كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: حال الضرب، لا حال الإسقاط؛ لأنه لابد من اعتبار إحدى الحالين؛ فكان الاعتبار بحالة الجناية أولى؛ لأن الجناية سبب الإسقاط، وهذا هو المنصوص، وبه قال ابن سريج، وأبو إسحاق، وهو الأصح.
وقال المزني: الاعتبار بحالة الإسقاط.
وقد وافقه عليه الإصطخري؛ لأن الجناية إذا صارت نفساً، كان الاعتبار ببدلها وقت استقرارها؛ كالجناية على العبد إذا عتق، وعلى الكافر إذا أسلم.
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن سراية الجناية إذا لم تعتبر بحال حادثة، كانت معتبرة بوقت الجناية، دون استقرارها [بالسراية؛ كالعبد إذا جنى عليه، ثم سرت إلى نفسه مع تقارفه؛ فإنه يعتبر قيمته وقت الجناية، دون استقرارها].
وحكى القاضي الحسين وراء الوجهين وجهاً آخر قال: إنه سمعه من شيخه – يعني القفال -: أن الاعتبار قيمة أكثر الأمرين من يوم الجناية إلى يوم الإلقاء، وأنه قال: إن النص محمول على أنه أراد به أن الغالب أن قيمتها يوم الجناية أكثر من قيمتها يوم الإلقاء؛ فلهذا نص على حالة الجناية.
وحكم جنين أم الولد، والمكاتبة، والمدبرة، والمعتقة بصفة إذا كان مثلها لا حرًّا حكم جنين الأمة فيجب فيه عشر قيمة أمة، وهذا إذا كانت الأم سليمة الأعضاء، والجنين سليمها، سواء كان ذكراً أو أنثى.
ولو كان الجنين سليم الأطراف، كامل الخلقة، والأم زمنة، ناقصة الخلقة – ففي طريق المراوزة حكاية وجهين، أصحهما –عند القاضي الحسين وغيره -: أنا نقدر الأم سالمة الأطراف، ونقومها، ونوجب عشر قيمتها، وقد قاسه الرافعي على ما إذا كانت الأم كافرة، والجنين مسلماً؛ فإنا نقدر فيها الإسلام، وتقوم مسلمة.
ولو انعكس الحال؛ فكانت الأم سالمة الأطراف، والجنين ناقصها؛ فوجهان أيضاً:
أحدهما: أنا نقدر [أن] الأم ناقصة الأطراف، ونوجب عشر قيمتها.
والثاني: أنا نوجب عشر قيمة الأم، ولا ننظر إلى المخالفة.
وهذا ما أبداه القاضي احتمالاً، ولم يذكر سواه، وهو الأصح في "الرافعي".
والفرق: أن نقصان الجنين قد يكون من أثر الجناية، واللائق: الاحتياط والتغليظ على الجاني.
أما إذا كان جنين الأمة حرًّا؛ بأن وطئها حر؛ ظانًّا أنها زوجته الحرة أو أمته- ففي "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" وغيرهما من كتب العراقيين: أن الواجب فيه غرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين إبداء ذلك احتمالاً.
ولو كان جنين [الحرة] رقيقاً؛ بأن كان الحمل لشخص، وأمه لآخر بالوصية، فأعتق الأم مالكها – قدرنا الأم رقيقة، وأوجبنا [في الجنين] عشر قيمتها.
قال: وإن ضرب بطن أمة، [ثم أعتقت]، ثم ألقت جنيناً [ميتاً – وجب] فيه دية جنين حر، أي: وهي غرة؛ لأن الضمان عند تغير الحال معتبر بحالة الاستقرار، [كما إذا قطع يد عبدٍ، فأعتق، ثم مات؛ فإن الواجب فيه ديةُ حُرٍّ نظراً لحالة الاستقرار]، والجنين في حالة استقرار الجناية حر.
ثم ما الذي يستحقه السيد من ذلك؟ فيه وجهان، أو قولان:
مشهورهما – وبه جزم الماوردي، وهو المعزي إلى ابن أبي هريرة في تعليق أبي الطيب -: أقل الأمرين من عشر قيمة الأم قبل العتق، والغرة.
والثاني- حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق، وقال الرافعي: إن به قال القاضي أبو الطيب، ويحكي عن القفال-: أنه لا يستحق بحكم الملك شيئاً؛ لأن الإجهاض حصل في حالة الحرية، وما يجب إنما يجب بالإجهاض؛ فأِبه ما إذا حفر بئراً؛ فتردى فيها حرٌّ كان رقيقاً حال الحفر.
وقد قيل: إن مأخذ الوجهين: أن الموجب للضمان الضرب أو الإجهاض؟ وفيه طريقان للأصحاب:
أحدهما: أنه الضرب، وإليه مال ابن الحداد والشيخ أبو علي في جماعة؛ لأنه يؤثر في الجنين؛ ألا ترى أثره عليه [عند] الانفصال، والإجهاض هو نهاية الجناية؛ فكان الضرب كقطع اليد، والإجهاض كالسراية.
والثاني: أنه الإجهاض، وإليه ميل النص، وكلام أكثر الناقلين؛ كما حكاه الرافعي؛ لأن الرحم محل نشوء الطفل وتربيته وسبب الهلاك مفارقته دون الضرب، لكن الضرب لما فيه من الآلام يفضي إلى المفارقة؛ فيكون الاعتبار بوقت المفارقة؛ فالوجه الأول مبني على الأول، و [الوجه] الثاني [مبني] على الثاني.
وقد بنى الأصحاب على الطريقين فروعاً:
منها: إذا كان الضارب هو السيد، ثم حصل العتق، ثم الإجهاض – فعلى الأول: لا شيء عليه، وعلى الثاني: عليه غرة لورثته.
ومنها: إذا كان الجنين مشتركاً بين اثنين بالسوية، فأعتق أحدهما نصيبه [بعتق نصيبه] من أمه، وهو معسر بعد أن جنى عليها، ثم أجهضت الجنين كان عليه نصف عشر قيمة الأم لشريكه، وهل يجب عليه نصف غرة للنصف الحر؟
قال ابن الحداد: لا؛ بناء على المأخذ الأول؛ لأن الضرب وجد، وهو في ملكه.
وقال آخرون: نعم، وحكوه عن النص في "الأم"، ومنهم ابن الصباغ، وهو بناء على أن الموجب هو الإجهاض، وقد حكيناه في باب الديات عن نصه في "عيون المسائل" أيضاً.
فعلى هذا: لمن يكون؟ ينبني على الخلاف في أن من بعضه حر وبعضه رقيق هل يورث؟
إن قلنا: لا، كان للشريك الذي لم يعتق؛ على رأي، وبه جزم في "الحاوي"، ولبيت المال على رأي الإصطخري.
وإن قلنا: نعم، ورثه عصبته دون أمه ومعتقه، فإن لم يكن له عصبة فبيت المال.
ولو كان المعتق موسراً؛ فإن قلنا: السراية تحصل بنفس الإعتاق، أو بأداء القيمة، فأدَّاها قبل الإجهاض – فإن قلنا: الموجب الإجهاض، فعلى الجاني الغرة، ومصرفها ما ذكرناه.
وإن قلنا: تحصل بأداء القيمة، ولم يؤدها حتى أجهضت؛ فالحكم كما ذكرناه فيما إذا كان معسراً.
وإن قلنا: إن العتق موقوف؛ فإن أدى القيمة تبين حصول العتق من وقت
اللفظ، ويكون الحكم على ما إذا فرعنا على أن السراية تحصل بنفس اللفظ.
وإن لم يؤد القيمة فكما ذكرنا فيما إذا كان المعتق معسراً.
ولو ضرب الشريكان الجارية المشتركة، ثم اعتقاها معاً، ثم أسقطت جنينً ميتاً، ضمن كل واحد ربع الغرة عند ابن الحداد.
وعلى ما حكى عن النص والأكثرين: يجب على كل واحد نصف الغرة، وترث الأم منه الثلث؛ كذا قاله ابن الصباغ.
ومنها: إذا جنى على حربية؛ فأسلمت، ثم أجهضت؛ فعلى الأول: لا شيء على الضارب.
وقال الماوردي: إنه الذي يجيء على مذهب الشافعي، رحمه الله.
وإن قلنا: الموجب الإجهاض؛ وجبت غرة.
قال الماوردي: وهو قياس مذهب المزني؛ لأنه يعتبر جنينها بوقت الولادة.
ثم قال: فإن قيل: كيف يضمن الجناية عند سرايتها في الجنين إذا كانت هدراً في الابتداء؟
قيل: لأن الجناية على الجنين لا تكون إلا بالسراية إليه دون المباشرة؛ فصارت السراية كالمباشرة في غيره.
وبقية المسائل المتفرعة على الطريقين نذكر ما تيسر منها في باب العاقلة، إن شاء الله تعالى.
فرع: إذا اشترك مسلم وذمي في وطء ذمية، فعلقت بولد، فضربها ضارب؛ فأجهضت جنيناً -: فإن ألحقه القائف بالمسلم وجب ضمان جنين مسلم، وإن ألحقه بالذمي فعليه ضمان جنين ذمي، وإن لم يوجد قائف، أو وجد، وأشكل – قال القاضي الحسين: الذي سمعته من شيخي: أنه يؤخذ من الجاني نصف الغرة، ونصف ثلث الغرة؛ فيكون ثلثي الغرة، ويكون موقوفاً بين المسلم والذمي والذمية إلى أن يتبين الأمر ويصطلحوا عليه.
وغيره أطلق أن الواجب على الجاني ضمان جنين ذميّ.
وقد نجز شرح مسائل الباب، وإذا تأملت ما فيه، وما ألحقناه به – عرفت أن
الشخص الواحد قد يجب فيه إذا كان رجلاً سبعٌ وعشرون دية، وإذا كان امرأة ستٌّ وعشرون دية؛ فنسردها لك؛ ليسهل عليك تناولها، ثم نذكر بعدها فرعاً نختم به؛ لتعلقه بالباب.
في الأذنين إذا قطعهما، أو أبطل حسهما – الدية.
وفي السمع الدية.
في العقل الدية.
في العينين أو البصر الدية.
في الأجفان الدية.
في المارن الدية.
في الشم الدية.
في الشفتين الدية.
في الكلام الدية، واللسان تابع له.
في إبطال الصوت الدية.
في الذوق الدية.
في اللحيين الدية.
في الأسنان الدية فأكثر.
في إبطال المضغ الدية.
في إبطال الازدراد الدية.
في إبطال شهوة الطعام الدية.
في اليدين الدية.
في الرجلين الدية.
في الأليتين الدية.
في إبطال المشي الدية.
في إبطال الجماع الدية.
في بطلان الإنزال الدية.
في اللحم الناتئ على الظهر الدية.
في [جميع الجلد] الدية.
في حلمتي المرأة الدية، والثدي تابع [لهام].
في حلمتي الرجل الدية على قول.
في الحشفة الدية، وبقية الذكر تابع.
في الأنثيين الدية.
في إسكتي المرأة الدية.
في إبطال قوة [الإحبال من] المرأة الدية.
في الإفضاء الدية.
وهذه الديات ترجع عند السراية إلى دية واحدة.
ولو حز الجاني رقبته قبل الاندمال، فكذلك الحكم على المذهب.
وخرج ابن سريج قولاً قال به الإصطخري أيضاً: أنه يفرد حكم كل جناية، واختاره الإمام؛ كما لو حز بعد الاندمال، وكما لو كان الجاني غيره، وهذا إذا اتفقت الجناية على الأطراف، والجناية على النفس في العمد والخطأ، أما إذا كانت أحداهما عمداً، والأخرى خطأ، وقلنا بالتداخل عند اتحاد الصفة – فهاهنا وجهان أو قولان ادعى مجلي أنهما منصوصان:
أحدهما: أن الحكم كذلك.
وأشبههما: المنع؛ لأن التداخل يليق بحالة الاتفاق دون الاختلاف، ولأن المستحق عليه مختلف عند اختلاف الصفة.
ولنضرب لذلك مثالاً:
فإذا قطع يديه خطأ، ثم حزَّ رقبته قبل الاندمال عمداً – فللولي القصاص في النفس، وليس له قطع يده؛ [فإن قتله]، وقلنا بالتداخل – فوجهان؛ فلا شيء له من الدية، وإن قلنا بعدم التداخل، فيأخذ نصف الدية من العاقلة.
وإن عفا عن القصاص؛ فإن قلنا بالتداخل فوجهان:
أحدهما: تجب دية، نصفها مخفف على العاقلة، ونصفها مغلظ على الجاني، وهذا ما ينسب إلى النص.
وأظهرهما – وهو الذي أورده في "التهذيب"-: أنه تجب دية مغلظة على الجاني؛ لأنا إذا قلنا بالتداخل فمعناه إسقاط بدل الطرف، والاقتصار على بدل النفس؛ لتصير الجناية نفساً، وإذا قلنا بعدم التداخل فيجب نصف دية مخففة على العاقلة لليد، ودية مغلظة على الجاني للنفس.
ولو قطع يده عمداً، ثم حزَّ رقبته خطأ – فللولي قطع يده؛ فإذا فعل وقلنا بالتداخل، أخذ نصف الدية مخففاً من العاقلة، وإذا عفا، فعلى وجه: يجب نصف دية مخففة، [ونصف دية مغلظة لليد، وعلى وجهٍ: تجب دية مخففة] للنفس.
وإن قلنا بعدم التداخل، فيأخذ كمال الدية ومخففة عند استيفاء القطع، وعند العفو [يجب نصف دية في مال الجاني مغلظاً]، [ودية على العاقلة مخففاً].
والفرع: إذا اختلف الجاني وولي المقتول، فادعى الجاني أنه مات بالسراية، وقال ولي المقتول: بل مات بعد الاندمال – نظر:
إن لم يمكن الاندمال في تلك المدة؛ لقصر الزمان، كيوم ويومين – فالقول قول الجاني بلا يمين.
وعن "تعليق" الشيخ أبي حامد أنه يحلف؛ لجواز أن يكون الموت بسبب حادث؛ كلسع حية، وشرب سم مذفف، ولم يستحسن ما ذكره؛ لأن تنازعهما في الاندمال، والسبب الآخر لم يجر له ذكر حتى يُنْفَى.
فإن أمكن الاندمال في تلك المدة، فقد قال ابن الصباغ والروياني: إن مضت مدة طويلة لا يمكن أن تبقى الجراحة فيها غير مندملة فالقول قول الجاني بلا يمين، وإن أمكن الاندمال وعدمه في تلك المدة فالقول قوله مع اليمين.
قال الرافعي: ويشبه أن يقال: ليس لمدة الاندمال ضبط، وقد تبقى الجراحة سنين كثيرة، والشخص ضمنا بسببها إلى أن يموت منها؛ فينبغي ألا يكون التصديق عند إمكان الاندمال إلا باليمين.
وهذا ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
وقال الإمام: إن أمكن الاندمال، لكنه كان بعيداً، وكان الظاهر خلافه – فالقول قول الجاني؛ بناء على ظاهر الحال، وادعى وفاق الأصحاب عليه، وهذا
معنى قول الغزالي: فيصدق من يصدقه الحال الظاهر.
قال الرافعي: والذي يوجد للأكثرين في الصورة التي حكاها الإمام: أن المصدق الولي، وربما قطعوا به.
وعن أبي الطيب بن سلمة تخريج قول من مسألة الملفوف: أنه يصدق الجاني؛ لأن ما يقوله محتمل، والأصل براءة الذمة.
قلت: ولما جزم به الإمام أصل في المذهب يعضده، وهوأن المدعي من هو؟ هل هو الذي يُخَلَّى وسكوته، أو من يدعي خلاف الظاهر؟ وفيه خلاف بين الأصحاب حكاه الغزالي في آخر الرهن، وفي آخر نكاح المشركات، وفي أوائل الدعاوى والبينات.
فإن قلنا: إن المدعي من يدعي خلاف الظاهر، فهو في مسألتنا الوليُّ.
وإن قلنا: هو من يُخَلَّى وسكوته، فهو أيضاً الولي.
فظهر أنه مدع على كل حال، وإذا كان مدعياً، كان الجاني مدعي عليه؛ فيكون القول قوله جزماً، وألا انخرم الأصل المذكور.
نعم، يظهر من هذا الأصل اختلاف فيما إذا انعكس الحال؛ فكان الظاهر يصدق الولي، ويكذب الجاني-:
فإن قلنا: إنه الذي يخلي وسكوته، [فالولي يخلي وسكوته]؛ فيكون الجاني مدعى عليه؛ فيكون القول قوله.
وقد جزم الغزالي بقبول قول الولي، وهو من طريق الأولى عند الرافعي، [والله أعلم].
ولو قال الجاني: مات بالسراية، أو: قتلته قبل الاندمال، وفرعنا على التداخل، وادعى الولي أنه مات بسبب آخر، بأن قال: إنه قتل نسه، أو شرب سمًّا موحياً، أو: قتله آخر – فوجهان:
أحدهما: المصدق الجاني؛ لأن ما يقوله محتمل، والأصل براءة الذمة، ويحكي هذا عن أبي إسحاق.
وأظهرهما- وبه قال أبو عليّ الطبريّ -: أنه يصدق الولي؛ لأن الأصل بقاء الديات الواجبة بالجنايات، والأصل عدم السبب الآخر.
وعلى هذا ينطبق قول الغزالي: وإن لم يكن مع أحدهما ظاهر، فهو خارج على تقابل الأصلين.
وقد ادعى الرافعي أن الخلاف الذي ذكره عن أبي الطيب بن سلمة وغيره في الصورة السابقة، ينطبق عليه قول الغزالي: "فهو خارج على تقابل الأصلين"، ولم يظهر ذلك، والله أعلم.
باب العاقلة وما تحمله
العقل: الدية؛ لأن مؤديها يعقلها بفناءِ أولياء المقتول، يقال: عقلت فلاناً، إذا أعطيت ديته، وعقلت عن فلان: إذا غرمت عنه دية جناية، ويقال لدافع الدية: عاقل؛ لدفعه الإبل بالعُقُل؛ وهي الحبال التي تثنى بها أيدي الإبل إلى ركبها؛ فتشد بها.
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يمنع القاتل، والعقل: المنع؛ ولهذا سمي العقل عقلاً؛ لأنه يمنع صاحبه من القبيح.
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه يقودإبل الدية، فيعقلها على باب أولياء المقتول.
وجمع العاقل: عاقلة، ثم عواقل: جمع الجمع، والمعاقل: الديات.
قال: إذا جنى الحر على نفس حر، أي: غير نسه، خطأ، أو عمد خطأ - وجبت الدية على عاقلته.
وجهه في عمد الخطأ: ما روى أبو داود، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "اقتتلت امرأتان من هذيل؛ فرمت أحداهما الأخرى بحجر؛ فقتلتها؛ فاختصموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدية جنينها: غرة: عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم؛ فقال حمل بن النابغة [الهذلي]: يا رسول الله، كيف أغرم [دية] من لا أكَل، ولا شرب ولا نطق ولا استهل؛ فمثل ذلك بَطل؛ فقال رسول الله: "إِنَّمَا [هَذضا مِنْ] إِخْوَانِ الْكُهَّانِ" من أجل سجعه الذي سجع.
وأخرجه البخاري ومسلم.
والوليدة: كناية عما ولد من الإماء في ملك المالك، وقيل: الجارية الصغيرة، والولائد: الوصائف.
وبطل: بالباء الوحدة المفتوحة، ويروى: "يطل" بضم الياء آخر الحروف، ورجحه الخطابي؛ فعلى هذا يكون من بطل دمه: إذا اهدر، ولم يطلب به.
وأكثر الروايات على الأول، وحينئذ يكون من "البطلان"؛ بطل الشيء: [ذهب].
ووجهه في الخطأ: ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضيا لله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْقَوَدُ بِالسَّيْفِ، وَالْخَطَأُ عَلَى الْعَاقِلَةِ".
ولأنها إذا تحملت بدل شبه العمد مع قصد الجناية، ففي بدل الخطأ ولا قصد لها أولى.
وقد ادعى الإمام إجماع المسلمين على أن دية شبه العمد والخطأ مضروبةٌ على العاقلة، وهذا إذا صدقوا على الجناية، أو قامت عليها بينة، أما إذا عدم ذلك فسنذكره في آخر الباب.
وقد ادعى الإمام إجماع المسلمين على أن دية شبه العمد والخطأ مضروبةٌ على العاقلة، وهذا إذا صدقوا على الجناية، أو قامت عليها بينة، أما إذا عدم ذلك فسنذكره في آخر الباب.
قال العلماء: وتغريم غير الجاني خارجٌ عن الأقيسة الظاهرة، إلا أن القبائل في الجاهلية كانوا يقومون بنصرة من جنى منهم، ويمنعون أولياء القتيل من أن يدركوا بثأرهم، ويأخذوا من الجاني حقهم، فجعل الشرع بدل تلك النصرة بذلَ المال، وربما شبه إعانة الأقارب بتحمل الدية عنه، بإعانة الأجانب الذين غرموا؛ لإصلاح ذات البين، ويصرف [سهم من] الزكاة إليهم.
وخصص الضرب على العاقلة بالخطأ، وشبه العمد؛ لأن ذلك مما يكثر، سيما في حق الذين يتعاطون الأسلحة، ولا يتأتى الاحتراز عنه؛ فحسن إعانة القاتل؛ كي لا يفتقر بالسبب الذي هو معذور فيه.
وفي الرافعي حكاية وجه: أن دية شبه العمد لا تحملها العاقلة، وعزاه إلى رواية أبي الفرج وابن كج، وأن بعضهم رواه قولاً مخرجاً عن ابن القاص.
وحكى عن "جمع الجوامع": أن بعضهم ذهب إلى أن دية الجنين لا تحملها
العاقلة؛ بناء على أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث من أروش الأطراف، كما سنذكره.
قال: وإن جنى على أطرافه، أي: خطأ، أو عمد خطأ – ففيه قولان:
أصحهما: أنها على عاقلته؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حمل العاقلة جميع الدية؛ وهي أثقل نبه به على تحمل ما هو اقلن وقد روينا ان النبي صلى الله عليه وسلم: "قَضَى بِغُرَّةِ الْجَنِينِ عَلضى العَاقِلَةِ"، وقدرها اقل مقدر نص عليه صاحب الشرع؛ فالحق به غيره.
ولأنه لما تحمل الجاني قليل الدية وكثيرها [في العمد]، وجب أن تتحمل العاقلة قليلها وكثيرها في الخطأ، وهذا ما نص عليه في الجديد، و [هو] أحد قولي القديم كما حكاه القاضي الحسين وابن الصباغ.
والقول الثاني: أن العاقلة لا تحملها؛ لأنها [لا] تضمن بالكفارة، ولا تجري فيها القسامة؛ فلم تتحملها العاقلة كبذل المال، وهذا ما حكاه في "المهذب" عن القديم، وكذلك ابن الصباغ، وقال الإمام: إنه قول مهجور لا تعرفه المراوزة، ولا أصل له.
وحكى القاضي الحسين عن القديم بدلاً عن القول الذي قبله: أنها لا تحمل ما دون ثلث الدية، وتحمل الثلث فما زاد، وحكاه الإمام أيضاً، وقال: إنه بعيد، غير معتدٍّ به.
وقد ذكرت مراراً أن القول القديم لا يحل عده من مذهب الشافعي – رضي الله عنه – مع رجوعه عنه.
أما إذا جنى على نفسه، أو قطع طرف نفسه – فلا دية له ولا لورثته على عاقلته، سواء كان ذلك خطأ أو عمد خطأ.
وحكى الإمام وجهاً بعيداً: أنه يجب له دية الطرف؛ إذا قطعه خطأ على العاقلة، وضعفه.
تنبيه: احترز الشيخ بقوله: " [جني] خطأ، أو عمد خطأ" عن جناية العمد؛ فإن الدية فيه واجبة على القاتل، سواء كانت مما يجري فيها القصاص: كقتل الأجنبي، وقطع طرفه، أو لا يجري: كقتل الوالد ولده، والمسلم الذميَّ، وأرش الجائفةونحوها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَحْمِلُ العاَقِلَةُ عَمْداً وَلاَ عَبْداً وَلاَ صُلْحاً وَلاَ اعْتِرَافاً".
ثم ظاهر قول الشيخ يقتضي أن وجوب الدية يلاقي العاقلة ابتداءن وقد حكى البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما من الفريقين في ذلك قولين:
أحدهما: أن الأمر كذلك؛ لظاهر الخبر.
والثاني: أنها تجب على الجاني، ثم تتحملها العاقلة؛ لأنا إذا قلنا به فقد تمسكنا بطرف من قياس الأصول، ويجعل التحمل في حكم الإعانة؛ كما يؤدي الدين عمن تحمل حمالة في إصلاح ذات البين من سهم الزكاة، وهذا ما صححه الشاشي وابن يونس.
وللقولين [شبيه في] مواضع مضت، ولهما أثر يظهر من بعدز
[ثم] قال الإمام: وما ذكرناه من ترديد القول هاهنا لسنا نسنده إلى منصوص صاحب المذهب نقلاً صريحاً، وإنما تلقيناه من تصاريف كلامه [في التفريعات ومعناه الذي يجريه في أثناء كلامه]، ونظيره كثير؛ فإن النقل يقع تارة لفظاً، وتارة من جهة المعنى والاستنباط.
قال: وإن جنى على عبد؛ ففيه قولان:
أصحهما: أن القيمة في ماله؛ لما روى ابن عباس – [رضي الله عنهما – أنه عليه السلام] قال: "لاَ تَحْمِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ عَبْداص وَلاَ صُلْحاً وَلاَ اعْتِرَافاً"؛ ولأنه يضمن بالقيمة؛ فأِبه سائر الأموال، وهذا ما يفهم من كلام الإمام، والقاضي الحسين أنه القديم.
فعلىهذا تجب على الجاني حالة، كما حكاه القاضي الحسين.
ولا يجب على العاقلة بدل الجنين الرقيق.
والقول الثاني: أنها تحمله؛ لأنه يجب بقتله القصاص والكفارة؛ فاشبه الحر، وهذا ما نص عليه الشافعي –رضي الله عنه- في "المختصر"؛ حيث قال: وتحمل العاقلة كل ما كثر وقل من قتل وجرح، من حر وعبد.
وقال في موضع آخر منه: وتحمل عنه العاقلة إذا كان خطأ.
وقال الرافعي والبغوي: إنه الجديد، والأصح.
ووافقهما على التصحيح جماعة؛ منهم: البندنيجي، وصاحب "المرشد"، والنواوي، وقال ابن الصباغ: إن المزني اختاره؛ محتجاًّ بأن الخبر لم يثبت متصلاً، وإنما هو موقوف على ابن عباس، وإن ثبت فهو مؤول على أن العاقلة لا تحمل عنه.
قال: وإن جنى عبد على عبد، أو على حر، [أي: بغير إذن السيد]، جناية توجب المال ابتداء، أو آل إليها [بالعفو عليه].
قال: وجب المال في رقبته؛ لأنه لا يمكن إلزام جنايته السيد؛ لأنه إضرار به، والجاني العبد، لا السيد.
ولا يمكن أن يقال: إنه يكون في ذمته إلى أن يعتق ويوسر؛ فإنه تفويت للضمان، أو تأخير لا إلى غاية معلومة، وفيه ضرر ظاهر، ويخالف ما إذا عامله
إنسان بإقراض وغيره؛ فإنه رضي بكون الحق في ذمته؛ فجعل التعليق بالرقبة طريقاً وسطاً في رعاية الجانبين.
وقد روي عن ابن عباس – رضي الله عنهم – أنه قال: "إِنَّ العَبْدَ لاَ يُغَرِّمُ سَيِّدَهُ فَوقَ نَفسِهِ شَيْئاً" وبعضهم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهل يتعلق [مع ذلك] بذمة العبد حتى يتبع بما يفضل عن ثمن رقبته من أرش الجناية، او بجملتها إن اتفق تلف الثمن قبل إيفائه للمجني عليه؟ حكى الإمام فيه وجهين عن الأصحاب، وأصحهما – كما حكاه [الإمام] في كتاب النكاح [والإقرار] وهاهنا: التعلق، وهو ما جزم به الماوردي.
وفي "التهذيب" حكاية الخلاف المذكور قولين، وأن القديم منهما: التعلق، والجديد الأصح: المنع؛ لأن محله الرقبة، وقد بيعت فيه.
وكأنه أخذ ذلك من كلام القاضي الحسين الذي سنذكره من بعد.
وفي "الجيلي": أن الغزالي قال في "الخلاصة": إن كان القتل عمداً، وبيع في الجناية، وفضل عنه- يتبع به إذا عتق، وإن كان خطأ لم يتبع على الأصح، وسيظهر لك ثمرة الخلاف، [ومحله – كما قال الإمام في الإقرار – إذا اعترف السيد بالجناية، أما إذا أنكر فلا وجه إلا القطع بأن الأرش يتعلق بذمة العبد.
قلت: ويعضده إطباق الأصحاب على أن الجاني خطأ إذا أقر بالجناية، وكذبته العاقلة – أنها تتعلق بذمته]، وهو قضية ما في "تعليق" أبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل"؛ حيث قالوا في كتاب الرهن [وغيره]: إن العبد إذا أقر بجناية خطأ، لا يقبل قوله على سيده؛ فإذا كذبه بقي أرش الجناية في ذمته يتبع به إذا عتق.
[وعلى هذا: بكم يطالب بعد العتق؟
قال الإمام في كتاب الإقرار: الذي قطع به: المحققون تمام الأرش.
وذكر القاضي وجهاً عن بعض الأصحاب: أنه يطالب بأقل الأمرين من الأرش، وقيمة الرقبة.
وهذا ساقط، منحرف عن قاعدة المذهب.
قلت: والذي يظهر: عدم سقوطه؛ لانا ما ألزمناه الغرم بعد العتق في هذه الصورة جزماً إلا لعدم إنكار السيد؛ كما ذكر؛ فغاية الأمر: أن يلزمه ما كان السيد مطالباً بإيفائه من الرقبة، وهو أقل الأمرين على الصحيح.
نعم، إذا قلنا عند اعتراف السيد: يلزم العبد تمام الأرش في ذمته، فلا يجيء هذا الوجه قطعاً.
وقد حكى الإمام في أوائل باب الإقرار: أن القياسيين طردوا الخلاف فيما إذا أنكر السيد الجناية أيضاً؛ فتحصلنا في تقرير محل الخلاف على طريين].
قال: ومولاه بالخيار بي أن يسلمه؛ فيباع [في الجناية]، وبين أن يفديه؛ لأنه متعلق الحق؛ فخير بين تسليمه للبيع وبين إبقائه، وإيفاء [ما عليه]؛ كما لو رهن ماله بدين غيره.
[قال القاضي الحسين في باب موضع اليمين: ويلزم السيد إحضاره إذا كان يقدر عليه، ومؤنة الإحضار عليه؛ كما لو باع عيناً غائبة، يلزمه إحضارها، ومؤنة الإحضار عليه]، ولا يصير العبد ملكاً للمجني عليه؛ لأنه ليس من جنس حقه.
وقد يورد على هذا ما ذكرناه من ملك السيد جزءاً من دية عبده الذي قطعت يده في حال رقه، ثم أعتقه فسرت إلى نفسه؛ فإن ذلك الجزء ليس من جنس حقه.
والبائع عند امتناع السيد من الفداء من يأذن له السيد؛ فإن امتنع فهو الحاكم، ولا يبيع منه إلا بقدر الأرش إلا ألا يوجد من يشتري [إلا] الجميع؛ فيبيع الكل.
قال: فإن أرادالفداء، فداه - في أحد القولين – بأقل الأمرين من قيمته
أو أرش الجناية؛ لأنه إن كانت قيمته أقل فليس على السيد إلا تسليم رقبته؛ فإذا لم يسلم لم تتوجه المطالبة إلا بالقيمة.
وإن كان الأرش أقل فليس للمجني عليه إلا ذاك، وهذا ما نسبه الفوراني، والبغوي، والرافعي إلى الجديد.
وبأرش الجناية بالغاً ما بلغ في [القول] الآخر؛ لأنه لو سلم، وعرض على البيع ربما اشترى بأكثر من قيمته؛ فإذا منع البيع، ولا منتهى يقف عنده توقٌّع ما يشتري به – لزمه الأرش بالغاً ما بلغ، وهذا ما نسبه المذكورون إلى القديم.
وفي تعليق القاضي الحسين إطلاق القولين كما ذكرنا عن القديم والجديد، ثم قال: وهما ينبنيان على جوابين مستنبطين، لولا ذانك الجوابان ما عرف القولان، وهذا أصل غير منصوص عليه، [مستنبط من فرع منصوص عليه]؛ إذ لا يتخرج هذا الفرع إلا على ذلك الأصل، والجوابان: أن أرش الجناية هل يتعلق بذمة العبد مع رقبته أم لا؟
وجه البناء – كما قال الإمام -: أنا إن منعنا تعلق الأرش بالذمة، فالفداء يتعلق بالرقبة.
وإن قلنا: الأرش يتعلق بذمة العبد، فقد صارت الرقبة كالمرتهنة بجميعه، فإذا أراد السيد فك الرقبة فلابد من أداء جميع الدين حتى تنفك الوثقة، وكذلك حكاه الفوراني.
ثم قال الإمام: وفي هذا البناء خلل من جهة أن الأصح: أن الأرش يتعلق بذمة العبد، وأنه يطالب به إذا عتق، والأصح: أن السيد يفديه بأقل الأمرين، وحينئذ لا ينتظم البناء.
وهذا منه بناء على اعتقاده ومن معه: أن الأصح تعلق الأرش بذمة العبد، وألا فالبناء لا خلل فيه على اعتقاد من صحح عدم التعلق، وهم الأكثرون كما حكاه الرافعي.
ثم القيمة المعتبرة في ذلك قيمة يوم الجناية على النص، وعن القفال: اعتبار
قيمة يوم الفداء؛ لأن ما قبل ذلك لا يؤاخذ به السيد؛ ألا ترى أنه لو مات قبل اختيار الفداء، لم يلزم السيد شيء؟! وحمل النص على ما إذا سبق من السيد منع من بيعه حالة الجناية، ثم انتقصت القيمة.
ولا فرق في تخيير السيد بين الفداء وتسليمه للبيع بين أن يكون قد قال: اخترت الفداء، أو لا يقول ذلك؛ كما هو ظاهر المذهب في "النهاية"، والمجزوم به في "التهذيب".
وحكى افمام أن بعض أصحابنا ذهب إلى أنه إذا قال: اخترت الفداء، لزمه الوفاء بما قال، وأن هذا القائل لا يشترط أن يقول: التزمت، بل إذا قال: اخترت، كفى ذلك، وكذا إذا قال: أنا أفديه، فصيغة الوعد الجازمة كافية.
ولو كان الجاني جارية، فوطئها المولى – فهل يكون الوطء اختياراً للفداء على هذا؟ فيه وجهان، أصحهما في "الرافعي": المنع؛ لأن الوطء لا داللة له على الاختيار، بخلاف اللفظ.
ثم قال الإمام: وكل ذلك خَبْط لا أرى الاعتداد به، ومحله إذا لم يمت العبد، أما إذا مات، قال الرافعي: فلا رجوع له بحال.
أما إذا كنات جناية العبد قد صدرت بإذن السيد، قد قال الإمام في كتاب الإقرار: إن الأرش يتعلق برقبة العبد لا محالة، والأصح: أنه لا يتعلق بكسبه.
والفرق بينه وبين ديو المعاملة: أنه ثَمَّ مأذون له [في] تأدية ما ييق به، ويتعين لهذه الجهة كسبه، والمأذون له في الجناية ليس مأذوناً في قيمة ما يجني عليه؛ [فلا] يتعلق بكسبه.
وأبعد بعض أصحابنا، وقال: إن الأرش يتعلق بالرقبة والكسب جميعاً لمكان الإذن، وهذا غلط، لا أصل له.
ولعل هذا من الإمام مفروض فيما كان للعبد تمييز أما إذا [لم يكن له] تمييز فقد ذكرت ما فيه في باب ما يجب به القصاص من الجنايات، وكتاب [الرهن].
وقد آن ذكر ما تقدم الوعد به من ذكر فائدة القول بأن أرش الجناية يتعلق بذمة العبد مع رقبته.
فمنها: هل يملك المجني عليه فك الرقبة عن التعلق، ور الحق إلى الذمة خاصة؛ كما يملك فك الرهن؟ فيه وجهان حكاهما الإمام في باب العفو عن القصاص.
ومنها: لو ضمن ضامن الأرش في ذمته هل يصح؟ قال الإمام: فيه تردد عندي، مأخوذ من كلام الأئمة:
وجه المنع: أنا وإن أطلقنا ثبوته في الذمة؛ فهو على تقدي رالتوقع، ولا استقرار له في الحال.
ووجه الصحة – وهو الأظهر-: القياس على ضمان ما في ذمة [الميت المعسر]، بل أولى؛ لأن العبد يرجى له العتق وايسار، بخلاف الميت، وضمان ما يلزمه من ديون المعاملات أولى بالصحة.
ولا خلاف أنه يصح ضمان ما يتعلق بكسبه كالمهر في النكاح الصحيح.
ولو ضمن السيد أرش الجناية فهو مرتب – عند الإمام – على ما إذا ضمنه أجنبي، وأولى بالصحة؛ لتعلقه بملكه.
فروع:
إذا قتل السيد العبد الجاني، أو أعتقه، أو استولد الجارية الجانية، ونفذنا ذلك – فالمذهب: أنه لا يلزمه إلا أقل الأمرين؛ لأنه متلف، والمتلف لا يلزمه أكثر من قيمة ما أتلف.
ومن أصحابنا من أجرى القولين.
وفي "الشامل" في كتاب الظهار: أن مجريهما في مسألة [العتق] أبو إسحاق، وان القاضي أبا الطيب صحح ذلك.
ولو مات العبد، أو هرب [قبل] أن يطالب اسيد بتسليمه – فلا شيء على السيد.
وكذا لو طولب به، فلم يمنعه.
وإن طولب به؛ فمنعه، قال الرافعي، والبغوي: صار مختاراً للفداء.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه يضمنه.
والعبارتان متقاربتان.
ولو جنى العبد جنايات قبل الفداء، فعلى الأصح: يفديه السيد بأقل الأمرين من قيمته، أو أروش جناياته، وعلى الثاني: بأورش جناياته.
وكذا الحكم فيما لو جنى بعد أن سلمه للبيع.
ولو قتل أجنبي العبد الجاني قتلاً يستوجب القصاص؛ فللسيد القصاص.
قال في "التهذيب": وإذا فعل كان عليه الفداء للمجني عليه.
قال الرافعي: ويجوز أن ينظر في وجوب الفداء عليه، إلى أن موجب العمد القصاص أو أحد الأمرين.
يعني: فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً، فينبغي ألا يلزمه الفداء.
ولو كانت الجناية على العبد موجبة للمال، تعلق حق المجني عليه بالمأخوذ، وللسيد بعد ذلك اختيار الفداء، وفيماي فديه به الطريقان؛ كما قاله الرافعي.
[و] لو جنى العبد على شخص، ثم قطع جان يد العبد، ثم جنى العبد على آخر، ومات العبد من القطع، ومات اللذان جنى عليهما العبد من جنايته – فالواجب على الذي قطع يد العبد ومات منها كمال قيمته، وحصة اليد منها يختص بها المجني عليه أولاً، ويتضاربان في الباقي هما أو ورثتهما: هذا بما بقي من حقه، [والآخر بتمام حقه].
وحكى الشيخ أبو علي: أن من الأصحاب من يغلط؛ فيعتبر [أرش اليد] – في هذ الحالة- نصف القيمة، وهو فاسد؛ لأنه لو قطع الجاني يديه، يلزمه أن يقول: يستبد المجني عليه الأول أو ورثته بجميع الدية، وذلك ممتنع.
ولو اشترى المجني عليه أووليه العبد الجاني، فإن كان بغير أرش الجناية، نظر: فإن كان في حقه القصاص لم يسقط، وكان له استيفاؤه، فإذا استوفاه نظر: فإن كان المستحق قطع الطرف فالبيع باق بحاله، ولا خيار له في
نقضه بهذا القصاص؛ لعلمه باستحقاقه، وإن كان المستحق نفسه فقد اختلف أصحابنا في الاقتصاص منه هل يجري مجرى استهلاكه، أو يجري موته بالمرض؟ على وجهين مضيا في البيع.
فعلى الأول: يرجع ولي المجني عليه على البائع بثمنه.
وعلى الثاني: لا يرجع بثمنه؛ لتلفه في يده، ولا بأرش عيبه؛ لعلمه بجنايته.
ولو اشتراه المجني عليه أو وليه بأرش الجناية؛ فإن كان المستحق القصاص، فقد سقط، ورجع الحق إلى المال؛ فينظر:
فإن كان إبلا، وجهلا - أو أحدهما-جنسها وسنها، فالبيع باطل.
وكذا لو كان ورقاً أو ذهبا، وجهله أحدهما.
وإن عرفا سن الإبل وجنسها، [وجهلا وصها] ونوعها - قال الماوردي: ففي جواز جعلها صداقاً قولان
والبيع كالصداق عند ابن أبي هريرة، وإليه صا رأبو عليّ؛ كما ذكره الغزالي في الصلح.
وعند أبي إسحاق المروزي: يبطل قولاً واحداً.
والفرق: اتساع حكم الصداق؛ لثبوته بعقد وغير عقد، وضيق حكم البيع الذي لا يستحق الثمن فيه إلا بعقد.
والإمام بنى ذلك على جواز الاعتياض عن إبل الدية فقال: إن قلنا لا يصح ففي البيع وجهان:
أحدهما: لا؛ كما لايجوز الاعتياض.
والثاني: يجوز؛ فإن هذه المعاملة ليست لإيفاء أرش [واستيفاء أرش] وإنما هي لتبرئة الذمة، والإبراء عن الأرش من الإبل جائز؛ فإن قلنا بصحة البيع برئ العبد من أرش الجناية؛ فلو وجد به عيباً [كان له أن يرده ويعود أرش الجناية في رقبة العبد فيباع] فيها، أو يفديه السيد، وفائدة الرد: تخليص المشتري من عهدته.
وقد ذكرت في كتاب البيع شيئاً من فروع هذه المسألة؛ فليطلب منه.
واعلم أن أرش جناية العمد إذا تعلق برقبة العبد، اقتضى بيعه عند امتناع السيد من الفداء في الحال، ولو تعلق برقبته أرش جناية الخطأ، ففي "تعليق" القاضي الحسين: أن الذي ذكره منصور الفقيه: أنه يباع منه في كل سنة بقدر ثلث الجناية، وتجب دية الخطأ مؤجلةً [في ثلاث سنين في رقبته.
وقيل: يباع العبد في الحال كما لو أتلف مال إنسان، ودية الخطأ إنما تجب مؤجلة] إذا تحملها العواقل لا غير [وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب القسامة والبندنيجي في آخر كتاب الكتابة وكذا الماوردي].
ولهذا الخلاف شبيه يعضده، وسأذكره في آخر الباب، إن شاء الله تعالى,
قال: وإن جنت أم الولد فداها المولى بأقل الأمرين؛ لما ذكرناه في بابه.
وقد ذكرنا ثَمَّ قولاً آخر عن المراوزة.
وقال الإمام: إن تعليل إلزام السيد الفداء [مما يغمض؛ لأن السيد تصرف في ملكه، وإلزامه الفداء] بسبب جناية تصدر منها بعد الاستيلاد بعيد عن قياس الأصول، ولكنه متفق عليه بين أصحابنا.
وعلى هذا: فالقيمة المعتبرة عند الشيخ أبي عليّ: قيمة يوم الاستيلاد؛ لأنه الذي صار السيد مانعاً به، وذلك المعنى لا يتجدد.
قال الإمام: وهذا غير متجه، والذي كان يصير إليه شيخي: أن الاعتبار بقيمة يوم الجناية، وهذا أقيس وأفقه.
قال: وإن جنى مكاتب، [فإن] كان على أجنبي فدى نفسه بأقل الأمرين، وإن كانعلى مولاه فدى بأقل الأمرين في أحد القولين، وبالأرش في الآخر.
فإن لم يفد بيع في الجناية، وانفسخت الكتابة؛ لما ذكرناه في بابه؛ فليطلب منه.
ومن نصفه حر ونصفه رقيق إذا قتل خطأ، يجب نصف الدية على عاقلته؛ كذا حكاه الرافعي عن "فتاوى" صاحب "التهذيب".
قال: وما يجب بخطأ الإمام فهو في بيت المال في أحد القولين؛ لأن الدية وجبت بالحكم بين المسلمين؛ فكانت من بيت مالهم، وأيضاً: فإن خطأ الإمام يكثر؛ فلوأوجبناه على عاقلته لأدى ذلك إلى الإجحاف بهم؛ فكان بيت المال احق بهن وهذا ما اختاره في "المرشد".
فعلى هذا: هل تجب الكفارة في بيت المال أو في ماله؟ فيه قولان حكاهما القاضي أبو الطيب والماوردي، وهما في "المهذب" وجهان، واختار في "المرشد" منهما: الأول.
ووجه الفرق على الثاني: أن الكفارة عبادة محضة؛ فكانت في ماله.
قال: وعلى عاقلته في [القول] الآخر؛ كما لو لم يكن إماماً، وهذا ما صححه النواوي والشيخ أبو حامد والقاضي الروياني وغيرهم، ويشهد له: أن عمر – رضي الله عنه –حين ضمن جنين المرأة التي أرهقها؛ فألقته ميتاً، قال لعلي – كرم الله وجهه -: "عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَلاَّ تَبْرَحَ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى قَوْمِكَ" يعني: من قريش؛ لأنهم عاقلة عمر، ولم ينكر ذلك أحد من زمنهم، ولا من جميع الأمة، كما قاله الماوردي.
وحكم عمد خطأ الإمام حكم خطئه على ظاهر المذهب، كما حكيناه عن الأصحاب في مسألة قتل الحامل.
وقد حكينا ثم عن القاضي الحسين وغيره: أنه يكون على عاقلته جزماً، وبه صرح الإمام؛ حيث ذكر هذه المسألة في حد الشرب بفروعها، وقال: إن الأئمة قالوا: ما ذكرناه من القولين فذاك إذا لم يظهر منه تقصير في الواقعة؛ فإن ظهر تقصيره فلا خلاف في أن ما يلزمه لا يضرب على بيت المال.
وضرب له مثالاً، وهو استيفاء الحد من الحامل مع علمه بحملها.
[قال: وما يجب من الدية بالخطأ أو عمد الخطأ، فهو مؤجل، لأن العاقلة تملها علىوجه المواساة؛ فوجب أن يكون وجوبها مؤجلاً، أصله: الزكاة؛ فإنها تؤخذ في كل سنة].
قال: فإن كان دية نفس كاملة - أي: وهي دية الرجل الحر المسلم - فهو مؤجل في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها؛ لقول الشافعي - رضي الله عنه-:ولا اختلاف بين أحد علمته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها في ثلاث سنين".
ولأنه روي عن عمر -رضي الله عنه - أنه جعل الدية على العاقلة في الأعطية أثلاثاً في ثلاث سنين.
وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه جعل الدية على العاقلة أثلاثاً.
وروى الشيخ أبو حامد عن عليٍّ - كرم الله وجهه- مثل ذلك.
ومنه دليلان:
أحدهما: أنه إجماع الصحابة.
والثاني: أنهم لا يقولون ذلك إلا توقيفاً؛ لأنه لا مدخل للقياس فيه.
وقول ابن المنذر: "إن ما ذكره الشافعي - رضي الله عنه- لا يعلم له أصلاً من كتاب ولا سنة"، وقول أحمد بن حنبل - رضي الله عنه- حين سُئل عن ذلك: "لا أعرف فيه شيئاً"- فقد أجاب أصحابنا عنه بجوابين:
أحدهما - وهو قول ابن أبي هريرة - أن مراد الشافعي بقضائه: تأجيل الدية في ثلاث سنين، وانه مروي، لكنه مرسل؛ فلذلك لم يذكر إسناده.
والثاني- وهو ماحكاه القاضي أبوالطيب أنه لا يجوز أن يرد قولالشافعي بذلك؛ لأنه عرفه، وغيره لم يعرفه.
وقد قال الغزالي في كتاب السير، عند الكلام في أراضي الكفار: إن الشافعي أعلم القوم بالأخبار والتواريخ.
قال القاضي الحسين: وقد اختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله كانت في ثلاث سنين:
فقيل: لكونها بدل نفس.
وقيل: لكونها دية كاملة، وهذا أشبه عند الرافعي.
أما الدية الاوجبة بقتل العمد فهي على القاتل حالَّة؛ [لأنه] لا يليق بحالِهِ الرِّفق.
قال: وابتداؤها من وقت القتل- أي: من حين زهوق الروح – لأنه حق مؤجل وجب بسبب؛ فاعتبر ابتاء الأجل من حين وجود السبب؛ كالأثمان في البيع [تجب بوجود البيع]، وهو أول أجل المؤجل.
ولا فرق في ذلك بين أن يحصل الزهوق بجراحة مذففة، أو بسراية من قطع عضو ونحوه، وهذا ما يوجد في "الحاوي"، و"تعليق" أبي الطيب، و"البندنيجي"، و"الشامل"، و"النهاية"، و"التهذيب".
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الموت إذا حصل بالسراية بعد قطع إصبع، ففي ابتداء الوقت ثلاثة أوجه:
أحدها: من وقت الجراحة؛ لأن سبب الوجوب هو الجرح.
والثاني: من وقت زهوق الروح.
والثالث: أن دية الإصبع ابتداؤها من وقت القطع، والباقي: من وقت الزهوق.
وفي "الوسيط" و"الوجيز": أن ابتداء الحول من وقت الرفع إلى القاضي؛ لأن هذه مدة تناط بالاجتهاد.
وهذا ما حكاه الفوراني فيما وقفت عليه من الإبانة.
وفي "البيان" و"الذخائر" نسبة ذلك إلى الخراسانيين، قال الرافعي: ولعله أخذ من كلام الغزالي.
والصحيح الأول؛ لأن هذه مدة ثابتة بالشرع؛ فلايحتاج فيها إلى قضاء القاضي: كمدة الإيلاء، والعدةن بخلاف العنة؛ لأن تلك تثبت بالشرط؛ فتثبت من حين الشرط؛ كالخيار.
قال: وإن كان أرش طرف، فإن كان قدر الدية-أي كما إذا قطع ذكره، أو يديه، أو رجليه، ونحو ذلك – فهو في ثلاث سنين؛ قياساً على دية النفس.
وفيه وجه حكاه الإمام عن رواية شيخه: أنها تجب في سنة؛ نظراً إلى أن المعنى في بدل النفس [الكاملة]: كونها دية نفس.
ثم قال: وليست أعتد به، وإن تكرر سماعي منه.
وهو جار في جميع دية الأطراف، وإن زادت على دية النفس، [أو نقصت].
قال: وإن كان الثلث، أي: كدية الجائفة والمأمومة، فما دونه، أي كدية الموضحة ونحوها – ففي سنة؛ لأن العاقلة لا تحمل حالاً؛ فاعتبرت السنة؛ كالزكاة.
فرع: لو قتل ثلاثة واحداً خطأ فالدية على عواقلهم أثلاثاً، يجب على كل منهم ثلث في ثلاث سنين؛ لأن الدية واحدة، ومستحقها واحد.
وفيه وجه: أن الثثل الذي يخص كل واحد منهم يضرب في سنة؛ لأنهم أشخاص متعددون، وقدر الثلث يؤخذ من العاقلة في السنة.
قال: وإن كان الثلثين، أي: كدية اليد – وجب الثلث في سنة؛ [لما ذكرناه]، وما زاد في السنة الثانية؛ لأنه لا يجب على العاقلة شيء في أقل من سنة.
قال: وإن كان قدر الدية أو أقل، أي: كدية يد وجائفة أو مأمومة – وجب الثلثان في سنتين، وما زاد في السنة الثالثة؛ اعتباراً بتقسيط الدية الكاملة في ثلاث سنين.
وقول الشيخ: "قدر الدية" تكرار، جرى فيه على عادته في المسائل قبلها؛ لأنه ذكره من قبل.
قال: وإن كان أكثر من ذلك، كدية اليدين والرجلين – لم يجب في كل سنة أكثرمن الثلث، [أي: ثلث الدية؛ لأنها جناية على واحد؛ فلم يجب في كل سنة أكثر من الثلث]؛ كي لا يحصل بهم الإجحاف، وهذا أصح في "التهذيب".
وفي "تعليق" [القاضي الحسين]: أنا إذا نظرنا إلى المعنى الأول في دية النفس ففيما يجب هاهنا في [كل سنة] وجهان:
أحدهما: ما ذكره الشيخ، وهو الأظهر في "الرافعي" أيضاً.
والثاني: أنه يجمع جميع ذلك في ثلاث سنين.
وقد احترزنا – على الصحيح – بقولنا: جناية على واحد، عما إذا وجبت ديتان فأكثر لشخصين بجناية واحدة [على اثنين فأكثر]؛ فإنه يجب لورثة كل منهم في كل سنة ثلث ديته؛ كما صرح به الماوردي.
وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة وجهين؛ بناء على المعنيين السابقين: فمن قال: المعنى في إيجاب الدية الكاملة في ثلاث سنين كونها دية نفس، فهاهنا يجب لكل ولي ثلث دية قتيله.
ومن قال: المعنى: أنها دية كاملة، وجب ذلك هاهنا على العاقلة في ست سنين في كل سنة ثلث الدية؛ مراعاة للقدر
وفي "الرافعي" طريقان آخران:
أحدهما: أنا إن نظرنا إلى المعنى الأول ففيه الوجهان المذكوران، وإن نظرنا إلى المعنى الثاني ففي ست سنين.
والثاني – وهو الأظهر-: أنا إن نظرنا إلى المعنى الأول ففي ثلاث سنين، وإن نظرنا إلى المعنى الثاني فوجهان:
أحدهما: في ست سنين.
وأصحهما: في ثلاث سنين؛ لأن الواجب ديات مختلفة، ومستحقوها مختلفون؛ فلا يؤخر [حق] بعضهم باستحقاق غيره.
قال: وابتداؤها، أي: ابتداء مدة دية الأطراف من وقت الاندمال، أي: إذا سرت إلى عضو آخر دون النفس؛ لأنه وقت استقرار الجناية، وهذا ما ذكره الشيخ أبو حامد وأصحابه، عليه جرى صاحب "الحاوي"، وقال ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب: إنه الذي قال به أصحابنا، واختاره في "المرشد".
وصور ذلك البندنيجي بما قطع إصبعه، فسرت الجراحة بعد شهر إلى كفه، ثم اندملت بعد شهر آخر – فابتداء المدة بعد انقضاء الشهرين، لا من وقت القطع، ولا من وقت السراية.
وقيل: يعتبر ابتداء المدة من وقت سقوط الأخير؛ فإنه نهاية الجناية، وقطع الطرف مع السراية كقطع العضوين، وهذا ما ذكره في "التهذيب"، وقال في "الإبانة": أنه الصحيح.
وضعفه الإمام.
وقيل: يعتبر أرش الأول من وقت الجراحة، وأرش الثاني من قوت [وقوف] السراية، وهذا يحكي عن اختيار القفال، ورجحه الإمام والقاضي الروياني.
أما إذا لم يسر الجرح أصلاً، فابتداء المدة من حين الجرح، وقد وافق عليه الفوراني؛ لأن الوجوب معلق بها، والاندمال بيّن استقرارها؛ فعلى هذا: إن اندملت بعد انقضاء الأجل استحق تعجيلها.
ولو انقضى الأجل قبل الاندمال، ففي "النهاية": أن [في] جواز مطالبة العاقلة بها الخلاف المذكور في مطالبة الجاني بها عند العمد.
وعن "جمع الجوامع" للقاضي الروياني: أن أبا الفياض ذهب إلى احتساب
المدة من وقت الاندمال، فإن كان الشيخ قصده فكلامه على إطلاقه.
قال: وإن كان دية نفس ناقصة: كدية الجنين، والمرأة، والذميّ –فقد قبل، هي كدية النفس الكاملة؛ فتجب في ثلاث سنين؛ نظراً للمعنى الأول.
وهذا أصح في "تعليق" القاضي أبي الطيب، ويقال: إنه اختيار الماسرجسي.
وقيل هي كأرش الطرف إذا نقص عن الدية؛ نظراً للمعنى الثاني.
وهذا أشبه في "الرافعي"، والمختار في "المرشد"، والنواوي، وعليهما يخرج – أيضاً – ما إذا قتل عبداً قيمته أكثر من دية حر، وقلنا: تحمله العاقلة؛ فعلى الأول: تجب في ثلاث سنين، قال القاضي أبو الطيب: وهذا نقله القاضي أبو حامد في "جامعه"، ولم ينقله غيره.
وعلى الثاني: يؤدي في كل سنة بقدر ثلث [دية حر].
وقد بنى الماوردي الوجه الأول في هذه الصورة على الوجه الأول في الصورة قبلها، والثاني على الثاني.
قال: والعاقلة: العصبات، أي: الذين يرثون بالنسب والولاء إذا كانوا ذكوراً.
وجهه في عصبات النسب: قول الشافعي – رحمه الله – في "المختصر": ولا مخالف أن العاقلة: العصبة، وهم القرابة من قبل الأب.
ووجهه في عصبات الولاء: قوله صلى الله عليه وسلم: "الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ"، ولأنه لما استحق الميراث بالولاء كاستحقاقه بالنسب، وجب أن يتحمل به العقل كما يحمل بالنسب.
وقد روي "أن عليًّا والزبير اختصما إلى عمر – رضي الله عنه- في مولى لصفية بنت عبد المطلب، وقد جنى؛ لأن الزبير ابنها، وعلى ابن أخيها" – وفي "النهاية": أنه ابن عمّها، وهو سهو – فقضى للزبير بالميراث، وعلى عليّ بأن يعقل عنه، ولم يخالفه أحد؛ فكان إجماعاً.
ووجهه فيهما: ما روى أبو داود من طريق عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم
في قصة المرأتين التي سنذكرها "جَعَلَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ القَاتِلَةِ"، وأخرجه مسلم والترمذي، كما ذكرناه من قبل، وسنذكره برواية أخرى.
قال: ما عدا الأب، والجد، والابن، وابن الابن؛ لما روى أبو داود عن جابر: "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ قَتَلَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا زَوجٌ وَوَلَدٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلَةِ، وَبَرَّأَ زَوْجَهَا وَوَلَدَهَا".
قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لاَ؛ مِيرَاثُهَا لِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا".
ولما ذكرناه من خبر سعيد بن المسيب وأبي سلمة في أول الباب.
وعن ابن المسيب، عن أبي هريرة – في هذه القصة – قال: "ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ تُوُفِّيَتْ؛ فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا"، وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
وقد روى ابن المنذر بسنده، عن ابن مسعود أنه – عليه السلام – قال في خطبة الوداع: "لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍن لاَ يُؤْخَذُ الْمَرْءُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ، وَلاَ بِجَرِيرَةِ ابْنِهِ"، فكان على عمومه.
ولان الجاني لا يتحمل العقلح لما فيه من الإجحاف بهن وهؤلاء أبعاضه؛ فلا يتحملونه؛ لان مالهم كمالهح ولهذا لا تقبل شهادته لهم؛ كما لا تقبل شهادته لنفسه، ويستغني بمالهم كما يستغني بمال نفسه.
ولا فرق – في ذلك –بين ابن القاتل وأبيه، ولا بين ابن المعتق وأبيه على الأظهر، وبه جزم القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ، وإن كان على خلاف القياس؛ لما ذكرناه من قضاء عمر، رضي الله عنه.
وقيل: [إن المعتق وأباه] يتحملان العقل كالمعتق.
فرع: لو كان للمرأة القاتلة ابن هو ابن ابن عمها، أو ابن هو مولاها- فهل يتحمل العقل؟ فيه وجهان حكاهما الفوراني وصاحب "العدة" والإمام عن العراقيين:
أحدهما – وبه قال الشيخ أبو عليّ [السنجي]-: نعم؛ كما يزوجها، وهذا أقيس في "النهاية".
والثاني – وهو المذكور في "الحاوي" في صورة ابن العم، وفيهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب، و"الشامل" -: لا؛ لأن العلة في ذلك أن بينهما بعضية، وهي موجودة، ويخالف ولاية النكاح؛ لأن المنع منهما كان لعدم الولاية، وقد وجدت.
فرع آخر: ذوو الأرحام لا يتحملون العقل، قال في "التتمة":إلا على طريقة من يرى توريثهم؛ فيحملون عند عدم العصبات؛ كما يرثون عند عدمهم.
قال: ولا يعقل بنو أب وهناك من هو أقرب منهم، أي: وكان المضروب عليهم [يفي بقدر] الواجب، بل يقدم الأقرب فالأقرب؛ لأن حق يستحق بالتعصيب؛ فقدم الأقرب فالأقرب كالميراث – فعلى هذا: يُقَدَّم الإخوة، فإن وفى المقسط عليهم بالواجب – كما سنذكره – فذاك، وإن زاد، فسيأتي حكمه، وإن نقص انتقلنا إلى بنيهم، ووزع على كل منهم ما يقتضيه حاله – كما سنذكره – فإن وفى المقسط عليهم بتمام الواجب فذاك، وإن نقص أيضاً [عدلنا إلى الأعمام، ثم بنيهم، ثم أعمام الأب، ثم بنيهم]، وهكذا نفعل إلى ألا نجد
أحداً من عصبات النسب؛ فننتقل إلى المعتق إن كان رجلاً؛ فإن لم يوف المضروب عليه بتمام الواجب، أو كان امرأة – عدلنا إلى إخوته، ثم [إلى] بنيهم، ثم أعمامه، ثم [إلى] بنيهم، وهكذا، [فإن عدموا انتقلنا إلى معتق المعتق، ثم إلى إخوته، ثم بنيهم، وهكذا] على ترتيب الولاء.
ويفارق هذا الميراث – حيث لا يشارك فيه الأبعد الأقرب؛ لأن ما يجب على كل واحد من العاقلة يقدر بمقدار مضبوط كما سيأتي، لا يزاد عليه، وما يرثه كل واحد من العصبة غر مقدر؛ فيحوزه الأقرب، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ.
وحكى الإمام أن الأئمة قيدوا الضرب على عصبات [المعتق بموت المعتق، وأنه يمكن تعليله؛ بأن العصبات] لا حق لهم [في الولاء] ولاحق لهم بالولاء؛ فيقعون من المُعْتِق في حياة المُعْتَق موقع الأجانب؛ فإذا مات المُعْتَق ورثوا بالولاء، وصار الولاء لهم لحمةكلحمة النسب؛ فإذ ذاك يضرب عليهم، وأنه لا يتجه إلا هذا.
نعم، إذا لم يكن ثم معتق، وضربنا على عصبته، فهل يختص الضرب بالأقربين ولا نتعداهم، أم نتعداهم إلى [الأباعد؛ كصنيعنا] في عصبات النسب؟ هذا فيه تردد ظاهر، والأصح الثاني.
قلت: [ومادة الاحتمال] الأولى تقوى بما حكاه القاضي الحسين في باب الولاء، عن نص الشافعي فيما إذا أعتق رجل أمة، فمات المعتق، وخلف ابناً صغيراً، وللابن الصغير جدان، الجد ليس له أن يزوج الأمة المعتقة.
وكذلك يقوى ما حكاه الإمام عن الأئمة في حياة المعتق بما حكاه القاضي الحسين في باب الولاء: أن المعتق لو قتل المعتق، وللمعتق ابن لا يرث
القاتل المقتول، ولا ولده يرثه.
ولا شك في أن المعتق لو كان امرأة، يتحمل العقل عن معتقها من يتحمل العقل عنها؛ كما يملك تزويجها، صرح به الفوراني، وإن سكت عن الكلام فيما سبق.
قال: [فإن اجتمع من] يدلي بالأب والأم، ومن يدلي بالأب – ففيه قولان:
أصحهما: أنه يقدم من يدلي بالأب والأم؛ لأنه أولى بالميراث؛ فوجب أن يكون أولى بالتحمل؛ قياساً على الأخ مع ابن الأخ، وهذا هوالجديد.
والثاني: أنهما سواء؛ لأن قرابة الأم لا تأثير لها في [تحمل العقل]؛ ولهذا لا يجب على الأخ من الأم، وإذا كان كذلك كان الجميع سواء؛ لاشتراكهم في ميراث [مال] الأب، وهذا حكاه القاضي أبو الطيب عن القديم.
قال: وإن [اجتمع منهم جماعة] في درجة واحدة، وبعضهم غيب – ففيه قولان:
أصحها: أنهم سواء؛ كما في الميراث.
والثاني: [يقدم الأقرب]؛ لأن نصرة الحاضر أقوى؛ فيجب أن يكون أولى؛ ولأن في قسمتها على الحاضر والغائب مشقة.
فعلى هذا: إن وفى المقسط على الحاضرين بالواجب فذاك، وألا انتقلنا إلى الغائبين، ووزعنا على كل منهم ما يقتضيه حاله؛ كما ذكرناه في الأبعد مع الأقرب.
ولو كان بعض الغائبين داره أبعد من دار بعض، لم نوزع على الأبعد داراً إلا بعد التوزيع على الأقرب، ولم يحصل به تمام الواجب.
وفي "التتمة" نصب الخلاف في مسألة الكتاب في أنه هل يجوز تخصيص الحاضرين؛ بناء على أنه لو كانت العاقلة كلهم حاضرينن لايجوز تخصيص بعضهم بالضرب؛ فإن جوزنا فيجوز تخصيص الحاضرين بلا خلاف.
أما لو كان الغائب أقرب درجة، والحاضر أبعد، ففي "تعليق" القاضي أبي الطيب، والبندنيجي، و"الشامل": أنها على الغائب؛ لأن القرب في الدرجة هو المقدم على الحضور.
وفي "الإبانة" حكاية القولين في هذه الصورة مقتصراً عليهما:
أحدهما: يقدم الحضور.
والثاني: يقدم الغيب.
والقاضي الحسين والإمام والمصنف والماوردي حكوا القولين في الصورتين، والأقيس عند الإمام منهما: الثاني.
[تنبيه: غيب: يجوز بضم الغين وتشديد الياء، ويجوز: "غيبٌ": بفتحهما وتخفيف الياء.
قال أهل اللغة: يقال: غاب يغيب غيبة، وغيباً، وغياباً، وغيوباً، وغيبوبة، ومغيباً؛ فهو غائب، وهم غائبون، وغياب، وغب، وغيب، وغيبه].
ثم الغيبة المعتبرة فيما ذكرناه عند الغزالي: الغيبة التي تمنع التحصيل في سنة
- يعني: بالمكاتبة إلى قاضي [ذلك البلد- وهذا احتمال أبداه الإمام لنفسه؛ [فإنه قال: وإذا] قلنا بجواز الأخذ من الحضور دون الأباعد؛ فيجب ألا يجري هذا في كل غيبة، وإن كانت إلى مسافة القصر؛ فإن الضرب يسهل على من يبعد عن مكان العقل مرحلتين، وكذلك لو زادت المسافة، وأقرب معتبر في هذا التعذر عندي يتلقى من الأجل الشرعي؛ فإن كان يمكن تحصيل الغرض من الغيب في سنة فليس الأمر متعذراً، وإن كان لا يتوصل إلى الضرب عليهم في كل سنة فيمكن أن يقضي عند ذلك بالتعذر، ويجري فيه القولان.
وكلام الشافعي - رضي الله عنه- في "المختصر" لا يساعده على ذلك، فإنه قال: إذا جنى [رجل] بمكة وعاقلته بالشام، [فإن لم يكن خبر قضى بالعقل، وقد قيل: نحمله على عاقلة الرجل ببلده، ثم أقرب العواقل، ولا ينتظر بالعقل غائب.
وكذلك صور الماوردي والبندنيجي وغيرهما [محل القولين] بما إذا كان بعض العاقلة بمكة وبعضهم غيب بالشام] وقالوا فيما إذا فرعنا على تقديم الحاضر، ولم يوف الموزع عيهم بالواجب: أنا نقدم منهم من هو [مقيم] بالمدينة، دون من هو مقيم بالشام، وعلى هذا يظهر أن لا ضابط إلا مسافة القصر.
قال: فإن عدم العصبات، أي: من النسب والولاء، وهناك مولى من أسفل - ففيه قولان: أصحهما: أنه لا يعقل؛ لأنه ليس بمباشرلهن ولا له عليه ولاء؛ فأشبه الأجانب، ولأنه حكم من أحكام الولاء؛ فيختص بالمعتق كالميراث.
والثاني: أنه يعقل؛ لأن المولى الأعلى إذا كان يتحمل عن الأسفل، وهو
المنعم؛ فلأن يتحمل المنعم عليه عن المنعم أولى.
ولأن العقل للنصرة، والعتيق أولى بنصرة معتقه؛ لإنعامه عليه، وهذا ما حكى القاضي أبو الطيب أنه نص عليه [هنا]، والبندنيجي أنه نص عيه في "الأم".
ويخالف الميراث؛ لأن ذلك في مقابلة النعمة التي للمعتق؛ بسبب الإعتاق، ولا نعمة للعتيق على المعتق.
وعلى هذا: لا يتعدى العقل إلى أحد من عصبات المولى الأسفل بحال؛ لأنه لا يتحمل الجناية عنهم؛ فلذلك لا يتحملون عنه.
وفي "البيان": أن الذي يقتضيه المذهب أن يكون في عتيق العتيق القولان؛ لأن الجاني يتحمل عنه.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنَّا على قول تحمل المولى من أسفل العقل يكون قبل بيت المال؛ كما صرح به في المهذب، وبه جزم القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي.
وفي "ابن يونس": أن بعضهم رأى تأخيره عنه.
قال: فإن لم يكن من يعقل، أي: إما لعدمه، أو لوجوده وإعساره –وجب في بيت المال، أي: إذا كان مسلماً؛ لأن مال بيت المال للمسلمين، وهم يرثونه؛ كما ترث العصبات، ويخالف الذميّ؛ فإنهم لا يرثونه، وإنما ينتقل ماله إلى بيت المال فيئا.
وهكذا إذا وجدنا من يعقل، لكن فضل من الواجب شيء بعد التوزيع عليهم.
قال: فإن لم يكن، أي: بيت المال، وقد عدم من يعقل – فقد قيل: [يجب] على الجاني، [وقيل: لا يجب [عليه].
هذان القولان –كما قال القاضي أبو الطيب وغيره – يبنيان على أن الدية تجب على الجاني، ثم تتحملها العاقلة، أو تجب عليهم ابتداء؟ وفيه القولان السابقان.
فعلى الأول: تجب على الجاني]، وهو المختار في "المرشد"؛ لأنها وجبت عليه في الأصل؛ فإذا تعذر من يتحمل بقي الوجوب في محله، ولأن الأصحاب متفقون على وجوبها على الذميّ إذا لم يكن له عصبة.
وعلى الثاني: لا تجب [عليه]؛ لوجوبها على غيره.
وهما كالوجهين في زكاة الفطر إذا كان الزوج معسراً، والزوجة موسرة، وقطع القاضي الحسين بأن نوجب على الزوجة الفِطْرة، ولا نوجب على الجاني الدية، وإن قلنا: إنها تجب عليه ابتداء، ثم تنتقل إلى العاقلة.
وفرق بأن الزكاة الأصل وجوبها على المكلف، غيرأنه يتحمل عنها الزوج لعارض؛ فإذا لم يجب عليه التحمل عاد إلى الأصل.
ودية الخطأ الأصل وجوبها على العاقلة وأخذها من مالهم؛ فجاز ألا تعود إليه، وإن تعذر استيفاؤها منهم.
قال الإمام: وما ذكره غير سديد، والأصحاب كلهم على ذكر الخلاف في الجاني، ويتفرع على الوجهين فروع:
منها: إذا كان الجاني معسراً؛ فإن قلنا بوجوبها عليه، ثبتت في ذمته إلى أن يوسر، وإن قلنا: لا تجب عليه، بقيت ديناً في بيت المال، كما قاله الماوردي.
وعن "شرح [مختصر" الجويني] وجه: أنها تجب على جميع المسلمين؛ كنفقة الفقراء.
والقاضي الحسين حكى وجهين فيما إذا لم يكن في [بيت] المال شيء، ثم ظهر بعد ثلاث سنين، [من غير بناء:
أحدهما: لا يؤدي منه؛ كما لو صارت العاقلة موسرين بعد ثلاث سنين]، لا تضرب عليهم.
والثاني: يؤدي؛ لقوله – عليه السلام-: "لا يترك في الإسلام مُفْرحٌ".
ولأنه مرصد للمصالح، وهذا منها.
[و [قد] قال الإمام: إن القاضي فرعهما على قولنا: إن القاتل لا يؤاخذ بالدية أصلاً.
ثم قال]: وقد بنى على هذين الوجهين الخلاف في أن الجاني هل يغرم، أم لا؟
فإن قلنا: يؤخذ عند يسار بيت المال منه، لم تجب عليه، وألا وجبت عليه.
ومنها: إذا أوجبنا عل ىلجاني؛ فهل تجب على ابنه وأبيه؛ كام تجب عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما – وبه قال أبو عليّ الطبري -: نعم، ونبدأ بهما قبل القاتل؛ لأنا [لا] نحمل الأب والابن؛ لأنهما بعضه؛ فإذا تحمل تحملا.
قال الرافعي: وأقواهما عند البغوي: المنع؛ لأن الإيجاب على القاتل من جهة أنه الأصل، وغيره يتحمل عنه؛ فإذا تعذر التحمل طولب بحكم الأصل، وهذا المعنى لا يتحقق في الأب والابن، وهذا ما أبداه الشيخ في "المهذب" احتمالا، واختاره في "المرشد".
والوجهان – كما حكاهما العمراني عن رواية الطبري – جاريان فيما إذا لم يكن للذمي عاقلة، وقال: إن الذي عليه الأكثرون: الأول، والذي صححه البغوي والإمام: الثاني أيضاً.
قال: ولا يعقل فقير-أي: وإن كان معتملاً – لأن حمل العاقلة لإزالة الضرر عن ولي المقتول؛ كي لا يهدر الدم، وتخفيفاً عن القاتل، كي لا يذهب جميع ماله، ولا يجوز أن يزال الضرر عن إنسان بإلحاق الضرر بغيره، وفي إيجابه على الفقير إضرار به.
ولأن ذلك طريق المواساة، والفقير ليس من أهلها؛ فلا تجب عليه كنفقة الأقارب.
وبهذا يخرج إيجاب الجزية على الفقير على قولٍ، لأنها تجب عوضا عن حقن دمه، والسكنى في الدار والغني والفقير في ذلك سواء.
وكذا يخرج به وجوب زكاة الفطر.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأن الزكاة تجب طهرة للصائم من الرفث، ولا تجب للمواساة، ولهذا يجب إخراجها عن العبيد، وليسوا من أهل المواساة.
ومن هذا الفرق يظهر لك أن المراد بالفقير هاهنا: ليس من لا يملك شيئاً [أصلا]؛ فإنه لو كان كذلك لم تجب عليه زكاة الفطر، ولما حسن من الأصحاب ذكر الفرق؛ فتعين أن المراد به: من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام.
قال: ولا صبي ولا معتوه؛ لأن حمل العقل مبني على النصرة، وليس الصبي والمعتوه من أهلها؛ لأن من لا عقل له ولا تمييز لا يصح منه النصرة بالفعل ولا بالرأي، وهذا بخلاف الشيوخ والزمنى والعميان والشباب الضعفاء؛ فإنهم يتحملون العقل، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وإن عجزوا عن النصرة بالفعل؛ لقدرتهم على النصرة بالقول والرأي؛ فإن النصرة ليست كلها بالسيف، وإنما هي بالسيف والرأي وبالكلام.
وفي "المهذب" و"الحاوي" حكاية وجه في الشيخ الهِمَّ والمريض البالغ حدّ الزمانة: أنه لا يحمل؛ بناء على القول بامتناع قتل مثله من المشركين إذا أسر.
وحكاه الفوراني في الزَّمِن –أيضاً – بناء على ضرب الجزية [عليه]، وقال به أبو علي بن أبي هريرة في "التعليقط فيما إذا كان زمناً من يديه ورجليه.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه خطأ.
وقدحكاه الرافعي في الأعمى أيضاً.
والمذهب – كما قال القاضي أبو الطيب -: الأول؛ لما ذكرناه.
فإن قيل: إذا اتبعتم النصرة بالرأي والكلام دون الفعل، فينبغي أن تعقل النساء؛ لأن لهن رأياً وكلاماً، وقد اتفق الأصحاب على أنهن لا يعقلن.
قلنا: جوابه من وجهين.
أحدهما: أن رأيهن ناقص.
ثم لو سلم كماله في بعضهن، فقد منع منه قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة التي حكم عليها بالغرة لما توفيت: بأن ميراثها لبنيها، وبالعقل على عصبتها،
والنساء لا تعصيب لهن؛ ولهذا المعنى لم يذكرهن الشيخ؛ لأنهن خرجن بقوله: والعاقلة العصبات.
قال: ولا مسلم عن كافر، [ولا كافر عن مسلم]؛ لأنه لا موالاة بينهما، ولا توارث؛ فانتفت المناصرة.
نعم، الذمي يعقل عن الذميّ الموافق له في الملة؛ لأن المناصرة بينهما في الحق موجودة لا تمنعها الذمة.
وهل يعقل عنه مع اختلاف الملة كاليهودي عن النصراني، أم لا؟ فيه قولان في "النهاية" و"تعليق" القاضي الحسين:
وأظهرهما فيه، وهو المذكور في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي: نعم؛ لأن الكفر كله ملة واحدة.
والثاني: لا، والكفر مِلَل.
وهكذا الخلاف في ميراث أحدهما من الآخر، كما مر.
وهل يعقل الحربي عن الذميّظ
أطلق المصنف وغيره: المنع.
وقال في "التتمة": إن قدر الإمام على الضرب عليهم، فينبني على أن اختلاف الدار هل يقطع التوارث؟ إن قلنا: نعم، امتنع العقل، وإلا فوجهان؛ لانقطاع المناصرة باختلاف الدار.
والمعاهد كالذمي، فيحمل عنه الذميّ، ويتحمل عن الذميّ، إذا زادت مدة العهد على أجل الدية، ولم تنصرم قبل مضي الأجل، ولا خلاف في أن الذمّي لا يعقل عن المرتد، كما لا يعقل المرتد عنه.
قال: وإن أرسل الكافر – أي: المحقون الدم –سهما، أي: على طائر، أو صيد، كما قاله في "المهذب"، ثم أسلم، ثم وقع سهمه فقتل، أو رمى مسلماً، ثم ارتد، ثم وقع سهمه، فقتل – كانت الدية في ماله.
أما في الأولى، فلأنه لا يمكن إيجابها على عاقلته الكفار؛ لوقوع القتل في حال الإسلام، ولا على عاقلته المسلمين؛ لتحقق السبب الداخل تحت الاختيار في