي، رضي الله عنه.
و [على] هذا: فبين عبارة الشافعي – رضي الله عنه – ومن تبعها، وعبارة أبي الطيب فرق؛ لأن عبارة الشافعي –رضي الله عنه – تقتضي كما ذكرنا أن المنع منوط بعدم الإذن، وهو أعم، وعبارة القاضي أبي الطيب وكذلك البندنيجي مصرحة بأن لرب الدين منعه، ومن هاهنا استشكل بعضهم الجمع بين كلامي الشيخ هاهنا وفي التفليس؛ بناء على أن المراد هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، والأشبه ما ذكرته أولا؛ لأن الأصحاب نسبوا قول المنع من السفر في الدين المؤجل إلى الإصطخري كما نقلته في التفليس، ولو كان المراد بما ذكره الشافعي – رضي الله عنه – هاهنا: السفر، لا الجهاد نفسه، لم يكن منسوباً إلى الإصطخري؛ بل للنص في "المختصر"، فتأمل ذلك، والله أعلم.
قال: ولا يجوز لمن أحد أبويه مسلم أن يغزو بغير إذنه؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُجَاهِدُ؟ قَالَ: "أَلَكَ أَبَوَانِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ".
وخرجه البخاري ومسلم.
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال – عليه السلام -: "هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ؟ " فَقَالَ: أَبَوَايَ، فَقَالَ – عَلَيهِ السَّلامُ -: "أَذِنَا لَكَ؟ " قَالَ: لاَ، قَالَ: "ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَاذِنْهُمَا، فَإِنْ أّذِنَا لَكَ فَجَاهِدُ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا".

ولأن فرض الجهاد [على الكفاية]، وبر الوالدين وطاعتهما [فرض عين]، ولهذا [يأثم بترك كلامهما]، كما يعصي بترك صلاة الفرض، كما حكاه مجلي عن ابن الصباغ في طلاق المريض، وفرض العين آكد فكان الاشتغال به أولى.
ولو كان أبواه كافرين لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه، وقد جاهد أبو حذيفة ابن عتبة بن ربيعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوه عتبة يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حتى قتل، ولا شك في كراهيته لذلك.
واستئذان الجد والجدة عند عدم الأبوين كاستئذان الأبوين، صرح به الماوردي والمصنف والبغوي وغيرهم، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً، وقد مضى في إلحاقهما بالأبوين عند عدمهما في جواز التفريق بينهما وبين الطفل –خلافٌ كان لا يبعد عن القياس مجيء مثله هاهنا، ومع وجود الأبوين هل يلزمه استئذانهما مع الأبوين؟ فيه وجهان في "المهذب"، والصحيح فيه وفي "التهذيب": اللزوم؛ لأن بوجود الأبوين لا يسقط بر الجدين، ولا تنقص شفقتهما عليه.
ثم ظاهر كلام الشيخ إيجاب استئذان الرقيق من الأبوين كالحر منهما، وهو ما اختاره في "المرشد"، وأبداه في "المهذب" احتمالا لنفسه؛ لأن المملوك كالحر في البر والشفقة، فكان كالحر في الاستئذان، بعد أن قال: [إن] بعض أصحابنا قال: تشترط الحرية ولا يلزمه استئذان الرقيق، وهو ما أورده الماوردي؛ لأنه لا إذن للرقيق في نفسه فلم يعتبر في غيره، وحكى الشاشي في "حليته" في ذلك وجهين، وكذلك البغوي، وقال: إن الصحيح عندي انه لا يجاهد بدون إذنه، وعلى ذلك جرى الرافعي.
فرع: سفر غير الجهاد هل يلتحق به في وجوب استئذان الأبوين أم [لا؟] قال الأصحاب: إن كان لأجل حج الفرض وقد استطاعه فلا، وادعى الإمام نفي خلافه، وفي "تعليق" القاضي الحسين هاهنا وجه: أنه يلتحق به؛ لأنه وإن وجب علهي لكن لم يتعين أداؤه في تلك السنة، والغزالي حكاه في كتاب الحج، وقال الرافعي: إنه غريب.

وفي حج التطوع قولان رأيتهما فيما وقفت عليه من "تعليق" البندنيجي هاهنا.
وإن كان سفره لتجارة أو لطلب علم فقد أطلق العراقيون – ومنهم [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ –أن الاستئذان مستحب.
وقال في "الحاوي": إن كان الأبوان أو أحدهما ممن [لا تلزمه نفقته فلا يلزمه أن يستأذنهما في سفره، وإن كان ممن] تلزمه نفقتهما أو نفقة أحدهما، فهما كصاحب الدين؛ لأن وجوب نفقتهما كالدين لهما؛ فيجب استئذانهما [أو من وجبت نفقته منهما، مسلما كان أو كافراً، إلا أن يستنيب في الإنفاق عليهما من ماله الحاضر، فلا يلزمه استئذانهما].
والمراوزة فصلوا قالوا: إن كان لطلب [علم هو] فرض عين كالعلم بالطهارة والصلاة، وقدر ما يبتلى به العامة، إذا لم يكن في بلده من يتعلم ذلك منه – فله ذلك من غير إذن من أحدهما، وإن كان من فروض الكفايات كما إذا خرج طالباً لدرجة الفتوى، وفي البلد من يشتغل بالفتوى – فوجهان، أصحهما: عدم وجوب الاستئذان، فإن [كان] المفتي شيخاً جزم القاضي الحسين بجواز الخروج من غير إذن؛ لأن ذلك الشيخ يعرض أن يموت، وإن لم يكن هناك من يشتغل بالفتوى فطلب العلم واجب على الكل على الكفاية، والكل عصاة [ترك ذلك، ولو] خرج في هذه الحالة واحد لا غير لم يلزمه الاستئذان؛ لأنه بالخروج يدفع الحرج عن نفسه، وادعى الإمام نفي الخلاف فيه، وإن خرج معه جماعة ففي الحاجة إلى الإذن وجهان مرتبان على الخلاف السابق وأولى بعدم الاحتياج، وهو الذي أورده القاضي الحسين، ووجهه: أنه لم يوجد في الحال من يقوم بالمقصود، [والخارجون معه قد لا يظفرون بالمقصود].
وعد الإمام مقابل هذا الوجه بعيداً، وادعى القاضي الحسين أن من تفقه يسيراً وعلم بعض العلوم، وله خاطر بحيث إنه لو تكلف لبلغ درجة المفتين – يتعين عليه التفقُّه، وفي هذه الصورة يجوز له الخروج من غير إذنٍ وجهاً واحدا، وغيره

قال: أصح الوجهين: أنه لا يتعين عليه النفقة.
وقالوا في سفر التجارة؛: إن كان قصيراً فلا يحتاج فيه إلى الإذن بحال، وإن كان طويلاً نظر: إن كان فيه خوف ظاهر كركوب البحر والبراري المخطرة فهو كسفر الجهاد، ويجيء فيه ما حكيته عن "تتمة التتمة" في باب التفليس، وإن كان الأمن غالباً فوجهان، الأظهر: الجواز بدون الإذن، وهذا ما حكاه الرافعي، وهو مستنبط من احتمال أبداه الإمام لنفسه بعد حكايته عن القاضي إطلاق القول بأن الأسفار المباحة لابد فيها من [إذن الوالدين]، وقد رأيت هذا في "تعليق" القاضي، ورأيت فيه أنه قال في كَرَّة أخرى: فيها وجهان، قال الإمام: والأبوان الكافران لا يبعد عندي إلحاقهما في الأسفار المباحة في الأمور الدنيوية بالأبوين المسلمين.
قال: فإن أذن له الغريم، [أي: أو أحد الأبوين]، ثم بدا له قبل أن يحضر الصف، أو أسلم أحد أبويه قبل أن يحضر الصف - لم يغز إلا بإذنهم؛ لأنه عذر يمنع وجوب الجهاد، فطرآنه يمنعه أيضاً كالمرض والعمى.
وفي كتاب ابن كج: أنه لا يلزمه الانصراف، ويتخير؛ كما لا يجب الانصراف على المرأة إذا أذن لها في السفر وطلقها بعد مفارقة البلد.
والمشهور الأول، وهو – كما قال الماوردي – مصور بما إذا لم يكن الخارج مُسْتَجْعَلا، أما إذا كان مستجعلا من السلطان على غزوة، [فإنه لا يرجع]؛ لما وجب عليه من حق الجعالة المشتركة بين حقوق الله – تعالى- وحقوق الآدميين، فكانت أولى ممن انفرد بحقوق الآدميين.
ثم إذا لم يمكَّن من الغزو فهل يجب عليه الانصراف؟ قال الرافعي: نعم، يجب إلا إذا خاف على نفسه أو ماله.
وإنه ألحق به ما إذا خاف من انصرافه انكسار المسلمين فيعذر في المضي.
ولو لم يمكنه الانصراف، لكنه قدر على الإقامة في قرية في الطريق إلى أن يرجع جنود الإسلام – لزمه، صرح به

الإمام وغيره، وأوهم الغزالي في "الوسيط" خلافاً في وجوب الإقامة بقوله: فالظاهر أنه يجب عليه الوقوف بقرية إن أمكن؛ إذ غرضهم ترك القتال.
قال: وإن كان قد حضر الصف، أي: وتحقق الزحف، وهو اختلاط البعض بالبعض – ففيه قولان: أحدهما: [أنه] لا يغزو؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنه يلزمه، وهو المختار في "النواوي" و"المرشد"، وبه جزم الفوراني والبغوي، وإليه مال الأكثرون كما قال الرافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]،وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]، ولأنهما حقان متعبان، وتعين الجهاد سابق؛ فقدم.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا لا يجوز له أن يقف موقف طالب الشهادة ومن قد استسلم للقتل، ويكون في أواخر الصوف يحرس وما أشبه ذلك، وهذان القولان حكاهما أبو إسحاق في "الشرح"، وحكاهما الماوردي وجهين عن رواية القاضي أبي حامد، وقال: إن محلهما إذا كان متطوعاً بالقتال، أما إذا كان مستجعلاً فلا يرجع إذا كان مقامه أصلح من رجوعه، ولو كان رجوعه أصلح من مقامه لتشاغل المجاهدين به، فيرجع ولا يقيم.
وفصل القاضي الحسين تفصيلاً آخر، فقال: إن كان يخاف الفتنة من رجوعه وكَسْرَ قلوب المسلمين لم يجز له أن يرجع، وإن كان لا يخاف الفتنة فهل له أن يرجع؟ فيه وجهان.
ثم قال: ومن أصحابنا من قال: في جواز الرجوع وجهان، وفي "الوسيط" وغيره، في حال خوف الفتنة من الرجوع وجه: أنه يجب عليه الرجوع؛ فيكون في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: وجوب المصابرة.
والثاني: وجوب الرجوع.
والثالث: أنه مخير، وقد نسب الإمام هذا إلى اختيار القاضي الحسين.
وفي "الرافعي" وجه رابع: أنه يجب الانصراف إن رجع رب الدين، ولا

يجب إذا رجع أحد الوالدين، والفرق: عظم شأن الدين.
وحكم تجديد الدين حكم إسلام أحد الأبوين، صرح به الغزالي والقاضي الحسين.
ورجوع السيد عن الإذن للعبد بعد الخروج يشبه أن يكون كرجوع رب الدين، بل أولى؛ لأن من عليه الدين يصير من أهل الجهاد بالإذن، بخلاف العبد، لكن في كلام الأصحاب ما يقتضي عكسه؛ فإنهم قالوا: لو خرج من عليه الدين بدون إذنٍ، وحضر الصف - ففي [وجوب] رجوعه خلاف مرتب على ما إذا خرج بالإذن ثم رجع في الإذن وهو في الصف، وأولى بوجوب الانصراف؛ لأنه متعدٍّ بالخروج، وقالوا: إذا خرج العبد بغير إذن سيده فيلزمه الانصراف ما لم يحضر الوقعة، فإن حضر فلا، كما صرح به في "التهذيب" وحكيناه عن الإمام من قبل، وعن القاضي الروياني في هذه الحالة في العبد: أنه يستحب له الرجوع.
ثم ما ذكرناه من الأعذار بالنسبة إلى حق غيره، وأما الأعذار المختصة بنفسه إذا طرأت، كما إذا حصل له مرض أو عمى أو نحو ذلك، فهو بالخيار بين التوجه والرجوع، ولا فرق فيه بين أن يكون مستجعلاً، وقد حصل العذر بعد استجعاله، أو لا يكون مستجعلا، قال الماوردي: ولا يجوز ما أخذه منه؛ لأنه استحقه من مال الله تعالى وقال القاضي الحسين: إن هذا نص الشافعي، رضي الله عنه.
وقال أصحابنا: إنه كذلك إن كان من المرتزقة الذين يعطيهم من الفيء، فأما ما يعطيه من سهم سبيل الله - وهو سهم الغزاة في الزكاة - فإذا لم يَغز في تلك السنة يسترجع بما أعطاه إياه، نص عليه، والفرق: أن المرتزقة إنما يعطون من الفيء للاستعداد للقتال، والاستعداد قائم في مستقبل الأيام، فأما الذين لا ديوان لهم من أهل الصدقات فإنما يعطون للغزو، لا للاستعداد؛ فهو كما لو أعطى ابن السبيل فلم يخرج فإنه يسترد منه.

وقال القاضي أبو الطيب: إن حصل ذلك قبل التقاء الزحفين [فهو مخيّر، إلا أن يخاف التلف من الرجوع؛ فإنه يمضي، وإن حدث بعد التقاء الزحفين] وجب عليه الثبات.
ومن أصحابنا من قال: لا يلزمه الثبات، وله الرجوع إن اختار كما لو طرأ في الطريق، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى الشيخ أبي حامد، والبغوي إلى شيخه بعد تصدير كلامه بالمنع، والأخير أصح عند الفوراني، وكذا عند الإمام، ونسب الأول إلى رواية صاحب "التقريب"، والفوراني قال: إنه مخرج من رجوع الأبوين وصاحب الدين.
وخصّا محل الخلاف بما إذا لم يوجب الانصراف انفلالا وانحلالا في الجند، فإن أورثه لم يجز الرجوع.
وطرآن العجز عن النفقة كطرآن المرض [ونحوه]، عند الماوردي وغيره من المراوزة، وقال صاحب "التقريب": ليس له أن يرجع.
كما نقله القاضي الحسين عنه، ولعل ما قاله الماوردي محمول على ما إذا لم يلتق الزحفان بعدُ، وما قاله صاحب "التقريب" إذا حصل العجز بعد التقاء الزحفين، كما حكينا عن الأصحاب من قبل أنهم قالوا: إذا كان العدو على باب البلد لم يمنع من الجهاد العجز عن النفقة.
وطرآن العجز عن المركوب في حال القتال بموته أو بأخذه لا يجوز الرجوع-كما حكاه أبو الطيب وصاحب "المرشد" وكذا البغوي – إن أمكن أن يقاتل راجلاً، وألا فيجوز له الانصراف.
ولو انكسر سلاحه أو أُخِذَن قال القاضي أبو الطيب: قاتل بما وجد من السلاح، فإن لم يجد فبالأحجار وما أشبه ذلكن فإن لم يكن هناك ما يقاتل به فله الانصراف ولا إثم عليه، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ، وحكى الرافعي فيما إذا لم يقدر إلا على الحجارة، وجها: أنه يجوز [له] الانصراف، ووجها ثالثاً: أنه إن كان معه مقلاع يرمي به، فلا يجوز [له] الانصراف، وإلا فيجوز، وهذا ما

حكاه القاضي الحسين مع الذي قبله، وقال: الأصح أن له الرجوع؛ لأنه ليس في الرمي بالحجارة كبير فائدة.
وقال في موضع آخر: إن الأظهر المنع؛ لأنه يمكنه المقاتلة بالمقلاع، والله أعلم.
فرع: إذا ذهبت دابته أو نفقته، فرجع، ثم أفاد ما ذهب منه -نظر: فإن أفاده في أرض العدو وجب عليه العود إلى الجهاد، وإن وجده في بلاد الإسلام فالأفضل له العود ولا يلزمه.
ولو أعطاه السلطان بدل ما تلف منه: فإن كان في أرض العدو لزمه قبوله للعود، فإن عاد ولم يقبل لم يجبر على القبول، وإن لم يعد أجبر على القبول والعود، وإن كان في بلاد الإسلام فهو مخير بين قبوله ورده: فإن قبل وجب عليه العود، وإلا فلا يجب.
آخر: إذا غزا أرباب الأعذار ثم ارتفعت أعذارهم، فأبصر الأعمى، وصح المريض، واستقام الأعرج، وأيسر المعسر قبل التقاء الزحفين ودخول أرض العدو - فإن كان المشركون أظهر منعوا من العود، [وإن كان المسلمون أظهر خيروا بين المقام والعود، ولو كان [ذلك] بعد التقاء الزحفين منعوا من العود] إلى انجلاء الحرب.
قال: وإن أحاط العدو بهم، وتعين الجهاد - جاز من غير إذنهم؛ لأنه قتالُ دفاعٍ عن الدين وليس بقتال غزو؛ فتعين على كل مطيق، وأيضاً: فإن تركه يفضي إلى الهلاك؛ فقدم على حق الأبوين والغريم، وكذا حكم العبد مع سيده.
قال: ولا يجاهد أحد، أي: من المسلمين الأحرار عن أحد؛ لأنه متى حضر الصف تعين عليه، سواء كان قد جاهد ألف مرة أو لا، ومتى تعين الفرض عليه لم يَنُبْ عن غيره فيه كما في الحج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بجُعْلٍ أو بغير جعل، ويجب على كل من أخذ الجعل رده.
وماروي أنه - عليه السلام - قال: "لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ،

وَأَجْرُ الْغَازِي" – [كما خرجه] أبو داود عن ابن عمر – فهو محمول على الإعانة على الحرب تدفع إليه، ونفقةٍ تصرف إليه.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: قد أجزتم أن يدفع السلطان الجعل ليغزو، قلنا: الغزاة علىضربين: منهم من حقه الفيء، وهو من فضل الله-تعالى-[لا أنه] عوض عن جهاده، بل يقع جهاده عنه لا عن غيره، ومنهم [من] حقه في الصدقات يعطي إذا نشط ليغزو معونة له، ويقع غزوه عن نفسه.
وكذا لا يجوز للإمام أن يستأجر للجهاد من ذكرناه من سهم المصالح على الأصح؛ لما ذكرناه، وعن الصيدلاني وطوائف من الأئمة كما حكاه [الإمام] في موضع آخر جوازه.
ولو قهر الإمام جماعة من المسلمين وأكرههم على الخروج والجهاد، لم يستحقوا الأجرة كما أطلقه الأصحاب، [وقد] وافق على هذا الصيدلاني وغيره، كما حكاه الإمام واستعجب منه، وفي "التهذيب": أنه إن تعين الجهاد عليهم فالأمر كذلك، وألا فلهم الأجرة من حين أخرجهم إلى أن يحضروا الوقعة.
قلت: ولهذا الاختلاف شبيه، وهو ما إذا مات الأجير على الحج قبل الإحرام، وبعد قطع المسافة إلى الميقات، فالمنصوص – وهو الصحيح-: أنه لا يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأن المقصود لم يحصل منه شيء، وعند الإصطخري حكيناه عن النص في مسالة الحج، مع ملاحظة أن الحر إذا حبسن لا يستحق شيئاً من الأجرة كما هو الأصح، وبه قال الجمهور كما تقدم، وما صار إليه البغوي مأخذه مذهب الصيرفي والإصطخري، أو أن الحر إذا حبس يستحق

الأجرة، كما هو مذهب ابن أبي هريرة.
وقد قال الرافعي: إن تفصيل صاحب "التهذيب" حسن فليحمل عليه ما أطلقه الجمهور، والله أعلم.
ولو أراد الإمام أن يستأجر كافراً، فسنذكر حكمه، وإن أراد أن يستأجر عبدا مسلماً، وقلنا: لا يجوز إجارة الحر المسلم له – ففي جوازه وجهان، قال الإمام: خرجهما الحذاق على أنه إذا وطئ الكفار طَرَفاً من بلاد الإسلام، هل يتعين الجهاد على العبيد؟ إن قلنا: نعم، فهم من أهل فرض الجهاد، فإذا وقفوا في الصف وقع عنهم؛ فيكون استئجارهم كاستئجار الأحرار، وإلا فيجوز كأهل الذمة، وقد أجراهما البغوي في استئجار غير الإمام لهم.
قلت: وهذا الخلاف يظهر أنه مختص بحالة استقلال الأحرار بدفع من قصدهم من العدو؛ لأن الأصل المبني عليه الخلاف في صحة استئجار العبيد، وهو أن العبيد هل يتعين عليهم الجهاد إذا طرق العدو بلادهم، أم لا؟ محل الخلاف فيه إذا كان في الأحرار كفاية ويحصل بقتال العبيد قوة، كما حكيناه من قبل عن رواية الإمام، أما إذا لم تحصل الكفاية إلا بالعبيد، فقد حكينا عنه الجزم بتعين القتال عليهم، وأن به نتبين أن العبد من أهل القتال، وقضية البناء: ألا يجوز الاستئجار في مثل هذه الحالة جزماً.
ثم من هاهنا يؤخذ الخلاف الذي أشرت [إليه] من قبل في أن من حضر الصف، وكانت الكفاية تحصل بنم تصدى لقتالهم، هل يتعين [عليه] القتال أيضاً أم لا؟ لأن الإمام جعل حضور الصف بمنزلة طروق العدو بلاد الإسلام، وقد تقدم أن العدو إذا طرق بلاد الإسلام وخرج له من تلك الجهة من يقوم بكفايته هل يتعين على الباقين القتال؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم، وهو الذي حكينا عن الماوردي الجزم به، وبهذا يستقيم التعليل الذي ذكرناه في امتناع جهاد أحد عن أحد.

وقد أطلق ابن يونس جواز استنابة المشرك والعبد في القتال؛ لأنه لا يتعين عليهما الجهاد بالحضور، والله أعلم.
قال: ويكره أن يغزو أحد إلا بإذن الإمام، أي: أو الأمير المنصوب من جهته؛ لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، وإنما لم يحرم؛ لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد.
وفي "المرشد": أنه إذا جاهد بغير إذن الإمام لم يجز.
قال: ويتعاهد الإمام الخيل والرجال، فما لا يصلح منها للحرب، منع من دخول دار الحرب؛ لأنه تغرير من غير فائدة، وقد يكون في ذلك ضرر على المسلمين، واستدل الجيلي على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعاهدهم وينظر في خيولهم وأحوالهم، وكان يستصحب من يصلح، ويترك من لا يصلح.
قال: ولا يأذن لمخذل، ولا لمن يرجف بالمسلمين.
المخذل: هو المفشل عن القتال؛ بأن يقول: فالعدو كثرة ولهم شوكة، ونحن فينا قلة، أو يقول: خيول المشركين فيها قوة، وخيولنا فيها ضعف، وهذا وقت شديد الحر، ونخشى التلف إن خرجنا فيه، ونحو ذلك.
والمُرْجِف: من يشيع أقوالاً تدل على ظهور العدو أو الخوف منهم، مثل أن يقول: السرية التي بعثها الإمام قد أخذت، والجيش الذي بعده قد هلكوا، وللمشركين كمين في مكان كذا وكذا، ونخاف أن يهجم علينا، وما أشبه ذلك.
والأصل في منعهم قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي: بإيقاع الاختلاف بينكم، وبإسراع تفريق جمعكم، ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمْ الْفِتْنَةَ﴾ أي: الهزيمة أو التكذيب بوعد الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل، ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: من يستمع كلامهم ويطيعهم، أو: فيكم عيون مثلكم ينقلون أخباركم إليهم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 95].
ومن جهة المعنى: أن المقصود من الانتفاع بهم معدوم، والمخوف من الضرر بهم موجود.

وإذا منع هؤلاء؛ فمنع من دل على عورات المسلمين، وإرشاد العدو إلى أسباب الظفر، وتحذيرهم من وقوع الضرر – أولى، كما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
ومن هذا حالُه، قال القاضي أبو الطيب والمصنف وغيرهما: إنه يعزر على ذلك إذا لم يكن من ذوي الهيئات، ولا يوجب ذلك قتله، وكذا إن كان يؤوي جواسيسهم، ويشهد لذلك حديث حاطب بن أبي بلتعة الثابت في "الصحيح".
فإن قيل: قد كان يخرج معه – عليه السلام –أمثال هؤلاء من المنافقين، روي أن عبد الله بن أبيِّ ابن سلول كان يقول يوم الخندق: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا"، ويوم بدر: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ويوم أحد: "لو أطاعونا ما قتلوا"، فهلا وجب والاقتداء به؟ قيل: لا لأن الله – تعالى – خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرين عدما فيمن بعده من الولاة: كون جبريل – عليه السلام – كان يخبره بما يقوله المنافقون، فكانوا لا يلتفتون إلى قولهم، ولا يكسر ذلك قلوبهم، ويدل عليه حديث حاطب، وكون أصحابه لا يخذلونه، ويبذلون أنفسهم دونه.
وعلى هذا: من دخل من هؤلاء في الجند أخرج، ولا يسهم له ولا يرضخ، ولو قتل كافراً لم يستحق سلبه.
وعن رواية القاضي الروياني وجهان: أحدهما: أن ذلك فيما إذا نهاه الإمام ولم ينته، أما إذا لم ينهه فيسهم له [كغيره].
والثاني: أنه يرضخ له.
ولا يلتحق الفاسق بالمخذل، وفي "الرافعي" في قسم الغنائم وجه: أنه لا يسهم له؛ لأنه لا يؤمن منه الغدر والتخذيل.

قال: ولا يستعين بمشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف: 51]، وقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51]، وما روى جرير بن عبد الله عن أبيه [عن جده]، قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَاةٍ، فَأَتَيْنُهُ [أَنَا] وَرَجُلٌ آخَرُ قَبْلَ أَنْ نسلم، [فَقُلْنَا:] إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ [يَشْهَدَ قَومُنَا] مَشْهَداً [لاَ نَشْهَدُهُ]، فَقَالَ: "أَسْلِمَا"، قُلْنَا: لاَ، فَقَالَ: "إِنَّا لا نَسْتَعِينُ بِالْمشْرِكينَ"، فأسلمنا وخرجنا معه، وكنا ذلك في بدر.
قال: إلا أن يكون في المسلمين قلة، أي: بحيث تمس الحاجة إلى الاستعانة بهم؛ كما قاله البندنيجي وغيره، والذي يستعين به حسن الرأي في المسلمين، أي: فيجوز حينئذ؛ لظن تحصيل المقصود منهم، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بعد بدر بيهود بني قينقاع، فغزوا معه، وشهد معه صفوان بن أمية حنينا بعد الفتح، وهو يومئذ مشرك، وكان حسن الرأي في الإسلام، وقد استعار منه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين درعا عام الفتح، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: "لاَ، بَلْ عَاريةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ"، واستصحبه معه في غزوة هوازن، فسمع صفوان رجلا يقول: غلبت

هوازن وقتل محمد، فقال: بفيك الحجر، لرب من قريش أحب، أو قال: خير من رب من هوازن.
وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة ناقة، فقال: هذا عطاء من لا يخشى الفقر.
وهذان الشرطان اقتصر على اعتبارهما ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب – في هذا الباب- والبندنيجي، وزاد في "الحاوي" في هذا الباب عليهما ثالثا، وهو: أن يكون اعتقاده مخالفاً لمعتقد المشركين كاليهود والنصارى وعبدة الأوثان، فإن وافقهم لم يجز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: اشتراط علم الإمام بأن من يستعين به إذا انضم إلى طائفة الحرب يقوي على دفعهم، فأما إذا علم أنه لا يقاومهم إذا صاروا [حزبا] واحداً، فليس له أن يستعين بهم على قتالهم، ولم يشترط – وراء ذلك – شيئاً آخر، وعلى ذلك جرى الفوراني والإمام، وكذا القاضي أبو الطيب في كتاب أهل البغي؛ تمسكا بقول الشافعي – رضي الله عنه -: ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين.
وهذا الشرط منافٍ للشرط الأول؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة إحدى الفئتين إلى الاستعانة بالأخرى؛ فكيف يقدرون على مقاوتمهما إذا التأمتا؟! فلا يظن أنه يجعل شرطا رابعا إذا انضم إلى غيره.
والذي اعتبره البغوي شرطان: أحدهما: ما ذكرناه عن القاضي.
والثاني: حسن الرأي في المسلمين.
وعليهما اقتصر الماوردي في كتاب قتال أهل البغي.
ثم في هذه الحالة يستحب للإمام أن يستأجرهم مدة معلومة، كما دل [عليه] ظاهر نص الشافعي - رضي الله عنه –لأن ذلك أحقر لهم وأصغر، ولا يجعلون كالمسلمين فيرضخ لهم؛ لأن لهم [في ذلك تشريفاً وتعظيماً]، وتنعقد المعاملة إجارة، وإن كانت الأعمال مجهولة والمدة غير مضبوطة؛ لأن

ذلك من عموم المصالح والمقاصد المرعية، ومقصود هذه الإجارة لا يقع إلا على الجهاد، ولا يتأتى فيها الإعلام، ولأن المعاملات التي تجري بين المسلمين والكفار يحتمل فيها الجهالة، ودليله مسألة العلج- كما سيأتي- وهذا ما مال إليه الجمهور.
وحكى ابن الصباغ في كتاب الفيء أنه: يجوز أن يستأجرهم، ولا يبين المدة.
وحكى الإمام أن آخرين قالوا: هذه جعالة؛ لأجل الجهالة، ثم قال: وهذا لا وجه له؛ لأنها لو كانت جعالة لتمكن المجعول له من الترك بعد الوقوف في الصف، وهذا لو جوزناه لأفضى إلى ضرر عظيم لا سبيل إلى احتماله.
قال الفوراني: ثم المال الذي يستأجر منه مال الرضخ؛ فيكون فيه ثلاثة أقوال، كما سيأتي.
وعلى ذلك جرى القاضي أبوا لطيب، إلا أنه جعل بدل القول بأنها من أربعة أخماس الغنيمة: من أربعة أخماس الفيء، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنها من أصل الغنيمة، كالمؤنة، ونص الشافعي - رضي الله عنه - دال على أنه من سهم المصالح؛ لأنه قال: يستأجر من مال لا مالك له بعينه، وهو سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى ذلك اقتصر الماوردي، وقال: إنه يعطي من سهم المصالح الحاصل [قبل القسمة؛ لان الأجرة تستحق بالعقد الواقع] قبلها، وهل يجوز أن يعطي من أربعة أخماس الفيء؟ فيه قولان؛ بناء على الخلاف في مصرفها، فإن قيل: إنه للجيش خاصة، لم يجز دفع الأجرة منه، وإن قيل: إنه للمصالح العامة، دفعت منها.
ويجوز أن تزيد الأجرة على سهم الراجل والفارس على الأصح في "الحاوي"، وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يجوز أن تبلغ سهم الراجل.
قال الماوردي: وهو غلط؛ لأن عقد الإجارة معهم قبل المغنم، وسهام الغانمين تستحق من بعد؛ فهي مجهولة؛ فلم يصح أن تعتبر في عقد تقدمها.
وفي "التهذيب" في قسم الغنائم وجه: أنه يجوز أن تبلغ سهم راجل، ولا يبلغ بها سهم فارس، وفي "الشامل" في قسم الغنائم: أنه يعطي ما يكون رصخا من

الغنيمة، وما زاد من سهم [المصالح]، يعني: أن الأجرة إذا زادت على سهم الراجل أعطي من الغنيمة ما دون السهم، ويعطي الباقي من سهم المصالح.
ثم إذا صحت الإجارة وشهدوا الوقعة أخذوا بالقتال جبرا، وإن لم يجبر المسلم عليه إلا عند ظهور العدو واستيلائه، قال الماوردي: والفرق أن القتال هو المستأجر عليه، فوجب استيفاؤه جبرا؛ لأنه متعين على الأجر، وقتال المسلم في حق نفسه على وجه الكفاية غير متعين، فلم يجبر عليه، فإن قاتلوا استحقوا الأجرة، وإن لم يقاتلوا، أطلق في "الشامل" في كتاب: قسم الفيء في استحقاقهم الأجرة إذا حضروا الصف وجهين.
وقال في "الحاوي": إن كان عدم قتالهم لانهزام العدو، استحقوا؛ لأنهم [قد] بذلوا أنفسهم، فصاروا كمن أجر نفسه للخدمة فلم يستخدم.
قلت: وقضية التوجيه المذكور: أن يطرد في هذه الصورة الخلاف الذي ذكرته في إجارة الحر للخدمة وغيرها.
وإن لم يقاتلوا مع الحاجة إلى قتالهم، ردوا من الأجرة بالقسط، وفيما تقسط عليه الأجرة وجهان: أحدهما: على القتال، وعلى المسافة من بلد الإجارة إلى موضع الوقعة من دار الحرب.
والثاني: على القتال ومسافة مسيره في بلاد الحرب إلى موضع الوقعة؛ لأن مسيره في دار الإسلام سبب يتوصل به إلى العمل، ومسيره في دار الحرب شروع في العمل؛ لأن كل موضع من دار الحرب محل لقتال أهله.
قال الماوردي: وهما ينبنيان على الخلاف في مسافة الحج هل تتقسط عليها الأجرة أم لا.
ولو صالح الإمام أهل الثغر الذين استأجر للغزو لأجلهم، فإن [كان] الصلح بعد دخوله بهم [دار الحرب – لم يسترجع منهم شيء من الأجرة، وإن

كان قبل مسيره بهم من دار الإسلام استرجع جميع الأجرة، وإن كان بعد مسيره بهم] من دار الإسلام وقبل دخوله بهم دار الحرب، ففي استحقاقهم من الأجرة بقدر المسافة وجهان مأخذهما ما تقدم.
ولو لم يستأجرهم لكن جعل لهم جعالة وسماها – صح أيضاً، ودفع القدر المجعول من مال المصالح المأخوذ من هذا المغنم؛ لأن الجعالة تستحق بعد العمل، فوجبت من المال الحاصل بعده.
ولو قال لهم: أنا أرضيكم، أو: أعطيكم ما تستغنون به، قال الرافعي: استحقوا أجرة المثل، وقال القاضي الحسين فيما إذا قال: [أعطيك شيئاً]-: إنه يستحق جعلا، ولو لم يجعل لهم شيئاً بعد الاستعانة بهم استحقوا الرضخ؛ كما سنذكره.
فرع: إذا أكره الإمام أهل الذمة على الخروج، وحملهم على القتال معه –استحقوا أجرة المثل من وقت الخروج إلى وقت التخلية، كذا حكاه القاضي الحسين عن النص، وأنه لا يضمن أجرة مثلهم بعد التخلية إلى العود إلى وطنه، وعلى ذلك جرى الإمام، وهذا بخالف العبد يضمن أجرة مثله إذا أكرهه على الخروج إلى أن يعود إلى يد سيده، وهذا ما أورده في "التهذيب".
وقال الرافعي: يشبه أن ينبني في العبيد على الوجهين السابقين إن جعلناهم من أهل فرض الجهاد، فليكونوا كالأحرار، ولو لم يقاتلوا أهل الذمة مع حضورهم مكرهين ففي استحقاقهم أجرة القتال وجهان، أصحهما في "الرافعي": المنع، وعلى هذا: إن لم يكونوا في حبس لم يستحقوا شيئاً عن الوقوف للقتال، وإن كانوا محبوسين ففي استحقاق أجرة مثل الوقوف وجهان، وأما أجرة مثل الذهاب فقد جزم الإمام بوجوبها.
فرع: هل يجوز للآحاد استئجار الذمي على الجهاد؟ فيه وجهان –حكاهما

الإمام في كتاب قسم الفيء – مبنيان على جواز استئجارهم على الأذان، والذي حكاه في كتاب الصداق عن الأصحاب: أنه لا يجوز، ثم قال: وهذا فيه احتمال عندنا؛ تخريجاً على استئجار المسلم المسلم على الأذان، [ولا فقه] في انفصال أحد البابين عن الآخر؛ ولأجل [ذلك] حكى الغزالي والوجهين كما في استئجار الأذان، قال الرافعي: وأصحهما: المنع، وإن كان الأصح في الأذان الجواز؛ لأن الجهاد أعظم وقعاً، ويقع بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، مع كون أهل الذمة مخالفين للدين، وقد يخونون في الجيش إذا حضروا؛ ففوض أمرهم إلى الإمام.
قال: ويبدأ بقتال من يليه من الكفار لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:123]، ووجه المصلحة في ذلك ظاهر.
قال: ويبدأ بالأهم فالأهم؛ لأنه أصلح للمسلمين والإسلام، وهذا ذكره جريا على المعتاد والغالب، فإن لم يكن ثم خوف مِمَّن يليه من الكفار، واقتضت المصلحة تجهيز الجند إلى الأبعدين؛ ليغتالهم – فعل الإمام ذلك، بعد أني فعل ما يأمن به الأقرب من مهادنة وأن يجعل بإزائه من يرده إن قصد.
وقد غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، وخلف بني قريظة وهم على باب المدينة، بعد أن وادعهم.
ولو استوى الخوف من القربى والبعدي، فإن كانتا في جهة واحدة بدأ بالقربى، [وإن كانتا في جهتين ولم يمكن تفريق الجيش عليهما بدأ بالقربى]، وإن أمكن تفريقه عليهما قاتلهما.
قال: ولا يقاتل من لم تبلغه الدعوى حتى يعرض عليه الدين، أي: دين الإسلام؛ [لأنه لا يلزمه الإسلام] قبل العلم بذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]، فلا يجز قتالهم على ما لايلزمهم.
قال البندنيجي: وإذا علم الإمام بقوم من هذه الجهلة لم يجز تأخير رسوله عنهم.

قال: ويقاتل أهل الكتابين والمجوس إلى أن يسلموا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5]، وقوله صلى الله عليه وسلم:"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ".
وقال القاضي الحسين: إنما يرتفع السيف عنهم بأن يقولوا هذه الكلمة، ويقروا بأحكامها، فأما بمجرد أن يقولوا هذه الكلمة فلا.
قال: أو يبذلوا الجزية.
ووجهه في أهل الكتابين قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، قال القاضي الحسين: والصغار عندنا: التزام أحكام الإسلام.
وأما في المجوس؛ فلأن عمر – رضي الله عنه – امتنع من أخذ الجزية منهم لشكه في أنهم من أهل الكتاب، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر أو نجران، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ".
[وقد] روى عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: إنه كان لهم كتاب يدرسونه، فسكر ملكهم فواقع بنته، فأنكر ذلك عليه أصحابه، فقال لهم: ما أرغب بكم عن سنة أبيكم آدم، إنه كان ينكح بنيه بناته، فقبل بعضهم، وأبى بعض أن يقبل، فأصبحوا وقد رفع كتابهم من بين أظهرهم ونسخ من صدورهم.
ولأجل ذلك اختلف أصحابنا في أنهم هل كان لهم كتاب ثم نسخ أم لا؟ وقال الرافعي في باب عقد الذمة: إن الأول أظهر؛ لما ذكره على- رضي الله عنه – وإن منهم من قطع به، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم" و"المختصر"، وحكى عن البصريين نفي الخلاف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب، والذي عليه الجمهور: الطريق الأولى.

ثم كيفية الحال في هؤلاء: أن يدعوهم أولاً إلى الإسلام، وهو على وجه الاستحباب إن كانوا قد علموا بالبعثة، كما قاله في "المهذب"، فإن امتنعوا دعاهم إلى بذل الجزية، فإن امتنعوا قاتلهم إلى أن يفعلوا أحد الأمرين.
فرع: إذا بذلوا الجزية هل يجب قبولها وعقد الذمة أم لا؟ الذي أفهمه كلام الأصحاب هنا وصرحوا به في باب عقد الذمة الوجوب، وعن "البيان" و"العدة" حكاية وجه: أنه لا تجب الإجابة إلا إذا رأى الإمام المصلحة [في القبول] كما في الهدنة، والظاهر المشهور: الأول.
نعم، إن كان يخاف غائلتهم، ويرى أن ذلك مكيدة منهم؛ فلا يجيبهم.
قال: ويقاتل من سواهم، أي: كعبدة الأوثان والنار والشمس، إلى أن يسلموا؛ لأن الآية والخبر عامان في قتال كل كافر، يخرج منهما من ذكرناه؛ لدليل مخصص؛ فبقيا فيما عداه على عمومهما، ولأن في قوله تعالى: ﴿مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 101] ما يفهم خروج غيرهم من هذا الحكم، وكذا فيما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: "أَنْ يَاخُذُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ كُلِّ مُحْتَلِمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ دِيْنَاراً" – دَلِيْلٌ [عَلَى ذَلِكَ].
قال: ويجوز بياتهم، البيات، والتبييت: الإغارة ليلا، ووجه جوازها: ما روى أبو داود عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: "أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ، فَغَزَوْنَا نَاساً مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَبَيَّتْنَاهُمْ فَقَتَلْنَاهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ، قَالَ سَلَمَةُ: فَقَتَلْتُ بِيَدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ سَبْعَةٌ أَهْلَ أبْيَاتٍ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ"، وخرجه النسائي وابن ماجه.

وأيضاً: فإن أكبر ما فيه قتل الكافر بغتة، وقد أَغَارَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَي سَبْيَهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، كما خرجه مسلم والبخاري وغيرهما، وبعث نفراً فقتلوا ابن أبي الحقيق اليهودي غيلة.
وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُحِبُّ أَنْ تَقْتُلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ، [قَالَ: تَاذَن لِي أَنْ أَقُول شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ]، فَأَتَاهُ مَعَ ثَلاَثَةِ نَفَرِ أَوْ أَرْبَعَةٍ - والقصة طويلة -فقتلوه غيلة.
قال: ونصب المنجنيق عليهم، ورميهم بالنار، أي: وما في معنى ذلك من هدم البيوت، وإلقاء الحيات والعقارب عليهم، وإجراء السيل، وقطع الماء عنهم؛ لأنه - عليه السلام - نصب على الطائف حين حاصرها بعد فتح مكة منجنيقا أو عرادة، ولأن أكبرما في ذلك قتلهم غيلة، وقد ذكرنا جوازه.
فإن قيل: فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النسوان والولدان، وفي ذلك قتلهم.
قيل: إنما كان في السبي المغنوم أن يقتلوا صبر؛ فإنهم غنيمة، فأما وهم في دار الحرب وهي دار إباحة يصيرون فيها تبعا لرجالهم، فلان روى [أبو داود عن الصعب بن جثامة] أنه - عليه السلام - سئل عن الدار من المشركين

يبيتون، فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال: "هم منهم"، يعني: في حكمهم.
وفي هذا الجواب نظر؛ لأن تتمة هذا الحديث: "ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ"، أخرجه البخاري ومسلم.
[ولأجل ذلك] قال القاضي الحسين: يستحب للإمام إذا علم ظاهراً بكثرة المسلمين وقوتهم أنه يقهرهم ألا ينصب المنجنيق، ولا النار، ولا شيئاً يعمهم؛ لأن في ذلك قتل البهائم التي لا ذنب لها، وقتل نسائهم وأطفالهم، فأما إذا خاف منهم، وعلم أنه لو عمهم بشيء من ذلك يكون أقدر عليهم جاز ذلك من غير كراهة، وكذا إذا تحصنوا بحصن، فلم يتوصل إلى قتلهم إلا بما يعمهم.
قال: ويتجنب قتل أبيه وابنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: 15]، [فأمر بصحبتهما بالمعروف] في حال دعائهما إلى الشرك.
وقد روي أن أبا حذيفة بن عتبة أراد أن يبارز أباه [يوم بدر]، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "اترُكْهُ يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكَ".
وروي أن عبد الرحمن بن أبي بكر – رضي الله عنهما- قال يوم أحد: أين ابن أبي قحافة؟ يعني أباه، فاخترط أبو بكر – رضيا لله عنه – السيف، وهم بالخروج إليه، فقال له – عليه السلام -: "شم سيفك"، أي: أغمده، و"متعنا بنفسك"، فرجع.
ولأن هذا يؤدي إلى قطع الأرحام، والله – تعالى –نهى عن قطع الرحم.

وأيضاً: "فإنه ربما" إذا قاتله، تحمله الشفقة على الترك؛ فيكون ذلك سبباً لرجوعه.
وهذا [التجنب] على وجه الاستحباب، فإن لم يفعله، قال الأصحاب: فقد ارتكب مكروها، [لكن حكى الإمام قبيل كتاب الدعوى والبينات، أن الأصحاب اطردوا في أن الابن الجلاد هل يقتل أباه حدا؟ كما اختلفوا في أن شهادته عليه بما يوجب العقوبة هل تقبل؟ فالأصح: أنه يقتله، ويظهر أن يجيء مثل هذا الخلاف هنا].
قال: إلا أن يسمع منه ما لا يصبر عليه من ذكر الله – تعالى- وذكر رسوله، أي: فلا يكره؛ لما روي أن أبا عبيدة بن الجراح سمع أباه يسب رسول الله [فقتله، وجاء برأسه إلى النبي]، فقال له: "لم قتلته؟ " فقال: لأني سمعته يسبك فلم أصبر.
فلم ينكر عليه، وأنزل الله – تعالى- فيه: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: 22]، فأقره على قتله، وعذره فيه.
واعلم أن اقتصار الشيخ على تجنب قتل الأب والابن في هذا الموضع، وقوله في باب قتال أهل البغي: ويتجنب قتل ذي رحمه؛ كما نص عليه الشافعي – رحمه الله – في "المختصر" في الموضعين – يفهم أن بين البابين فرقا، وقد قال لا لأصحاب منهم القاضيان أبو الطيب والحسين وابن الصباغ والماوردي، في باب قتال أهل البغي: إنه لا فرق بينهما، واقتصر القاضي الحسين هاهنا على ذكر تجنب قتل ذي الرحم المحرم، وكذلك الماوردي، وقال: فيمن عداهم من الأقارب والعصبات كبني الأعمام والعمات – وجهان: أحدهما: لا يكره [له] قتالهم كالأجانب، وهو قول ابن أبي هريرة.
والثاني: يكره.
ثم قال الماوردي: والذي عندي أن ينظر حالهم بعد ذوي الأرحام: فإن كان

فيهم من يرث منه ويورث كره له قتلهم؛ لقوة النسب والتوريث منهم، وإن كان ممن [لا يرث و] لا يورث لهم يكره.
قال: ولا يقتل النساء و [لا] الصبيان؛ لما ذكرناه من الخبر الذي رواه الصعب ابن جثامة، [والصاد فيه مفتوحة والعين ساكنة]، وجثامة: بفتح الجيم والثاء المثلثة.
[قال]: إلا أن يقاتلوا؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِامْرَأَةِ مَقْتُولَةٍ يَومَ خَيبَرَ – وَقِيلَ: يَومَ الْخَنْدَقِ – [فَقَالَ]: "مَا لِهَذِهِ تُقْتَلُ وَلاَ تُقَاتِلُ"، وفي رواية: "مَنْ قَتَلَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ؟! " فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، غَنِمْتُهَا، فَأَرْدَفْتُهَا خَلْفِي، فَلَمَّا رَأَتِ الْهَزِيْمَةَ فِينَا أَهْوَتْ إِلَى قَائِمِ سَيفِي لِتَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا، فلم ينكر عليه.
وبالقياس على المسلمات.
والخنثى المشكل كالمرأة، والمجنون كالصبي.

قال: وفي قتل الشيوخ، الذين لا رأي لهم [في القتال] ولا قتال فيهم، وأصحاب الصوامع، أي: شيوخاً كانوا أو شباباً، كما قاله الماوردي وابن الصباغ وغيرهما – قولان: أصحهما: أنهم يتقلون؛ [لأنهم] حربيون ذكور فاندرجوا في عموم الآية والخبر كالشباب.
وقد روي أبو داود عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ"، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا، وقيل: الشباب [أهل الجلد] الذين يصلحون للخدمة، ذكرهما أبو عبيد، وقد خرج الحديث الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح [غريب].
وهذا القول هو المنصوص عليه في "سير الواقدي"، واختاره المزني وأبو إسحاق.
والثاني: لا يقتلون؛ لما روي أنه – عليه السلام – [قال]: "اقْتُلُوا [الشَّرْخَ، وَاتْرُكُوا الشَّيْخَ].
وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "انْطَلِقُوا باسْمِ اللهِ، عَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ، لاَ تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانياً وَلاَ طِفْلاً صَغِيراً وَلاَ امْرَأَةً".
وروي عن أبي بكر – رضي الله عنه – [أنه] قال ليزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل لما بعثهم إلى الشام: لاَ تَقْتُلُوا الوِلْدَانَ وَ [لاَ] النِّسَاءَ وَلاَ الشُّيُوخَ، وَسَتَجِدُونَ أَقْوَاماً [حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُمْ وَمَا] حَبَسُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ.

وهذا ما نص عليه في كتاب: حكم أهل الكتاب، وطرده القاضي أبو الطيب في الزمني والعميان، وغيره في العُسَفَاء – وهم – الأجراء- لأن أبا داود روى عن رباح – أو رباح – أنه – عليه السلام – قال لخالد: "لا تَقْتُلْ امْرَأَةً، وَلا عَسِيفاً"، وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وطرد أيضاً في المحترفين المشغولين بحرفهم، ومقطوعي الأيدي والأرجل، وحكى الرافعي عن رواية ابن كج والقاضي أبي الطيب طريقة قاطعة بالقول الأول في الأجراء، وربما نسبت إلى ابن أبي هريرة، ثم قال: والحارفون في معناهم لا محالة.
والطريقان جاريان في السوقة، فعند الشيخ أبي محمد يجري فيهم القولان؛ لأنهم لم يمارسوا القتال ولم يتعاطوا الأسلحة، قال الإمام: وهذا لم يتعرض له الأئمة وإن كان متوجهاً، وعند غيره: القطع بأنهم يقتلون؛ لقدرتهم على القتال.
التفريع: إن قلنا بقتل الشيوخ و [من] في معناهم، فالذي حكاه العراقيون: أن الإمام يتخير فيهم بين أربعة أمور: القتل، والاسترقاق، والمن، والفداء.
ويجوز سبي أموالهم، وأولادهم.
وإن قلنا بالقول الثاني، فهل يتعين الرق [فيهم]، أو يتخير الإمام فيهم بين الاسترقاق والمن والفداء؟ فيه قولان، كالأسير إذا أسلم، وهذا ما أورده الماوردي، وحكى أبو الطيب طريقة أخرى: [أنه] لا يتخير قولا واحدا، والفرق: أنه في الأسير قبل أن يسلم كان مخيراً بين أربعة أشياء، فلما أسلم سقط القتل [وبقي الخيار في] الباقي، وليس كذلك هاهنا؛ فإنه لم يثبت له الخيار من

قبل حتى يستصحب، بل هو ممنوع من قتله ابتداء؛ فصار كالصبيان والنساء.
وعن رواية صاحب "التقريب"، وأبي يعقوب الأبيوردي عن النص: أنه لا يجوز استرقاقهم ولا يتعرض لهم، وهذا ما أورده في "التهذيب" و"الإبانة"، وكذا القاضي الحسين، وهل يجوز سبي نسائهم وذراريهم؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: يجوز سبي النساء دون الذراري، [والذي حكاه القاضي الحسين والفوراني: منع سبي الذراري] وحكاية الخلاف في النساء، واختارا منه أيضاً المنع.
والخلاف جارٍ في اغتنام أموالهم، والذي حكاه القاضي والفوراني: الجزم بالمنع، وقال الإمام: القائل بأنه لا يغنم أموال السوقة قارب خرق الإجماع.
أما الشيوخ الذين لهم رأي وتدبير ولا قتال فيهم فيقتلون قولا واحداً؛ لأن دريد ابن الصمة قتله – أو ذبحه – المسلمون يوم حنين، وكان المشركون [جاءوا به] يستنجدون برأيه، وحملوه في شجار وهو الهودج؛ لأنه لم يكن يستطيع الجلوس، لبلوغه مائة وخمساً وخمسين سنة، كما قاله الماوردي، وقيل: بلغ سنة مائة وخمسين سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم يراه، فلم ينكر قتله، ولا نهي عنه؛ فدل على إباحته.
ولأن التدبير علم بالحرب، والقتل عمل، والعلم أبلغ من العمل، قال الماوردي: وقد أفصح المتنبي [عن ذلك] حيث قال: الرأي قبل شجاعة الشجعانِ هو أولٌ وهي المحل الثاني قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من أطلق في الشيوخ قولين.
قال الرافعي: ثم الذي يتقضيه كلام الأصحاب ويفهمه: أنه لا فرق بين أن يحضر ذو الرأي في [الصف للقتال] أو لا يحضر في أنه يجوز قتله، ولا بين أن يقدر على صاحب الحرفة منهم في صف القتال، أو يدخل بعض بلادهم وهم غارون، فيجده هناك في جواز قتله على القولين.

وفي "الوسيط": أن موضع القولين في الشيخ الذي لا رأي له ما إذا لم يحضر للقتال، فإن حضر فالظاهر أنه يقتل، ويحتمل أن يطرد القولان، وأن ذا الرأي يقتل إذا حضر، وإن لم يحضر فالظاهر أنه يقتل.
فرع: الحربية إذا ترهبت، ففي استرقاقها قولان؛ بناء على قتل الراهب؛ لأن الاسترقاق في النساء بمنزلة القتل في الرجال، والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: أنها تسترق؛ لأن الأصل أن الترهب للرجال دونهن.
قال: وإن تترسوا بالنساء والصبيان، أي: في حال القتال ودونه، لم يمتنع من قتالهم؛ كي لا يتخذوا ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، ولأنه يؤدي إلى تلف المسلمين؛ لأنهم يكفون عن رميهم، وأولئك لا يكفون، بل يرمون ويقاتلون؛ فيؤدون إلى الهزيمة، وكان الاحتياط لحق المسلمين أولى من الاحتياط لنساء الكافرين وأولادهم.
وقيل: إذا تترسوا بهم لا في حال القتال، لا يجوز رميهم وقتالهم؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك [داعية]، مع كونه يؤدي إلى قتل من نهى عن قتله فامتنع؛ كما [لو] تترسوا بأسارى المسلمين في هذه الحالة، وهذا القول أصح عند القفال.
والقول [الأول] مال إليه مائلون، وعضدوه بجواز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وبعضهم جزم به ورد قول [المنع] إلى الكراهة، وعلى هذا جرى الفوراني، وحكاه ابن الصباغ عن أبي إسحاق، قال الرافعي: وقد نُوزع في حكاية الكراهة عنه، وذكر أن عنده: يستحب التوقي عنهم لا غير، ومن أصحاب هذه الطريقة من قال: في الكراهة قولان.
وأظهر الطرق: أن القولين في الجواز، وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب وأكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ، وخصهما الماوردي بما إذا قصدوا بذلك الدفع عن أنفسهم، أما إذا فعلوا ذلك نَكْداً منهم فلا يمنع من قتالهم جزما، ولو تترسوا بهم وهم في القلعة، فمنهم من قال برميهم، ومنهم من قال: في جواز

الرمي إليهم قولان وإن عجزنا عن القلعة إلا به؛ لانا في غنية عن أصل القلعة.
قال: وإن كان معهم قليل من أسارى المسلمين، أي: بالنسبة إلى عددهم، ولم يتترسوا بهم – لم يمنع من رميهم بالمنجنيق وما في معناه؛ لأن الظاهر سلامتهم، وأن الغالب أنه يصيب الكافرين [دونهم، مع أن [في منع] ذلك تعطيلا لأمر الجهاد؛ فإنهم لا يعجزون أن يمسكوا مسلماً عندهم، ولأن الدار دار إباحة؛ فلا يحرم القتال بكون المسلمين فيها، كما أن دارنا لا تحل بكون المشركين فيها، وعلى ذلك ينطبق ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "منعت دار الإسلام ما فيها، وأباحت دار الشرك ما فيها"، وهذا هو المنصوص في "المختصر" والصحيح، وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي، لكن يكون الرمي كروهاً، كما قاله الرافعي، وحكى قولاً أنه يحرم؛ لأنه قد يصيب المسلمين، و"زوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم"، كما ورد [في] الخبر.
قال: وإن كان معهم كثير، أي: مثل أن كانوا مثل عدد المشركين أو أكثر – لم يرمهم؛ لأن الغالب أنه يصيب المسلمين.
قال: إلا إذا خاف شرهم؛ أي: خاف إن لم يقاتلهم انهزم المسلمون وهلكوا؛ لأن سلامة الأكثر مع تلف الأقل أولى، وهذا ما نص عليه في "المختصر"، وبه جزم الماوردي وغيره.
قال الرافعي: وقد ألحق بالضرورة ما إذا لم يحصل فتح القلعة إلا بذلك، وهذه طريقة.
ومنهم من لم ينظر إلى الضرورة وعدمها، وقال: إن علم [أن] ما يرمي به من النار والمنجنيق يهلك المسلم، لم يجز [رميهم]، وإن كان ذلك موهوما، ففيه القولان.
وفي "التهذيب": أنه يجوز الرمي بما يعمهم في حال التحام القتال، والخوف على المسلمين أن يظفر بهم، وإن لم يكن ذلك، أو كانوا في حصن، فهل يجوز أن يفعل بهم ذلك؟ فيه قولان، ويجيء من مجموع ذلك في المسألة ثلاثة أقوال:

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل