كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 407-446
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 407-446
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ألغي فكيف يفسد به العقد، إذ العقد إنما يفسد بالشرط [الفاسد] الذي يتأثر به العقد ويبقى علقه.
[على] ما سيأتي.
وقد أبدى الإمام ذلك احتمالاً في عدم الإبطال، في آخر باب الشرط الذي يفسد البيع، وقال الماوردي فيه أيضاً: يجب أن يكون الخلاف مخرجاً من اختلاف الوجهين في البيع، إذا شرط فيه نفي خيار المجلس؛ لأنهما إذا شرطا خيار الثلاث من وقت العقد، فقد أسقطا خيار المجلس.
فرع: لو شرطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق، وقلنا: بثبوته على ما سنذكره- إن شاء الله تعالى- في باب المرابحة فالحكم على الوجه الثاني لا يختلف، وعلى الأول يكون الاحتساب من وقت الشرط لا من وقت العقد.
قال: وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال.
هذا مستنبط من نص الشافعي- رضي الله عنه- فيما إذا باع عبداً بشرط الخيار، ثم أعتقه في زمان الخيار، حيث قال: ينفذ عتقه، ويعود إلى ملكه، فلولا أنه يزول عن ملكه، وإلا لما قال: إنه يعود؛ لأن العود إنما يكون بعد الزوال، كذا قاله القاضي الحسين.
وقال الماوردي: إنه نص عليه في زكاة الفطر.
ووجهه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع"، وجه الدلالة منه: أنه جعل المال للمبتاع بالشرط وحده، ولأن البيع قد تم بالإيجاب والقبول، فثبوت الخيار فيه لا يمنع الملك كخيار العيب؛ لأن البيع موضوع لنقل الملك، فلو استأجر عنه لكان في معنى تعليق العقد على أمر مجهول، وهو زوال الخيار.
ووجهه الشيخ في "المهذب" وغيره: بأنه عقد معاوضة، فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح، وفيه نظر؛ لأن الخلاف في نقل الملك جاء لأجل الخيار، والنكاح لا خيار فيه، فنظيره إن تبايعا على أن لا خيار مجلس بينهما، وصححنا العقد، فإن الملك

فيه ينتقل بنفس العقد وجهاً واحداً، وعلى هذا يكون الملك في الثمن للبائع.
فائدة: هل نقول [على] هذا القول حصل الملك مع آخر اللفظ أو مترتباً بعده؟ فيه خلاف حكاه الغزالي في ضمن ضابط.
ذكره في كتاب الطهارة، عند قوله: أعتق عبدك عني.
قال: وبانقضاء الخيار في الثاني: هذا مستنبط من نص الشافعي فيما إذا باع جارية بشرط الخيار، وكانت حاملاً فوضعت [فإنه قال]: يلزم المشتري الاستبراء، ولو كان الملك فيها للمشتري؛ لحصل الاستبراء بالولادة.
ووجهه ما روى مسلم [والبخاري] أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار".
وجه الدلالة منه: أن البيع ليس منفياً بالاتفاق، فيتعين أن يكون المنفي حكماً من أحكامه، وأقربها لنفي الذات نفي الملك، ولأنه إيجاب غير لازم مع سلامة المعقود عليه، فلم ينتقل الملك ما لم يلزم، كعقد الهبة، وعلى هذا يكون الثمن للمشتري.
قال: وموقوف في القول الثالث، فإن تم البيع بينهما حكمنا بأنه انقتل بنفس العقد، وإن لم يتم حكمنا بأنه لم ينتقل هذا مستبنط من نص الشافعي، حيث قال: لو اشترى زوجته بشرط الخيار، لا يحل له وطؤها في زمن الخيار، لأنه لا يدري أيطأ زوجته أو مملوكته.
ووجهه أن ما يدل على انتقال الملك قد عارضه ما يدل على بقائه، وليس لأحدهما رجحان على الآخر فيقفان، ولأن البيع سبب الزوال، [إلا أن] شرط الخيار يشعر بأنه لم يرض بالزوال جزماً، فوجب أن يتربص وينتظر عاقبة الأمور، كذا قاله الرافعي.
ومقتضى هذا التعليل أن يكون محل هذا القول خيار الشرط، دون خيار المجلس،

وليس كذلك بل الأقوال تجري فيه أيضاً، وعلى هذا القول يكون الثمن أيضاً موقوفاً.
ثم الأقوال تجري عند العراقيين فيما إذا كان الخيار لهما أو لأحدهما، وكذلك حكى الفوراني في إبانته.
ورواه طريقة أخرى للمراوزة، أن محلها: إذا كان الخيار لهما، أما إذا كان لأحدهما فهو المالك للمبيع.
ومنهم من نفي الخلاف في المسألة، وقال: إن كان الخيار للبائع وحده فالمبيع على ملكه، وإن كان للمشتري وحده فالمبيع منتقل إليه، وإن كان لهما فالملك في المبيع موقوف، وهذه الطريقة اختارها القاضي الروياني في الحلية.
ثم إذا جرت الأقوال، فما الأظهر منها؟ الذي رجحه الشيخ أبو حامد ومن نحا نحوه القول الأول، وبه قال الإمام ورجح آخرون قول الوقف، وبه قال البغوي، واختاره ابن عصرون في "المرشد".
وذهب بعض المحققين على ما حكاه الإمام هنا، وفي كتاب الإقرار، واختاره الفوراني أن الخيار إن كان للمشتري وحده فالأصح انتقال الملك إليه، وإن كان للبائع وحده فالأصح بقاء الملك في المبيع [له]، وإن كان الخيار لهما فالأصح قول الوقف.
وتظهر فائدة الخلاف في مسائل.
منها: إذا اكتسب المبيع شيئاً في زمن الخيار لمن يكون؟ ينظر إن تم البيع وقلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف [فهو له].
وإن قلنا: إنه للبائع، فوجهان: الجمهور على أنه له، وعن أبي علي الطبري: أنه للمشتري؛ لأن سبب ملكه موجود أولا، وقد استقر عليه آخراً، فيكتفي به.
وإن فسخ، فإن قلنا: الملك للبائع، أو موقوف فهو له، وإن قلنا: إنه للمشتري فوجهان: أصحهما أنه له.
وبنى صاحب "التتمة" الوجهين على أن الفسخ رفع العقد من حينه، أو من أصله، وفيه خلاف حكاه، فإن قلنا: بالأول فهو للمشتري، وإن قلنا بالثاني فهو للبائع.
قلت: يتجه أن يكون هذا الخلاف مبنياً على الخلاف المتقدم، فإن قلنا ثم: إنه يكون للمشتري فيكون هنا للبائع، وإن قلنا ثم: يكون للبائع، فهاهنا، هل يكون

للمشتري؟ فيه الخلاف، بناء على أن الفسخ يرفع العقد من أصله أو من حينه.
وفي معنى الكسب اللبن، والبيض والثمرة المؤبرة، ومهر الجارية إذا وطئت بالشبهة، وكذا الولد إن فرض حصوله، وانفصاله في زمان الخيار لامتداد المجلس، أما إذا كان مختبئاً حالة البيع، وانفصل في زمن الخيار، فإن قلنا: لا يأخذ قسطاً من الثمن فهو كالكسب، وإن قلنا: إنه يأخذ قسطاً منه وهو الصحيح فهو لمن استقر له الملك.
وحيث حكمنا بأن الولد للمشتري، هل يكون مضموناً على البائع حتى يسلمه؟ فيه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في نماء الصداق، هل يكون مضموناً على الزوج؟ كذا حكاه الماوردي وأجراه في الكسب والثمرة، وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب بيع الطعام: الجزم بأنه يكون أمانة في يده، وحيث حكمنا بأن الولد للبائع وانفسخ العقد، قيل: يكون مضموناً على المشتري.
قلت: ويتجه أن يكون ضمانه مخرجاً على أنه يضمن الأم إذا تلفت في يده، كما في ولد العارية، وسنذكره.
ومنها: نفقة المبيع على من تجب؟

قال الجيلي: إن قلنا: بانتقاله إلى المشتري فعليه، وإن قلنا: ببقائه على ملك البائع فعليه، وإن قلنا: بالوقف فعليهما، ويجبر كل منهما صاحبه على النفقة، والحاكم يجبرهما إذا امتنعا أو يفسخان، وهو موافق لما ذكر في زكاة الفطر، وكان يتجه أن يكون الحكم في النفقة كالحكم في الكسب، ويجعل الغنم في مقابلة الغرم.
ويعضد بما حكاه الرافعي في نفقة العبد الموصى به بعد موت الموصى، وقبل القبول والرد: من أن حكمها حكم الكسب، وإن كان في "الوسيط": أنها مع الفطرة على الموصى له إذا قبل على كل قول، وعلى الوارث إن رد على كل قول، ولا يعود فيها الوجه المذكور في الزيادات، وإن كان يحتمل أن يقال: الغرم في مقابلة الغنم، لكن إدخال شيء في الملك قهراً أهون من إلزام مؤنته قهراً، وهذا لا يجيء مثله هاهنا؛ لأنه هو المتسبب للإلزام بالعدق.
ومنها: إذا اشترى زوجته هل يحل له وطؤها في زمن الخيار؟ إن قلنا: إن الملك للبائع حل له وإن قلنا: [إنه للمشتري] لم يحل له؛ لأنه ملك ضعيف، وكذا إن قلنا: إنه موقوف؛ لأنه لا يدري أيطأ زوجته فيحل، أو مملوكته بملك ضعيف فلا يحل، هكذا قاله الغزالي في حل إشكال النص في باب الإقرار.
وحكى الرافعي هنا: أنه ليس له الوطء من غير بناء، ثم قال: وفيه وجه آخر، لم يزد على ذلك، وما ذكره الغزالي أحسن.
ومقتضاه: أنا إذا قلنا: بأن الملك للمشتري أن النكاح ينفسخ به مع ضعفه، وقد صرح بذلك فيما إذا أوصى له بزوجته، فقال: إن قلنا: إنه يملك انفسخ النكاح، وإن كان ضعيفاً وموضع الكلام في هذا "باب ما يحرم من النكاح" فليطلب منه.
ومنها: لو طلقها في زمن الخيار ثلاثاً، فإن تم البيع، وقلنا: إن الملك له أو موقوف [لم يقع].
وإن قلنا: [إن الملك للبائع ففي وقوع الطلاق وجهان، وإن فسخ وقع إن قلنا: لا ملك له أو موقوف، وإن قلنا:] إنه ملك بنفس العقد ففي وقوع الطلاق وجهان.

[ومنها: لو كان المبيع جارية وحاضت بعد العقد، وقبل انقضاء الخيار، فإن قلنا: إن الملك للبائع لم يعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، وإن قلنا: إنه للمشتري أو موقوف، ففي الاعتداد بها وجهان] ظاهر النص منهما على ما هو محكي في كتاب الاستبراء أنه لا يعتد بها أيضاً؛ لأن الفرج في زمن الخيار محظور عليه، وينبغي أن يقع الاستبراء في زمن الإباحة وحكم الولادة في زمان الخيار لولد الزنا كالحيض، قاله الماوردي.
وفي مجموع المحاملي الجزم بالاعتداد بذلك: إذا قلنا: بأن الملك للمشتري أو موقوف، وكان الخيار له وحده، والجزم بعدم الحصول إذا كان للبائع أو لهما.
قال: ولا يملك المشتري التصرف في المبيع حتى ينقطع خيار البائع، ويقبض المبيع.
اعلم أن الألف واللام في "التصرف" إن استعملهما الشيخ لإرادة العموم حتى يتناول المنع كل تصرف، كان ذلك منه اختياراً لغير الصحيح من المذهب في بعض الصور؛ لأنه عنى ملك التصرف بانقطاع خيار البائع وقبض المبيع، ومن التصرفات ما لم يتوقف على القبض على الصحيح، كما ستعرفه من بعد، ومنها أيضاً ما ينفذ في زمن الخيار وهو العتق- على ما سنبينه- ونفوذه دليل على ملكه له.
وقد يجاب عن هذا، بأن نفوذ الشيء لا يدل على ملكه، ألا ترى أن أحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة نفذ حكم وطئه في ثبوت الاستيلاد وغيره، وإن كان لا يملك الوطء.
وعلى تقدير التسليم فالمراد نفي ملك تصرف ينفذ حكمه في الحال، من غير أن ينتظر أمراً آخر، والعتق ليس كذلك.
وإن استعملهما لإرادة حقيقة الجنس، لزم منه ما ذكرناه أيضاً، لأنه نفي المطلق، ونفى المطلق يقتضي نفي الجميع.
وإن استعملهما لإرادة المعهود، وهو البيع المتقدم ذكره كان ماشياً على قاعدة

المذهب، غير أن كلامه لا يكون شاملاً لكل تصرف هو ممنوع منه قبل وجود ما ذكره، وذلك أسهل من مخالفة المذهب.
فنوجهه ونقول: توقف ملك التصرف المذكور على انقضاء الخيار ظاهر، إن قلنا: لا يملك [إلا به، وإن قلنا: إنه يملك بنفس العقد فهو ملك ضعيف معرض للسقوط، فوجب ألا يملك] التصرف فيه [لضعفه] كملكه [للمكاتب]، وإن قلنا: إن ملكه موقوف]، فلأنه إذا لم يملكه مع القول بأن الملك له في الحال لضعفه، فلأن لا يملكه وهو يجهل حصول الملك له كان أولى.
وأما توقفه على قبض المبيع فوجهه ما روى الإمام أحمد عن حكيم بن حزام أنه قال: قلت يا رسول الله: إني ابتاع بيوعاً، فما الذي يحل لي منها؟ وما الذي يحرم؟ فقال: إذا ابتعت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه.
[وفي رواية أخرى، أخرجها الترمذي وأبو داود]: "لا تبع ما ليس عندك".
وروى أبو داود عن زيد بن ثابت، قال: نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
وروى البيهقي بسنده عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عتاب بن أسيد، وكان قد

ولاه مكة: "انههم عن بيع ما لم يقبضوا، وربح ما لم يضمنوا".
واختلف الأصحاب في تعليل المنع بماذا؟ على وجهين: نذكرهما مع ما يظهر من فائدتهما في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى.
وفي "المهذب" وغيره وراء ما ذكرناه حكاية وجهين آخرين: أحدهما: أنه إن باع بإذن البائع صح إن قلنا: إن الملك له؛ لأن المنع من التصرف لحق البائع فزال بإذنه، وكذلك حكاه في "الشامل" أيضاً وقال: إن العقد يلزم على الوجهين جميعاً.
وقياس ما سنذكره من الخلاف في أن التصرف المردود، هل يبطل الخيار أن يجري هاهنا؟ وهذا الوجه لم يحك الفوراني سواه، لكنه لم يفرعه على قول الملك، بل أطلق القول به، وكذلك حكاه الرافعي مع الأول من غير تفريع على قول الملك وصححه، وبه جزم الماوردي أيضاً.
والثاني عن الإصطخري: أن البيع يصح إن قلنا: إن الملك له، وإن لم يأذن له البائع، وللبائع الخيار فإن فسخ بطل تصرف المشتري.
ووجهه بأن تصرفه صادف ملكه الذي ثبت فيه للغير حق الانتزاع، فأشبه ما إذا اشترى شقصاً في شفعة فباعه.
والذي يقتضيه إيراد الشيخ ترجيح عدم الصحة، وإن أذن فيه البائع، فإنه علق ملك التصرف على القبض، وعلى انقطاع الخيار، وبالإذن له في البيع لا يظهر أنه ينقطع خياره، كما لا يبطل حق الوثيقة في الرهن بإذن المرتهن للراهن في البيع ما لم يوجد البيع.
وإذا لم ينقطع الخيار فالملك غير تام؛ فلذلك لم يصح البيع، ويخالف الرهن فإنه يصح بيعه؛ لأن الملك فيه تام، وإنما امتنع التصرف لمحض حق المرتهن وقد أذن، وقد يقال: إن الإذن في البيع يبطل الخيار، لأنه يسقط بمثل ذلك في قول أحدهما

للآخر: اختر، فيقوم الإذن مقام قوله: اختر.
والفرق بين المشتري هاهنا وبين مشتري الشقص المشفوع: أن الشفيع لا يرفع ملك المشتري، وإنما يقرره ويقطعه، وذلك يدل على قوته؛ فلذلك صح تصرفه، وإن لم يأذن والبائع هاهنا إذا أخذ المبيع رفع ملك المشتري إما من أصله أو من حينه على اختلاف الطريقتين، وذلك يدل على ضعفه فانقطع الإلحاق.
واعلم أن تعميم الشيخ المنع يدل على أنه لا فرق عنده في التصرف قبل انقضاء الخيار، وقبل القبض بين أن يكون مع البائع أو غيره، والمشهور فيما إذا باعه من البائع في زمن الخيار صحة البيع، وهو اختيار ابن سريج؛ لأن صدوره منهما رضا بلزوم الأول كما لو تخايرا.
وقال الماوردي في أواخر باب الربا: هذا غير صحيح؛ لأن العقد الأول لم يستقر بالافتراق ولا بالتخاير، وما ذكر من التعليل فغلط، والفرق بينه وبين التخاير: أنهما إذا اختارا الإمضاء فقد رضي كل واحد منهما بإقرار ملك صاحبه على ما انتقل إليه، فاستقر بذلك الملك.
وإذا اتفقا على البيع الثاني فكل واحد منهما لم يرض باستقرار ملك [صاحبه على ما انتقل إليه، فلم يستقر بذلك الملك، فكان حكم التخاير والبيع مختلفاً، فلم يجز أن يكون في لزوم العقد متفقاً].
وعن صاحب "التقريب": أنه مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك؟ إن قلنا: يمنع لا يصح.
وحكى الإمام عن شيخه الخلاف في صحة البيع أيضاً.
ووجه المنع بأن المشتري لا يجوز له الانفراد بالبيع، فإذا ابتدأ بالإيجاب بطل، والقبول يترتب عليه.
ثم قال: وما ذكره يقتضي تردداً في صحة بيع المرهون من المرتهن من غير تقديم فك الرهن، والذي أقطع به نقلاً جواز البيع.
وفي "الوسيط" عند الكلام في التولية: حكاية خلاف فيما إذا باع المبيع من البائع

قبل القبض هل يصح؟ وحكاه البندنيجي في باب [بيع الطعام]، وفي الرافعي: أن الصحيح: عدم الصحة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين وغيره كلام سنذكره [في الباب الثاني] إن شاء الله تعالى.
ولا غنى بنا عن ذكر ما قاله الأصحاب في التصرف من الهبة والعتق، وغيرهما قبل انقضاء الخيار فنقول: الهبة والوقف ملحقان بالبيع فيما ذكرناه، على ما حكاه ابن الصباغ وغيره.
وفي "الحاوي": إلحاق الوقف والتدبير بالعتق، وحكاية خلاف في الكتابة هل تلحق بالبيع أو بالعتق؟ وأما العتق إذا صدر منه بغير إذن البائع فقد بناه العراقيون عند الإجازة، والرد على أقوال الملك فقالوا: إن تم العقد نفذ إن قلنا: إن الملك له [أو موقوف، وكذا إن قلنا: لا ملك له، وإن فسخ وقلنا: لا ملك له أو موقوف لم ينفذ، وكذا إن قلنا: إن الملك له] على المذهب.
وعن ابن سريج أنه ينفذ إذا كان موسراً دون ما إذا كان معسراً كعتق المرهون.
وحكى الرافعي: أن من الأصحاب من أطلق الحكاية عنه بنفوذه من غير تقييد باليسار.
فإن قلنا: يعتق، فهل يرجع البائع بالثمن أو بالقيمة؟ فيه وجهان، عن ابن سريج أيضاً، وإن كان العتق قد صدر بإذن البائع نفذ، ولم يحكوا فيه خلافاً، وكان يتجه أن يخرج على اقوال الملك والممكن في توجيهه أن يقال: البائع بالإذن له [فيه] مبطلاً لخيار نفسه، كما هو مبطل له بقوله له اختر على المذهب، وإذا كان كذلك فقد انفرد المشتري بالخيار، فينفذ عتقه كما لو كان الخيار له وحده ابتداء، فإنه ينفذ عتقه على ما سيأتي.
ولكن يلزم على هذا إن كان هذا هو المأخذ أن يصح بيعه أيضاً إذا أذن له فيه جزماً، كما حكيناه عن الفوراني، وقد حكينا عنهم إجراء خلاف فيه.

ويمكن أن يفرق بأن العتق للشارع تشوف إلى تحصيله؛ ولذلك لو قال لغيره: أعتق عبدك عني، صح منه هذا الاستدعاء، وإذا أعتقه عنه قدرنا انتقال الملك في المعتق إلى المستدعي قبيل العتق حتى يقع العتق في ملكه، وإذا صح مثل ذلك ولم يجر سبب يقتضي نقل الملك، فمع وجود الملك أو سببه أولى، وليس هذا الحكم ثابتاً لغير العتق.
وسلك الغزالي في العبارة عن التصرف طريقاً آخر، فقال: إذا صدر العتق من المشتري لا بإذن البائع، فإن قلنا: لا ملك له لم ينفذ.
وإن قلنا: الملك له، فوجهان يقربان من القولين في عتق الراهن.
فإن قلنا: ينفذ – وهو ما جزم به المتولي- قال الغزالي: فالظاهر أنه لا يبطل خيار البائع، ولكن في فائدته وجهان: [أحدهما]: ينفسخ العقد ويرجع إلى القيمة؛ إذ العتق لا مرد له.
والثاني: أن له رد العتق، وكأنه نفذ بشرط أن لا يرد.
وقيل: إن خيار البائع يبطل، والبيع كالعتق، وفي محل الخلاف يترتب عليه، وأولى بألا ينفذ وإن نفذ فلا يتجه إبطال خيار البائع، بل يتعين أن يتسلط على فسخ البيع إن شاء؛ إذ البيع يحتمل الرد.
وإن قلنا: لا ينفذ العتق والبيع، أي إما لعدم الملك، أو مع وجوده لرعاية حق الغير على ما صرح به الإمام، [ومجلي].
قال: فهل ينفذ بإجازة البائع، أي: العقد وإلزامه التصرف؟ قال: أما البيع فلا؛ فإنه لا يقبل الوقف، وفي العتق خلاف.
فإن قلنا: ينفذ فيستند إلى وقت العتق، أو من وقت الإجازة؟ فيه وجهان: هذا آخر كلامه.
وبنى القاضي الحسين في التعليق الخلاف: في أن العتق هل ينفذ عند الإجازة على القولين في عتق الراهن؛ إذا رد وانفك الرهن هل ينفذ؟ ثم قال: والصحيح هاهنا أنه لا ينفذ.

والفرق بينه وبين الرهن، أن عتق الراهن صادف ملكه، وهاهنا العتق صادف ملك الغير وهذا منه يدل على أنا إذا منعنا العتق مع القول بأنه على ملكه، يكون الصحيح عند الإجازة نفوذ العتق، وهو ما جزم به العراقيون على ما حكيناه.
ثم جميع ما ذكرناه أولاً وآخراً فيما إذا كان الخيار للبائع وحده أو لهما، أما إذا كان الخيار للمشتري وحده فالذي حكاه الإمام والغزالي، والرافعي: القطع بنفوذ العتق؛ لأنه إذا لم يكن ملكه كان إجازة للعقد، وهو ينفرد بها، والبيع عند الغزالي في هذه الحالة كالعتق- كما حكيناه عنه- وحكاه الإمام أيضاً عن الإمام، وكأنه يشير إلى والده، وبناه الفوراني على أقوال الملك أيضاً، [فقال]: إن قلنا: إن الملك للبائع لم يصح.
وإن قلنا: إنه للمشتري ففي صحته وجهان: والأصح الصحة؛ ولذلك حكى الإمام هذا البناء أيضاً، وقال عقيبه: ما ذكره الإمام أفقه، وهو الظاهر أيضاً من حيث أن الفوراني جزم بصحة البيع عند وجود الإذن، وذلك الجزم عند الانفراد بالخيار أولى.
فائدة: تقييد الشيخ- رضي الله عنه- عدم ملك المشتري للتصرف في المبيع، يعرفك أن تصرفه في الثمن مغاير له، وكذا تقييده في المسألة الثانية منع تصرف البائع في الثمن المعين يعرفك أن تصرفه في المبيع مغاير له، والحكم في تصرف المشتري في الثمن، حكم تصرف البائع في المبيع، فليقتصر على الكلام في أحدهما، وهو تصرف البائع في المبيع فإنه المشهور على ألسنة الفقهاء.
ونقول: تصرف البائع في المبيع في زمن الخيار بالعتق نافذ على الأصح، إذا كان الخيار له أو لهما؛ لأنه فسخ للعقد، وهو يستقل به.
وفي "التتمة" حكاية وجه: أنا إذا قلنا: إن الملك للمشتري لا ينفذ، وحكاه مجلي عن القاضي الحسين، وخص محله بما إذا قلنا: إن عتق المشتري ينفذ.
وتصرفه بالوطء فسخ على الأصح.
وقيل: لا، وقيل: إنما يكون فسخاً إذا نوى به الفسخ، وهو حلال له على كل قول عند الشيخ أبي محمد وعند غيره، إن جعلنا الملك له.

وإن لم نجعله له، فوجهان.
وقيل: إن لم يجعل الملك له فهو حرام، وإن جعلناه له فوجهان.
وظاهر المذهب الحل إن جعلنا الملك له، والتحريم إن نفيناه عنه.
ويخالف وطء المشتري حيث جزم فيه بالتحريم، على كل قول، إذا كان الخيار لهما أو للبائع لأنا إن قلنا: لا ملك له، فلعدم الملك، وإن قلنا: إن الملك له فلضعفه، كملك المكاتب، أما إذا كان له وحده، فهو كوطء البائع، وعلى كل حال لو وطأ لم يجب عليه الحد، ويكون الولد حراً نسيباً، والحكم في قيمته وفي المهر حكم الكسب.
وهل يثبت به الاستيلاد؟ إن قلنا: إن الملك للبائع، فلا.
وإن قلنا: إنه له فوجهان مرتبان على عتقه، وأولى بالنفوذ، وقيل: عكسه.
قال الإمام: ولا يبعد استواؤهما لتقابل الجهتين.
فإن لم ينفذ في الحال، وتم البيع، أو فسخ، ثم ملكها يوماً، كان في ثبوت الاستيلاد قولان: محل ذكرهما باب عتق أم الولد.
واعلم أن إطلاق الأئمة أن وطء المشتري حلال، إذا كان الخيار له وحده، [فيه] نظر من حيث إنا إذا حكمنا بأن الملك للبائع، [لم يحصل الاستبراء في زمن الخيار، فكيف يحسن إطلاق القول بأنه حلال، وكذلك إذا قلنا: إن الملك] له ولم نجعل الاستبراء يحصل في زمن الخيار.
ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن مرادهم حله بالنسبة إلى الملك لا بالنسبة إلى أمر آخر.
وتصرفه بالبيع نافذ على أصح الوجهين، إن جعلناه فسخاً، وهو الصحيح، وإن لم نجعله فسخاً لم ينفذ وجهاً واحداً.
ويجري [في] مثل هذا الخلاف في الإجارة والتزويج، وكذا في الرهن، والهبة

إن اتصل بهما القبض.
وفي "الحاوي": الجزم بصحة الجميع، وجعله فسخاً.
وهل يكون العرض على البيع أو على التوكيل فيه فسخاً؛ إن جعلنا البيع فسخاً؟ فيه وجهان، كالوجهين في القبلة والمباشرة بالشهوة، إذا جعلنا الوطء فسخاً.
أما إذا كان الخيار للمشتري وحده، لم ينفذ من تصرفات البائع ما عدا العتق على كل قول.
وكذا العتق إن قلنا: لا ملك له أو موقوف، وأجيز العقد.
وإن قلنا: إن الملك له؛ ففي نفوذه قولان كما في عتق المرهون، والظاهر أنه لا ينفذ.
[والفرق]: أن الراهن إذا نفذ عتقه غرم القيمة فتقوم مقامه، وهاهنا لا يغرم القيمة، وإنما يسقط حق المشتري عنه بالكلية، ويرد إليه ما بذله.
فرعان: أحدهما: إذا اشترى عبداً بجارية، والخيار لهما، فأعتقهما معاً، عتقت الجارية دون العبد على الأصح، وفيه وجه: أن المعتق العبد دونها، تفريعاً على قولنا: إن عتق المشتري نافذ.
وإن كان الخيار للمشتري وحده لم يعتقا أيضاً، وفيمن يعتق منهما؟ وجهان: أحدهما- وهو ما أورده ابن الصباغ-: الجارية.
وأصحهما- وبه أجاب ابن الحداد-: العبد.
قال الشيخ أبو علي: وهما مبنيان على انتقال الملك.
فإن قلنا: بانتقاله عتق العبد، وإلا فالجارية.
وحكى وجه: أنه لا يعتق واحد منهما، وحكم المشتري إذا أعتقهما، والحالة هذه حكم البائع.
الثاني: التصرف الصادر من المشتري في زمن الخيار، هل يجعل إجازة؟ فيه وجهان:

[أصحهما]- وبه قال الإصطخري-: نعم.
والثاني- حكاه الرافعي عن أبي إسحاق-: لا، وحكى عنه المحاملي في المجموع: أن التصرف الذي يمنع الرد [بالعيب] [كالعتق والإحبال يقطع خياره، دون التصرف الذي لا يمنع الرد بالعيب]، ولا تتلف به العين كالوطء والإجارة، وما أشبه ذلك فإنه لا يقطعه، وفي "الحاوي": أن خيار الشرط ينقطع به.
وأما خيار المجلس: فإن أجاز البائع العقد على الفور كان ذلك اختياراً منهما، وإن لم يجزه على الفور، فإن كان ذلك التصرف عتقاً، أو وقفاً، أو تدبيراً، كان ذلك إجازة من جانبه، وخيار البائع باق بحاله، وإن كان بيعاً أو إجارة فالذي ذهب إليه البغداديون أن يكون قاطعاً لخياره [أيضاً، والذي اختاره البصريون- وهو الصحيح- ألا يكون قاطعاً لخياره].
قال: ولا ينفذ تصرف البائع في الثمن إذا كان معيناً – حتى ينقطع خيار المشتري ويقبض الثمن؛ كما ذكرنا في تصرف المشتري في المبيع، إذ هو مشتر له، كما أن المشتري مشتر للمبيع.
قال: وإن كان في الذمة لم ينفذ تصرفه فيه قبل انقطاع الخيار- لما مر [فيما إذا كان] عينا- وهل يجوز قبل قبضه؟ فيه قولان: أصحهما: أنه يجوز لأنه يؤمن انفساخ العقد فيه بتلفه فأشبه المبيع المقبوض، وهذا هو الجديد.
والثاني: لا يجوز، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين في كتاب الهبة.
وفي الجيلي: أنه الأصح- في المحرر – لمطلق النهي عن بيع ما لم يقبض؛ ولأنه عوض في معاوضة، فلا يجوز بيعه قبل قبضه كالمثمن.
قال المتولي: والفرق على الأول أن المثمن [لا يستقر في الذمة إلا بالقبض، ولهذا لو انقطع المسلم فيه، كان له تأثير في العقد بفسخ أو انفساخ، والثمن مما] يستقر في الذمة من غير قبض بدليل أن جنس الثمن إذا انقطع [من] أيدي الناس لا

ينفسخ العقد، وما قاله ممنوع فإن الإمام قال في كتاب التفليس: إنا إن لم نجوز الاعتياض عن الثمن، كان حكمه حكم المسلم فيه.
وسنذكر ذلك عن الرافعي في الباب الثاني عند الكلام في الثمن.
وفي الجيلي: أن بعضهم بنى الخلاف في المسألة على أن العلة في منع بيع المبيع قبل قبضه، ماذا؟ فإن قلنا: ضعف الملك، لم يجر هاهنا؛ لوجوده فيما في الذمة.
وإن قلنا: توالى الضامنين، فيجوز هاهنا، إذ لا توالى.
وهذا البناء ضعيف؛ لأن اختيار العراقيين من العلتين العلة الأولى على ما حكاه مجلي.
ومقتضى ذلك- لو صح البناء- أن يكون الصحيح عندهم عدم الصحة، وقد قال الشيخ خلافه.
واستدل ابن يونس على القول الثاني بأنه لا يؤمن [انفساخ] العقد فيه، بهلاك المبيع فأشبه المبيع قبل القبض، وهذا يوهم أمرين: أحدهما: أن محل الخلاف ما إذا كان المبيع لم يقبض، أما إذا كان قد قبض [فيجوز وجهاً واحداً، وليس كذلك بل المنقول في الزوائد عن العدة: أن بعض الأصحاب خص محل الخلاف بما إذا كان المبيع قد قبض]، أما إذا لم يقبض فلا يجوز [وجهاً] واحداً، ومنهم من لم يفرق بينهما، وهو قضية ما في "التهذيب" فإنه قال: لا فرق في ذلك بين أن يكون بعد قبض المبيع أو قبله، وما أفهمه كلام ابن يونس يوافقه ما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي [وغيرهما] في "باب الهبة" أن الشافعي ذكر في كتاب الشروط: أنه يجوز بيع الدين المستقر وهبته من غير من هو عليه، وأنه قال في الرهن: لا يجوز رهنه.
وأن من الأصحاب من قال بعدم صحة البيع، والهبة والرهن، والثمن إذا قبض مقابله صار مستقراً فاندرج تحت هذا الإطلاق.
الثاني: أن كلا من الثمن المعين والمثمن لا يجوز بيعه بعد قبضه ما لم يقبض

مقابله؛ لأنه لا يؤمن انفساخ العقد فيه إذا لم يقبض مقابله بتلفه، وليس كذلك، بل المنقول عن ابن سريج وفي "الحاوي" وغيره: صحة بيع المقبوض وإن لم يقبض مقابلهن وعليه يدل كلام الشيخ حيث عنى التصرف بوجود القبض في المبيع، والثمن وانقضاء الخيار.
تنبيه: المراد بالتصرف هاهنا- أيضاً- البيع؛ لأن ما في الذمة يتصرف فيه بالإبراء وهو قبل القبض جائز، بل لا يتصور إلا كذلك وفي زمن الخيار إما ألا يصح أو يصح، وفيه تفصيل نذكره في باب المرابحة ولا يجوز التصرف فيه بالهبة والرهن على المذهب- كما سنذكره.
وكذا لا يجوز أن يقارض عليه سواء كان العامل الذي عليه الدين أو غيره.
والحوالة: إن قلنا: إنها استيفاء فتكون نفس القبض، وإن قلنا: إنها معاوضة [فهي كالبيع] وغير ذلك إما في معنى البيع، أو لا يتصور؛ فتعين ما ذكرناه، فإن قيل: هل الخلاف في جواز بيعه من غير المشتري أو من المشتري؟ قلنا: ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه لا فرق بينهما، ويعضده حكاية الخلاف في بيع نجوم الكتابة وما قررناه من كلام ابن الصباغ في كتاب الهبة، والمذكور في طريقة المراوزة: الاختلاف في جواز بيعه من المشتري، وعبروا عن ذلك بالاستبدال عنه، وأثبته الإمام أقوالاً، والغزالي وجوهاً ثلاثة: أحدها: المنع، قياساً على الثمن.
والثاني: الجواز؛ لما روى أبو داود عن ابن عمر أنه قال: "قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء".
وفي رواية: كنت أبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إذا بعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس".

قال الغزالي: والقائل الأول يحمل الحديث على جريانه في مجلس العقد، فيكون تغييراً للعقد في وقت الجواز.
ومن هذا التعليل يؤخذ أن إطلاق الشيخ في "المهذب" وابن الصباغ: هاهنا القولين في جواز بيعه- محمول على ما إذا كان من المشتري؛ لأنهما استدلا لقول الجواز بالحديث وهو لا يدل على جواز بيعه من غير المشتري؛ لما في ذلك من المعنى المذكور.
وهذا القول نسبه المتولي إلى الجديد، وبه قطع القاضي أبو حامد وأبو الحسين، والأول إلى القديم.
والفرق على الأول بينه وبين المثمن أن المقصود بالثمن المالية منه، والاستبدال يديم المالية وحكمها، والمثمن القصد منه العين؛ كسائر الأعيان.
قال الإمام: وهذا الفرق ضعيف في القياس.
والثالث: أنه يستبدل أحد النقدين بالآخر، للحديث، ولا يستبدل سائر الأجناس عنمها للقياس.
قال الغزالي: [وهذا أعدل]، ومحله إذا لم يكن الثمن مؤجلاً، أو مؤجلاً ولا اشتراك في علة الربا بينه وبين الثاني، أو كان مشتركاً لكنهما جنسان كالذهب والفضة.
أما لو اتحد الجنس كالطعام عن الطعام لم يجز.
وهذا ما حكاه القاضي الحسين في باب بيع الطعام.
وقال البندنيجي قبيل باب المصراة، قال الشيخ- يعني: أبا حامد- وعندي يجوز؛ لأنه إذا قبض منه الطعام بما له في ذمته، برئت ذمة من عليه الطعام منه، وكيف يبقى في ذمته إلى أجل؟ وفي "الحاوي" في الفروع المذكورة في آخر الربا: الجزم بأن ما في الذمة إذا كان مؤجلاً لم يجز أخذ البدل عنه، وإن لم يكن من مال الربا؛ لأن المؤجل لا يملك المطالبة به فلم يجز المعاوضة عنه، ويظهر لي أن يكون ما قاله الشيخ أبو حامد

مستمداً من تغليب شائبة الاستيفاء.
واعلم أنه يتفرع على الخلاف ما إذا باع بغير النقدين في الذمة، فجواز الاستبدال عنه ينبني على أن الثمن ماذا؟ وفيه ثلاثة أوجه يحتاج إلى ذكرها: أحدها: أنه ما التصق به باء التثمين، ويحكى عن القفال.
والثاني: أنه النقدان لا غير، والمثمن ما يقابلهما، على اختلاف الوجهين، وهذا الوجه ما دل عليه كلام الشيخ، وابن الصباغ في باب السلم حيث قالا: يجوز السلم في الأثمان.
والثالث- وهو الأصح- أن الثمن [هو النقد، والمثمن] ما يقابله، فإن لم يكن في العقد نقد أو كان العوضان نقدين، فالثمن ما اتصل به الباء والمثمن ما يقابله.
فإن قلنا بالوجه الأول فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين، وادعى في "التهذيب" أنه المذهب.
وإن قلنا بغيره، فلا يجوز.

ويظهر الاختلاف في أن الثمن ماذا؟ فوائد أخر: منها: إذا كان العوضان [نقدين فعلى الأول لا بيع، فيجري في جواز الاستبدال عن كل منهما الخلاف المذكور.
ومنها: إذا كان العوضان] عرضين فلا يجوز على الثاني الاستبدال عن واحد منهما وجهاً واحداً.
ومنها: لو قال: بعتك هذه الدراهم بهذا العبد، فعلى الثاني والثالث في صحة العقد خلاف كالسلم في الدراهم.
قال: ولا يدخل المبيع في ضمان المشتري إلا بالقبض [أي للمبيع] خلافاً لأبي ثور، أما دخوله بالقبض؛ فلأنه لا غاية بعده تنتظر، وأما عدم دخوله في ضمانه قبله؛ فلأنه عليه السلام نهى عن بيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن، فأخبر أن بيع

ما لم يقبض غير مضمون فمنع من طلب الربح فيه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أرأيت لو منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ "، فمنع من المطالبة بالثمن لتلف الثمرة قبل القبض، ونبه به على [كل] مبيع تلف قبل القبض.
ولأنه لو دخل في ضمانه قبله؟ لكان حال البائع فيه كما بعد القبض، وليس كذلك؛ فإن ما يحدث بالمبيع من عيب قبل القبض يستحق المشتري به الفسخ، هكذا أورده الماوردي، وفي الثاني دلالة على أن ما ذكره متفق عليه، وإلا لم يحسن التمسك به.
والمراد بالدخول في الضمان بالقبض: أن المبيع لو تعيب لم يثبت له بسببه فسخ، ولو تلف لا ينفسخ العقد، وإن كان في مدة الخيار، كما ستعرفه من بعد؛ هذا هو المشهور.
وفي "الحاوي" [عند الكلام في الجائحة] أن ابن أبي هريرة قال: المقبوض في خيار الثلاث يستحق رده بما يحدث من العيوب في زمن الخيار، وإن كان القبض تاماً، وأبدى من عند نفسه منع ذلك.
واعلم أن الشيخ ذكر هذا الفصل؛ لأمرين: أحدهما: الاحتراز عن مذهب من صار إلى دخوله في ضمانه بمجرد العقد، وهو الإمام مالك على ما حكاه المتولي، والبغوي أيضاً، وعن أبي ثور.
وخصص ابن الصباغ محل الخلاف، بما إذا لم يكن المبيع مكيلاً، ولا موزوناً، ولا معدوداً، وأن الإمام أحمد وافقه.
وحكى المتولي وغيره عنه أنه استدل بقوله عليه السلام: "الخراج بالضمان"،

ومعناه: خراج الشيء وفوائده [لمن الشيء في ضمانه] وفوائد المبيع للمشتري؛ فوجب أن يكون من ضمانه.
وأجيب عن ذلك بأنه- عليه السلام- جعل الخراج بالضمان، وما جعل الضمان بالخراج؛ فدل الخبر على أن من كان الشيء من ضمانه كان الخراج له، فأما أنه يدل على أن من استحق الخراج يكون الشيء من ضمانه فلا.
قال القاضي أبو الطيب: ولأن الخبر ورد على سبب؛ لأنه روي أن رجلاً اشترى عبداً فاستعمله، ثم وجد به عيباً فرده، فقال الراوي: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا أن الخراج بالضمان، وكان ذلك بعد القبض، فلا يتناول ما قبل القبض.
الثاني: بيان أن غير القبض لا يحصل هذا الغرض، وهو الصحيح، وفي "التهذيب": أن المشتري لو أبرأ البائع عن ضمان المبيع برأ على قول، حتى لو تلف لا ينفسخ العقد، ولا يسقط الثمن.
قال: ولا يستقر ملكه عليه إلا بالقبض، والاستقرار: عبارة عن الأمن من سقوط [الملك بسبب انفساخ] العقد لا فسخه، فإن كلا من العوضين بعد قبضه الملك فيه مستقر وإن لم يؤمن [زوال الملك] فيه بسبب الفسخ [بالعيب].
وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب في كتاب الضمان عن أبي إسحاق إشارة إلى هذا، وفي "تعليق" البندنيجي في كتاب الضمان- أيضاً- أن المستقر ما لا

يخشى سقوطه بزوال سببه، كثمن المبيع بعد قبض المبيع على وجه الصحة، والأجرة بعد انقضاء المدة، والمهر بعد الدخول، والعوض في الخلع، وقيم المتلفات، وأروش الجنايات، وهذا وإن كان كلاماً في الدين، فيمكن أن يقاس عليه العين.
والمراد بالقبض هاهنا: قبض المقابل؛ لأن الملك قبل قبض المقابل متعرض للسقوط بتلفه وإن أفاد قبض المبيع التصرف، كما ذكرناه.
وعلى هذا التقدير يكون الشيخ بين في هذا الباب: متى ينتقل الملك في المبيع إلى المشتري؟ ومع القول بانتقاله متى يملك التصرف فيه؟ ومع ملك التصرف، بماذا يدخل في ضمانه؟ ومع الدخول في الضمان، متى يستقر؟ وهذا ترتيب حسن، ويدل على إرادته ذلك أن البندنيجي صرح به فقال: إذا وقع القبض من الطرفين استقر العقد به.
وكل منهما أخذ من كلام الشيخ أبي حامد، وما ذكراه في استقرار الأجرة باستيفاء المنافع أو تفويتها، وما ذكراه في استقرار الصداق بالدخول، وهو قبض المقابل بعد حكاية الشيخ أنها تملك التصرف فيه بالقبض.
واعلم أنه يوجد في بعض النسخ: ولا يستقر ملكه عليه إلا بالقبض، وانقضاء الخيار.
وهذه الزيادة غير محتاج إليها كما ستعرفه من بعد إن شاء الله تعالى.
قال: فإن هلك قبل القبض- أي المبيع- بآفة سماوية انفسخ البيع؛ لأنه فات التسليم المستحق بالعقد؛ فبطل كما في عقد الصرف، ثم من ضرورة الانفساخ انقلاب الملك إلى البائع؛ فإنه لو هلك ملكاً للمشتري، لاستحال أن يسترد الثمن ويقضي بالانفساخ، لكن متى ينقلب إليه؟ فيه وجهان: حكاهما الفوراني: أصحهما- وهو ما رجحه الإمام [واختاره ابن الحداد: أنه ينقلب عينا قبيل تلفه.
والثاني: أنه يستند إلى أول العقد].
[قال الإمام:] وحقيقة هذا؛ أنا نتبين بالأخرة أن لا عقد أصلاً؛ فيكون العقد قبل

القبض موقوفاً على ما يتبين.
وعلى الوجهين: لو كان المبيع عبداً كانت مؤنة تجهيزه، ودفنه على البائع، وعلى القول الأول تكون الزوائد والفوائد للمشتري، لكن لو تلفت في يد البائع قبل المطالبة بها لم يضمنها؛ لأن يده عليها يد أمانة.
قال ابن الصباغ: قبيل باب المصراة: وتكون للبائع على الثاني.
وقد قال الغزالي فيما إذا وقع الفسخ قبل القبض كلاماً يأتي مثله هاهنا، وصورته: فإن قيل: فما وجه رجوع الزوائد إلى البائع، وقد حدثت في ملك المشتري كما بعد القبض؟ قلنا: قائله تعلق بما روي أنه عليه السلام سئل عن غلة المبيع تسلم للمشتري بعد الفسخ وبعد القبض؟ فقال: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ"، أي: هو على خطر الضمان بالقبض، والغنم بالغرم، ومفهومه: أنها لا تسلم قبل القبض له.
والقائل الأول- أي: بكونها للمشتري- يتبع القياس ويقول: ذلك علة لمنع الرجوع، ذكره لقطع استبعاد السائل، وقبل القبض لا رجوع لعلة أخرى، وهو أنها حدثت على ملكه، والحكم قد يعلل بعلتين، هذا آخر كلامه.
وكثيراً ما يستشكل قوله: " [وقد] يعلل بعلتين"؛ فإن هذا من قبيل الواحد بالنوع؛ فإن الملك في الزوائد الحاصلة قبل القبض، غير الملك في الزوائد الحادثة بعده، ولا خلاف في أن الحكم في مثل ذلك يعلل بعلتين، وإنما الخلاف في الواحد بالشخص، فما وجه الإتيان بـ "قد"؟ وجوابه: أن الملك الحاصل بعد القبض قد وجد له علتان: كونه حدث في ملكه، وكون المبيع من ضمانه فكلامه عائد إليه، وهو واحد بالشخص؛ فاندفع الإشكال.
واعلم أن تعذر تسليم المبيع بما سنذكره، وما في معناه يقوم مقام التلف في الانفساخ، وذلك مثل أن يكون المبيع أرضاً فتغرق، أو يقع عليها صخرة لا يمكن

رفعها، أو حيواناً لم يألف الذهاب، والإياب فيطير أو ينفلت، أو جامداً فيقع فيما لا يمكن استخراجه منه.
وفي الرافعي حكاية وجه في غرق الأرض، ووقوع الصخرة عليها: أن ذلك لا ينزل منزلة التلف؛ لكن يثبت له الخيار، ورجَّحه.
واختلاط المبيع بمثله، هل ينزل منزلة التلف؟ فيه خلاف، وسنذكر مثله.
وأما اختلاطه بما ليس بمثل له إذا تعذر تمييزه؛ كالثوب والشاة، فالأصح: الانفساخ أيضاً.
وإباق العبد لا يقوم مقام التلف على الأصح، وكذا وقوع الجامد في الماء الذي يرجى حصوله.
وانقلاب العصير خمراً، هل يقوم مقامه؟ فيه قولان في "التتمة"، وفي "الوسيط" في كتاب الرهن: أن حكمه حكم الرهن بعد القبض، والذي ذكره في الرهن بعد القبض، أنه إذا عاد خّلَاً عادت وثيقة الرهن، ومساقه يقتضي أن العقد يستمر إذا عاد خَلّاً.
وهو ما حكاه القاضي الحسين في كتاب الرهن عن النص، وأنه يثبت له الخيار؛ لتبدل الحلاوة بالحموضة.
وفي "النهاية": أنه يفسد العقد، ولم يعد ملك المشتري بعوده خلّاً.
والفرق بينه وبين الرهن: أن الرهن عاد لبقاء ملك الراهن، وها هنا يعود إلى ملك البائع؛ لعدم العقد فلا يصح أن يبيعه بملك المشتري، وهذا ما صححه القاضي الحسين قبيل باب بيع المصراة، ثم قال: ولو سلم الخمر إلى المشتري فصارت في يده خلا، فهل يتم البيع؟ فيه وجهان مبنيان على ما لو غصب خمراً فتخللت في يده، فهل يجب ردها؟ تنبيه: تقييد الشيخ انفساخ العقد بتلف المبيع بما قبل القبض، يشعر بأنه إذا تلف بعد القبض لا ينفسخ.
وما بعد القبض فيه حالتان: إحداهما: بعد انقضاء الخيار، والحكم ظاهر فيها.
والثانية: في زمن الخيار، والحكم فيها عند الشيخ أبي حامد كذلك.

وقد ينفر منه فيحتاج إلى ذكر ما قيل فيه، وبه يظهر صحته، إن شاء الله تعالى.
فنقول: حكى ابن الصباغ فيما إذا تلف المبيع بعد القبض في زمن الخيار، عن القاضي أبي الطيب: أن الشافعي نص في بعض كتبه: على أن البيع ينفسخ، ويجب على المشتري القيمة.
وقال في كتاب الصرف: يلزمه الثمن- قال القاضي: ويحتمل أن يكون المراد بالثمن القيمة، ويحتمل أن يكون المراد به إذا كان الخيار للمشتري وحده، وقلنا: أن المبيع ينتقل إليه بنفس العقد.
وحكى الشيخ أبو حامد: أن الخيار لا يسقط، فإن فسخ العقد وجبت القيمة، وإن انقضى الخيار بني انفساخه على أقوال الملك، فإن قلنا بانتقاله بنفس العقد، أو توقفه استقر عليه الثمن، وإن قلنا بأنه لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار، قال أصحابنا: تجب القيمة؛ لأنه تلف في ملك البائع.
قال الشيخ- يعني أبا حامد-: وعندي أنه يضمن بالثمن؛ لأنه مسمى يثبت بالعقد فلا ينقطع مع بقاء العقد، واحتج لقوله: بأن القبض إذا وقع استقر البيع، وإذا استقر لم ينفسخ بهلاك المبيع.
قال ابن الصباغ: والطريقة الأولى أصح؛ لأنا إذا قلنا: إن المبيع في ملك البائع، فتلف لا يجوز أن ينتقل إلى المشتري بعد تلفه، وما ذكره من أن العقد ثابت فيثبت فيه المسمى غير مسلم؛ لأن العقدي نفسخ إذا تعذر إمضاء أحكامه بتلفه، وأما إذا قلنا: المبيع في ملك المشتري، فلا يمكننا أن نثبت استقرار العقد بتلفه؛ لأن في ذلك إبطالاً لخيار البائع، فمتى شاء المشتري أتلفه وأبطل خياره، ولا يمكن بقاؤه على حكم الخيار؛ لأنه إذا لم يتم العقد فلا يمكن إتمامه فيه بعد تلفه، كما لا يمكن العقد عليه بعد ذلك، وما ذكره من أن العقد يستقر به فغير صحيح؛ لأن القبض لا يستقر به العقد مع بقاء الخيار؛ ولهذا لا يدخل الخيار في الصرف لوجوب التقابض فيه، هذا آخر كلامه.
قلت: وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن قولك: لا يجوز أن ينتقل إلى المشتري بعد تلفه، مسلم، لكنا نقول: ينتقل قبيل التلف، كما إذا تلف المبيع في يد البائع بل

أولى؛ لأنه يتضمن إجازة العقد.
فإن قيل: هذا خلاف الأصل، وصرنا إليه في حق البائع لضرورة دل عليها نهيه عليه السلام عن بيع ما لم يقبضن وربح ما لم يضمن، ولا ضرورة بنا ها هنا.
قلنا: قد قيل به في محل لا ضرورة فيه، ولا تشوف للشارع، وهو: ما إذا أدى الضامن ما ضمنه في صورة يكون له الرجوع فيها على المضمون عنه، فإنا نقدر دخول المدفوع في ملك المضمون عنه قبيل الدفع للمضمون له، حتى يتمكن الضامن من مطالبته، ويرجع المضمون عنه إلى عينه عند فسخ العقد الذي وجب بسببه الدين.
وقد صرح بذلك الإمام في ضمن ما إذا ضمن الرجل للمرأة صداقاً عن زوجها، وغرم، ثم ارتدت قبل المسيس.
وقولك: إن العقد ينفسخ إذا تعذر إمضاء أحكامه بتلفه، مسلم، لكن مضى حكمه قد بينا أنه لم يتعذر.
وقولك: إن في ذلك إبطالاً لخيار البائع غير مسلم؛ لأن الكلام فيما إذا أجيز العقد بعد التلف، أو مضت مدته من غير فسخ، وقد قلت مثل ذلك فيما إذا أعتق المشتري العبد المبيع في زمن الخيار، وحكمنا بنفوذ العتق بعد إلزام العقد، إذا قلنا: [إن] الملك للمشتري أو موقوف، ولم يكن عتقه قاطعاً لخيار البائع.
وقولك: لا يمكن بقاؤه على حكم الخيار؛ لأنه إذا لم يتم العقد فلا يمكن إتمامه فيه بعد تلفه، كما لا يمكن العقد عليه بعد ذلك.
قلنا: لا نسلم؛ فإن إتمامه يقع بطريق الضمن والتبع، وذلك يغتفر فيه [ما لا يغتفر] فيما يقع ابتداء.
وقولك: إن القبض لا يستقر به العقد مع بقاء الخيار، فذاك مبني عندك على اعتقادك أن العقد ينفسخ بتلفه، وقد منعناه.
وقولك: ولهذا لا يدخل الخيار في الصرف؛ لوجوب التقابض فيه، مسلم، لكن

ذلك لا يدل على أنه لا يستقر بالقبض.
والله أعلم.
والذي حكاه الماوردي: الجزم بانفساخ العقد في خيار المجلس على الأقوال كلها، فيضمن القيمة سواء كان المبيع مما له مثل، أو مما لا مثل له؛ لأن ما له مثل إنما يضمن بالمثل في الغصب، أما إذا كان مضموناً على وجه المعاوضة، كالمقبوض للسوم، أو بعقد [بيع] فاسد أو مفسوخ، فإنه يضمنه بالقيمة دون المثل.
وأما خيار الشرط فإن كان لهما، أو للبائع وحده فالحكم كذلك، وإن كان للمشتري وحده فإن قلنا: لا يملك إلا بانقضاء الخيار، أو هو موقوف، فهو ضامن له بالقيمة دون الثمن أيضاً.
فإن قيل: إنه قد ملكه بنفس العقد فعلى وجهين: أحدهما: وهو ظاهر نصه في البيوع أنه ضامن بالقيمة دون الثمن.
والوجه الثاني- وقد أشار إليه في "كتاب الصداق"-: أنه ضامن له بالثمن المسمى دون القيمة؛ لأن ثبوت الخيار له وحده يجري مجرى خيار البيع.
والذي حكاه الإمام عن صاحب "التقريب" وأصحاب القفال- وقال: إنه المرضي، بناء ذلك على أقوال الملك.
فإن قلنا: إن الملك للبائع انفسخ؛ لأنا إذا حكمنا بالانفساخ عند بقاء يده، فمع بقاء ملكه أولى.
وعلى هذا يغرم قيمة المبيع للمشتري.
قال: ويقطع باعتبارها وقت التلف؛ فإن المبيع قبله ملك للمشتري، وهذا منه تفريع على أن الفسخ بتلف المبيع قبل القبض يستند [إلى قبيل التلف، أما إذا قلنا: إنه يستند إلى] أصل العقد؛ فيتجه أن يكون حكمه حكم المستام أيضاً.
وإن قلنا: بعدم الانفساخ، فهل ينقطع الخيار؟ حكى الرافعي فيه وجهين: [أصحهما: أنه لا ينقطع، وفي "النهاية": أنه] إذا كان الثمن [عينا فخيار] البائع لا ينقطع، وهل ينقطع خيار المشتري؟ فيه وجهان، وهما يجريان أيضاً في حق البائع، إذا

كان الثمن في الذمة، فإن قلنا ببقاء الخيار وأجيز العقد ثبت الثمن، وإن فسخ وجبت القيمة، وإن قلنا بانقطاعه استقر العقد به ولزم الثمن.
فرع: إذا قبض المشتري المبيع في زمن الخيار، ثم أودعه البائع وتلف في يده قال الصيدلاني: هو كما لو تلف في يد المشتري، وكذلك صرح به المحاملي والبندنيجي، وقال الماوردي: إن المشتري يغرم القيمة، وهو ماش على ما ادعاه في أن العقد ينفسخ بتلف المبيع في يد المشتري.
وأبدى الإمام احتمالاً في رجوع البائع بالقيمة، إذا فرعنا [على] أن الملك له من حيث إن العين المملوكة [له] إذا عادت إلى يد صاحبها، وتلفت في يده يظهر أن يقال: لا ضمان على المشتري.
قال: وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن؛ لأنه تصرف فيه تصرفاً يبطل به حق الملك فكان ذلك قبضاً منه، كما لو كان عبداً فأعتقه، ولأن الإتلاف ينزل منزلة القبض فيما إذا أتلف المالك العين المغصوبة في يد الغاصب، حتى يبرأ الغاصب من عهدتها، وكذلك ها هنا.
وحكى الشيخ أبو علي الطبري: وجهاً أن إتلافه ليس بقبض، فيتلف من ضمان البائع وينفسخ العقد.
وعلى الأول: إنما يجعل الإتلاف قبضاً إذا علم المشتري أنه المبيع، أما إذا لم يعلم، وكان المبيع طعاماً، فقدمه البائع إليه فأ: له؛ ففي جعله قابضاً له حتى يبرأ البائع الخلاف المذكور في مثله من الغصب، فإن لم نجعله قابضاً فهو كما لو أتلفه البائع.
ثم حيث قلنا بعدم الانفساخ، فهل يأخذ من المشتري القيمة، وتحبس لوفاء الثمن؟ الذي أجاب به الإمام هنا، أنه لا يلزمه ذلك وجهاً واحداً، وحكى في باب الحميل والرهن: أن صاحب "التقريب" روى وجهاً [واحداً] في أن إتلافه لا يكون قبضاً، وأن القيمة تلزمه وتكون محبوسة بالثمن.
فرع: إذا كان المبيع عبداً مرتداً فقتله المشتري؛ ففي فتاوى صاحب "التهذيب"

كما حكاه الرافعي قبل باب الديات: أن المشتري إن كان الإمام، وقصد قتله عن الردة انفسخ البيع، ووقع القتل عن الردة.
وإن كان غير إمام استقر العقد، سواء قصد القتل عن الردة أو لا؛ لأنه لا يجوز له ذلك بخلاف الإمام.
[فرع] آخر: إذا أتلف المشتري بعض المبيع في يد البائع، جعل كالقابض له، إن كان مما يتقسط الثمن عليه، كأحد العبدين، وإن كان مما لا يتقسط الثمن عليه كأرش البكارة، فيما إذا وطئ المشتري الجارية المبيعة في يد البائع ففي "الحاوي": أن الجارية إذا تلفت انفسخ العقد ووجب على المشتري أرش بكارتها.
وفي "شرح الفروع" للقاضي أبي الطيب: أنه يجب منسوباً من الثمن، وطرد ذلك فيما إذا قطع يد العبد ثم مات في يد البائع بآفة سماوية أنه يستقر العقد في نصف المبيع بنصف الثمن.
وكذلك فيما إذا قطع يديه، قال: يستقر العقد بجملة الثمن، حتى إذا تلف العبد بعد ذلك، لا يرجع المشتري على البائع بشيء.
وفي "الحاوي" حكاية خلاف في صورة قطع اليد في أن البائع يرجع على المشتري عند تلف العبد، بماذا؟ هل بالأرش المقدر كالأجنبي، أو بما نقص من القيمة؛ لأن الجناية كانت في ملكه، بخلاف الأجنبي.
وفي "التهذيب" أنه يستقر على المشتري من الثمن بنسبة ما انتقص من القيمة، وهو المذهب في "تعليق" القاضي الحسين والمجزوم [به] في "شرح الفروع" للقفال، وقال الإمام في باب الديات عند الكلام في ضمان جراح العبد: إنه يستحيل أن يجعل المشتري قابضاً لجميع المبيع بقطع يد العبد؛ إذ يستحيل القول به مع بقاء العبد في يد البائع؛ فلا يتأتى في ذلك إلا اعتبار النقصان.
قال: وإن أتلفه أجنبي- أي بغير حق- ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ البيع؛ لأن المعقود عليه قد فات، فأشبه الفوات بالآفة السماوية، فعلى هذا يسترد المشتري الثمن إن كان قد أنفذه، ويطالب البائع الأجنبي بالبدل، وهذا ظاهر المذهب في "التتمة"، والصحيح في "تعليق" القاضي أبي الطيب.
والثاني: لا ينفسخ، بل يثبت للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء، والرجوع

على الأجنبي بالقيمة- أي كما تقدم- وأما عدم الانفساخ؛ فلأن هذا الإتلاف يستعقب ضماناً على المتلف، والبدل إذا ثبت خلف المتلف في الأعواض المالية.
وأما ثبوت الخيار فلفوات غرضه المتعلق بالعين، وهذا القول هو الصحيح في الرافعي، و"تعليق" القاضي الحسين، والمذهب في "النهاية" في آخر باب اختلاف المتبايعين، ولم تعرف المراوزة غيره على ما حكاه الإمام قبل ذلك.
وفي "الوسيط": أن العراقيين قطعوا بأنه لا ينفسخ، وقالت المراوزة: فيه قولان.
وهذا مما استدرك عليه؛ فإن صوابه العكس على المشهور.
وفي "العدة" للطبري عن أبي العباس: أنه لا ينفسخ البيع قولاً واحداً.
فرع: إذا أجاز المشتري العقد وأخذ البدل لم يكن للبائع حبسه لوفاء الثمن على أظهر الوجهين، بخلاف المرهون إذا تلف.
والفرق: قوة الرهن وضعف حق الحبس، ومقابله مجزوم به في "تعليق" القاضي الحسين؛ فإن للبائع مطالبة الأجنبي بالقيمة كما للمشتري مطالبته، كما للراهن والمرتهن مطالبة متلف الرهن بقيمته، وهو الذي صدر به الإمام كلامه في باب التحالف، وذكر بعده ما قاله القاضي من تمكينه من المطالبة، ثم قال: ومن أصحابنا من يقول: ينقطع حق الحبس، وظاهر ذلك يقتضي ترجيح ثبوت حق الحبس.
ثم إذا قلنا به فتلف البدل قبل القبض لم ينفسخ العقد على الأظهر من الوجهين.
[فرع] آخر: لو أراد الفسخ بعد الإجازة كان له ذلك على ما حكي عن جواب القفال.
وقال القاضي: لم يكن له؛ لأنه رضي بما في ذمة الأجنبي فأشبه الحوالة، أما إذا كان إتلاف الأجنبي بحق؛ كما إذا قتل العبد المبيع قصاصاً فإنه كالآفة السماوية وجهاً واحداً.
قال: وإن أتلفه البائع انفسخ العقد؛ لأنه يضمنه بالثمن إذا تلف في يده بحكم عقد البيع، فكذلك إذا أتلفه؛ لأنه لا يجوز أن يكون مضموناً عليه بالقيمة والثمن.
قال: وقيل: هو كالأجنبي؛ لأنه تلف بفعل آدمي غير المشتري فأشبه الأجنبي، ولأن إتلاف الراهن العين المرهونة كإتلاف الأجنبي؛ فكذلك ها هنا، لكن الأصح على هذه الطريقة من القولين انفساخ العقد كما حكاه الرافعي، وعلى القول بعدم

الانفساخ يعود الخلاف في حبس القيمة، وعن الشيخ أبي محمد: القطع ها هنا بأنه لا يحبسها لتعديه بإتلاف العين، ويقوم مقام إتلاف البائع عتقه لما بقي في ملكه من العبد الذي باع بعضه، وهو موسر وإتلاف الأعجمي، والصبي الذي لا يميز بإذنه، و [إذا طالبه المشتري بتسليمه فامتنع تعدياً ثم تلف أقامه كيد العدوان مقام الإتلاف، كما حكاه الإمام عن القاضي عند الكلام في مسألة العلج، ثم قال: وهذا فيه احتمال من جهة أن الإتلاف إذا لم نوجبه كاليد القائمة يد عقد؛ ولهذا لا يتصرف المشتري في المبيع والحالة هذه، فتغليب ضمان العقد أولى].
ويقوم مقام إتلاف المشتري إتلاف الأعجمي والصبي الذي لا يميز بأمره، وإتلاف الأجنبي بأمره.
وقال القاضي الحسين: إنه يلغو إذنه وإذا أتلفه كان له الخيار، وإذنه للبائع في الأكل والإحراق لا يخرج الفعل عن نسبته إلى البائع حتى يكون في ضمانه.
ولو صال العبد المبيع على المشتري فقتله دفعاً فعن الشيخ أبي علي: أنه لا يستقر عليه الثمن وهو موافق لما حكاه الرافعي في مثل هذه الصورة في كتاب الغصب، أن الغاصب لا يبرأ، سواء علم المالك بأن الصائل عليه عبده أم لا، ونحا القاضي إلى أنه يستقر، ويظهر أن يكون محله إذا علم بأنه المبيع، كما حكى الرافعي في الغصب وجهاً مثله.
وإتلاف عبد البائع أو المشتري المبيع بغير الإذن كإتلاف الأجنبين فإن أجاز العقد وكان المتلف عبده جعل قابضاً كما لو أتلفه بنفسه.
وإتلاف بهيمة المشتري المبيع بالنهار يفسخ البيع، وبالليل لا، وللمشتري الخيار: فإن أجاز فهو قابض، وإلا طالبه البائع بقيمة ما أتلفته بهيمته، وإتلاف بهيمة البائع أطلق القفال في فتاويه أنه كالآفة السماوية، وإن كان قد فصل في بهيمة المشتري كما ذكرناه، ثم ما ذكرناه مفروض فيما إذا لم يكن مالكها معها، أما إذا كان معها فالتلف منسوب إليه ليلاً كان أو نهاراً.
وبيع البائع المبيع وتسليمه، وعجزه عنه منزل منزلة جنايته، على ما هو محكي في فتاوى القاضي، والقول: قوله إنه عاجز مع اليمين.
وفي "الإشراف": أن البائع إذا طولب بتسليم المبيع وادعى حدوث العجز عنه حبس حتى يقيم البينة.
فإن قال البائع: المشتري يعلم عجزي فله تحليفه، لكن على

البت أو على النفي؟ فيه خلاف.
فرع: إذا انتفع البائع بالمبيع قبل القبض لم يجب عليه الأجرة على ظاهر المذهب؛ بناءً على أن جنايته كالآفة السماوية، وإن جعلت كإتلاف الأجنبي وجبت، قاله البغوي والغزالي في كتاب الصداق.
وحكى في الفتاوى: أن الصحيح أنه يضمن الأجرة إذا أمسك المبيع بعد تسلمي الثمن مدة لمثلها أجرة، ومقتضى ذلك أن يقول به عند الانتفاع من طريق الأولى.
قال: والقبض فيما ينقل النقلُ أي: مثل الأخشاب والأمتعة الثقيلة والطعام الكثير والمراكب، والرقيق والبهائم وما أشبه ذلك- النقل.
[قال]: وفيما يتناول باليد أي: مثل الذهب والفضة واللآلئ والثوب والطائر، وما أشبه ذلك- التناول.
[قال: وفيما سواهما أي: مثل الأراضي والدور والأخشاب القائمة في الأرض التخلية.
والدليل على ذلك: أن الشرع أطلق القبض في البيع، وأناط به أحكاماً ولم يبينه، ولا له حد في اللغة يرجع إليه؛ فكان المرجع فيه إلى العرف كالحرز في السرقة والإحياء، والعرف قاض باعتبار ما ذكرناه.
وفي "الوسيط" حكاية قول عن حرملة: أن التخلية تكفي في المنقول كالعقار، ووجه: أنها تكفي لنقل الضمان دون ملك التصرف، ونسبه الإمام إلى العراقيين، لكن بشرط أن يوجد من المشتري قبول ذلك، أما إذا لم يكن منه قبول فلا ينتقل إليه الضمان.
وفي الجيلي حكاية وجه: أن التناول باليد يكتفي به في الرقيق والبهائم، والمذهب: أن التخلية لا تكفي؛ لنهيه عليه السلام: أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وما روي عن ابن عمر أنه قال: "كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً؛ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه".

وأن القبض في الرقيق بأن يستدعيه فيأتيه، وفي البهائم أن يسوقها أو يقودها.
وفي "الحاوي": أن شراء الموضع الذي فيه المبيع مع التخلية يقوم مقام قبض المبيع، ولو استأجره؛ فوجهان، بخلاف ما لو استعاره.
وضعف الشاشي قوله.
وقد حكى القاضي الحسين في تعليقه ما حكاه الماوردي: فيما إذا اشترى الموضع وجهاً، وطرده فيما إذا اشترى الزرع بشرط القطع ثم اشترى الأرض.
وفي "التتمة" وغيرها: أنه إذا اشترى داراً مع طعام فيها، أن التخلية تكفي فيهما على وجه.
وهو ما حكاه الماوردي، وإن لم يكتف بها فيما إذا بيع منفرداً.
وعلى وجه: لا تكفي، وهو الأصح في الرافعي.
تنبيه: المراد بالنقل: أن يحوله المشتري- بإذن البائع أو بغير إذنه ولم يكن له حق الحبس- إلى مكان لا يختص بالبائع، سواء كان يختص بالمشتري كملكه، أو ما هو مستأجر معه، أو مستعار.
أو لا يختص به كالمساجد والشوارع.
وفي "الحاوي" أن المعتبر فيه إخراجه من الحرز الذي كان فيه، وإن لم يجعله المخرج في حرز.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه لو وضعه في جواليق لنفسه، وخرج ليحضر الجمال فهو قبض وإن كانت الجواليق في دار البائع، وكذلك لو استعار منه الجواليق.
أما إذا كان للبائع حق الحبس ونقله بغير إذنه، فقد حصل نقل الضمان.
وهل

يملك التصرف؟ فيه وجهان في "الوسيط" والمذكور في الرافعي و"الحاوي": العدم، وفي "النهاية" حكاية عن الشيخ أبي محمد: أن الاستيلاء- كما ذكرنا- لا يقتضي نقل الضمان، كما لا يقتضي التصرف، وهو بعيد.
ولو حصل النقل والتحويل من البائع بأن وضعه في بيت المشتري، أو في حجره، أو بين يديه بإذنه حصل القبض، وإن كان بغير إذنه ورضاه فالمذهب في "النهاية" أنه يحصل أيضاً، إذا مكنه من قبضه والاحتواء عليه.
وفي بعض التصانيف وجه آخر: أن هذا لا يكون قبضاً ما لم ينقله المشتري، قال الإمام: وهذا الوجه عندي يخرج على قول من يرى بعدم الإجبار على قبول الدين الحال.
والأول يخرج على القول بوجوبه، وهو المذهب.
وقال في باب اختلاف المتبايعين: إن سبب الوجوب تخليص البائع من عرضة الضمان، وبه جزم ثَمَّ.
وفي الرافعي قياس القول على ما إذا وضع الغاصب المغصوب بين يدي المغصوب منه فإنه يبرأ.
وفرق المتولي بينهما: بأن المالك في الغصب يده سابقة، وإنما وجد من الغاصب

نوع تعدٍّ، وقد ترك العدوان، فعاد الشيء إلى يد مالكه، وها هنا المشتري لم يكن له يد سابقة ويد البائع ثابتة بحق فلا تزول إلا بتمام الاستيلاء.
ثم على القول بحصول القبض لو خرج المبيع مستحقاً ولم يوجد من المشتري وَضْعُ يدٍ عليه لم يكن للمستحق مطالبته.
وعلى القول بعدم حصوله، للحاكم [أن يجبره على أخذه، فإن امتنع أمر الحاكم مَنْ يقبضه عنه، كما لو كان غائباً، كذا حكاه الرافعي].
ومقتضى ما وجه به الإمام عدم حصول القبض ألا يجبره الحاكم، ولا يستنيب من يقبضه عنه.
وفي "الوسيط" عند الكلام في وجوب البداية بالتسليم: أن صاحب "التقريب" قال: للبائع أن يقبضه من نفسه؛ لتصير يده يد أمانة، وله أن يدفع ذلك إلى القاضي [حتى يودعه تحت يده.
ثم قال: وهو بعيد.
وقبض القاضي وإيداعه أقرب.
وحكى الإمام عنه: أن للقاضي] أن يبرئه من ضمان المبيع فتصير يده يد أمانة، فإن لم يجد قاضياً؛ فيقبضه البائع من نفسه للضرورة، وعلى ذلك يحمل إطلاق الغزالي الخلاف عنه.
والمراد بالتخلية: أن يحضرا عند المبيع ويرفع البائع يده عنه، ويمكن المشتري من التصرف فيه، فيقول له: دونك هذا، ويدفع إليه المفتاح، سواء دخل أو لم يدخل، لكن يشترط ألا يكون ثَمَّ مانع شرعي ولا حسي.
وفي "الشامل" في كتاب الرهن: أن الدار إذا كان فيها قماش للراهن، وسلم الراهن للمرتهن المفتاح- حصل القبض.
وقال أبو حنيفة: لا يصح ثم قال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن كل ما كان قبضاً في البيع كان قبضاً في الرهن، وهذا منه يدل على أن القبض في البيع يحصل بذلك.
ولو لم يحضر المبيع فلا يكفي ذلك على وجه، وقيل: يكتفي بحضور المشتري وحده.
وقيل: لا يشترط حضور واحد منهما، وهو الأظهر.
نعم يشترط مضي زمان يمكن المضي إليه فيه على أصح الوجهين، وهو المحكي في "التتمة".

فرع: إذا باع الأب مال ولده المنقول من نفسه، أو بالعكس، ففي كيفية القبض وجهان حكاهما الماوردي: أحدهما: بالنقل والتحويل، كما ذكرناه.
والثاني: بالنية، إذا كان تحت يده من غير نقل وتحويل.
فرع [آخر]: إذا باع الجمد في المجمدة، وقد رآها قبل وضعه فيها، فتسليمه يكون على حسب الإمكان كما في بيع الدار المشحونة قماشاً، والسفينة المملوءة طعاماً.
وفيه وجه: أنه يلزمه تسليمه على حسب العرف والعادة، يأخذ الجمد منه في كل يوم وقراً، أو وقرين، أو ثلاثة.
والصحيح هو الأول.
حكاه القاضي الحسين في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار.
واعلم أن جميع ما ذكرناه فيما إذا لم يكن المبيع [تحت يد المشتري، وكان المبيع جزافاً غير مقدر بكيل ولا وزن ولا ذرع، أما إذا كان المبيع].
في يد المشتري، فإن كانت يده يد أمانة كيد المودع والمرتهن وغيرهما، أو يد ضمان كيد الغاصب والمستعير وغيرهما، فإن كان المبيع حاضراً كان مقبوضاً بنفس العقد، ولا يحتاج فيه إلى إذن من جهة البائع، وإن كان له حق الحبس، قال المتولي: لأنه لما باع منه [مع] كون المال في يده فقد رضي بدوام يده.
وفي الغصب وجه: بأن البيع جهة ضمان، والمال في يده مضمون؛ فسقط حكم ضمان القيمة وتقرر ضمان الثمن.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه لابد من النقل والتحويل بإذن البائع إذا كان له حق الحبس.
وإن كان المبيع غائباً، فهل يشترط مضي زمان يمكن المضي فيه إليه؟ [فيها] وجهان، أصحهما: ما حكاه الرافعي في كتاب الرهن: نعم.
وهو ما جزم به المحاملي والبندنيجي.
ثم هل يشترط المضي إليه؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: التفرقة بين ما ينتقل كالحيوان فيشترط، أو لا ينتقل كالعرض فلا يشترط.
وفي "النهاية": الفرق بين أن يكون مأمون التلف فلا يشترط، أو غير مأمون فيشترط.
وعلى القول باشتراط المضي، هل يشترط النقل والتحويل؟ فيه وجهان: أصحهما

  • وبه قطع بعضهم- أنه لا يشترط.
    وهل يحتاج في التصرف إلى إذن البائع على القول بعدم اشتراط النقل؟ ينظر: إن كان له حق الحبس فنعم، وإن لم يكن له حق الحبس فلا، على الأصح.
    ومقتضى ما ذكرنا فيما إذا كان المبيع في يده أنه لا يحتاج إلى إذنه وإن ثبت له حق الحبس على الأصح.
    وهو ما يقتضيه كلام الإمام في "كتاب الرهن" فإنه قال: وذكر أبو علي في الشرح وجهاً أن القبض لا يحصل، ولا يبطل حق البائع في حبس المبيع إذا أثبتناه ما لم يأذن أو يتوفر عليه الثمن.
    وهذا غريب ثم قال: والذي ينقدح لنا في هذا أنه إذا لم يحصل القبض حتى يتوفر الثمن فينبغي أن تكون العين في يد المشتري بمثابة المبيع يقبضه قبل توفية الثمن.
    وأما إذا كان المبيع مقدارً فلا بد مع ما ذكرناه في الصورة السابقة من الذَّرْع أو الوزن أو الكيل، فلو قبض جزافاً فاشتراه مكايلة دخل المقبوض في ضمانه، وفي صحة بيعه لما تيقن أنه له، وجهان: أحدهما- وبه قال ابن أبي هريرة وساعده الجمهور-: أنه لا يصح.
    وقال أبو إسحاق: إنه يصح.
    وقبض ما اشتراه كيلاً بالوزن ووزناً بالكيل كقبضه جزافاً، وكذا قبضه بكيل من غير جنس الكيل الذي اشترطه.
    ولو اشترى منه قفيزاً من طعام فاكتاله بالمكوك- الذي هو ربع القفيز- فوجهان وكذا لو اكتال الصاع بالمد على وجهين في "الحاوي".
    وسيأتي في الباب الثاني أن النووي حكى ما يقتضي أن المكوك ثمن القفيز.
    ولو قال الدافع: خذه فإنه كذا، فأخذه مصدقاً له، فالقبض فاسد أيضاً، حتى يجري اكتيال صحيح.
    ولو كان للبائع على غيره طعام، فقال للمشتري: اذهب معي لأقبضه وأكتاله لك، ففعل- فهو فاسد أيضاً؛ لنهيه عليه السلام: عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، يعني: صاع البائع، وصاع المشتري.
    ولو اكتاله البائع لنفسه ثم سلمه إلى المشتري في المكيال؛ ففي صحة القبض وجهان محكيان في "تعليق" البندنيجي وغيره.

أحدهما: لا يصح، حتى يفرغه ويبتدئ كيله.
وأظهرهما عند الأكثرين أن استدامة المكيال كابتداء الكيل.
ثم إذا فرغ واكتيل ثانياً فزاد زيادة يمكن أن تكون من اختلاف الكيلين فهي للقابض الأول.
وإن كانت أكثر من ذلك فهي للمقبض الأول وإن نقص فهو على القابض الأول.
ثم ليس على البائع الرضا بكيل المشتري، ولا على المشتري الرضا بكيل البائع.
[و] قال الرافعي: فإن لم يتراضيا نصب الحاكم أميناً يتولاه، وعزاه إلى "الحاوي".
فظاهر هذا يدل على أنهما لو تراضيا بكيل أحدهما جاز.
وحكى من بعد فيما لو أذن لمستحق الحنطة أن يكتال من الصبرة بحقه وجهين: أصحهما [أنه] لا يجوز؛ لأن الكيل أحد ركني القبض، وقد صار نائباً فيه من جهة البائع متأصلاً لنفسه.
والثاني: يجوز؛ لأن المقصود منه معرفة المقدار، والمقبض هو البائع.
ويشترط في صحة القبض أيضاً، أني كون المقبوض مرئيّاً للقابض، فلو لم يره، حكى الإمام أن بعض أصحابنا خرجه على الخلاف المذكور في التقابض مجازفة، ثم قال: وهذا فيه فضل نظر فإن القبض من غير رؤية، يخرج عندنا على بيع الغائب، فإن قبض غير ما ثبت في الذمة ملكاً كالمبيع يحل محله.
فرع: مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض على البائع [كمؤنة إحضار المبيع الغائب ومؤنة وزن الثمن على المشتري، قاله الرافعي، ومؤنة نقل الثمن على البائع] أو على المشتري؟ حكى الماوردي فيه وجهين.
وقد نجز الكلام في كيفية القبض وحكمه، وبقي أمران ىخران: أحدهما: القابض: وهو كل من يصح منه البيع، وقد أشار إلى ذلك الغزالي بقوله: ولا يعتد بقبض الصبي فإنه سبب ملك أو ضمان.
فلو قال: أد إلى الصبي، فأدى لم يبرأ؛ لأن ما في الذمة لا يتعين ملكاً إلا بقبض صحيح، بخلاف ما لو قال: رد الوديعة إليه فإن الوديعة متعينة وذلك مستمد مما قاله

الإمام: من أن الصبي ليس من أهل القبض فيما لا يكون من أهل العقد فيه فإن القبض فيه من الخطر ما يزيد على العقد.
والقبض إن كان مملكاً في عقد- كالقبض في الهبة- فهذا الصبي لا يصلح له كما لا تصلح عبارته للفظ الذي يملك به.
وقد أطال بعض المتأخرين في بيان مراد الغزالي من قوله: "سبب ملك أو ضمان"، ولم يُظْهر له معنىً معتبراً.
ومراده- رضي الله عنه- أن الصبي لا يعتد بقبضه المبيع؛ [لأن القبض] فيه سبب ملك، أي: في العوض الثابت في الذمة إذا عين؛ أو ضمان، أي: في نقل المبيع المعين من ضمان البائع إلى ضمان المشتري، والصبي ليس أهلاً للتملك بهذا الوجه، وإن كان أهلاً لتملك المباحات؛ لأنه ليس فيها نقل ملك عن الغير بل افتتاح ملك، وهو محض مصلحة لا ضرر عليه فيه ولا هو أهل للضمان، [فهذا هو الوجه] وإن كان أهلاً للضمان بالإتلاف للخبر الثابت، ويدل على ذلك تتمة كلامه فإنه قال: لو قال: أد إلى الصبي فأدى لم يبرأ لأن ما في الذمة لا يتعين ملكاً إلا بقبض صحيح بيَّنهما على مأخذ المنع، فيما إذا كان المبيع في الذمة.
واحترز- رضي الله عنه- بقوله: "لأن ما في الذمة لا يتعين ملكاً" عما يتعين حقّاً لا ملكاً، وهو ما إذا التقط طعاماً وجوزنا له أكله وعزل القيمة، فإن مالك الطعام أحق بالقيمة، وإن لم يملكها بذلك وعلى ذلك إشكال يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فرع: يجوز لمن له القبض التوكيل فيه، ويشترط في الوكيل ألا تكون يده يد المقبوض منه كعبده غير المأذون، ومستولدته، ومدبره.
ويجوز توكيل مكاتبه.
وفي توكيل عبده المأذون وجهان: أصحهما: أنه لا يجوز.
ووجه الجواز محمول على ما إذا ركبته الديون، أما إذا لم يكن عليه دين، فلا يجوز وجهاً واحداً- كما سنذكر نظيره في كتاب الرهن عن الشيخ أبي علي.
[الأمر] الثاني: المحل الذي يستحق الإقباض فيه: إذا كان المبيع منقولاً، فإن كان حاضراً [لدى العقد] استحق تسليمه في موضع العقد.
وإن كان غائباً فقد حكى الماوردي: أنه لابد من ذكر البلد الذي هو فيه، ولا يشترط ذكر البقعة من البلد.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل