كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ثم على هذا القول أن البائع لو طلب بيع المخلوط وقسمته، هل يجبر عليه المفلس؟ فيه وجهان.
ويظهر جريانهما هاهنا.
قال: وإن خلط الزيت بالشَّيْرج – أي بفتح الراء –وتراضيا على الدَّفع منه- جاز؛ لأن الحق لهما ولا يعدوهما.
قال: فإن امتنع أحدهما لم يجبر الممتنع؛ لأنه لا يُلزم الغاصب ببدل ما لا يجب عليه، ولا المغصوب منه بقبول ما لم يجب له، فعلى هذا يكون كالمستهلك.
قال البندنيجي وجهاً واحداً: فيغرم للغاصب مثل الذي غصبه منه.
وقيل يجريان القول الخرج [هاهنا] أيضاً وهو ما اختاره المتولي، وقال: إن تراضيا على بيع المخلوط وقسمة الثمن – جاز، [وإن أرادا قسمته جاز] وكان المغصوب منه باع ما يصير في يد الغاصب من المغصوب بما يصير في يده من مال الغاصبن وغير المتولي اقتصر على حاكية بيع المخلوط وقسمة ثمنه على قدر القيمتين.
وحكى الماوردي فيما إذا طلبا القسمة على نسبة القيمتين وجهينن ينبنيان على أن القسمة بيع، أو إفراز، فعلى الأول لا يجوز، وفيه نظر.
فروع:
خلط الخل بالخل، اللبن باللبن، كخلط الزيت بالزيت، وخلط الدقيق بالدقيق، كخلط الحنطة بالحنطة إن قلنا: [إن] الدقيق مثلي كما صار إليه ابن سريج، وإن قلنا: إنه متقوم كما صار إليه أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، فإن قلنا: إن المخلوط كالهالك، فالواجب القيمة، وإن قلنا بالشركة، فيباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر القيمتين، فإن أراد قسمة عَين الدقيق على نسبة القيمتين، فهو على ما ذكرناه في قسمة الزيت إن جعلناها إفرازاً جاز، وإن جعلناها بيعاً لم يجز؛
لأن بيع الدقيق بالدقيق لا يجوز، بخلاف بيع الزيت بالزيت، الحنطة بالحنطة.
ولت السَّويق بالشيرج، حكى البندنيجي والإمام عن الأصحاب إلحاقه بخلط الزيت بالشيرج، واستبعده، قال: إنما هو كصبغ الثوب، ولو كان المغصوب دراهم فخلطها بمثلها ولم تتميز جزم ابن الصباغ بالشركة.
وحكى صاحب البحر فيما إذا خلطها بدراهم لغيره وجهين:
أحدهما: تقسم بينهما.
والثاني: - هما باخليار بين القسمة والمطالبة بالمثل، كما لو كانا مختلفين.
قال: وإن أحدث فيه عيناً بأن كان ثوباً فصبغه، فإن لم تزد يمتهما ولم تنص؛ أي: مثل إن كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة اصبغ خمسة فبلغت قيمته مصبوغاً خمسة عشر.
قال: صار الغاصب شريكاً له بقدر الصبغ، أي: هذا بثوبه، وهذا بصبغه كما نبه عليه البندنيجي والروياني فيباع ذلك، ويقسم الثمن عليهما بالنسبة لتعين ذلك طريقاً لدفع الضرر عنهما، فإن الصبغ عين انضمت إلى عين الثوب؛ فلا يمكن تقويتها عليه، كما لو غصب طعاماً فخلطه بطعام آخر، فلو امتنع الغاصب من البيع عند طلب المالك.
جزم القاضي الحسين والإمام بعدم إجبار واحد منهما على البيع عند [عدم] إمكان فصل الصبغ؛ لكونه منعقداً.
وفي المهذب وغيره، أنه يجبر عليه، وكذا لو امتنع المالك عند طلب الغاصب على أحد الوجهين، وهو المختار في المرشد، ومقابله هو الأظهر في الرافعي، وخص الماوردي وجه الإجبار، بما إذا لم يبذل المالك قيمة الصبغ، أما إذا بذلها فلا يجبر [وجهاً] واحداً.
وحكى القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وجهاً، أن مالك الثوب إذا بذل قيمة الصبغ؛ ليتملكه أجبر الغاصب على قبولها، كما قلنا في المستعير مع المعير، وهذا ما حكاه البندنيجي عن القديم.
قال الرافعي: ولا فرق في جريان هذا الوجه بين ان يكون الصبغ مما يمكن فصله أم لا.
وحكى البندنيجي قولاً آخر عن القديم، أن [مالك الثوب] إذا أراد أخذه مصبوغاً من غير أن يضمن للغاصب قيمة الصبغ؛ كان له، كما لو كان الثوب خاماً فقصره.
قال ابن الصباغ: وهذا مرجوع عنه.
وحكى الإمام عن رواية صاحب التقريب هذا القول في [حال] إمكان فصل الصبغ، وعدم إمكانه، لكنه قيد حالة إمكان الفصل بأن يكون المفصول لا قيم ةله، ثم قال: وهذا الذي ذكره في الصبغ الذي [يمكن] إزالته في نهاية البعد، إنه إن تخيل متخيل مشابهة الصبغ المعقود [فهو] [مما] مكن فصله بعيد.
قال: فإن أراد الغاصب قلع الصبغ، لم يمنع؛ لأنه عين ماله فمكن من أخذه، كما لو غرس في أرض مغصوبة، ثم [رام] قلع غراسه.
وقيل: إن نقص القلع قيمة الثوب لم يمكَّن منه، وإن كان يضمن النقص؛ لأن فيه تسيط عرف ظالم على تنقيص ملك الغير.
قال: وإن أراد صاحب الثوب قلع الصبغ، وامتنع الغاصب؛ أجبر عليه، كما يجبر على قلع النخل إذا غرسها متعدياً في الأرض المغصوبة؛ وهذا قول أبي إسحاق، وابن خيران وصححه البغوي، والماوردي قال: وقيل: لا يجبر، وهو الأصح؛ لأن الصبغ يهلك بالاستخراج ولا حاجة به إلى ذلك؛ لأنه يمكنه أن يستوي حقه بالبيع، فلا يجوز أن [يستوفي بتلف] مال الغير، ويخالف الغراس؛ لأنه لا يتلف بالقلع، وأيضاً فالأرض تعود إلى حالها، والثوب لا يعود، وضرر الغراس لم يستقر؛ لأنه يزيد، وضرر الصبغ مستقر، [وهذا]
[هو] قول أبي العباس، وعامة الأصحاب، كما حكاه القاضي الحسينن ومحل الخلاف عند الماوردي، إذا كان الصبغ قد أحدث زيادة تفوت [باستخراجه الصبغ منه].
[أما إذا لم يكن الصبغ قد أحدث زيادة تفوت بالاستخراج؛ أجبر على استخراجه ونقص الثوب بعده].
وحكى مجلي عن العراقيين، أن محله إذا نقصت قيمة الصبغ بالقلع، أما إذا لم تنقص أجبر قولاً واحداً، كما جزم به [المراوزة في الحالتين].
وحكى عن ابن سريج – أيضاً – أن فصل الصبغ إن كان بصنعة، أو لا [تفي قيمته] بما يحدث في الثوب من [نقصان بسبب الفصل] فلا يجبر عليه.
فرع: إذا نقصت قيمة الثوب في حال الصبغ بالقلع، كان ذلك على الغاصب، ولو كان الثوب قيمته عشرة، واصبغ قيمته خمسة، فصارت قيمتهما بعد الصبغ ثلاثين، فأجبر الغاصب على قلع الصبغ، فعادت قيمة الثوب إلى عشرة، لا يضمن الغاصب لصاحب الثوب العشرة التي كانت يستحقها، بخلاف ما لو فصله الغاصب مختاراً، فإنه يضمنها، قاله الماوردي، ومجلِّي.
قال: فإن وهب الصبغ من صاحب الثوب، فقد قيل: يجبر على قبوله؛ لأنه غير متميز عن الثوب، فأجبر على قبوله كما يجبر الزوج على قبول سِمَن الجارية المصدقة إذا طلق قبل الدخول عند مسامحة الزوجة به، وبالقياس على إجبار البائع على قبول النعل إذا وجد المشتري بالدابة عيباً، وكان قلعه ينقصها إذا بدله المشتري.
قال الرافعي: ولو ألحق هذا الوجه بما إذا صبغ المشتري الثوب بما زاد في قيمته، ثم اطلع علىعيبه فرده مسامحاً بالصبغ؛ لكان أقرب لما مرَّ من أن الصبغ يصير ملكاً للبائع وأما في مسألة النعل [فإنه يجبر على قبول الدابة، وفي دخول
النعل] في ملكه اختلاف مذكور في موضعه.
قلت: بل الأقرب ما ذكرناه؛ لأن مسألة الصبغ التي ذكرها في الرد بالعيب مصورة بما إذا كان الصبغ لا يمكن فصله، والكلام هاهنا في صبغ يمكن فصله أو لا يمكن كما سنذكره، فكان القياسعلى مسألة النعل أولى؛ لأنه عند إمكان الفصل مشابه له، وعند عدم الإمكان، يثبت هذا الحكم من طريق الأولى، بخلاف ما لو ألحق بالصبغ فإن حالة إمكان انفصال الصبغ هاهنا لا يبقى على الإجبار فيها دليل، وهذا الوجه حكى البندنيجي أنه ظاهر قوله في الأم، حيث قال: لو غصب ساجة وشقَّقها وأصلحها أبواباً، وسمر فيها مسامير من عنده، ثم رد الأبواب على مالكها، ووهب له [ما] فيها من المسامير؛ لزمه قبوله.
قال: وقيل: لا يجبر، وهو الأصح؛ لأنه عين قابلة الانفصال، فأشبه ما لو كانت منفرد، [و] كما قلنا في النعل إذا تركها له، فإنه لا يجبر على قبولها، كذا علل به القاضي أبو الطيبن ويخالف مسألة النعل؛ لأن الغاصب متعد، والمشتري غير متعد، ومما قاله القاضي يظهر أن محل الخلاف فيما إذا كان يمكن انفصاله، كما صرح به الماوردي و [كذلك طرده الروياني] في البحر في هبة المسامير، في الباب الذي اتخذه من اللوح المغصوب، وفي هبة الغراس في الأرض المغصوبة ووافقه في حكاية الخلاف في هبة الأشجار القاضي الحسين، وفي النهاية أن العراقيين قالوا: لا فرق في جريان الوجهين بين أن يكون الصبغ منعقداً لا يمكن فصله أو يمكن فصله، ولا بين أن تنقص قيمة الصبغ، أو الثوب بالفصل [أم لا]، وإن [كان] معتمد جريانهما الاتصال، وقيام الصبغ مقام الصنعة، وضعف قولهم.
وحكى طريقين آخرين عن الأصحاب في محل الوجهين يخصهما:
أحدهما: إن كان الفصل سهلاً، وللمنفصل قيمة معتبرة، أو الصبغ منعقداً، فلا إجبار، وإن كان للفصل تعسر؛ بحيث لا تفي فائدة الفصل باحتماله، أو كان ينقص قيمة المفصول أو الثوب، فهو محل الوجهين.
والثاني: إن كان يحصل منه نقص في الثوب، لا يجبره قيمة المفصول فهو محلهما، وفيما عداه لا يجبر.
فرع: إذا قلنا بالإجبار، فلا حاجة إلى تلفظ بالقبول، ولابد من جهة الغاصب من لفظ يشعر بقطع الحق؛ كقوله: أعرضت عنه، أو تركته، أو أبرأته عن حقي، أو أسقتطه، كماحكاه الإمام ثم قال: ويجوز أن يعتبر اللفظ المشعر بالتمليك.
قال: وإن زادت قيمة الثوب والصبغ، أي بسبب ارتاع سوقهما، أو بسبب العمل، كما صرح به البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وغيرهما.
قال: [كانت الزيادة بينهما]، أما في الحالة الولى؛ فلأنها زيادة في مال مشترك بينهما، وأما في [الحالة] الثانية؛ فلأنها بفعل الغاصب في ماله، ومال المغصوب منه [حصلت، وكانت زيادة ماله له، وزيادة مال المغصوب منه] له؛ لتعدي الغاصب بالعمل فيه، والزيادة مقسومة على نسبة قيمة الثوب، والصبغ في الحالة الثانية، فيصرف لصاحب الثوب في مثالنا ثلثاها، وللغاصب ثلثها، وكذا في الحالة الأولى، إن كان ارتفاع السوق فيهما على نسبة قيمتهما بأن بلغت قيمة الثوب خمسة عشر وقيمة الصبغ سبعة ونصفاً، اما إذا بلغت قيمة الصبغ في مثالنا عشرة؛ كانت الزيادة بينهما نصين، [ولو كانت الزيادة بسبب [ارتفاع سعر الياب] خاصة كانت الزيادة للمغصوب منه] وإن كانت بسبب زيادة سعر الصبغ خاصة [كانت] [للغاصب] كذا صرح به القاضي أبو الطيب،
والبندنيجي، وابن الصباغ، وقال: إن أحدهما لو زاد في هاتين الصورتين بيع ملكه على الخصوص.
قال بعض الأصحاب: ينبني على بيع قطعه من أرض لا ممر لها؛ إذ لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر، وهذا عين ما حكاه الإمام، لكنه لم يفرضه في محل الزيادة، بل حكاه في أصل المسألة,
قال الرافعي: والأظهر منهما المنع.
[قال: فإن أراد صاحب الصبغ قلعه لم يجز حتى يضمن لصاحب الثوب ما ينقص من الزيادة؛ لأنه يفوت على صاحب الثوب الزيادة الحاصلة بخلاف ما ذكرناه من قبل؛ حيث لا يمنع إذا لم يكن فيه زيادة فيحصل الفرق بينهما].
قال: وإن نقصت قيمة الثوب أي [بصبغه] مثل أن صارت اثني عشر حسب النقصان على صاحب الصبغ؛ لان جرم الثوب [باق حقيقة] وجرم الصبغ يحتمل أن يكون قد نقص بتبدده، وتفرق أجزائه، ويحتمل أن يكون لأجل اتصال أحدهما بالآخر، وهو من فعل الغاصب فحسب النقص عليه، ولو عادت قيمة الثوب، والحالة هذه إلى عشرة، فلا شيء للغاصب، وليس له الإجبار على البيع، ولا هبة الصبغ؛ لأنه مستهلك، ولو أراد قلع الصبغ كان
له، أرش النقص.
وقال المزني: لا يقلع؛ [لأنه] لا فائدة في القلع.
قال أبو إسحاق: وهذا خطأ؛ لأنه عين ماله، ومن له عين مال، فله أخذه، انتفع به، أو لم ينتفع به؛ ولأنه ربما ينتفع [به] في ثوب آخر، ولو حصل النقص بسبب سعر الثوب؛ مثل أن عادت قيمته غير مصبوغ خمسة، وقيمته مصبوغاً عشرة، فلا يلزم الغاصب في هذه الحالة شيء، كما صرح به [القاضي] أبو الطيب، وابن الصباغ والإمام، والمتولي، وهذا كله، إذا كان الصبغ [للغاصب، أما إذا كان لصاحب الثوب؛ فإن قيمتهما بعد] الصبغ كما قبله؛ فلا شيء عليه، وإن نقصت.
قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ وغيرهما: فالنقص على الغاصب، إلا أن يعلم أن النقصان [لنقصان سعر الثياب أو الصبغ]؛ فإنه لا يضمن؛ لأن نقصان السعر لا يضمنه الغاصب، مع رد العين، وما قالوه ظاهر فيما إذا كان الصبغ مما يكن فصله [وكذا إذا لم يمكن صله] وكان سبب النقص نقصان سعر الثياب، أما إذا كان سببه نقصان سعر الصبغ، فينبغي أن يضمن؛ لأن الصبغ صار كالمستهلك، كما ستقف عليه فيما يحكيه في الفروع من بعد عن الماوردي.
وإذا كان كذلك، فيضمن قيمته أكثر ما كانت من [حين الغصب إلى] حين الصبغ كما حكاه الماوردي، فيما لو كان الصبغ زعفراناً، بخلاف ما إذا كان النقص بسبب سعر الثوب؛ لأن الثوب غير مستهلك، ولو زادت قيمتهما فالكل له، وهل للمالك أن يطالبه باستخراج الصبغ؟
قال الرافعي، والإمام: نعم.
وقال الماوردي: ينظر إن كان له في ذلك غرض؛ مثل أن يحتاج إلى الصبغ، أو إلى الثوب أبيض، أو يكون بعد استخراجه أكثر قيمة، أو في
الاستخراج مؤنة يذهب بها شطر قيمته، فله المطالبة، وإن لم يكن له [فيه] غرض؛ نظر، فإن لم يستضر الغاصب بنقص [يضمنه في الثوب أخذ باستخراجه، وإن كان يستضر بنقص] يحدث فيه فهل يؤخذ باستخراجه، أم لا فيه وجهان كالشجر في الأرض:
أحدهما: نعم، فعلى هذا يضمن ما نقص من القيمة، ولا يضمن زيادة إن كانت قد حدثت بالصبغ، ولو طالبه بغرم النقص من غير استخراج أجيب إليه، ولو كان الصبغ لثالث، فإن كانت قيمتهما بحالهما فهما شريكان، ولا شيء على الغاصب، ويكون الحكم كما لو كان الصبغ للغاصب.
قال في المرشد: إلا أنه إذا أراد صاحب الصبغ قلعه، فقلعه، ونقصت قيمة الثوب، كان النقصان على الغاصب.
وقال الماوردي: إذا كان قيمة [الصبغ، والثوب عند الصبغ وبعده متساوية، وبذل رب الثوب لرب الصبغ قيمته] أجبر على قبولها؛ لأنه لا يقدر علىعين ماله؛ [لأه صار] مستهلكاص في الثوب، وإن رب الصبغ لو بذل قيمة الثوب قيل له: أنت مخيربين أخذها، وبين بذلقيمة الصبغ، ولو زادت قيمتهما كانت الزيادة بينهما، وإن نقصت القيمة، فإن كان لنقصان سعر الثياب؛ كان من صاحب الثوب وإن كان [لنقصان قيمة الصبغ كان النقصان محسوباً على صاحبه، ويرجع به على الغاصب وكذا لو] كان النقصان للعمل، صرح به في المرشد، وفيما قاله نظرٌ من وجهين:
أحدهما: -[أنه حكي] أن النقص بسبب نقص [سعر الصبغ] من ضمان الغاصب، وهو مخالف لما حكاه فيما إذا كان الصبغ لصاحب الثوب، ونقصت قيمته؛ بسبب نقصان قيمة الصبغ، أنه لا يضمن، ولا يظهر بينهما فرق.
الثاني: أن قوله: وكذا، لو كان النقصان للعمل؛ فإن النقصان بسبب العمل تارة يستوعب قيمة الصبغ، وتارة لا يستوعبها، وهو فيما إذا لم يستوعبها، [كما] إذا صارت قيمة الثوب بعد الصبغ اثني عشر – ظاهر؛ لأن أجزاء الصبغ قد تفرقت فأضيف النقص إلى ذلك، على أن الماوردي، والبغوي حكيا فيما إذا كانت قيمة الثوب عشرة، وقيمة الصبغ عشرة، وصارت قيمتهما بعد الصبغ خمسة عشر، [أن كلاًّ] منهما يرجع على الغاصب بدرهمين ونصف هي نقص ما غصب له، أما إذا استوعب النقص قيمة الصبغ بأن كان الثوب مصبوغاً يساوي عشرة؛ فلا [يظهر] لكون جرم الصبغ باقياً، فكيف يسقط حق مالكه من التعلق به، ويخالف [ما] إذا كان الصبغ للغاصب فإنه في هذه الحالة يجعل جابراً لما نقص من مالية الثوب على أن هذا يوجد جوابه من كلام الإمام، فإنه جزم بأن الريح لو طيرت ثوباً إلى إجانة صباغ، فانصبغ بصبغ قيمته خمسة، ولم تزد قيمة اثلوب بسببه شيئاً، وكان الصبغ معقوداً لا يمكن فصله، أن حق مالك الصبغ قد حبط، ومن تعجب من ذلك، فلينظر إلى مسألة المفلس وهي ما إذا اشترى ثوباً بعشرة، وصبغه بصبغ قيمته عشرة، فإذاً قيمته مصبوغاً عشرة، وقد قال [بعض] الأصحاب: إن صابغ الثوب يرجع فيه، ويستبد به، وإن كان [فيه] عين الصبغ، وحيث تكلمنا في مسألة طيران الثوب إلى الإجانة [فلنكملها.
قال الرافعي: [ليس] لأحدهما عند بقاء قيمة الثوب] والصبغ أن يكلف الآخر الفصل ولا التغريم [إن حصل نقص [في أحدهما]] إذ لا
تعدي، ولو أراد صابح الثوب تملك الصبغ بالقيمة؛ فعلى ما تقدم.
فروع:
لو غصب [منه] سمناً، وعسلاً، ودقيقاً فعصده، قال البندنيجي: إن لم تزد قيمة ذلك، ولم تنص، أو زادت فالكل للمالك، وإن كان قد نقص واستقر، أخذه وما نقص بالخلط وإن كان غير مستقر، فالحك ما في الحنطة إذا بلها.
لو كان الصبغ بإذن المالك، وقد حصل به نقص فلا ضمان على الغاصب، فلو أذن له ثم قال: رجعت في الإذن قبل الصبغ وقال الغاصب: بل كنت باقياً على الإذن إلى حين الصبغ، فمن يقبل قوله منهما؟
فيه وجهان في الحاوي، ولو اختلفا في أن [المصبوغ به] للغاصب أو للمغصوب منه.
قال الماوردي: [نظر] إن كان مما يمكن فصله، فالقول قول الغاصب [مع يمينه]، وإن كان مما لا يمكن فصله، فالقول قول المغصوب منه [مع يمينه]؛ لأنه [قد] صار مستهلكاً في الثوب، فجرى مجرى أجزائه.
وإذا زوق الدار المغصوبة بما لو نزع لحصل منه شيء؛ فالحكم في جواز النزع، والإجبار عليه وعلى قبول هبته كما ذكرناه في الصبغ الممكن فصله.
وإن كان التزويق محض تمويه [و] لا يحصل منه عين لو نزع، فليس للغاصب المنع إن رضي المالك، وهل له إجباره عليه؟ فيه وجهان:
أصحهما في التهذيب: لا، [وهو الصحيح، والآخر: نعم؛ لأنه قد يريد تغريمه أرش النقص الحاصل بإزالته].
قال: وإن عمل فيه عملاً زادت [به] قيمته، بأن قَصَّر الثوب، أو علم من الخشب أبواباً، فهو متبرع بعمله: لأنه لم يأذن له فيه، ولا حق له فيما زاد، لكنه حصل بما هو متبرع به، وهكذا الحكم فيما لو غصب غزلاً، فنسجه، أو نُقرة فضربها، أو طيناً فضربه لبناً، وهل للمالك إجباره على إعادة النقرة كام كانت بسبكها، واللبن طيناً بدقه؟
قال الإمام: الذي قطع به الأئمة، [أن له] [أن يكلفه] ذلك، والنظر إلى تتبع الأغراض، فإنها على الجملة ممكنة، وهذا مقطوع به في الطرق.
قال: وفيه تنبيه على أصل، وهو أن من غصب شيئاً على صفة، وغير صفته فهو على حكم هذه القاعدة ماطلب بر صفته إذا أمكن.
قلت: وهو موافق لما حكيته عنه فيما إذا [كان الصبغ لمالك الثوب] أن له إجباره على فصله مطلقاً، وقد يجري – هاهنا – ما حكيته عن الماوردي من التفصيل، والخلاف في مسألة الصبغ، ويؤيد القول بعدم الإجبار على النزع ما ذكرته عن صاحب التهذيب في آخر الفروع المذكورة من قبل.
قال: وإن غصب دراهم، فاشترى [بها] سِلعة في ذمته، ونَقَد الدَّراهم في ثمنها، وربح – رد مثل الدراهم؛ لأنها من ذوات الأمثال، وقد تعذر ردها، فغرم مثلها.
قال: وفيه قول آخر، أنه يلزمه ردها مع الربح؛ لأنه مما ملكه [و] في ذلك حسم باب ارتفاق الغاصب بالمغصوب؛ فإنه ربما يتخذ ذلك ذريعة إلى تحصيل الرباح، وهذا ما علل به الشافعي هذا القول في القديم كما حكاه القاضي أبو الطيب، في كتاب القراض، وحكى أن شيوخنا الخراسانيين مثل القفال، وغيره، بنوه على أن البيع الموقوف يصح عنده، فإن له في البيع الموقوف
قولين، وإن أبا العباس وأبا إسحاق أنكرا أن يكون له قول بوقف العقود، وأنهما أبَّدا الول بأنه لم يفصل بين أن يكون التصرف في العين، أو في الذمة، وإنما يتصور الوقف، إذا كان التصرف بعين المال.
وفي البحر في كتاب القراض: أن بعض أصحابنا قال: إن للشافعي في الجديد قولاً بوقف العقود وسنعيده في كتاب القراض.
قال: والأول أصح، فإن المشترَى مضمون على الغاصب؛ لكونه لو تلف تلف على ملكه، فلو كان الربح للمغصوب منه؛ لكان مخالفاً "لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضن"، وهذه المسألة تعرف بمسألة البضاعة.
تنبيهان:
كلام الشيخ يقتضي أن [يكون] الربح للمالك [على القديم] من غير تعلقه بإجازة العقد وهو موافق لما حكيناه من تعليل الشافعي، وقد حكاه الإمام عن معظم المحققين، لكنه علله بتعذر البيع وقال: [إن] في كلام القاضي إشارة إليه وهو بعيد، ومعظم أقوال الأصحاب مصرحة بأن المالك بالخيار في الإجازة، ومضمون هذا [أنه] لو لم يجز، انقلب التفريع إلى قياس القول الجديد،
ولو لم يظهر في المال ربح، [فلا مساغ] للقول القديم، وليس إلا اتباع القياس، اللهم إلا أن يكثر التصرفات ويعسر تتبعها بالنقض، فإن شيخي قال بجريانها، انتهى.
وكلام الشيخ يقتضي أن القول القديم [يجري عند] حصول الربح، وإن لم [تكن العقود] بحيث يعسر تتبعها بالنقض.
ومن طريق الأولى: إذا كثرت، وقد حكى الإمام عن بعضهم اختصاصه بما إذا كثرت وعسر التتبع، وكلام [الشيخ] يقتضي: أنه لا فرق في جريانه بين أن ينوي الغاصب عند الشراء أنه ينقد الدراهم في الثمن، أو يعِنّ له ذلك من بعد.
وقال الإمام فيما إذا عنَّ له الوفاء منه بعد الشراء: ينبغي أن يخرج من تفريع القديم إن صدقه صاحب الدراهم.
وإن لم يصدقه فالحكم كما ذكرنا.
فرع: لو اشترى الغاصببعين المال شيئاً وباع بيوعاً كثيرة، عسر تتبعها بالتقصي؛ فعلى الجديد – العقود باطلة.
وفي القديم كما حكاه البندنيجي، وغيره في الوكالة والإمام في القراض، أن رب المال بالخيار بين أن [يجيز البيع، فيكون كل الربح له، وبين أن يبطلها]، ويكون له بدل ماله، وإيراد الغزالي في أوائل البيوع يوهم أن الخلاف في هذه المسألة في الجديد، وهو ما صرح به الإمام في [آخر] كتاب الغصب.
قال: وإن غصب شيئا، وباعه، [أي وقبضه المشتري]؛ كان للمالك أن يضمن من شاء منهما؛ لثبوت يده على مال الغير من غير استحقاق.
قال: وإن علم المشتري بالغصب فضمنه لم يرجع على الغاصب، أي إذا غرم لأنه غاصب، تلف المال عنده، فاستقر عليه الضمان، كالغاصب من المالك، وله أن يرجع على الأول بالثمن، إن كان قد قبضه منه.
قال: فإن لم يعلم فما التزم ضمانه بالبيع، لم يرجع به [أي] على الغاصب، كقيمة العين، والأجزاء أي مثل أرش اليد إذا سقطت في يده، أو عن عيب حدث فيها عنده، وغرمه؛ لأنه دخل على ضمان ذلك [بالبدل]، فانتفى التغرير المقتضي وجوب الضمان.
وفي تعليق القاضي الحسين: أن هذا في أرش ما تلف بفعله، أما [أرش] ما تلف بآفة سماوية فقد قال الشافعي: يرجع به على البائع.
وقال المزني: هذا خلاف أصله؛ لأنه [قد] قال: لو تلفت الجملة فغرم قيمتها، لا يرجع، والأجزاء حكمها حكم العين.
وقال ابن سريج: إن قلنا: لا يرجع فالوجه ما ذكره المزني، أي فتوجيهه ما ذكره المزني، فإن قلنا: لا يرجع على ظاهر النص، فوجهه أن العاقد دخل في العقد على ان يضمن الجملة دون الأجزاء، يدل عليه أن المبيع إذا تعيب في يد المشتري، ثم اطلع البائع على عيب بالثمن، فليس له أن يسترد المبيع مع الأرش، فيرد الثمن، بل الذي له الفسخ والرجوع بالمبيع، بلا أرش، أو الرجوع بقيمته، فقد [ذكرت أنا] في باب التحالف شيئاً يتعلق بذلك، ونظائر المسألة؛ فليطلب منه.
فائدة: إذا قيل: إن كلام الشيخ يفهم أن المشتري التزم ضمان المبيع بالقيمة، فلذلك لم يرجع بها – فهو ممنوع؛ بل المشتري إنما دخل على أن يضمن المبيع بالثمن ينبغي إذا كان الثمن ألفاً، والقيمة ألفين، وغيرهما أن يرجع بالألف الزائد؛ لأنه لم يلتزمه.
قلت: قد حكى هذا صاحب رفع التمويه على التنبيه جزماً فقال: إنه يرجع على البائع بالقدر الزائد من القيمة عن الثمنن وحكاه [الإمام، عن] صاحب التقريب، وقال: إنه مما انفرد به من بين الأصحاب كافة، فإنهم اعتبروا مقابلة العين بالثمن، ولانظر إلى الثمن بل الواجب قيمة العين بالغة ما بلغت، [فإن علقة الضمان متعلقة بالعين]، وعلى هذا فيقال للسائل: ما ذكرته من [أن] كلام الشيخ يفهم ضمان القيمة ممنوع؛ لأن الملتزم ضمانه بالبيع، هو ما دخل على أن يملكه بعوض، كما صرح به البندنيجي وهو المبيع، هو ما دخل على أن يملكه بعوض، كما صرح به البندنيجي وهو المبيع، وأجزاؤه، وقول الشيخ: لم يرجع به لا يعود الضمير [في ذلك] إلى الملتزم ضمانه بالبيع؛ لأنه تالف بل يعود إلى المغروم عنه.
وقوله: كقيمة العين، والأجزاء تفسير للغمروم، وبذلك يندفع السؤال.
نعم: يتجه أن يقال في المسألة، إن قلنا: المشتري في البيع الفاسد يضن ضمان الغصوب، فلا يرجع بما غرمه من القيمة مهما كان، كما أطلقه الأصحاب.
وإن قلنا: إنه يضمن قيمة يوم القبض، أو يوم التلف وكان ما غرمه أكثر من [ذلك،] فيتجه أن يكون في رجوعه [به] قولان كما [قلنا] في المستعير من الغاصب، إذا تلفت العين في يده، وفرعنا على الصحيح في أنه يضمن قيمة يوم التلف، [وكان ما غرمه] أكثر منها فإن في رجوعه بالقدر الزائد قولين، [كما] حكاهما القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما.
والجديد منهما: عدم الرجوع.
والقديم: الرجوع.
وقد أغرب الماوردي، فحكى أنا إن قلنا في البيع الفاسد: لا يضمن إلا قيمة وقت القبض – أن ما يحدث من زيادة بعد القبض يختص الغاصب بتحملها، وكذا ما يحدث فيه من نقص، وعزا الأخير إلى رواية الربيع في الأم، ولعله أراد أن للمشتري الرجوع عليه بذلك، وإلا فالمودع من الغاصب يطالب بقيمة العين، وإن كان قد دخل على ألا يضمنها.
قال: وما لم يلتزم ضمانه، ولم يحصل له به منفعة، كقيمة الولد ونقصان الولادة، يرجع به على الغاصب؛ لأنه لم يرضَ به ولم يحصل له في مقابلته منفعة، فكان مغروراً بهن وما قاله الشيخ هو ما حكاه الإمام عن العراقيين، وحكى عن المراوزة القطع بأنه لا يرجع بنقصان الولادة، وفيما قاله مخالفة من وجهين:
أحدهما: أن القاضي الحسين من المراوزةن وقد قال بمثل ما حكاه الشيخ.
والثاني: أن أكابر العراقيين من القاضي أبي الطيب، والبندنيجي والماوردي، وصاحب البحر – قطعوا بعدم الرجوع بنقصان الولادة، لكن يمكن حمل ما قاله الشيخ، والقاضي على ما إذا سمنت في يد المشتري ثم زال السمن؛ بسبب الولادة كما صرح به صاحب رفع التمويه على التنبيه، وما قاله الماوردي وغيره، على ما إذا نقصت عن الحالة التي اشتراها.
وفي التتمة: أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني حكى طريقة [قاطعة] في شرح الفروع؛ أنه لا يرجع بقيمة الولد الحر؛ لأن نفع حرية الولد تعود إليه.
قال: وما حصل له به منفعة كالمهر، والأجرة، وأرش البكارة فقد قال في القديم: يرجع؛ لأنه دخل على أن ذلك لا يكون مضموناً عليه؛ كقيمة الولد، فكان غارًّا له فرجع عليه، وهذا ما قال في البحر: أن الفتوى به عندي.
قال: وقال في الجديد: لا يرجع؛ لأن الغاصب متسببن والمشتري مباشر، والضمان متعلق بالمباشر دون المتسبب؛ ولأنه [حصل] له في مقابلة منفعة؛
فضمن بدلها بخلاف الولد، فإنه لم يحصل له في مقابلة قيمته بدل، ولا لذة، والخلاف المذكور يجري فيما لو كان المغصوب شاة، فنتجت، أو شجرة، فأثمرت، فذبح السخلة، وأكل الثمرة، هل يرجع بما غرمه عنهما أم لا؟ وكذا [فيما] لو أكره امرأة على التمكين من الزنى، وأكره رجلاً على الزنا، وقلنا بإمكانه فالرجل يغرم المهر، وهل يرجع به على المكره فيه؟ هذا الخلاف صرح به المتولي [وقد ألحق المتولي] أيضاً بمسألة الكتاب في الحكم ما إذا كان المغصوب داراً، فباعها [الغاصب]، ثم نقضها المشتري وبناها، فإن عليه رد العرصة، وما بين قيمتها مبنية، ومنقوضة، وعليه [ما بناه، و] أجرة مثلها من حين القبض إلى حين النقض، وأجرة العرصة إلى حين الرد، وليس عليه أجرة ما بناه فيها، وله أن يرجع على الغاصب بنقض التالف، ولا يرجع بقيمة الأجزاء، وهل يرجع بالأجرة؟ فيه الخلاف، وحكى الإمام، ومن تابعه في الرجوع بنقص التالف خلافاً، وإن ميل القاضي إلى الرجوع.
تنبيهان:
الأول: كلام الشيخ يقتضي أن محل الخلاف في الرجوع بالأجرة، إذا استوفى المنفعة، أما إذا لم يستوفها بل أوجبنا الأجرة عليه؛ لكون المنفعة فاتت تحت يده، فإنه يرجع بها وجهاً واحداً، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وحكاه في البحر عن بعض الأصحاب، وحكى عن بعضهم انه لا فرق بين أن يستوفي المنفعة، أو تفوت تحت يده، و [الذي] صححه الرافعي الأول.
وحكى المتولي الخلاف أيضاً وأجراه فميا لو تلفت السخلة التي أنتجتها الشاة تحت يده، أو لبنها ولو برضاع ولدها، وكذا الثمرة الحاصلة من الأشجار المبيعة.
الثاني: قول الشيخ كالمهر وأرش البكارة فيه نظر؛ لأنا قد حكينا فيما
[يجب عليه] إذا وطئ البكر ثلاثة أوجه:
أحدها: مهر بكر، وأرش البكارة.
والثاني: مهر [ثيب]، وأرش البكارة.
والثالث: مهر بكر، لا غير.
وعلى كل حال، فلا يتجه [أن يرجع] بأرش البكارة؛ لأنا إن أوجبنا مهر بكر وأرش البكارة، أو مهر ثيب، وأرش البكارة، فقد جعلنا إزالة البكارة جناية على الجزء، وقد تقدم أن الأجزاء إذا ضمنت لا ترجع بغرامتها، وإن قلنا: مهر بكر لا غير فلا أرش يغرم حتى يرجع به؛ ولأجل هذا جزم الماوردي، والقاضي أبو الطيبن والبندنيجي بعدم الرجوع بأرش البكارة، وغاية الممكن في توجيه ما ذكره الشيخ، كما حكاه المتولي وجهاً بعد حكايته ما حكيناه عن القاضي المذهب أن الشراء [يضمن تسليط المشتري] على تفويت البكارة؛ فلأنه لا يتمكن من الاستمتاع إلا بتفويت البكارة، فنزلت تلك الجلدة منزلة منفعة البضع.
فرع: إذا وهب الغاصب الجارية المغصوبة لإنسان، فأتت منه بولد، هل يرجع بقيمته على الغاصب؟
حكى الرافعي فيه وجهين على قولنا: يرجع بقيمته إذا أتت به في مسألة الكتاب.
ووجه الفرق: أن الواهب متبرع، والبائع ضامن سلامة الولد بلا غرامة، وما قاله لا يصح؛ لأنه حكى في البيع الفاسد أن المشتري يغرم قيمة الولد، [ويستقر عليه، ولو كان البائع ضامناً لسلامة الولد لما رجع بقيمته] إذا كانت الجارية له على أنا حكينا، [ثَمَّ] عن القاضي ما يمكن أن يدفع به هذا السؤال.
[آخر: لو كان المشتري قد بنى وغرس فيما اشتراه؛ للمالك إجباره على القلع؛
قال الماوردي في كتاب الإقرار: وللمشتري إن كان جاهلاً بالحال [أن] يرجع على البائع بما بين قيمة غراسته وبنائه قائماً ومقلوعاً، وبما غرم من نقص الأرض بالقلع؛ لأنه ألجأه بالغرور إلى ذلك، وحكاه عن الشافعي].
قال: وإن ضمن الغاصب فكل ما رجع به المشتري على الغاصب –أي؛ كقيمة الولد، ونقصان الولادة على زعمه لم يرجع به [الغاصب] أي علي المشتري لعروه عن الفائدة؛ فإنه لو أخذ منه شيئاً لاسترده منه.
قال: وكل ما لم يرجع به المشتري [على الغاصب] أي كقيمة العينن والأجزاء من حين قبض العين إلى حين التلف يرجع به على الغاصب لأن قرار الضمان على المشتري فيرجع عليه، أما إذا ضمن الغاصب قيمة يوم الغصب، لكونها أكبر قيمة من يوم قبض المشتري فلا يرجع بالقدر الزائد على المشتري؛ لأنه لم يدخل في ضمانه؛ فلهذا لا يطالبه به ابتداء.
فروع:
لو أجر [الغاصب] المغصوب وسلمه؛ كان للمالك مطالبة أيهما شاء، فإذا غرم المستأجر الأجرة لا يرجع بها قولاً واحداً، ويرجع بالثمن.
وإن غرم قيمة العين والأجزاء رجع بهما قولاً واحداً، [وهو ما] جزم به الروياني.
[و] في الوسيط: أن العراقيين قالوا: إن يد المستأجر والمرتهن هاهنا كيد العارية؛ لأن لهم غرضاً في أيديهم؛ بخلاف المودع والوكيل بغير جعل إذا زوج الجارية المغصوبة وغرمه المالك أجرة المنفعة فهل يرجع بها؟ ينظر: إن استوفاها فلا، وإلا فنعم.
وإن غرمه قيمة العين رجع بها، فإن غرمه المهر لم يرجع به؛ لأنه دخل في
العقد على أنه يتقوم عليه.
قال القاضي الحسين، والمتولي وغيرهما: ويخالف المغرور بالحرية إذا بَانَ للمغرور حقيقة الحال بعد الوطء وفسخ، فإنه يرجع بالمهر على القول القديم.
والفرق: أنه ملك المحل وحصلت له تلك المنفعة، وهو إنما بذل المهر على أن يتأبد له البضع، وقد بان معيباً، ولا يلزم الرضا بالمعيب، وإذا فسخ فمقتضى الفسخ بالعيب استرجاع البدل فرجع به وهاهنا لم يملك المحل، وقد دخل في العقد على أن يتقوم عليه فينظر أن لو كان ممن لا يحل له نكاح الإماء؛ فإن العقد باطل، ولا يرجع بالمهر.
قال: وإن كان المغصوب طعاماً، فأطعمه إنساناً، فإن قال: هو مغصوب، فضمن الغاصب، رجع به على الآكل؛ لفقد سبب الضمان، وهو الغرور مع دخوله على أنه يضمن؛ فإن ضمن الآكل لم يرجع [به] على الغاصب؛ لأنه غاصب استهلك ما غصبه.
قال: وإن قال هو لي فضمن الغاصب لم يرجع [به] على الآكل خلافاً للمزني؛ لأنه أقر بأن المدعي ظلمه بما أخذه منه فلا يرجع [به] على [غير] من ظلمه.
قال: وإن ضمن الآكل رجع في أحد القولين؛ لأنه دخل على أنه لا يغرم، وقد غرم مستنداً إلى تغرير الغاصب فيرجع عليه، وهذا هو القديم، ويروي في بعض كتب الجديد.
قال: ولا يرجع في الآخر وهو الأصح؛ لأنه أتلفه في منفعة نفسه والغاصب منكر للغرور، فإنه يدعي أنه قدم إليه ملكه.
قال: وإن قدمه إليه، ولم يقل: هو لي أو مغصوب؛ ضمن الآكل – رجع في أحد القولين دون الآخر.
وتعليلهما ما ذكرناه.
وحكى الماوردي عن البصريين من أصحابنا أنهم جزموا بالرجوع هاهنا، وحكوا الخلاف فيما إذا وهب الطعام منه وأقبضه إياه [فأكله، وفرقوا بأن] استهلاك الأكل بإذن الغاصب حصل فرجع عليه، [واستهلاك الموهوب له [حصل يوم إذن الغاصب] فلم يرجع عليه]، وهذه الطريقة تؤخذ من كلام المتولي؛ فإنه جعل الخلاف في الهبة مرتباً على الخلاف في التقديم، وأولى بالرجوع، والأصح في الكل عدم الرجوع، وسكوت الشيخ عنه في هذه المسألة استغناء بما ذكره فيما إذا قال هو: لي، فإن التغرير فيه أبلغ، ومع هذا لم يكن سبباً للرجوع، وكان فيما دونه من طريق الأولى.
فرع: لو اختلفا في العلم بالحال والجهل به.
قال الماوردي: إن قال الواهب: علمت أنه مغصوب من غيري، فالقول قول الموهوب له، وإن قال: أعلمتك حال الهبة أنه مغصوب، فالقول قول الواهب؛ لأنه زعم فساد الهبة.
قال: وإن ضمن الغاصب، فإن قلنا: لا يرجع الآكل على الغاصب، رجع الغاصب؛ لاستقرار التلف تحت يده، وتخالف المسألة [التي] قبلها؛ لأنه ثَمَّ اعترف بأنه مظلوم بما [غرمه فيؤاخذ] بإقراره.
قال: [وإن قلنا: يرجع الآكل؛ لم يرجع الغاصب لعرو ذلك عن الفائدة، ثم لا يخفى أن محل ما ذكرناه من الرجوع على الآكل إذا كان حرًّا مكلفاً، أما لو كان عبداً، أو بهيمة، فإن كان ذلك بغير إذن مالكها؛ فهو مضمون على الغاصب وحده فيرجع به عليه، ولا يرجع به على مالك البهيمة والعبد، ولا يتعلق برقبتهما [شيء] قاله الماوردي.
وقال الرافعي وغيره: ما أكله العبد هل يتعلق برقبته؟ يخرج على الخلاف إن قلنا [إنه] يرجع به على الحر فقد جعلنا ذلك بمنزلة الجناية، يتعلق ذلك
برقبة العبد وألا فلا، وإن كان أطعمها بإذن [مالكها]، فإن علم عند أمره أنه مغصوب فهو مضمون عليه وقرار الضمان عليه وإن لم يعلم فإن سلمه إليه حتى تولى هو إطعام البهيمة والعبد؛ كان في حكم الموهوب له، فإن لم يسلمه إليه كان في [حكم] الآكل.
فرعان:
[أحدهما]: إذا غصب شاة وأمر قصَّاباً فذبحها جاهلاً بالحال، كان قرار الضمان على الغاصب.
قال الرافعي: ولا يخرج على الخلاف في أكل الطعام؛ لأنه ذبح للغاصب وهناك [انتفع لنفسه].
قال البندنيجي: وكذا [في كل] ما استعان به الغاب [غيره] كطحن الحنطة، وخبز العجين وقطع الثياب ونحو ذلك.
الثاني: لو أمر الغاصب إنساناً بإتلاف المغصوب بقتل، أو كسر، أو حرق ففعل، ولم يعلم أنه مغصوب فغرمه المالك؛ ففي رجوعه على الآمر خلاف مرتب على الخلاف في الإذن في أكل الطعام وأولى بعدم الرجوع؛ لأن الإتلاف لا يباح بالإباحة؛ بخلاف الأكل، صرح به القاضي الحسين، والمتولي.
قال: فإن أطعم المغصوب منه [المغصوب] وهو يعلم برئ الغاصب؛ لأنه استهلك مال نفسه باختياره، مع علمه بالحال.
قال: وإن لم يعلم ففيه قولان:
أحدهما: يبرأ لأنه أتلف مال نفسه؛ فأشبه ما لو كان عالماً وهذا ما رواه الربيع.
قال: والثاني لا يبرأ لأنه أزال يده وسلطانه ولم يفد ذلك بتقديمه إليه؛ فلم يحصل التسليم الواجب، وهذا هو المنصوص وجعل القاضي الحسين والرافعي
أصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في [أن] قرار الضمان على الآكل إذا كان أجنبياً أم لا؟
فإن قلنا: لم يستقر عليه برئ الغاصب هاهنا وألا فلا، ومن هذا يظهر أن الصحيح أنه يبرأن كما صرح به ابن يونس وغيره.
و [قد] حكى الإمام عن الأصحاب أنهم رأوا أن البراءة هاهنا أولى من الاستقرار هناك؛ لأن تصرف المالك في ماله بالإتلاف يتضمن قطع علقة الضمان عن الغاصب، لكن القول بعدم البراءة هو الذي صححه في "البحر".
وحكى عن البصريين [أنهم قطعوا به] فيما إذا قال للمالك: كله، وكلام ابن الصباغ وغيره من العراقيين يرشد إليه، فلو لم يطعم الغاصب المالك الطعام لكن المالك أكله على أنه طعام الغاصب برئ وجهاً واحداً، صرح به المتولي، وما ذكرناه من الخلاف والوفاق، [و] في مسألة الكتاب يجري فيما لو أودع المغصوب من المالك، أو رهنه عبدهن أو أجره منه فتلف في يده كما صرح به الماوردي وغيره، وقد يظهر من هذا أن الخلاف في مسألة الكتاب مادته الخلاف في قرار الضمان [على الآكل إذا كان أجنبيًّا، فإن الوديعة لا خلاف أن قرار الضمان] فيها على الغاصب، وإن أجرى العراقيون في قرار الضمان على المرتهن والمستأجر وجهين، وعلى كل حال فالمذهب في هذه الصورة عدم البراءة؛ كما صرح به الرافعي ولو باعه من المالك، أو أعاره، أو أقرضه برئ اتفاقاً، وكذا إذا أسامه.
ولو كان المغصوب عبداً فأعتقه المالك بوكالة الغاصب له فهل يعتق؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لمصادفة ملكه، كما لو أعتق عبد غيره بزعمه في ظلمة
[مثلاً] فإذا هو عبده.
والثاني: لا؛ فإنه هاهنا سفير في العبارة، وهذا ما نسبه ابن الصباغ إلى رواية الشيخ أبي حامد، وعلى الأول هل يبرأ الغاصب وجهان:
أصحهما: في الرافعي أنه يبرأ، وفي "البحر": [الأصح] خلافه.
ولو كان المغصوب جارية فزوجها من المالك فأولدها نفذ الاستيلاد قطعاً وبرئ الغاصب وشبب بعض الأصحاب بالخلاف [فيه، كذا قاله الإمام، وفي البسيط، وظاهره يوهم أن الخلاف] في البراءة لا في نفوذ الاستيلاد.
وفي "الوسيط": صرح بأن التشبيب في الاستيلاد.
ولو قال للمالك: أعتق هذا العبد عني فالمذهب أنه لا يقع عنه.
وفيه وجه حكاه المتولي أنه يقع عنه، كما إذا باع مال أبيه على ظن أنه حي [فإذا هو ميت]، فإن العتق يتضمن التمليك، وعلى المذهب هل يعتق [على] المالك؟ فيه وجهان.
قال: وإن رهن المغصوب منه المغصوب من الغاصب لم يبرأ من الضمان [أي] إلا بأن يقبضه، أو نائِبه ثم يعيده إليه، خلافاً للمزني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تْؤَدِّيَهُ" والمعنى على اليد ضمان ما أخذت؛ [حتى تؤديه] ولا يمكن إضمار: رد ما أخذت فإنه لو كان مراداً لما قال: حتى تؤديه؛ ولأنه عقد لا يمنع طريان الضمان عليه فوجب ألا ينافي ضماناً سابقاً [له]، كما لو استأجر المالك الغاصب ليخدم العبد المغصوب كذا قاله القاضي أبو الطيب، ولأن الرهن لا ينافي الضمان؛ بدليل ما لو رهنه شيئاً فتعدى فيه؛ فإنه لا يبطل الرهن، فإذا لم ينافه فلا يكون متضمناً زواله كما في حال الاستدامة، واعترض الإمام في كتاب الرهن على قياس رهن المغصوب على
تعدي المرتهن بأن طرآن العدوان سببه إحداث المرتهن ما لم يكن له أن يحدثه، وليس يشبه هذا إذن المالك للغاصب في الإمساك، ثم قال: ومن لا يستشعر غموض هذه المسألة فليس من الفقه في شيء، فإن سبب ضمان الغاصب عدوانه، وقد انقطع باذن بالإمساك في جهة غير مضمونة.
فإن قيل: لو رهن المعير العين المعارة من المستعير – زال عنه الضمان على أحد الوجهين، فهلا كان هنا مثله؟!
قلنا: الخلاف في براءة المستعير من ضمان العاريَّة، وعدم البراءة مبني كما حكاه المتولي هاهنا، والماوردي في كتاب الرهن على أن العارية هل تبطل بالرهن أم لا، ومن جزم بعدم بطلان العارية بالرهن، وهو ابن الصباغ – خصَّ محل الخلاف في البراءة وعدمها بما إذا رجع المعير في العارية.
وإذا كان كذلك فضمان العارية إنما كان بسبب الارتفاق والانتفاع بملك الغير لا عن استحقاق وقد زال، وهاهنا الضمان ضمان يد، واليد قائمة حساً ومشاهدة، وهذا ما أشار إليه المتولي.
قال: وإن أودعه إياه فقد قيل يبرأ لأن الوديعة تنافي الضمان؛ فكانت متضمنة للبراءة، هذا ما ذهب إليه أبو علي الطبري وأكثر الأصحاب؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب في كتاب الرهن.
وقيل: لا يبرأ [كما لو رهنه منه] وهذا قول [ابن أبي هريرة]، وهذا الخلاف قريب الشبه من الخلاف فيما إذا تعدى المودع في الوديعة، ثم أحدث له استئماناً أو هو هو، ولا خلاف في أنه لو باعه منه سقط حكم الضمان، ولو أجره أو أوصى [له] بمنفعته ومات.
وقيل: قال المتولي فيه وجهان:
أحدهما – وهو الذي قال به العراقيون -: أنه لا يبرأ.
والثاني – وهو اختيار القفال -: أنه يبرأ؛ لأن منفعة يده عائدة للآجر؛ لأنه
يستحق الأجرة، والثواب في الوصية قائم مقام الأجرة.
ورتب الماوردي في تكاب الرهن الخلاف في [الغاصب بالإجارة على الخلاف في] براءته بالإيداع، وقال: الأولى البراءة؛ لأن الإجارة صنف من البيع، والإمام ثَمَّ رتبه على الوديعة، لكن قال: الأولى ألا يبرأ، وقال: لو وكله في بيعه من غير أن يستحفظه إياه؛ ففي براءته من الغصب الخلاف في الإجارة وأولى بألا يبرأ.
قال الغزالي: لأنه كالمستأجر فيه [إلا أن غرض المالك هاهنا في اليد أظهر، ونوقش في ذلك؛ لأن هذا يقتضي حصول البراءة.
وجوابه أنه لما قال: إنه كالمستأجر [فيه]] اقتضى أنه لا يبرأ جزماً، كما حكيناه من قبل عند الكلام في الرهن منه، ثم ذكر مستند الخلاف، وهو أن غرض المالك في اليد أظهر، وقد ذكرت في أواخر الوكالة شيئاً يتعلق بذلك، فليطلب منه.
ولو ضارب المالك الغاصب على المال المغصوب فثلاثة أوجه في الحاوي -:
ثالثها: وهو الأصح عنده أنه لا يبرأ ما لم يتصرف، وإذا تصرف فإن وقع عقده بعين المال سقط عنه الضمان بتسليمه، وإن وقع على ما في الذمة ثم نقد الثمن لم يبرأ.
والفرق: أنه إذا اشترى بعين المال صار دافعاً للمال إلى مستحقه عن إذن مالكه؛ فبرئ من ضمانه وإذا اشترى في ذمته صار قاضياً لدين تعلق بذمته، لم يبرأ من الضمان.
فرع: إذا كان المغصوب منه حاضراً فطالبه الغاصب بقبض ماله وجب عليه، فإن امتنع أناب الحاكم من يقبضه عنه، ولو كان غائباً فقبضه منه.
الحاكم برئ، لكن هل يجب على الحاكم قبضه؟ فيه وجهان في "التتمة".
قال: وإن فتح قفصاً عن طائر فوقف ثم طار لم يضمن؛ لأن الطير له اختيار بدليل توقيه المكاره وطلبه الرعي، وقد وجد من الفاتح سبب غير ملجئ، ومن الطائر مابشرة فرجحت على السبب غير الملجئ واحترزنا بالسبب [غير الملجئ] عن المكره وشهود الزنا ونحوهما، وهذا ما حكاه العراقيون، وحكى صاحب التهذيب وغيرهم طريقة أخرى بجريان قولين في الضمان، ونسب في"التهذيب" قول الضمان إلى القديم.
وغلَّط [الروياني] في البحر من صار إلى وجوب الضمان.
وحكى الرافعي [عنه، وعن الشيخ] أبي خلف السلمي [ونحوهما] اختيار وجوب الضمان، فعلى هذا لو دخلت هرة إلى القفص [وقتلت الطائر عقيب الفتح أو سقط القفص] بسبب خروج الطائر فتكسر، أو كسر الطائر بطيرانه شيئاً؛ ضمنه الفاتح؛ لان فعل الطائر على هذا القول منسوب إليه؛ كذا حكاه الرافعي عما جمع من "فتاوى القفال".
وقياس ما ذكره العراقيون صريحاً في إفساد الدابة الزرع والعلق أنه لا يضمن كما ستعرفه من بعد.
قال: وإن طار عقيب الفتح أي من غير تهييج ففيه قولان: أصحهام: أنه لا يضمن؛ لأنه طار باختياره فأشبه ما لو وقف ثم طار، وقد وافق الشيخ في هذا التصحيح القاضي أبو الطيب.
والقول الثاني: أنه يضمن؛ لأن من طبع الائر النفور ممن قرب منه، فإذا طار عقيب الفتح عرف أن طيرانه لنفوره، فصار كما لو نفّره.
وقد حكى في "التهذيب": أن هذا القول هو القديم، والذي حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي أن النص في القديم: أنه لا يضمن مطلقاً.
وحكى في البحر أن ظاهر ما نقله المزني وجوب الضمان، وبه قال أكثر الأصحاب واختاره [الشيخ] أبو إسحاق، وابن أبي هريرة.
وفي "المرشد" وقال الرافعي: إنه الصحيح، وحكى عن بعضهم القطع به، وحكى طريقة أخرى؛ وهي أن خروج الطائر إن كان من غير [اضطراب] فلا ضمان، وإن اضطرب عقيب الفتح ثم خرج ضمن؛ لأنه يدل على [فزعه ونفرته]، ولو كان الطائر في أقصى القفص فأخذ يدب قليلاً قليلاص ثم [طار]، قال القاضي الحسين: حكمه حكم ما لو طار عقيب الفتح، ولا خلاف أنه إذا نفّر الطائر بعد الفتح ضمن، وادعى الماوردي فيه الإجماع، وحكم حل [رباط] الدابة أو فتح باب الإصطبل عنها إذا خرجت عقيب الفتح او شرعت في المشي من أقصى الإصطبل إلى أن خرجت، [أو خرجت] بعد الفتح بساعة وضاعت – حكم فتح القفص.
وحكى الإمام عن شيخه أنه [إن] كان تسبب بالفرق بين الحيوان النافر بطبعه وبين انسيِّ، وأنه جعل خروج [الإنسيِّ] على الاتصال؛ كخروج النافر على الاتصال وقال: إنه منقاس، وحخكم حل قيد العبد المجنون وفتح باب السجن عنه [حكم] حل رباط البهيمة فيما ذكرناه، كذا قاله الغزالي
[وغيره] من المراوزة، وإطلاق الماوردي يقتضي أنه لا ضمان وكذلك الروياني ووجهه بأنه لا يستمسك بالقيد عرفاً، وأبدى [الروياني] الضمان احتمالاً لبعض الأصحاب.
ولو كان العبد عاقلاً؛ نُظر إن لم يكن آبقاً فلا ضمان، وكذا لو كان آبقاً على الصحيح، ومنهم من جعل حل قيده كحل قيد البهيمة، وهو ما حكاه القاضي الحسين وتابعه صاحب التهذيب فيأتي فيه التفصيل السابق.
فرعان:
أحدهما: إذا فتح مُرَاح الغنم فخرجت ليلاً فرعت زرعاً للغير، فإن كان الفاتح المالك وجب عليه الضمان، وإن كان غيره فلا ضمنا عليه عند العراقيين، وبه جزم في "البحر"؛ لأنه لا يجب عليه حفظها بخلاف المالك.
وعن القفال: أنه يضمن [الثاني]: إذا حّل دابة مربوطة عن علف أو شعير فأكلته؛ لم يضمنه؛ لأن الدابة هي المتلفة دونه، وكذا لو كسرت إناء [في الدار] لم يضمنه.
قال الماوردي: سواء اتصل ذلك بالحلِّ أو انفصل عنه
قال: وإن فتح زقًّا فيه مائع فاندفق ما فيه أي في الحال ضمن؛ لأنه محفوظ بوكائه، وحله له سبب تلفه، ولا شيء بقطعه فتعلق الحكم به، وكذا لو اندفق بعضه فابتل أسفله أو ثقل به أحد جانبيه فسقط وذهب ما فيه [ضمن]؛ لأن فعله سببه.
وقيل: إن كان المالك حاضراً أو أمكنه التدارك لكون الخارج شديداً [فلم يفعل] فلا ضمان، ويخالف ما لو قتل عبده، أو حرق ثوبه، وأمكنه منعه من ذلك ولم يفعل حيث يجب الضمان؛ لأن القتل والتحريق مباشرةٌ، وحل
الوكاء سبب [، والسبب] يسقط حكمه مع القدرة على الامتناع منه؛ كمن حفر بئراً فمر بها إنسان وهو يارها ويقدر على اجتنابها، فلم يفعل حتى سقط فيها؛ فإنه لا يضمن، كذا قال في البحر.
قال: وإن بقي ساعةً، ثم وقع بالربح، أو ما في معناه من زلزلة أو سقوط طائر عليه فسال ما فيه لم يضمن، لأنه لم يوجد الخروج بفعله ولا بسبب فعله.
قال ابن الصباغ: وهكذا الحكم فيما لو لم يعلم كيف سقط، وحكم حل السفينة وغرقها عقيبه أو بعد ساعة بسبب [حادث أو] الربح، أو نحوه حكم [حل] الزق الذي فيه المائع، فلو غرقت بعد الحل ولم يظهر سبب حادث؛ ففي التهذيب والمهذب وغيرهما في وجوب الضمان وجهان.
قال في الحاوي [والبحر]: ويخالف مسألة الزق فإن الماء أحد المتلفات.
والرافعي قال: إن الخلاف جارٍ في مسألة الزق.
قال:- وإن كان ما فيه جامداً فَذَابَ بالشمس وخرج، أي وكان الزق على صفة لو كان [ما] فيه ذائباً لخرج عقيب الفتح ضمن؛ لأن [الشمس لا] توجب خروجه بل تذيبه، والخروج بسبب فعله فضمن؛ كالمائع.
وقيل: لا يضمن؛ لأن خروجه إنما حصل بعارض الشروق فأشبه هبوب الريح.
قال: -وليس بشيء لما ذكرناه، [مع ان] الشمس يعلم شروقها فيكون الفاتح معرضاً لما فيه للشمس، وذلك تضييع بخلاف هبوب الريح؛ فإنه ليس مما ينتظر.
وعن القاضي الحسين: إجراء الوجهين فيما إذا أزال اوراق الكرم وجرد
عناقيده للشمس حتى أفسدتها، وأجريا أيضاً فيما إذا ذبح شاة [إنسان] فهلكت سخلتها، أو حمامة فهلك فرخها لفقدان ما يصلحهما، وأجراهما المتولي أيضاً فيما لو كان لإنسان زرع، ونخل وأراد سوق الماء إليهما فمنعه ظالم من السقي حتى فسدت، وكذا أجريا فيما لو نقل صبياً إلى مسبعة فافترسه سبع، أو إلى أرض محواة فنهشته حية، لكن الأظهر [منهما] هاهنا عدم الضمان، وهو ما حكى الإمام أنه نص الشافعي، والغزالي جعله ومسألة الشمس سواء، ولا خلاف أنه لو حمله إلى مضيعة فاتفق أن سبعاً افترسه فلا ضمان.
فرعان:
أحدهما: -لو كان [ما] في الزق جامداً فحله [واحد] وقرب آخر منه ناراً فخرج، فقد قيل: لا ضمان على واحد منهما، وإن قلنا: إنه إذا خرج بالشمس يضمن الحال.
قال في الحاوي:- لأن طلوع الشمس معلوم فصار كالقاصد له، ودنو النار غير معلوم فلم يصِرْ قاصداً له.
وقيل: يجب الضمان، على المقرب للنار، وهو ما اختاره في المهذب، وجعله الرافعي الأظهر، والغزالي الأصح، وأجرى الرافعي الوجهين فيما لو قرب الفاتح النار منه.
وقال في البحر، [والحاوي]: إنه يضمن وجهاً واحداً.
الثاني: - إذا فتح زقًّا مستعلى الرأس وما فيه شديد فنكسه آخر حتى يسرع خروج ما فيه، فقد قيل: يشتركان في ضمان الخارج بعد التنكيس.
وقيل: يختص به النمكس، وهو الأصح في الرافعي؛ لأنه كالذابح مع الجارح.
تنبيه: الزق: السِّقاء، وجمعه في القلة: أزقاق، وفي الكثرة زِقاق، [وزُقَّاق] – بضم الزاي -؛ كذئب وذئاب [وذؤبان].
قال: -وإن سقي أرضه فأسرف أي جاوز ما يكفي أرضه في العادة؛ لأن الإسراف مجاوزة الحد حتى هلك أي أتلف أرض غيره أو أجَّج ناراً أي تلهبها وأشعلها على سطحه فأسرف حتى تعدَّى إلى سطح غيره [فأحرقه] ضمن لتعديه بالإسراف، وكذا لو لم يسرف في النار، لكنه أوقدها في قوت هبوب الرياح، وكلام القاضي الحسين في باب وضع الحجر يفهم أن في هذه الحالة خلافاً؛ فإنه حكى عن [بعض] الأصحاب فيما إذا أشعل ناراً في ملكه فطارت منه شرارة [فأحرقت أرض] الغير – انه لا ضمان، ثم قال: وقال القفال: إن كان ذلك في وقت هبوب الرياح، وفي [ظلمة الليل] وجب الضمان، وإلا فلا.
وفي الحاوي في باب الصائل على البهائم: أنه إذا أحرق بالنار حشيشاً في أرضه فتعدت فأحرقت زرع غيره، فإن كان زرع الغير [غير] متصل بالحشيش؛ فلا ضمان [وإن كان [الزرع] متصلاً بالحشيش المحرق، فإن كانت الريح مصروفة عن جهة الزرع؛ لهبوبها إلى غره فلا ضمان]، وإن كان هبوبها في جهة الزرع ففي الضمان وجهان:
وجه الوجوب: أن من طبع النار أن تسري إلى جهة الريح.
ووجه المنع: [أن هبوب الريح] ليس من فعله، وقال فيما إذا أرسل الماء في أرضه فخرج إلى أرض غيره فأفسدها، وكان الذي أرسله أكثر من قدر حاجة أرضه وقدر على حبسه؛ ففي الضمان وجهان:
وجه المنع: أن الجار قد كان يقدر على الاحتراز منه [بحظيرة تصد] عنه، أما إذا سقى [أرضه] من غير إسراف؛ كما إذا سقى أرضه بما تحتمله عادة فتعدى إلى أرض غيره، أو أوقد في وقت سكون الريح ما يحتمله سطه ثم عصفت الريح فشرع في طفيها [فتعدت] فأحرقت فلا ضمان؛ لعدم التفريط.
ولو كان في أرضه نقبة فسقى أرضه من غير إسراف فنفذ من النقبة إلى أرض غيره.
قال البندنيجي: إن [علم بها] فلم يسدها ضمن، وإن لم يعلم بها لم يمضن.
وقال القاضي الحسين: انه يضمن سواء علم بالنقبة أو لم يعلم؛ لأنه مفرط حيث لم يطالع ولم يسد، وكذا لوكانت ارضه مستعلية فقاها فخرج ماؤها إلى أرض غيره ضمن ما لم يسدها على ما جرت [به] العادة.
فرع: لو شككنا في أن الساقي أو الموقد أسرف أم لا؟ قال الإمام: لا ضمان.
ولو غلب على الظن مجاوزة الحد من غير قطع [به] قال: أمكن تخريجه على غلبة الظن في النجاسات.
قال: -فإن غصب حرًّا على نفسه لزمه تَخلِيَتُهُ ليبرأ من ظلمه.
[قال]: فإن استوفى منفعته ضمن الأجرة [بعدوانه بإتلاف متقوم، وإن حبسه مدة أي ولم يستوف له منفعة ضمن الأجرة]؛ لأنها منفعة تضمن
بالأجرة فضنت بالغصب، كمنفعة العبد، وهذا ما يحكي عن ابن أبي هريرة.
وقيل: لا يضمن؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد [فمنافعه تفوت تحت يده] بخلاف العبد، وهذا هو الأصح في الرافعي وبه قال جمهور الأصحاب كما حكاه الماوردي، وبنى الغزالي الخلاف على أن الحر [هل] يدخل [تحت] اليد أم لا؟
قال الرافعي: ولم أر ذلك لغيره ولا خلاف في أن أم الولد، والمكاتب إذا [حبسها حتى] مضت [مدة] لمثلها أجرة ضمن أجرتها؛ سواء استوفاها أو فاتت تحت يده.
فرع: لو نقل حرًّا صغيراً، أو كبيراً بالقهر من موضع إلى موضع آخر، فإن لم يكن [للمنقول غرض في] الرجوع إلى الموضع الأول فلا شيء على الناقل، وإن كان له [فيه] غرض واحتاج إلى مؤنة فهي على الناقل؛ لتعدِّيه قاله المتولي.
ولو كان على الحر الصغير ثياب وحلي فهل يضمنها الغاصب؟
قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يضمن؛ لأنه إذا لم تثبت يده عليه لا تثبت يده على ما معه.
والثاني: يضمن؛ لأن يده ناقصة.
قلت: وهذا الخلاف [كالخلاف] الذي حكاه الشيخ فيما إذا سرق حرًّا صغيراً وعليه حلي يساوي نصاباً؛ هل يقطع [أم لا؟] [أو] هو هو.
قال: وإن غصب كلباً فيه منفعة لزمه رده لاستحقاق صاحبه منافعه مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيهَ" وتكون مؤنة الرد على الغاصب،
فلو استوفى منفعته فهل يضمن أجرته؟ فيه وجهان ينبنيان على جواز إجارته.
قال الإمام في باب بيع الكلاب: والذي أراه تصحيح الإجارة، فإ لم نصححها؛ فالوجه عندي إثبات أجرة المثل، فإنها منافع مقصودة [تطلب بالأموال]، فإن امتنعت الإجارة لتغليظ شبه المنع من التعامل على [الكلاب فلا] وجه لتعطيل منفعته، ولو اصطاد الغاصب [به]، فالصيد للغاصب على وجه، كما لو اصطاد بشبكة مغصوبة، وهو الأصح في النهاية وغيرها، وللمغصوب منه على وجه، كما لو اصطاد بالعبد المغصوب؛ لأن للكلب اختياراً، وعلى هذا هل يلزهم أجرة مثل الكلب في [مدة الاصطياد]؟
وإذا قلنا بوجوبها، فلو استعمله لنفسه ففيه وجهان:
وجه الوجوب: القياس [على] ما لو غصب بذراً وأرضاً من واحد فزرعه فيها، فإن الزرع لمالك البذر [والأرض، وعليه مثل البذر] وأجرة الأرض وإن صرفت منفعتها لفائدة مالكها، وهذا الخلاف يجري فيما لو غصب صقراً فاصطاد به.
فائدة: منفعة الكلب تكون بالاصطياد وحفظ الزرع، والماشية، واقتناؤه لذلك جائز، وهل يجوز لحفظ البيوت فيه وجهان:
ظاهر النص منهما: الجواز.
وأما الكلاب التي لا تصلح لذلك فلا يجوز افتناؤها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض [فإنه ينقص] من أجره
قيراطان" خرجه مسلم.
قال الإمام: وأجمع الأصحاب على أنه نهي تحريم، واقتناء الجرو الصغير الصالح للمنافع [المذكورة] عند كبره هل يجوز؟ فيه وجهان؟
واقتناء كلب الصيد، والماشية، والزرع لمن لا غرض له في ذلك في الحال ويتوقعه في المآل فيه وجهان، أجراهما الشيخ أبو حامد، كما حكاه ابن الصباغ في جواز اقتناء كلب الصيد، وإن لم يصطد به.
قال: وإن غصب خمراً من ذمي أي ولم يكن قد أظهرها [فيما] بين المسلمين وجب ردها عليه؛ لأنه مقر على الانتفاع بها.
وفي الجيلي حكاية وجه: أن الواجب عليه تمكينه [منها]، وهذا ما حكاه الإمام عن المحققين قبيل كتاب الصيد والذبائح، وإن الأول كان يقطع به شيخه، وأثر الخلاف يظهر في مؤنة الرد.
أما إذا أظهرها للمسلمين ولو للبيع أريقت ولا ترد إليه.
قال: وإن أتلفها لم يضمن [أي] سواء كان المتلف مسلماً، أو ذميًّا؛ لأنها شراب مسكر فوجب ألا يستحق على [متلفها] قيمة لكافر، كما لو أتلفها على مسلم، ولأن ما أبيح الانتفاع به [من الأعيان] إذا لم يملك الاعتياض عنه؛ كالميتة فما حرم الانتفاع به من الأعيان النجسة؛ كالخمر والخنزير أولى ألا يملك الاعتياض عنها؛ و [لأنه لو ضمن بدلها] للكافر أدى إلى تفضيله على المسلم بسبب كفره وذلك ممتنع.
قال: وإن غصبها من مسلم أراق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: "أمر أبا طلحة بإراقة ما كان عنده من خمور الأيتام" حين نزل تحريمها، وهذا هوا لصحيح.
وقيل يجب ردها [إليه] لينتفع بها في طء نار أو بلِّ طين، ونحوه.
قال: فإن صارت خلاًّ؛ ردَّه لأنه فرع ملكه، ولو تلف في يده غرمه.
وقيل: إن [للغاصب تملكه] بحدوث الملك في يده.
وفي ابن يونس: أن وجوب الرد مفرع على القول الصحيح بوجوب الإراقة وحكى وجهين في وجوبه بعد صيرورته خلاًّ على قولنا: بأنها ترد إليه خمراً.
قيل: ولو عكس الأمر لكان أولى، ولا فرق عند العراقيين في وجوب الإراقة بين الخمرة المحترمة وهي التي عصرت لأجل الخلية أو غير المحترمة، وهي التي عصرت للخمرية، كما حكاه في "الاستقصاء" في أوائل الكتاب.
وعند الماروزة: الخمرة المتحرمة [أصلاً، وقال الإمام – قبيل كتاب الصيد والذبائح-: إن في ذلك احتمالاً] على كل حال، وجعل في كتاب الرهن قول من أوجب إراقتها هذياناً، وقال: إنه لم يصر إليه أحد من أئمة المذهب وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف.
وقال في تكاب الإقرار: لو اطلعنا على خمر ومعها مخايل [تشهد] أنها خمر خل، فالمذهب [أنا لا نتعرض] لها.
وقال القاضي الحسين: قبيل باب [بيع الطعام بالعطام] لو أراقها إنسان فهل يجب عليه الضمان؟ فيه وجهان:-
فإن أوجبناه؛ قلنا: كم قيمة ذلك لو صار خلاًّ، وكم قيمته في طريق تصييره
خلاًّ؟ ويوجب عليه ذلك، وغيره بنى الخلاف في الضمان على أنها طاهرة أو نجسة، والمذهب نجاستها.
فرع: من أبرز خمراً وزعم أنها [خمر] خل قال الإمام في كتاب الإقرار: قد سبق طوائف إلى أن ذلك لا يقبل منه.
فرع: من في يده خمر إذا أراقها فجمعها جامع وصارت في يده خلاًّ؛ ففيه وجهان:
أحدهما: يعود ملكاً للأول.
والثاني: يكون للثاني؛ لأن الأول أزال يده عنها وأسقط حقه منها فتكون لمن هي في يده.
قال ابن الصباغ في كتاب الرهن: وهذا لا وجه له؛ لأنه فعل ما أمره الشرع بفعله، ولو كان كذلك لوجب أن يكون مباحاً؛ كالمنبوذ، ولا يختص بملكها الجامع بل يكون أحق لحصولها بيده، وقد أجرى الرافعي الوجهين فيما إذا ألقى الجلد فأخذه أخذ وديعة، لكن ما ضعف به ابن الصباغ الوجه الثاني منتفٍ هاهنا.
قال: وإن غصب جلد ميتة ردَّه؛ لأنه منتفع به وقد قال عليه السلام:"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ".
قال: فإن دبغه فقد قيل: يُرَدُّ كالخمر إذا صارت خلاًّ.
وقيل: لا يرد أي ويكون ملكاً للغاصب؛ لأن الملك فيه حصل بفعله فكان له بخلاف الخمر.
وحكى المتولي عن بعضهم: أنه جزم بوجوب رد الجلد، وأجرى وجهين في رد الخل وأنه فرق بأن يده في الخمر مستحقة الإزالة شرعاً فلم يجعل لها حكم، ويده على الجلد غير مستحقة الإزالة فكان تفويتها جناية فلا يسقط
بها الحق، وهذه الطريقة ظاهرة عند من لم يفرق بين الخمر المحترمة وغيرها وعند من فرق إذا لم تكن الخمر محترمة، أما إذا كانت محترمة فهي كالجلد سواء؛ لجواز إمساكها.
قال: وإن غصب عصيراً فصار خمراص ثم صار خلاًّ [رده]؛ لأنه عين ماله وما نقص من قيمة العصير أي: إن [حصل] نقص؛ لأنه حصل تحت يده [وقيل يرد] الخل لماذكرناه، ويضمن مثله من العصير؛ لأن ذلك لزمه بانقلابه خمراً، ولم يسقط عنه بعوده خلاًّ؛ كما لو غصب جارية فسمنت في يده، ثم هزلت، ثم سمنت، وقد حكى الخلاف هكذا في المهذب وغيره.
وفي بعض النسخ بعد قوله: [ويضمن مثله من العصير] وأرش ما نقص أي: من قيمة الخل والعصير الذي أخذه بدلاً عن قيمة العصير أي: إن [حصل] نقص؛ لأنه حصل تحت يده [وقيل يرد] الخل لما ذكرناه، ويضمن مثله من العصير؛ لأن ذلك لزمه بانقلابه خمراً، ولم يسقط عنه بعوده خلاًّ؛ كما لو غصب جارية فسمنت في يده، ثم هزلت، ثم سمنت، وقد حكى الخلاف هكذا في المهذب وغيره.
وفي بعض النسخ بعد قوله: [ويضمن مثله من العصير] وأرش ما نقص أي: من قيمة الخل والعصير الذي أخذه بدلاً عن قيمة العصير المغصوب إلى حين انقلابه خمراً، وهذا [كأنه] بناء على مذهب أبي ثور في أن الغاصب يضمن عند رده العين فوات الأسعار.
ومنهم من قال: يظهر بناؤه على أن الاصب يضمن أرش السمنين ولم يظهر لي صحة ذلك فتأمله.