كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أنت [وحدك لا شريك لك]، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم [إنه] نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كانت مسيئاً فتجاوز عنه ولقه برحمتك [و] رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك [برحمتك] يا أرحم الراحمين.
وهذا ما ذكره المزني عن الشافعي، وفي بعض النسخ من المختصر: "عبدك وابن عبدك"، وما ذكره أقرب إلى نصه في "الأم"، فإنه قال فيه: "عبدك وابن عبدك وابن أمتك"، وفي بعض نسخ "المختصر": "وجاف الأرض عن جنبه"، وليس ما ذكره الشافعي من هذا الدعاء منقولاً هكذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أحد من الصحابة، ولكنه أخذ معاني ما رواه عوف بن مالك وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعاني ما روي عن عمر وابن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة في الدعاء على الجنازة، فلخصها بعبارة تجمع كلها، والذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أنه قال: وقد صلى على جنازة: "اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماءٍ وثلجٍ وبردٍ، ونقه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه من فتنة القبر وعذاب النار".
وقال عوف بن مالك: فتمنيت أن [لو كنت] أنا الميت؛ لدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك الميت" أخرجه مسلم.
وقال وقد صلى على امرأة: "اللهمَّ أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها".
أخرجه أبو داود والنسائي.
وقال، وقد صلى على رجل من المسلمين: "اللَّهمَّ إنَّ فلان بن فلانٍ في ذمَّتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النَّار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللَّهمَّ فاغفر له وارحمه؛ فإنَّك أنت الغفور الرَّحيم".
أخرجه أبو داود وابن ماجه.
وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فقال: "اللَّهمَّ اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا،
اللَّهمَّ من أحييته منَّا فأحيه على الإيمان، ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإسلام، اللهمَّ لا تحرمنا أجره، ولا تضلَّنا بعده".
وقد ذكر أبو العباس بن القاص أنه يدعو به، قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهو الذي عليه أكثر أهل خراسان.
قال في "المرشد": وهو السنة.
ثم ما ذكره الشيخ مخصوص بالرجل، فإن كان الميت امرأة قال: اللهم إن هذه أمتك وبنت عبديك.
ويأتي بجميع الدعاء بلفظ التأنيث، وإن كان طفلاً قال الماوردي: دعا لأبويه فقال: اللهم اجعله لهما فرطاً وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده.
وقال في "الشامل" حكاية عن النص في موضع آخر: إن الاستغفار له: اللهم اجعله فرطاً وذخراً وأجراً، وفي "التتمة" أنه يدعو بما ذكرناه عن رواية أبي هريرة والذي قال أبو العباس بن القاص: إنه يدعو به مطلقاً، ويقول في موضع الاستغفار: اللهم اجعله فرطاً وذخراً وشفيعاً لأبويه.
وجمع الرافعي بين ما قاله المتولي والماوردي ورواية أبي داود: والطفل يصلي عليه، ويدعو لوالديه بالرحمة والمغفرة.
وقد اقتضى كلام الغزالي في "الوسيط" أن محل التردد في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات إذا كبر الثالثة ودعا للميت؛ حيث قال: وفي استحباب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت تردد؛ لأنه مبني على التخفيف، والأصح الاستحباب، وهو ما جزم به في "الوجيز"، وليس له ذكر في كلام الأصحاب هكذا، بل ذكروا أنه يخلص في الثالثة الدعاء للميت، وأقرب ما يمكن حمله [عليه] عند إرادة الجمع بين كلامه وكلام غيره أن يقال: مراده: حكاية ما ذكره الجمهور من الدعاء وما ذكره ابن القاص؛ إذ به يحصل تردد في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ فإن دعاء ابن القاص شامل للدعاء للميت وللمؤمنين والمؤمنات.
ومن قال: يخلص الدعاء للميت، ينافي استحباب ذلك، كذا أشار إليه الرافعي مع احتمال جواب آخر لم أر له وجهاً فلم أر ذكره.
تنبيه: قوله: "خرج من روح الدنيا "هو بفتح الراء، وهو نسيم الريح، والسعة: الاتساع، وقوله: "كان يشهد" أي: إنما دعوناك له؛ لأنه كان يشهد، وقوله: "وافسح له" هو بفتح السين، أي: وسع، وقوله: "وجاف الأرض عن جنبه أو جثته": ارفعها عنه أو عنها.
وقوله: "لا تحرمنا أجره" هو بفتح التاء وضمها، يقال: حرمه وأحرمه، والأول أفصح.
قال: ويقول في الرابعة: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعدهن واغفر لنا وله برحمتك يا أرحم الراحمين" رواه أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر ما دعا به، وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي فيما حكاه البندنيجي والقاضي الحسين،
وقال الماوردي والصيدلاني: إن البويطي حكى عن الشافعي أنه يقول في الرابعة: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا"، والبغوي حكاه عن البويطي نفسه، وحينئذ فلا يكون للشافعي في المسألة إلا نص واحد، وهو المذكور في القديم و"المختصر": أنه يكبر الرابعة ويسلم، وعليه ينطبق قول الغزالي من غير تأويل، ولم يتعرض الشافعي لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام، والذين نسبوا ذلك إلى النص- وهم القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والبندنيجي- قالوا: وليست المسألة على قولين ولا على اختلاف حالين، ولكنه ذكره في موضع وأغفل ذكره في موضع آخر؛ فهو مخير فيه.
وقضية ذلك: أن الأمرين عنده على السواء، وقد حكاه الرافعي وجهاً عن "الكافي"، وأن هكذا كان يفعله محمد بن يحيى فيما حكاه والدي- رحمه الله- بعد أن قال- أعني: الرافعي-: إن الظاهر استحباب ما ذكره البويطي، وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، وليس ذلك المحكي عن الشافعي، فإن فعل كان حسناً.
قال: ثم يسلم تسليمتين، أي: إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله كما في غيرها من الصلوات؛ لأنه روي عن [ابن] أبي أوفى أنه كبر أربعاً، ثم سلم عن يمينه وشماله، وعزاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنها صلاة ذات تحريم وتحليل؛ فشرع فيها تسليمتان، وخالف سجود التلاوة إن سمي صلاة؛ لأنها لا تحريم لها ولا تحليل، وهذا ما نص عليه في "الكبير" و"الأم" كما حكاه البندنيجي وغيره، ونص في "الإملاء" كما قال الفوراني، وهو جديد- على تسليمة واحدة: يبدأ بيمينه ويختمها بيساره، ونقل المزني أنه يسلم عن يمينه وعن يساره، فيحتمل أن
يكون ما قاله في "الكبير"، ويحتمل أن يكون ما قاله في "الإملاء"، فمن الأصحاب من جعل المسألة على قولين في الجديد، ومنهم من قال [على] قول واحد: يسلم تسليمة واحدة؛ لأن مبناها على التخفيف، وهذه التي صححها القاضي الحسين.
قال المتولي: وعليها يقول عن يمينه: "السلام"، وعن شماله: "عليكم"، وهذا يقتضي أنه لا يقول: "ورحمة الله وبركاته" على هذا القول، وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي تردداً فيه.
وقال القاضي الحسين: الظاهر أنه يأتي به، وحكى الإمام وجهاً آخر أنه يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه من غير التفات، وأن الصيدلاني قال: الكلام في تعدد التسليم واتحاده في هذه الصورة كالكلام في سائر الصلوات في تخريج القولين، أو تنزيل الأمر على اختلاف الأحوال.
وهذه الطريقة تقتضي- حيث أثبت فيها الخلاف- أن القديم: الاقتصار على تسليمة واحدة، والجديد: أنه يأتي بتسليمتين؛ ولهذا قال الماوردي لما حكى أنه يسلم تسليمتين، وقياس قوله [في] القديم: إن كان الجمع يسيراً- أن يسلم واحدة عن يمينه وتلقاء وجهه، وحينئذ تكون هذه الطريقة مخالفةً للأولى؛ لأن الخلاف ثمَّ قولان عند من أثبتهما في الجديد، وما ذكره الصيدلاني هو الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وابن الصباغ حيث أحالا الكلام على كتاب الصلاة، وبذلك صرح البندنيجي هاهنا، وقال: إن المذهب ما ذكره الشيخ.
قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور.
والتكبيرات، أي: الأربع؛ لما استقر عليه الإجماع مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
وقراءة الفاتحة؛ لقوله- عليه السلام- "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، والمحل الذي يجب قراءتها
فيه: التكبيرة الأولى، كما صرح به البندنيجي والقاضي الحسين، والمتولي، والإمام، والغزالي، وعليه يدل الخبر.
وقال الرافعي: إن الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخر قراءتها إلى تكبيرة الثانية جاز.
والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله- عليه السلام-: "لا صلاة لمن لم يصل علي فيها"، ولأن الصلاة على الميت دعاء يرجى إجابته، وقد روي- أنه عليه السلام- قال: "كل دعاء فهو محجوب عن الله حتى يصلَّى على محمدٍ وعلى آل محمَّدٍ".
قال الصيدلاني: وأقلها: "اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ" وهو الذي أورده القاضي الحسين، ولم يتعرضا للآل.
قال الإمام: وقد مضى في سائر الصلوات اختلاف فيها، والظاهر [هنا] أنها ليست ركناً؛ لاختصاص هذه الصلاة بالاختصار.
والمحل الذي تجب فيه: الثانية، كما قاله البندنيجي وعبارته: وإذا فرغ من الفاتحة كبَّر الثانية، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ركن فيها.
وقد وافقه القاضي الحسين والمتولي على ذلك، وقياس ما حكيناه عن النص إذا أخر
القراءة إلى الثانية: أن تتعين الصلاة [في] الثالثة إن كان الترتيب بين القراءة والصلاة والدعاء شرطاً، كما هو ظاهر الخبر.
وأدنى الدعاء للميت؛ لقوله- عليه السلام-: "إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" أخرجه أبو داود وابن ماجه، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، ولأن القصد هو الدعاء للميت، فلو لم يفعل؛ وجب أن [تبطل لترك] المقصود، ولا يتعين لذلك دعاء كما نص عليه.
نعم، هل يتعين أن يربط الدعاء بالميت الحاضر أو يكفي إرساله، مثل أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات؟ قال الإمام: ظاهر كلام الشافعي التعيين، وكان شيخي يقول: يكفي الإرسال.
قلت: ومذهب صاحب "التلخيص" [و] ابن القاص يجوز أن يقال: إنه يوافقه، ويجوز أن يقال: لا؛ لأنه يتعرض فيه للحاضر بقوله: "وشاهدنا".
والمحل الذي يجب فيه: الثالثة، كما قال القاضي الحسين وغيره، وعبارة الإمام:
والدعاء عقيب التكبيرة الثالثة لابد منه.
وقياس ما حكاه الرافعي أن النص لا يخفى مما تقدم.
والتسليمة الأولى؛ لأن بها يتحلل، قال الإمام: وقد ذكر الشيخ أبو علي أن أقله أن يقول: "السلام عليكم"، وردد جوابه فيما لو قال: "عليك"، هل يكفي أم لا؟ قال الرافعي: والظاهر المنع.
أما ما يجب غير ما ذكره الشيخ مما هو شرط وغيره، فأشياء:
منها: القيام فيها عند القدرة؛ فلا تجوز على الراحلة على الأصح كما تقدم في بابالتيمم، وبه جزم البندنيجي وأبو الطيب هاهنا.
ومنها: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ومن الخبث في البدن والثوب والمحل، ولا يكفي التيمم عند فقد العذر مع وجود الماء وإن خشي فواتها، خلافاً لأبي حنيفة.
ومنها: ستر العورة، وكذا استقبال القبلة في السفر والحضر.
ومنها: وقوع ذلك بعد الغسل كما ذكره القاضي الحسين وغيره، حتى لو مات في بئر أو معدن انهدم عليه، وتعذر إخراجه وغسله- لم يصلَّ عليه، ذكره في "التتمة"، ويجوز قبل التكفين لكن مع الكراهة، وهذا هو المشهور، وقد حكى الجيلي قولاً قديماً أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تجب فيها كما تقدم مثله في الصلاة.
وقال صاحب "التقريب": إن البويطي نقل كلاماً للشافعي، وقال في أثنائه: وقد قيل: إن الصلاة دعاء للميت.
قال صاحب "التقريب": يحتمل أن يكون هذا حكايةً لمذهب الغير، وإن حملناه على مذهب الشافعي فمقتضى هذا النص سقوط فريضة القراءة والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وجواز استغراق الصلاة بالدعاء للميت.
قال الإمام: ولم يتعرض لإسقاط التكبيرات بين العقد والحل؛ اقتصاراً على الدعاء واللفظ الصالح.
قلت: قد قال الجيلي: إن في "اللباب" و"شرح" المزني أن التكبيرة الأولى واجبة، والزيادة على الواحدة سنة، وهذا يعضد ما قاله الإمام، والكل غير معدود من المذهب، والوجه القطع بحمل ما قاله الشافعي على حكاية مذهب الغير.
قال: ومن سبقه الإمام ببعض التكبيرات دخل [معه] في الصلاة، أي: سواء وافى دخوله في الصلاة تكبيرة الإمام أو لا، وأتى بما أدرك؛ لقوله- عليه السلام- "فما أدركتم فصلُّوا"، ولا يمكنه أن يصلي ما أدركه معه إلا بتقديم التكبيرة، ولأنه أدرك جزءاً مع الإمام بتقدم التكبير؛ فجاز أن يأتي بها كما يأتي بالتكبير قياساً على سائر الصلوات، ثم ما أدركه يكون أول صلاته فيمشي على ما تقتضيه صلاة نفسه، فإن أدركه بين التكبيرة الأولى والثانية أو بين الثانية والثالثة أو بين الثالثة والرابعة- قرأ الفاتحة إن تمكن من قراءتها قبل شروع الإمام في تكبيرة أخرى، ولو شرع الإمام في تكبيرة أخرى قبل استكمال المأموم الفاتحة فهل يقطعها ويتبعه أو يكملها؟ فيه وجهان؛ كما لو قرأ المأموم بعض الفاتحة ثم ركع الإمام، قال ابن الصباغ: والأصح الأول، وبه جزم القاضي الحسين والماوردي فيما إذا كان قد أدركه بين الأولى والثانية.
قال الرافعي: وصاحب الكتاب- يعني الغزالي- أجاب بالوجه الثاني حيث قال ثمَّ: إن لم يتمكن من التكبيرة الثانية [مع الإمام- لعدم إتمام الفاتحة- صبر إلى التكبيرة حتى يتمها، ويؤخر تكبيرته الثانية] إلى أن يكبر الإمام الثالثة.
وقال الإمام: إن في تشبيه ما نحن فيه بما تقدم فيه نظر عندي؛ فإن المسبوق في سائر الصلوات لو أدرك الإمام راكعاً صار مدركاً للركعة بإدراك ركوعها، ومن أدرك الإمام في صلاة الجنازة مع التكبيرة الثانية لم نجعله مدركاً للصلاة من أولها، وليست مبادرة الركوع بمثابة مبادرة التكبيرة الثانية فليفهم الناظر ذلك، ولكن إن كان يعذر في ترك بعض القراءة حتى لا يسبقه الإمام فقد يتجه ذلك على بعد.
وهذا ميل إلى ما جزم به الغزالي، ولا شك في جريان الوجه الثالث المذكور في الصلاة هاهنا، [وبه] صرح الفوراني.
ثم إذا قلنا بالأول فهل يقرأ بعد التكبيرة الثانية؛ لأن القيام محل القراءة بخلاف الركوع، أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار محل قراءته منحصراً فيما قبل الثانية؟ فيه احتمالان في "الشامل"، والثاني منهما لم يحك الماوردي غيره حيث قال: يكبر الثانية معه وقد تحمل الإمام عنه ما بقي من القراءة.
وقال الرافعي: لعل هذا أظهر.
ولو شرع الإمام في التكبيرة الثانية بعد ما استكمل المأموم التكبيرة الأولى، ولم يتمكن من قراءة شيء من الفاتحة- كبر مع الإمام الثانية، وسقطت عنه القراءة، كما إذا ركع الإمام عقيب تكبير المأموم في سائر الصلوات، قاله البغوي والمتوليو الرافعي.
قال: وإذا سلم الإمام كبر ما بقي؛ لقوله- عليه السلام-: "وما فاتكم فأتمُّوا" وخالفت هذه التكبيرات تكبيرات العيد حيث لا يأتي المأموم بما فاته منها؛ لأن هذه تجري مجرى الأفعال في الصلاة، ولا يجوز الإخلال بها.
وتكبيرات العيد مسنونات، فإذا فات محلُّها سقطت.
قال: متوالياً، ثم يسلم؛ خشية أن ترفع الجنازة قبل فراغه فلا يصادف الدعاء محله، وهذا التعليل موافق لما تقدم من أن ربط الدعاء بالميت الحاضر لابد منه، وهذا القول نص عليه في "مختصر" البويطي حيث قال: إذا سلم الإمام يأتي المأموم بالتكبيرات نسقاً، وقال في "المختصر": وإن أدركه وقد فرغ من تكبيرتين فإنه يكبر ويقرأ والإمام يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كبر الإمام الثالثة ودعا للميت كبر المأموم وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم كبر الإمام الرابعة وسلم، وكبر المأموم ودعا للميت، ثم يكبر ويسلم.
فحصل في المسألة قولان، أصحهما في "التهذيب" وغيره، وهو المذهب في "التتمة": الثاني وإن رفعت الجنازة؛ للحاجة، كما جوزنا الصلاة على الغائب لمكان الحاجة، لكن المستحب عندنا- كما قال القاضي الحسين والبغوي- ألا يرفع الميت حتى يفرغ من الصلاة، وفي "الجيلي" أن في "البحر": أن الجنازة إذا رفعت بطلت صلاته على أحد الوجهين؛ بناء على جواز الصلاة على الجنازة للمعتكف في حال مروره في الطريق، والقاضي الحسين والبغوي والرافعي جزموا بعدم البطلان وإن تحولت الجنازة عن قبالة القبلة، والقولان- كما قال
في "الروضة"- في الوجوب وعدمه، صرح به صاحب "البيان"، وهو ظاهر.
فرع: لو تخلف المقتدي، فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر- بطلت صلاته؛ لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا في التكبيرات، وهذا التخلف متفاحش شبيه بالتخلف بركعة في سائر الصلوات، كذا حكاه الإمام عن شيخه، وقال: إن الأمر على ما ذكره، وهو مقطوع به عندي.
قال: ومن فاتته جميع الصلاة صلى على القبر؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلاً كان يقمُّ المسجد، فقده النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: "ألا آذنتموني به؟ قال: دلوني على قبره.
فدلوه فصلى عليه"، وأخرجه البخاري ومسلم، وروى مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد ما دفن، فكبر عليه أربعاً، ولأن الولي يجوز له أن يصلي عليه في القبر إذا لم يكن قد صلى عليه بوفاق الخصم، فنقول له: كل من جاز له أن يصلي الصلاة الأولى جاز أن يصلي الصلاة الثانية، أصل ذلك: الولي.
قال: أبداً؛ لأن القصد من الصلاة الدعاء، وهو مطلوب في كل وقت، وهذا أضعف الوجوه في "الإبانة" وغيرها، وقال الماوردي: إنه ليس بصحيح.
وإذا قلنا به فهل تجوز الصلاة على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لا؟ فيه وجهان مشهوران، المذكور منهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الجواز، وفي تعليق البندنيجي: المنع، وهو الأصح في "الحاوي" وغيره برواية مسلم عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، والمعنى فيه خوف الافتتان.
ثم حيث نقول بالجواز فهل تجوز جماعة وفرادى؟ سكت الجمهور عن
ذلك، وقال الإمام: إن الشيخ أبا علي قال: إنا إذا جوزنا الصلاة عليه فلا يجوز أن يصلي عليه جماعة، بل يصلي عليه أفراداً، ونسب الرافعي ذلك إلى أبي الوليد النيسابوري.
قال الإمام: وهذا القائل يحمل المنع من اتخاذ القبر مسجداً على إقامة الجماعة، وينزل القبر في ذلك منزلة [المساجد المهيأة] للجماعات.
وقيل: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه عند الموت، أي: ولا يصلي عليه غيره؛ اعتباراً بأهلية الخطاب بالصلاة عند السبب، وهذا ما ذهب إليه الشيخ أبو زيد، وقال الفوراني والرافعي والبندنيجي: إنه الأصح، لكن ما المراد بالأهلية: هل أهلية الوجوب أو أهلية الصحة؟ فيه خلاف بين الأئمة حكاه الإمام وغيره:
فالذي ذهب إليه القاضي أبو الطيب والحسين والمصنف: الأول؛ حيث قالوا تفريعاً عليه: إن من كان غير بالغ حين الموت أو ولد بعد موته لا يجوز أن يصلي عليه، ووجهه القاضي حسين بأنه يكون متبرعاً، ولا يتطوع بصلاة الجنازة، بخلاف من كان من أهل الفرض عند الموت؛ لأن الخطاب بها متوجه على الجميع، فإذا أوقعت وقعت فرضاً، وهذا التوجيه يقتضي ألا تصح صلاة الصبي المميز على الجنازة بعد أن صلى عليها من سقط الفرض به، بل مع من يسقط الفرض به، ولا قائل به، وقد اختار هذا الوجه الصيدلاني أيضاً.
والذي حكاه البندنيجي والفوراني: الثاني، لأن عبارة البندنيجي في حكاية هذا الوجه: أنه يصلي عليه من كانت تصح صلاته عليه عند الموت وهو البالغ أو المراهق.
وعبارة الفوراني كعبارة الشيخ، وعقبها بقوله: حتى لو كان صبياً عند موته كان له الصلاة عليه.
وقضية الوجهين: أن من كان مفقوداً أو غير مميز أو مجنوناً عند الموت لا يصلي عليه، وبه صرح الأصحاب، وكذا قضيتهما ألا تصلي عليه الحائض عند موته إذا طهرت بعد دفنه؛ لأن الحيض ينافي صحة الصلاة ووجوبها.
قال الإمام: ولكن هي على الجملة ممن يخاطب، فالذي أراه: أنها تصلي إذا
طهرت من ذلك.
وكذا قضيتهما: أن تصح ممن كان كافراً عند الومت ثم أسلم بعد دفنه، إذا قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، أما إذا قلنا: لا، فعلى الوجه الأول: لا يصلي، وعلى الثاني: يصلي؛ لأنه كان متمكناً من الصلاة بأن يسلم ويصلي كالمحدث، وقد أعرض الإمام عما ذكرناه وقال: الذي أراه أنه يصلي؛ لما ذكرناه من الإمكان.
وقيل: إلى شهر، أي: ولا يجوز بعده؛ لأنه- عليه السلام- قدم المدينة وقد مات البراء بن معرور وأوصى له، فقبل وصيته، وصلى على قبره بعد شهر.
[قال ابن الصباغ وغيره: ولم ينقل أكثر من ذلك.
وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قدم المدينة وقد مات أخوه عاصم بن عمر فقال: دلوني على قبر أخي.
وصلى على قبره بعد شهر] وصلت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر بعد شهر، ولا يعرف لهما مخالف.
وعن القفال أنه قال: لعل صاحب هذا الوجه أخذه من صلاته- عليه السلام- على النجاشي؛ فإنه كان بين موضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين موضع وفاة النجاشي مسيرة شهر.
قلت: وما قيل من أنه لم ينقل أكثر من ذلك، فيه نظر فإن مسلماً والبخاري رويا عن عقبة بن عامر قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء والأموات"، فإن حمل على الصلاة الشرعية أشكل ما
قيل: إنه لم ينقل أكثر من ذلك، وإن حمل على الصلاة اللغوية وهو الدعاء لم يشكل، لكن الأول هو الظاهر؛ لأن أبا داود روى عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوماً، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت"، وقول القفال قد قال القاضي الحسين والإمام: إنه لا يصح؛ لأنه- عليه السلام- صلى على النجاشي في اليوم الذي مات فيه النجاشي، وكان جبريل أخبره به.
وقيل: ما لم يبل جسده؛ لأنه إذا لم يبل بقي ما يصلى عليه، وإذا بلى لم يبق ما يصلى عليه، وعلى هذا يختلف ذلك باختلاف البلاد والأجسام.
ولو شككنا في بلاه رجعنا إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، فإن لم يعلموا أو لم يوجدوا- قال الإمام: يحتمل أن يقال: إن الصلاة مقيدة بالبقاء، ولم يتحقق؛ فلا يصلى، ويحتمل أن يقال: إن الأصل البقاء؛ فيصلى، وهذا الثاني أوفق لرواية الصيدلاني والقاضي الحسين وآخرين كما قال الرافعي؛ فإنهم قالوا في حكاية هذا الوجه: إنه يصلى عليه ما لم يعلم بلاه، وقد ادعى الماوردي أن هذا الوجه أصح مذاهب أصحابنا، وقال الإمام: إنه الذي عليه التعويل، والأوجه الأربعة محكية في تعليق أبي الطيب وغيره من كتب العراقيين.
وعلى [هذه] الثلاثة الأخيرة منها، قالوا: لا يصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووجهه إذا قلنا بأولها وثانيها ظاهر، وإذا قلنا بثالثها فوجهه-كما قال أبو الطيب والبندنيجي-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك في قبره؛ فإنه قال "أنا لا أترك في القبر"، وعبارة ابن الصباغ تقرب من ذلك، وقد قيل: إن في هذا المأخذ نظراً؛ فإنه قد ورد أنه- عليه السلام- قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" فالاعتماد في
المنع على النهي أو لا.
وحكي سليم وجهاً خامساً في المسألة أنه يصلي عليه من كان موجوداً عند الموت، وعليه ينطبق قول الماوردي: وقيل: بل يصلي عليه من عاصره.
وحكى المراوزة وجهاً يكون سادساً عن رواية الشيخ أبي علي في "الشرح" [أنها تجوز] إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة.
قال الإمام: وهو غريب غير معتد به.
تنبيه: قول الشيخ: "ومن فاته جميع الصلاة صلى على القبر"، يفهم أن الميت لا يؤخر بعد تمام صلاة من يسقط الفرض بهم ليصلي عليه من لم يصل، ولياً كان له أو غير ولي، ولا شك في أن الأولى ذلك، لكن هل يجوز أن يؤخر لأجل ذلك؟ فإن كان الذي يريد الصلاة غير ولي له لم يجز، وكذا إن كان ولياً وخشي على الميت الفساد، وإن لم يخش عليه جاز، وتكون الصلاة إذا فعلت فرضاً على الصحيح كما تقدم، ولا يجوز لمن صلى عليه مرة أن يعيد الصلاة عليه مرة أخرى على أحد الوجهين في "الشامل" وتعليق أبي الطيب، وهو المذكور في "الحاوي" لا غير، وجزم البندنيجي بمقابله؛ لقول الشافعي الذي حكيناه من قبل: وإذا اجتمعت جنائز فصلى عليها ولي واحد، وشاء أحد من الأولياء أن يعيد الصلاة على ميته- فعل.
وقد حكى الرافعي تبعاً للبغوي الوجهين في استحباب ذلك، وأن الأظهر عدم الاستحباب، ولكن فيما إذا كانت الصلاة الأولى منفردة والثانية في جماعة، وجزم القول فيما إذا كانت الثانية منفردة أيضاً أنه لا يستحب، وأطلق القاضي الحسين القول بعدم الاستحباب، وهو ما ادعى الإمام اتفاق الأئمة عليه، وعلى هذا لو فعلها لم تكن باطلة، وأبدى الإمام في البطلان احتمالاً لنفسه، وفي الجيلي حكاية وجهين في البطلان والذي أورده القاضي الحسين: الأول، وقال: إن الثانية تكون
فرضاً لا نفلاً، وإذا قلنا: تستحب، قال الجيلي: فهل ينوي بها الفرض؟ فيه وجهان مذكوران في شرح المزني.
قال: وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية، أي: فينوي الصلاة على فلان إن عرفه، أو على من صلى عليه الإمام كما تقدم.
قال: كما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي.
هذا من الشيخ مغن عن التوجيه، والخبر المذكور رواه أبو هريرة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعى [إلى الناس] النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبر أربع تكبيرات"، أخرجه البخاري ومسلم.
قال أهل السير: وكان نعيُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له في رجب سنة تسع من الهجرة.
والنجاشي- بفتح النون والجيم والشين المعجمة وتشديد الياء-: اسم لكل من ملك الحبشة، كما أن اسم كل من ملك مصر: فرعون، واسم ملك الليمن: تبع، واسم ملك الروم: قيصر، واسم ملك الفرس: كسرى.
واسم الذي صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أصحمة، وقيل: صحمة، ومعناه بالعربية: عطية، ذكره ابن قتيبة.
فإن قيل: إنما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي؛ لأن الأرض زويت له فكان يرى النجاشي.
قيل: ذلك ممتنع؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان ذلك لنقل، ولكان أولى بالنقل من الصلاة؛ لأن ذلك معجزة على نبوته.
والثاني: أن رؤيته للأرض إما أن تكون لكون الله خلق له إدراكاً يدركها به، أو لتداخل أجزاء الأرض بعضها في بعض، وتكون أرض الحبشة قد جعلت بباب المدينة، والثاني ممتنع؛ إذ لو كان كذلك لكان جميع الصحابة قد رأوها، ولم ينقل، والأول لا يجيء على مذهب الخصم؛ لأن عنده أن البعد من الميت يمنع من صحة الصلاة عليه وإن كان يراه، وأيضاً فكان مقتضاه أن تصح صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده دون سائر الصحابة، ولا وجه لقولهم: إن الحبشة لم يكن بها من يصلي على النجاشي؛ فلذلك صلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل ذلك يجوز عندنا؛ لأن عندهم [أن من مات بالبادية]، أو بغيرها من المواضع التي يعلم أنه ليس بها من يصلي عليه لا يصلى عليه، وكما تجوز الصلاة على الغائب [الواحد] تجوز على جمع منهم في وقت واحد وإن لم يعرف عددهم ولا أشخاصهم ولا أسماؤهم، مثل أن ينوي الصلاة على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في البلد الفلاني، قاله في "البحر".
قال في "الروضة": وقوله صحيح، لكن لا يختص ببلد، والله أعلم.
ولا فرق عندنا في جواز الصلاة على الغائب بين أن يكون في جهة القبلة من المصلي أو لا والمصلي يستقبل القبلة، ولا بين أن يكون في موضع قد صلي عليه فيه أو لا، وعن "بحر المذهب" فيما سمعته: أن الصلاة على الغائب لا تفعل إلا حيث لم يكن صلى عليه أحد، وكذا كانت قصة النجاشي، وكذا لا
فرق بين أن تكون المسافة بين المصلي وبينه- وهو خارج عن البلد- بعيدة أو قريبة.
واحترز الشيخ بقوله: "غائباً عن البلد"، عما إذا كان في البلد غائباً عن المصلى؛ فإنه لا يجوز أن يصلي عليه بالنية كما جزم به أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما؛ لأنه [لا ضرورة] في ذلك، بخلاف ما إذا كان غائباً عنها، وشبهوا ذلك بالقبلة: لا يجوز لمن هو بمكة أن يصلي إليها بالاجتهاد بل بالمعاينة، بخلاف الغائب عنها، والفرق ما ذكرناه.
وحكى المراوزة في جواز الصلاة عليه في هذه الحالة وجهين، قال القاضي الحسين: وهما كالقولين في جواز تقدم المأموم على الإمام، وشبههما الإمام بالخلاف في نفوذ القضاء على من في البلد مع إمكان إحضاره.
قال: والأمر عندي في تجويز الصلاة أقرب؛ لأن الغرض من الصلاة الابتهال إلى الله- تعالى- في التجاوز عن الموتى، وهذا لا يختلف بالغيبة والشهود، وأما القضاء فإنه يتعلق بأمور معتبرة في الإقرار والإنكار؛ فاشتراط الحضور الممكن أولى وأقرب.
قال: وإن وجد بعض الميت غسل وكفن وصلي عليه؛ لما روي أن طائراً ألقى يداً بمكة من وقعة الجمل، فعرفت بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيدٍ، فصلى عليه الناس وفيهم الصحابة، وروي أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رءوس القتلى بالشام، وعن عمر أنه صلى على عظام بالشام، وليس لهم مخالف؛ فكان إجماعاً، لكن هل ينوي [بالصلاة:] الصلاة على جملة الميت، أو على ما وجد منه؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والذي أورده الغزالي وغيره: الأول، والذي يفهمه كلام القاضي أبي الطيب: الثاني، بل هو
كالمصرح به؛ لأنه أجاب عن قول الخصم: لو وجبت الصلاة على الجزء الموجود لأدى إلى وجوب تكرار الصلاة- بأن ذلك غير صحيح؛ لأن التكرار هو الصلاة على جزء واحد مرتين، ونحن لا نوجب الصلاة على الميت إلا مرة واحدة، والجزء الثاني غير الجزء الأول، فهو بمثابة أن يجد جزءاً من الميت فنأمره بتكفينه ودفنه، ثم يجد جزءاً آخر فنأمره بذلك أيضاً.
فإن قالوا: ليس الصلاة كالتكفين؛ لأن الجزء الأول لم يستوعب جميع الكفن بل جزءاً منه، وأنتم تأمرون بإكمال الصلاة على الجزء الأول.
فالجواب: أن تبعيض الكفن يصح ولا يستحيل؛ فلذلك بعضناه على الأجزاء.
وأما الصلاة فلا يصح تبعيضها؛ فلذلك أمرناه بإكمالها على الجزء.
ثم محل الوجهين إذا لم يعلم أنه صلي على جملة الميت، فإن علم أنه صلي على جملته قال الماوردي: فيخص الصلاة بالعضو وجهاً واحداً.
وفيه نظر؛ من حيث إنه يجوز أن يصلي على كل الميت مرة أخرى، نعم، إن كان هذا في حق من [قد] صلى على الجملة فهو صحيح؛ لأن من صلى عليها لا يصلي عليها مرة أخرى على الأصح، ولعل هذا المراد، مع أنه لا يخلو من نظر.
وهذا كله إذا تحقق أن ذلك البعض من مسلم، وكذا الحكم فيما لو وجد في دار الإسلام وقد جهل حاله، قاله ابن الصباغ وغيره، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في البعض المذكور بين أن يكون أكثر الجثة أو أقلها، وهو كذلك؛ لما ذكرناه، وكذا قضيته أنه لا فرق بين أن يكون شعراً أو ظفراً أو غيرهما.
وقد حكى ابن الصباغ وغيره في الشعر والظفر وجهين، ادعى البندنيجي أن المذهب منهما: المنع، بعد أن قال: إنه لا نص فيها لصاحبنا، وقال الرافعي: الأقرب إلى إطلاق الأكثرين أنهما كغيرهما كما أفهمه كلام الشيخ.
نعم، قال في "العدة": إن لم يوجد إلا شعرة واحدة فلا يصلى عليها في ظاهر المذهب؛ إذ لا حرمة لها.
وإذ قلنا بالغسل والصلاة فلا بد من مواراته بخرقة.
ولو كان البعض الموجود قد انفصل من حي وهو باقٍ، نظر: فإن كان من أجزاء الجثة، مثل: أن سقطت يده أو رجله ونحو ذلك، فهل يكون كالبعض من الميت؟
أطلق الماوردي فيه حكاية وجهين، بناهما بعضهم على أن الصلاة في
المسألة قبلها تكون على جملة الميت أو على ذلك البعض؟ وقضية هذا البناء: أن يجري الخلاف في اليد المقطوعة في السرقة ونحوها أو قصاصاً، وقد قال المتولي وغيره: إنه لا خلاف في أنها لا تغسل ولا يصلى عليها، ولكن تلف في خرقة وتدفن.
ولو كان ذلك البعض شعراً أو ظفراً لم يغسل ولم يصلَّى عليه، ولكن يستحب دفنه، قاله المتولي وغيره ممن حكوا الخلاف في الشعر والظفر المنفصل من الميت.
ثم إذا قلنا بأن المنفصل من الحي لا يصلى عليه، ولو كان من ميت لصلي عليه، فوقع الشك في ذلك البعض: هل انفصل عن حي أو ميت؟ فمقتضى كلام الشيخ: أنه لا يصلى عليه؛ لأنه أناط الصلاة بانفصاله من ميت، ولم يتحقق، وهو ما ذكره الغزالي والمتولي وغيرهما متى احتمل أن يكون صاحبه حياً.
وقال مجلي: فيه احتمالان؛ لتعارض الأصل والغالب، وفي الإطلاق نظر.
وقد أفهم كلام الشيخ أن تكفين البعض الموجود من الميت لابد منه، وهو ما حكيناه عن القاضي، لكن في "الحاوي" أن ذلك فيما إذا كان المنفصل من العورة، أما إذا كان من غيرها فلا.
قال: ومن مات من المسلمين؛ أي: كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً، في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم، أي: مثل أن يقتله مشرك، [أو يحمل عليه فيتردَّى في] بئر، أو يقع من جبل، أو يسقط عن فرسه، أو يرفسه فرس غيره، أو يقع فيه سيفه، أو يرجع عليه سهمه، أو يصيبه سهم غيره، مسلماً كان ذلك الغير أو كافراً [ونحو ذلك]، قبل انقضاء الحرب- لم يغسل ولم يصلَّ عليه؛ لقوله – تعالى-: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءُ﴾ [آل عمران: 169]، والحي لا يغسل ولا يصلى عليه.
وقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، [ثم يقول]: "أيُّهم [أكثر] أخذاً
للقرآن؟ "، فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: " [أنا شهيد] على هؤلاء يوم القيامة".
وأمر بهم فدفنوا في ثيابهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم"، وهذا نص في المدَّعى، وذلك على وجه الوجوب، فلو أراد الوارث أن يغسله ويصلي عليه حرم عليه ذلك، واختار المزني أنه لا يغسل ويصلى عليه كمذهب أبي حنيفة، ونقل البغوي والإمام وجهاً أن الصلاة عليه تجوز ولا تجب.
قال الإمام: وهذا القائل يعتقد جواز ترك الصلاة رخصة؛ لمكان الاشتغال بالحرب وتوابعه إذا انجلى، فلو فرض متكلف وصلى؛ جاز، وهذا القائل لا يجوز الغسل، وإن كانت الصلاة على غير الشهيد لا تجوز بغير غسل أو بدله؛ لأن الشهيد كالمغسول بصوب رحمة الله، تعالى.
قال الإمام: وقد [يتطرق للناظر] في ذلك شيء، وهو أن الشهيد إذا كان عليه دم الشهادة فلا يجوز إزالته ويتعين إبقاؤه؛ لقوله- عليه السلام-: "زملوهم في كلومهم ودمائهم؛ فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب
دماً: اللون لون الدم، والريح ريح المسك"، وإن لم يكن عليه دم أصلاً فلا شك أنه لا يجب غسله، ولكن في جوازه تردد في هذه الصورة من طريق الاحتمال، والذي ذهب إليه المحققون: الأول؛ إذ لو جاز ذلك لوجب فعله.
ولا فرق فيه بين أن يكون الميت جنباً أو لا عند أكثر الأصحاب، وهو مقتضى إطلاق كلام الشيخ وظاهر الخبر.
وقال ابن سريج وابن أبي هريرة: يغسل؛ لأجل الجنابة؛ لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - الملائكة تغسله؛ فبعث إلى أهله، فسأل عن شأنه فقالوا: لا علم لنا به غير أنه كان واقع أهله، ثم خرج إلى الحرب جنباً.
فلما غسلته الملائكة علم أنه بأمر الله؛ فدل على أنه مأمور به، ولأنه لزم غسل جميع بدنه في حال حياته؛ فوجب ألا يسقط بالقتل في الشهادة؛ كما إذا كان على جميع بدنه نجاسة ثم قتل شهيداً.
وظاهر المذهب- كما قال أبو الطيب- الأول، وادعى الإمام أن مقابله بعيد غير معتد به؛ لأنها طهارة عن حدث فسقطت بالموت كالطهارة الصغرى، ولأن الميت إنما يغسل ليصلى عليه، فإن كان هذا القتيل الجنب لا يصلى عليه فلا معنى لغسله، وحديث حنظلة دليل لنا؛ لأن [ما يتعبد] به الآدمي لا يسقط بفعل غيره، دليله: الغريق؛ فإنه يعاد غسله.
وأما إزالة النجاسة من بدنه، قال الماوردي: فإن كانت من جهة الشهادة لم يجب إزالتها، وإن كانت من غيرها كالبول والخمر وجبت إزالتها، والفرق بينها وبين الجنابة: أنه لماوجب إزالة قليل النجاسة وجب إزالة كثيرها، ولما لم يجب إزالة الحدث الأصغر لم يجب إزالة الأكبر، وهذا منه تصريح بإيجاب إزالة النجاسة وإن زال بسببها أثر الشهادة، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب وغيره مع آخر: أنه لا يجوز؛ لما في ذلك من إزالة أثر الشهادة.
وحكى الإمام وغيره معهما وجهاً ثالثاً: أنه إن كان في غسلها إزالة دم الشهادة لم يغسلها، وإلا وجب، قال: وهذا أعدل الوجوه، والمسألة محتملة.
والمرأة إذا قتلت في الشهادة حائضاً هل تغسل؟ قال في "الروضة": إن قلنا: الجنب لا يغسل، فهي أولى، وإلا فوجهان حكاهما صاحب "البحر"؛ بناءً على أن غسل الحائض يتعلق برؤية الدم أم بانقطاعه أم بهما؟ إن قلنا: برؤية الدم، فكالجنب، والذي أورده القاضي أبو الطيب: أنها لا تغسل، ورد على من قال: إنه متعلق بانقطاعه بأن الانقطاع: ألا يخرج منها شيء وهذا لا يجوز أن يكون سبباً لوجوب الغسل، وإنما هو سبب لصحة الطهارة دون وجوبها.
قال: بل تنزع [عنه] ثياب الحرب، أي: كالزردية ونحوها.
قال الشافعي: وكذا ما [ليس بعامة] ثياب الناس كالجلود والفراء والجباب المحشوة والخف.
ويدفن فيما بقي من ثيابه؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم"، وأخرجه ابن ماجه، وروى أيضاً عن جابر- وهو ابن عبد الله- قال: "رمي رجل بسهم في صدره- أو في حلقه- فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ".
وهذا إذا رضي به الوارث، وهو الأولى كما قاله البندنيجي وغيره، ومحل الاكتفاء به: إذا كان قدر الواجب من الكفن، فإن كان أقل منه كمل على حسب ما تقدم، صرح به الإمام وغيره.
ولو أراد الوارث إبقاء ذلك لنفسه وتكفينه في غيره- جاز سواء كان عليه أثر الشهادة أو لا؛ لأن صفية أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الثوب الآخر رجلاً آخر من حلفائه.
قال القاضي أبو الطيب: ولأنا لو قلنا: يجب أن يكفن فيما عليه لعيَّنَّا الثوب الذي يكفن فيه، وتعيين الكفن لا يجوز، وأثر الشهادة فإنما يجب إبقاؤه في البدن لا في الثوب.
أما إذا مات في الحرب لا بسبب من أسباب قتالهم بل حتف أنفه؛ فهو كما لو مات في غير الحرب عند العراقيين والبغوي، وحكى الغزالي في إلحاقه بالشهيد قولين، [والإمام رواهما عن شيخه وجهين]- أصحهما: ما ذكره
العراقيون، وإذا قلنا به فلو وقع الشك في أنه مات بسبب القتال أو حتف أنفه بأن وجد بين الصفين قتلى ولا أثر عليه- كان ملحقاً بمن قتل بسبب القتال اتفاقاً؛ لأنه الظاهر، ولو مات بسبب من أسباب قتالهم لكن بعد انقضاء الحرب فالذي أطلقه العراقيون- كأبي الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ-: أنه يغسل ويصلى عليه، سواء أكل بعد انفصاله عن الحرب أو لم يأكل، أوصى أو لم يوص، قطع بموته أو لم يقطع به.
وقال الماوردي: إن الحكم كذلك فيما إذا مات بعد طول الزمان من انقضاء الحرب، أما إذا مات بعد تقضي الحرب بزمان قريب- لم يغسل ولم يصل عليه.
وقال المراوزة: إن كان حين انقضاء الحرب قد انتهى إلى حركة المذبوح لم يغسل ولم يصل عليه، وإن كان [حين انقضاء الحرب مرجو الحياة غسل وصلي عليه، ولو كان مستقر الحياة] حين انقضاء الحرب لكن قطع بأنه يموت بذلك السبب ففي تغسيله والصلاة عليه قولان، وهل هما جاريان مع قصر الزمان وطوله أو هما فيما إذا قرب، فإن طال- بأن بقي أياماً- وجبا قولاً واحداً، وفيه وجهان في "النهاية".
قال: وإن مات في حرب أهل البغي من أهل العدل- غسل وصلي عليه في أصح القولين، أي: في "المختصر" في كتاب قتال أهل البغي؛ لأن أسماء بنت أبي أبكر غسلت ابنها عبد الله بن الزبير، ولم ينكر عليها أحد.
ولأنه مقتول في حرب المسلمين فغسل وصلي عليه كالقتيل من أهل البغي.
ومقابله: أنه كالمقتول في حرب الكفار، ولأن علياً لم يغسل أحداً ممن قتل معه، ولا صلى عليه، وأوصى عمار بألا يغسل، وهذا ما صححه صاحب "العدة" وغيره، لكن الجمهور على ترجيح الأول.
وهذه المسألة التي احترز [الشيخ] عنها في الفصل قبله بقوله: "في حرب
الكفار"، وقد حكى ابن الصباغ أن الأصحاب بنوا على القولين فيها وجهين فيمن قتله قطاع الطريق من أهل القافلة، والإمام حكى وجهين في أنه هل يلحق بمن قتله البغاة؛ فيكون فيه القولان، أو يجب غسله والصلاة عليه قولاً واحداً؟ والفرق: أن قتال أهل البغي بتأويل في الدين، بخلاف القطَّاع.
وحكى الغزالي القولين فيمن قتله حربي في دار الإسلام غيلةً، والإمام حكاهما وجهين عن رواية الشيخ أبي علي، وحكى مثلهما الماوردي فيمن أسره الكفار وقتلوه بأيديهم صبراً.
وقد أفهم كلام الشيخ أن من عدا من ذكره من قتيل الكفار وأهل البغي- يغسل ويصلى عليه قولاً واحداً؛ لأنه ذكر أن غسل الميت والصلاة عليه فرض [على الكفاية] كما دل عليه الخبر، واستثنى من حيث المعنى من ذلك من قتله الكفار وأهل البغي على قول؛ لما قام عليه من الدليل؛ فبقي من عداهم على الأصل، ويندرج فيهم فريقان:
أحدهما: من لم يحكم الشرع له بالشهادة، منهم ولد الزنى، وكذا قاتل نفسه، والمقتول قصاصاً، ومن قتله أهل العدل؛ لأنهم لم يخرجوا عن الإسلام بما فعلوه، ومن هذا الفريق من قتل ظلماً من مسلم أو ذمي؛ لأن عمر قتل وغنسل وصلي عليه من غير نكير، وكذا المرجوم في الزنى؛ لأنه- عليه السلام- لما رجم المرأة صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها وقد زنت؟ فقال- عليه السلام-: "لقد تابت توبةً لو قسِّمت على سبعين من أفجر من بالمدينة لوسعتهم" أخرجه النسائي ومسلم.
لكن مفهوم الخبر أن من [لم يتب] لا يصلى عليه، وقد ذكرناه في باب حد الزنى،
ولم أر من أصحابنا من قال به، والمقتول بترك الصلاة تكلم الشيخ فيه في كتاب الصلاة.
والمقتول من قطاع الطريق إذا وجب صلبه فقد قال بعض الأصحاب: إنه لا يغسل ولا يصلى عليه؛ استهانة به وتحقيراً لشأنه، وبعضهم بناه على كيفية قتله كما ستعرفه في باب حد قاطع الطريق.
وظاهر المذهب- كما قال القاضي الحسين- أنه يغسل ويصلى عليه، لكن إذا قلنا: يصلب أبداً- فعل به ذلك قبل الصلب، وإن قلنا: يصلب ثلاثاً ثم ينزل- فعل به ذلك بعد إنزاله بعد الثلاث، والكلام في ذلك مستقصًى في باب حد قاطع الطريق، فليطلب منه.
الثاني من الفريقين: من شهد له الشرع بالشهادة وهم كما قال- عليه السلام- خمس: "المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله" هذا حديث متفق عليه، وفي رواية النسائي: "الشهداء سبع" سوى القتيل في سبيل الله، وعد الأربعة السالفة، وصاحب ذات الجنب، وصاحب الحرق، والمرأة تموت بجمع، أي: تموت وولدها لم ينفصل عنها، وقيل: تموت باجتماع الأوجاع، حكاه القاضي الحسين.
وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ومن
مات فجأةً فهو شهيدُ، والغريب شهيدُ، ومن عشق فعفَّ فكتم فمات فهو شهيدُ".
ولا خلاف في أنهم لا يلحقون بمن قتل من المسلمين في معركة الكفار، ولا بمن قتله البغاة في ترك الغسل والصلاة؛ لما ذكرناه.
ووصفهم بالشهادة محمول على أن ثوابهم ثواب الشهداء، وإلا فقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة نفساء، وقام وسطها.
متفق عليه.
والفرق من حيث المعنى: أن المقتول في سبيل الله في غسله مشقة؛ لما به من الجراح والدماء، ولعله لا يجدي في قطع الدماء والفضلات، أو لأن تلك الآثار مستطابة شرعاً، قال- عليه السلام-: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك" رواه البخاري.
والصلاة تتبع الغسل غالباً، وهذا المعنى لا يوجد في غيرهم.
قال العلماء: وسمي الشهيد شهيداً؛ لأن الله ورسوله وملائكته يشهدون له بالجنة؛ فيكون شهيداً بمعنى مشهود له، مبالغة في اسم المفعول، وقيل: لأن أرواحهم تشهد دار السلام؛ فتكون مبالغة في اسم الفاعل.
قال: ويغسل السقط الذي نفخ فيه الروح ولم يستهل، ويكفن؛ لحرمة الآدمي، ولا يصلى عليه؛ لمفهوم قوله- عليه السلام-: "إذا استهلَّ السقط صلي عليه" رواه ابن عباس، ورواية جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "السقط إذا استهلَّ صلِّي
عليه، ولأنه لم يثبت له حكم الأحياء في الإرث؛ فكذا في الصلاة، وخالفت الصلاة الغسل؛ لأن الغسل آكد؛ ولهذا يغسل الكافر ولا يصلى عليه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، ووراءه طريقان:
إحداهما: أنه لا يصلى عليه قولاً واحداً، وهل يغسل؟ فيه قولان.
أحدهما- نص عليه في البويطي-: أنه لا يغسل.
والثاني- نقله المزني-: أنه يغسل.
وهذان الطريقان حكاهما الفوراني لا غير.
والطريقة الثانية: أن في غسله والصلاة عليه قولين:\
أحدهما- وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "البويطي"-: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، أما كونه لا يصلى عليه؛ فلما تقدم، وأما كونه لا يغسل؛ فلأن كل من لا يصلى عليه من المسلمين لا يغسل كالشهداء.
والثاني- وهو ما حكاه الأصحاب عن القديم-: أنه يغسل ويصلى عليه؛ لعموم قوله- عليه السلام-: "والسقط يصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح.
وقال البندنيجي: قد قرأت القديم كله، فما رأيت هذا القول فيه، ولكن فيه وفي "الأم" معاً: أنه يغسل ويكفن، ولم يذكر الصلاة.
ويؤيد قوله أن الماوردي قال: إن ابن أبي هريرة حكى هذا القول تخريجاً عن الشافعي من القديم.
وعند الاختصار حاصل المسألة ثلاثة أقوال، أصحها: ثالثها، وهو ما ذكره الشيخ: يغسل ولا يصلى عليه، والفرق ما تقدم.
وقد حكى الأقوال هكذا صاحب "التقريب" والشيخ أبو علي، لكن الشيخ أبا علي حكاها في الحالة التي يبدو عليه التخليق، ولا يظهر بعد الانفصال شيء من علامات الحياة، وصاحب "التقريب" حكاها فيما إذا بلغ مبلغاً يقدر نفخ الروح فيه ولم يظهر علم بعد الانفصال، وهو راجع إلى ما قاله العراقيون من المدة كما ستعرفه.
قال الإمام: ويجوز أن يقال: الاختلاف بين الشيخ وصاحب "التقريب" في
محض العبارة، فإنه إذا بدا التخليق قد دخل أوان توقُّع جريان الروح، وإن لم يبد بعد تخليقُ لم يدخل أوان توقُّع ذلك، وقد يظن ظانُّ أن أوائل التخليق قد تجري وبينه وبين جريان الروح زمان بعيد، فإن ظننا ذلك [افترق الطريقان] في التفصيل، وفيما ذكره صاحب "التقريب" فقه يليق بالباب.
وبالجملة فالكل متفقون على أنه لابد من تكفينه، لكن إن قلنا: يصلى عليه، كان كفنه كغيره من الأموات، وإلا كان لفافة يسيرة، فدفنه واجب بكل حال.
والسقط- بكسر السين وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، والكسر أكثر-: من ولد قبل تمام مدته، قاله أبو حاتم.
ويقال منه: أسقطت، وسقط جنينها، ولا يقال: وقع، وقيل: السقط: ما ولد ميتاً، والذي نفخ فيه الروح: من سقط بعد أربعة أشهر؛ لقوله- عليه السلام-: "إنَّ أحدكم ليمكث في بطن أمِّه أربعين يوماً نطفةً، وأربعين يوماً علقةً، وأربعين يوماً مضغةً، ثمَّ يؤمر الملك فيكتب رزقه وأجله وأثره، وشقيُّ أو سعيدُ، ثمَّ ينفخ فيه الرُّوح".
وكأن الأصحاب أخذوا تعقُّب نفخ الروح الأربعين الثالثة من سياق الحديث؛ فإنه يقتضي أن العلقة تتعقب النطفة بعد الأربعين، والمضغة تتعقب العلقة بعد الأربعين، وإلا فلفظة "ثم" لا تقتضي التعقيب، ثم قضية استدلالهم بهذا الخبر أن يعتبروا الأشهر بالعدد لا بالأهلة، وإن الشرع إنما اعتبر الأيام، وما ذكره صاحب "التقريب" أحسن مما ذكره الشيخ وغيره؛ لأن بعد انقضاء الأشهر الأربعة يدخل وقت نفخ الروح، وقد يتخلف عنه لأمر أراده الله تعالى، والله أعلم.
والاستهلال: رفع الصوت.
ثم اعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن من شرب اللبن أو نظر أو تحرَّك عضو من أعضائه حركة كثيرة تدل على الحياة، وغير ذلك مما يدل عليها ولم يستهل- أن هذا حكمه، وليس كذلك؛ بل حكمه حكم من استهل صارخاً
فيغسل ويصلى عليه بلا خلاف؛ لقول المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الطفل يصلَّى عليه"، ومن صلِّى عليه غسِّل، وقد ادعى ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك، وفيه نظر؛ لأنه نقل عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يصلى على الصبي [الذي لم يبلغ.
وحكى القاضي أبو الطيب عن بعض الناس أنه قال: إن كان الصبي] قد صلى، صلِّي عليه بعد موته، وإلا فلا يصلى عليه، واستدل على ذلك بأنه- عليه السلام- لم يصل على ولده إبراهيم حين مات، وكان له ثمانية عشر شهراً كما أخرجه أبو داود عن عائشة، وبأن الصلاة لطلب المغفرة، والصغير لا ذنب عليه.
وإذا كان الخلاف فيمن هذا حاله ففيما نحن فيه أولى، وقد أجاب الأصحاب عن الخبر بأن الرواية الصحيحة رواية ابن أبي أوفى أنه- عليه السلام- صلى على ابنه إبراهيم، ثم إن صحت الأخرى فطريق الجمع: حمل الأمر على أنه- عليه السلام- لم يصلِّ عليه؛ لاشتغاله بصلاة الكسوف، وإنما أمر بالصلاة عليه.
وكونه لا ذنب عليه لا يمنع الصلاة؛ بدليل أن الصحابة صلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتجب على المجنون وإن كان لا ذنب عليه.
نعم، لو اختلج السقط أو تحرك يسيراً فقد قال الإمام: لا نص فيه.
ولكن من الأصحاب من ألحقه بالمستهلّ، وعلى ذلك جرى المتولي والعراقيون كما حكاه ابن الصباغ، ومنهم من ألحقه بمن نفخ فيه الروح ولم يستهل حتى تجري فيه الأقوال الثلاثة، وقال الفوراني: إنه يغسل قولاً واحداً، وفي الصلاة عليه قولان، والله أعلم، وهذه هي الطريقة التي ذكرها القفال في الكرة الثانية كما قال القاضي الحسين، والله أعلم.
قال: وإن لم ينفخ فيه الروح أي: بأن وضع لأقل من أربعة أشهر، كما صرح به العراقيون والقاضي الحسين- كفن ودفن؛ وفاءً بحرمة الآدمي، وعبارة الشافعي
في كفنه والخرقة التي تواريه: لفافة تكفنه.
وما ذكره الشيخ هو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والماوردي، وهو يفهم أمرين:
أحدهما: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه صرح ابن الصباغ وغيره ممن ذكرنا.
وعن "البيان" حكاية قولين في غسله، وهما في "التتمة"؛ لأنه قال: كل سقط قلنا: لا يصلى عليه، ففي غسله قولان، وفي "الرافعي" حكاية الطريقين:
أصحهما: لا؛ كما لا يصلى [عليه] فإن كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعي سبق الحياة.
والثاني: فيه قولان، والفرق بين الغسل والصلاة قد سبق، وفي "تعليق" القاضي الحسين قبيل كتاب الزكاة طريقة ثالثة: أنه يغسل ولا يصلى عليه قولاً واحداً.
الأمر الثاني: أن التكفين والدفن واجب، وهو ظاهر إذا قلنا بوجوب غسله؛ لأن الغسل دون التكفين والدفن؛ ولهذا وجبا في المسألة قبلها بلا خلاف، وإن اختلف في الغسل والصلاة.
وقضية كلام الإمام: أن التكفين والدفن لا يجب في هذه الحالة وإنما هو مستحب؛ بناء على أن أوائل التخليق أوان نفخ الروح؛ فإنه قال: قد ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحم ولد ولم يبد فيه التخطيط فهل يتعلق به أمية الولد [ولزوم الغرة وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص: فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الولد]، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب "التقريب" فيقطع بأن هذه الأحكام- أي: وهي الغسل والتكفين والصلاة والدفن؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً- هي المعتبرة عنده.
وأما الشيخ أبو علي فيلزمه أن يخرج ذلك على الطرق في إثبات أحكام الأولاد له.
قال: وهذا إلزام، والذي قاله رعاية التخليق كما مضى، فأما من [لا يبدو] فيه التخليق وهو المضغة- كما قال آنفاً- فلا يثبت لها حكم استيلاد ووجوب عدة ولا غسل ولا تكفين ولا صلاة، ولا يجب الدفن، والأولى: أن يوارى.
ثم قال الإمام: ويبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ولا يوجب دفنه وكفنه في خرقة.
وبعضهم فرق بين ما نحن فيه وأمية الولد: بأن أمية الولد تثبت بالإحبال، وقد تحقق، وما نحن فيه [أحكام] تابعة للموت ولم تثبت له حياة.
أما إذا كان أوائل التخليق يتخلف عنه نفخ الروح بزمان بعيد- كما يقتضيه ظاهر الخبر لولا السياق- فيحتاج أن نفصل، ونقول: من لم ينفخ فيه الروح إن لم تبد فيه أوائل التخليق فالحكم كما سبق، وإن بدت كان في غسله والصلاة عليه الأقوال الثلاثة التي حكاها الشيخ أبو علي، ويكون التكفين والدفن واجباً قولاً واحداً، فتأمل ذلك، والله أعلم.
قال: وإن اختلط من يلصى عليه بمن لا يصلى عليه، أي: كما إذا اختلط موتى المسلمين غير الشهداء بموتى الكفار [أو بالشهداء] الذين لا يصلى عليهم كما قال البندنيجي- صلى على كل واحد منهم، أي: منفرداً، وينوي أنه الذي يصلى عليه، أي: ينوي أنه يصلي عليه إن كان مسلماً؛ لأن الصلاة على المسلمين واجبة، وعلى الكفار حرام، وتحصيل الواجب يمكن تخصيصه بالنية فتعين، وعبارة الشيخ هي المعزية في "الذخائر" للشيخ أبي حامد، ولم يورد الماوردي غيرها، وبها صدر القاضي الحسين كلامه، وقال: إنه يقول: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
ثم قال: وإن صلى عليهم، أي جميعاً، ونوى به المسلمين منهم- جاز؛ لأن النية تميزهم.
وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي أورده البندنيجي، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب" وغيرهم، وعبارة القاضي أبي الطيب تحتمل الأمرين.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون من لا تجوز الصلاة عليه أقل ممن تجوز الصلاة عليه أو أكثر، خلافاً لأبي حنيفة في الأكثر.
وقال الشافعي رداً عليه: إذا جاز أن نستثني واحداً مشركاً من مائة مسلم جاز أن نستثني أكثر المائة؛ لأن المقصود في الحالين الصلاة على المسلم دون المشرك.
وهذا حكم الصلاة، وأما الكفن والغسل فقد قال الإمام: الذي أراه أنه يغسل جميعهم حتى يتأدى الغسل في المسلم منهم، وكذلك يكفنون من عند آخرهم.
فرع: لو وجد ميت أو بعضه، ولم يعلم أنه مسلم أو كافر؛ فالحكم فيه كالحكم في اللقيط: إن وجد في دار الإسلام عومل معاملة المسلمين، وإن وجد في دار الشرك ولا مسلم فيها فكالكفار، وإن كان فيها مسلم فعلى الخلاف في الحكم بالإسلام، والله أعلم.
باب حمل الجنازة والدفن
قد قدمت في أول الكتاب تفسير "الجنازة" و"الجنازة" بما أغنى عن الإعادة.
والدفن معروف.
قال: والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين؛ لأن فيه جمعاً بين الكيفيات الواردة في السنة؛ فإن ابن عباس قال: إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع أو ليذر؛ فإنه من السنة.
وروي أنه- عليه السلام- حمل جنازة سعد بن معاذ بن العمودين، وكذا فعله سعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو هريرة وابن الزبير في أموات حملوها.
والتربيع: أن يحمل النعش أربعة: اثنان في المقدمة، واثنان في المؤخرة خارجين عن العمودين، ويستحب عند الإتيان [به] أن يأخذ أحدهم بالشق الأيسر من صدر النعش، وهو الذي يلي يمين الميت ويمين الحامل، ثم يأخذ الثاني بالطرف المقابل له من هذا الجانب، ثم يفعل ذلك بالشق الآخر: يبدأ بالمقدمة [منه] ويختم بالمؤخرة.
والحمل بين العمودين: أن يدخل رجل بين طرفي مقدمة النعش ويضع الخشبة المعترضة على كاهله- وهو مقدم الظهر- ويترك العمودين على عاتقيه الأيمن والأيسر على المشهور.
وقال في "التتمة": إنه يأخذهما بيديه.
وأيما كان فقد قال الأصحاب: إنه لا يمكن مثل ذلك في [طرفي] مؤخرة النعش؛ لأن الحامل حينئذ يكون وجهه للميت فلا ينظر الطريق، ولو وضعه على رأسه لما كان حاملاً بين العمودين ولأدى [إلى ارتفاع] مؤخرة النعش وتنكيس الميت على رأسه؛ فلابد أن يكون في مؤخرة النعش اثنان يحملانه كما يحملانه في حالة التربيع، ولا يكون بينهما أحد، وحينئذ يكون حملته على هذه الهيئة ثلاثة نفر.
ثم ما المراد بالجمع بينهما الذي هو الأفضل بزعم الشيخ وغيره؟ اختلف فيه كلام النقلة:
فالذي قاله الماوردي: أن يحمله خمسة: أربعة في جوانب النعش، وواحد بين العمودين، لكنه لا يضع شيئاً من العمودين على عاتقه.
والذي قاله البندنيجي: أن يحمله تارة على التربيع، وتارة بين العمودين كيف شاء، وهو ما حكاه الروياني عن بعض الأصحاب، وقال الجيلي: إنه المذكور في "الكافي".
قال: فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة [له]، وهو متصل السند بعيد عن التأويل، وهذه طريقة [الشيخ] أبي حامد، وعليها جرى الماوردي والبندنيجي.
وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ في "المهذب" والغزالي: إن الحمل بين العمودين أفضل مطلقاً؛ لما ذكرناه، فإن عجز [الذي في مقدم النعش حمل] معه اثنان فيكونون خمسة كما ذكرنا.
ومن الأصحاب من قال: التربيع أفضل مطلقاً؛ لأنه أصون للميت، وهو ما عزاه الإمام لبعض التصانيف، وقال: إنه لا أصل له، ولم [أر له ذكراً] في "الإبانة".
وقد حكى الإمام بعد ذلك في باب تكبيرة صلاة الجنازة عن الشيخ أبي علي: أنه يوضع على جنازة أو سرير، ويحمله أربعة، ولا يجوز أن ينقص حملته
عن أربعة؛ فإنه لو جوز النقصان في ذلك لكان هذا أبهأ بالميت، ولساغ أن يحمل الميت رجل واحد، وهذا ترك لحرمته وغض من قدره، فإذا كان لابد من أربعة تعين التربيع للاستحباب، لكن قول أبي عليِّ ضعفه الإمام، وفي بعض الشروح أن صاحب "التلخيص" قال: إن الحمل بين العمودين والحمل بين التربيع سواء، وفي "النهاية" حكايته احتمالاً عن صاحب "التقريب".
وقد سلك بعض من أراد الجمع بين كلام الشيخ هنا، وفي "المهذب" مسلكاً في الجمع، فقال: ما ذكره في "المهذب" محمول على ما إذا لم يحتج إلى أكثر من ثلاثة؛ لقوة المتوسط أمام النعش، وما قاله هنا على ما إذا احتاج إلى خمسة؛ لضعف المتوسط أمام النعش.
ثم استحباب الحمل في النعش بين العمودين وغيره إنما هو عند الأمن من تغير الميت، فإن خشي تغيره إن انتظر ما يحمله عليه فلا بأس بحمله على الأيدي والرقاب، ولا يجوز حمله على حالة تؤدي إلى الإزراء به [والاستهانة به]، ولا على هيئة قبيحة مزرية، وينبغي أن يكون بحيث لا يخاف على الميت الميل والسقوط.
وما ذكرناه عن الشيخ أبي علي من منع الاقتصار على واحد مفروض في الكبير، أما الصبي لو حمله واحد جاز، ولا إزراء فيه، وفي حمل رجلين أيدين بجنازة كبير- احتمال ظاهر، ولو احتيج إلى الزيادة على ما ذكرناه جاز فعله.
ويوضع عمود في وسط الجنازة، ويحمله اثنان، وهكذا.
[و] تجعل الأعمدة متعارضة تحت الجنازة، وكذا حمل عبيد الله بن عمر؛ لأنه كان مبدناً ثقيلاً.
ويختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير؛ لما فيه من الصيانة، وكذا [فعلته أسماء] بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنها رأت النعش كذلك في الحبشة، فلما رآه عمر قال: نعم خباء الظعينة، وقيل: إن
فاطمة فعل لها ذلك، وأيَّما كان فهو دليل الاستحباب.
واعلم أن الشافعي قال: وليس في حمل الجنازة دناءةُ ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة ثم التابعون.
ومن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها الأربع بدأ بالعمود الأيسر من مقدمها يحمله على عاتقه الأيمن، ثم يسلمه إلى غيره فيحمله على عاتقه، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخرها فيحمله على عاتقه الأيمن أيضاً، ثم يتقدم فيعرض بين يديها؛ كي لا يكون ماشياً خلفها، فليأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتقه الأيسر، ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها ويحمله على عاتقه الأيسر أيضاً، كذا حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم" والقديم معاً.
قال الرافعي: ولا شك أن هذا إنما يتأتى والجنازة محمولة على هيئة التربيع، فلو أراد أن يدور على جميع الجوانب مع الحمل بين العمودين حمل المقدمة على كاهله ساعة، ثم يتأخر فيحمل مؤخرة الياسرة على منكبه الأيمن، ثم يدور من قدام الجنازة إلى الجانب الآخر فيحمل مؤخرة اليامنة على منكبه الأيسر، قاله في "التتمة".
قال: ويستحب أن يسرع بالجنازة؛ لرواية أبي داود عن أبي هريرة يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحةً فخير تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
والإسراع المطلوب يحصل بالزيادة على سجية المشي؛ بحيث لا يشق على