كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً".
وهذا يحل الحرام ويحرم الحلال: لأنه [إن كان المدعي كاذباً فقد استحل من المدعي عليه ماله وهو حرام، وإن كان] صادقاً فقد حرم عليه ماله الحلال.
ولأنه أحد عوضي الصلح؛ فلم يصح عليه مع عدم ثبوت ملك مالكه عليه؛ قياساً على العوض المصالح عليه، وهذا ما ذهب إليه العراقيون، وقالوا: لو صرح بعد وقوع هذا الصلح بالإبراء عن الباقي، لمي صح.
وفي "ابن يونس" و"حلية" الشاشي حكاية وجه في صحته، وقد وافق المراوزةُ العراقيين في مسألتين، وخالفوهم في مسألتين:
فإحدى الأُولَيَيْنِ: إذا صالح على غير المدعى.
والثانية: أن يدعي عليه ألفاً في ذمته، ثم يصالحه على خمسمائة في الذمة.
فإن قيل: قد حكمتم فيما لو جرى مثل هذا الصلح مع الاعتراف بالألف: أن الصلح صحيح، ويكون بمعنى الإبراء، وأنه لا يفتقر إلى القبول على رأي؛ فينبغي على هذا الرأي أن تبرأ ذمة المدعي عليه من القدر الذي حصل عنه الإبراء، حتى لو قامت عليه بينة بعد ذلك بالألف لا يطالب إلا بخمسمائة؛ كما [لو] صرح بإبرائه من الألف الذي أنكره، وقلنا: لا يفتقر إلى القبول.
فالجواب عنه من وجهين:
أحدهما – ما قاله الماوردي وغيره -: أن الإبراء في هذه الصورة مقرون بملك ما صالح به، فلما لزمه رده لعدم ملكه بطل إبراؤه؛ لعدم صفته؛ كمن باع عبداً بيعاً فاسداً، فأذن لمشتريه في عتقه، فأعتقه المشتري بإذنه – لم ينفذ.
والثاني – يؤخذ مما حكاه الجيلي من قبل -: أنَّ مِنْ شَرِطِ صحة الإبراء عن الخمسمائة في حال الاعتراف – قبضَ الخمسمائة الأخرى، وقد انتفى الشرط هنا؛ فلا جرم انتفت صحة [الإبراء عن الخمسمائة].
وإحدى الثانيتين: أن يصالح من العين على بعضها، ففي صحة الصلح على قولنا بالصحة في حال الإقرار وجهان:
أحدهما – وبه قال القفال -: نعم؛ لأن المتعاقدين متوافقان بعد العقد على أن
النصف مستحق المدعى، والنصف الآخر للمدعى عليه؛ لأن المدعي يزعم أنه يملك الجميع، وأنه مَلَّك النصف للمدعي عليه هبةً، والمدعى عليه يزعم مثل ذلك، والاختلاف في جهة ملك العين لا يقدح [في] الاستحقاق.
والثاني: لا؛ كما لو كان على غير المدعى، ولأن الدافع والقابض مهما اختلفا في الجهة، كان القول قول الدافع، وإذا كان كذلك فالدافع يقول: إنما بذلت النصف؛ لدفع الأذى حتى لا يرفعني إلى القاضي، ولا يقيم على بينةً.
والثانية: إذا ادعى عليه ألفاً، فصالحه على خمسمائة معينة، [فهي تبنى] على المسألة قبلها، فإن منعنا ثَمَّ، فهاهنا أولى، وألا فوجهان:
أحدهما: أن الحكم كذلك، ويقدر كأن المدعي عليه وهبه الخمسمائة بزعمه، وأن المدعي يقبضها؛ لأنها من حقه، وأنه أبرأه من الباقي.
والثاني: لا، والفرق: أن ما في الذمة ليس [ذلك] المعين، وفي الصلح عليه معنى المعاوضة، ولا يمكن تصحيحه معاوضة مع الإنكار، وقد اتفق الناقلون على أن هذا أصح.
واعلم أن صورة الصلح على الإنكار بالاتفاق: أن يدعي عليه ديناً مبلغه ألف – مثلاً – أو عيناً، فينكر، ثم يقول: صالحتك، أو: صالحني عن دعواك الكاذبة.
ولو قال: صالحني عن الألف أو العين، فالحكم كذلك عند العراقيين، وكذا عند المراوزة؛ على الأصح.
وعلى وجه: يجعل بذلك مقرًّا؛ فيكون الصلح الواقع بعده صلحاً على الإقرار.
ولو قال: بعني أو هبني أو زوجني، فهو إقرار عند المراوزة والقاضي أبي الطيب؛ كما لو قال: ملكني، وهو الذي صححه ابن الصباغ وغيره، وقال الشيخ أبو حامد: هو كما لو قال: صالحني.
ولو قال: آجرني أو أعرني، ففيه خلاف مرتب، وأولى بألا يكون إقراراً، وهو الذي جعله في "الإشراف" في مسألة الإجارة أقيس.
ولو قال: أبرئني من الدين، كان إقراراً.
ولو قال: أبرئني من المال، فكذلك؛ على الأصح.
وفي "الإشراف": أن ابن القاص حكى عن بعض أصحابنا: أنه ليس بإقرار؛ لأن الله – تعالى – قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: 69]، وموسى لم يكن آدر، وتبرئته عن عيب الأُدْرة، لم تقتض إثبات الأدرة.
قال: وإن صالح عنه – أي: عن الدعي عليه – أجنبي: فإن كان المدعي ديناً جاز الصلح، أي: بعد قول الأجنبي للمدعي: حقك ثابت؛ لأنه إن كان وكيلاً فالتوكيل في وفاء الدين جائز، وإن كان غير وكيل فقد قضى دين غيره [بغير إذنه] وذلك جائز؛ لما روي أن عليًّا وأبا قتادة – رضي الله عنهما – قَضَيَا ديناً عن الميت.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه لابد مع اعتراف الأجنبي بالحق أن يقول: وقد أقر به عندي.
ثم هل للأجنبي أن يرجع على المدعي عليه بشيء؟ نظر: إن كان المدفوع من مال المدعي عليه بإذنه فلا، وإن كان من مال الأجنبي: فإن كان قد صالح بإذنه وأدى بإذنه مع شرط الرجوع فنعم، وإن صالح وأدى بغير الإذن فلا رجوع، وإن صالح بالإذن وأدى بغير الإذن فلا رجوع له.
جزم به المحاملي والقاضي أبو الطيب، وقاساه على ما إذا وكَّل وكيلاً في شراء شيء، فاشتراه ووزن الثمر، وسنذكر فيه كلاماً في باب الضمان وغيره،
ويتجه جريان مثله هنا، وحكى البندنيجي في الرجوع في هذه الصورة وجهين [كالوجهين] فيما إذا ضمن بالإذن وأدى [بغير الإذن، ولو صالح بالإذن وأدى] بالإذن، ولم يشترط الرجوع فالجمهور على أنه يرجع، وبه جزم ابن الصباغ وغيره، وحكى الماوردي فيه وجهين:
ثم لا فرق فيما ذكرناه [بين] أن يصالح الأجنبي بغير إذن من مال نفسه على جنس المال المدعى أو على غيره، كما صرح به المحاملي وأبو الطيب.
وحكى الإمام والقاضي الحسين فيما إذا صالح على جنس المدعي به وجهاً: أن الصلح لا يصح، كما في العين.
وقال الإمام: إنه بعيد.
وعلى الأصح: لو صالح على غير الجنس المدعى [به] هل يصح؟ فيه وجهان حكاهما هاهنا، وقال: إن الأظهر منهما الصحة، وهو ما قال في أواخر كتاب الرهن: إنه المذهب.
فعلى هذا: إذا كان في صورة ثبت له الرجوع فيها، فإن كان المصالح به أكثر من المدعي [به] لم يرجع بالقدر الزائد، وإن كان مثله رجع به، وإن كان دونه فوجهان:
أحدهما: يرجع بقيمة ما بذله.
والثاني: بقدر الدين.
فرع: لو صالح الأجنبي عن الدين لنفسه، قال الإمام وغيره: هو على الخلاف في [بيعه من] غير من هو عليه.
وحكى غيرهم فيه طريقين:
أحدهما - وبه صدر ابن الصباغ كلامه، وقال المحاملي: إنه المذهب -: أنه لا يصح؛ لأنه اشترى ما لا يقدر على قبضه.
والثاني: حكاية وجهين فيه، وهذا ما حكاه الشيخ في "المهذب" وأبو الطيب في "تعليقه"، ومقتضاه: أن يكون الأظهر منها عند الشيخ الصحة؛ كما قال: إن الأظهر صحة بيع الدين من غير من هو عليه.
وقد قال المحاملي: إنه ليس بشيء.
فعلى هذا: ينبغي أن يشترط في صحة العقد اعتراف المشتري بقدرته على الانتزاع، كما سنذكره في العين.
آخر: إذا صالح مع الأجنبي على عين، ثم جحد الأجنبي وحلف- هل يعود إلى من كان الدين عليه؟ قال القاضي الحسين: نعم، ويفسخ الصلح، [وعن حكاية الشيخ أبي عاصم أنه لا يعود،] كذا حكاه الرافعي في باب الحوالة.
قال: وإن كان عيناً، لم يجز حتى يقول: هو لك، وقد وكلني في مصالحتك.
هذه المسألة تنبني على أصل، وهو أن الأجنبي لو صالح بغير إذن، هل يصح؟ فيه خلاف بين الأصحاب.
فالذي ذهب إليه الإصطخري وأبو الطيب بن سلمة: أنه لا يصح.
فعلى هذا: لو أذن له في الصلح، هل يكفي أم لابد من إقرار المدعي عليه عند الوكيل بأن العين ملك المدَّعِي؟ فيه وجهان.
أصحهما في "الحاوي": الأول.
[والذي ذهب] إليه ابن سريج، وأبو علي الطبري، وأبو حامد فيما إذا صالح بغير الإذن: الصحة.
عدنا إلى مسألة الكتاب، فإن قلنا بقول أبي سعيد الإصطخري، وبأنه لا يحتاج مع الإذن إلى الإقرار – فيكفي الوكيل أن يقول: هو لك وقد وكلني في مصالحتك، كما قاله الشيخ.
وبه جزم القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، ووجهه بأن العبرة بإتفاق المتعاقدين على ما يجوز العقد عليه، وقد وجد ذلك.
فعلي هذا: لو لم يكن قد وكله في الباطن [لم يملك العين في الباطن]، وكانت ملكاً للأجنبي المصالح على أحد الوجهين.
وإن كان قد وكله نظر: إن عين له العوض من ماله فذاك، وإن لم يعين فهو في ذمته.
فلو أداه الوكيل من مال نفسه فالحكم في الرجوع كما ذكرنا من قبل، لكن البندنيجي جزم في هذه الصورة فيما [إذا] أدى بغير الإذن: بأنه لا يرجع.
وإن قال له: صالح [على ذلك] بثوبك هذا، ففعل: فهل يصح؟ فيه وجهان، [وإذا صح [فهو] قرض للثوب أو هبة؟ فيه وجهان] حكينا نظيرهما من قبل.
وفي "الشامل" وغيره حكاية عن أبي إسحاق: أن الوكالة لا تجوز في الباطن مع الإنكار في الظاهر.
وقد يفهم من هذا عدم صحة الوكالة والصلح، كما فهمه ابن يونس، وصرح بحكايته، وأشار إليه الشاشي، وصاحب "المرشد".
ويقال: ينبغي على هذا الرأي أن يكون الحكم ما لو لم يكن قد وكله.
وقد يفهم: أن المراد بعدم الجواز عدم الحِلِّ [لا عدم الصحة]، كما صرح به المتولي، ويعضده: أن الناقلين لهذا القول عنه جزموا بصحة ملك المنكر للعين المدعاة في الباطن إذا كان قد وكله، ولو كان المراد عدم الصحة لكان الحكم كما لو لم يكن قد وكله.
وأيضاً: فإنه كان يجيء وجه أنه لا يصح مصالحة [الأجنبي أصلاً]؛ لأنه لا بد أن يقول: وكلني، ونحن لا نصحح الوكالة، فيصير كأنه لم يقل ذلك، والطرق متفقة على صحة صلح الأجنبي، والله أعلم.
وإن قلنا: إنه لابد مع الوكالة من إقرار الموكل عند الوكيل فلابد أن يقول الوكيل: العين لك، وقد أقر بها المدعي عليه، ووكلني في مصالحتك.
وهذا ما ادعى ابن يونس أن كلام الشيخ محمول عليه، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي.
وإن قلنا بقول ابن سريج لم يحتج الأجنبي إلى أن يقول سوى: هو لك، ويملك المنكر العين في الباطن، وهذا ليس بصحيح عند مجموع النقلة.
وقد تنخَّل من مجموع ما ذكرناه في الذي ينطق به الأجنبي حتى يصح صلحه للمدعي عليه ثلاثة أوجه، ولا خلاف أنه لو قال الأجنبي: لم يقر عندي ولا وكلني، وأنا الآن أصالحك له أنه لا يصح [كما حكاه الإمام].
قلت: وكأن القائل بالوجه الأخير اكتفى بعدم التصريح بالثاني، وحمل الأمر عند السكوت على أن الوكالة جرت في الباطن، ثم على القول الأول والثاني يشترط ألا يصدر من المدعي عليه بعد اعتراف الأجنبي وقبل الصلح إنكار، فلو ادعى الإنكار كان عزلاً؛ فتنقطع الوكالة، صرح به الإمام، وهو منه بناء على أن إنكار الموكل الوكالة عزل، كما ستعرفه، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن قال – أي: الأجنبي -: هو لك فصالحني عنه على أن يكون لي، أي: فإن قادر على أخذه –جاز، كبيع المغصوب ممن يقدر على انتزاعه، وحكى الإمام عن شيخه أنه كان يطلق القول بأنه لا يجوز، فإن ظاهر الشرع قاضٍ بثبوت الملك للمدعي عليه، وانتزاع ملكه المحكوم به من غير إذنه لا يصح، ثم قال: والوجه
أن يقال: إن كان الأجنبي كاذباً فالعقد باطل باطناً، وفي مؤاخذته في الظاهر لالتزامه الخلافُ المذكور.
وإن كان صادقاً حكم بصحة العقد باطناً، ويجب القطع بالمطالبة، لكنه لا سبيل إلى الانتزاع ظاهراً.
قلت: قطعه بالمطالبة ظاهر على القول بإجبار المشتري على تسليم الثمن قبل قبض المبيع، أما إذا قلنا: لا يجبر، ففيه نظر.
واعلم أن صحة هذا الصلح مبنية على القول بعدم اشتراط تقدم المخاصمة، أما إذا قلنا: من شرط صحة العقد بلفظ الصلح تقدم المخاصمة، فهاهنا وجهان؛ من حيث إن المخاصمة صدرت في الجملة لكن من غير المصالح.
قال: فإن سَلِمَ له انبرم، أي: لزم وتم؛ كسائر البيوع إذا اتصل بها القبض، [وإن لم يسلم]، أي: لعجزه عن أخذه، رجع فيما دفع، أي: [إن اختار] فسخ العقد؛ لأن المبيع لم يَسْلَم له فسلط على الفسخ، وأخذ ما بذله؛ كما إذا أبق العبد المبيع قبل القبض.
تنبيه: سين "سلم" مفتوحة ولامه مكسورة، وياء "يسلم" مفتوحة وسينها ساكنة.
قال: ويجوز أن يُشْرع الرجل جناحاً إلى طريق نافذ إذا كان عالياً لا يستضر به المارة؛ لأنه ارتفاق بما لم يتعين عليه ملك من غير إضرار؛ فأشبه المشي في الطريق والقعود في السوق، وبالقياس على جواز إشراع الميزاب؛ فإنه صح أنه – عليه السلام – نصب ميزاباً لعمه العباس بيده، وأن عمر قلعه حين نقط عليه، فلما قال له العباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي وضعه جعل عمر ظهره [سُلَّمًا] للعباس حتى أعاده موضعه.
ولاتفاق أهل الأمصار على ذلك من غير إنكار، ولا خلاف أن ذلك لا يصير ملكاً [له] حتى لو انهدم كان لمن يقابله أنا يخرج جناحاً يمنعه من إعادته، ويجوز للمقابل له مع بقاء الجناح الأول أن يخرج جناحاً فوقه بحيث لا يُضِر بمن يمشي على الجناح
الأول، وأن يشرع جناحاً تحت الأول بحيث لا يضر بالمارة.
ثم المرجع فيما يضر وما لا يضر إلى حال الطريق:
فإن كانت القوافل والفوارس لا تمر فيه، فالمعتبر: أن يرفع الجناح بحيث يمر الماشي تحته منتصباً وعلى رأسه الحُمُولة العالية، كما قيده الماوردي.
وإن كانت القوافل والفوارس تمر فيه، فالمعتبر فيه: أن يرفعه بحيث يمر تحته العَمَّاريَّة والراكب منتصباً.
وحكى عن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا وعن ابن سريج – كما حكاه الماوردي – أن المعتبر: أن يمر الراكب ورمحه منصوب؛ لأنه ربما ازدحم الفرسان فيحتاجون إلى نصب الرماح، [ومتى لم ينصبوها تأذى الناس بالرماح]، وقد اتفق الناقلون على عدم صحته، وفي إيراد بعضهم ما يوهم حكاية هذا في كل طريق من [غير] فصل.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يظلم الجناح [الطريق] أولا، كما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
وقال المتولي: إن منع الضوء بالكلية منع منه، وإن لم يمنعه بالكلية فلا.
قال: ولا يجوز أن يشرع إلى درب غير نافذ إلا بإذن أهل الدرب؛ لأنه مملوك لهم، وقد قال – عليه السلام -:"لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، وهذا ما جزم به الماوردي و [اختاره] القاضيان [أبو الطيب] وأبو حامد.
قال: وقيل: يجوز، أي: إذا كان له فيه باب؛ [لأن له فيه] حق السلوك [والدخول]؛ فجاز أن يشرع إليه كالشارع.
وهذا ما جزم به الشيخ أبو حامد ومن تابعه، ورجحه في "الاستقصاء"، وهو الذي حكاه الغزالي عن العراقيين وضعفه.
أما إذا لم يكن له فيه باب: بأن كان ظهر داره إليه، فلا يجوز إلا بإذن أهل الدرب وجهاً واحداً، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وإليه يرشد قول الشيخ:
ولا يجوز أن يشرع إلى ملك غيره، ويجوز أنا يشرع بإذنهم وإن كان يضر بالمارة وجهاً واحداً، اللهم إلا أن يكون فيه مسجد؛ فإن لكافة المسلمين الاستطراق إليه؛ فيكون كالشارع.
أشار إلى ذلك الرافعي.
وقد حكى المراوزة طريقاً آخر، فقالوا: للذين دورهم أسفل من الدار التي يشرع فيها الجناح المنع بلا خلاف وإن لم يضر، وهل للذين دورهم أعلى من الدار المنع؟ فيه وجهان.
وهذا ينبني على أن استحقاق الاستطراق في السِّكَّة [لجميع من فيها، أم شركة كل واحد مختصة [بما بين رأس السكة] وباب داره ولا تتخطَّى عنه؟ وفيه وجهان، أظهرهما –وهو] الذي أورده ابن كج -: الثاني؛ لأن ذلك [القدر] هو محل تردده ومورده، وما عداه فحكمه فيه حكم غير أهل السكة.
واعلم أنه كما يجوز له أن يشرع الجناح إلى الشارع يجوز لمن له فيه داران متقابلتان أن يركب عليهما ساباطاً، ويجوز له أن يحفر فيه سرداباً ويبني عليه أَزَجاً يمر عليه المارة ويُحْكِمه، صرح به العراقيون وغيرهم.
قال في "بحر المذهب": وبمثل هذا أجاب الأصحاب.
يعني في السرداب فيما إذا لم يكن الطريق نافذاً، وغلط من قال بخلافه.
قال الرافعي: وهذا اختيار منه؛ لكونه في معنى الشوارع، والظاهر بخلافه.
يعني: أنه لا يجوز إلا بإذن أهل الدرب، وهذا ما ذكره العبادي في "الزيادات"، ثم قال: وهل يشترط مع إذن أهل الدرب إذن المستأجر؟ ينظر: إن تضرر به فلا بد من إذنه، [وإلا فلا] يشترط، قاله أبو الفضل التميمي.
فرع: لو أذن صاحب الدار لإنسان في حفر سرداب "تحت داره، ثم باعها – قال العبادي: كان للمشتري أن يرجع كما [كان] للبائع".
فائدة: حكى الإمام فيما يصير به الموضع شارعاً [طريقين:
أحدهما: أن يجعل إنسان ملكه شارعاً] وسبيلاً مسبَّلاً.
والثاني: أن يحيى جماعة خِطَّة [قرية] ويتركوا مسلكاً نافذاً بين الدور والمساكن، ويفتحوا الأبواب إليه.
ثم حكى عن شيخه طريقاً ثالثاً، وهو أن يصير موضع من الموات جادَّة يطرقها الرفاق؛ فلا يجوز تغييره، وأنه كان يتردد في بُنَيَّاتِ الطرق التي يعرفها الخواص ويسلكونها، وكل موات يجوز استطراقه، ولكن لا يمنع من إحيائه وصرف الممر إليه، فليس له حكم الشوارع.
تنبيه: [قوله]: يشرع جناحاً، هو بضم الياء، أي: يخرجه، والجناح: الخارج من الخشب، مأخوذ من: جنح، [بجنح] – بفتح النون وضمها –جنوحاً: [إذا مال]، واجتنح يجتنح، واجْنَحَهُ.
الدربُ: معروف، وهو [غير] عربي.
وقال الجواليقي: معرب، وأصله: المضيق في الجبال.
قال: ولا يجوز أن يشرع إلى ملك غيره، أي: بغير إذنه؛ للحديث السابق، ولقوله – عليه السلام -: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ"، ولأنه لا يملك الانتفاع بالسُّفْل؛ فلا يملك الانتفاع بما هو تابع له وهو الهواء.
قال: فإن صالحه مالكه عن ذلك بعوض لم يجز؛ لأنه إفراد لما هو تابع لغيره بالعقد، وهو الهواء وذلك لا يجوز.
قال: وإن أراد أن يضع الجذوع على حائط جاره، أو حائط مشترك بينهما لم يجز، أي: من غير إذنه في أصح القولين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ منهُ"، وبالقياس على التصرف في سائر أمواله.
والقول الثاني – وهو القديم -: أنه يجوز [من غير إذنه، وليس له منعه]؛ لما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"، ثم قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضينّ والله أرمين بها بين أكتافكم.
وأراد: لأرمين بهذه السنة، وألزمكم العمل بها، [وقيل: لأكلفنكم ذلك، ولأضعن جذوع الجار على أكتفاكم، وقصد به المبالغة]، كذا قاله القاضي الحسين في "تعليقه" والإمام.
وإن ذلك كان منه حين ولي مكة أو المدينة.
ثم على هذا يشترط في الجواز شروط:
أحدها: ألا يكون مالك الجدار محتاجاً لوضع جذوعه عليه.
والثاني: أن تكون الجذوع خفيفة لا تضر بالجدار.
والثالث: ألا يتمكن الجار [من أن] يسقف مكانه إلا بالوضع عليه؛ كما إذا كان له جدار واحد وأرض، ولجاره باقي الجدر كما حكاه البندنيجي وغيره.
وفي "النهاية" عكس هذا، وقال: يشترط أن تكون الجوانب الثلاث من البيت لصاحب البيت، وهو محتاج إلى جانب رابع، فأما إذا كان [الكل] للغير، فلا يضع الجذوع قولاً واحداً.
ثم قال: ومن أصحابنا من لم يشترط هذا الشرط الأخير.
واعتبر المحاملي والمتولي في "التتمة" مثل ما اعتبر الإمام، وحكى المتولي الوجهين فيما إذا لم يملك إلا جانباً واحداً أو جانبين، والجديد هو القول الأول، والقائلون به حملوا حديث أبي هريرة على الاستحباب، ومنهم من حمله على أن الجار ليس له منع صاحب الحائط من وضع أجذاعه في حائطه، وإن كان الجار يتضرر بذلك في منع ضوئه أو الإشراف عليه.
قال في "الاستقصاء": وهو الحقيقة في اللغة: لأن الكناية ترجع إلى أقرب مذكور، ولا نزاع في أنه لو أراد أن يبني على رأس الحائط خصَّا خفيفاً، لم يجز، كما صرح به القاضي أبو الطيب، وكلام ابن الصباغ مشير إليه.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ هنا، مع قوله من بعد: ولا يجوز أن بفتح كوة ... إلى آخره، يفهم أن محل القول القديم في وضع الجذوع فيما إذا لم يحتج إلى فتح شيء في الحائط ليدخل فيه الجذوع، وليس كذلك، بل هو جار في هذه الصورة أيضاً كما صرح به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما، وفرقوا بينه وبين فتح الكوة – كما سذنركه – بأن رأس الجذع يسد ما يفتح لأجله ويقوى به الحائط، بخلاف الكوة.
قال: فإن صالحه عن ذلك بشيء جاز إذا كان ذلك معلوماً؛ لأنه بذل مال في مقابلة ما يقصد بالأعواض؛ فصح، كما في بيع الأعيان والمنافع، وهذا من الشيخ تفريع على الجديد، والإشارة بذلك إلى الجذوع وهي الأخشاب؛ لأنها التي يستوفي بها المعقود عليه؛ فاشترط معرفتها؛ كالصبي في الرضاع.
ثم المعرفة تارة تحصل بالمشاهدة، وتارة تحصل بالوصل، مثل: أن يذكر عددها، وطولها، وسمكها، ووزنها – على ما حكاه القاضي أبو الطيب – وموضعها من الحائط، وقدر دخولها فيه، كما قاله الماوردي.
ثم هذا الصلح، هل هو بيع لموضع رأس الجذوع من الحائط أو لا؟ ينظر فيه.
فإن قدر الانتفاع بمدة، فلا نزاع في أنه إجارة.
وإن لم يقدر، فوجهان:
أحدهما: أنه بيع لموضع الجذوع، حتى لو انهدم الجدار ثم أعيد، عاد حقه وجهاً واحداً، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، والماوردي عن أبي حامد المرْوَرُّوذِي.
والثاني: لا، وإن صرح بلفظ البيع، وهو ما صححه الرافعي، لكن ما حكمه؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه إجارة لا غاية لها، وإنما لم يشترط تقدير المدة؛ لأن العقد الوارد على المنفعة تتبع فيه الحاجة، فإذا اقتضت الحاجة التأبيد أبد على خلاف سائر الإجارات، وألحق بالنكاح، وهذا ما اختاره ابن الصباغ، ورد على من قال بأنه بيع بأن عقد البيع تملك به الأعيان، وهاهنا لم يملك بهذا العقد شيئاً من الأعيان؛ بدليل أن الحائط لو انهدم كانت الآلات كلها لمالك الحائط دون صاحب الجذوع، ولو كان قد ملك لكانت الآلة له، ولم يقل بهذا أحد.
وأيضاً: فإن موضع الجذوع لو ملك خاصة لوقع هذا القائل فيما فر منه؛ فإن موضع الوضع يحمله بقية الحائط الذي لغيره، وتلك منفعة استحقاقها لا إلى غاية.
والثاني: أنه إجارة يعتبر فيها تقدير المدة، ولا يصح بدونها، وهذا ما حكاه الماوردي، وصححه مع حكاية الوجه الصائر إلى أنه بيع.
والثالث- وهو ما ادعى الرافعي أنه أظهر -: أن ذلك ليس بإجارة محضة، ولكن فيه شائبة إجارة: [وهو أن] المستحق به منفعته، وشائبة البيع، وهو أن الاستحقاق [فيه على التأبيد؛ فكأن الشرع نظر إلى أن الحاجة تمس إلى ثبوت الاستحقاق] المؤبد في مرافق الأملاك وحقوقها – مساسها إلى ثبوت الاستحقاق المؤبد في الأعيان.
وعلى قولنا: إنه إجارة، لا يفتقر إلى بيان المدة؛ فلو عقد [هذا العقد] بلفظ الإجارة، هل يصح من غير بيان المدة؟ فيه وجهان.
أما إذا قلنا بالقول القديم، فلا تجوز له المصالحة على عوض.
قال الشيخ في "المهذب" وغيره من العراقيين [والمراوزة]: لأن من وجب عليه حق لم يجز أن يعتاض عنه.
قلت: قد حكى الغزالي في باب الإجارة فيما إذا أسلمت امرأة، وليس ثم من يحسن الفاتحة إلا واحد، فجعل صداقها تعليمها الفاتحة – جاز على الأصح من الوجهين، مع أن ذلك واجب عليه؛ يتجه أن يجيء مثل ذلك هاهنا.
ويجوز للجار على هذا إذا انهدم الحائط، وأعيد بغير النقض [أن يعيد جذوعه وغيرها بالشرط المذكور، وله أيضاً إذا امتنع صاحب الحائط من إعادته] أن يعيده، ويجوز لمالك الحائط أن يصالحه عن حقه في الموضع على عوض؛ ليسقط حقه من الوضع؛ قال في "المهذب" وغيره: لأن ما جاز بيعه جاز شراؤه؛ كسائر الأموال.
قال في "البحر": وعندي لا يجوز أخذ العوض [بحال؛ لأنه أبيح له ذلك للحاجة؛ فلا يجوز له أخذ العوض]، كما لا يجوز له أخذه عن فضل الماء الذي أبيح له للحاجة.
فرع: إذا اشترى عُلْوَ بيتٍ دون سُفْله [صح] وله أن ينتفع به للسكن ونحوه، وهل له أن يبني؟ ينظر: فإن شرط ذلك في البيع، وبين طول البناء
وعرضه وارتفاعه، وموضعه من السطح، وآلته وكيفية البناء من التجويف وغيره، وكيفية السقف هل هو أَزَجٌ أو غيره – صح، واشترط بعض أصحابنا بيان قدر ذلك، قال مُجَلِّي: وهو بعيد.
ويقوم مقام وصف الآلة تعيينها، فلو شرط أن يبني عليه ما شاء فهو باطل، وإن شرط البناء وأطلق ففي صحة الشرط وجهان:
أحدهما: أنه يصح، ويبني [على] ما احتمله؛ لأنه قد يتقدر عند أهل الخبرة بالمعتاد المألوف.
والأصح: البطلان.
فإن تبايعا بشرط ألا يبني صح، ولا يسوغ له البناء.
وإن تبايعا ولم يتعرضا لشرط البناء صح، وهل له أن يبني؟ فيه وجهان مذكوران في "الحاوي".
ولو اشترى منه حق البناء على السطح صح بإجماع الأصحاب، خلافاً للمزني، وماذا يملكه بلك الحكم؟ فيه كما في مسألة الجذوع.
تنبيه: واحد "الجذوع": جذع، ويجمع في القلة على: أجذاع.
والجار: المجاور؛ يقال: جاورته، مجاورة وجواراً – بكسر الجيم وضمها – وتجاورا واجتورا.
قال: وإن صالح رجلاً على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء، أي: بعوض، وكان ذلك معلوماً – جاز؛ لما ذكرناه.
[و] لكن هذا الصلح: هل هو بيع للموضع المعين من الأرض ولمنافع السطح على الأبد أو إجارة؟ قال الأصحاب: ينظر فيه:
فإن قيد بمدة فإجارة بلا شك.
وكذا إذا وقع على إجراء ماء في ساقية في أرض المصالح؛ فيشترط في صحة ذلك أن تكون المدة معلومة، والمجراة في مسألة الأرض محفورة، وقد عرفا طولها وعرضها وعمقها، وفي مسألة السطح تعين المدة أيضاً، وأن يعرفا طول السطح الذي يجري عليه الماء وعرضه وقوته وضعفه؛ لأنه قد يحمل قليل الماء دون كثيره، وأن يعرفا قدر السطح المجاور له
الذي يجري منه الماء إليه؛ فإن المسألة مفروضة – كما بينه الأئمة – فيما إذا صالحه؛ ليجري ماء المطر الذي يجتمع على سطحه من على السطح المصالح عليه، وقدر الماء لا يمكن ضبطه؛ فإنه يزيد بكبر الموضع الذي يقع فيه، ويقل بصغره، ويعتبر مع ذلك بيان الموضع الذي ينزل منه الماء من أحد السطحين إلى الآخر.
وإن أطلق العقد ولم يقيد بمدة، وكان اللفظ: صالحتك على مسيل ماء في أرضك، أو على إجراء ماء سطحي على سطحك – فظاهر كلام المحاملي وغيره يقتضي أنه بيع في السطح؛ كما صرحوا بأنه بيع في الأرض، حتى قالوا فيها: لا يشترط فيها مع بيان الطول والعرض بيان العمق؛ لأن من ملك أرضاً ملك الانتفاع بها إلى القرار.
وحكى الرافعي وجهاً في اشتراطه؛ بناء على أنه لا يملك به إلا حق الإجراء، وحكاه في "التهذيب" أيضاً.
وما قلنا: إنه ظاهر كلام المحالين هو مقتضى قول أبَويْ حامد في مسألة الجذوع، [وقد جزم ابن الصباغ في [مسألة السطح] بأنه إجارة غير محتاجة [إلى بيان مدة، بخلاف سائر الإجارات؛ كما صار إليه في مسألة الجذوع]، ووافقه المتولي، وفرق بين هذا وبين سائر الإجارات: بان هذا العقد لا يتضمن تفويت منافع السطح عليه؛ لأنه يرتفق به بعد هذه المصالحة مثل ما كان يرتفق به قبلها، بخلاف سائر الإجارات؛ فإنها تمنع المالك من الانتفاع بملكه؛ فكان عقدها مؤبداً تفويتاً للملك في التحقيق، وقد تحتمل الجهالة في العقد إذا كان لا يتضمن ضرراً، ولا تحتمل إذا تضمنه، ودليله صحة ضمان الدرك، وعدم جواز [أخذ] الرهن به.
وفي "الحاوي" حكاية وجه في مسألة الأرض: أنه إجارة، كالوجه الذي حكيناه أنه صححه في مسألة الجذوع؛ فيكون على هذا العقد باطلاً؛ لعدم ذكر المدة، وقد صرح بذلك.
وقد يقال: إنه يجري في مسألة [السطح من طريق الأوْلى، وقد يفرق بينهما بما أبداه المتولي، وهو] الظاهر.
ولو أتى بدل لفظ الصلح بلفظ البيع، وقال: بعتك حق مسيل الماء – كما صوره القفال – فهو كبيع حق البناء، ويجيء في حقيقة العقد ما مر؛ كذا قاله الرافعي.
أما إذا كان الصلح عن ذلك بغير عوض، فهو إعارة.
قال في "التهذيب": ولا يحتاج في مسألة الأرض إلى بيان؛ لأنه إذا شاء رجع، والأرض تحمل ما يحمل، بخلاف السطح.
ويقرب منه في الحكاية – وإن كان الفقه مبايناً ما قاله الماوردي [فيه إذا قلنا بأن الجار لا يجبر على وضع الجذوع على حائطه، فأذن له في وضعها من غير عوض] – أنه يعتبر في ذلك معرفة عدد الأجذاع دون العلم بطولها وموضع تركيبها، [قال]: لأن الجهل بمنافع العارية لا يمنع من صحتها.
واعلم أنا حيث صححنا عقد الصلح على إجراء الماء، فليس للمصالح دخول الأرض التي فيها المجراة بغير إذن مالكها، إلا أن يريد تنقية الساقية وهي المجارة، وعليه أن يخرج من أرضه ما يخرجه منها، وليس له في مسألة السطح [إلقاء الثلوج] على السطح، [ولا أن يترك الثلج على سطحه حتى يذوب فيسيل إليه، ولا أن يجري فيه ما غسل به ثيابه وآنيته، بل لا يجوز أن يصالح على ترك الثلوج] على السطح أو إجراء الغُسَالات عليه على مال؛ لأن الحاجة لا تدعو إلى مثلهن وألحق المتولي بذلك المصالحة على جري ماء الثلج، ووجه المتولي ذلك في مسألة الثلج بأن الثلج يذوب قليلاً قليلاً وماؤه يبقى على السطح، بخلاف ماء المطر.
وتجوز المصالحة على إلقاء الثلج في داره، وكذا على قضاء الحاجة في حُشِّ الغير على مال، وكذلك عن جمع الزِّبْل والقمامة في ملكه، وهي إجارة
يراعى فيها شرائطها، وكذلك المصالحة على البيتوتة على سطح الجار.
ثم لو باع مستحق البيتوتة منزله، فليس للمشتري أن يبيت عليه، بخلاف ما لو باع مستحق إجراء الماء على سطح الغير مدة بقاء داره؛ فإن المشتري يستحق الإجراء بقية المدة؛ لأن إجراء الماء من مرافق الدار دون البيتوتة.
فروع:
[الأول]: لو قال: صالحتك عن إجراء ماء المطر على سطح دارك كل سنة بكذا، قال المتولي: يجوز؛ لأنه لما جاز العقد مطلقاً بعوض واحد جاز بعوض مقسط على السنين، وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة، ويحتمل هذا القدر من الغرر في الأجرة؛ كما احتملناه في المعقود عليه، ويصير كالخراج المضروب على الأرض.
[الثاني:] إذا صالحه عن إجراء الماء على سطحه على مال، فليس للمصالح أن يمنع صاحب السطح من تعلية داره.
نعم، إذا وقع المطر فله أن ينقب الحائط المبني قدر ما يجري فيه الماء إلى ملكه؛ لأن ذلك حاجز يمنعه من استيفاء حقه؛ فصار كما لو استأجر منه داراً، ثم سد الباب، فله فتحه.
[الثالث:] إذا استهدم السطح من إجراء الماء، لم يجب على المستحق عمارته؛ فإن العمارة تتعلق بالأعيان، وليست مستحقة [له].
وفي "الجيلي" إشارة إلى حكاية وجه في وجوب العمارة عليه إذا استهدم بسبب الماء.
واعلم أن الشيخ نبه بجواز الصلح على إجراء الماء على الأرض والسطح، [على عدم إجبار صاحب الأرض والسطح على] التمكين من ذلك؛ فإنه لو وجب لما جازت المصالحة عليه، كما ذكرناه من قبل.
وقد حكى الرافعي عن البندنيجي وغيره رواية قول عن القديم: أنه يجبر.
قال: ولا يجوز أن يفتح كوة في حائط جاره، ولا في حائط مشترك [بينهما] إلا بإذنه؛ للخبر، والمعنى الذي قدمناه في الجذوع، ولو أذن له في ذلك، ثم أراد الشريك أن يسدها لم يكن له إلا بإذن شريكه، ولو صالح الجار جاره على فتح كوة في حائطه لم يجز؛ لأنه صلح على الهواء والضوء.
ويجوز للجار أن يبني حائطاً في ملكه [وإن سدت كوة جاره ومنعت الضوء؛ لأنه متصرف في ملكه]، قاله الماوردي.
وحكم دقِّ وَيْد في الحائط، وتتريب الكتاب بترابه حكم فتح الكوة.
ولا خلاف في جواز الاستضاءة بسراج الغير، والاستظلال بجداره، وكذلك في جواز الاستناد إليه بحيث لا يضر به؛ فلو منعه من الاستناد فهل يمنع منه؟ فيه تردد؛ لأنه عناد محض، كذا صور الإمام المسألة، وعليه يحمل ما في "الوسيط".
تنبيه: الكوة - بفتح الكاف [وتشديد الواو -: فتح في الحائط، وغالبُ ما يشق لأجل الضوء، وجمعها: كواء، بكسر الكاف] والمد؛ كقَصْعَةٍ وقِصَاع، ويجوز: كِوَى - بالقصر - كبَدْرة وبِدَر.
وحكى الجوهري وغيره لغة غريبة في المفرد: كوة - بضم الكاف - وجمعها: كوّى؛ كرُكْبة ورُكَب.
قال: وإن حصلت أغصان شجرة في هواء [دار] غيره، فطولب بإزالتها - لزمه ذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار؛ فكما يلزم تفريغ القرار إذا شغله ملكه؛ فكذلك الهواء التابع له.
قال: إن امتنع كان لصاحب الدار قطعها، أي: قطع الأغصان من حد داره، ولا شيء عليه إذا كانت إزالتها لا تمكن إلا بالقطع؛ لأنه تعين طريقا ًفي دفع الضرر، أما إذا أمكنت الإزالة بالثني لرطوبتها فلا يجوز قطعها، وتثني.
ولا يفتقر في القطع إلى إذن الحاكم على الأصح؛ كما لا يفتقر في إخراج بهيمة دخلت داره إلى إذنه، وفي وجه ضعيف.
فعلى الأول: لو قطعها من غير مطالبة مالكها بالقطع، قال الماوردي: إن كانت يابسة لا تثني جاز، [ولم يضمن]، وإن كانت رطبة ضمن ما نقص من قيمة الشجرة بقطع الغصن منها.
وحيث يجوز القطع، فتولاه صاحب الدار – لم يرجع على مالك الأغصان بأجرة القطع، إلا أن يحكم الحاكم بالتفريغ، قاله في "الإيضاح".
قال: فإن صالحه عنها بعوض لم يجز؛ لأنه إفراد للهواء بالعقد.
نعم، لو كانت الأغصان مستندة إلى الجدار، وأراد المصالحة على ذلك نظر: إن كانت يابسة جاز، وكان كمسألة الجذوع، صرح به المتولي.
وإن كانت رطبة فوجهان:
أحدهما –وهو قول [أكثر] البصريين -: أنه يجوز، وما ينمو يكون تبعاً.
والثاني – وهو قول ابن أبي هريرة وجمهور البغداديين -: لا؛ لأنه يزيد ولا يعرف قدر ثقله وضرره، وانتشار عروق الأشجار في الأرض كانتشار الأغصان، وكذلك ميل الجدار إلى الهواء، قاله الإصطخري.
ولو كان ميل الجدار إلى دار صاحبه، وكان الجار خائفاً من انهدامه على نفسه أو ماله لم يلزمه هدمه؛ لأنه لم يفوت عليه في الحال حقًّا، ولا أتلف عليه ملكاً، وانهدامه في الثاني مضمون، قاله الماوردي.
تننبيه: قوله: في هواء دار غيره، بالمد، وهو ما بين السماء والأرض، وجمعه: أهوية؛ كغطاء وأغطية.
قال أهل اللغة: وكل خال هواء.
وأما هوى النفس؛ فمقصور يكتب بالياء.
وجمعه: أهواء.
فرع: إذا غرس الرجل غراساً في أرضه، وكان يعلم أن الغراس إذا كبر وطال انتشرت أغصانه إلى دار الجار – لم يكن للجار أن يأخذ بقطعه في الحال.
وهكذا لو أراد حفر بئر في أرضه، وكانت نداوة البئر [تصل إلى حائط الجار] لم يكن للجار أن يمنعه من حفرها؛ لأنه متصرف في ملكه؛ كما لا يمنعه من وقود النار في أَتُون حمَّامِ أنشأها بين الدور وإن تأذوا بالدخان.
قال: وإن كان له دار في درب غير نافذ، وبابها في آخر الدرب، فأراد أن
يقدمه إلى وسط الدرب أو أوله – جاز؛ لان في ذلك تركاً لبعض حقه، ولا فرق في ذلك بين أن يسد الأول أو يتركه مفتوحاً، صرح به الماوردي، ولم يحك سواه.
وقال الرافعي: محل الاتفاق إذا سد الأول، أما إذا لم يسده فعلى ما سنذكره في المسألة بعدها؛ لأن الباب الثاني إذا انضم إلى الأول أورث زيادة زحمة الناس ووقوف الدواب في السكة؛ فيتضررون به.
قال: وإن كان بابها في أول الدرب، فأراد أن يؤخره إلى وسطه أو آخره، أي: بغير إذن – لم يجز؛ لأنه يريد أن يجعل لنفسه استطراقاً لم يكن.
وقيل: يجوز.
ومأخذ هذا الخلاف ما أشرنا إليه من قبل، والصحيح ما ذكره الشيخ.
ثم المعتبر إذنه ومنعه [هو] من كانت داره فوق الباب الأول بلا خلاف، وهل لمن داره بني الباب الأول ورأس السكة ذلك؟ فيه وجهان؛ بناء على كيفية الشركة كما مر.
وفي "النهاية" طرق أخرى جازمة بأنه لا منع لهم؛ لأن الفاتح لا يتميز عليهم، وتحويل الميازب من موضع إلى موضع كفتح باب وسد باب.
فرع: لو كان له داران تنفذ أحداهما إلى [الشارع، وباب الأخرى إلى درب غير نافذ، فأراد فتح باب من أحداهما] إلى الأخرى –هل لأهل الدرب المنع؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا.
ولو كان باب كل دار منهما إلى درب غير نافذ، جرى الخلاف في جواز المنع لكل [واحد] من أهل الدربين، ومحل هذا إذا كان الفتح لغرض الاستطراق، أما إذا كان لغرض الاتساع فلا منع.
قال: وإن كان ظهر داره إلى درب غير نافذ، فأراد أن يفتح باباً إلى الدرب للاستطراق – لم يجز؛ لما فيه من إحداث حق لم يكن له في ملك غيره بغير إذنه، وجلب ضرر لم ينك: إما بمرورهم عليه، أو بمروره عليهم؛ فلو أذنوا له في ذلك جاز، وكانت إعارة حتى يجوز لهم الرجوع فيها متى شاءوا، ولا يجب له عليهم أرش بسبب فتح الباب وسده.
قال: وإن فتح لغير الاستطراق، [أي]: بأن قال أركب عليه باباً وأسمِّره، فقد قيل: يجوز؛ لأنه لو رفع جميع الحائط لم يمنع؛ فكذلك إذا [أراد] رفع بعضه، وهذا ما صححه أبو القاسم الكرخي، قال: وقيل: لا يجوز؛ لأن الباب يشعر بثبوت حق الاستطراق؛ فعساه يستدل به على الاستحقاق، وهذا ما صححه الشاشي في "حلبته".
ولا خلاف في جواز فتح الكوة والشباك للضوء.
قال: فإن صالحه أهل الدرب بعوض – جاز؛ لأن الحق فيه لهم؛ فجازت لهم المصالحة عليه، وهل ذلك بيع أو إجارة؟ حكمه حكم إجراء الماء في أرضه.
وهذا إذا لم يكن فيه مسجد، أما إذا كان فيه مسجد فإن للمسلمين فيه حقًّا؛ فلا تجوز المصالحة عليه، ويبقى النظر في أنه هل يجوز من غير إذن؟
فرع: لو اجتمع أهل الدرب على سد بابه، فجواب المعظم: أنهم لا يمنعون.
[وقال أبو الحسن العبادي: يحتمل أن يقال: يمنعون]؛ لأن أهل الشوارع يفزعون إليه إذا عرضت زحمة، ولا شك أنه لو امتنع بعضهم لم يكن للباقين السد، ولو سدوه متفقين لم ينك لبعضهم فتحه، ولو اتفقوا على قسمة صحن السكة [بينهم جاز، ولو أراد أهل رأس السكة قسمة الرأس بينهم – منعوا، ولو أراد أهل الأسفل قسمته وجهان؛ بناء على أن أهل رأس السكة] هل يشاركونهم في الأسفل؟
وكذا لو لم يكن في الأسفل إلا دار واحدة، [فأراد صاحبها] أن يقدم بابها إلى وسط الدرب، ويجعل ذلك دهليزاً، حكاه في "الحلية"، والذي اختاره في "المرشد" في هذه: المنع.
فرع: هل يجوز غرس شجرة وتصب دَكَّة في الشارع؟ فيه وجهان، المذكور منهما في طريقة العراقيين: المنع.
ولا فرق بين أن يفعل ذلك بفناء داره أو لا، صرح به في "الوسيط".
ومحل الجواز إذا لم يضر بالمارة.
ويجوز أن يعجن الطين في الطريق؛ إذا لم يمنع المرور فيه، قاله العبادي.
قال: وإن كان بينهما حائط واقع، أو لأحدهما العُلْو وللآخر السُّفْلن فوقع السقف، أي: وهو مشترك بينهما، فدعا أحدهما صاحبه إلى البناء، أي: في الأولى، وإعادة السف في الثانية، وامتنع الآخر – ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا يجبر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، فلم يجبر على إنفاق ماله بغير طيب نفس منه، ولأنه لا يجبر على عمارة ملكه وإن تضرر به الغير؛ كما إذا كان خربه بعذر فيها، ولا على عمارة ملكه في حال الانفراد؛ فوجب ألا يجبر على ذلك في حال الاشتراك؛ كالزرع والغراس إذا أشرف على الجفاف طرداً، ونفقة البهائم عكساً.
والقول الثاني- وهو القديم عند الجمهور [لا غير]، والقديم وأحد قولي الجديد عند المزني وابن أبي هريرة على ما رواه الماوردي -: أنه يجبر، وهو الذي صححه ابن الصباغ، واختاره في "المرشد"؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَار"، فلما نفى لحوق الإضرار دل على وجوب الإجبار، ولأنه لما استحق الشفعة؛ لزوال الضرر بها، ووجبت القسمة إذا دعا إليها أحد الشريكين؛ لينتفي الإضرار – كان وجوب المنافاة مع ما فيها من تضاعيف الضرر أولى.
والقائلون بالأول أجابوا عن الحديث: بأن استعماله في نفي الضرر عن الطالب ليس بأولى [من استعماله في نفي الضرر] عن المطلوب.
وعن الشفعة: بأنه لا ضرر على المأخوذ منه؛ لأنه يأخذ ما بذله.
وعن القسمة: بأنها [ليست] غرماً والعمارة غرم.
ويجري القولان فيما إذا كان العُلْو لأحدهما والسُّفْل للآخر، ووقع الجدار، فدعا صاحب العلو صاحب السفل إلى عمارة السفل، ولا خلاف أن صاحب السفل لا يطالب صاحب العلو بالعمارة.
ويجري أيضاً فيما لو كان بينهما نهر أو بئر فارتدم، أو ساقية فتشعثت، وفيما إذا لم يكن بين سطحيهما سترة، فطلب أحدهما إيجادها، كما حكاه الرافعي [وكذا المتولي في باب إحياء الموات؛ لأنه ثم ذكر هذه المسألة [فروعها] وكثيراً من مسائل الصلح].
التفريع:
إذا قلنا بالقديم نظر في الممتنع:
فإن كان موسراً، أجبر في الحال، فإن امتنع وله مال أنفق الحاكم منه ما يخصه، فإن كان التداعي في حائط مشترك بينهما نصفين، أو في سقف فهي عليهما كذلك.
وإن كان السفل لواحد والعلو لآخر، كان على صاحب السفل عمارة سفله لا غير.
وإن كان في بئر أو نهر، قال الماوردي: فكيفية التقسيط عند الشافعي والجمهور على قدر أملاكهم، إلا أن منهم من قسطها على [قدر] مساحات الأرضين وقدر جريانها؛ لأن الماء الجاري فيها يسيح عليها على قدر مساحتها وجريانها.
ومنهم من قسطها على قدر مساحة وجه الأرض التي على النهر، وهو أشبه بمذهب الشافعي وقول أصحابه؛ لأن مؤنة الحفر تزيد بطول مسافة الوجه الذي على النهر، وتقل بقصره؛ فوجب أن يكون معتبراً به.
وإن كان الممتنع معسراً، كان للحاكم أن يستقرض [عليه، وله أن يقول للطالب: أنت مخير بين أن تعمر الجميع بمالك]، وترجع عليه عند اليسار بحصته، أو تكف؛ على ما حكاه الماوردي.
فإن عمر بالإذن، وأشهد فلا شك في رجوعه عليه، وإن عمر بغير إذن الحاكم، ففي الرجوع ثلاثة أوجه، ثالثها: إن قدر على إذن الحاكم فلم يستأذنه، فلا رجوع، وإن لم يقدر على إذنه رجع، وادعى الإمام: أن هذا أعدل الوجوه.
وفي "الحاوي": أن الذي عليه الجمهور القول بعدم الرجوع مطلقاً؛ كما لو كان الممتنع موسراً، ومقابله منسوب إلى أبي حامد المَرْوَرُّوذِي، وقال تفريعاً عليه: إن له منع الشريك من التصرف فيما بناه إلى توفية ما بذله عنه، ويصير كالمرهون تحت يده.
وفي "الرافعي": أن المزني أشار إلى قولين في المسألة؛ وللأصحاب فيها طرق:
أظهرها- وبه قال ابن خيران وابن الوكيل -: القطع بعدم الرجوع [، والقائلون به حملوا قول الرجوع] على ما إذا كان بالإذن.
والثاني: أن القول بعدم الرجوع محمول على الجديد، والقول بالرجوع تفرعي على القديم الذي عليه نفرع، وبه قال ابن القطان.
والثالث: أنا إن قلنا بالقديم رجع لا محالة، وإن قلنا بالجديد فقولان.
قال: فإن أراد أحدهما أن يبني، لم يمنع على القولين معاً؛ لأنه يزول بذلك الضرر عن الطالب من غر ضرر يلحق الممتنع.
قال: فإن بناه بآلة له، فهو ملك له ينفرد به، أي: بالارتفاق به؛ لأنه عين
ماله، وليس [للممتنع الانتفاع به بدق وتد ولا فتح كوة، وليس] للثاني منع صاحب السفل من الاستظلال به والجلوس والقرار فيه، وكذا من الاستناد على رأي.
وفي "الحاوي": الجزم بمنع الاستناد.
وعن صاحب "التقريب" رواية وجه: أن له المنع أيضاً من السكون والاستظلال به.
قال الإمام: وهو غريب غير معتد به.
والثاني: نقض ما بناه، فإن بذل له الشريك في الجدار قدر ما يخصه منه لم يمتنع عليه النقض على الجديد، ويمتنع على القديم؛ لأنا على هذا القول نجبر الممتنع على ابتداء العمارة، كذا قاله الأصحاب، وفيه نظر؛ من حيث إن في ذلك إجباراً على تمليك نصف آلته الخاصة به، وهو لا يجبر على ذلك ابتداء، وكذا الخلاف يجري فيما لو بذل صاحب السفل لصاحب العلو قيمة ما بناه في السفل، كما حكاه القاضي الحسين [والماوردي تفريعاً على الجديد والقديم، وادعى الإمام إجماع الأئمة عليه، موجهاً وجه الوجوب بأنا على القديم نراعي المصلحة].
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب تسلم الحكم في مسألة الجدار، والجزم في مسألة السفل بأنه لا يمتنع عليه النقض على القولين معاً؛ لأن صاحب العلو لا يجب عليه أن يبني حيطان السفل قولاً واحداً، و [لو] لم يقصد الثاني الهدم، بل أراد التبقية، فبذل له الشريك القيمة؛ ليتملك ما كان مطالباً بعمارته – أجبر على القديم، وعلى الجديد قال الأصحاب: يقال للثاني: أنت بالخيار بين أن تأخذ منه القيمة وبين أن تنقض حتى تعيداه معاً.
قال: وإن بناه بما وقع من الآلة، فهو مشترك بينهما؛ لأنه عين مالهما، وهو متبرع بما غرمه على التالف ويعود الحكم في الانتفاع بذلك كما كان قبل
الوقوع، فلو أراد الثاني هدمه لم يكن له إلا بإذن الشريك، فلو بادر وهدمه، قال الإمام: فالمذهب أنه يغرم ما نَقَضَهُ النقض.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ وغيره من العراقيين والمراوزة يقتضي: أن للطالب على القول الجديد أن يبني المستهدم بما سقط من الآلة، كما صرحوا بأن له أن يبني بآلته التي تفرد بملكها على الأساس المشترك؛ لدفع الضرر.
وقد صرح الإمام بما اقتضاه ظاهر كلام الشيخ وغره، ونقل إجماع الأصحاب عليه، والمذكور في "التهذيب" وهو الذي ادعى الرافعي أنه الظاهر من المنقول، وأنه المتوجه من جهة المعنى -: أنه لو أراد على القول الجديد البناء بالآلة المشتركة، وأراد صاحب العلو أن يبني السفل [بآلة السفل] –كان للآخر منعه.
فرع: لو قال صاحب السفل لصاحب العلو بعد بنائه السفل بآلة نفسه: انقض ما بنيته لأبنية بآلة نفسين نظر: إن كان قد طالبه بالبناء، فلم يجبه لم يجب الآن؛ لما يفوته، وإن لم يطالبه وقد بنى علوه عليه فكذلك لا يجاب، ولكن له أن يتملك السفل بالقيمة، وإن لم يبن عليه العلو بعد – أجيب صاحب السفل، قاله المتولي.
تنبيه: "العلو" و"السفل": بضم أولهما وكسره، قال صاحب "المحكم": السُّفْل والسِّفْل والسِّفْلة – بكسر السين وإسكان الفاء -: نقيض الأعلى، ويكون اسماً وظراً، قال: "السقف" جمعه: سُقُوف وسُقُف، وقد سَقَْتُ البيت، أَسْقُفُهُ سَقْفاً.
قال: وإن استهدم، أي: بفتح التاء، فنقضه أحدهما، أي: إما تعدياً أو بإذن شريكه؛ بشرط أن يعيده من ماله كما قاله المحاملي، أو من مالهما كما قاله الماوردي – قال: أجبر على إعادته – لتعديه – أو التزامه، وهذا ما حكاه البغوي في صورة التعدي، والماوردي عن الإمام في الصورة الثانية وصححه، وجعله
المحاملي في الصورتين ظاهر المذهب، وعليه حمل الجمهور ما حكيناه عن الجديد من قبل.
قال: وقيل: هو أيضاً على قولين، أي: السابقين؛ لما ذكرناه.
قال الماوردي: وهذا ليس بصحيح.
وفي "الرافعي" و"التهذيب" و"مجموع" المحاملي: أن هذا الطريق هو الذي يقتضيه القياس؛ فإن الحائط لا يضمن بالمثل؛ فيغرم أرش النقصان.
وهذا الكلام فيه دلالة ظاهرة على أنا على الطريق الأول نوجب على الهادم الإعادة جبراً؛ لما تعدى به، والذي يظهر: أن المراد به إذا غرم أرش النقصان ليس له الامتناع من المباناة، بل يجبر عليها على الجديد؛ كما يجبر على القديم، ويعضده: أن الطريق الثاني مصرح بذلك.
وأمر آخر: وهو أنا لو أجبرنا الهادم على الإعادة من ماله جبراً لما أزاله: فإما أن نجبره على أن يعيده مستهدماً [كما كان، أو غير مستهدم] ولا قدرة له على الأول؛ لأنه غير منضبط، ولا سبيل إلى الثاني؛ لكونه زائداً على ما أزاله، وذلك حيف؛ فلا يجوز.
[ثم الصورة التي يكون متعدياً فيها قد ذكرها الماوردي في باب وضع الحجر، وهي: أن يفعل ذلك بدون إذن شريكه، وتكون قيمته قائماً أو أكثر، وقال أهل الخبرة: إن سقوطه لا يتعجل، ويثبت على انتصابه، أما إذا قالوا: إن سقوطه يتعجل فلا يبت على انتصابه فإن له أن ينفرد بهدمه؛ لتحتم ضرره]، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الكتاب فلنختمه بذكر شيء يتعلق به.
قال ابن سريج: إذا كان في يد رجل نصف دار، فادعى عليه إنسان سدسها، فأنكره، وانصرف المدعي، ثم قال له المدعي عليه: خذ مني السدس الذي ادعيته منها بسدس دارٍ، فأجابه – لم يكن صلحاً على إنكاره.
كذا حكاه البندنيجي في كتاب الشفعة.
قال ابن الصباغ: إذا استهدم الجدار أجبر على نقضه، ولو تراضى الشريكان على أن يعيدا الجدار بأنفسهما، ويكون الجدار لأحدهما زيادةٌ فيه – لم يجز؛ لأنه شرط عِوَض من غير معوَّض؛ فإنهما مستويان [في العمل وفي الجدار
وعَرْصَتِهِ، وعن صاحب "التقريب" رواية وجه أنه: يجوز ذلك،] كذا صرح به الإمام والغزالي في "البسيط"، ونسبه في "الوسيط" إلى رواية القفال؛ فلعلهما روياه.
ولو انفرد أحد الشريكين بإعادة البناء بالنقض المشترك بإذن شريكه، بشرط أن يكون له الثلثان [في النقض والأساس] –جاز، والسدس الزائد يكون في مقابلة عمله في نصيب الشريك، هكذا أطلقوه.
واستدرك الإمام فقال: هذا صور بما إذا شرط له [سدس النقض في الحال، فأما إذا شرط له] السدس بعد البناء لم يصح؛ فإن الأعيان لا تؤجل.
قال الرافعي: ولك أن تقول: التصوير وإن وقع فيه ذكره، وجب أن يكون الحكم فيه كالحكم فيما إذا شرط للمرضع جزءاً من الرقيق [المرتضع] في الحال، ولقاطف الثمار جزءاً من الثمار المقطوفة في الحال، ونظائرهما؛ لأن عمله يقع على ما هو مشترك بينه وبين غيره.
وسنعيد الكلام في ذلك مرة أخرى – إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
باب الحوالة
الحوالة - بفتح الحاء - مشتقة من التحويل والانتقال، يقال: حال فلان عن العهد، إذا زال وانتقل عنه، وحالت الأسعار: إذا تغيرت وانتقلت عما كانت عليه.
وهي في عرف الشرع: نقل دَيْنٍ من ذمة إلى ذمة.
وقد حكى الجيلي أنها تقال بالكسر أيضاً.
ويقال: أحد عليه [بالحق]، يُحِيلهُ إحالة، واحتال الرجل: إذا قبل الحوالة.
والأصل في جوازها:
من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والحوالة عقد، فوجب الوفاء به، وإذا وجب الوفاء به دل على جوازه.
ومن السنة: ما روى مسل وغيره عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَطْلُ الغنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتْبعَ أحدُكم على مَلِيءٍ فَلْيَتَّبعْ".
ألف "أتبع" مضمومة، وتاؤه تسكن وتخفف، وتاء "فليتبع" مشددة.
والمطل: المدافعة.
المليء - بالهمز -: الغني [المكثر، قاله في "المستغرب"].
ومعنى الحديث: إذا أحيل أحدكم على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ.
قال الجوهري: يقال: أتبع فلان [بفلان]، إذا أحيل عليه، والتبيع:
الذي لك عليه مال.
وقال في "الاستقصاء":يقال: تبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة – بضم التاء-: إذا طالبته، وأنا تبيعه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾ [الإسراء: 69].
قال الماوردي: وقد روى العراقيون، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ".
قال الرافعي: والأشهر في هذه الرواية بالواو، ويروي: "فَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ" بالفاء، فعلى التقدير الأول هو مع قوله: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ"، جملتان [لا تعلق للثانية] بالأولى؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: "الْعَارِيَّةُ مَرْدُودَةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ".
وعلى الثاني: يجوز أن يكون المعنى في الترتيب: أنه إذا كان المطل ظلماً من الغني، فإذا أحيل [بدَيْنه] عليه، فإنه يحترز عن الظلم ولا يمطل.
وقد أجمع المسلمون على جواز الحوالة في الجملة كما حكاه أبو الطيب.
قال القاضي الحسين: والمعنى فيها بعد الإجماع: ما فيها من الإرفاق بالناس؛ فإن الإنسان يَستحق ديناً، ويُستحق عليه مثله؛ فتلحقه المشقة في الاستيفاء والإيفاء؛ فجوزها الشرع؛ لإسقاط هذه المشقة والكلفة، وألا فالقياس أنها لا تجوز؛ لأنها بيع دين بدين، وقد نهى صاحب الشرع عنه، وهو بيع الكالئ بالكالئ.
وهذا كما أن القرض جوز للإرفاق، [وإن كان القياس منعه؛ لأنه [بيع]
عاجل بآجل، والسلم جوز للإرفاق]، وإن كان عقداً على معدوم [و] كذلك الإجارة.
وما قاله حسن على قولنا: إنها بيع دين بدين.
وقد اختلف أصحابنا في حقيقتها:
فذهب ابن سريج إلى أنها بيع، ولكنها لم تبن على المغابنة والمماكسة، وطلب الربح والفضل.
وادعى الرافعي وغيره من العراقيين أنه الذي نص عليه الشافعي في باب بيع الطعام [بالطعام].
ووجهه: أن المحال يبذل ما له في ذمة المحيل بما للمحل في ذمة المحال عليه، والمحيل يبذل ما له في ذمة المحال عليه بما عليه من دين المحتال، وذلك حقيقة البيع، ويؤيده أنها ممنوعة من المسلم فيه؛ لما سنذكره من الحديث.
فعلى هذا: هل هي بيع دين بدين، أو عين بعين، أو عين بدين؟ فيها ثلاثة أوجه مجموعة من نقل الماوردي والرافعي عن القاضي أبي حامد.
والقائل بأنها بيع عين بعين، نزَّل استحقاق الدين على الشخص منزلة استحقاق منفعة تتعلق بعينه؛ كالمنافع في إجارات الأعيان.
والأول هو المشهور من كلام الأئمة.
ومنهم من قال: ليست بيعاً، بل هي عقد إرفاق نازلة منزلة قبض الحق من المحيل ودفعه إلى المحال عليه قرضاً؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ندب إليها بقوله: "فَلْيَحْتَلْ"، ولأنها لا تصح بلفظ البيع، ولا بغير جنس الحق، ولا يثبت للمحتال الرجوع على المحيل عند تعذر [قبض] الحق من المحال عليه، [و] يجوز التصرف فيها قبل القبض في الربويات.
ولو كانت بيعاً [لما] ثبتت هذه الأحكام.
وقد حكى البغوي [القولين] من تخريج ابن سريج.
وكذلك القاضي الحسين في "تعليقه"، ثم قال: والأولى أن يلفّق بين المعنيين، ويجمع بينهما، ويقال: الحوالة معاوضة تضمنت استيفاء، أو استيفاء بطريق المعاوضة، [كما لو أخذ عوضاً عن ماله في ذمته، يكون معاوضة تتضمن استيفاء، أو استيفاء بطريق المعاوضة].
ويقرب من هذا ما ذهب إليه الغزالي وإمامه وشيخ إمامه، وهو أنها مشتركة بين المعاوضة والاستيفاء، وإنما يقع النظر في تغليب أيهما؛ ولهذا الاختلاف أثر يظهر في الباب – إن شاء الله تعالى.
قال: لا تصح الحوالة إلا برضا المحيل والمحتال.
أما رضا المحيل؛ [فلأن الحق في ذمته مرسل؛ فلا يتعين عليه قضاؤه من محل معين، كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
وأما رضا المحتال: فلأن حقه تعلق بذمة المحيل]؛ فلا يملك نقله إلى ذمة غيره [إلا برضاه،] كما لو تعلق حقه بعين وأراد نقله إلى عين مثلها، مع أن الذمم [غير] متساوية.
وقد خالف أبو ثور في هذا – على ما حكاه الماوردي –وقال: إذا أحيل على مليء وجب القبول؛ لظاهر الخبر.
وتمسك أصحابنا في الرد عليه بقوله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ يَداً وَمقَالاً"، فكان عاماً، وبأن الحقوق التي في الذمم قد تنقل تارة إلى الذمة بالحوالة، وتارة إلى عين بالمعاوضة؛ فلما ثبت أن نقله إلى عين لا يلزم إلا بالرضا، فنقله إلى الذمة أولى؛ لأن بنقله إلى عين أخرى يصل إلى حقه، وبنقله إلى ذمة أخرى لا يصل إليه.
وقالوا: الخبر محمول على الاستحباب؛ لما فيه من الإعانة على قضاء الحق.
وهذا قول القاضي أبي الطيب، وبه جزم الرافعي.
وفي "الحاوي": أنه محمول على الإباحة؛ لأنه وارد بعد حظر، وهو نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين.
واعلم أن بعض الشارحين حكى وجهاً: أن الحوالة تصح بدون رضا المحيل، وصور محله بما [إذا قال: أحلتك على نفسي بالدين الذي لك على فلان، فيقول المحتال: قبلت، وأن هذا يتجه] إذا لم يكن على حق المحيل، وصرح بعضهم بأن ذلك تفرعي على جواز الحوالة، [على من لا دين عليه.
وما قال فيه نظر؛ لأنها في هذه الحالة ما صحت إلا بمحيل، وهو القائل: أحلتك]؛ [بدليل أن المحتال لابد أن يقول: قبلت، كما قال، وقابلٌ بلا موجب محالٌ، ولا يقال: إن ذلك ليس محالاً]؛ بدليل أن الأب إذا باع مال ولده من نفسه اكتفينا بمجرد الإتيان بأحد شقي العقد على رأي؛ لأنا نقول: ذلك مصور – على ما حكاه الإمام في باب الهبة- بما إذا أتى بلفظ يستقل الابتداء به [مثل أن] يقول: اشتريت أو اتهبت، أما قوله: قبلت البيع أو الهبة، فلا يمكن الاقتصار عليه [بحال].
نعم، في هذه الصورة اتحد المحيل والمحال عليه، ولا بعد في اتحاد العاقد والمعقود عليه؛ ألا ترى أن السيد إذا وكل عبده في بيع نفسه صح؟! ثم على تسليم القول بصحة هذا العقد، وأنه لا محيل فيه؛ بناء على أن المراد بالمحيل:
من يكون عليه الدين - كما صرح به الماوردي وغيره - فهو ليس بحوالة، وإنما هو ضمان كما ستعرفه من بعد.
قال: ولا تفتقر إلى رضا المحال عليه على المنصوص، [أي: في "المختصر"؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ"، ولم يعتبر فيه رضا المحال عليه.
ولأنها تصرف في مملوك؛ فلا يعتبر فيه رضا المملوك [عليه] كالتصرف في رق العبد [بالبيع وغيره].
وقولنا: "في مملوك" احترزنا به عن النكاح؛ فإنا نعتبر فيه رضا المنكوحة [في حاله]؛ [لأنها ليست] بمملوك للزوج، ولأن مالك الدين مخير في استيفائه بنفسه، وبغيره بالوكيل؛ فكذلك بالمحتال.
وقد صار إلى هذا أبو العباس بن سريج، وأبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة.
ومقابله: أنه لابد من رضاه، وقد رواه أبو العباس بن القاص عن نص الشافعي في "الإملاء"، وبه قال المزني وأبو عبد الله الزبيري، وأبو سعيد الإصطخري وابن الوكيل؛ مستدلين بأن من كان وجوده شرطاً في الحوالة كان رضاه شرطاً فيها، كرضا المحيل والمحتال.
وبأن الدين يتعلق بالذمة أصلاً، وبالرهن فرعاً؛ فلما لم يكن لصاحب الدين أن يولي الرهن إلى غيره، فأولى ألا يكون له أن يولي الدين إلى غيره.
والقائلون بالأول حملوا نصه في "الإملاء" على ما إذا لم يكن على المحال عليه دين كما سنذكره.
وأجابوا عن القياس على المحيل والمحتال: بأنهما كالمتبايعين، بخلاف المحال عليه؛ فإنه كالعبد المبيع.
وعن الرهن: بأن المرتهن ليس مالكاً للرهن؛ فلذلك لم يكن له نقله، بخلاف الدين.
[وقد] بنى صاحب "التهذيب" هذا الخلاف على الخلاف السابق في أن الحوالة معاوضة أو استياء؟ [فإن قلنا بأنها معاوضة، لم يفتقر إلى رضاه، وهو الأصح، وإن قلنا: إنها استيفاء،] فلابد من رضاه؛ لأنه لا يمكن إقراضه إلا برضاه.
واعلم أن عدول الشيخ وغيره من المصنفين عن لفظ الإيجاب والقبول إلى اعتبار الرضا المستلزم للإيجاب والقبول؛ لعدم الاطلاع عليه؛ لأنه الأصل المعتبر في العقود، ولا يقال لمن اعتبر الأصل: لم اعتبرته؟ نعم، يقال ذلك لمن اعتبر الفرع وعدل عن الأصل.
ثم كيفية الإيجاب والقبول الذي استلزمه الرضا: أن يقول المحيل: أحلتك على فلان، فيقول: قبلت، كما هو المفهوم من إطلاق الشيخ الحوالة.
ويقوم مقام ذلك – كما حكاه ابن أبي الدم [الحموي] في "أدب القضاء" – قول المحيل: نقلت حقك الذي في ذمتي إلى ذمة فلان، أو: جعلت ما استحقه على فلان لك بما لك [علي]، أو: ملكتك ما في ذمة فلان بما لك في ذمتي.
وهل تنعقد بلفظ البيع؟ قال: إن فيه خلافاً مشهوراً.
وفي "الجيلي": أن أبا الفياض حكى عن الشافعي أنه قال: لابد مع الإيجاب من أن يقول المحتال: قبلت الحوالة، وأبرأتك عن حقي.
وقد حكيت قريباً منه في أول كتاب البيع، ويجري الخلاف المذكور في انعقاد البيع بالاستيجاب والإيجاب هاهنا.
وفي "الرافعي": في "الجرجانيات" لأبي العباس الروياني طريقة أخرى قاطعة بالانعقاد؛ لأن الحوالة أجيزت رفقاً بالناس؛ فيتسامح فيها بما لا يتسامح في غيرها.
قال: ولا تصح الحوالة إلا بدين مستقر [وعلى دين مستقر]؛ لأن الحوالة إما بيع [دين] كما هو الصحيح، وبيع الدين لا يصح ما لم يكن بهذه المثابة، وإما استيفاء، واستيفاء ما هو متعرض للسقوط لا يحصل به الغرض.
قال: فأما ما ليس بمستقر كمال الكتابة، ودين السلم، فلا تصح الحوالة به ولا عليه؛ لما ذكرناه.
وقد روي عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفْه إِلَى غَيْرِهِ".
وهذا ما جزم به العراقيون في المسلم فيه، وذهب إليه القاضي أبو حامد في مال الكتابة، ولم يحك في "التهذيب" سواه، ووراءه في كل من الصورتين وجهان:
أحدهما: تجوز الحوالة بهما وعليهما، وهو في مسألة المسلم فيه منسوب إلى أبي حص بن الوكيل، وفي مسألة مال الكتابة منسوب إلى ابن سريج كما حكاه الإمام.
وحكى غيره أن الحليمي قال به في الحوالة عليه، ويجيء من طريق الأولى تجويز الحوالة به.
وقد بناه الرافعي والماوردي في مسألة المسلم فيه على أنها استيفاء لا معاوضة، ويشبه أن يبني في مسألة [مال] الكتابة عليه أيضاً.
والثاني: تجوز الحوالة بهما ولا تجوز الحوالة عليهما، وبه جزم ابن الصباغ، والأكثرون في مسألة الكتابة؛ لأن للمكاتب أن يقضي حق سيده باختياره، بخلاف حوالة السيد عليه به؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب القضاء عليه بغير اختياره.
[قلت: ولمن قال بمنع الحوالة به أن يقول: شرط الحوالة: أن يكون ما على المحيل مثل ما على المحال عليه صفةً وقَدْراً؛ حتى لا يستفيد المحتال بالحوالة شيئاً لم يكن له، وفي هذه الحوالة [ليس] الأمر كذلك؛ لأن السيد لو صحت حوالة المكاتب له؛ لاستفاد بها لزوم دينه على المحال عليه، وقد كان على المكاتب غير لازم؛ فامتنعت الحوالة لهذا المعنى.
ولهذا المعنى منع ابن سريج الحوالة بدين [لازم] لا ضامن به على دين به ضامن؛ ليطالب به الضامن المضمون عنه، لكن في كلام أبي حامد ما يمنع - كما سيأتي - وحينئذ يبقى ما ذكره الجمهور خالياً عن الاعتراض.
وقد خص الجرجاني محل [هذا] الوجه بمابعد حلول مال الكتابة، وكذلك المحاملي دون ما قبله.
وعكس في "الوسيط" هذا الوجه في مسألة المسلم فيه فقال: لا تجوز الحوالة به، وتجوز عليه.
ثم صورة الحوالة بهما: [أن يحيل المكاتب أو المسلم إليه السيد أو المسلم بما له في ذمته على غيرهما.
والحوالة عليهما]: أن يحيل السيد أو المسلم على المكاتب أو المسلم إليه بما له في ذمته إنساناً.
واعلم أن المراد بالدين المستقر هاهنا: ما يجوز بيعه، لا ما أمنا انفساخ العقد فيه بتلفه، أو تلف مقابله كما ذكرناه في البيع.
ويدل على ذلك أمران:
أحدهما: أن ثمن المبيع الذي [لم] يقبض لا يؤمن انفساخ العقد فيه بتلف المبيع، ومع ذلك تجوز الحوالة به، كما استنبطه الرافعي من اختلاف الأصحاب في محل القولين [الآتيين]، فيما إذا أحال المشتري البائعً بالثمن على رجل، ثم رده بالعيب: هل هو فيما إذا كانت الحوالة بعد قبض المبيع، أما إذا كانت قبله فتنفسخ وجهاً واحداً، أو محلهما قبل القبض وبعده على حد سواء؟
والثاني: أن الزوجة يحص منها أن تحيل بالصداق قبل الدخول مع أنه غير مستقر بالمعنى الذي أردناه، وذلك يدل على ما ذكرناه؛ [و] لأجل ذلك جاءنا وجه في صحة الحوالة بنجوم الكتابة، كما قيل به في جواز بيعها.
وفي "شرح الفروع" للقاضي أبي الطيب – أو لغيره – إشارة إلى منع الحوالة في مسألة الصداق؛ فإنه قال –فيما إذا أحالت الزوجة بالصداق قبل الدخول -: ظاهر المذهب: ملكها للتصرفات قبل القبض من البيع، والهبة، والعتق؛ فكذا الحوالة.