كتاب الجنايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدهما: يجب لكل سن مما زاد – أيضاً – أرش؛ لظاهر الخبر.
والثاني – عن رواية أبي الحسين -: أن الواجب لما زاد الحكومة؛ لأن الغالب في الأسنان العدد الذي ذكرناه، فالزائد عليه كالإصبع الزائدة.
والقولان جاريان فيما لو قلع زائداً على عشرين سناً.
وقيل: إذا قلعها واحدة بعد واحدة تعين القول الثاني، ولم يذكر في "المهذب"، و"الحاوي"، و"تعليق" البندنيجي غيره، وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن أصحابه، وقال: إن الحكم في الاصفرار والاخضرار حكم السواد.
لكن الطريق الأول هو الصحيح في الرافعي.
قال: وفي أللحيين الدية؛ لما فيهما من الجمال، عِظم المنفعة، وذهابهما أخوف على النفس وأسلب للمنافع من الأذنين؛ فكانا بإيجاب الدية أولى.
قال: وفي أحداهما نصفها؛ لأنها لما كملت فيهما – تنصفت في إحداهما؛ كاليدين.
واللحيان – بفتح اللام هما: العظمان اللذان عليهما الأسنان السفلى، يجتمع مقدمهما في الذقن، ومؤخرهما في الأذن.
والمسألة مصورة بما إذا لم يكن عليهما أسنان، إما لكون المجني عليه صغيراً، أو كبيراً سقطت أسنانه، وهذا حكم الدية.
وأما القود: فإن أمكن فيهما أو أحدهما وجب، وإلا فلا.
وقد استشكل المتولي إيجاب الدية في اللحيين؛ لأنه [لم يرد] فيهما خبر، والقياس لا يقتضيه، بل اللحيُ من العظام الداخلة؛ فيشبه الترقوة والضلع.
وأيضاً فإنه لا دية في الساعد، والعضد، والساق والفخذ، وهي أيضاً عظام فيها جمال ومنفعة.
قال: وإن قلع اللحيين مع الأسنان، وجبت دية كل واحد منهما؛ لأنهما عضوان أصليان في الجمال والمنفعة يجب في كل واحد منهما دية
مقدرة، فكانا كالشفتين مع الأسنان، [وحكى الخراسانيون وجهاً: أنه تجب دية واحدة، أي دية اللحيين، وتدخل دية الأسنان فيها] لحلولها فيها، مع كونها أكثر كما دخلت دية الكف في دية الأصابع، لكثرتها.
والقائلون بالأول فرقوا بينها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن اسم "اليد" ينطلق على الكف والأصابع، ولا ينطلق اسم "اللحيين" على الأسنان، ولا اسم الأسنان على اللحيين.
والثاني: أن اللحيين قد يتكامل خلقهما مع عدم الأسنان في الصغر، ويبقيان على كمالهما بعد ذهاب الأسنان من الكبر، ولا يكمل خلق اليد إلا بالأصابع، ولا تكون كاملة بعد ذهابها.
والثالث: أن للحيين منافع غير حفظ الأسنان، وللأسنان منافع غير منافع اللحيين؛ فانفرد كل منهما بحكم، وليس كذلك في منافع الكف، فإنه لا نفع له بعد ذهاب الأصابع.
فرع: لو جنى على اللحيين، فيبسا، حتى لم ينفتحا، ولم ينطبقا ضمنهما بالدية؛ لذهاب منفعة المضغ منهما، كما لو قاله الفوراني والطبري في العدة وغيرهما، فألحق ذلك باليد إذا شلت، ولاتضمن دية الأسنان، وإن ذهبت منافعها، لأنه لم يجن عليها، وإنما وقف نفعها بذهاب منافع غيرها، كذا نص عليه الشافعي في "الأم"، كما حكاه الماوردي.
وقال الرافعي معترضاً على ذلك: [إن] في إبطال المضغ الدية، وإنه قد يحتج له بأن المنفعة العظمى للأسنان المضغ، والأسنان مضمونة بالدية؛ فكذلك منافعها، كالبصر مع العين.
وإن الغزالي ذكر – لتفويت المضغ – طريقين:
أحدهما: إن تصلب مغرس اللحيين حتى يمنع حركتهما ذهاباً ومجيئاً.
والثاني: أن يجني على الأسنان، فيصيبها خدر، فتبطل صلاحيتها
للمضغ، وأن على ذلك جرى الإمام.
قال: وفي كل إصبع عشر من الإبل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم: "فِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإبِلِ"، وروى أبو داود عن أبي موسى الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأَصَابعُ سَوَاءٌ عَشْرٌ عَشْرٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ".
ولا فرق في ذلك بين الإبهام والخنصر وغيرهما؛ لما ذكرناه، وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ" يعني الإبهام والخنصر.
خرجه أبو داود والبخاري وغيرهما.
قال: وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة وثلث، وإلا الإبهام؛ فإنه يجب في كل أنملة منهما خمس من الإبل؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم – لما قسط دية اليد على أصابعها وجب أن يقسط دية الإصبع على أعداد أناملها، وفي كل إصبع غير الإبهام ثلاث أنامل، فيكون في كل أنملة ما ذكره، وفي الإبهام أنملتان؛ فيكون في كل واحدة خمسة.
نعم، لو كان لرجل في إبهامه ثلاث أنامل وجب في كل واحدة منها ثلاثة أبعرة وثلث، ولو خلق في غيرها أربع أنامل وجب في كل أنملة بعيران ونصف، ولو كان لغير الإبهام أنملتان وجب في كل واحدة خمس؛ نظراً للتقسيط، وهكذا يفعل في الزيادة والنقصان، ويخالف ما لو زادت الأصابع على العدد المعتاد، حيث لا تقسط دية اليد عليها؛ لأن الأنامل لما اختلفت في أصل الخلقة الغالبة بالزيادة والنقصان كان كذلك في الخلقة النادرة، ولما لم تختلف الأصابع في الخلقة المعهود فارقها حم الخلقة النادرة، وأيضاً فإن الزيادة في الأصابع متميزة، وفي [الأنامل غير متميزة]؛ فلذلك اشتركت الأنامل وتفرقت الأصابع.
قال: وفي الكفين مع الأصابع الدية؛ لما روى معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي اليدين الدية".
ولرواية عمرو بن حزم، أنه – [عليه السلام]- قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ مِنَ الإِبِلِ".
[وإذا وجب في الواحدة خمسون وجب] في الاثنتين مائة.
ولأنهما من أعظم الأعضاء نفعاً في البطش والعمل.
وإنما حملنا في "اليد" الخبر على الكف؛ لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38]، وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفصل الكف، فدل على أنها هي اليد لغة وشرعاً.
ولأن الدية تكمل في الرجل إذا قطعت من مفصل القدم، لأنها تقطع منه في السرقة، كذلك اليد، لما قطعت من الكف في السرقة، وجب أن تختص بكمال الدية.
قال: فإن قطع ما زاد على الكف، أي: مع الكف بأصابعه – وجبت الدية في الكف، لما ذكرناه، والحكومة فيما زاد، لأنه ليس بتابع، وليس له أرش مقدر، فتعينت الحكمة، بخلاف الكف مع الأصابع، لأنهما كالعضو الواحد، لأن بهما جميعاً يتم البطش.
وعن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا: أنه لو قطع [اليد] إلى المنكب، لم يجب سوى دية؛ لأن عمار بن ياسر تيمم حين أطلق ذكر التيمم إلى المناكب، تعويلاً على مطلق الاسم، حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما يكفيك ضربة لوجهك، وضربة لذراعيك".
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، فلما جعل المرفق غاية، دل على أن حد اليد ما دون الغاية، مع ما ذكرناه من آية السرقة، وما فعله عمار وغيره من الصحابة لما نزلت آية التيمم، فلم يكن لكونه واجباً عليهم، كما قاله أبو الطب – بل ليسبغوا تيممهم، كما روى أن: "أبا هريرة كان يغسل ذراعيه إلى الآباط في الوضوء، ليسبغ وضوءه، ويقول: أفعل ذلك؛
لأطيل غرتي"؛ فلم يكن فيه حجة.
ثم قضية قول أبي عبيد: ألا يجب في الكف بأصابعه كمال الدية، وقد صرح به عنه القاضي الحسين، وهو ظاهر الفساد؛ لأن الأصابع لو انفردت بالقطع لوجبت الدية كاملة بالنص، فمن طريق الأولى إذا قطع معها غيرها.
ومحل ما ذكرناه في الكف والأصابع: إذا قطعهما معاً، فلو قطع الأصابع، ثم الكف، وجبت دية الأصابع، وحكومة الكف، إن كان بعد الاندمال، وكذا إن كان قبله على الصحيح، كما قلناه في كسر السن، وقلع السنخ بعدها.
قال: وإن جنى عليها، فشلت، وجبت الدية، لأنه فات المقصود منها، فأشبه ما لو قطعها، وبالقياس على ما لو جنى على عينه، فذهب ضوءها، ولا فرق في ذلك بين اليد والإصبع.
قال: وفي اليد الشلاء الحكومة؛ لإزالة الجمال دون المنفعة.
قال: وفي [اليد] الزائدة والإصبع الزائدة الحكومة؛ لأن كل عضو لا نوجب ديته تجب فيه حكومة، كالكف، وإنما لم تجب فيه الدية؛ لعدم نفعه.
وقيل: إن لم يحصل بها شين لم يجب في الزائدة شيء؛ لأنها جناية لم يحصل بها نقص، فلم يجب بها أرش، كما لو لطم وجهه، فلم يؤثر.
وتعرف الزائدة من الأصلية بقوة البطش، سواء كانت الباطشة في استواء الذراع، أو منحرفة عنه، فلو تساويا في البطش، نظر إلى استوائهما في القدر: فإن اختلفا، فالأصلية هي الكبرى، وإن استويا في القدر فالأصلية التي في استواء الذراع، فإن استويا، فكاملة الأصابع هي الأصلية دون الناقصة، فلو كانت أحداهما كاملة الأصابع، والأخرى زائدة الأصابع – ففي "تعليق" القاضي الحسين أن الكاملة هي الأصلية، والأكثرون على أنه لا يكون ذلك.
فإن عدمت الأمارات، قال الماوردي: فهما يدان زائدتان، فإن قطعهما قاطع كان عليه القود وحكومة، خلافاً للمزني؛ فإنه قال: لا قصاص بقطعهما، لنقصانهما.
ولو قطع أحداهما فلا قود اتفاقاً، وعليه نصف دية يد، وزيادة حكومة، وعن كتاب ابن كج حكاية وجه، عن رواية أبي الحسين: أنه لا تجب الحكومة مع نصف [دية] اليد.
وفي "الوسيط": أن جعل إحدى اليدين نصفاً، مع احتمال كونها زائدة مشكلٌ، وأشار بذلك أن أحداهما أصلية، والأخرى زائدة، والأحكام يتبع فيها اليقين.
ولو قطع إصبعاً من أحداهما فعليه نصف دية إصبع، وزيادة حكومة على المذهب، ولو قطع أنملة إصبع من أحداهما فعليه نصف دية أنملة، وزيادة حكومة على المذهب، ولا يجب القود، إلا أن يقطع إصبعين متماثلين من الكفين، ويؤخذ منه مع القصاص حكومة.
فلو قطع إبهام إحدى اليدين، فأخذ المجني عليه أرشها والحكومة، ثم عاد الجاني، فقطع إبهام اليد الأخرى، فأراد المجني عليه رد الأرش، واستيفاء القصاص، فهل له ذلك؟ فيه وجهان أصلهما في "النهاية".
فرع: لو قطع اليد الباطشة، فحكم فيها بقود، أو دية، ثم صارت غير الباطشة باطشة – وجب فيها كمال الدية لو قطعت، لأنها يد باطشة.
قال الماوردي: ويجيء في رد ما أخذه من كمال الدية وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في عود السن المثغور.
ففي أحدهما: لا يرد شيئاً، وهو الأظهر في الرافعي.
وفي الثاني: يرد ما زاد على قدر الحكومة.
وحكى القاضي الحسين الوجهين في مسألتنا من غير تخريج من مسألة السن.
وفرق بعضهم بين ما نحن فيه وبين السن: بأن عود السن في محل الجناية، والبطش هاهنا حصل في غير محل الجناية.
قال: وفي الرجلين الدية؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ"، ولأنه – عليه السلام – قال في كتاب
عمرو بن حزم: "وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ" كما خرجه النسائي، [و] إذا وجب في واحدة نصف دية ففيهما دية.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون الرجلُ عرجاء أو سليمة؛ لأن العيب ليس في نفس العضو، وإنما العرج يكون لقصر في الفخذ، أو في الساق، أو تشنج أعضاء الركبة.
ولو تعطل مشي الرِّجل، مع سلامتها، لكسر الصلب – فعلى وجه: يجب فيها حكومة، لأن تعطل المنفعة كزوالها في تعذر الانتفاع، والأظهر: وجوب الدية، لسلامتها، وخلل غيرها لا يوجب نقصان ديتها.
قال: وفي كل إصبع عشر من الإبل؛ لما روى الترمذي عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دِيةُ أَصَابعِ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ إِصْبَعٍ" وقال: إنه [حديث] حسن صحيح غريب.
وعنه قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – أصَابعَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً" خرجه أبو داود.
قال: وفي الأليتين الدية.
الأليتان: ما أشرف على الظهر والفخذين، وإن لم ينته ذلك إلى العظم.
وإنما وجبت الدية فيهما؛ لأنهما عضوان فيهما جمال ظاهر، ومنفعة؛ لأنهما رباط المفصل والورك، وبهما يستقر الجلوس، فكملت فيهما الدية كاليدين والرجلين، وسواء في ذلك الصغير والكبير، ومن كان أرسح الآلية معروقها، أو لَجِيم الآلية غليظها.
ويجب فيهما القصاص إذا استوعبهما، خلافاً للمزني
وبعض أصحابنا، كما قاله القاضي أبو الطيب.
قال: وفي أحداهما نصفها، كقطع إحدى اليدين.
ولو قطع بعض أحداهما، فإن علم قدر المقطوع منها ففيه من الدية بحسابه، وإن جهل ففيه الحكومة.
وإن قطعهما حتى أبقاهما على جلد لم ينفصل، وأعيدا، فالتحما - كان فيهما حكومة كالجرح المندمل.
ولو نبتت الأليتان بعد قطعهما، لم يرد المأخوذ من ديتها، على ظاهر المذهب في "التهذيب".
قال الماوردي: وقد خرج في ردها قول آخر كاللسان إذا نبت.
قال: وإن كسر صلبه، فلم يطق المشي، أي: لأجل كسر الصب، لا لشلل حصل في الرجلين - لزمته الدية؛ لما روى [النسائي] أنه صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم: "وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ"، وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ولا مخالف له من الصحابة، والمعنى فيه أنه أذهب جماله بكسر صلبه، وأبطل تصرفه بذهاب مشيه؛ فكملت فيه الدية؛ كما لو ضربه فأعدم شمه أو ذوقه.
أما لو اقترن بكسر الصلب، وبطلان المشي شلل في الرجلين؛ وجبت ديتان، كما حكاه القاضي أبو الطيب عند الكلام في اللسان والماوردي هنا.
وقال البندنيجي: تجب الدية لأجل شلل الرجلين، وحكومة لكسر الصلب، وهو ما أورده المتولي.
ويرجع حاصل ما ذكروه إلى وجهين كالوجهين اللذين ذكرناهما فيما إذا جنى على لسانه، فأبطل صوته وحركة اللسان، حتى عجز عن الترديد والتقطيع.
فرع: إذا اختلفا في ذهاب المشي، امتحن بأن يقصد بالسيف في وقت غفلته،
فإن تحرك ومشى؟ ظهر كذبه، وإلا حَلَف، وأخذ الدية.
قال: وإن نقص مشيه، أو احتاج إلى عصا- لزمته الحكومة؛ للنقص الحاصل.
وهكذا لو صار يمشي منحنياً؛ يلزم الجاني الحكومة؛ لذهاب الجمال مع بقاء المنفعة.
قال: وإن كسر صلبه، فعجز عن الوطء – لزمته الدية؛ لأنه روي ذلك عن أبي بكر وعمر [وعلي] – رضي الله عنهم – ولا مخالف لهم من الصحابة.
ثمّ المسألة مصورة عند الماوردي بما إذا حصل بالكسر ذهاب مَنِيِّهِ، وعدم انتشار ذكره، لا لشلل فيه.
وقال فيما إذا كان عجزه عن الوطء؛ لضعف حركته، مع بقاء منيه، وانتشار ذكره: [إن عليه الحكومة، لأنه قد يقدر على الإنزال باستدخال ذكره]، وكلام الرافعي مصرح عن الأصحاب بأنهم صرحوا بتصوير ذهاب جماعه بما إذا لم ينقطع ماؤه، وبقي الذكر سليماً، وأن كلامهم يشعر بأنهم أرادوا بذهاب الجماع: بطلان الالتذاذ [به] والرغبة فيه، وكذلك صوره الإمام ومن تبعه.
على أن الإمام استبعد زوال الشهوة مع بقاء المنى، ثم قال: إن أمكن ذلك فيجب أن يقال: إذا ذهب بالجناية شهوة الطعام تجب الدية بطريق الأولى، إن صح تصويره وإدراك تأثير الجناية فيه.
والقاضي أبو الطيب قال: إذا ضربه على صلبه، فأورثه ذلك الضرب الامتناع من الجماع؛ فلا يرجع يقدر عليه بحال – فإنه يراجع أهل الخبرة: فإن قالوا: إن مثل ذلك لا يكون، [فيأخذ منه كمال الدية.
وإن قالوا: إن مثل ذلك لا يكون]، كان فيه حكومة.
وقال بعد ذلك في فرع آخر: ولو كسر صلبه فأورثه ذلك عدم نزول الماء، قال الأصحاب: لا نص للشافعي في هذه المسألة إلا أنه روى عن مجاهد أنه قال: يجب في ذلك دية [كاملة] ثانية.
ثم قال
أصحابنا: هذا هو المذهب؛ لأن هذا يؤدي إلى انقطاع النسل، وهذا فيه أعظم المضرة عليه، ويكون القول قوله مع يمينه.
وهذا من القاضي يقتضي أن تكون هذه الصورة عند غيره الصورة التي ذكرها [أولا].
ولو أبطل من المرأة قوة الإحبال، وجب عليه ديتها، قاله الرافعي.
ثم قال الأصحاب: إذا كان قد كسر صلبه، وشل ذكره - وجبت دية وحكومة: فالدية في مقابلة شلل اذكر، والحكومة في مقابلة كسر الظهر.
كذا حكاه أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي وغيرهم.
وقد يقال: إن هذا يظهر أن إيجاب الدية في الصورتين السابقتين كان لأجل ذهاب منفعة المشي أو الوطء، واندرج فيها حكومة كسر الصلب، وبهذا يقوى قول الشيخ: إن العقل إذا ذهب بجناية لا أرش لها مقدر، دخل أرش الجناية في دية العقل.
لكن المتولي علل إيجاب الحكومة عند شلل الرِّجل مع بطلان المشي؛ بأن المشي منفعة في الرّجل، فإذا شلت ففوات المنفعة لشلل الرّجل؛ فافرد كسر الظهر بالحكومة، وإذا كانت سليمة ففوات المشي لخلل في الصلب؛ فلا يفرد بحكومة.
قال: فإن اختلفا في ذلك، فالقول قول المجني عليه
-[أي: مع اليمين]-
لأنه لا يطلع عليه إلا من جهته.
قال الماوردي والبندنيجي: وهذا إذا اقترن بقوله علامة تدل على صدقه، وقال أهل الخبرة: إنه [يجوز أن يذهب جماعه بذلك، أما إذا لم يقترن بقوله علامة، أو قال أهل الخبرة: إنه] لا يذهب من مثل ذلك الجماع - فالقول قول الجاني.
قال: [فإن أبطل] المشي والوطء - أي بكَسْرهِ الصلب -[لزمه ديتان
على ظاهر النص]؛ كما لو ضرب رأسه؛ فازال سمعه وبصره، وقيل: دية؛ لأنهما منفعة عضو واحد، وهذا حكاه الشيخ أبو حامد.
والصحيح الأول؛ لأنهما منفعتان في محلين.
وهكذا الخلاف فيما إذا كسر صلبه؛ فذهب مشيه وماؤه؛ كما حكاه القاضي الحسين.
قال: وإن قطع اللحم الناتئ على الظهر؛ أي: من جانبي السلسلة – لزمته الدية؛ لأن فيه جمالاً ومنفعة، وفي أحدهما نصفها، وفي بعضها بحسابه؛ لما سبق في الأذنين وغيرهما.
وهذه المسألة غير مذكورة في الكتب المشهورة.
نعم، فيها إن قلع جميع الجلد الدية إذا لم يستخلف وإن كان قد قيل: إن مثل هذا الشخص لا يبقى.
لكن أثر ذلك يظهر فيما لو حز آخر رقبته وفيه حياة مستقرة.
وحكى الإمام عن الشيخ أبي عليٍّ أنه لو قطعت يداه بعد سلخ الجلد، توزع مساحة الجلد على جميع البدن، فما يخص اليدين يحط من [دية اليدين]، ويجب الباقي.
وعلى هذا القياس: لو قطع يد إنسان، ثم جاء آخر وسلخ جلده- فتجب على من سلخ دية الجلد محطوطاً منها قسط اليدين من الجلد.
وفي "الحاوي": أن في سلخ الجلد الحكومة، ولا يبلغ بها دية النفس، وأنها تجب في حال عوده أقل مما تجب فيما إذا لم يعد.
قال: وفي حلمتي المرأة الدية.
"حلمتي المرأة": رأس الثديين اللذين يلتقمهما الصبي.
ويقال: المجتمع ناتئاً على رأس الثدي.
وهذه العبارة أحسن؛ لتناولها حلمة الرجل، وفيهما ديتهما؛ كما قال الشافعي؛ لأن فيهما جمالاً، ومنفعة الثدي لا
تستوفي إلا بهما، وتتعطل بفقدهما.
قال: وفي أحداهما نصفها بطريق التقسيط، وهكذا الحكم فيما لو شلتا أو إحداهما.
قال: إن جنى على الثديين؛ فشلا – وجبت الدية؛ لأن إبطال المنفعة بمنزلة القطع.
وشللهما: ألا يألما؛ ما قال الماوردي.
وهذا من الشيخ يفهم أن في قطع الثديين الدية من طريق الأولى، وقد صرح بذلك الأصحاب إذا كانت الحلمتان فيهما، وأن في أحداهما نصفها؛ فيكونان كالكفين مع الأصابع.
وفيه وجه: أنه تجب دية وحكومة إذا قطع الثديين بجملتهما.
وعن الماسرجسي نقله قولاً.
أما إذا قطعهما، ولا حلمة لهما – ففيهما الحكومة؛ كما في قطع الكف الخالي عن الأصابع.
وقالوا: لا فرق في ذلك بين أن يكونا من كبيرة أو صغيرة، نزل فيهما اللبن أو لم ينزل.
فرع: لو قطع بعض الحلمة، كان فيه من الدية بقسطه، وهل يعتبر القسط من الحلمة، أو من جميع الثدي؟ على قولين من اختلاف قوليه في قطع بعض الحشفة، كما سنذكرهما، قاله الماوردي.
قال: وإن انقطع لبنهما لزمته الحكومة؛ لأن اللبن وإن لم يكن حالاً في الثدي فإنه منزل في منفذ إليه؛ فإذا انقطع تبينا انسداد ذلك بالجناية؛ فأوجبنا لأجله الحكومة ولم نوجب الدية؛ لاحتمال عوده بخلاف انقطاع المني.
وقيل: تجب الدية، وهو احتمال أبداه الإمام، ولم يذكر في "التتمة" غيره، وقد خطئ فيه؛ لما ذكرناه.
ومحل الكلام في ذلك إذا قال أهل الخبرة: إن ذلك حصل من الضرب؛ فإن قالوا: إنه من غره، فلا دية ولا حكومة.
قال: وفي حلمتي الرجل حكومة؛ لأنه إتلاف جمال من غير منفعة، وهذا ما نص عليه هنا.
قال: [وقيل] فيه قول آخر: أنه يجب فيهما الدية؛ لأن كل ما يجب فيه الدية من المرأة وجب فيه الدية من الرجل؛ كاليدين، وهذا [ما] حكاه ابن الصباغ عن نصه في آخر الباب، والماوردي عن نصه في الديات، وبعضهم جعله مخرجاً.
والأول أصح؛ لما ذكرناه، وبه قطع بعضهم، وحمل ما نص عليه في كتاب الديات من إيجاب الدية فيهما على الحكاية عن الغير.
وعلى القولين يخرج ما لو قطع ثديي الرجل، أو أشلهما إذا لم يُجِفْ محلهما، فإن أجافه وجب عليه مع أرشهما دية جائفتين.
فرع: يجري القصاص في حلمة الرجل [بحلمة الرجل]؛ إن أوجبنا فيهما الدية أو الحكومة، وكذلك يجري في حلمة [المرأة بالرج] وبالعكس إذا أوجبنا في حلمة الرجل الدية، وإن لم نوجبها، قطعت حلمة الرجل بالمرأة؛ إن رضيت، دون العكس، وتقطع حلمة المرأة بحلمة بالمرأة.
وفي التتمة وجه: أنه إن لم يتدل الثدي، لا يجب القصاص؛ لاتصالهما بلحم الصدر، وتعذر التمييز.
ولا يجب القصاص في الثدي؛ [كما] قاله في "التذهيب"؛ لأنه لا يمكن رعاية المماثلة فيه، وللمجني عليه أن يقطع الحلمة ويأخذ حكومة الثدي.
قال: وفي جميع الذكر الدية؛ لما روى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ" خرجه النسائي، وروي أنه صلى الله عليه وسلم: "قَضَى فِي الوَدِيفِ بِالدِّيَةِ".
قال قطرب: الوديف: الذكر.
ولأنه من آلة التناسل، وذلك من أعظم المنافع، ولأنه أحد منافذ الجسد؛ فأشبه الأنف.
ولا فرق بني ذكر الرجل والشيخ الهِم والصبي، والعنين، الذي لا يأتي النساء؛ لأن العنة عيب في غير الذكر؛ لأن الشهوة في القلب، والمني في الصلب.
قال: فإن قطع بعض الحشفة، وجب [من الدية] بقسطه من الحشفة [في أصح القولين]؛ لأن الدية تكمل بقطعها؛ فقسطت على أبعاضها؛ فعلى هذا يلزمه في نصف الحشفة أو ثلثها، [نصف الدية أو ثلثها].
[قال:] وبقسطه من جميع الذكر في [القول] الآخر؛ لأنه الأصل المقصود بكمال الدية؛ فكانت أبعاضه مقسطة عليه.
فعلى هذا: إن كان المقطوع نصف الحشفة، وهو سدس الذكر- وجب سدس الدية.
قال المتولي والبندنيجي: وهذا إذا لم يختل مجرى البول بالقطع، [أما إذا]
اختل، وجب أكثر الأمرين من حكومة الخلل أو ما يخص ذلك من الدية باعتبار التقسيط.
قال الجيلي: والقولان ينبنيان على أن مقطوع الحشفة إذا أولج الباقي من ذكره في الفرج، هل تتعلق أحكام الوطء بمقدار الحشفة منه، أو لا تتعلق إلا باستيعابه؟
فرع: إذا قطع جزءاً من الذكر مما تحت الحشفة، [فقد مر] الخلاف في [أنها هل تكون] جائفة، أم لا.؟
وإن لم يبنه: فإن قلنا في قطع بعض الحشفة: إن التقسيط على الحشفة لا غير؛ فعليه هاهنا الحكومة، وإلا فالقسط، والوجه الأخير هو الذي أورده البندنيجي.
قال: وإن جني عليه؛ فشل - وجبت عليه الدية؛ لأنه عضو وجب بقطعه الدية؛ فوجبت بشلله الدية كسائر الأعضاء.
قال في التتمة: وهكذا لو [شقه] طولاً، ولم يبن منه [شيئاً]، وزالت منفعته به - تجب فيه الدية؛ كما في الشلل.
قال: وإن قطع ذكراً [أشل] وجبت عليه الحكومة.
[شلل الذكر: أن ينقبض فلا ينبسط، أو ينبسط فلا ينقبض كما ذكرناه، وإنما وجبت فيه الحكومة]؛ لأن شلله [قد] أبطل [منافعه] وبقي جماله؛ فكان كاليد الشلاء.
فإن قيل: منافعه باقية؛ لأنه مخرج البول، وخروجه [من الأشل كخروجه] من غيره؛ فوجبت أن تكمل فيه الدية.
قيل: مخرج البول منه أقل منافعه؛ لأنه يخرج مع قطعه، وقد فات بقطعه أكثر منافعه، والحكم [يتبع] الأكثر.
ولو جني على ذكره؛ فصار لا يمكنه الجماع به؛ لعدم انتشاره، لا لشلله - لم يجب سوى الحكومة؛ قاله ابن الصباغ والبغوي، وغيرهما؛ لأن العضو ومنفعته باقيان، والخلل في غيرهما.
وعلى هذا: فلو قطعه قاطع بعد ذلك فعليه القصاص، أو كمال الدية.
قال: وفي الأنثيين الدية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في كتاب عمرو بن حزم: "وَفِي الأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ"، ويروى: "فِي البَيْضَتَيْنِ" كما خرجه النسائي.
ولأنهما من تمام الخلقة، وهما محل التناسل؛ لانعقاد مني الصلب في يسراهما إذا نزل إليهما؛ فصار لقاحاً فيها.
ولأن الحياة محلهما؛ ولذلك كان عصرهما مفضياً إلى التلف.
ولا فرق بين أن تكونا لصغير أو لكبير، عنين أو غيره، باقي الذكر أو مجبوبه؛ لأن جب الذكر نقص في غيرهما.
قال: وفي إحداهما نصفها، سواء كانت يمنى أو يسرى؛ لأنه روي عن عليِّ – كرم الله وجهه – أنه قال: "في الخصية نصف الدية؛، وكذلك روي عن عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت، ولا مخالف لهم.
ولأن كل عضوين كملت فيهما الدية تنصفت في كل واحد منهما على السواء، وإن اختلفت منافعهما؛ كاليدين.
وقد حكي عن عمرو بن شعيب أنه قال: عجبت ممن يفضل البيضة اليسرى على اليمنى؛ لأن النسل منها؛ فإنه كان لنا غنم، فخصيناها من الجانب الأيسر؛ فكن يلقحن.
وهكذا الحكم فيما لو جني عليهما؛ فشلتا، أو أحداهما.
فرع: لو قطع أنثييه؛ فذهب ماؤه – لزمه مع دية الأنثيين دية؛ لذهاب الماء.
قال: وفي إسكتي المرأةالدية.
الإسكتان – بكسر الهمزة، وفتح الكاف – عند أهل اللغة: حرفا شق فرجها.
قال الأزهري: ويفترق الشفران والإسكتان: في أن الإسكتين ناحيتا الفرج، والشفران: طرفا الناحيتين.
وعند الفقهاء: هما الشفران؛ كما قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وكذا الماوردي، وحدهما بأنهما المغطيان للفرج المنضمان عليه من جانبيه؛ كالشفتين في غطاء الفم، والجفون في غطاء العين، ووافقه في هذه الحكاية الرافعي؛ حيث قال: [عبر الشافعي عن] الشفرين كالإسكتين، وهو نص المزني في "المختصر".
وإنما وجبت الدية فيهما؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعة فكانتا كالشفرين.
وسواء في ذلك المخفوضة- وهي المختونة-وغيرها، والبكر والثيب، والكبيرة والصغيرة، التي يطاق جماعها أو لا يطاق من رتق أو قرن.
قال: وفي أحداهما نصفها؛ لما تقدم.
وإن جنى [عليهما؛ فشلتا]، وجبت الدية؛ لأن شللهما قد أذهب منافعهما.
فرع: لو قطع مع الشفرين الركب - وهو عانة المرأة- فعليه الحكومة مع ديتها.
وكذلك لو قطع شيئاً من [عانة الرجل مع ذكره].
ولو قطع شفري بكر، وأزال بالجناية جلدة البكارة - فعليه مع دية الشفرين أرش البكارة.
قال: وفي الإفضاء الدية؛ لأن في ذلك إذهاب جمال ومنفعة مقصودة، وقد روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: "فِي الإِفْضَاءِ الدِّيَةُ".
قال: وهو أن يجعل سبيل الحيض والغائط واحداً؛ إذ به تفوت المنفعة بالكلية.
وأصل الإفضاء:؛ الفضاء، وهي البرية الواسعة؛ فكأنه لما رفع الحاجز اتسعت فصارت كالفضاء.
وسبيل الحيض: مدخل الذكر، وهو في أسفل الفرج، وهذا قول ابن أبي هريرة؛ كما حكاه الماوردي.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه قال به عامة أصحابنا.
واختاره، وهو المحكي –أيضاً – عن الشيخ أبي محمد، والشريف ناصر، والمجزوم به في "حلية الروياني".
وقيل: أن يجعل سبيل البول والحيض واحداً؛ لأن ما بين القبل والدبر فيه قوة لا يرفعه الذكر، فلا يحمل الإفضاء عليه؛ لأنهم فرضوا الإفضاء بالذكر، وسبيل البول: ثقبة في أعلى الفرج، وهذا قول [الشيخ] أبي حامد وجمهور البغداديين، ورجحه القاضي الحسين والبغوي.
قال الماوردي: والأول أظهر؛ لأن خرق الحاجز الذي في القبل بين مدخل الذكر ومخرج البول هو استهلاك لبعض منافعه، وليس في أعضاء الجسد ما تكمل الدية في بعض منافعه.
نعم، في خرق ما ذكره [الشيخ] أبو حامد حكومة، ولو قيل بوجوب الدية فيه، فوجوبها في خرق ما بين السبيلين أولى.
وقال المتولي: الصحيح أن خرق كل واحد منهما إفضاء يضمن بالدية؛ لوجود الإخلال في الاستمتاع بإزالته، وإفضائه إلى زوال إمساك الخارج من القبل؛ فلو جمع بينهما بجناية واحدة وجبت ديتان.
ولا فرق في وجوب الدية بالإفضاء بين أن يحصل بآلة الجماع أو غيرها، ولا بين أن تكون المرأة ثيباً أو بكراً، ولا بين أن يكون الفاعل له زوجها أو واطئاً بشبهة، أو زانياً مكرهاً أو غير مكره.
ومحل إيجاب الدية والاقتصار عليها.
إذا لم يندمل الجرح، ولم يحصل معه استرسال البول؛ فلو اندملت لم يجب سوى الحكومة إن بقي شين؛ كما جزم به الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما، وهو الأصح.
وعن السرخسي وغيره وجه: أن الدية تجب؛ كما في الجائفة.
والقائلون بالأول فرقوا بأن أرش الجائفة يتعلق باسمها، وقد أجافه، وإن كان الموضع قد التحم؛ فلهذا لم تتغير الدية فيها، وفي مسألتنا الدية تجب؛ لأجل زوال الحاجز، وقد رجع إلى ما كان.
ولو حصل مع الإفضاء استرسال في البول، فالمذهب – وهو المذكور في "الحاوي" وغيره -: إيجاب حكومة مع دية الإفضاء.
وفي تعليق القاضي الحسين وغيره حكاية وجه: أن الواجب دية لا غير؛ لأن زوال الحاجز يتضمن الاسترسال غالباً؛ فلا يفرد بحكومة.
واعلم أن الإفضاء تارة يكون عمداً محضاً بأن تكون المرأة ضعيفة [أو نحيفة]، والواطئ كبيراً يعلم أن وطأه يفضيها أو يغلب على ظنه؛ فتلزمه دية حالة مغلظة في ماله، وإن أفضى الإفضاء إلى تلفها كان عليه القود.
وتارة يكون عمد خطأ؛ بأن يكون وطء مثله لمثلها يجوز أن يفضيها ويجوز ألا يفضيها.
وتارة يكون خطأ؛ بأن يكون مثله مفضياً للصغيرة [وغير مفض للكبيرة]؛ [فيطأ الصغيرة، وهو [يظن أنها] الكبيرة]؛ فيفضيها؛ فتجب الدية في الصورتين على عاقلته: مغلظة في الأولى، مخففة في الثانية.
قال: وفي إذهاب العذرة الحكومة؛ لأنه قطع جلد حصل به شين، وليس فيه أرش مقدر، ويجب مع ذلك دية الإفضاء إن حصل [من الجناية] إفضاء، جزم به الماوردي.
وهذا إذا أذهبها غير الزوج بغير وطء، أما إذا أذهبها بوطء، نظر: فإن كان بزنى فهي مطاوعة فيه؛ فلا أرش لها.
وإن كانت مكرهة، أو كان الوطء بشبهة- فالمهر واجب، وهل هو مهر بكر أم ثيب؟ فيه وجهان تقدم ذكرهما في الصداق، وفي كتاب الغصب، وفي كتاب الغصب، وفي البيع الفاسد.
فإن أوجبنا مهر ثيب – وهو محكي في طريق المراوزة، ونسبوه إلى النص، وأظهر عند الرافعي – وجب أرش البكارة جزماً.
وإن أوجبنا مهر بكر، فهل يجب معه أرش البكارة، أم يدخل في المهر؟ فيه وجهان، [و] حكاهما القاضي أبو الطيب قولين كالقولين فيما إذا ذهب العقل بجناية هي موضحة.
وقضية هذا البناء: أن يكون القديم: الاندراج، والجديد: عدمه؛ كما ذكرناه من قبل.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن المذهب: الاندراج، وحكى القاضي – أيضاً- عن بعضهم القطع به، وعليه جرى في "المهذب"؛ فإنه فرق بينه وبين الموضحة: بأن هاهنا لا يمكن الوطء إلا بذهاب هذه العذرة، وليس كذلك ثمّ؛ فإن العقل قد يجني عليه بما لا يجني على الموضحة، والجناية بالموضحة قد [لا] تكون جناية على العقل؛ فأحدهما غير الآخر.
والطريقان جاريان – كما حكاه القاضي أبو الطيب – فيما إذا حصل [من الوطء] المذكور إقضاء؛ فأزال البكارة.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أن أرش البكارة يدخل في دية الإفضاء، وإن لم يدخل في المهر عند تجرد الوطء عن الإفضاء، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن النص فيهما، واقتصر ابن يونس على إيراده، وفرق بأن الدية بدل عن العضو الذي فيه البكارة؛ فاندرج فيه أرشها، والمهر ليس بدلاً عن العضو، بل عوض عن الاستمتاع بالبضع؛ فلم يندرج فيه الأرش.
أما إذا أذهبها الزوج: فإن كان بالوطء فلا شيء عليه، وكذا إن كان بغيره؛ كما حكاه القاضي الحسين والماوردي.
ثم قال القاضي: ويحتمل أن يجب أرشها؛ لأنه استحقه على وجه يكون استيفاء، وهذه جناية.
وقد صرح غيره بحكايته وجهاً.
ثم إذا أوجبنا أرش البكارة حيث يجب؛ فهل يكون من الإبل، أو من نقد البلد؟ فيه وجهان في "التهذيب"، وأصحهما في "الرافعي" – وهو المذكور في "تعليق" القاضي أبو الطيب -: الأول، على ما هو قاعدة الجناية على الأحرار.
فرع: لو أزالت بكر بكارة أخرى، اقتص منها، قاله الرافعي.
وفي "الشامل": أن المجني عليها إن كانت حرة وجب لها حكومة، ولم يتعرض لذكر القصاص.
ولو عادت البكارة، لم تسترد الأرش.
فرع آخر: إذا قتلت البكر عمداً؛ فأزال ولي القتيل بكارتها وعفا عنها – قال في "التتمة": إِنْ أزالها بإصبع أو خشبة، فلا شيء عليه بسببها، وإن أزالها بالوطء، فكذلك إن أوجبنا مهر ثيب وأرش البكارة، أو قلنا: إِنَّ أرش البكارة ينفرد عن المهر.
وإن قلنا: لا يجب سوى مهر بكر، وجب هاهنا مهرها كاملاً.
قال: وفي الشعور كلها الحكومة، يعني: الشعور التي [في] نباتها جمال في الجملة: كشعر الرأس، واللحية، والحاجب؛ لأنه أتلف جمالاً من غير منفعة؛ فلم يضمن ذلك بكمال الدية، وضمنه بالحكومة؛ كإتلاف العين القائمة، واليد الشلاء، وهذا بشرط ألا يعود؛ لفساد المنبت، أو يعود ناقصاً.
وأما لو عاد كما كان، فلا شيء على المشهور.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أن فيه حكومةً دون حكومته إذا لم يَعُدْ، وادعى أن الشافعي – رحمه الله – لوح إلى الوجهين، فلو خرج على قولين كان محتملاً، وفي "تعليق" القاضي الحسين تخصيص الوجهين بما إذا حصل له ألم عند الإزالة، والجزم بالمنع عند عدمه.
وأما ما لا جمال في بقائه، ويجمل بذهابه؛ كشعر الإبط [والعانة]- فلا حكومة فيه.
قال الماوردي: وقد خرج بعض أصحابنا فيه وجهاً ثانياً: أن فيه إذا لم يعد الحكومة، وإن كان ذهابه أجمل؛ لأن الشافعي – رحمه الله – قد أوجب في لحية المرأة إذا نتفت ولم تعد حكومة، وإن كان ذهابها أجمل بالمرأة من نباتها، وهما في المعنى واحد.
وعلى هذا يحسن أن يحمل كلام الشيخ على عمومه.
وفي "الحاوي" – أيضاً – حكاية وجه فيما إذا أخذ شعر الرأس والشارب ممن لا يشينه ذلك، وهو من جرت عادته بحلقه، ولم يعد -: أنه لا يجب فيه حكومة، والجزم بأنه إذا عاد: لا تجب.
فرع: إذا قلع حاجبه، وأوضح العظم، وجب عليه أكثر الأمرين من الموضحة،
وأرش الموضحة، قاله القاضي أبو الطيب عند الكلام في الشجاج.
قال: وفي جميع الجراحات سوى [ما ذكرنا]، أي: من الموضحة والجائفة – الحكومة؛ لأنه لا تقدير للشرع فيها، ولم ينته حصول الشين فيها إلى المنصوص عليه؛ فتعينت الحكومة.
قال القاضي أبو الطيب: ولأنه – عليه السلام – قدر الأروش في الشجاج في الرأس والوجه؛ فلو كان الأرش مقدراً في الجراحات فيما عداهما لكان أولى بالبيان؛ لأنها أكثر من الشجاج الموجبة للأروش المقدرة.
قال الأصحاب: وهكذا الحكم في كسر العظام، وينقلها يجب فيها – فيما عدا الوجه والرأس – الحكومة.
والفرق بين الرأس والوجه، وبين سائر أعضاء البدن في ذلك من أوجه:
أحدها: أن الجناية على الرأس والوجه أخوف؛ وهكذا الجائفة، بخلاف غيرهما.
والثاني: أن شينها في ذلك أقبح.
والثالث: أن الرأس أشرف؛ لاشتماله على حواس السمع والبصر والشم، والذوق.
والرابع: أنا لو أوجبنا في الموضحة على سائر البدن خمساً من الإبل، لأدى إلى أن نوجب في الموضحة على العضو أكثر مما يجب بقطعه؛ فإن الأنملة فيها ثلاثة أبعرة وثلث، بخلاف الإيضاح في الرأس والوجه.
وقد حكى عن الشافعي – رضي الله عنه – أنه قال في القديم: إذا كسر ترقوته ففيه جمل، وفي الضلع جمل؛ لأن عمر – رضي الله عنه – حكم فيهما بالجمل.
قال الماوردي: ومذهب الشافعي: أن قول الصحابي إذا انتشر، ولم يظهر له مخالف – وجب العمل به، وإذا لم ينتشر فعلى قولين، وهذا قول قد انتشر؛ فكان العمل به واجبا.
والجديد ما ذكرناه: أن الواجب في ذلك الحكومة.
وذهب أبو إسحاق المروزي، وأبو عليّ بن أبي هريرة، وأكثر المتأخرين إلى
أن المسألة ليست على قولين، ومذهب الشافعي في ذلك وجوب الحكومة، وما حكى عن عمر – رضي الله عنه – فهو تنبيه على قدر الحكومة؛ لأنه تقدير مستقر.
قال: وفي تعويج الرقبة، وتصغير الوجه، وتسويده –الحكومة؛ لأنه إذهاب جمال من غير منفعة، وفي بعض النسخ: "تصعير الوجه" أي تعويجه، والذي وقفت عليه في نسخة عليها خط المصنف: الأول.
فلو أخذ الحكومة ثم زال الشين – لزمه رد الحكومة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وجه آخر: أنه لا يسترد؛ لأجل الألم.
وذكر فيما إذا زال قبل الأخذ: أن له الأخذ.
فرع: لو لوى عنقه؛ فامتنع عليه بسبب ذلك الطعام والشراب وجبت عليه الدية؛ كما صرح به الإمام والفوراني؛ لأنه سد [منفذ الطعام والشراب] وإن كان من هذا حاله لا يعيش.
فرع: لو لوى عنقه؛ فامتنع عليه بسبب ذلك الطعام والشراب وجبت عليه الدية؛ كما صرح به الإمام والفوراني؛ لأنه سد [منفذ الطعام والشراب] وإن كان من هذا حاله لا يعيش.
لكن أثر ما ذكرناه يظهر فيما لو حز آخر رقبته.
قال الإمام: فلو مات بسبب امتناع الطعام والشراب، إن قلنا: إن من قطع يدي شخص أو رجليه، ثم حز رقبته – لايجب عليه إلا دية واحدة، فكذلك هاهنا.
وإن قلنا ثم: تجب عليه ديتان، فهاهنا يجوز أن يجعل موته بسبب الجوع والعطش بمنزلة السراية؛ حتى تجب دية واحدة، ويجوز ألا يعد من قبيل السراية، بل يجعل كالحز؛ فتجب ديتان.
قال: والحكومة: أن يُقوَّم بلا جناية، أي: لو كان عبداً، ويقوم بعد الاندمال مع الجناية، فما نقص من ذلك وجب بقسطه من الدية.
أما تعين هذا الطريق فوجهه: أن ما تجب فيه الحكومة من الجنايات ليس في أرشه نص، فوجب التقدير [فيه] بالاجتهاد، ولا طريق إلى معرفة قدر النقصان من جهة الاجتهاد إلا بالتقويم؛ فاعتمدناه.
وأما إيجاب نسبة النقصان في التقويم من الدية، أي: دية النفس، لا دية العضو المجني عليه – لأن الدية مضمونة بالدية؛ فوجب القدر الناقص منها، كما يقوم المبيع [عند الرجوع بأرش العيب، ثم نوجب القدر الناقص من الثمن حين كان المبيع] مضموناً بالثمن.
ومثال ذلك: إذا كان المجني عليه لو كان عبداً سليماً من الجناية يساوي مائة، وبعد اندمال الجناية يساوي تسعين – عرفنا أن الفائت بالجناية عشر القيمة؛ فنوجب على الجاني عشر دية المجني عليه، لكن بشرط أن ينقص عشر الدية عن دية العضو المجني عليه [إن كان له أرش مقدر؛ فلو لم ينقص، نقص [عنه] ما يراه الحاكم، وأقله: ما يجوز أن يكون ثمناً، أو صداقاً لامرأة].
قال الإمام: ولو قال قائل في هذه الحالة: تضبط نسبة النقصان الحاصل بالجناية على العضو، مع بقاء العضو، ثم يقدر النقصان بفوات العضو، ثم يدرك ما بين النقصانين، ويحط مثل تلك النسبة؛ فإن نعتبر نقصان الجزء بنقصان الكل غير الكل؛ فهذا وجه من الرأي جيد.
وفرَّ بعض أصحابنا من ذلك؛ فجعل نقص الجناية معتبراً من دية العضو المجني عليه، لا من دية النفس:
فإن كانت الجناية على يده، والنقص – كما ذكرنا- العشر وجب عشر دية اليد.
وإن كانت على إصبع وجب [عشر دية الإصبع.
وإن كانت على الرأس فيما دون الموضحة أوجب عشر دية الموضحة.
وإن كانت على الجسد فيما دون الجائفة أوجب] عشر دية الجائفة، ولم نعتبره من دية النفس؛ حذاراً من ان يبلغ أرش الحكومة دية ذلك [العضو]، أو زيادة عليه.
قال الماوردي: وهو فاسد؛ لوجهين، حكاهما في المهذب أيضاً:
أحدهما: أنه لما كان التقويم للنفس، دون العضو، وجب أن يكون النقص معتبراً من دية النفس دون العضو.
والثاني: أنه قد يقارب جناية الحكومة جناية المقدر؛ كالسمحاق مع الموضحة، فلو اعتبر النقص من دية الموضحة لبعد ما بين الأرشين، مع قرب ما بين الجنايتين.
والوجهان متفقان على أن الجناية إذا كانت على عضو ليس له أرش مقدر – من كتف، أو فخذ، أو ساق، أو عضد، أو ذراع – أن المعتبر فيها نقصانها عن دية النفس، وإن زادت على دية يد أو عضو آخر، وقد صرح بهذا الجواب في "التهذيب".
وشبه الأئمة تنقيص الحكومة عن أرش الموضحة، والأرش المقدر في العضو، أو عن دية النفس بالتعزير؛ حيث لا يبلغ به أدنى الحدود، وكذلك الرضخ لا يبلغ به السهم، والمتعة لا يبلغ بها نصف المهر.
فرع: الجناية [على الكف] يعتبر ألا تبلغ حكومتها دية إصبع واحد على الأصح، وبه جزم العراقيون.
وفي "الإبانة" وغيرها حكاية وجه سبقت حكايته: أنه يجوز أن تزيد عليه، لكن ينقص من دية [الأصابع] الخمس.
فرع آخر: الجناية على البدن – كالظهر والبطن والصدر – فيها الوجهان السابقان في صدر المسألة، فعلى وجه: تنقص عن دية الجائفة؛ كما ينقص ما دون الموضحة [عن أرش الموضحة].
قال الماوردي: ويمكن أن يفصل بين الموضحة مع ما دونها، وبين الجائفة مع غيرها: أن ما تقدم الموضحة بعض الموضحة؛ فلم يبلغ ديتها، وغير الجائفة قد لا يكون بعضها؛ لما فيه من كسر عظم وإتلاف لحم؛ فجاز أن تزيد يد حكومتها على دية الجائفة، وهو الأصح.
[قال]: وإن كانت الجناية مما لا ينقص بها شيء بعد الاندمال، ويخاف منها التلف حين الجناية: كالإصبع الزائد، وذكر العبد، أي: إذا كان أصل، أو فرعنا على القديم في أن الواجب يه ما نقص من القيمة؛ كما سنذكره.
قال: قوم حال الجناية، فما نقص [من ذلك] وجب؛ لأنه [لما] تعذر تقويمه في حال الاندمال؛ لانتفاء النقص – قوم في الحالة التي يظهر فهيا، وهي حالة الجناية؛ كما قلنا في ولد المغرور: لما تعذر تقويمه حالة العلوق قوم [في حال] إمكان تقويمه، وهو عند الوضع.
وهذا إذا لم يظهر بسبب الجناية نقص في التقويم إلا عند الجناية، أما إذا ظهر بعد الجناية، وقبل الاندمال- اعتبرنا النقص الحاصل في أقرب الأحوال إلى الاندمال، ثم الحالة التي تليها، إلى أن نرجع إلى حالة الجناية- كما قال الشيخ – إن لم يكن نقص إلا فيها.
وقيل: المرجع في تقدير الحكومة في هذه الحالة إلى اجتهاد الحاكم، حكاه الطبري في "العدة"، وكذا الفوراني، مع ما ذكره الشيخ، وهذا تفريع على إيجاب الحكومة فيها، وهو قول أبي إسحاق المروزي، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
وقد ذهب ابن سريج إلى أن الجناية إذا لم تنقص شيئاً بعد الاندمال، لا يجب فيها شيء، وبه جزم بعضهم في ذَكَرِ العبد، ورجحه الرافعي، وقال: [إن الإمام قال]: إن قول ابن سريج هو ظاهر القياس؛ فإن المعتمد في الحكومات اعتبار النقصان، وبناء النسبة عليه، فإذا لم يكن نقص أصلاً فلا معنى لإيجاب شيء مع انعدام الموجب.
وأيد ذلك – أيضاً – بأن الذي صار إلى أن المرجع في تقدير الحكومة إلى اختيار القاضي، إن قال: إنه يوجب ما شاء، فهذا في غاية البعد، وإن كان بسبب نظره إلى رأي، فهو المطلوب؛ فليبحث عنه؛ فهو مرادنا.
والقائل بالوجه الآخر، وهو اعتبار النظر إلى حالة الجناية، فإما أن يقومه لو كان عبداً، والألم لا يزول، أو يقومه مع تقدير الزوال: فإن قال بالأول فهو باب من الظلم ولا ينبغي أن يقدر الشيء إلا على ما هو عليه.
وإن قال بالثاني فيسقول المقومون: إذا كانت الآلام تزول، والشين ينتفي، فالقيمة بحالها.
وإذا تعطل الوجهان تعين المصير إلى أنه لا يجب شيء أصلاً، وصحة المذهب وفساده تمتحن بالتقديقات.
وقد تعرض الرافعي لجوابه، فقال: ولناصر الوجه الأول أن يقول: يسند الحاكم اجتهادَه إلى كيفية الجناية، خفة وفحشاً، وإلى قبحها في النظر سعةً، أو عرضاً، وإلى قدر الآلام المتولدة منها، المختلفة بسرعة البرء وبطئه.
وأن يجبوا عن الآخر بأن هاهنا قسماً آخر، وهو أن يقول: ما قيمته، وبه هذه الجناية التي لايدري أيحصل الاندمال فيها ويزول ألمها، أو يسري، ولا يدري – على التقدير الأول – أيبقى شين وأثر، أم لا؟
ولا شك أن الجراحة التي حالها ما ذكرنا توجب نقصان القيمة.
ثم قال: وقد تعرض الإمام في خلال الفصل لهذا الجواب، إلا أن نفسه لم تسكن إليه.
ثم الوجهان جاريان في كل جناية هي جرح أو كسر عظم؛ كما حكاهما القاضي أبو الطيب، وكذا فيما [إذا] كان ضرباً على الوجه؛ فأثر اسوداداً ونحوه، كما حكيناه عن رواية القاضي الحسين من قبل.
وفي "الرافعي" و"التهذيب" الجزم في الضرب بعدم الإيجاب.
وقد طرد القاضي الحسين الوجهين – أيضاً – فيما إذا ضرب بطن امرأة؛ فأجهضت الجنين، وحصل لها ألم بسبب الضرب، ولم يحصل شين؛ فعلى وجه: يجب حكومة في وقت الألم، وعلى وجه: لا يجب شيء، وادعى أنه المنصوص عليه في باب "دية الجنين".
أما إذا قطع ذكر العبد، وفرعنا على الجديد في أن جراح العبد من قيمته
كجراح الحرِّ من ديته، فالواجب القيمة؛ وإن زادت بسبب ذلك، صرح به المتولي وكذا الغزالي في كتاب الديات، وإن كان قد قال عند الكلام في معنى الحكومة: إن القياس: ألا يجب شيء.
وفيه وجه: أنه يجب كمال القيمة.
قال: وإن كان مما لا يخاف [منه]، كحلية المرأة –أي إذا أتلفها، وأفسد منبتها؛ كما ذكرنا في الشعور – قُومَ لو كان عبدا وله لحية، وقوم ولا لحية له – فيجب ما بينهما، أي: من الدية؛ كما ذكرناه؛ لأن هذا هو الممكن.
والوجه السابق في أن قدرها موكول إلى اجتهاد الحاكم جارٍ هاهنا، وقد جزم به الفوراني وصاحب "العدة"، وهو تفريع على قول أبي إسحاق: إن الحكومة تجب في لحية المرأة، وهو ظاهر النص.
وطرد ابن سريج مذهبه، ولم يوجب فيها شيئاً.
وادعى الغزالي أنه القياس، وجزم في"الوسيط" به فيما إذا كانت الجناية خفيفة لا تؤثر نقصاً في حالة وجودها، وإن كان في "التتمة" [قال]: إن الحاكم يوجب فيها شيئاً بالاجتهاد.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين:
أحدهما: اعتبار سنه في التقويم.
والثاني: أنه لا تنقص حكومة لحية المرأة عن حكومة لحية الرجل، [وكذا هما في "التهذيب"]، وفي كلام الأئمة ما ينازع فيهما.
أما الأول: فقد قال ابن الصباغ يعتبر بعبد يشينه ذهاب اللحية، كابن الأربعين والخمسين.
وعن الشيخ أبي حامد أنه يعتبر أن يكون كابن الثلاثين والأربعين؛ لأن اللحية لمثل هذا فيها جمال.
وقال الغزالي: يعتبر بعبد بلغ أوان اللحية.
يعني طلوعها، والعبارة متقاربة.
وفي كلام الإمام إشارة إلى أن بعضهم رأى أنا نعتبر زوال لحية الغلام في حال كونه أمرد؛ فإنه قال: ولا حاصل لقول من يقول: الالتحاء ينقص قيمة المرد من الغلمان.
ثم رد عليه بأن ما ذكرناه في لحية نبتت في أوانها، وعدم اللحية في الرجال في أوان نباتها نقص بَيِّنْ وشيْنٌ.
وأما الثاني فظاهر نص الشافعي – كما ذكره ابن الصباغ وغيره – صريحٌ في تنقيص حكومتها عن حكومة الرجل؛ حيث قال: إذا نتف لحية امرأة أو شاربها، فعليه حكومة دون حكومة لحية الرجل، وإن لم يحدث من نتفها شينٌ.
وفي كلام الإمام ما يحصل به جواب هذا، فإنه قال: ولست أعرف ضبطا في مقدار الحط، وليس إلا الرجوع إلى بوادر خاطر المجتهد؛ ولعسر هذا لم يعتبره الأصحاب- يعني: النقص عن حكومة الرجل- ونزلوا لحية المرأة منزلة [لحية] الرجل.
وقد أوضح الماوردي طريق معرفة ذلك، فقال: نتف اللحية يُحْدِث في المرأة زيادةً وفي الرجل نقصاناً؛ فتسقط الزيادة الحادثة في المرأة من النقصان الحادث في الرجل، وينظر الباقي بعده؛ فيعتبر من ديتها، فإن لم يبق بعد إسقاط الزيادة شيء من النقصان أوجبنا حينئذ أقل ما يجوز أن يكون ثمناً، أو صداقاً.
مثاله: إذا قدرنا أمة، وقيمتها مع وجود اللحية أربعون، وبدون اللحية خمسون فالزائد الخمس؛ فإذا قدرناها غلاماً، وله لحية وقيمته بلحيته مائة، وبدونها بعد قلعها وفساد منبتها تسعون – فالفائت العشر؛ فينقص من الزائد في المرأة عشر قيمتها، وهو خمسة؛ فيبقى من الزيادة عشر قيمتها؛ فيجب عشر ديتها.
ولو كانت قيمة الغلام [والحالة هذه]، بعد قلع لحيته وفساد المنبت؛ ثمانين فالفائت خمس قيمته؛ ففي هذه الحالة استوعب النقص الزيادة؛ فيجب من الدية أقل ما يكون ثمناً.
فرع: إذا قلع سنًّا زائدة، وأوجبنا الحكومة فيها؛ كما هو مذهب أبي إسحاق، والأصح في "التهذيب" وغيره، خلافاً لابن سريج – فقد اختلفت الطرق في [كيفية] معرفة حكومتها:
فقال ابن الصباغ: [يقال]: إذا قلعت هذه السن الزائدة، وليس خلفها سن أصلية كم قيمته؟ فيقال مثلاً: ثمانية وتسعون، [ويقال: وكم] قيمته إذا لم تكن مقلوعة؟ فيقال: مائة- فقد نقص خُمُسُ عُشْرِ القيمة؛ فنوجب خمس عُشْرِ الدية.
وهذا ما أورده في "المهذب".
وحكي أن الشيخ أبا حامد قال في "التعليق": يقال: هذا السن الزائد إذا لم يكن وراءها سن كم قيمة هذا العبد؟ فإن قيل: مائة، فيقال: ولو كان وراءه سن آخر كم قيمته؟ فإذا قيل: تسعون، عرفنا أن الناقص عشر القيمة؛ فنوجب عشر ديته؛ لأنه إذا لم يكن وراءه سن، [يكون] فيه جمال؛ فتكون قيمته أكثر، وإذا كان وراءه سن، لم يكن فيه جمال، فتقل قيمته.
وفي "تعليق" البندنيجي أنه يقال: إذا قلع سنًّا زائدة، وخلفها سن أصلية، كم يساوي؟ فإذا قيل: مائة، قلنا: [ولو] لم يكن هناك سن أصلية كم يساوي؟ فإذا
قيل تسعون، قلنا: ففيها عشر الدية وعلى هذا أبداً.
واللفظان متقاربان، وليس مراد الشيخ أبي حامد وغيره أنا نوجب في السن عشر الدية؛ للعلم بأن السن الأصلية لا يجب فيها ذلك، وإنما مرادهم بذلك: المثال لا حقيقة الأمر؛ ولذلك كان ما مثل به ابن الصباغ أحسنَ؛ لسلامته عن الطعن.
وقد حكى المراوزة وجهاً: أن المرجع في حكومته إلى اجتهاد الحاكم؛ كما في نظائر ذلك.
فرع آخر: إذا قطع أنملة لها طرفان.
أحدهما: زائد.
والآخر: أصلي – فيجب [في] الأصلي أرشه، وأما الزائد فلا يمكن اعتباره بشيء.
قال ابن الصباغ والبندنيجي: فيقدرها الحاكم باختياره، ولا يبلغ بذلك أرشَ الأصلي.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقوم – وله الزائدُ – بلا أصلية كما اعتبرت لحية المرأة بلحية الرجل، ولحيتها كأعضاء زائدة، ولحيته كالأعضاء الأصلية.
قال: وما اختلف فيه العمد والخطأ في النفس -: بسبب التغليظ – اختلف فيما دون النفس بالقياس على النفس.
قال: ويجب في قتل العبد والأمة قيمتهما بالغة ما بلغت؛ لأنهما مال مضمون بالإتلاف لحق الآدمي بغير جنسه؛ فضمن بقيمته بالغة ما بلغت؛ كسائر الأموال، وهذا متفق عليه.
[فرع: لو كانت الأمة حال القتل مزوجة.
قال الإمام في أول فصل مذكور في نكاح الغرور: إن الواجب قيمتها خلية عن الزوج، وإن تقدير ذلك فيها ممكن لو بقيت، ولكنا نعتبر الصفة التي كانت
الجارية عليها حالة الإتلاف].
قال: وما ضمن من الحر بالدية – أي: كاليدين والرجلين ونحوهما – ضمن [من العبد] والأمة بالقيمة؛ لأنه روي ذلك عن عمر وعليّ – رضي الله عنهما – ولأن كُلاًّ منهما حيوان يضمن بالقصاص والكفارة؛ فكانت أطرافه وجراحاته مضمونة ببدل مقدر من بدنه كالحر، وهذا هو الجديد، والأصح في الطرق، ولم يحك العراقيون سواه.
وبعضهم نفي أن يكون ثَمَّ خلافٌ، كما حكاه في "التهذيب"، وعلى هذا تأتي المسائل التي نفرعها من بعد.
وحكى المراوزة عن ابن سريج [تخريج] قول: أن جميع أطراف العبد والأمة وجراحاتهما مضمونة بقدر النقصان كالبهائم، وهذا أخذ من نص الشافعي – رحمه الله – أن العاقلة لا تحمل قيمة العبد المقتول خطأ، كالبهائم.
وقد حكى الإمام هذا التخريج قولاً منصوصاً [في القديم].
فحصل في المسألة قولان، وهما جاريان فيما ضمن من الحر بأرش مقدر: كالسن، والأنملة، ونحوهما، هل يضمن من العبد والأمة بما نقص، أو بمثل نسبة ذلك من قيمته، حتى يضمن سنه بنصف عشر قيمته، وأنملة، ونحوهما، هل يضمن من العبد والأمة بما نقص، أو بمثل نسبة ذلك من قيمته، حتى يضمن سنه بنصف عشر قيمته، وأنملة خنصره – مثلاً- بثلث عشر قيمته.
قال الإمام: ثم على الجديد قد يعرض للعبد ما لا يتصور في الحر، وبيانه: أن العبد إذا كانت قيمته ألفاً؛ فإذا قطعت يده؛ فعادت قيمته إلى ستمائة – فعلى القاطع خمسمائة؛ فلو قطع آخر يده؛ فعليه ثلاثمائة، وهذا لا يتصور في الحر؛ فإن بدله لا ينقص.
ثم محلف هذا عند صاحب "التهذيب" إذا صدر القطع الثاني بعد اندمال
الأول، وقال إذا حصل قبل اندماله: إن على الثاني نصف ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمسون؛ لأن الجناية الأولى ما استقرت بَعْدُ حتى يقسط النقصان، وقد أوجبنا بها نصف القيمة، وكأنه انتقص نصف القيمة.
ولو مات العبد من القطعين، قال الرافعي: ففي الواجب عليهما اختلاف أوجه مذكورة في الصيد والذبائح، وقد حررته في هذا الكتاب في الباب المذكور على أبلغ وجه؛ فليطلب منه.
قال: وما ضمن من الحر بالحكومة ضمن من العبد والأمة بما نقص؛ لأنا نشبه الحُر في الحكومة بالعبد؛ لنعرف قدر التفاوت؛ فنرجع به؛ ففي المشبه به أولى.
وقد قال الأصحاب: إن العبد أصل للحر في الحكومة، والحر أصل للعبد في التقدير، فعلى هذا: لا يبلغ بأرش الجناية التي لا أرش لها قيمة الجملة، أو قيمة العضو التي صدرت الجناية فيه، على التفصيل والخلاف السابق في الحر، صرح به الماوردي، وصرح بنقيضه عن النص.
قال: ولا يختلف العمد والخطأ في ضمان العبد والأمة؛ لأن المضمون هو المالية، وضمان المال لا يختلف فيه العمد والخطأ.
وقد قال: لم لا أجرى قول في التغليظ في قيمتهما إذا وقع القتل عمداً، أو في الحرم، أو كان القتيل ذا رحم محرم للقاتل، أو في الأشهر الحرم؛ بناء على أن العبد كالحر في كون العاقلة تحمله، وبناء على أن دية الحر [مقدرة بألف] دينار أو اثني عشر ألف درهم عند إعواز الإبل، وأنه يزاد للتغليظ فيها قدر الثلث.
قال: وإن قطع يد عبد، ثم أعتق، ثم مات وجب فيه دية حُرّ؛ نظراً إلى حال استقرار الجناية؛ فإن الضمان بدل المتلف؛ فينظر فيه حالة التلف، وسواء في ذلك الزيادة على قدر القيمة والنقص عنها.
قال: [للمولى منها] أقل الأمرين من نصف الدية أو نصف القيمة –أي:
وقت الجناية – لأن نصف القيمة إن كان أقل فهو لم يستحق أكثر من ذلك؛ لأن الزيادة حصلت في حال الحرية، ولا حق له فيها.
وإن كان نصف الدية أقل لم يستحق أكثر منه؛ لأنه استحق [نصف] بدل نفسه في حال الرق؛ فإذا نقص نصف بدلها بالعتق عن نصف بدلها في حال الرق لم يستحق أكثر منه؛ لأنه المتسبب فيه بالعتق، وهذا قول أبي عليّ بن أبي هريرة.
والمنصوص عليه؛ كما ذكره القاضي الحين، وهو الذي أورده في "المهذب"، وعليه الجمهور: أنه يجب للمولى منها أقل الأمرين من نصف القيمة أو كل الدية.
قال الماوردي: وما قاله ابن أبي هريرة زلل؛ لأن الجناية من شخص واحد لا يخلو حالها من أربعة أقسام:
إما أن نعتبرها وقت الجناية بنصف القيمة؛ قَلَّت أو كثرت.
أو نعتبرها وقت الموت بجميع الدية، قلت أو كثرت.
أو نعتبرها بأكثر الأمرين؛ فلا يجوز، وهو مردود بالاتفاق.
أو نعتبرها بأقل الأمرين، وهو متفق عليه؛ فوجب أن يكون الأقل ما وجب في الابتداء وهو نصف القيمة، وما استقر في الانتهاء وهو جميع الدية، فأما أقل الأمرين من نصف القيمة أو نصف الدية، فلا يعتبر إلا في جناية اثنين، وهو أن يقطع حر يد عبد، فيعتق، ثم يقطع آخر يده الأخرى، ثم يموت – فيكون عليها دية حر بينهما نصفين، للسيد منها أقل الأمرين من نصف قيمته، أو نصف ديته؛ لانهما جنايتان أحداهما في الرق يختص بها السيد، والأخرى في الحرية يختص بها الورثة.
وكذا فيما إذا قطع يده، وهو عبد؛ فعتق، ثم عاد الجاني، وقطع الأخرى، ومات منهما فإن الواجب عليه الدية، وللمولى منها أقل الأمرين من نصف القيمة، أو نصف الدية؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب، والماوردي – أيضاً- وقال: لعل ابن
أبي هريرة خالف في تلك المسألة حملاً على هذه، والفرق بينهما واضح.
ولا يجب على الجاني في هذه الصورة القصاص في النفس، ويجب عليه في الطرف الذي قطعه بعد الحرية.
وعن ابن كج حكاية وجه: أنه يجب في النفس أيضاً.
وعن ابن سريج حكاية وجه: أنه لا يجب في الطرف كما حكاه الماوردي؛ لدخوله بالسراية في نفس لا تستحق قوداً، وهما ضعيفان.
وقد حكى في مسألة الكتاب قول آخر: ادعى صاحب "التقريب" وأبو يعقوب الأبيوردي، والقاضي الحسين وشيخه القفال –أنه مخرج من قول الشافعي في الفروع التي سنذكرها: إن للمولى أقل الأمرين من كل الدية أو كل القيمة.
وفي تعليق بعض المراوزة نسبة هذا القول إلى القديم، وعبر عنه المراوزة كما حكاه الإمام – بأنه يجب للسيد الأقل مما يلزم الجاني آخراً بالجناية على الملك أولاً، أو من مثل نسبته [من] القيمة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين أن المزني قال [وجهاً: إنه] يجب للمولى نصف [القيمة]؛ لأنه قد استحق النصف من قيمته على الجاني بقطع يده؛ فلا يتغير.
أما إذا اندمل القطع، ومات المعتق بسبب آخر- كان للسيد على الجاني نصف قيمته.
ثم على القول الصحيح في مسألة الكتاب فروع:
منها: إذا كان الجاني قد قطع يدي العبد قبل العتق، ثم سري القطع؛ فمات منه – وجب على الجاني الدية، وللسيد منها أقل الأمرين من كل الدية، وكل القيمة.
وقال المزني: إن كانت القيمة أكثر وجبت للسيد على الجاني؛ اعتباراً بوقت الجناية.
قال الإمام: وكأنه يقول: لا سبيل إلى صرف رقبة الحر إلى السيد، ولا سبيل إلى حرمانه؛ فالوجه أن يقطع أثر الجناية، ويصرف إليه أرش ما جرى في الرق.
وهذا كوجه ذكره الإصطخري، فيما إذا قطع يدي مسلم ورجليه، فارتد، ومات بالسراية – أنه يجب على الجاني ديتان، ولا ينظر إلى السراية بعد السردة.
وعن الشيخ أبي محمد: أن من سلك مسلك الإصطخري هناك لا يبعد أن يوافق المزني هاهنا.
ولو لم يمت العبد في هذه الصورة، واندمل الجرح – وجب للسيد كمال القيمة.
وعن ابن كج حكاية وجه فيما إذا كان الاندمال بعد العتق: أن الواجب فيه دية حر؛ اعتباراً بحال الاستقرار.
ومنها: لو قطعت يدا العبد في حال الرق، ثم عتق، ثم أوضحه الجاني، ومات من الجراحات- فالواجب عليه دية حر، وللمولى منها أقل الأمرين من كل الدية، أو [كل] القيمة.
وفي شرح الفروع للقاضي أبي الطيب حكاية قول آخر: أنه يجب للمولى أقل الأمرين من نصف قيمته أو نصف ديته.
وهكذا الخلاف فيما لو صدرت الموضحة من جانٍ آخر.
ومنها: إذا: قطع حر يد عبد، فعتق، ثم جاء آخر فقطع يده الأخرى، ثم جاء آخر؛ فقطع رجله، ثم مات بالسراية – فعلى الثاني والثالث القصاص فيما قطعاه، وكذا في النفس على [الأصح]، خلافاً لأبي الطيب بن سلمة؛ كما حكيناه من قبل عن رواية القاضي أبي الطيب، وغيره.
وبعضهم نسب إلى أبي الطيب بن سلمة حكاية قولين في المسألة؛ كما في شريك السبع.
وأما الدية فهي عليهم أثلاثاً: للورثة منها الثلثان بلا شك، وهل هما الثلثان الواجبان على الثاني والثالث، أو هما شائعان على الجميع؟ فيه خلاف سنذكره، وما الذي يستحقه السيد؟ فيه قولان منصوصان في المختصر:
اختيار المزني: أقل الأمرين من نصف القيمة أو ثلث الدية.
والقول الثاني: أنه يستحق أقل المرين من ثلث القيمة أو ثلث الدية، وباقي الثلث للورثة – أيضاً –إن كان أكثر الأمرين.
ولو انعكست الصورة؛ بأن قطع أحدهما يده، وآخر رجله، وهو رقيق، ثم عتق؛ فقطع آخر يده الأخرى- فالسالم للورثة الثلث بلا شك.
وما للسيد؟
فعلى اختيار المزني: أقل الأمرين من كمال القيمة أو ثلثي الدية.
وعلى القول الآخر: أقل الأمرين من ثلثي القيمة أو ثلثي الدية.
ولو كان الجناة أربعة، وقد قطع أحدهم يده، وآخر يده الأخرى، وآخر رجله قبل العتق، ثم قطع الرابع الرجل الأخرى بعد العتق؛ فالواجب عليهم الدية أرباعاً: للورثة منها ربع بلا شك، وما الذي يجب للسيد؟
فعلى رأي المزني: الأقل من نصف قيمته وثلاثة أرباع الدية.
وعلى القول الآخر: الأقل من ثلاثة أرباع الدية أو ثلاثة أرباع القيمة، وعلى هذا فَقِسْ.
ومنها: إذا قطع حر إصبع عبد، فعتق، ثم قطع آخر يده، مات منهما – فعليهما الدية، وللسيد الأقل من نصف الدية وعشر القيمة، ولا يخفى على متأمل التفريع على قول ابن أبي هريرة وغيره فيما ذكرناه من الفروع.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ: "للمولى منها أقل الأمرين .. " إلى آخره، أن الواجب للسيد إبل، لا قيمة، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب؛ حيث قال: إذا ثبت القولان في جميع المسائل – يعني القولين اللذين حكيناهما عن "المختصر" في الفروع – فإن حق السيد يتعلق بعين الإبل، وليس للورثة أن يمنعوه الإبل، ويعطوه غيرها بدلها.
فعلى هذا: إن كان نصف الدية أقل أو مساوياً لنصف القيمة، أخذه [إبلا]، على رأي الشيخ وأبي علي بن أبي هريرة.
وعلى رأي غيره: إن كان كل الدية اقل أو مساوياً لنصف القيمة أخذه إبلاً، وإن كان الأقل نصف القيمة أخذ من الإبل بقدره، وقد صرح به المحاملي، وكذا ابن الصباغ وقال: فإن قيل: أليس لو كان على المقتول دين تعلق بذمته؛ فلو قال الورثة: نحن نقضي الدين ونأخذ الإبل، كان لهم ذلك؟ فهلا كان هنا مثله.
قلنا: الفصل بينهما: أن مال الميت انتقل إلى الورثة، وقد تعلق به حق الغرماء؛ فكان لهم أن يقضوه من غيره، وهاهنا حق الجناية على الجاني وجب
للسيد دون الورثة؛ فلم يكن لهم أن يعطوه من غيره.
قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل هنا: الزكاة تتعلق بعين المال على قول تعلق شركة، ولرب المال دفعها من غيره.
قلنا: الفرق [بينهما]: أن مستحق الزكاة غير معين، وليس كذلك هاهنا؛ فإن [السيد هو المستحق]، وهو معين.
وقد أبدى الإمام احتمالاً أقامه وجهاً، وكذلك الغزالي، فيما إذا كان الأقل هو الواجب على الجاني -: أن الجاني إذا أتى للسيد بالدراهم، أجبر على قبولها؛ لأن ما يجب له يجب بحق الملك، [والواجب بحق الملك] النقد، فإذا أتى به فقد أتى بأصل حقه، [وإن أتى] له بالإبل أجبر على قبولها أيضاً.
ويخرج من ذلك: أن الخيار للجاني، وهو أفقه وأغوص عند الإمام، وإيراده في "الوجيز" يشعر بترجيحه.
وفي "الحاوي" ما يقتضي أن الواجب على الجاني إن كان هو أقل الأمرين، فالأمر كما حكيناه عن القاضي وغيره من قبل، وإن كان الأقل الواجب للسيد تعين على الجاني دفع الدراهم للسيد، وأجبر عليها السيد، ويسقط مما عليه من الإبل بقدرها، ويدفع الباقي للورثة؛ فإنه حكى فيما إذا قطع يد عبد، فعتق، فقطع آخر يده الأخرى، ومات بسرايتهما – فالدية عليهما نصفين، وللسيد منها أقل الأمرين، كما ذكرناه من قبل.
فإن [كان] نصف الدية أقل استوفى من القاطع الدية إبلا، وأعطى السيد نصفها إبلا، وهل يختص السيد بالنصف الذي على القاطع الأول، أو يشترك هو والورثة فيما على القاطعين؟ فيه وجهان.
ولا يجوز أن يعدل بالسيد عن نصف الدية من الإبل إلى نصف القيمة إلا عن مراضاة.
وإن كان الأقل نصف القيمة [وجب أن يأخذ السيد من إبل الدية نصف قيمة عبده ورقاص أو ذهباً، فإن عدل به إلى الإبل لم يجز إلا عن مراضاة.
فإن قيل بالوجه الأول: إن حقه مختص بالجاني الأول، رجع عليه بنصف قيمة
عبده، وقوم بها من الإبل ما قابلها، ودفع ما بقي من نصف الدية مع جميع النصف الآخر إلى الورثة.
ومن هنا استنبطت ما ذكرته؛ فإن جميع ما وجب على الجانب في مسألة الكتاب نظير ما وجب على الجاني الأول إذا قلنا بانحصار حق السيد فيه.
قال الماوردي: وإن قيل باشتراك السيد والورثة أخذت الدية إبلاً، وكان للوارث الخيار بين أن يدفع للسيد نصف القيمة من ماله ويأخذ جميع الدية، وبين أن يبيع منها بقدر نصف القيمة ويأخذ الباقي؛ فإن أراد الوارث أن يدفع إلى السيد بنصف القيمة إبلا، لم يلزمه إلا عن مراضاة؛ لأن حقه في غيرها.
وهذا – أيضاً – يقتضي في مسألة الكتاب أن يكون للورثة الخيار كما ذكره؛ لأن حق السيد شائع في جميع ما وجب على الجاني، كما هو شائع فيما وجب على الجانيين.
ومساق هذا البحث: ألا يبرأ الجاني بإبراء السيد من قدر ما وجب له، وقد صرح الإمام والرافعي ببراءته، وهو يعضد ما اقتضاه كلام الشيخ، والله أعلم.
فرع حكاه الإمام في كتاب السير: إذا جرح مسلم ذميًّا؛ فنقض العهد، والتحق بدار الحرب، ثم استرق، ومات من تلك الجراحة – ففيما يجب على الجاني ثلاثة أقوال:
أضعفها – وهو ما حكاه القاضي الحسين، والإمام والدي: أنه أرش الجناية بالغاً ما بلغ، ورأيته في تعليق القاضي الحسين احتمالاً لنفسه.
والقول الثاني: أنه تجب القيمة بالغة ما بلغت، ولا ينظر إلى الأرش.
قال الإمام: ويعرض عليه إشكال؛ فإن الجناية قد تخللها حالة إهدار.
وكذا فيما إذا جرح مسلم مسلماً، فارتد المجروح، ثم أسلم، ومات، وقلنا: لا تجب الدية الكاملة – فماذا يجب على الجارح؟ وجهان:
أحدهما: نصف الدية؛ نظراً إلى حالة العصمة، والإهدار.
والثاني: ثلثا الدية؛ نظراً إلى حالتي العصمة، والإهدار؛ فيجب أن يجريا هاهنا على [هذا] القول.
والقول الثالث: أن الواجب أقل الأمرين من أرش الجناية [وكل] القيمة، [قال الإمام: وعلى قياس التخريج الذي ذكرته يكون الواجب أقل الأمرين من أرش الجناية] ونصف القيمة في قول، أو ثلثي القيمة في قول.
ثم المأخوذ لمن يصرف؟
قال الإمام: إن قلنا بالأول فهو للورثة لا محالة، ولا حظ للسيد فيه؛ لأنها صدرت في حال الحرية.
وإن قلنا بالثاني فمقدار الأرش من القيمة للورثة، والباقي للسيد؛ فإن لم يفضل عن الأرش شيء، أو نقص عن القيمة – فإن الورثة يختصون بالمأخوذ دون السيد.
وإن قلنا بالقول الثالث فهو للورثة، نص عليه الشافعي – رضي الله عنه –هكذا.
وجزم القاضي الحسين في "تعليقه" بأن السيد على القول الأول والثالث: يفوز بالمأخوذ، وعلى الثاني: يأخذ من المأخوذ قدر القيمة؛ فإن فضل شيء أخذه الورثة، وإلا فلا شيء لهم، ونسب ما ذكره من التفريع على القولين الأخيرين إلى النص، وقال الإمام: إنه غلط.
ثم ما ذكرناه من استحقاق الورثة هو ظاهر النص هاهنا، وفيه قول مخرج: أنه يكون فيئاّ وسنذكر في باب عقد الهدنة – إن شاء الله تعالى – كيفية التخريج.
قال: ويجب في جنين الأمة –أي: الرقيق – عشر قيمة الأم؛ لأنه جنين آدمية سقط ميتاً؛ فضمن بعشر ما تضمن به الأم؛ كجنين الحرة.
ولأنه لما اعتبرت فيه القيمة، وليس له قيمة؛ لأنه إن قوم ميتاً لم يكن للميت قيمة، وإن قوم حيًّا، لم يكن له حياة؛ فوجب أن يعدل عن تقويمه عند استحالته إلى تقويم أصله؛ كما يجعل العبد أصلاً للحر في الحكومات، ويجعل الحر أصلاً للعبد في المقدرات.