كتاب الجنائز
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
"الجنائز"
-[بفتح الجيم]-
: جمع "الجنازة"، [بكسر الجيم وفتحها، وقيل:] بكسر الجيم: ما يحمل عليها الميت، وبفتح الجيم: نفس الميت، وقيل عكسه، حكاه صاحب "المطالع".
قال القاضي الحسين: وقيل: هي بالفتح والكسر اسم شيء واحد وهو السرير.
والصحيح الأول؛ لأنه يقال: جنز الرجل، إذا مات.
وقال البندنيجي: إن الأزهري قال: الجنازة بكسر الجيم، ولا تسمى جنازة حتى يشد الميت مكفناً عليها، ويقال: جنز الميت، يجنز: إذا هيئ أمره وجهز وشد على السرير، وأصل التجنيز: تهيئة الشيء وجمع بعضه إلى بعض.
باب ما يفعل بالميت
هذا الباب يشتمل على ما يفعل بالميت، وعلى ما يفعل قبل الموت، وإنما اقتصر الشيخ في الترجمة على ذكر الأول؛ لأن المزني لم يذكر غيره وهو المتبع في التصنيف، والذي يفعل قبل الموت حكاه البويطي عن الشافعي كما قال أبو الطيب وغيره، فأراد [ألا يخلي] كتابه عنه، وهو مقدم في الوجود؛ فلذلك جعله كالمقدمة للباب.
قال: يستحب لكل أحد أن يكثر [من] ذكر الموت؛ لقوله- عليه السلام-: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات- أي: الموت- فإنه لا يذكر في كثير إلا قلله، ولا يذكر
في قليل إلا كثره".
أخرجه النسائي، وأراد: أن المكثر من الدنيا إذا ذكر الموت قل عنده ما بسط له من الدنيا؛ لأنه يفارقه، وإذا ذكره المضيق عليه هان عليه عيشه وكثر عنده ما أوتيه؛ لأن فيه بلاغاً له، ولأن كثرة ذكر الموت أزجر له عن المعاصي وأحض له على فعل الخيرات، ولهذا روي عن عمر بن الخطاب أنه نقش على خاتمه: كفى بالموت [واعظاً] يا عمر.
قال القاضي الحسين: واستحباب الإكثار من ذكر الموت للمريض أشد استحباباً،
وبالجملة فالاستعداد للموت بالخروج من المظالم المتعلقة بالأموال والأعراض، وتحصيل الأجور بالأقوال والأفعال- مطلوب؛ لقوله- عليه السلام- وقد اطلع على قوم يحفرون قبراً: "إخواني لمثل هذا فليعمل العاملون".
وينبغي أن يكون الشخص في حال صحته بين الخوف والرجاء؛ فلا يغلب خوفه فيؤدي به إلى اليأس، ولا يغلب رجاؤه فيصير كالآمن، ولكن يكونان على السواء.
قال المتولي: وقيل: يجب أن يكون الأغلب عليه الخوف، وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين.
والموت: مفارقة الروح الجسد.
قال: وأن يعود المريض؛ لما روى مسلم عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة"، وقال- عليه السلام-: "عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة إلى أن يعود" وروى أبو داود عن زيد بن أرقم قال: "عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رمد أصابني".
قال القاضي أبو الطيب: وهذا يدل على أن العيادة من الرمد تستحب، خلاف ما يقوله العامة.
قال في "الحاوي": ويستحب أن يعم بعيادته جميع المرضى، ولا يخص بها قريباً من بعيد، ولا صديقاً من عدو، ويحوز ثوابهم جميعاً، وعلى هذا يكون الألف واللام في "المريض" للاستغراق لا للعهد.
لكن ابن الصباغ شرط في عيادة [المريض] أن يكون مسلماً، وفيه نظر؛ لأنه- عليه السلام- عاد غلاماً يهودياً.
وقال الشاشي: الصواب عندي أن يقال: عيادة الكفار في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها قرابة أو جوار، ولم يورد الرافعي غير ذلك فإنه قال: وإن كان ذمياً جازت عيادته، ولا يستحب إلا لقرابة أو جوار أو نحوهما.
ويستحب أن تكون العيادة غِبّاً ولا يواصلها في جميع الأيام؛ لقوله- عليه السلام- "أَغِبُّوا عيادة المريض وأَرْبِعُوا".
قال: فإن رجاه دعا له، أي: بالعافية؛ لما روى أبو داود أنه- عليه السلام- قال: "من عاد مريضاً لم يحضره أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك الله إلا عافاه الله من ذلك المرض"، وروي أنه- عليه السلام- كان إذا دخل على مريض قال: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، اشف شفاءً لا يغادر سقماً".
قال: وانصرف، أي: لا يطيل المكث عنده؛ كي لا يضجره.
قال: وإن خاف أن يموت أي: بأن رأى فيه علامات الموت رغبه في التوبة
والوصية، أي: حثه عليها؛ لأنه وقت ذلك.
ويحثه على الخروج من المظالم؛ لأنها شرط التوبة، ويكون ذلك بالرفق والكلام الطيب.
ثم يعجل الانصراف أيضاً، ويكره أن يكره المريض على تناول الدواء، قاله في "الروضة".
قال: وإن رآه منزولاً به، أي: نزل به الموت وحضرت مقدماته- وجهه إلى القبلة؛ لأنها خير الجهات.
ثم في كيفية توجيهه وجهان، حكاهما الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما:
أحدهما: أنه يلقى على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة كما يوضع في المغتسل، وهو ما قال الإمام: إن شيخه كان يقطع به، ولم يورد في "الوجيز" غيره، وإيراد "الوسيط" يقتضي ترجيحه، وكذلك قال الجيلي: إنه الأصح.
والثاني: أنه يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه: لأن [إضجاع] النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كذلك، ولأنه كذلك يضجع في قبره؛ فكذلك عند موته، ولأنه أبلغ في الاستقبال، وقد قال- عليه السلام- "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه"، وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين وقال: لست أثق به؛ فإن عمل الناس على خلافه، وإن كان منقاساً في رعاية استقبال القبلة، ولم يورد البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمصنف غيره، وقال الرافعي: إنه الراجح عند الأكثرين، وحكوه عن النص.
نعم، إن كان في موضع ضيق لا يمكن وضعه فيه على جنبه، أو به علة تمنع من ذلك- فحينئذ يجعل على قفاه وقدماه إلى القبلة.
قال البندنيجي: ويوضع تحت رأسه شيء مرتفع؛ ليتوجه وجهه إلى القبلة.
قال: ولقنه قول "لا إله إلا الله"؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -::"لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله"، وروى أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله- دخل الجنة".
قال القاضي الحسين: فلو قال ذلك، ثم غشي عليه سنة عقيب قوله ذلك، ثم مات دخل الجنة.
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنه يلقن أيضاً: محمد رسول الله، وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وسليم الرازي ونصر المقدسي والجرجاني والشاشي في "المعتمد".
وقال في "الروضة": والأصح: الأول، وهو الذي قاله الجمهور.
ويستحب أن يكون ذلك برفق من غير عنف ولا إضجار.
قال في "التتمة"- تبعاً للقاضي الحسين وغيره-: ولا يستحب أن يقول له: قل: لا إله إلا الله، ويلح عليه؛ كي لا يضيق صدره فيثقل عليه، ولكن يقول ذلك بحضوره.
قال الرافعي وغيره: فإذا قال ذلك مرة لا يكرره عليه ما لم يتكلم.
وقال البندنيجي: إنه يستحب أن يقول ذلك ثلاث [مرات] فإذا قالها لم يكلم
بعدها؛ لتكون آخر كلامه، فإن تكلم بعدها بشيء أعيد التلقين؛ ليكون آخر كلامه التوحيد.
وقد أفهم كلام الشيخ أن العائد يوجهه إلى القبلة، ويلقنه قريباً كان أو غير قريب، والمذكور في "الحاوي": إذ قارب أن يقضي حضره أقوى أهله نفساً وأثبتهم عقلاً، ولقنه الشهادتين من غير عنف ولا إضجار، ثم يوجهه إلى القبلة.
وقال في "التتمة" وغيره: يستحب أن يكون الملقن له غير وارث؛ حتى لا يسبق إلى فهمه أنه يستعجل موته فيغتاظ من ذلك فيجحد، فإن لم يكن عنده إلا الورثة فالأولى أن يلقنه أبرهم به وأحبهم إليه.
قال الجيلي: ويستحب أن يصب في حلقه ماء قليلاً، وأن يقرأ عنده سورة الرعد، كما قاله البندنيجي وصاحب "البيان"؛ لأنه قيل: إنه أسرع لخروج روحه، وابن الصباغ وغيره حكوا ذلك عن بعض التابعين.
وهذا مما يستحب لعائد المريض أن يفعله، فأما ما يستحب للمريض أن يفعله فقد قلنا: إنه يستحب له الإكثار من ذكر الموت، ويستحب له الصبر على ما نزل به، والتداوي من المرض كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وأن يحسن ظنه بالله، ويكون رجاؤه أغلب من خوفه لظهور العجز، ويكره له الأنين وأن يتمنى الموت ويدعو به لضر نزل به.
قال: فإذا مات استحب لأرفقهم به أن يغمض عينيه؛ لما روى مسلم عن أم سلمة قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر"، ولأن ذلك أحسن في كرامته؛ فإنه لو ترك مفتوحاً لقبح منظره.
قال: ويشد لحييه؛ كي لا يقبح منظره بفتح فيه، ويدخل فيه الهوام، ويكون الشد بعصابة عريضة أو عمامة تربط فوق رأسه.
قال: ويلين مفاصله؛ كي لا تيبس فيقبح ولا تبقى لينة على غاسله، فيرد ذراعه
إلى عضده ثم يمدها، ويرد أصابع يده إلى كفه ثم يمدها، ويرد فخذيه إلى بطنه وساقيه إلى فخذيه ثم يمدهما.
قال: ويخلع ثيابه أي [التي مات فيها] لأنه ربما حمي بها فتغير، وقد روي عن الشافعي أنه قال: سمعت أهل الخبرة يقولون: إن الثياب تحمي عليه فيسرع إليه الفساد، وأيضاً فقد تخرج منه نجاسة تلاقيها.
قال: ويسجيه- أي: يغطيه- بثوب، أي: ساتر لجميع بدنه؛ لما روى مسلم عن عائشة قالت: "سجِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب حبرةٍ".
قال البندنيجي وغيره: ويوضع تحت رأسه ورجليه وجوانبه منه شيء؛ كي لا ينكشف عنه إن هبت ريح، ويستحب بعد ذلك أن يوضع على سرير [أو شيء] مرتفع من لوح أو غيره.
قال البندنيجي: بحيث لا يكون بين جلده وبينه شيء؛ لئلا يسرع إليه الفساد من عفونة الأرض، فإن كانت صلبة جاز، وإليه أشار الماوردي بقوله: "يوضع على نشز من الأرض أو شيء مرتفع"، ولأنه يبعده من الهوام.
قال: ويجعل على بطنه حديداً أي: من سيف أو غيره، كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما أو طيناً رطباً؛ لئلا يربو فينتفخ بطنه فيقبح منظره.
وقد أمر بوضع الحديدة أنس حين مات مولاه، وروى أبو بكر بن المنذر أن ذلك من السنة، والطين الرطب في معناه، ولا يتعين شيء من ذلك، بل يجوز بكل ما يحصل المقصود، وقد حكى في "الذخائر" عن بعض أصحابنا أنه قدر زنة الموضوع بعشرين درهماً.
ولا يجعل على بطنه مصحفاً؛ إكراماً له.
نعم، يستحب أن يقرأ عنده سورة يس؛ لقوله- عليه السلام-: "اقرءوا يس على موتاكم" أخرجه أبو داود.
قال القاضي الحسين: وقيل: تقرأ عند القبر، والأول أصح.
قال: ويسارع إلى قضاء دينه، أي: إن كان في التركة جنسه، والتوصل إلى [إبراء ذمته]، أي: بأن يحيل بها الولي على نفسه إن لم يكن في التركة جنسه، وسأله أن يبرئه منه كما قال البندنيجي، وعبارة القاضي أبي الطيب: أنه يتوصل إلى أن يحيل غرماء الميت، على من للميت عليه دين، ووجهه قوله- عليه السلام-: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" أخرجه الترمذي، ومعنى معلقة، أي: مرتهنة، فيحرم روح الجنة والأمن في البرزخ حتى يترك الفضل من الدين.
وكان- عليه السلام- يمتنع في ابتداء الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك وفاء به، حتى أفاء الله على رسوله فكان يقضيه.
[قال الإمام].
قال: وتفرقة وصيته؛ لكي تتعجل له منفعتها.
قال: ويبادر إلى تجهيزه، أي: إذا استبان موته بالعلامات؛ لقوله- عليه السلام-: "ثلاث لا تؤخر: الصلاة، والجنازة، والأيم إذا وجدت كفئاً" أخرج الترمذي معناه، وقال: إنه غريب.
والعلامات: أن تسترخي قدماه فلا تنتصبان، وأن يتعوج أنفه، وينفرج عظما زنده، وينخسف صدغاه، وتمتد جلدة الولد، وهي جلدة الخصية، كما قال القاضي الحسين؛ لأن الخسية تتعلق بالموت وتتدلى جلدتها، فإذا وجد ذلك مع تقدم المرض استبان الموت.
قال: إلا أن يكون قد مات فجأة، أي بغتة من غير علة؛ فيترك ليتيقن موته، ومدة الترك يومان أو ثلاثة، كما أشار إليه الشافعي، وكذا يترك حتى يتحقق موته إذا كان قد أصابه فزع وخوف من عدو أو حريق أو ضرب شديد أو عذب؛ خوفاً من أن يكون [قد] غشي عليه ولم يمت، والله أعلم.
باب غسل الميت
وغسل الميت فرض على الكفاية، أي: على من علم بحاله من المسلمين؛ للإجماع، وقد روي أنه- عليه السلام- قال: "فرض على أمتي غسل موتاها، والصلاة عليها ودفنها" وقال- عليه السلام-[كما] رواه الشافعي مسنداً في المحرم الذي وقص به بعيره فاندقت عنقه-: "اغسلوه بماء وسدر" فخاطب الجميع به، وإذا فعله البعض لم يبق ما فعله الباقون؛ وهذا شأن فروض الكفايات، وإذا تركه من علم به أثموا جميعاً؛ لمخالفة الأمر، لكن هل يكون مأثم أقاربه الذين هم أولى بغسله من غيرهم أغلظ أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي في كتاب السير حيث قال: فرض غسله يكون أولياؤه فيه أسوة غيرهم أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أن جميع المسلمين فيه أسوة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] فعلى هذا لا يجوز لمن علم بحاله من الأقارب أو الأجانب أن يمسكوا عنه حتى يقوم به أحدهم فيسقط فرضه عن جميعهم.
والثاني: أنهم أحق به من غيرهم، وإن لم يتعين فرضه عليهم فمأثم تركه منهم أغلظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] فعلى هذا يجوز للأجانب أن يفوضوا أمره إلى الأقارب، فإن أمسك عن فرضه الأقارب شاركهم في فرضه الأجانب.
ولو اجتمع أصناف من الأقارب فامتنعوا من الغسل، قال الإمام: فالوجه أن يقال: يختص بالحرج من يرى تقديمه عند فرض الزحمة، ثم لا يسقط الحرج عن غيره، بل لو عطله الأدنون والأقربون تعين على الأجانب القيام بذلك؛ فإنه فرض كفاية في حق الناس عامة، ولو لم يعلم بحال الميت إلا واحد- تعين فرضه عليه.
ثم إن لم يكن ثم غيره تعين عليه القيام به، وإن كان ثم غيره فيكون فيما تعين عليه من فرضه بين خيارين: إما أن ينفرد بمواراته، أو يخبر به من يقوم بمواراته فيسقط فرض التعيين
ويبقى فرض الكفاية على المخبر حتى يواريه أحدهما.
قال الماوردي في كتاب السير: فتصير هذه المواراة من فروض الكفاية في العموم، ومن فروض الأعيان في الخصوص، قال: وحكم التكفين والصلاة والدفن كما ذكرنا.
قال: والأولى أن يتولاه- أي: إذا كان [الميت] رجلاً- أبوه، ثم جده- أي: أبو أبيه- ثم ابنه، ثم عصباته، ثم الرجال الأقارب؛ لأنهم أشفق عليه وأستر لما يطلعون عليه من عورة.
وقدم الأب- وإن علا على الابن- لكمال شفقته ورحمته، ولذلك قدم الابن وإن سفل على باقي العصبات، وقدمت العصبات على غيرهم من الأقارب، وهل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، والعم الشقيق على العم لأب؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بالتقديم، وهو ما يقتضيه إيراد الشيخ.
والثاني: حكاية قولين فيه كما في ولاية النكاح، ويجريان في ابني عم أحدهما أخ لأم.
قال: ثم الرجال الأجانب؛ لأنهم أحق بتولي ذلك من النساء، وهذا إذا لم يكن له معتق فإن كان فهو مقدم عليهم؛ لأن الولاء لحمة كلحمة النسب.
قال: ثم الزوجة.
هذا ينظم حكمين:
أحدهما: أن للزوجة تغسيل زوجها وإن انقطعت الزوجية بالموت، وهو مما لا خلاف فيه؛ لأن أبا بكر- رضي الله عنه- أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس ففعلت، ولا مخالف من الصحابة فكان إجماعاً.
والثاني: أنها مقدمة على النساء الأقارب وهو ما سيق الفصل لأجله، ووجهه:
أنها أوسع فيما تنظر إليه منهن.
قال: ثم النساء الأقارب، أي: المحارم [له]؛ لإباحة نظرهن له مع الحاجة إليهن، أما غير المحارم فهن كالنساء الأجانب، وسيأتي حكمهن.
ثم هذا الفصل سيق لبيان جواز غسل نساء الأقارب له بعد من ذكر، لا لأنهن مقدمات على غيرهن؛ إذ لا أحد بعدهن يكون له التغسيل، وقد حكي الإمام عن رواية شيخه والأئمة عن أبي إسحاق المروزي أنه كان يقول: ليس للزوجة رتبة التقدم على أحد، وإنما لها جواز الغسل فحسب، فأما أن تقدم فلا، وقال: إنه ليس بشيء.
فإذا قلنا به كانت النساء الأقارب مقدمات عليها، ويجوز أن يكون الشيخ أراد بما ذكره الاحتراز عن ذلك، وعكس هذا الوجه وجه مشهور في المذهب: أن الزوجة مقدمة على الأب وغيره؛ لقول عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساؤه.
قال القاضي الحسين: وإنما قالت ذلك؛ لأنها تمنت أن أباها يتولى غسله، فلما تولى ذلك علي والعباس والفضل وأسامة- رضي الله عنهم- قالت هذه المقالة.
قلت: ويجوز أن تكون قالت ذلك حين علمت أن للزوجة أن تغسل زوجها؛ لقيام الإجماع عليه.
وقد يستدل لهذا الوجه أيضاً بوصية أبي بكر؛ فإن العاصب لو استحق التقديم لم يحرمه بالوصية كما لا يتقدم من أوصى إليه شخص على ولده على أبيه عند وجوده، وقد ادعى البندنيجي أن هذا الوجه هو المذهب.
وفي "الروضة" حكاية وجه آخر: أن المقدم الرجال الأقارب ثم الزوجة ثم الرجال الأجانب ثم النساء المحارم، وصحح ما ذكره الشيخ، وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: أولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه، ولم يحك الماوردي غيره.
ثم حيث تغسله فإلى متى؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين وغيره:
أصحها: أبداً.
والثاني: إلى أن تنقضي عدتها، وإنما يتصور بوضع الحمل.
والثالث: إلى أن تتزوج.
والأول أخرجه القاضي من وجه أبداه في أن للأمة أن تغسل سيدها، وإن كانت قد انتقلت لغيره كما سنذكره.
ثم هذا إذا مات وهي في العصمة المحققة، فلو مات وهي في عدة من طلاق رجعي، فالمحي عن نصه في "الجامع الكبير" أنها لا تغسله؛ لأن نظرها إليه في حال الحياة كنظر الأجنبية فكانت كهي بعد الموت، وفي "شرح" ابن التلمساني وجه لم أره في غيره: أن لها أن تغسله؛ لجريان التوارث بينهما وهل تلحق أم الولد بالزوجة في جواز [غسلها السيد] فيه وجهان:
أصحهما- عند القاضي أبي الطيب-: الإلحاق.
والذي أورده الأكثرون- كما قال الرافعي-: مقابله، وهو المختار في "المرشد" و"الروضة"، والفرق: أن الزوجة في عدته، وهي من بقايا أحكام النكاح، ولا عدة لأم الولد.
وألحق القاضي الحسين بأم الولد المدبرة إذا عتقت، وقال في الأمة: إنها لا تغسل سيدها؛ لأنها صارت بموته ملكاً لغيره، قال: ويحتمل أن يجوز؛ ولأجل ذلك حكى الإمام فيها وجهين، وقال: لعل الأصح المنع؛ لأن الملك عنها انتقل على التحقيق إلى الورثة، ولم يكن [الملك] فيها مقصوراً في الحياة.
والمكاتبة لا تغسل سيدها؛ لأنها كانت محرمة عليه في الحياة كالأجنبية، ولا يجيء فيها الوجه المذكور في الرجعية؛ إذ لا توارث بينهما.
قال: وإن كانت امرأة غسلها النساء الأقارب، أي: محارم كن لها كبناتها وأمهاتها وخالاتها، وكل امرأة لو كانت رجلاً لم يحل له نكاحها بسبب القرابة، أو غير محرم كبنات عماتها وبنات خالاتها، وكل امرأة لو كانت رجلاً يحل له نكاحها؛ لأنهن أشفق من غيرهن.
قال: ثم النساء الأجانب؛ لأنهن أوسع في النظر إليها من الرجال.
قال: ثم الزوج: هذا الكلام يقتضي أمرين:
أحدهما: جواز تغسيل الزوج زوجته، وهو مما لا خلاف فيه عندنا إذا لم يكن قد تزوج بأختها أو أربع سواها؛ لأن علياً- كرم الله وجهه- غسل فاطمة مع أسماء بنت عميس، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان إجماعاً، وما ورد من أن ابن مسعود أنكر عليه ذلك- لا يعرف، ولا نقله أحد من نقلة الحديث، ولأنهما زوجان يمسك كل واحد منهما بذمام صاحبه إلى أن فرق الموت بينهما؛ فجاز للباقي منهما أن يغسل صاحبه، كالزوج إذا مات وبقيت الزوجة فإن لها أن تغسله بالإجماع.
أما إذا تزوج بأختها أو أربع سواها فهل يجوز له تغسيلها؟ فيه وجهان، أصحهما: أن له ذلك أيضاً.
الأمر الثاني: أنه يتقدم على رجال الأقارب، ووجهه: أنه يطلع على ما لا يطلع عليه غيره منهم؛ فكان أولى.
قال: ثم الرجال الأقارب.
هذا الفصل سيق لبيان أن للرجال الأقارب تغسيلها بعد من ذكر، لا لأنهم يقدمون على غيرهم؛ إذ لا أحد يقدمون عليه، ووجه جواز تغسيلهم لها: أنهم أشفق عليها ويطلعون على ما لا يجوز للغير الاطلاع عليه، وهذه الطريقة لم يورد الماوردي في موضع من "الحاوي" غيرها، وهي التي حكاها الإمام عن شيخه وغيره من أصحاب القفال، ولا جرم، قال في "الوسيط": إنها طريقة المراوزة؛ لأن المراوزة هم أصحاب القفال المروزي، وحكى وراءها وجهين عن العراقيين، وهما مذكوران في "المهذب" وغيره من كتبهم:
أحدهما: أن الزوج يقدم على نساء الأقارب؛ لقوله- عليه السلام- لعائشة،
[وقد رآها] شاكية من رأسها: "لا عليك، إن مت قبلي غسلتك وصليت عليك ودفنتك واستغفرت لك"، وادعى البندنيجي أن هذا هو المذهب، وقال القاضي الحسين: إن الذي نص عليه الشافعي أن نساء القرابة أولى منه.
والثاني: أن النساء مقدمات على الترتيب السابق، ثم الرجال الأقارب، ثم الزوج؛ لأن النكاح ينتهي بالموت، والقرابة تدوم، وهكذا قد حكاه الماوردي في موضع آخر من "الحاوي"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ليس في واحد منها تقديم الرجال من الأقارب على النساء؛ ولذلك قال ابن الصباغ: لا يختلف المذهب أن النساء مقدمات على الأقرباء من الرجال، وقال الرافعي: إن سياق كلام الغزالي في "الوجيز" يقتضي تجويز الغسل للرجال المحارم مع وجود النساء، ولم أر لعامة الأصحاب تصريحاً بذلك.
فإن قلت: هل يمكن تنزيل ما قاله الشيخ هنا على أحد الوجهين المحكيين في "المهذب" وغيره؟
قلت: نعم، فإن الإمام قال: إن محل الكلام السابق في بيان الطرق في ترتيب من يغسل إذا كان يفرض [أن] ازدحامهم وتنافسهم في الغسل، وإذا كان كذلك، وفرضنا اجتماع النساء الأقارب والنساء الأجانب والزوج والرجال الأقارب، فالرجال الأقارب يسقطون بالنساء، كما قاله البندنيجي.
قال: ويبقى النساء والزوج، وفيهم الوجهان:
أحدهما: أنه يقدم عليهن.
والثاني: يقدمن عليه.
قلت: وعلى هذا صح ما ذكره الشيخ بهذا التقرير، وإليه يرشد كلام ابن الصباغ أيضاً، والله أعلم.
قال: وذوو المحارم- أي: من الرجال في تغسيل الرجال، ومن النساء في تغسيل النساء- أحق من غيرهم، أي: من الذين لهم قرابة ولا محرمية بينهم؛
فابن العم الذي هو أخ لأم يقدم على ابن العم الذي ليس بأخ كما تقدم، والخالة تقدم على بنت العم، وبه صرح البندنيجي وغيره؛ لأنهم أكثر اطلاعاً وأوسع نظراً من القريب الذي ليس بمحرم، وزاد القاضي الحسين فقال: إن الخال أولى من ابن العم في غسل الرجل.
ولم يحك غيره، ولا يفهم أن مراد الشيخ بقوله: "وذوو المحارم أحق من غيرهم"- أن ذوي المحارم من الرجال أحق من غيرهم في تغسيل الميت إذا كان امرأة؛ لأن القريب الذي ليس بمحرم كالأجنبي سواء في المنع من التغسيل، صرح به البندنيجي وغيره، وإذا كان كذلك تعين ما قلناه.
فإن قلت: في كلام أبي الطيب ما ينازع في ذلك؛ لأنه قال: إذا قلنا بتقديم نساء الأقارب على الزوج قدمنا المحارم ثم غير المحارم ثم الأجنبيات ثم أولى الأقارب بالصلاة، فإن لم يكن فالزوج، وابن العم مقدم في الصلاة على الخال.
فكلامه يقتضي أنه يقدم هنا أيضاً، وهو خلاف ما ذكرتم.
قلت: كلام أبي الطيب محمول على من يقدم في الصلاة من المحارم كالأب ونحوه؛ ألا ترى إلى قوله: لو ماتت امرأة بين رجال لا محرم لها منهم هل تيمم أو تغسل؟ فيه ما سنذكره فيما إذا ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي.
فعامل غير المحرم معاملة الأجنبي، والله أعلم.
وللسيد تغسيل مكاتبته وأم ولده ومدبرته وأمته بلا خلاف إذا لم يكن محرمات عليه حين الموت [بسبب نكاح] أو غيره.
ثم اعلم أن قول الشيخ: "وإن كانت امرأة .. " إلى آخره، يحتمل أن يكون مراده بذلك بيان من هو الأولى بغسلها والمقدم فيه على غيره، كما بينه فيما إذا كان الميت رجلاً، وهو ما حكاه الإمام عن الأصحاب حيث قال: لو سلم من قدمناه في الغسل ذلك إلى غيره [و] لم يؤخره فله أن يتعاطى الغسل كالزوج إذا سلم الغسل لرجال القرابة، ونحن نرى تقديم الزوج.
ويحتمل أن يكون مراد الشيخ أن ذلك على وجه التعين، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً لنفسه حيث قال: يجوز أن يقال: من يقدم عند الزحمة فحق عليه أن يتعاطى الغسل؛ فإنه بحق واختصاص قدم.
وحكى عن شيخه أنه كان يقول: ما
ذكره الأصحاب يجري في الرجال بعضهم مع بعض، فأما النساء فيجب تقديمهن على جنس الرجال إذا وجدن، وإنما يغسل الرجل المرأة إذا فقدنا النساء.
قال: وإن مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي- يُمِّما؛ لما في الغسل من النظر إلى المحرم، هكذا ذكره الأصحاب، وأعرضوا عن رواية أبي داود عن مكحول قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس معهم امرأة غيرها، أو الرجل مع النساء ليس معهن رجل غيره- فإنهما ييممان ويدفنان، وهما بمنزلة من لم يجد الماء"؛ لأنه مرسل، لكن بعضهم نظم من المشبه به فيه قياساً، فقال: يمم عند فقد الغاسل كما عند فقد الماء، وهذا ما ادعى البندنيجي أنه عليه أكثر الأصحاب، وكذا الماوردي، وفي المسألة وجه آخر أنه يغسل مع حائل من ثوب ويلف الغاسل على يده خرقة، فإن لم يكن يمم الميت.
والأولى إذا غسل أن يكون في موضع مظلم، وهذا الوجه رجحه الإمام وحكاه [عن] القفال، ولم يورد القاضي الحسين فيما إذا كان الميت امرأة غيره، وقال الماوردي: إنه أصح عندي.
وأيده بأن الشافعي نص على أنه إذا مات رجل وليس هناك إلا نساء أجانب أنهن يغسلنه ولا يجوز أن ييمم.
وفي "البيان" أن الأوزاعي قال في مسألتي الكتاب: لا ييمم ولا يغسل، بل يدفن، وأن الشيخ أبا نصر في "المعتمد" اختاره؛ ولذلك حكاه ابن يونس وجهاً ثالثاً في المسألة.
وهذا حكم الرجال والنساء، وسكت الشيخ عن حكم الأطفال والخنثى المشكل، وقد قال غيره: إن الأطفال من الذكور والإناث يغسلهم النساء أو الرجال، والذي يقتضيه المذهب- كما قال بعضهم-: أن ذلك فيما دون سن التمييز، وقيد في "التتمة" ذلك بالصغيرة التي لا تشتهي والصغير الذي لا يبلغ حد من يجامع؛ ولذلك
قال الرافعي: إن الحكم المذكور في الصغير الذي لم يبلغ حداً يشتهي مثله، وكلام أبي زيد يقتضي أن المناط ما دون البلوغ كما سنذكره.
وأما الخنثى فإن كان صغيراً غسله الرجال أو النساء، وإن كان كبيراً فهل يغسل أو ييمم؟ فيه وجهان، المنسوب منهما في "الحاوي" إلى أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا: الثني، وقال: إنه غلط، وقد قال الرافعي: إن الخلاف فيه كالخلاف فيما إذا مات رجل وليس هناك إلا امرأة أجنبية، أو ماتت امرأة وليس هناك إلا رجل أجنبي، وهذا يقتضي أن يكون الراجح عند الأكثرين ما قاله الزبيري.
ثم إذا قلنا بأنه يغسل، فمن يغسله؟ فيه أوجه:
أحدها: أنه في حق الرجال كالمرأة، وفي حق النساء كالرجل؛ أخذاً بالأسوأ في كل واحد من الطرفين.
والثاني- حكاه القاضي الحسين وغيره عن بعض الأصحاب-: أنه يشتري من تركته جارية لتغسله، فإن لم يكن له تركة فيشتري من بيت المال، قال الأئمة: وهذا ضعيف؛ لأن إثبات الملك ابتداء للشخص بعد موته مستبعد، وبتقدير ثبوته، فقد ذكرنا أن الصحيح أن الأمة لا تغسل سيدها.
والثالث- وبه قال الشيخ أبو زيد، وهو الأظهر-: أنه يجوز للرجال والنساء غسله جميعاً؛ لأنه قد ثبت أنه قبل البلوغ لو احتيج إلى غسله حياً أو ميتاً، فأي هذين غسله جاز؛ فيستصحب ذلك الأصل، وإنما يؤخذ في أمر الخنثى المشكل باليقين كما لو مس أحد فرجيه فلا وضوء عليه، كذا حكاه القاضي الحسين عن أبي زيد، وهو المحكي في "الإبانة" عن القفال، ولم يورد سواه.
وفي "الحاوي" أنه يستحب أن يغسل في قميص، ويكون موضع غسله مظلماً، ويتولى غسله أوثق من [يقدر] عليه من الرجال والنساء.
وفي "التهذيب": قيل: يغسله من يغسل المرأة في قميص، والله أعلم.
قال: وإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق من أقاربه المسلمين؛ لقوله- تبارك وتعالى-: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] وكذا زوجته أحق به منهم؛ لما ذكرناه، فلو لم يكن له أقارب كفار ولا زوجة، أو كانوا وامتنعوا منه
فلأقاربه المسلمين تغسيله؛ لما روي عن علي أنه قال: لما [مات] أبو طالب، قلت: يا رسول الله، قد مات عمك الشيخ الضال، فقال عليه السلام: "غسِّله وكفِّنه ولا تصلِّ عليه"، ورواية أبي داود وغيره أنه- عليه السلام- قال: "اذهب فَوَارٍ أباك".
وهذا بخلاف المسلم إذا مات ولا أقارب له من المسلمين ولا زوجة؛ فإن الأجنبي من المسلمين يقدم على القريب المشرك، قال الرافعي: ويقدر كالمعدوم.
وبهذا يتقيد ما أطلقه الشيخ من قبل، وكذا يتقيد بألا يكون القريب قاتلاً؛ فإن القاتل بغير حق لا يغسله، وكذا بحق على قولنا: إنه لا يرثه".
وقد أفهم كلام الشيخ وغيره أن غسل الكافر من فروض الكفايات حيث قالوا: "وغسل الميت فرض على الكفاية"، ثم قالوا اتباعاً للنص: وإن مات كافر فأقاربه الكفار أحق من أقاربه المسلمين- فإن هذا يفهم دخوله فيما ذكره أولاً، وقد قال الرافعي وغيره: إن غسل الكافر لا يجب علينا بحال حربياً كان أو ذمياً، وغسلنا له إنما هو من الصحبة بالمعروف، نعم: هل تكفينه ودفنه من فروض الكفايات علينا أم لا؟ ينظر: إن كان حربياً فلا؛ لأنه- عليه السلام- ترك قتلى بدر ثلاثة أيام، ثم أمر بعد ذلك بإلقائهم في القليب، وإلقاء التراب عليهم، ويجوز دفنهم للخبر، والمعنى
فيه دفع تأذي الناس بريحه وإن كان ذمياً فوجهان:
أحدهما- وهو قول الشيخ أبي محمد والقاضي الحسين-: أن ذلك يجب وفاء بالذمة، كما يجب أن يطعم ويكسي في حياته، وهذا ما اقتضى إيراده في "الوسيط" ترجيحه، وقال الرافعي: إنه الأظهر.
والثاني: لا؛ إذ لم يبق له ذمة بعد الموت، وهذا ما ادعى الإمام أن [في] كلام الصيدلاني ما يدل عليه، وقال القاضي الحسين: إنه الذي قاله عامة أصحابنا.
وفي "التهذيب": أن الحربي لا يجب تكفينه، وهل تجب مواراته؟ فيه وجهان.
وفي "الجيلي": أن الذمي يجب دفنه على أقاربه المسلمين، وهل يجب على الأجانب من المسلمين عند فقد الأقارب؟ فيه وجهان، والحربي هل يجب دفنه؟ [فيه] قولان، أصحهما: الوجوب.
قال: ويستر الميت في الغسل عن العيون؛ خشية أن يكون به عيب كان يكتمه فيظهر، أو قد اجتمع في موضع من يديه دم، أو التوى عنقه لعارض فيراه من لا يعرف ذلك فيظن أن ذلك عقوبة وسوء عاقبة، والستر يحصل بأن يجعل في بيت ويرخى على بابه شيء.
قال [القاضي] أبو الطيب: والأولى أن يكون مستوراً من جهة السماء بسقف أو غيره، وهو وجه حكاه الماوردي مع وجه آخر أن غسله تحت السماء أحب؛ لتنزل عليه الرحمة، والمراد: الستر عن أعين الأجانب، أما أولياؤه فقد قال البندنيجي و [القاضي] أبو الطيب وغيرهما: إنهم يدخلون كيف شاءوا؛ لأنه يوثق بهم.
قال: ولا ينظر الغاسل، أي: [إلى ما] ليس بعورة منه إلا [إلى ما] لابد له
منه؛ مراعاة لما ذكرنا.
والذي يعاون الغاسل في معنى الغاسل إذا لم يستغن عنه، فإن استغنى عنه فيستحب ألا يستعين.
ويحصل عدم نظرهما بغض البصر ما أمكن، وأما العورة فالنظر إليها حرام بكل حال؛ لقوله- عليه السلام- لعلي- كرم الله وجهه-: "ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" أخرجه أبو داود، ولو نظر لما له منه بد مما ليس بعورة كره كنظر غير الغاسل من الأجانب إليه.
ويستحب للغاسل ولمن عاونه إذا رأى من الميت خيراً كالنور والأحوال الحسنة أن يذيعه ويتحدث به، وإن رأى عيباً أو أحوالاً قبيحة أن يسترها؛ لقوله- عليه السلام-: "من ستر على عورة أخيه المؤمن ستر الله عورته عليه، ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله".
قال: والأولى أن يغسل في قميص؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما مات اختلف الناس في غسله فقال قوم: نغسله في ثيابه، وقال آخرون: لا نغسله فيها بل مجرداً كما نغسل موتانا، فغشيهم النعاس وسمعوا هاتفاً يقول: لا تجردوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية: اغسلوه في قميصه الذي مات فيه، فغسل في القميص.
فإن قيل: قد دل ما ذكرتم على أنهم كانوا يغسلون موتاهم مجردين؛ فيدل على أن ذلك هو السنة، وغسله- عليه السلام- في قميصه يكون من خصائصه.
قلنا: لأجل ذلك ذهب بعض أصحابنا- كما حكاه ابن كج-[إلى] أن الأولى أن يجرد، لكن الجمهور على خلافه، وما قيل من أنهم كانوا يجردون موتاهم فهو سنة، فقد حكى القاضي الحسين أن بعضهم كان يغسل في قميص؛ ولذلك اختلفوا، وإذا كان كذلك فكل سنة، وما صرنا إليه أولى؛ لما ذكرناه، وعلى تقدير أن يكون الأمر كما قيل فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يختار أن يفعل به إلا ما هو الأولى، ودعوى أن ذلك من خصائصه يقدح فيها ما روي أن سعد بن أبي وقاص لما حضرته الوفاة قال لأهله: اصنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر ذلك منكر؛ فدل ذلك على أن هذا ليس مما اختص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وينبغي أن يكون القميص خلقاً أو رقيقاً ينزل الماء عنه إلى البدن، ثم إن كان واسع الكمين أدخل يده منهما وصب الماء فوقه، وإن كان ضيق الكمين شق الدخاريص بقدر ما يدخل فيه يده، والقميص الضيق في نفسه كالمفقود، فيطرح على الميت ما يستر عورته، وهو ما بين السرة والركبة كما قاله الجمهور هاهنا مقتصرين عليه، وعلى هذين الحالين- أعني حالة اتساع القميص وضيقه أو فقده- حمل اختلاف نصه؛ فإن المزني نقل أنه يطرح عليه ما يواري ما بين سرته وركبته، ثم قال: وقال في موضع آخر: يغسل في قميص.
وليس له في ذلك قولان كما يفهمه ظاهر لفظ المزني، كذا قاله البندنيجي وغيره.
وقد أفهم كلام الشيخ هنا مع كلامه السابق أن هذا القميص يلبسه حالة الغسل، وهو الذي صرح به المسعودي وغيره، كما شقال الرافعي، والغزالي [قال] تبعاً لإمامه: إنه يغسل في قميصه الذي مات فيه، ولا ينزع عنه حين موته؛ بل يترك ليغسل فيه؛ لأنه فعل به- عليه السلام- كذلك، وإن كان ولابد من ذلك فلعله فيما إذا كان خلقاً كما ذكرناه.
قال: وغير المسخن من الماء أولى؛ لأن المسخن يرخيه والبارد يقويه، إلا أن يحتاج إلى المسخن، أي: لوسخ لا يخرجه غيره، أو لشدة برد يمنع الغاسل من تعاطي الغسل؛ فحينئذ يكون المسخن أولى للحاجة.
ولو كان ما عليه من الوسخ لا يخرج إلا بعد تليينه بالدهن- لينه به، قاله البندنيجي وغيره.
وفي "الجيلي" أنه قيل: إن المسخن أولى بكل حال، وهو في غيره منسوب لأبي حنيفة، رحمه الله.
وينبغي أن يوضع ماء الغسل في إناء كبير بعيد عن المغتسل؛ بحيث لا يصل إليه من رشاش الماء المستعمل شيء فيفسده: إما لنجاسته إذا قلنا: إن الميت ينجس، أو لاستعماله [إذا قلنا]: إنه لا ينجس، ثم يغرف منه بإناء صغير ويوضع في إناء آخر صغير يستعمله الغاسل، كذا نص عليه.
قال: وينوي غسله؛ لأنه غسل لا لإزالة العين، فشرعت النية فيه كالغسل من الجنابة.
قال: وينجيه؛ لأن ذلك مشروع للحي فكذلك [في] الميت.
قال: ولا يجوز أن يمس عورته [إلا بخرقة]، أي: في حالة تنجيته؛ لأنه لا يجوز له النظر إليها كما تقدم، فالمس أولى.
ويمس عورته: هو بفتح الميم على اللغة المشهورة، ويقال ضمها أيضاً، حكاه أبو عبيدة وغيره.
والتنجية- كما قال البندنيجي وغيره-: أن يجلسه برفق؛ كي لا تنخلع مفاصله أو يخرج منه شيء فيفسد ما يقع عليه.
ويجلسه مائلاً إلى ظهره، ولا يكون معتدلاً.
قال القاضي الحسين وغيره: ويجعل يده اليمنى على كتفه، ويجعل إبهامه في نقرة قفاه، ويلف على يده اليسرى خرقة ويمرها على بطنه متحاملاً بقوة؛ ليخرج الفضلات منه، والماء يصب ليخفي رائحة ما يخرج [منه] وعنده تكون المجمرة متقدة فائحة بالطيب، ويستدام إلى أن يفرغ من غسله ثم يرد إلى هيئة الاستلقاء، ثم يدخل يده وعليها الخرقة أو نحوها بين فخذيه، فيغسل الموضع غسلاً نظيفاً، ويلقي هذه الخرقة لتغسل، ويغسل يده بأشنان أو غيره إن كان أصابها شيء، كذا قاله الجمهور.
وقال الغزالي تبعاً لإمامه: إنه يغسل كل سوءة بخرقة.
ولا شك أن ذلك أولى؛ لأنه أزيد نظافة.
ثم يأخذ خرقة أخرى ويشدها على يده ويدخل أصابعه بين شفتيه فيمسح الأسنان مسحاً بليغاً كالسواك للحي، ولا يفغر فاه، ثم يدخل إصبعه وعليه الخرقة في منخريه فينظف ما هناك تنظيفاً بليغاً.
وإن كان على بدنه نجاسة أزالها، وإذا فعل ذلك فقد غسل ما به من الأذى.
قال: ويستحب ألا يمس سائر بدنه إلا بخرقة، أي: غير الخرقة التيغسل بها فرجيه، وهي الخرقة الأخرى التي تقدم ذكرها: لأن ذلك أبلغ في كرامته وأسرع لانقضاء تغسيله؛ فإنا لو انتظرنا غسل تلك الخرقة لطال، وقد فعل برسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نحو من ذلك كما قيل، ولو جعل لكل عضو خرقة لكان أولى، قاله أبو الطيب وابن الصباغ، والذي نص عليه الشافعي في القديم و"الأم": أنه يعد خرقتين نظيفتين قبل غسله [يغسل بهما]، والله أعلم.
قال: ويوضئه وضوءه للصلاة؛ لأن ذلك مشروع في غسل الحي، فكذا في غسل الميت [ويدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأنهما من الوضوء، وقد صرح بذلك البندنيجي والقاضي الحسين وغيرهما من الأصحاب، مستدلين] بما رواه مسلم عن أم عطية: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أمرها [أن تغسل] ابنته قال: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، وموضع المضمضة والاستنشاق من مواضع الوضوء.
قال الإمام: وظاهر ما قاله الأصحاب أنه يوصل الماء إلى داخل فيه وأنفه، ولا يكتفي بإيصال الماء إلى مقادم الثغر والمنخرين، وكان شيخي يقول: يكتفي بإيصال الماء إلى ثغره ومنخريه، وهذا معنى المضمضة، وكذلك القول في المنخرين.
والذي أرى القطع به أن أسنانه إن كانت متراصة فلا ينبغي أن يتكلف الغاسل فكها وفتحها لمكان المضمضة، وإن كان فمه مفتوحاً؛ ففي إيصال الماء إلى داخل فمه وأنفه تردد بين الأئمة، والسبب فيه: أنه قد يبتدر الماء إلى جوفه؛ فيكون ذلك سبباً في تسارع الفساد والبلى إليه، ونحن مأمورون برعاية صونه جهدنا، وإن كان مصيره إلى البلى، وهذا من الإمام إشارة إلى تحرير محل الخلاف بين شيخه وما اقتضاه كلام غيره من الأصحاب، ولا جرم اقتصر الغزالي على إيراده، وقد اقتضى كلام القاضي أبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما من الأصحاب- كما قال الرافعي- أن المراد بالمضمضة والاستنشاق: ما ذكرناه من إدخال الإصبع في الفم والمنخرين، وأن كلام الأكثرين
يقتضي أن يكونا وراء ذلك وهو الظاهر؛ فيميل رأسه في المضمضة والاستنشاق حتى لا يصل الماء إلى باطنه، والتكرار في الوضوء ثلاثاً مستحب في هذا الوضوء أيضاً، صرح به القاضي الحسين وغيره.
قال: ثم يغسل رأسه بماء وسدر؛ لما روى مسلم عن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نغسل ابنته فقال: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك
-[وفي رواية: سبعاً]-
إن رأيتن ذلك بماءٍ وسدرٍ واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافورٍ".
وابنته هذه هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع، وهي أكبر بناته - صلى الله عليه وسلم -
ولو غسل بالخطمي مكان السدر حصل المقصود.
قال في "الحاوي": لكن الغسل بالسدر أحب؛ لأنه أمسك للبدن وأقوى للجسد، ولو كانت له لحية كثة غسلها أيضاً بالسدر كالحي، وينبغي أن يبدأ بغسل الرأس قبل اللحية؛ كي لا يصل ماء الرأس إليها لو عكس.
قال: ويسرح شعره، أي: شعر اللحية وشعر الرأس إن كان لبداً؛ لأن ذلك من وظائف الحي، وقد قال- عليه السلام-: "افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم".
وينبغي أن يكون المشط واسع الأسنان؛ احترازاً عن نتف الشعر، فلو انتتف منه شيء
قال العجلي: جمعه ووضعه معه في أكفانه، وعبارة الرافعي: "يرده إليه"، وقال القاضي الحسين: لا يرده إليه.
قال: ويغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يفيض الماء على جميع بدنه، هذه الكيفية مختصرة مما ذكره الشافعي في "المختصر"؛ لأن البندنيجي نقل عنه أنه قال فيه: يغسل صفحة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبه وفخذه وساقه وقدمه، ويحركه حتى يتغلغل الماء بين فخذيه ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع كذلك، وقد غسل ظاهر بدنه مرة، وذلك يفعل وهو مستلقٍ على قفاه، ثم يعود إلى جانبه الأيمن فيحرفه على شقه الأيسر فيغسل يامنة قفاه، وشق ظهره، وعجيزته، وفخذه، وساقه وقدمه، ويغسل ما تحته ليكون أنظف له، ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع كذلك، فيفرغ من غسلة واحدة في أربع مرات.
وقال في القديم و"الأم" من الجنائز: يغسل شق مقدمه الأيمن، ثم يحرفه فيغسل شق مؤخره الأيمن، ثم يعود إلى جانبه الأيسر فيصنع مثل ذكل.
قال: وليس هذا اختلاف قول.
وإنما هو تغيير ترتيب، والأول أولى.
وقال القاضي الحسين وطائفة من طريقه، وإليه يميل كلام الشيخ هنا: إنه يغسل صفحة عنقه اليمنى وصدره وجنبه وفخذه وساقه ويغسل ما حوله من المكان، حتى إذا قلبه يكون مكانه نظيفاً، ويكون الميت في تلك الحالة على جنبه الأيسر، ثم يقلبه إلى جنبه الأيمن فيغسل عنق الشق الأيسر وشق صدره وجنبه وفخذه، ثم يغسل ما تحت قدميه، فقد حصل شقه الأيمن والأيسر مغسولين في هاتين [الدفعتين].
بقي ظهره وبطنه، فيحرفه على جنبه، ويسند ظهره إلى ركبتيه، ويغسل بطنه وصدره وفخذه وعانته، ثم يحرفه على الجنب الآخر، ويسند بطنه إلى ركبتيه بحيث يرى الظهر متمكناً، ويغسل ظهره ومسربته [وفخذه] إلى القدمين، وهذا كله لمعنى: وهو ألا يكبه على الوجه؛ لأنه- عليه السلام- قال: "هذه ضجعة يبغضها
الله تعالى".
قال في "المهذب": [والمستحب أن تكون الغسلة الأولى] بماء وسدر؛ لما روى مسلم عن ابن عباس أن رجلاً وقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر"، ولأن السدر ينظف الجسم.
قال: ويفعل ذلك ثلاثاً؛ لخبر أم عطية.
قال الماوردي: والثلاث ادنى الكمال، وأوسطه: خمساً، وأكثره: سبعاً، والزيادة عليها سرف.
ومقتضى ما حكيناه عن الشيخ يقتضي أن غسلة السدر تحسب من الثلاث، وقد حكى هو وغيره في حسابها من الثلاث وجهين يأتي تعليلهما وقال في "فوائد المهذب": إن الخلاف غير متصور؛ لأنه إذا وضع السدر عليه ثم غسل بالماء أجزأ وجهاً واحداً؛ لأن الغسل حصل بالماء، لا بالسدر، وإن طرح السدر في الماء ثم غسل به لم يجزئه؛ لأنه تغير به، ولا يكون ماء مطلقاً، وإن كان يسيراً لا يغير الماء لم يحصل الغسل بالسدر، وقد حكى الرافعي الوجهين في الحالة التي ادعى الجزم فيها بعدم الإجزاء:
أحدهما- وهو ما نسبه في "النهاية" إلى أبي إسحاق المروزي-: الاحتساب؛ لأن المقصود من غسل الميت التنظيف، والاستعانة بما يزيد في التنظيف مما لا يقدح.
وأظهرهما: لا؛ لأن التغير به فاحش سالب للطهورية؛ فأشبه ما لو استعمله الحي في غسله ووضوئه، فعلى هذا تلك الغسلة غير محسوبة من الثلاث، وعلى هذا: هل تحسب الغسلة المزال بها السدر بعد ذلك من الثلاث؟ فيه وجهان.
وفي هذه الصورة حكى الشيخ في "المهذب" الوجهين؛ لأنه نسب الاحتساب إلى أبي إسحاق موجهاً له بأنه غسل بماء لم يخالطه شيء، وقال في توجيه الثاني: إنه ربما غلب عليه السدر، وكلام القاضي أبي الطيب يرشد إليه؛ لأنه حكي عن الشافعي أنه قال: وكلما صب عليه الماء القراح بعد السدر حسبه غسلاً واحداً، وهذا وجه
ذكرناه، وفيه وجه آخر أنه لا يحتسب به.
ويكون كلام الشافعي متأولاً أنه أراد صب الماء القراح بعد تنظيفه من السدر.
وقد اختار الروياني من الوجهين في هذه الحالة وجه الاحتساب، وصححه، [و] الأكثرون على ترجيح مقابله، وبه جزم القاضي الحسين وتبعه البغوي؛ لأن الماء إذا أصاب المحل اختلط بما عليه من السدر وتغير به؛ فعلى هذا المحسوب ما يصب عليه من الماء القراح بعد زوال السدر.
قال: يتعاهد في كل مرة إمرار اليد على البطن؛ لاحتمال أن تكون فضلة فتخرج، وهذا ظاهر نصه فإنه قال: ويتعاهد مسح بطنه في كل غسلة، وبه قال بعض الأصحاب، كما قال الماوردي، ولم يحك القاضي الحسين غيره، لكنه قال: إنه يبالغ في المرة الأولى وبعدها يرفق ولا يبالغ.
والذي أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: أنه لا يفعل ذلك في الثالثة؛ كي لا يخرج منه شيء فيحتاج إلى إعادة الغسل، وعبارة البندنيجي: أنه لا يتعاهد باليد في الغسلة الأخيرة، وهو ما صححه الماوردي، وقال: إن الشافعي أراد بالتعهد تفقد الموضع الممسوح، ولم يرد بتعاهده: مسحه بيده.
قال: فإن احتاج إلى الزيادة على ذلك- أي: في تنظيف بدنه من الوسخ- غسل؛ لخبر أم صفية ـــ، ولينقي بدنه؛ إذ هو المطلوب بالغسل.
قال: ويكون ـــ؛ لرواية مسلم عن أم عطية قالت: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلنها وتراً".
قال: ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً؛ للخبر السابق، والمعنى فيه أنه يقوي الجسد ويمنع الهوام.
وقال البندنيجي وغيره: إنه يجعل في كل مرة، فإن لم
يمكن ففي الأخيرة، وعليه نص الشافعي، وينبغي أن يكون يسيراً لا يغلب عليه فيمتنع استعماله، قاله الماوردي، وعبارة البندنيجي: أنه يجزئه، وإن كانت له رائحة؛ لأنها رائحة مجاورة لا مخالطة ولفظ أبي الطيب: ويستحب أن يكون في الماء قليل كافور تعبق به ريحه من غير اختلاط.
وهذا إذا لم يكن محرماً، فإن كان لم يعمل فيه، قاله في "البيان" وهو يؤخذ من كلام الشيخ من بعد.
قال: ويقلم أظفاره، ويحف شاربه، ويحلق عانته؛ أي: إذا لم يكن محرماً؛ لقوله- عليه السلام-: "افعلوا بميتكم ما تفعلون بعروسكم"، وفي بعض الروايات: "أحيائكم"، ولأنه تنظيف فشرع فعله كإزالة [النجاسة و] الوسخ.
ويقوم مقام حلق العانة: إزالتها بالنورة، ويغسل مكانها، وقال الماوردي: إنه الأولى؛ لأنه أرفق به، وقيل: يتعين ذلك، قال في "الروضة": والمذهب: الأول.
وكل هذا يفعل قبل الغسل، صرح به المحاملي وابن الصباغ وغيرهما، وما يؤخذ من ذلك يجعل معه في كفنه، قاله في "العدة"، وما ذكره الشيخ طريقة حكاها القاضي الحسين حيث قال: من الأصحاب من جعل ما يؤخذ فطرة يفعل قولاً واحداً، والمشهور أن في المسألة قولين:
أحدهما: ما ذكره الشيخ، وهو الجديد، كما ذكره الماوردي وأبو الطيب وغيرهما، فإن تركه كان مكروهاً.
والقول الثاني: أنه لا يستحب ذلك، فإن فعله كان مكروهاً؛ لأن حكم الموت شامل لأجزائه فلا يفصل منه شيء، وهذا ما حكاه الماوردي وأبو الطيب وغيرهما عن القديم، واختاره في "المرشد" والنواوي، وعن الشيخ أبي حامد أنه لا خلاف في أن ذلك لا يستحب، ولكن هل يكره؟ فيه قولان:
أحدهما: يكره؛ لأنه متصل بالميت فلم يقطع كموضع الختان، وعلى هذا يأخذ الغاسل أخلةً من شجرة لينة لا تجرح يتبع بها ما تحت أظفاره.
قال الشافعي في "الأم": ولو لف على رأس العود قطناً أحببت ذلك.
والثاني: لا يكره؛ للخبر، ولا يحتاج على هذا إلى إخراج ما تحت الأظفار بالعود؛
لأنه بالماء بعده يذهب، قاله أبو الطيب.
وقد اقتضت علة القول الأول أنه لا يختن بحال، وهو ما حكاه القاضي الحسين وأبو الطيب والماوردي؛ لأنه إبانة عضو فلا يجوز كسائر الأعضاء.
وفي "البيان" في ختانه وجهان:
أحدهما: يختن صغيراً كان أو كبيراً.
والثاني: يختن الكبير دون الصغير.
وهل يلتحق حلق شعر الرأس لمن يعتاده بتقليم الظفر وحلق العانة حتى يجيء فيه الخلاف السابق أو لا؟ فيه طرق:
إحداها: نعم، فإن قلنا: يكره ثم، فكذا هنا.
و [الثانية]: [أنا] إن قلنا: يكره ثم، فكذا هنا، وإلا فقولان حكاهما المتولي.
والثالثة- حكاها القاضي أبو الطيب وغيره عن أبي إسحاق-: أنه إن كان ذا جمة في حياته ترك، وإلا حلق، وهذه الطريقة لم يورد الماوردي غيرها.
وقال أبو الطيب وغيره: إنها غير صحيحة، بل لا يحلق رأسه بكل حال؛ لظاهر قوله في "الأم": "ولا يحلق رأس الميت"، وهذه تكون طريقة رابعة.
وهذا حكم غسل الرجل، والمرأة كهو، ويزاد في حقها غمر ضفائرها وتخليل الماء في أصول شعرها، كما وصف في غسلها من الجنابة، والسنة في شعرها أن يضفر ثلاثة قرون: في ناصيتها، وقرني رأسها، ويلقين خلفها؛ لأن البخاري روى عن أم عطية أنهن جعلن رأس بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة قرون نقضنه، ثم غسلنه، ثم جعلنه ثلاثة قرون وألقينها خلفها.
قال: والواجب من ذلك النية؛ لأنه غسل واجب لإزالة عين؛ فكانت النية شرطاً فيه كالغسل من الجنابة، وهذا أخذ من نص الشافعي أن الغريق إذا أخرج يستأنف غسله، فلم يكتف بما عليه من الماء حال الغرق؛ فدل على أنه اعتبر النية
فيه، وعلى هذا يكون الغاسل نائباً عن الميت فيها، أشار إليه الإمام.
وقد قيل: إنها لا تجب؛ لأن الشافعي صحح في "الأم" غسل الذمية زوجها كما تقدم، وليست من أهل النية، والعلة فيه أن القصد من هذا الغسل التنظيف دون رفع الحدث؛ فهو بمنزلة إزالة النجاسة، وهذا ما صححه الروياني وغيره كما قال الرافعي، وكذا النواوي صححه، وادعى البندنيجي أنه ظاهر المذهب.
وأجاب العراقيون عن كون الشافعي لم يحتسب بما أصاب الغريق من الغسل بأنه لابد من إيقاع الغسل فيه بفعل آدمي، ولم يوجد؛ وهذا منهم يدل على الاتفاق في إعادة غسل الغريق، وإن قلنا: [إن النية] لا تشترط.
والمراوزة قالوا: إن قلنا: لا تجب النية، فلا يغسل الغريق، وقد قال القاضي الحسين في "تعليقه": إن الخلاف في النية، مبني على أن الميت ينجس بالموت أم لا؟
قال: والغسل، أي: مرة واحدة؛ لأنه الفرض في الغسل من الجنابة في حق الحي، فكذا في الميت.
ثم إن قلنا: إن غسلة الماء والسدر تحسب من الثلاث، كفت، وهو ما حكاه البندنيجي عن أبي إسحاق، وإن قلنا: لا تحسب من الثلاث، قال البندنيجي: فالمذهب أنها الغسلة الثانية، وهو الذي حكاه الماوردي حيث قال: وإذا غسله بالسدر صب عليه حينئذ الماء القراح، وكان الاحتساب بالماء القراح دون ماء السدر.
قال: ثم ينشف في ثوب؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نشف في ثوب؛ ولأن ذلك أمسك لبدنه وأولى لكفنه.
وقد ذكر في "المهذب" أنه إذا فرغ من غسله أعاد تليين مفاصله، وهو ما حكاه المزني في "المختصر"، وقال الماوردي: إنه لم يؤخذ عن الشافعي في شيء ما كتبه إلا فيما حكاه المزني في "مختصره" دون "جامعه"، وترك ذلك أولى من فعله لتماسك أعضائه، وإنما قال الشافعي ذلك عند موته لا وقت غسله، وكذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وعبارة القاضي الحسين: أن ما نقله المزني من كيسه، وليس بصحيح.
ووفي "تعليق" البندنيجي أن الشافعي نص في "الأم" على ما حكاه المزني
فقال: إذا فرغ من غسله أعاد تليين مفاصله على ما وصفنا عقيب موته، وأنه قال في "الجنائز الصغير": وألصق يديه بجنبيه، وصف بين قدميه، وألصق إحدى ركبتيه بالأخرى، وضم إحدى فخذيه بالأخرى، ثم ينشف بعد ذلك بثوب، لتزول الرطوبة [عنه].
قال: فإن خرج منه- أي: من قبله أو دبره- بعد الغسل شيء أعيد غسله؛ لأن الخارج ناقض لحكم الطهارة، وليس للميت طهارة غير الغسل، وهذا ظاهر النص فإنه قال: فإن خرج من قبله أو دبره شيء أنقاه بالخرقة، وأعاد غسله.
قال الماوردي وأبو الطيب: وبه قال ابن أبي هريرة.
وقيل: يوضأ كالحي، قال البندنيجي: وهذا قول ابن أبي هريرة، وقال أبو الطيب: إنه قول أبي إسحاق.
وقيل: يكفيه غسل المحل كمن أصابته نجاسة من غيره، وهذا ما صار إليه الأكثرون، كما قال البندنيجي، وأبو إسحاق، كما قال الماوردي، وحمل قوله: وأعاد غسله، على غسل المحل، أو ذكره استحباباً، وهذا القول صححه النواوي وغيره، أما إذا خرجت النجاسة من غير السبيلين فعلى الصحيح يغسلها فقط، وعلى الوجه الصائر لإيجاب الوضوء، قال الإمام: فلا شك [في] أنه عول فيه على نجاسة تبدو من أحد السبيلين.
وعلى الوجه الأول قال الإمام: ففي إيجاب إعادة الغسل احتمال عندي من جهة أن هذا القائل يرى السبب الظاهر في الغسل التنظيف، وهذا يستوي فيه كل نجاسة ومحل.
قلت: وما ذكره من العلة يقتضي عدم إيجابه أيضاً؛ لأن ذلك لا ينقض الطهارة.
ولو لمس رجل امرأة ميتة بعد غسلها، فإن قلنا: يجب إعادة الغسل أو الوضوء بخروج الخارج- فكذلك هاهنا، كذا أطلقه صاحب "التهذيب".
وذكر غيره أن هذا الجواب مبني على أن الملموس ينتقض طهره، [وبه] صرح القاضي الحسين في تعليقه، ولو قلنا: لا يجب إلا غسل المحل، فلا يجب هاهنا شيء.
ولو كان اللمس حال أن غسلها، قال القاضي الحسين في "تعليقه": صح غسله، ولا يبنى على القولين في انتقاض طهر الملموس؛ لأن الشرع أذن له، وأما وضوء الغاسل
فينتقض، حكاه عنه صاحب "الروضة".
ولو أولج في فرج ميتة بعد الغسل فعلى الوجه الأول والثاني: يعاد غسلها، وعلى الثالث لا يلزم شيء، قاله في "التتمة".
وقد اقتضى إطلاق كلام الشيخ أنه لا فرق في جريان الأوجه في مسألة الكتاب بين أن يخرج الخارج بعد ما أدرج في الأكفان أو قبله، وقال الرافعي: إنه لم يتعرض لذلك الجمهور، وأشار صاحب "العدة" إلى تخصيص الخلاف في وجوب الغسل والوضوء بما قبل الإدراج.
قال في "الروضة": قلت: قد توافق صاحب "العدة" والقاضي أبو الطيب والمحاملي والسرخسي، فجزموا بالاكتفاء بغسل النجاسة بعد الإدراج.
قال: ومن تعذر غسله- أي: بسبب حريق يخشى معه لو غسل من تناثره، أو بسبب عدم الماء- يمم؛ لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين فناب عنه التيمم عند التعذر كالوضوء والغسل، والله أعلم.
وقد بقي من أحكام الباب شيء، وهو أن المستحب أن يوضع الميت حال غسله على لوح كالمنحدر قليلاً، فيكون رأسه أعلى من رجليه؛ لينحدر الماء عنه ولا يقف تحته فيسرع بلاه، ويكون الميت ملقىً على ظهره، وتكون رجلاه إلى القبلة.
ويجوز للجنب والحائض غسل الميت على كراهة، ولو ماتا غسلا غسلاً واحداً، قاله في "الروضة" والله تعالى أعلم.
باب الكفن
وتكفين الميت- أي: فعل التكفين- فرض على الكفاية؛ لقوله- عليه السلام- في حق المحرم: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" فخاطب به الجمع.
واةلمقصود يحصل بفعل البعض، وهذا شأن فروض الكفايات؛ وأيضاً فهو إجماع.
وهل يكون أقاربه أخص بذلك، أم هم وغيرهم سواء؟ فيه ما تقدم في الغسل، وهذا في حق المسلم، أما الذمي والحربي فقد تقدم الكلام فيهما.
قال: ويجب ذلك، أي: الكفن، وأجرة التكفين في ماله مقدمة على الدين والوصية؛ لحديث المحرم، فإنه- عليه السلام- لم يسأل: هل يخرج ثوباه من الثلث أم لا؟ وهل هو موسر أو معسر؟ ولأن ذلك شبيه بكسوته في حياته وهي مقدمة على ديونه، وهذا إذا لم يكن ماله مرتهناً بدينه ولا جانياً.
قال في "الروضة": ولا مبيعاً ثبت لبائعه الرجوع فيه، فإن كان فقد ذكرنا حكمه في أول كتاب الفرائض.
فرع: لو أعد الشخص لنفسه كفناً فهل يجب تكفينه فيه؟ لم أظفر فيه بنقل، ولكن كلام القاضي أبي الطيب الذي سنذكره عند الكلام في الشهيد يقتضي أنه لا يتعين، بل للوارث إبداله، خصوصاً وقد قال الصيمري: إنه لا يستحب أن يعد لنفسه كفناً؛ كي لا يحاسب عليه.
قال في "الروضة": وهذا الذي قاله صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها، أو من أثر بعض أهل الخير من العلماء والعباد ونحو ذلك؛ فإن ادخاره حسن، وقد صح عن بعض الصحابة فعله.
قلت: وفي تصحيح ما ذكره الصيمري نظر إذا كان الواجب تكفينه من ماله؛ فإنه يحاسب عليه بكل حال، وقد رأيت بعد ذلك في كتاب "الأسرار" للقاضي الحسين في كتاب السرقة فيما إذا قال: كفنوني في هذا الثوب- أنه يلزم تكفينه فيه على أحد الوجهين وأنهما مبنيان على ما لو قال: اقض ديني من هذا المال، فيه وجهان يبنيان على ما لو أوصى بقضاء دينه هل يتعين ويحاص أهل الوصايا؟
قال: فإن كانت امرأة لها زوج فعلى زوجها؛ لأنه يلزمه كسوتها في حياتها؛ فلزمه كفنها ومؤنة تكفينها كأمته وأم ولده ومكاتبته، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق، واقتضى إيراد أبي الطيب ترجيحه، وصرح بتصحيحه الرافعي والمصنف وغيرهما، ولا فرق على هذا بين أن يكون لها مال أم لا، نعم، لو لم يكن للزوج مال ولها مال وجب فيه، قاله الرافعي.
وقيل: في مالها؛ لأن الزوجية قد زالت [بالموت] فكانت [كالأجنبية، ولأن
الكسوة في حال الحياة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، وقد زال بالموت؛ فوجب] في مالها كالخلية عن الزوج.
وهذا ما ادعى الماوردي أنه ظاهر المذهب، وبه قال ابن أبي هريرة، واختاره في "المرشد".
قال: فإن لم يكن له أي: للميت- مال فعلى من تلزمه نفقته، أي: في حياته؛ لأن ذلك خاتمة مؤنته.
قال في "التتمة": وكذا لو مات فقير كسوب أو غير كسوب، وقلنا: لا نفقة له؛ لكونه صحيحاً- يجب على من تلزمه نفقته لو كان زمناً تكفينه؛ لأن الميت عاجز، وكذا يجب على المكاتب تكفين المكاتب، وإن كان لا يلزمه نفقته؛ لأن الكتابة بطلت بالموت.
واعلم أنه يوجد في كثير من نسخ "التنبيه": "فإن لم يكن لها مال".
والذي ضبط عن نسخة المصنف ما ذكرناه.
قال: فإن لم يكن ففي بيت المال؛ لأنه مرصد للمصالح، وهذا منها؛ فإن لم يكن فيه شيء فعلى جميع المسلمين، وقد أفهم كلام الغزالي اختصاص الخلاف المذكور في كفن الزوجة بما إذا لم تخلف مالاً، أما إذا خلفت فلا، والذي أورده الإمام والقاضي الحسين والفوراني والماوردي والبندنيجي: إجراء الوجهين في حال يسارها وإعسارها كما ذكرناه، وقال القاضي: إنه يمكن بناء الوجهين على أن كسوة الزوجة على الزوج للتمليك أو للاستمتاع؟ فإن قلنا: للاستمتاع، فهو كالقرابة؛ فيجب هاهنا، وإن قلنا: للتمليك، لا يجب عليه هنا.
فرع: هل يجب على الزوج تكفين خادم زوجته أم لا؟ فيه وجهان.
قال: ويستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب، أي: لا يزيد عليها ولا ينقص؛ لما روى البخاري ومسلم عن عائشة قالت: "كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب [بيضٍ] سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة".
قال ابن الصباغ: وسحول- بفتح السين-: مدينة، بناحية اليمن يعمل فيها ثياب
يقال لها: السحولية، والسحول- بضم السين-: الثياب البيض من القطن، وهو الكرسف.
قال القاضي الحسين: والخبر بالضم على الصحيح.
قلت: [و] في مسلم ما يرد عليه؛ لأنه روى عن عائشة- رضري الله عنها- أنها قالت: "أدرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية، ليس فيها عمامة ولا قميص".
فإن قيل: قد قال- عليه السلام- في المحرم: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما"، وذلك يدل على أن الاقتصار على ثوبين سنة.
قيل: يحتمل أن يكون لا يملك غيرهما، ونحن نستحب الثلاث لمن قدر عليها، وبذلك يحصل الجمع بين قوله وفعل الصحابة به - صلى الله عليه وسلم - ولو زاد على الثلاث وجعله خمسة أثواب، قال الشافعي: جاز ذلك ولم يكره.
ووجهه بما روي: أن عبدا لله بن عمر كان يكفن من مات من أهله في خمسة أثواب، وحينئذ فيجعل الرابع والخامس قيمصاً وعمامة، وإليه أشار في "الأم" بقوله: فإن عمم وقمص جعلت العمامة والقميص بعد الثياب، والزيادة على الخمس تكره؛ لما روى أبو داود عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تغالوا بالكفن؛ فإنه يسلب سلباً سريعاً"، فإذا كانت