كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 35-74
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجنايات

صفحات 35-74
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ثم القول القديم يجري فيما إذا سقط البارز خاصة، ولفظ الغزالي في هذه المسألة قَلِق؛ فإنه قال: إذا سقط ميزاب إنسان على رأس إنسان: فإن كان الساقط هو القدر البارز فهو كالجناح، وإن كان الساقط جميع الميزاب ففي الضمان وجهان.
وهذا يقتضي الجزم بالضمان فيما إذا سقط البارز خاصة، وإجراء الخلاف فيما إذا سقط الجميع، والمنقول ما ذكرناه، وما يتلف من [الماء الساقط] من الميزاب مضمون على ناصبه.
تنبيه: المئزاب: بكسر الميم، وبعدها همزة، ويجوز تخفيفها بقلبها ياء؛ فيقال: ميزاب – بياء ساكنة- وقد غلط من منع ذلك، ولا خلاف بين أهل اللغة في جوازه.
ويقال أيضاً: مرزاب؛ براء، ثم زاي، وهي لغة مشهورة، قالوا: ولا قال: مزراب، بتقديم الزاي.
وجمع "مئزاب": مآزيب.
قال: وإن كان معه دابة، فأتلفت إنساناً بيدها أو رجلها – وجب عليه الضمان، أي: وتتحمله العاقلة؛ لأنها في يده؛ فكانت جنايتها كجنايته، وهكذا الحكم إذا أتلفت بذنبها أو بفمها، حتى لو ابتلعت جوهرة ضمنها، ولو كانت ما يؤكل، هل يجب ذبحها؟ فيه وجهان في تعليق القاضي أبي الطيب [والمهذب وغيرهما] مبنيان على القولين يمن غصب خيطاً وخاط به جرح حيوان يؤكل.
وقد حكيت في باب الغصب وجهاً عن ابن أبي هريرة فارقاً بي أن تكون الدابة بعيراً؛ فيضمن الجوهرة، أو شاة، فلا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون الذي مع الدابة راكباً أو قائداً أو سائقاً، ولا بين أن يكون مالكاً أو مستأجراً أو مودعاً أو مستعيراً أو غاصباً.
ولو كان معها قائد، أو سائق، فالضمان عليهما نصفين.
وإن كان أحدهما راكباً، والآخر سائقاً، أو قائداً- اختص الضمان به، على أحد القولين أو الوجهين.
ومقابله هو الأصح في تعليق القاضي أبي الطيب، والأقيس في الشامل.
وهذا كله إذا كانت الدابة طوعاً، أما لو كانت قويت بحيث لا يستطيع ردها، فسنذكرها في مسألة الاصطدام.

وحكم بول الدابة في يده إذا تلف به إنسان، أو تزلق به شخص؛ فهلك – حكم تلفه بيدها.
ولو لم تكن في يده لم يضمن ذلك، صرح به الماوردي وغيره، وحكى الإمام ذلك في باب وضع الحجر في حال طروقها عن الأصحاب، وأبدى عدم الضمان احتمالاً لنفسه، ووجهه: بأن هذا لا يمكن التصون منه؛ فلو ثبت الضمان لمنع من المرور والطروق.
وقال في باب ضمان البهائم: إن كان البول والروث في حال ممرها فلا ضمان إلا أن [يتفق مزيد انتشار] بسبب وقوفها؛ فقد قال الأصحاب: إن كان [الممر] ضيقاً فوقوف الدابة عدوان، وما يترتب عليه يقتضي الضمان.
ولو كان الطريق واسعاً، ووقوف الدابة معتاد فوقوفها كمشيها، وهذا ما حكاه المسعودي.
ثم قال الإمام: وهذا يلتفت إلى اصطدام [الماشي مع الواقف] وسيأتي.
وقال الماوردي: إذا أوقفها في الطريق الواسع في وسطه ضمن، وإن أوقفها فيه بفناء داره، والدابة غير شغبة ففي وجوب الضمان وجهان من اختلاف قوليه في [جواز] حفر البئر بفناء داره.
وعن ابن الوكيل وجه مطلق: أنه يجوز أن يوقف الدابة في الطريق؛ كما يجوز أن يجريها، فإذا بالت أو راثت في وقوفها، وتلف به إنسان – لم يضمن.
والذي حكاه ابن الصباغ: أن إيقاف الدابة في طريق المسلمين مُضَمَّن، سواء كان الطريق ضيقاً أو واسعاً، وهو المحكي عن النص في الرافعي، وهذا بخلاف ما لو ربطها في دهليزه، فرمحت إنساناً خارجاً عنه، أو أتلفته ببولها – فإنه لا يضمن؛ [كما لا يضمن] إذا كسر حطباً في ملكه؛ فطارت منه شظية؛ فأصابت عني إنسان؛ فأبطلت ضوءها.
وقد ألحق الإمام بذلك ما تتلفه البهائم في حال طروقها في الشوارع، مما لا سبيل إلى دفعه: كالغبار الذي ينشره مشيها، ويتعلق بثياب الناس، والفواكه، [وغيرها]، وكذا ما يطير بسبب مشيها في زمن الشتاء وكثرة الوحل؛ لأن ذلك

لا يمكن دفعه؛ فلو تعلق الضمان به لاقتضى المنع من الانتفاع بالشوارع.
نعم، لو جاوز المعتاد في ذلك؛ فتلف بسببه شيء، ضمنه.
فروع: [الفرع الأول:] إذا كان للدابة ولد سائب؛ فأتلف شيئاً في حال كون أمه في يده - ضمنه؛ كما يضمن ما تُتْلفه أمه؛ وكذا لو كان يقود جملاً وخلفه آخر مقطراً، وأتلف المقطر شيئاً - ضمنه.
الفرع الثاني: إذا نخس الدابة، أو ضربها مغافصة؛ فرمت راكبها؛ فمات، أو أتلفت مالاً - وجب الضمان على الناخس، قاله أبو علي في الإفصاح.
وعن كتاب ابن كج وجه آخر: أنه عليهما.
قال في ["فتاوى" صاحب] التهذيب: إن كان النخس بإذن المالك فالضمان عليه.
الفرع الثالث: إذا غلبته دابة؛ فاستقبلها إنسان، وردها؛ فأتلفت في انصرافها، فالضمان على الراد.
[الفرع الرابع:] لو كان يحمل رجلاً، فجاء آخر وقرص الحامل، أو ضربه؛ فتحرك؛ فسقط المحمول عن ظهره- قال في التتمة: هو كما لو أكره الحامل على إلقاء المحمول عن ظهره.
قال: وإن لم ينك معها: فإن كان بالنهار لم يضمن ما تتلفه، وإن كان بالليل ضمن ما تتلفه، أي: من زرع وغيره؛ كما صرح به الرافعي والبغوي؛ لما روى الشافعي، عن مالك مسنداً إلى محيصة - رضي الله عنهم - أن: "نَاقَةَ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطا بِالنَّهَارِ؛ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:أَنَّ عَلَى أَهْلِ الأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ المَوَاشِي بِاللَّيْلِ فَهُوَ ضَمَانٌ عَلَى أَهْلِهَا"، أي: مضمون [على أهلها]؛ كقولهم: سِرٌّ كَاتِم، أي: مكتوم.

وروى أبو داود بسنده عن البراء [بن عازب] أنه قال: "كانَتْ لِي نَاقة ضَارِبَةٌ، فَدَخَلَتْ حَائِطاً؛ فَأفْسَدَتْ فِيهِ؛ فَعَلِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى لله عليه وسلم – فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ".
وقد اتفق الأصحاب على ما شهد به الحديث في الليل والنهار في ضمان الزرع وعدمه؛ إذا كان عادة أهل تلك البلدة تسييب مواشيهم نهاراً؛ لترعى في الموات الجاري بها العادة من غير راع، وحفظها ليلاً، وليس على الحوائط، والزرع حيطان، وإليه أشار الشافعي بقوله: "حيطان المدينة لا حائط لها".
نعم، لو اتفق ذلك في القرى العامرة، والبلدان المتجاورة التي تجاور زرعها، ولا يمكن الرعي إلا في ساقية أو نهر من بين المزارع، ونحو ذلك – فقد حكى البندنيجي، وكذا الشيخ أبو حامد كما ذكره ابن الصباغ عنهن عن بعض أصحابنا أنه قال: لا يجوز للإنسان إرسال ماشيته نهاراً، فإن فعل فعليه الضمان، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وهو الأصح في الرافعي.
ومنهم من قال: لا يضمن؛ للخبر.
وعن أبي الطيب بن سلمة: أنه إذا أرسل الدابة في البلد؛ فأتلفت شيئاً – ضمنه؛ لأن الدابة في البلد تراقب، ولا ترسل [وحدها]، وهو الوجه.
ولو تغيرت عادة أهل بلد بحفظ المزارع بالليل والمواشي بالنهار، انعكس الحكم على الأصح.
وعن رواية الشيخ أبي عليّ حكاية قول: أنا نتخذ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم –مرجعاً؛ فلا نعدل عنه، ولا ننظر إلى اختلاف عادات البلاد؛ فكل ما يقع نهاراً فلا ضمان على ملاك البهائم، وكل ما يقع ليلاً فعليهم الضمان؛ فإن تتبع الساعات عسير.
وكذا الخلاف جار فيما إذا كانت الحوائط محوطة، وترك صاحبها بابها مفتوحاً ليلاً، والأصح: أنه لا ضمان، وبه قال صاحب التخليص، وجزم به في الوسيط؛ لأن مالك الزرع مقصر، وبهذا أيد الإمام ما أبداه من عدم الضمان

فيما لو اطلع على دخول البهيمة في زرعه ليلاً، ولم يتعرض لها بإخراج مع إمكانه، وقياس القول الناظر إلى الحديث خلافه.
ولو كثرت المواشي [في النهار]؛ حتى عجز أرباب الزروع عن حفظها – ففي وجوب الضمان وجهان في الحاوي.
ولو ابتلعت البهيمة في النهار جوهرة وشبهها؛ فهل تلحق بالزرع؟ فيه وجهان: اختيار ابن أبي هريرة: نعم.
واختيار غيره، وهو – كما قال في "المهذب" – أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري، والمختار في [المرشد]: أنه يضمن بكل حال.
وفرق بأن الزرع مألوف [فلزم] صاحبها حفظها، وابتلاع الجوهرة غير مألوف؛ فلم يلزم صاحبها حفظها.
قال: وإن انفلتت بالليل، وأتلفت: فإن كان بتفريط منه في حفظها –أي: مثل أن ترك الباب مفتوحاً، [أو لم] [يعقلها]؛ كعادة أهل تلك الناحية- ضمن، كما لو أرسلها، وإن لم يكن بتفريط [منه]، أي: كما إذا أغلق الباب؛ ففتحه لص، أو وقعت الحائط؛ فخرجتن أو عقل الناقة – كما يفعل أهل البادية – فتمرغت، وحلت العقال – لم يضمن؛ لأنه غير مفرط.
قال الأصحاب: وعلى هذه الحالة ونظائرها حمل قوله صلى الله عليه وسلم:"الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا [جُبَارٌ]، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ" كما رواه أبو داود عن أبي هريرة، وخرجه البخاري، ومسلم، وغيرهم.
لكن أبو داود حمل الحديث على غير هذه الحالة، وقال: العجماء: التي لا يكون معها أحد، وتكون بالنهار، ولا تكون بالليل.
ومعنى جُبار: مهدر.

والعجماء - ممدوداً -: البهيمة، وإنما سميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، وكل من لا يقدر على الكلام أصلاً فهو أعجم، ومستعجم، والأعجم - أيضاً -: الذي لا يفصح ولا يبين كلامه، وإن كان من العرب.
وجرحها: حكى الشيخ زكي الدين في حواشيه على مختصر السنن أن بعضهم قال: هو هاهنا بفتح الجيم على المصدر، لا غيرُ.
وقال الأزهري: فأما الجرح بالضم فالاسم.
وفي فتاوي صاحب التهذيب: أن الريح إذا هاجت، وأظلم النهار؛ فتفرقت غنم الراعي؛ ووقعت في زرع؛ فأفسدته - فالراعي مغلوب، وفي وجوب الضمان عليه قولان، أظهرهما: المنع؛ فأفسدته - فالراعي مغلوب، وفي وجوب الضمان عليه قولان، أظهرهما: المنع؛ وكذا الحكم لو ندَّ بعير من صاحبه؛ فأتلف شيئاً، وعليه ينطبق ما حكاه في الحاوي أن ابن أبي هريرة حكى وجهاً؛ أن أرباب الأموال إذا أحرزوا مواشيهم بالليل؛ فغلبتهم ونفرت؛ فرعت في الليل زرعاً - ضمنوه؛ لأنه لم يكن من أرباب الزرع تفريط.
وقال - أعني الماوردي- في غير الماشية: إن صاحبها إذا لم يكن معها، فإن كان قد أرسلها باختياره، أو فرط في ربطها، وحفظها؛ فاسترسلت - كان ضامناً لما أتلفت، وإن لم يفرط في ذلك؛ أتلفت مالاً، أو نفساً، ففي الضمان وجهان: أحدهما - وهو الأصح -: أن لا ضمان؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "جرح العجماء جبار".
والثاني: عليه الضمان؛ لأنه قلما يكون ذلك إلا من تفريط.
ولم يفصل - فيما ذكره - بين الليل والنهار، ثم قال: وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في اصطدام السفينتين إذا كان من غير تفريط.
فرع: إذا دخلت البهيمة المزرعة؛ فصاح عيها صاحب المزرعة؛ فخرجت، ووقعت في زرع الجار - قال الأئمة: إن اقتصر على تنفيرها عن زرع نفسه فلا ضمان عليه، وإن اتبعها بعد الخروج من زرعه حتى أوقعها في زرع الجار، توجه الضمان عليه.

ولو كانت مزرعته محفوفة بمزارع الناس، وكان لا يتأتى إخراجها إلا بإدخالها مزرعة الغير؛ فسوق الدابة، وإخراجُها – في هذه الحالة – لا يجوز؛ لأنه ليس له أن يجعل مال غيره وقاية لماله؛ فإن فعل فهو ضامن.
نعم، عليه أن يتركها، ويأخذ من صاحبها [ضمان] ما أتلفته.
ولو دخلت بهيمة ملكه، ولم تُتْلف له مالاً – قال العبادي في فتاويه: إنه رأى في تعليق القاضي أنه إن نفرها عن ملكه – لا ضمان، وإن نفرها غَلْوة سهم ضمن.
ثم قال: والقياس أنه يضمن كما لو هبت ريح؛ فألقت ثوباً في حجره، أو حط السيل حجراً؛ فألقاه في ملكه – لا يجوز إخراجه وتضييعه، بل يدفعه للمالك.
وهذا ما جزم به البغوي في فتاويه؛ إذا لم تكن مسيبة من جهة المالك؛ كالإبل والبقر.
قال: وإن كان له كلب عقور، [فلم يحفظه]؛ فقتل إنساناً، أي: في ليل – أو نهار – ضمنه؛ لتفريطه.
وفي معناه الهرة المملوكة التي تأكل الطيور، وقيل: لا ضمان عليه يهما؛ لأن العادة لم تجر بربط الكلاب والسنانير في البيوت؛ فأشبه ما لو أرسل طيراً، فلقط حبًّا لغيره، أو كسر عليه شيئاً؛ فإنه لا ضمان على مرسله – كما ذكره ابن الصباغ- لأن العادة جرت بإرساله.
أما إذا لم يكن الكلب عقوراً، ولا السنور مفسداً، ففي تعليق القاضي أبي الطيب أنه لا ضمان، بسبب ما يتلفه؛ كما حكاه أبو علي في الإفصاح.
وفي الرافعي، وابن يونس حكاية وجه: أن ذلك كالماشية.
وحكى الإمام وجهاً آخر في الهرة في هذه الحالة؛ أنه يضمن ما تتلفه بالنهار دون الليل؛ فإن الأشياء تصان عن السنور ليلاً، ولايحتاط فيها نهاراً.
ووجهاً آخر: أنه يضمن ما تتلفه مطلقاً.
قال: وإن قعد في طريق ضيق، وعثر به إنسان؛ فماتا – وجب على كل واحد منهما دية الآخر، أي: وتحملها العاقلة.
أما العاثر؛ فلأنه قتل المصدوم بفعله منفرداً؛ فلهذا ضمن عاقلته ديته.

وأما المصدوم؛ فلأنه متعد بقعوده في ذلك الموضع، وقد حصل الهلاك به؛ فضمن؛ كما لو وضع حجراً فهلك به إنسان، وهذا ما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
أما إذا كان الطريق واسعاً فعلى عاقلة العاثر دية المصدوم، وديته هدر.
وهكذا الحكم فيما لو كان القاعد واقفاً؛ فعثر به إنسان؛ فماتا.
وعلى الحالة الأولى حمل أكثر الأصحاب قول الشافعي في القديم: إن دية الجالس على عاقلة العاثر، ودية العاثر على عاقلة الجالس.
وحملوا قوله في الجديد: "لو كان أحدهما واقفاً، فصدمه الآخر؛ فماتا – فدم الصادم هدر، ودية المصدوم كلها على عاقلة الصادم" على الحالة الثانية، وهي سعة الطريق، ولم يجعلوا اختلاف قوله في الجديد والقديم اختلاف قولين.
وحكى القاضي أبو الطيب أن من الأصحاب من قال: [إن] المصدوم تكون كمال ديته على عاقلة العاثر، وأما دية العاثر؛ فهل تلزم عاقلة المصدوم؟ فيه قولان.
وهذا من القاضي يدل على جريان طريقة القولين في الواقف في الحالين، [وهو] ما صرح به البندنيجي، وكلام الماوردي مصرح بأنهما في الحالين خاصة.
وفرق على القديم بينه وبين الواقف: بأن القيام في الطرقات لا يستغني عنه، ولا يجد الناس بدًّا منه؛ بخلاف الجلوس؛ فإن مواضعه في غير المسالك المطروقة.
وحكى الفوراني والقاضي الحسين والمسعودي مع النص الذي ذكرناه عن الجديد في العاثر بالقائم – نصًّا آخر: أن العاثر بالقاعد، والنائم في الطريق؛ إذا مات تجب دية الصادم على عاقلة المصدوم، وتهدر دية المصدوم.
وأن منهم من جعل فيهما قولين نقلاً، وتخريجاً: أحدهما: في الواقف النائم تهدر دية المصدوم، وتجب دية الصادم على عاقلتهما.
والثاني: تهدر دية الصادم منهما، وتجب دية المصدوم.
وأن منهم من أجرى المسألتين على ظاهرهما، وهو الصحيح عند القاضي الحسين والبغوي، والفرق ما حكيناه عن الماوردي، وعلى ذلك جرى الإمام

في باب: وضع الحجر، وقال: النقل والتخريج عندي تكلف.
ومحل اختلاف الطريقتين؛ كما صرح به الرافعي؛ وكذا البندنيجي عند ضيق الطريق، أما عند اتساعه، فلا ضمان على عاقلة الواقف، والجالس جزماً.
وعند الاختصار يخرج مما ذكرناه في المسألة أوجه، أو أقوال: أحدها: دية كل واحد منهما على عاقلة الآخر، وسواء فيه القاعد والواقف، وهو الذي حكاه البندنيجي عن القديم.
والثاني: وجوب دية الواقف أو القاعد على عاقلة الماشي، دون العكس، وهو الذي أطلقه في الجديد كما حكاه البندنيجي، وبه أجاب المتولي، ورجحه أبو الحسين العبادي.
والثالث: وجوب دية الواقف على الماشي، دون العكس، ووجوب دية الماشي على عاقلة الجالس، دون العكس، وهو مأخوذ مما حكيناه عن [الماوردي.
والرابع: وجوب دية الماشي على عاقلة الواقف، أو الجالس، دون العكس، وهو] أضعفها.
وهذا كله إذا لم يوجد من الواقف فعل؛ فإن وجد كما إذا انحرف إلى الماشي لما قرب منه؛ فأصابه في انحرافه، وماتا – فهما كماشيين اصطدما، وسنذكره.
فرع: لو جلس في مسجد؛ فعثر به إنسان، وماتا – فعلى عاقلة الماشي دية الجالس، ولا ضمان للماشي، وكذلك لو نام فيه، وهو معتكف.
ولو جلس في المسجد؛ لأمر يُنزَّه عنه المسجد، أو استوطن المسجد، لا للقرية – فهو الجاني، لا الصادم؛ فإن مات به الصادم يجب الضمان على عاقلته؛ كذا حكاه في التهذيب عن الشيخ؛ يعني: القاضي الحسين.
قال: وإن اصطدما، [وماتا]، وجب على كل واحد منهما نصف دية الآخر، أي: وتتحمله عاقلته؛ لأن كل واحد منهما هلك بفعل نفسه وفعل صاحبه، بخلاف المسألة قبلها؛ فأهدر النصف، ووجب النصف؛ كما لو جرح نفسه، وجرحه آخر؛ فمات من الجراحتين.
وأيضاً: فقد روي عن عليّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – أنه قال: "إذا اصطدم الفارسان؛ فماتا- فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه"،

ولم يظهر له مخالف؛ فإن كان قد انتشر فهو إجماع، وإن لم ينتشر فهو حجة على الخصم – وهو أبو حنيفة، رحمه الله – لأنه يرى أن ذلك حجة كما هو رأي الشافعي في القديم.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونا راكبين فرسين أو حمارين، أو أحدهما راكباً فرساً، والآخر راكباً حماراً، ولا بنيأن يكونا ماشيين، أو أحدهما راكباً وهو قصير، والآخر ماشياً وهو طويل، ولا بين أن يكونا مقبلين أو مدبرين، أو أحدهما مقبلاً والآخر مدبراً، ولا بين أن يقعا على وجوبهما أو على قُفِيِّهما، أو يقع أحدهما على وجهه، والآخر على قفاه؛ لأن صدم كل منهما لصاحبه قد وجد.
وقال المزني: إذا كانا ماشيين، ووقع أحدهما على وجهه – كانت ديته هدراً؛ لأنه دافع، ودية الآخر على عاقلته؛ لأنه مدفوع؛ فشابه ما إذا وقع بحجر وضعه الآخر في الطريق.
قال البندنيجي وصاحب "العدة": فمن أصحابنا من جعل هذا قولاً آخر للشافعي، وجعل المسألة على قولين.
وحكى الشيخ أبو علي عن صاحب "التلخيص" أنه صار إلى ذلك، وطرده فيما إذا وقعا منكبين على وجوههما، وقال: إن ديتهما هدر، وإذا وقعا على ظهورهما وجب على عاقلة كل منهما كمال دية الآخر.
ثم قال الشيخ أبو علي: وقد وافقه بعض الأصحاب، ومعظمهم ذهبوا إلى تغليطه.
وقال الماوردي: إن ما صار إليه المزني فاسد؛ لأن الاستلقاء يحتمل أن يكون لتقدم الوقوع، والانكباب لتأخر الوقوع، ويحتمل أن يكون الاستلقاء [في الوقوع]؛ لشدة صدمته؛ كما يقع الحجر من الحائط لشدة رميه؛ فلم يسلم ما اعتل به.
وكذا لا فرق بين أن يكون الاصطدام صدر عن صد أو لا عن قصد.
نعم، إن كان عن قصد فالدية فيه دية شبه العمد؛ كما قاله الشيخ أبو حامد، وبه جزم البغوي، وصاحب "العدة"، وإلا فدية الخطأ.
وقال أبو إسحاق المروزي: إذا اصطدم الفارسان عن قصد فذلك عمد محض، ويجب نصف الدية مغلظاً حالاً في ماله، ولا يجب القود؛ لأن الروح

خرجت عن عمد مضمون وغير مضمون، وإنما يجب القود إذا خرجت الروح عن عمد محض مضمون.
قال القاضي أبو الطيب: وهذا عند أصحابنا خطأ؛ لأنه خلاف ما نص عليه الشافعي؛ لأنه قد نص- يعني: في "الأم"، كما حكاه الرافعي- على أن الاصطدام إما خطأ أو شبه عمد، [ولم يذكر فيه العمد]؛ لأنه لو كان عمداً محضاً لوجب القصاص على أحد قوليه فبمن شارك عمداً محضاً غير مضمون، مثل: من شارك في قتل الرجل سَبُعاً أو حربيًّا، وعلى ذلك جرى ابن الصباغ؛ فصحح الأول.
واقتصر الإمام والغزالي على إيراد ما ذكره أبو إسحاق من كون ذلك عمداً محضاً، ثم قال الإمام: والجواب في القصاص: التخريج على شريك النفس، وقد مضى التفصيل فيه، وحكى القاضي الحسين الخلاف كما حكاه العراقيون، لكن حكى أن أبا إسحاق قال: كان القياس أن يجب عليه القود، غير أنه فات المحل؛ فسقط القود، ووجبت الدية مغلظة في ماله.
قلت: ويظهر أثر ذلك فيما لو اصطدما، ومات أحدهما دون الآخر.
[قال القاضي الحسين والبغوي والماوردي والبندنيجي: ولو كان أحدهما مخطئاً، والآخر] قاصداً [للقتل] فلكل منهما حكمه على التفصيل السابق.
تنبيه: في قول الشيخ: "وجب على كل [واحد] منهما دية الآخر"، ما يفهمك أن المسألة مفروضة فيما إذا كانا حرين، أما لو كانا عبدين فإن كل واحد منهما تعلق برقبته نصف قيمة صاحبه، وقد تلفت؛ فسقط، وهذا بخلاف المسألة السابقة؛ فإن العاقلة هي المتحملة.
ولو كان أحدهما عبداً، والآخر حرًّا - فإنه يسقط نصف قيمة العبد بجناية نفسه، والنصف الآخر في ذمة الحر إن لم تتحمل العاقلة العبد، وفي ذمتها إن تحملته.
وأما الحر فإنه يسقط نصف ديته بجنايته على نفسه، والنصف الآخر تعلق برقبة العبد، والرقبة قد تلفت ببدل وهو نصف القيمة؛ فإن كان نصف الدية مثل نصف القيمة، وقلنا بأن الواجب في ماله - فللسيد ولورثة الحر أن

يتقاصَّا، قاله في "التهذيب" و"الحاوي".
وقال القاضي أبو الطيب: [إنه] لا يقع التقاص إلا باختيارهما؛ لأنهما جنسان مختلفان؛ فإن نصف الدية من الإبل، ونصف القيمة من نقد البلد، والعبارتان متقاربتان، لكن الثانية أبين.
وهذا إذا كانت الإبل موجودة، أما لو كانت معدومة فالواجب من الدراهم والدنانير بدلاً عنها، إما مقدر أو غيره؛ فيظهر جريان أقوال التقاص كلها في هذه الحالة.
وإن كان نصف الدية [أكثر من نصف القيمة فالزيادة هدَر.
وإن نصف الدية] أقل فالفاضل من القيمة يرجع به السيد.
وإن قلنا: إن نصف القيمة على العاقلة، قال في "التهذيب": فإن كانوا هم الورثة تقاصوا أيضاً، وإلاّ فالسيد يستوفيه؛ كما قال القاضي أبو الطيب؛ ويُوفى منه حق الورثة إن أمكن؛ فإن بقى [منه] شيء فهو له، وإن بقي من الدية شيء فهو هدر.
وحكى الماوردي مع ذلك وجهاً آخر: أن السيد لا يستوفيها، بل ينتقل الحق إلى ورثة الحر من نصف القيمة بقدر نصف الدية.
فرع: إذا تجاذب اثنان حبلا؛ فانقطع، وماتا – يهدر من دية كل منهما نصفها، ويجب النصف على عاقلة الآخر إن كان الحبل ملكهما أو غصباه، فإن كان أحدهما مالكاً، والآخر غاصباً – فدم الغاصب مهدر، وعلى عاقلته نصف دية الآخر.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه قال في كرة أخرى – يعني: القفال، رحمهما الله -: يجب كمال ديته على عاقلة الظالم.
ولا فرق في الصورة الأولى بين أن يقعا منكبين أو مستلقيين، أو أحدهما كذا والآخر هكذا.
وفي "الزوائد" للعمراني أن أبا عليِّ قال: وكذلك الإمام قال: قال أصحابنا: وعلى [قياس] قول صاحب "التلخيص" إن استلقيا على القفا كان هدراً، وإن سقطا على وجوههما فتجب دية كل واحد منهما على عاقلة صاحبه، وإن استلقى

أحدهما، وانكب الآخر – فدية المستلقي هدر، ودية من وقع على وجهه على عاقلة المستلقي.
ونص الشافعي – رضي الله عنه – والذي [دل] عليه [كلام] عامة الأصحاب: الأول.
وذكر الرافعي عن صاحب "التهذيب" في الأخيرة أنه قال: يجب على عاقلة المستلقي نصف دية المنكب مغلظة، ويجب على عاقلة المنكب نصف دية المستلقي مخففة.
ثم قال: وهذا إن صح اقتضى أن يقال في صورة الاصطدام: إذا انكب أحدهما، واستلقى الآخر – يجب على عاقلة المستلقي نصف دية المنكب مخففة، وعلى عاقلة المنكب نصف دية المستلقي مغلظة.
[قلت]: وما قاله في "التهذيب" هو المذكور في "الإبانة".
ولو قطع قاطع هذا الحبل؛ فسقطا- ضمن عاقلته دية كل منهما.
ولو أرخى أحدهما الحبل؛ فمات الآخر – سقط من ديته نصفها، ووجب نصفها على عاقلة المرخي.
فرع: إذا طصدم رجلان بإناءين [فيهما طعام]؛ فانكسرا – ضمن كل منهما نصف قيمة إناء الآخر، وأما الطعامان: فإن تميزا أخذ كل منهما طعامه؛ وإن احتاج فصله إلى مؤنةٍ، كانت عليهما، وكذا إن نقصا بعد التمييز كان أرش النقص عليهما.
وإن اختلطا ولم يتميزا: فإن كان طعام أحدهما سويقاً، والآخر عسلاً – فيقوَّم كل [واحد] منهما على انفراده، ثم يقومان بعد الاختلاط: فإن لم يكن ثَمَّ نقصان صارا شريكين فيه بقدر القيمتين؛ فإذا كانت قيمة السويق عشرة، والعسل خمسة – كان صاحب السويق شريكاً بالثلثين، وصاحب العسل بالثلث؛ فإن باعاه اقتسما ثمنه، وإن أرادا قسمته بينهما جبراً لم يجز، وإن أرادا قسمته عن تراض ففي جوازه قولان، حكاهما الماوردي؛ بناء على أنها [- أي: القسمة – بيع أو إفراز؟

وإن نقصت القيمة باختلاطهما ضمن كل [واحد] منهما لصاحبه [نصف أرش] الناقص من طعامه، وتقاصّا، ثم كانا في الشركة كما سبق.
قال: [إن اصطدمت] امرأتان حاملان؛ فماتتا، ومات جنيناهما –وجب على كل واحدة منهما دية الأخرى، ونصف دية جنينها، ونصف دية جنين الأخرى، أي: وتحمل ذلك العاقلة؛ لأن الهلاك منسوب إلى فعلهما.
قال: وإن أركب صبيين – أي: مميزين – [دابتين] [أي:] تصلحان لمثلهما أو لا تصلحان، اتفق جنسهما أو اختلف.
[قال]: من لا ولاية له عليهما؛ فاصطدما، وماتا – وجب على الذي أركبهما ضمان ما جناه كل [واحد] منهما على نفسه وعلى صاحبه، أي: وتحمل ذلك عاقلته؛ لأنه تعدى بإركابهما؛ فضمن جنيتهما؛ كما لو دفع لصبي سكيناً، فوقعت من يده، ثم وقع عليها؛ فإن الدافع يضمن، كذا قاله ابن الخل.
ولو تلفت الدابتان ضمن قيمتهما في ماله، وهكذا الحكم فيما لو [لم يصطدما]، لكن سقطا من على الدابتين، كما قاله القاضي أبو الطيب.
وخص المتولي ذلك بما إذا كان [الصبي لا يستمسك على الدابة، وقال فيما إذا كان] يستمسك: إن كان ينقله من موضع إلى موضع فلا ضمان؛ لأنه لا يخاف الهلاك منه غالباً.
ولو أتلفت الدابة شيئاً، والصبي راكبها بإركاب أجنبي – ضمنه المُرْكِب، وتتحمله عاقلته إن كان آدمياًّ، قاله القاضي الحسين، وكذلك البغوي فيما إذا غلبته الدابة وأتلفت، بخلاف ما لو غلبت المالك البالغ؛ حيث لا يضمن على قول؛ لأنه غير متعد، والمُرْكِب هنا متعد.
ولا يجب في مال الصبيين في مسألة الكتاب شيء، وكذا على عاقلتها.

ولو أركب كل واحد من الصبيين واحد، ضمن عاقلة كل مْكِب نصف دية كل من الصبيين.
وحكى الشيخ أبو حامد أن أبا القاسم الداركي وأبا الحسين بن المرزبان كانا يقولان: يجب على عاقلة كل واحد من المركبين دية من أركبه، وقال: إنه ليس بشيء.
فرع: إذا تعمد الصبيان الاصطدام في هذه الحالة، وهلكا- قال في "الوسيط": يحتمل أن يقال: الهلاك محال على الصبيين إذا جعلنا للصبي عمداً؛ لأن المباشرة أولى من السبب، لكن لما لم تكن مباشرته عدواناً لصباه، أمكن أن يجعل كالتردي مع الحفر.
وهذا منه إشارة إلى الوجه الذي حكيناه عن المتولي فيما إذا حفر إنسان بئراً في محل عدوان، ووضع حربي حجراً عليها؛ فعثر به إنسان، ووقع في البئر: أن الضمان على الحافر.
قال الرافعي: والاحتمال حسن.
والحكم – إن قتل به – كالحكم فيما إذا ركبا بأنفسهمان ولو ركبا بأنفسهما كان حكمهما حكم البالغين.
أما إذا أركبهما من له عليهما ولاية، أو أجنبي بإذن من له عليهما ولاية – [دابة] يصلح مثلهما أن يركبها، الحكم كما إذا ركبا بأنفسهما؛ لأنه غير متعد؛ إذ له تاديبهما، ومن جملته الركوب لتعليم الفروسية، وهذا ما حكاه العراقيون.
وحكى القاضي الحسين مع ذلك وجهاً آخر عند اقتضاء المصلحة ذلك: أنه يجب على عاقلة الولي الدية لكل واحد منهما، وإنما أبيح له ذلك بشرط السلامة، وهو اختيار الشيخ، أعني القفال.
وقال الإمام: إنه غير سديد.
قال: والوجهان – عندي – [فيما] إذا كان الإركاب لزينة، أو لحاجة غير مهمة، أما إذا مست حاجة أرهقت للنقل من مكان إلى مكان؛ فلا يتعلق به الضمان، ويكون بمثابة ما لو عالج الولي الصبي بالفصد عند [حاجته و] إشارة الأطباء بذلك.

أما إذا لم يكن في إركابهما مصلحة، كما لو كانا غير مميزين كابن سنة [أو سنتين]، وقد أركبهما الولي – وجب على عاقلته دية كل منهما.
قال: وإن اصطدم سفينتان؛ فهلكتا وما فيهما – أي: من الآدميين وغيرهم – فإن كان ذلك بتفريط من القيمين، أي: بأن قصَّرا في تكميل آلتهما، أو في ربطهما عند طرآن الربح، أو في إحرافهما عند إمكان ذلك، فلم يفعلاه، أو سيَّرا في ريح شديدة لا تسير السفن في مثلها.
[قال:] فهما –أي: في الضمان – كالرجلين إذا تصادما، أي: عن قصد، وكانا راكبين، وتلفا وتلف مركوبهما؛ فيجب على كل واحد منهما [في ماله] ضمان نصف سفينة صاحبه إن كانت السفينتان للقيمين، وضمان نصف كل من السفينتين إن كانا أجيرين فيهما أو مستأجرين أو مودعين.
وكذا الحكم فيما فيهما من المتاع لهما أو لغيرهما، كذا أطلقه الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما، وهو محمول على استقرار الضمان، وألا فلكل من صاحبي السفينتين مطالبة قائد سفينته بكل ضمانها، وكذلك لكل من له مال في [سفينة] مطالبة ملاحها، وقرار الضمان في النصف من ذلك على كل من الملاحين؛ كما صرح به الفوراني، وكذا الرافعي في السفن، ووجهه أن كلاً من القيمينِ قد قصر قبل الاصطدام؛ فدخلت السفينة وما فيها في ضمانه [بذلك]، لكنه شاركه في الإتلاف غيره؛ فاستقر الضمان عليهما نصفين.
وأما الآدميون، فقد قال القاضي أبو الطيب: يراجع أهل الخبرة؛ فإن قالوا: إن مثل هذا [يغرق –غالباً – فهما قاتلان عمداً؛ فيجب عليهما القصاص، وإن قالوا: إن مثل هذا] لا يغرق – غالباً – فيجب دية شبه العمد على عاقلتهما.
وقول الشيخ: "فهما كالرجلين إذا تصادما"، يقتضي جريان خلاف في وجوب القصاص؛ كما حكيناه في مسألة الاصطدام عن أبي إسحاق وغيره.
وقد صرح بحكاية هذا هاهنا الشاشي في "حليته"؛ حيث قال: هل يصح في ذلك العمد المحض أم لا؟ فقال أبو إسحاق: يصح العمد؛ لوجوب القود.

وقال الشيخ أبو حامد: لا يصح.
قلت: والوجه حمل ما قاله القاضي [أبو الطيب] على ما إذا قصدا الاصطدام؛ كما قاله الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والمصنف، وحمل ما اقتضاه كلام الشيخ وذكره الشاشي على ما إذا لم يقصدا، بل قصرا؛ كما قاله المذكورون.
واقتصر في "المهذب" في هذه الحالة- وغيره على أن الواجب على كل منهما نصف ديات ركاب السفينتين.
قال: وإن كان بغير تفريط، أي: مثل: إن كانت عدتهما كاملة، وقد طرحاها، أو لم يطرحاها حتى هاج ريح عاصفة، ولم يمكنهما إمساك السفن –ففيه قولان: أحدهما: أنهما كالرجلين- أي: الراكبين – إذا اصطدما؛ فيضمنان؛ لأنه لما كان اصطدام الفارسين موجباً للضمان وإن عجزا عن ضبط الفرسين – وجب أن يضمن القيمان وإن عجزا عن ضبط السفينتين، وهذا ما نص عليه في "الإملاء".
وعلى هذا يكون الحكم كما تقدم، إلا في إيجاب القصاص وكون الدية مغلظة.
والثاني: لا ضمان على واحد منهما؛ لأن ما خرج عن التعدي والتفريط في الأمانات لم يضمن بالحوادث الطارقة؛ كالوديعة، ولأن التلف لو كان بصاعقة لم يضمن؛ فكذلك بالريح العاصفة، وهذا ما نص عليه في الإجارات، وصححه الرافعي، واختاره في "المرشد"، ويخالف اصطداما لفارسين؛ لأن عنان الدابة بيد راكبها، يتصرف على اختياره؛ فإن قهرته فلتفريطه في آلة ضبطها، والريح العاصفة لا يقدر على دفعها، ولا يجد [سبيلاً إلى ضبطها

ودفعها]؛ فعلى هذا تكون النفوس الأموال هدراً، إلا إذا كان القيم مستأجراً على حملها إلى كذا؛ فيتخرج ضمانه لها على ضمان الأجير المشترك إذا لم يكن صاحبها معها، والسفن لا تضمن إلا أن تكون مستعارة؛ فيضمن كل من الملاحين قيمة السفينة التي استعارها.
قال: وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، أي: في الابتداء، بأن كانت السفينتان –كما قال القاضي أبو الطيب والمصنف- واقفتين على الساحل؛ فحملت الريح كل واحدة [على] الأخرى.
قال: فأما إذا سيَّرا السفن، ثم اصطدمت، أي: بسبب طرد الريح – وجب الضمان قولاً واحداً؛ لأن بداية السير وجدت منهما، وكل مبتد بشيء، اتصل بفعله ما اخرج الأمر عن يده – لزمه ضمانه؛ كما إذا رمى [سهماً إلى غابة؛ فاشتد الريح، فأوصله] إلى غابة أخرى؛ فأتلف شيئاً؛ فإنه يلزمه ضمانه؛ لاتصال الإتلاف بفعله.
وادعى الإمام أن هذا إسراف.
وقد صور ابن يونس عدم الفعل بأن تكون السفينة من المراكب الكبار التي ينصب القَيِّمُ الشراع، ويمد الحبال، ويقيم المركب نحو الريح، حتى إذا هبت دفعت.
و [صوَّر] الفعل بأن تكون السفينة من المراكب الصغار التي تندفع بالمجاديف؛ فدفعها في ابتداء السفر.
قال: وقيل: القولان في الجميع؛ لأن القيِّمَيْنِ وإن كانا قد وجد منهما بداية السير، إلا أن التلف لم يحصل بذلك، وإنما حصل بإلقاء الريح لإحداهما على الأخرى، وهذا قول أبي إسحاق والإصطخري، ولم يحك الماوردي سوى هذه الطريقة، وهي التي رجحها الرافعي.
وقد أجرى الخراسانيون القولين في الفارسين إذا غلبتهما الدابتان؛ فاصطدما، وماتا، وفي الواحد إذا غلبته الدابة، وأتلف شيئاً.
وعزاه في "الزوائد" إلى صاحب "التلخيص".

ولو كان التفريط من أحد القَيِّمينِ دون الآخر، فحكم كل منهما عند الانفراد كحكمه عند اجتماعهما على صفة الفعل، فلو اختلفا في التفريط، وجعلنا لعدمه أثراً في نفي الضمان - فالقول قول النافي له.
ولو صدمت السفينة المربوطة على الشط سفينة مجراة؛ فكسرتها - فالضمان على مجرى السفينة الصادمة، نص عليه في "المختصر"، كما صوره بعضهم.
واعلم أن النواوي - رحمه الله - قال: الصواب في قول الشيخ: "وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل" حذف الواو، وجعلها فاءً؛ لئلاَّ يبقى قوله: "وقيل: القولان في الجميع" تكراراً بلا فائدة، وقد سبق مثل هذا في الوقف، ونبهت عليه.
قال: وإن رمى عشرة أنفس حجراً بالمنجنيق، فرجع [الحجر] عليهم؛ فقتل أحدهم - سقط من ديته العشر، ووجب تسعة أعشارها على الباقين، أي: وتتحمل ذلك العاقلة؛ لأن الهلاك حصل بفعله وفعلهم؛ فهدر بفعله العشر، ووجب تسعة أعشارها على عواقل الباقين.
وهكذا الحكم لو قتل جميعهم.
ولو قتل اثنين منهم سقط من دية كل منهما عشرها، ووجب تسعة أعشارها على عواقل الباقين والقتيل الآخر؛ وهكذا لو قتل ثلاثة أو أربعة أو غير ذلك.
ولو وقع الحجر على غيرهم؛ فقتل واحداً مثلاً - نظر: فإن قصدوا بالرمي هدم حائط، فاتق وقوعه عليه، وجب على عاقلة كل منهم عشر ديته مخففة.
وكذا لو قصدوا قتل غيره، فوقع عليه.
وإن قصدوا قتله، واتفقوا على اعتماده - فالعراقيون قالوا: لا قود على واحد منهم؛ إذ لا يتصور في الرمي بحجر المنجنيق قتل العمد؛ لأنه يرمي تحيقاً؛ يقع على من لم يقصد قتلهن ووزان ذلك: أن يرمي بالسهم إلى العلو، فيسقط؛ فيقتل إنساناً؛ فإنه لا قصاص فيه.
وجزم الماوردي بوجوب القصاص على جميعهم، وقال: إن بعضهم لو قال: تعمدت، وقال بعضهم: لم أتعمد - اقتص من العامد، ولزم من أنكر العمدية

دية الخطأ في ماله، بعد إحلافه، ولا تتحملها العاقلة عنه؛ لأنه اعتراف، إلا أن يصدقوه؛ فيتحملوا عنه.
وتوسط المتولي، والغزالي وإمامه، والصيدلاني، فقالوا: إن كان الغالب أنه يصيب من قصدوه فهو عمد [يتعلق به القصاص والدية المغلظة في أموالهم، وإلا فهو عمد] خطأ، وهذا ما صدر به القاضي الحسين كلامه فيما إذا كانوا قلَّما يخطئون في القتل بذلك، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: لا يجب القصاص؛ لأن الإصابة منهم نادر؛ بخلاف الرمي.
ولو قصد بالرمي قتل واحد من عشرة لا بعينه، قال الماوردي: فلا قود، ويجب [فيه] عمد الخطأ؛ لأنهم عمدوا الفعل، وأخطئوا في تعيين النفس.
وقد روى الدارقطني في "سننه"، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس – رضي الله عنهم – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قُتَلَ فِي عِمِّيَّا رِميا بِحَجَرٍ، أَوْ ضَرْباً بِعَصاً فَعَلَيْهِ عَقْلُ الْخَطَأِ، وَمَنْ قُتَلَ اعْتِبَاطاً فَهُوَ قَوَدٌ، لا يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَاتِلِهِ؛ فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً" قال الماوردي: والعِمِّيَّا: ان يرمي [إلى] جماعة؛ فيصيب أحدهم لا بعينه.
والاعتباط: أن يرمي أحدهم بعينه.
ولأن قصد عين الشخص معتبر في العمدية؛ ألا تراه لو قال: اقتل أحد هؤلاء، وألا قتلتك؛ فقتل أحدهم –لايجب القصاص على المكره؛ لأنه لم يقصد عين أحدهم؟! وقد وافق على انتفاء القصاص القاضي الحين، مع تيقن مصير بعضهم مقتولاً؛ بأن كانوا في حصن أو نحوه، وقاسه على ما لو رمى سهماً إلى جماعة، ولم يقصد واحداً منهم بعينه؛ فأصاب واحداً.
ثم قال: ويحتمل وجهاً آخر: أنه يجب؛ كما لو رمى إلى جماعة من الظباء سهماً؛ فأصاب واحداً – يحل؛ كذا هذا مثله.
وهذا الاحتمال قد حكينا مثله وجهاً في مسألة الرمي عن رواية المتولي وغيره

من قبل، وأجراه المتولي فيما إذا قال: اقتل أحد هذين الرجلين، وإلا قتلتنك – أنه يكون مكرهاً، حتى لا يجب القصاص على القاتل على أحد القولين.
وفرق صاحب "التهذيب" بين الرمي إلى الصيد وما نحن فيه: بأن حقيقة القصد إلى الشخص شرط في القصاص؛ بدليل ما لو رمى إلى شخص؛ فنفذ منه إلى آخر- لا يجب [القصاص بسبب الثاني، وليس ذلك شرطاً في حل الصيد؛ ألا ترى أنه لو رمى صيداً؛ فنفذ منه إلى آخر] حل الثاني على الأصح؟! وادعى الإمام أن محل إطلاق الأصحاب القول بانتفاء القصاص إذا لم تتحقق إصابة الحجر للجميع، وعليه يدل كلام القاضي؛ حيث شبه ذلك برمي السهم، وقال فيما إذا كان القوم محصورين في موضع، وكان الحاذف على علم بأنه إذا سدد الحجر عليهم أتى على جميعهم، وحقق قصده؛ وأتى عليهم -: فالذي أراه وجوب القصاص، وهذا كما لو قال المكُرِه: اقتل هؤلاء؛ فقتلهم –يجب القصاص على المكره، ولا أثر للاختيار في التقديم والتأخير.
وقد أطلق في "الوسيط"أنا إذا لم نوجب القصاص في هذه الصورة [المذكورة]، يكون ما جرى طأ، ومقتضاه وجوب دية الخطأ، وهو ما دل عليه ظاهر الخبر، ويعضده ما سنذكره عن الإمام في أول كتاب الديات: أن من لا يتصور منه العمد المحض لا يتصور منه عمد الخطأ، لكن المنقول في "التهذيب" وغيره ما ذكرناه عن "الحاوي".
تنبيه: [المنجنيق] هي مؤنثة، فارسية معرَّبة، والميم مفتوحة عند الأكثرين.
قال الجواليقي: مفتوحة ومكسورة.
قال الجوهري: وأصلها [بالفارسية "من جي نيك"، أي: ما أجودني]! وقال الفراء: تقديرها: منفعيل؛ لقولهم: [كنا نجنق مرة، ونرشق أخرى،] والجمع: منجنيقات.
قال: وقال سيبويه: هي ["فنعليل"]؛ فالميم أصلية؛ لقولهم في الجمع: مجانيقن وفي التصغير: مُجَيْنيق].
هذا كلام الجوهري.
وقال الجواليقي: قيل: الميم زائدة، وقيل: أصلية، وقيل: الميم والنون في أوله

زائدتان، وقيل: أصليتان، وقيل: الميم اصل والنون زائدة.
قال: وحكى الفراء: "منجنوق" بالواو، وحكى غيره: "منجليق" باللام.
قال: وإن وقع رجل في بئر، أي: لا يهلك مثلها؛ فجذب ثانياً، والثاني ثالثاً، والثالث رابعاً، وماتوا، أي: بوقوع بعضهم فوق بعض – وجب للأول ثلث الدية على الثاني، والثلث على الثالث، ويهدر الثلث؛ لأنه هلك بثلاثة أسباب: بفعله وهو جذب الثاني، وبفعل الثاني: وهو جذب الثالث، وبفعل الثالث: وهو جذب الرابع؛ فقسطت الدية على الأسباب الثلاثة، وسقط ما يخص فعله فكان الأمر كما ذكره الشيخ.
وقيل: لا شيء له؛ لأنه باشر قتل [نفسه] بجذبه الثاني وما تولد من جذبه.
قال: ويجب للثاني ثلث الدية على الأول، والثلث على الثالث، ويهدر الثلث؛ لأنه هلك بثلاثة أسباب: لجذب الأول له، وبجذبه هو للثالث، وبجذب الثالث للرابع؛ فقسطت الدية على الأسباب الثلاثة، وسقط ما يخص فعله.
وقيل: تهدر نصف ديته؛ بجذبه الثالث وما حدث من جذبه، ويجب نصفها على الأول بجذبه.
وقيل: يجب له الثلث؛ لأنه مات بجذب الأول، ووقوع الثالث والرابع عليه، ووقوعهما عليه من نتيجة فعله؛ فلم يتعلق بهما ضمان؛ فوجب الثلث على الأول، وقد استدل له بما سنذكره عن عليِّ، كرم الله وجهه.
قال: ويجب للثالث نصف الدية على الثاني، ويهدر النصف؛ لأنه هلك بسببين: جذب الثاني له، وبجذبه الرابع؛ فقسطت الدية عليهما، وسقط ما يخص فعله، وهذا هو الأصح في "الرافعي".
قال: وقيل: يسقط ثلث الدية، ويجب الثلثان، أي: على الأول والثاني؛ لأنه مات بثلاثة أسباب: جذب الأول للثاني، وجذب الثاني له، وجذبه الرابع؛ فقسطت الدية عليها، وسقط [ما يخص فعله].
قلت: ولو قيل: يجب على الأول والثاني نصف الدية، لم يبعد؛ لأنه

صار مجذوباً بالقوتين جميعاً.
قال: ويجب للرابع الدية على الثالث؛ لأنه هلك بجذبه له، وهذا هو الأصح.
قال: وقيل: يجب على الثلاثة- أي الأوَل – أثلاثاً؛ لأن وقوعه مضاف إلى الجذبات الثلاث.
والدية في هذه الأحوال تجب على العاقلة؛ كما ذكرناه.
أما إذا كان البئر مهلكاً؛ فالأول هلك بصدمته، وبالوقوع عليه، فإن كان في محل عدوان فهل يكون سبباً في الضمان، أم لا؟ فيه وجهان؛ فإن قلنا: لا، وهو ما يحكي عن الخضري؛ لأن الحفر سبب، والذي وجد وهو الجذب مباشرة؛ فقدمت على السبب – فالحكم فيه كما تقدم؛ فيكون – على الصحيح – يجب له ثلثا الدية.
وعلى وجه: لا يجب له شيء؛ لأنه باشر قتل [نفسه] بجذب الثاني وما تولد منه.
وإن قلنا: نعم – وهو [الصحيح] – فالهلاك حصل بأربعة أسباب: صدمة البئر، وفعل الثلاثة؛ فيسقط ربع الدية، ويجب ربعها على حافر البئر، أو يسقط أيضاً إن كان الحفر غير عدوان، أو حافره حربيًّا، ويجب ربع على الثاني، وربع على الثالث.
وحكى المتولي أنه يجب له ربع الدية على حافر البئر إن كان عدواناً لا غير، وإن لم يكن عدواناً، فلا شيء له؛ لأن الأول مات بالوقوع في البئر، وبوقوع الثلاثة فوقه ووقوعهم نتيجة فعله؛ فلم يتعلق به ضمان، وقد استدل له بما روي: أن ناساً باليمن حفروا زُبية للأسد؛ فوقع الأسد فيها؛ فازدحم الناس عليها؛ فتردى فيها واحد؛ فتعلق بواحد؛ فجذبه؛ وجذب الثاني ثالثاً، والثالث رابعاً؛ فقتلهم الأسد؛ فرفع ذلك إلى عليّ – كرم الله وجهه – فقال: "للأول ربع [الدية، وللثاني] الثلث، وللثالث النصف، وللرابع الجميع؛ فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هو كما قال".

وحكى الإمام والقاضي الحسين وجهاً: أن الواجب على حافر البئر نصف الدية، ويهدر النصف؛ لأن هلاكه حصل بصدمة البئر، وبثقل الثاني [والثالث] والرابع، وثِقَلُهم حصل بجذبه؛ فأحيل الهلاك عليه وعلى حافر البئر، فعلى هذا: لو كان الحفر غير عدوان، لمي جب شيء، وبهذا يحصل في المسألة خمسة أوجه.
[قلت:] ويمكن أن يقال بوجه سادس، مركب من أصلين: أحدهما: إلغاء صدمة البئر، أو تفرض [المسألة فيما إذا لم يكن البئر مهلكاً]؟ والثاني: إيجاب دية الرابع على الأول والثاني والثالث أثلاثاً، ودية الثالث: على الأول ثلثها، وعلى الثاني ثلثها، ويهدر الثلث؛ فيقال: يجب له على الثاني سدس الدية وتسعها، وعلى الثالث تسع الدية، ويهدر الباقي؛ لأن إهلاكه حصل بوقوع الثاني والثالث والرابع عليه؛ فتسقط ديته على جذب الثلاثة؛ فينوب كل واحد ثلثها.
ووقوع الثاني حصل من فعله؛ [فسقط]، ووقوع الثالث حصل من جذبه وجذب الثاني؛ فيسقط ما يخصه عليهما؛ فيسقط نصفه وهو السدس، ويجب السدس.
ووقوع الرابع [حصل] من جذبه وجذب الثاني [وجذب الثالث] فيُقسَّط ما يخصه عليهم؛ فيسقط ثلثه وهو التسع، ويجب على كل [واحد] من الثاني والثالث [تسع، ولم أرَ ذلك، والله أعلم.
وأما الحكم في الثاني والثالث] والرابع فيما إذا كان البئر مهلكاً في محل عدوان، فكما لو لم يكن ذلك؛ لأنه لا أثر للحفر في حقهم.
ولو وقعوا متفرقين؛ لسعة البئر، فدية كل مجذوب على جاذبه؛ لأن جذبه عمد.
قال الإمام: ولو كان الجاذب حيًّا لتكلمنا في القصاص عليه.

ودية الأول على عاقلة حافر البئر إن كان متعدياً بحفره، وإلا فلا.
ولو وقع الثاني على الأول، والثالث على الثاني، والرابع على الثالث من غير جذب – فالكلام في ذلك يحتاج إلى تقيم أصل، وهو ما إذا وقع واد، ثم آخر عليه؛ فإن مات الأول فالثاني ضامن له؛ كما لو تعثر بحجر، وما الذي يلزمه؟ ينظر: إن تعمد إلقاء نفسه عليه، ومثله يقتل غالباً لضخامته، وعمق البئر – فالقود.
وإن لم يقتل غالباً فدية عمد الخطأ.
وإن لم يتعمد فدية الخطأ.
وقد أطلق بعضهم وجوبها كاملة على الثاني.
وبعضهم قال في هذه الصورة: يجب على الثاني نصف الدية؛ لأن الهلاك حصل به وبصدمة البئر.
ثم إن كان الحفر عدواناً وجب النصف الآخر على الحافر، وإلا فهو هدر، وهذا أصح عند المتولي وغيره.
نعم، لو نزل الأول البئر من غير أن يصدمه، ثم وقع عليه الثاني – تعلق به كل الدية.
قلت: وساق ما قاله هذا القائل: ألا يجب القصاص في الصورة السابقة، كما لا تجب كل الدية؛ لأن البئر لا يوجب إلا المال؛ فيكون كعمد الخطأ أو الخطأ، وقد حصل الهلاك به، وبالعمد، ويتعين محل وجوب القصاص في الصورة الثاني، وبها صوَّر ابن الصباغ.
وأمَّا دية الثاني فهدر إن تعمد إلقاء نفسه، أو لم يكن الحفر عدواناً، وإلا تعلق الضمان بحافر البئر.
وقد أبدى الإمام تردداً فيما إذا كان البئر في محل عدوان، وسقط الأول ثم الثاني عليه – في أن الثاني هل يطالب بشيء، ثم يرجع به على حافر البئر؛ لأنه السبب، أم لا يطالب؟ وقربه بعضهم من المكره على إتلاف المال هل يكون طريقاً للضمان، مع أن القرار على المكره؟ وفيه وجهان.

ولو تردى في البئر ثلاثة، واحد بعد واحد؛ فمن قال في الصورتين السابقتين: إن دية الأول على الثاني، قال هاهنا: تكون على الثاني والثالث.
ومن قال في الصورة الأولى: يكون على الثاني النصف، قال هنا: [يكون] على الثاني والثالث الثلثان والثلث الآخر على الحافر إن كان الحفر عدواناً، وإلا سقط.
وأما الثاني، فقد ذكر الشيخ أبو حامد أن ديته على الثالث؛ لأنه تلف بوقوعه عليه.
وذكر القاضي أبو الطيب [أن] الواجب عليه النصف، والنصف هدر؛ لأنه تلف بوقوعه على الأول، وبوقوع الثالث عليه.
قال ابن الصباغ: وهذا أقيس؛ لأن وقوعه على غيره سبب في تلفه كوقوع غيره عليه.
قال: وإن تجارح رجلان –أي: خطأ، [أو عمد خطأ] وماتا – أي: بالسراية –وجب على كل واحد منهما دية الآخر، أي: وتتحملها عاقلته؛ لأنه قاتله.
أما إذا كانت عمداً فدم كل واحد منهما هدر، قاله القاضي الحسين، واستدل له بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا تَقَاتَل الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقُتُولُ فِي النَّارِ"، وهذا ظاهر إذا لم يكن الجرح مما يجري فيه القصاص، وكذا إن كان ما يجري فيه، [لكن جُرح الثاني لم يكن في موضع جرح الأول، فإن كان فيه] فيظهر أن يقال: إنا ننظر إلى انه هل كان قتل الجارح أولاً، أو بعده، ويتخرج على الخلاف السابق في موضعه.
قال: فإن ادعى كل واحد منهما أنه جرح للدفع، لم يقبل؛ لأن الأصل عدم التعدي من الآخر، وصيانة دمه؛ فإذا حلفا، قال الماوردي: وجب على كل [واحد] منهما القود: أي: إن كان الجرح يوجبه، ثم إن سرى الجرح إلى النفس، قال في "ابن يونس": وجب على كل واحد دية الآخر.
ولو أقام أحدهما بينة بأن الآخر دخل عليه بسيف مسلول أو قوس موتور، قال

الماوردي في باب صول الفحل: نظر في البينة: فإن أكملت الشهادة بأن قالت: أراده بذلك، سقط عنه القود [، وإن لم تقل ذلك فقد ذكر الشيخ أبو حامد أنه يقبل منه هذه الدعوى، ويسقط عنه القود] والدية؛ لأن ظاهر الحال يشهد بصدقه.
وعندي: أن هذه الشهادة توجب سقوط القود؛ لأنها شبهة فيه، ولا توجب سقوط الدية؛ لأنها شبهة فيه، ولا توجب سقوط الدية؛ لاحتمال دخوله على هذه الحالة هارباً من طالب.
والذي قاله الجمهور قول الشيخ أبي حامد.
ولو شهدت البينة أنه دخل عيه بسيف غير مشهور، لم يسقط بها قود ولا دية.
ولو وقع الاختلاف بين الوليين بعد موتهما.
قال القاضي الحسين: تحالف الوليان، وعلى كل واحد منهما إذا حلف الدية، ويتقاصان، ولا يفيد اليمين سوى أنه ربما ينكل أحدهما؛ فيستحق الثاني دعواه إن حلف عليها.
وهذا ما حكاه الإمام عن الأصحاب، لكن أسقط من اللفظ وجوب الدية والتقاص، قال: وقد يظهر أثر ذلك فيما لو اختلفت ديتهما، أو كان أحدهما حرًّا، والآخر عبداً؛ فإن التقاص – كما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب فيما تقدم – لا يجري في مثل هذا إلا بالتراضي.
ثم قال الإمام: لو التقى رجلان بسيفين، وكل واحد منهما قاصد للآخر، وغلب على ظن كل منهما أنه لا يندفع عنه إلا بوضع السيف فيه – فيجوز وضعه، ثم يخرج من ذلك: أنه لا ضمان أصلاً، ويصير كل واحد منهما وقد التبس الأمر عليه في حق صاحبه؛ كبهيمة صائلة.
ثم إذا قلنا بذلك فيتجه أن يكون دم [كل واحد منهما هدراً].
ثم قال: هذا ما أراهن وغالب ظني أني وجدت لبعض الأصحاب نصًّا في هذه المسألة، وسأحرص على طلبه وإلحاقه، على أن الكلام عندي في هذا على وجه لا يجوز تقدير الخلاف فيه، ولو فرض خلاف ذلك فهو هفوة من قائله، والله أعلم.

باب الديات

"الديات" جمع: دية.
وهي اسم للمال الواجب بالجناية على الحر في نفس أو طرف.
ومصدر، وأصلها: ودية، مشتقة من "الودي"، وهو دفع الدية؛ كـ"العِدَة" من "الوعد"، و"الزنة" من "الوزن"، و"الشية" من "الوشي"، ونظائرها، تقول: وديت القتيل أديه ودياً، ودية: أعطيت ديته، واتديت: أخذت الدية، وتقول في الأمر: دِ فلاناً، وللاثنين: دِيَا، وللجمع: دُوا فلاناً.
قال - رحمه الله تعالى -: ودية الحر المسلم: مائة من الإبل؛ لما روى النسائي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن الديات، وقرئ على أهل اليمن: "أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ"، وقد ادعى ابن يونس الإجماع على ذلك.
قال: فإن كان القتل عمداً، أي: يجب به القصاص أو لا، أو شبه عمد - وجبت أثلاثاً؛ أي: ثلاثة أقسام: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ووجهه في الأولى: ما روى محمد بن راشد، عن سليمان، عن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّداً دُفِعَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوهُ، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ ثَلاَثُونَ

حِقَّةً، وَثَلاَثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً" كذا أورده الماوردي، وخرجه الترمذي وقال: إنه حسن غريب.
وروي عن عبادة: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي الدِّيَةِ العُظْمَى بِثَلاَثِينَ حِقَّةً، وَثَلاَثِينَ جَزْعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً حَوَامِلَ"، كذا أورده القاضي أبو الطيب.
ووجهه في الثانية ما روى الدارقطني [في "سننه"]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ الْعَمْدِ وَلاَ يُقْتَلُ صَاحِبُهُ".
وقد امتنع بعضهم من الاستدلال بما ذكرناه من الأحاديث؛ لما في [رواية] عمرو بن شعيب من المقال، واستدل على إيجاب الخلفات في قتل شبه العمد بما روى الشافعي بسنده، عن ابن عمر – رضي الله عنهم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَلا إِنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً؛ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلادُهَا".
وعلى إيجاب الجذاع والحقاق؛ بأمرين: أحدهما: قول عمر، وعثمان، وعليِّ، وزيد، وابن عباس، والمغيرة – رضي الله عنهم – بذلك.
والثاني: أن الإجماع منعقد على أنه لا يجب سن واحد، ولا سنان، ولما نص على الخلفات – لتغليظها – علم أن الباقي دونها؛ فجعلناه من سنين متواليين.

وعلى إيجاب ذلك في قتل العمد؛ بالقياس على عمد الخطأ.
وحكى عن أبي ثور [أن] الدية في هذين الحالين تجب مخمسة كالخطأ.
والخلفة – بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام -: هي الحامل، وقيل: هي الحامل من ابتداء إلقاحها إلى عشرة أشهر، ثم هي عشراء؛ كذا حكاه البندنيجي عن أبي عبيد، وحينئذ يكون قوله: "في بطونها اولاها" تاكيداًوبياناً، قال القاضي أبو الطب: كما تقول العرب: بنت مخاض أنثى، وابن لبون ذكر.
قال جمهور أهل اللغة: وليس لها جمع من لفظها، بل جمعها: ماخض؛ كما يقال: امرأة، ونساء.
[و] قال الجوهري: خَلفِ؛ بفتح الخاء، وكسر اللام.
ثم هل يشترط في إجزاء الخَلفِة أن تكون ثنية فصاعداً، أم الإجزاء منوط بكونها حاملاً كيف كانت من ثنيّة فما دونها؟ فيه قولان: وقد استدل للأول، وهو الصحيح في "تعليق" القاضي الحسين، والمشهور؛ كما قال البندنيجي، وأن المزني نقله – برواية الشافعي، رحمه الله.
و [استدل] للثاني- وهو ظاهر قوله في "الأم" – برواية عقبة بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا، مَابَينَ الثَّنِيّةِ إِلَى بَازِلِ عَامٍ".
و"بازل عام" – كما قال القاضي أبو الطيب -: هي التي تسع سنين، ودخلت في العاشرة.
قال: وإن كان خطأ، وجبت أخماساً: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
أما وجه اعتبار التخميس فيها – وهو ما صار إليه جمهور الصحابة، رضي الله عنهم – فما روي عن ابن مسعود- رضي الله عنه – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "دِيَّةُ الخَطَأِ أَخْمَاسٌ".

وأما وجه اعتبار الأسنان المذكورة فيه فما روى عن ابن مسعود أيضاً أنه قال: "دية الخطأ أخماس: عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكر، وعشرون بنت مخاض"، وهو وإن كان موقوفاً عليه فقد روى عنه إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن جنيف بن مالك، عن ابن مسعود أن النبي – صلى الله عيه وسلم-: "قَضَى فِي دِيَةِ الْخَطَأِ أَخْمَاساً: خُمساً جِذَاعاً، وَخُمساً حِقَاقاً، وَخُمساً بَنَاتِ لَبُونٍ [وَخُمساً بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَخُمساً بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ] ذكر".
ثم يؤيده ما حكاه الشافعي – رحمه الله – عن سليمان بن يسار أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ مائة من الإبل.
وذكر ما ذكرناه، وسليمان تابعي، وإشارته إلى من تقدمه محمول على الصحابة – رضي الله عنهم – قال الماوردي: فصار ذلك إجماعاً نقله عنهم.
قال: وإن قتل في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، أو في الحرم، أي: حرم مكة، [شرفه الله تعالى]، أو قتل ذا رحم محرم – وجبت الدية مغلظة، خطأ كان أو عمداً، ووجهه: ما روى عن الصحابة- رضي الله عنهم – أنهم غلظوا في هذه المواضع الثلاث، وإن اختلفوا في كيفية التغليظ: روي عن عمر – رضي الله عنه – أنه قال: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، أَوْ قَتَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ – فَعَلَيهِ دِيةٌ وَثُلُثٌ".
وروي أن "عثمان قضى في امرأة وطئت في الطواف بديتها ستة آلاف درهم، وألفين؛ تغليظاً للحرم".

وعن ابن عباس أن رجلاً قتل رجلاً في الشهر الحرام، في البلد الحرام؛ فقال: "دِيَتُهُ اثنا عشر أَلْفَ درهمٍ، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف".
قال القاضي أبو الطيب: والاستدلال من هذه الأخبار بوجهين: أحدهما: أن هذا كان بمحضر من الصحابة عند اجتماع الناس بالموسم، ولم ينكره منكر، ولا رده راد؛ فدل على أنه إجماع منهم.
والثاني: أن هذا لا يدرك [اجتهاداً أو قياساً، وإنما يدرك] بالتوقيف؛ فدل على أنهم لم يفعلوه إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: فإن قتل شبه العمد يوجب التغليظ، وذلك لأجل ما اقترن بالقتل الخطأ [من عمد الضرب وقصده، وإذا كان ذلك سبباً للتغليظ، فاقتران هذه الأسباب بالقتل الخطأ] أولى بالتغليظ؛ لأن لكل واحد منهما تأثيراً في حقن الدم، وحفظ حرمته، نطق بذلك الشرع.
أما الأشهر الحرم؛ فلقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]، وقال –عز من قائل-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:217]. وأما الحرم؛ فقد قال – صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ"، فجعل القاتل [فيه] أعتي الناس.
وأما الرحم فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم: "نهى أبا حذيفة أن يقتل أباه، وقال: دعه يقتله غيرك"، "ونهى أبا بكر الصديق – رضي الله عنه – أن يخرج إلى أبيه في القتال".
وهذا يدل على تغليظ قتل ذي الرحم المحرم.

ولا يثبت لحرم المدينة هذا الحكم، على أصح الوجهين، قال القاضي أبو الطيب وغيره: بناء على قول الشافعي – رضي الله عنه – في الجديد: إنها ليست بحرم.
ويثبت؛ بناء على قوله في القديم: إنها حرم، ومن قتل منها صيداً يسلب ما عليه من الثياب.
قال الرافعي: ومنهم من حكى التردد إذا قلنا بهذا القول.
وهل يثبت هذا الحكم في قتل المحرم الحلال؟ فيه وجهان: وجه الثبوت – وهو المحكي عن أبي الفياض البصري، وابن أبي هريرة -: أن الإحرام لما أوجب ضمان الصيد كما أوجبه الحرم، كذلك يوجب التغليظ كما أوجبه.
وأصحهما: المنع.
والفرق: أن حرمة المكان لازمة، بخلاف حرمة الإحرام.
وحكى القاضي الحسين الوجهين، فيما إذا قتل حلال محرماً.
وقتل ذي الرحم إذا لم يكن محرماً هل تتغلظ فيه الدية؟ فيه وجهان: اختيار الشيخ أبي محمد والقاضي الروياني: أنها تتغلظ؛ لما فيه من قطيعة الرحم [وتأكيد الحرمة، وعلى هذا يدل ظاهر النص؛ فإنه قال: وذي الرحم].
والأكثرون على المنع؛ كما لا تتغلظ بحرمة الرضاع والمصاهرة، وادعى القاضي الحسين إجماع الأصحاب على أن المحرمية شرط.
واعلم أن التغليظ في الدية يكون من ثلاثة أوجه: التخصيص بالجاني، وكونها حالة، وكونها مثلثة، وذلك يختص بجناية العمد.
وتخفيفها يكون من ثلاثة أوجه: كونها على العاقلة، وتأجيلها، وتخميسها، وذلك يختص بجناية الخطأ.
وتخفيفها من وجهين: وهو كونها مؤجلة على العاقلة [على الأصح – كما سنذكره من بعد] وتغليظها من وجه، وهو كونها مثلثة، ويختص ذلك بجناية عمد الخطأ وبالقتل خطأ في الأشهر الحرم، أو في الحَرَم، أو ذا رحم [محرم]، كما ذكرناه، وقد صرح بذلك البندنيجي.
وبذلك يظهر لك مراد الشيخ بقوله: وجبت مغلظة، عمداً كان أو خطأ.

ثم ما ذكره من جريان التغليظ يجري في دية من عداه.
قال: وفي عمد الصبي والمجنون [- أي اللذين لهما تمييز -] قولان: أحدهما: أنه عمد؛ لأنهما قد ميزا مضارهما من منافعهما؛ فوجب أن يصح منها العمد كالبالغ العاقل، ولأنه يجوز تأديبهما على القتل؛ فكان عمدهما عمداً؛ كالمكلف، وهذا هو الأصح في "الرافعي"، واختاره [القاضي] أبو الطيب.
قال: فتجب فيه دية مغلظة – أي: بالأنواع الثلاثة – كما تجب كذلك في مال المكلف [إذا تعمد القتل].
قال: والثاني: أنه خطأ؛ لما روي عن علي – كرم الله وجهه – أنه قال: "عَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأُ"، ولقوله – عليه الصلاة والسلام-: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ ... " الخبر المشهور.
قال القاضي أبو الطيب: وفيه دليلان: أحدهما: أنه أخبر أن القلم رفع عنهما، ومن رفع عنه القلم لا يصح عمده.
والثاني: أنه قرنهما بالنائم، وقد ثبت أن النائم لو انقلب على صبي؛ فقتله – لم يجب عليه القصاص؛ لأن عمده لا يصح؛ كذلك الصبي والمجنون.
والقائل بالأول أجاب عن أثر عليّ بأنه لم يصح، وعن الخبر بوجهين: أحدهما: أنا كذا نقول: إن القلم رفع عنه فيما يتعلق بعبادة الأبدان؛ ولهذا لا نوجب القصاص عليه.
والثاني: أن الاستدلال بالقرين لا يجوز؛ لأن اللفظ قد يتفق ويختلف المعنى، يدل عليه قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وإيتاء الحق واجب، والأكل ليس بواجب.
وكذا قول صفوان بن عسال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَلاَّ نَنْزِعَ خِفَافَنَا إِذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ، أضوْ سَفَراً ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، ِإلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ، َلكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَولٍ وَنَومٍ قرن بين الغائط والبول والنوم، وإن كان النوم لا ينقض الوضوء على جميع الصفات، [والغائط والبول

ينقضان الوضوء على جميع الصفات].
قال الماوردي: ولو جعل عمد الصبي عمداً، وعمد المجنون خطأ، لكان الفرق بينهما أشبه؛ لأن العبادات تصح من الصبي، ولا تصح من المجنون، لكن القولين في الجميع بينهما مطلقاً؛ فأطلقناه مع الفرق الذي أراه.
[ثم] على القول الثاني لا يكون لهما [عمد] خطأ، قال الإمام - عند اصطدام الصبيين -: لأن شبه العمد إنما يتصور فيمن يتصور منه العمد المحض؛ فعلى هذا تجب الدية مخففة من كل وجه إذا لم تقع في الأشهر الحُرُم، [أو في الحَرَم]، [أو] في رحم محرم.
أما إذا وجد مع واحد مما ذكرناه، فلم أر فيه نقلاً، ويجوز أن يقال [بتغليظها بالتثليث؛ أخذاً من قول الشيخ: عمداً كان أو خطأ، ويجوز أن يقال] بعدمه؛ لأن التثليث وجب في قتل الخطأ عند وقوعه في الأشهر الحُرُم وما في معناها؛ [إلحاقاً لذلك بعمد الخطأ]، وقد ذكرنا أنه لا عمد خطأ للصبي والمجنون، وإذا امتنع في حقهما المشبه به، فالمشبه أولى.
أما إذا لم يكن لهما تمييز، فقد قال القاضي الحسين في "التعليق"، والإمام، وغيرهما: إنه لا عمد لهما قولاً واحداً.
وفي "الحاوي"، في آخر كتاب الديات: أنا على القول الأول نسوي بين الصبي والمجنون، سواء كان مميزاً أو غير مميز، وهل يتعلق بقتل من لا تمييز له منهما ضمان؛ وكذا إذا أتلفا مالاً هل يتعلق [الضمان بمالهما]؟ فيه وجهان خرجهما الشيخ أبو محمد من الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا أمر السيد عبده الذي لا تمييز له بقتل شخص، هل يتعلق الضمان برقبته، أم لا؟ وجه المنع: أنه شبيه بإتلاف البهيمة العادية.
والذي يقتضيه إيراد الجمهور: إيجابه؛ لأنهم ادعوا أنه خطأ، وادعى المتولي أنه خطأ بلا خلاف.

قال: وإن كان للقاتل أو للعاقلة إبل، وجبت الدية منها.
يعني: إذا كان للقاتل إبل حيث تجب الدية عليه؛ بأن كان القتل عمداً، أو خطأ ثبت بإقراره – كما ذكر الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ – أو للعاقلة إبل حيث تتحمل الدية؛ [بأن كنا الفعل خطأ، وقد ثبت بالبينة أو بإقرار العاقلة – وجبت الدية] من نوعها؛ كما تجب الزكاة من النوع الذي يملكه من تجب عليه الزكاة.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون إبل البلد مثلها أو دونها أو فوقها.
وحكى الإمام وجهاً عن محققي المراوزة – ورجحه -: أن الاعتبار بغالب إبل البلد؛ لأن الدية عوض متلف، واعتباره بملك من عليه بعيد.
فعلى هذا: إن كانت إبل البلد نوعين فأكثر، ولا غالب فيها – فالخيرة إلى المعطي.
وعلى الأول –وهو الذي نص عليه في "المختصر" في مسألة العاقلة-: لو كانت إبل الجاني مختلفة الأنواع؛ فأخرج من كل نوع بحصته – جاز، وهذا ما أوجبه ابن الصباغ عليه.
والماوردي قال: إذا أراد أن يعطي من أحد الأنواع، فإن أخرج من الأعلى جاز، [وإن كان أرذلها، وإن لم يكن فيها غالب، فإن أخرج من الأعلى جاز]، وإن أخرج من الأدنى لم يجز، إلا أن يرضى به [الولي، وهذا بخلاف الزكاة؛ حيث لا يجوز له إخراج نوع دون ما وجب عليه، وإن رضي به] الفقراء؛ لما في ذلك من إبطال حق الله تعالى.
ولو كانت إبل العاقلة مختلفة، نظر: فإن كان لكل منهم نوع واحد؛ فيؤخذ من كل واحد منهم من النوع الذي يملكه.
وإن كان لكل منهم انواع، فحكمه حكم القاتل، إلا في عدم إجزاء الأدنى؛ فإنه يجوز هاهنا.
قال الماوردي: لأنها تؤخذ من العاقلة؛ مواساة، ومن الجاني استحقاقاً.
وحكى الرافعي وصاحب "الحلية" فيما يجب على الواحد عند اختلاف الأنواع عنده – وجهين: أحدهما: غالب إبله؛ فإن استووا يُخَيَّر.
والثاني: يجب من كل نوع بقسطه؛ فإن أخرج الجميع من نوع واحد، وكان أجودها – جاز، وهذا ما حكاه الأصحاب، وعليه إشكال سأذكره في آخر باب

العاقلة، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن لم يكن لهما إبل وجبت من غالب إبل البلد، فإن لم يكن فمن غالب إبل أقرب البلاد إليهم؛ كما قلنا بذلك في زكاة الفطر، وهذا في حكم أهل البلدان.
فإن كانوا من أهل القبائل اعتبر غالب إبل القبيلة؛ فإن لم يكن فمن غالب إبل أقرب القبائل إليهم.
قال: ولا يؤخذ فيها معيب ولا مريض؛ لأنها بدل متلف؛ فكان من شرطه الصحة والسلامة من العيب؛ قياساً على سائر أبدال المتلفات.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون إبل القاتل والعاقلة صحاحاً أو مراضاً، سليمات أو معيبات، بخلاف الزكاة؛ بخلاف الزكاة؛ حيث تؤخذ المراض من المراض، ومن المعبات معيبة؛ لأن الزكاة استحقاق جزء من عين المال؛ فكانت معتبرة بصفة المال، والدية تجب في الذمة؛ فكان من شرطها الصحة والسلامة.
وأيضاً: فإنا لو أوجبنا في الزكاة صحيحة من مراض لأدى إلى أن يأتي على أكثر من ربع العشر، والشرع إنما أوجبه، وليس كذلك الدية؛ فإنه يجب الجزء اليسير منها، ولا يؤدي إلى الإجحاف؛ لأن الموسر تجب عليه في ثلاث سنين دينار ونصف – على رأي – ونصف دينار على آخر، وإذا تقرر ذلك وجب على القاتل أو العاقلة في هذه الحالة: الإخراج من نوع إبلهما، سواء كانت إبل البلد أو القبيلة أعلى منها أو دونها أو مساوية لها.
قال: فإن تراضيا على أخذ العوض عن الإبل، جاز؛ لأنها حق مستقر في الذمة؛ فجاز أخذ البدل عنه؛ كسائر أبدال المتلفات.
قال صاحب "البيان": هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنيًّا على أنه يجوز الصلح عن إبل الدية.
وهذا منه إشارة إلى حالة الجهل بالصفات، ومعرفة القدر، والسن؛ إذ ذلك محل الخلاف في جواز الصلح عيها والاعتياض؛ كما صرح به القاضي الحسين في باب عفو المجني عليه ثم يموت.
أما إذا كانت معلومة القدر والسن والصفات فلا نزاع في جواز الصلح عليها،

وقد صرح به في "الوسيط" في كتاب الصلح.
قال: وإن أعوزت الإبل وجبت قيمتها بالغة ما بلغت في أصح القولين؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَانَ يُقَوِّمُ الإِبِلَ عَلَى أَهْلِ القُرَى؛ فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا".
وروي عنه – أيضاً – قال: "كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِمَائَةَ دِينَارٍ، حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فَغَلَتِ الإِبِلُ، فَصَعَدَ الْمِنْبَرَ خَطِيباً؛ فَقَالَ: "أَلاَ إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ"؛ فَقَضَى عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ بِاثْنَى عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ".
وفيه دليلان: أحدهما: أنه أخبر أن عمر – رضي الله عنه – زاد في قيمتها لما غلت؛ فدل على أنه ينتقل إلى قيمتها إذا أعوزت، وأن الذهب والفضة بدلان من الإبل، وليسا بأصلين.
والثاني: أن قوله: "كانت قيمة الدية كذا"، يدل على أن الواجب هي الإبل أصلاً؛ ولأن الإبل بدل متلف لا يجوز العدول عنه إلى غيره مع وجوده؛ فوجب الرجوع إلى قيمته عند إعوازه، أصله: إذا أتلف ما لَه مِثْلٌ، وهذا ما اختاره المزني، وهو الجديد.
فعلى هذا: تقوم بغالب نقد البلد، وتراعى صفتها في التغليظ إن كانت مغلظة.
قال الإمام والقاضي [الحسين]: فإن غلب النقدان في البلد يخير الجاني، وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة لوجب تسليمها، فلو وجبت في بلد، والإبل موجودة في بلد – يجب النقل من مثلها، كما سنذكره؛ فهل الاعتبار بقيمة مواضع الوجود، أو بلد الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها؟ فيه وجهان في "التهذيب"، والأشبه: الثاني.

والاعتبار في الوقت بيوم وجوب الدفع إن كانت مفقودة إذ ذاك، وإن وجب وهي موجودة، فلم يتفق الأداء حتى أعوزت – تجب قيمة يوم الإعواز؛ لأن الحق يومئذ تحول إلى القيمة، كذا قاله الروياني.
وقد وقع في لفظ الشافعي – رضي الله عنه – أنه يعتبر قيمة يوم الوجوب.
والمراد- كما صرح به الأصحاب في باب العاقلة- يوم وجوب التسليم؛ كما ذكرناه.
قال: وفيه قول آخر- أي: قديم – أنه يجب ألف دينار – أي: أصلاً – على أهل الذهب، أو اثنا عشر ألف درهم – أي: أصلاً – على أهل الورق؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والجمهور.
ووجهه: ما روى [الزهري] عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم [عن أبيه عن جده عمرو بن حزم] أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: "أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَ [عَلَي] أَهْلِ الوَرِقِ اثْنَا عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ".
ولأن ما استحق في الدية كان أصلاً مقدراً؛ كالإبل، وهذا ما ادعى الجيلي أن الروياني وجماعة من أصحابنا اختاروه، خصوصاً في موضع لا تعرف الإبل وقيمتها.
وقد حكى القاضي ابن كج وجهاً عن رواية [أبي] الحسين أنه قدر الدراهم.
قال: ويزاد للتغليظ قدر الثلث، أي: على القديم؛ لما روي عن عمر – رضي الله عنه- أنه قال: "مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَم، أَوْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ، أَوْ قَتَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ- فَعَلَيهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ".

وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه "قَضَى فِي امْرَأَةٍ وُطِئَتْ [فِي الطَّوَافِ] بِالأَقْدَامِ بِثَمَانِيَةِ آَلاَفِ دِرْهَمٍ"، وهي دية وثلث.
وعلى هذا: لو تعدد سبب التغليظ؛ بأن قتل مُحْرِماً في الحرم، فهل يتعدد؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم لا يلزمه إلا جزاء واحد.
والثاني: نعم؛ فيزاد لكل سبب ثلث الدية؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ رَجُلاً فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي البَلَدِ الْحَرَامِ؛ فَقَالَ: دِيَّتُهُ اثْنَا عَشْرَ أَلْفِ [دِرْهَمٍ]، ولِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلِلبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آَلاَفٍ".
وعلى هذا لو انضم إلى ذلك كون القتل شبه عمد، وجب أربعة وعشرون ألفاً، أو ألفا دينار.
وإن انضاف إلى ذلك وقعه في [ذي الرحم]؛ فثمانية وعشرون ألفاً، أو ألفا دينار، وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث.
وقيل: لا يزاد للتغليظ على القديم شيء؛ لأن التغليظ في الإبل إنما ورد بالسن والصفة.
لا بزيادة العدد، وهذا ما صححه الرافعي، وقال: إنه أخذ مما احتج به على فساد القول القديم.
وقيل: إن المصير إليه يُسْقِطُ أثر التغليظ.
ولو وجد بعض الإبل، وعدم بعضها - أخذ الموجود، والكلام في المفقود كما تقدم؛ هكذا أطلقه ابن الصباغ، وصرح المتولي بذلك؛ تفريعاً على الجديد.
[أما إذا قلنا بالقديم]، قال: لا يجبر الولي على قبول ذلك من جنسين؛ حتى لا يختلف عليه حقه.
فرع: إذا قلنا بالجديد، فلو قال المستحق عند إعواز الإبل: لا أطالب الآن بشيء، وأصبر إلى أن توجد قال الإمام: فالأظهر أن الأمر إليه؛ لأن الأصل هو الإبل.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل