كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
كمالها، وهذا هو الأصح.
وقال الشافعي – رضي الله عنه -: إنه أحب إليَّ.
وعلى هذا فروع.
منها: إذا قتل الولد، فإن كان القتل خطأ أو من حر، [في قيمته] قولان:
أحدهما: أنها لأمه؛ لأنه من كسبها، فكان [بدله لها]؛ كما لو قتل عبدها.
والثاني: أنه للمولى، وهو الأصح؛ لأنه تابع لأمه، والأم لو قتلت كانت قيمتها للسيد؛ فكذلك قيمة الولد.
وعلله أبو إسحاق بأن الولد لم يَجْرِ عليه عتق ولا هو ملك للأم، وإنما هو ملك لسيده، وإنما هو وقف على الحرية والرق، ولأن السيد لو أعتقه عتق، فلو كان كسباً لأمه تستعين به في كتابتها لما جاز أن يعتقه [السيد].
ولو كانت الجناية عمداً توجب القصاص، فعلى الأول: لها القصاص، وهل لها العفو؟ إن قلنا: الواجب القصاص عينا، فنعم، وإن لم يأذن فيه السيد، وإن قلنا: الواجب أحد الأمرين، فلا يجوز بدون إذن السيد، وبإذنه قولان.
الثاني: لو كانت الجناية على الطرف فقولان:
أحدهما: أنه لأمه.
والثاني: أنه موقوف على عتقها.
الثالث: لو اكتسب مالاً فقولان منصوصان:
أحدهما: أنه لأمه.
والثاني: أنه موقوف.
وقيل: إنه [يكون] للسيد؛ [بناءً] على أن القيمة له، قال في "البحر": وليس بشيء.
وقال أبو إسحاق: "إن قول الشافعي لا يختلف إذا كان الولد حيًّا: أن الأم
[لا] تأخذ ما في يده، [ويكون موقوفاً]، وزعم بعض أصحابنا أنه في حياته فيه قولان:
أحدهما: للأم.
والثاني: موقوف، ولا نص فيه للشافعي –رضي الله عنه – نعلمه.
الرابع: نفقة الولد إن كان كسوبا فمن كسبه، وألا فهي متفرعة على الأقوال في كسبه لمن يكون؟ فإن قلنا: لأمه، فعليها، وإن قلنا: للسيد، فعليه، وإن قلنا: يكون موقوفاً، فوجهان:
أحدهما: على سيده؛ لأنه على ملكه.
والثاني: في بيت المال من سهم المصالح؛ لأنه محتاج إليه.
الخامس: إذا أشرفت المكاتبة على العجز، فإن لم يكن في سكب الولد وفاء بأداء مال الكتابة، وقلنا: إنه موقوف – لم يدفع إليها، وإن كان فيه وفاء فقولان.
ولو أراد السيد عتقه، فإن قلنا: كسبه له، أو موقوف، والمكاتبة إذا أشرفت على العجز لا تنتفع بكسبه – نفذ عتقه، وإن قلنا: كسبه للمكاتبة، أو قلنا: إنه موقوف، وإذا أشرفت على العجز يدفع إليها – لم ينفذ؛ لان فيه إضراراً بها وتعطيلاً لكسبها، وهذه طريقة الماوردي والبندنيجي.
قال أبو إسحاق: يعتق الولد قولاً واحداً، نص عليه في "الأم"، وقال بعض أصحابنا: لا ينفذ عتقه فيه إذا قلنا: ما في يد الولد للام.
وليس بشيء.
قال في "البحر": وهذه [الطريقة] أصح، وكتابة السيد له كعتقهن وولد ولد المكاتبة حكمه حكم أمه.
قال: ولا يجوز للمولى بيع المكاتب في أصح القولين، وهو الجديد، وقد ذكرناه في البيع بفروعه، وبنى القاضي الحسين القولين على أن المغلب في الكتابة حكم الصفة أو المعاوضة؟ فإن قلنا بالثاني منعنا، وإن قلنا بالأول جوزنا.
والوصية بالرقبة مع صحة الكتابة، أطلق الأصحاب القول بفسادها، حتى لو
عجز [أو أدى] المال لم يسلم للموصي له شيء، وهذا تفريع على منع البيع، أما إذا جوزناه فالوصية أولى، صرح به القاضي الحسين، وقد تقدم فيما إذا أوصى بعبد إنسان أن الوصية تصح على رأي، ومقتضى هذا: إذا عجز المكاتب قبل موت الموصي أن تصح الوصية، وتدفع للموصى له، ويجوز أن يقول: أو صيت له برقبة المكاتب إذا عجز كما حكاه البندنيجي وصاحب "البحر" عن "الأم"، وجزم القاضي الحسين بالمنع في هذه الصورة، وذكر البندنيجي والإمام الوجهين فيما لو قال: أوصيت بهذا العبد لفلان إن ملكته يوماً.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً: أن الوصية تصح في المكاتب، ولا تصح في [الوصية بعبد] الغير إذا ملكه.
قال: ولا يبعُ ما في ذمته أي: من النجوم في أصح القولين؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وذلك غرر، ولأنه غير مستقر؛ لقدرة العبد على إسقاطه، فإذا لم يجز بيع المسلم فيه مع لزومه فهذا أولى، ولأن مال الكتابة غير لازم؛ فلا يجوز أن يعقد عليه بيع لازم لتنافيهما.
والقول الثاني- قال أبو إسحاق: أومأ إليه في القديم -: أنه يجوز؛ لأنه يملك ما في ذمة المكاتب؛ فصار كسائر أمواله، وعلى هذا: فالفرق بينه وبين المسلم فيه: أن هذا ثمن، والمسلم فيه مبيع، والثمن يسامح فيه، بخلاف المبيع.
والجمهور لم يثبتوا هذا قولاً، وقالوا: لا نعرف له غير الأول، وإنما نص في القديم على جواز بيع الرقبة.
التفريع:
إن قلنا بالصحة، فإذا قبض المشتري النجوم عتق المكاتب، وكان الولاء للبائع جزماً، وإن قلنا بمقابله فقبضها فهل يعتق المكاتب؟ قال في هذا الباب: إنه يعتق، وقال في باب آخر: إنه لا يعتق.
فقال أبو العباس: فيه قولان:
أحدهما: أن ذمة العبد تبرأ ويعتق؛ لأن السيد سلطه على القبض، وأطلق الإذن للمكاتب بالدفع؛ فكان بمنزلة الوكيل.
وهذا ما قال الماوردي: إنه مذهبنا.
والثاني: أنه لا يبرأ ولا يحصل العتق.
ولا فرق على هذا بين أن يصرح السيد للمكاتب بالدفع أو لم يصرح كما حكاه البندنيجي.
وقال أبو إسحاق: القول الأول محمول على ما إذا صرح بالإقباض، والثاني محمول على ما إذا لم يصرح.
ثم إذا عتق العبد بذلك وجب على المشتري رداً ما أخذ – إن كان باقياً – على البائع، وبدله إن كان تالاً، فإن كان بدله من جنس الثمن، وقد أتلف البائع [الثمن] – جاءت أقوال التقاص الآتية، وإن قلنا بعدم البراءة وجب عليه رده – إن كان باقياً – على المكاتب، وبدله إن كان تالفاً، والبائع لا يطالب غير المكاتب بالنجوم.
وحكى القاضي الحسين القولين في حصول العتق بقبض النجوم عند بيعها فيما إذا باع رقبة المكاتب وقبض النجوم، وأفسد القول بحصول العتق في هذه الصورة بأنه ثم سلطه على قبضها.
فرع: إذا جوزنا بيع النجوم فالاعتياض عنها من طريق الأولى، وإن منعنا البيع فهل يجوز الاعتياض عنها؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره.
قال: ويجوز أن يوصي بما في ذمته؛ لأنه إذا جازت الوصية بما لا يملكه في الحال: كثمرة النخلة، وحمل الجارية [الذي سيحدث] [فَلأَنْ يجو هنا والملك ثابت له من طريق الأولى.
[قال]: فإن عجز المكاتب عن أداء المال على الموصى له كان للورثة فسخ الكتابة؛ لأن حقهم متعلق بالعين، وحق الموصى له متعلق بالذمة]، فكان
حقهم آكد.
قال في "الأم": وهكذا الحكم فيما لو أوصى برقبة المكاتب لشخص إذا عجز عن أداء النجوم، وبالنجوم لأخر - كان للموصى [له] بالرقبة عند العجز الفسخ، وليس للموصى له بالنجوم المنع.
قال الإمام: والمتعاطي لتعجيزه في هذه الحالة الحاكم إذا [تحققت الواقعة عنده].
وقال ابن الصباغ: في هذا نظر؛ لأن الحق للموصى له؛ بدليل أنه إذا ابره عتق، ولا حق لصاحب الرقبة فيه؛ [فكيف يقدر بتعذره] على الفسخ؟!
وفي "التهذيب" وجه: أنه لا يصح إبراء الموصى له، وهو من تخريج القاضي الحسين.
فرع: إذا دفع بعض النجوم، ثم عجز عن الباقي - كان للورثة تعجيزه، وما قبضه الموصى له يسلم له.
قاله الماوردي وغيره.
قال: وإن كاتب أمة لم يملك تزويجها إلا بإذنها؛ لما ستقف عليه في كتاب النكاح، ولا يجوز له وطؤها، لأن الوطء إنما يستباح في زوجيَّة أو ملك تام، وليس هاهنا واحد منهما، ولأنه عقد عليها عقداً لا يعود إليه بسببه ارش الجناية عليها؛ فلم يكن له بعد ذلك وطؤها كما لو باعها.
قال: فإن وطئها، لزمه المهر أي: للمكاتبة؛ لأنه وطء، لا حد فيه؛ لشبهة الملك، فوجب به المهر لمستحق المنافع وهو المكاتبة، كما لو وطئ الموصى له بالرقبة دون منفعتها الجارية [المذكورة].
ولا فرق في ذلك بين [أن تكون] مكرهة أو مطاوعة.
[نعم، إن كانت مكرهة لا تعزير عليها، ويجب عليه إن كان عالماً بالتحريم، ويجب عليها إن كانت مطاوعة] وعَلِما.
ومن الأصحاب من خرج قولاً في حالة الطواعية: أن المهر يسقط، وهو الذي صححه صاحب "المنهاج"، وهو مخالف لنص الشافعي – رضي الله عنه-: في "الأم"، كما حكاه ابن الصباغ.
والطواعية مع الشبهة لا تقدح في وجوب المهر؛ كما في النكاح الفاسد، وهذا ما صححه المعظم.
وبنى الماوردي الخلاف على أن المرتهن إذا وطئ المرهونة بإذن الراهن، هل يجب عليه مهر؟ وفيه قولان، وقال القاضي الحسين: إن قلنا هناك: يجب، فهاهنا [أولى، وإن قلنا هناك: لا يجب]، فهاهنا قولان؛ بناءً على تبرعات المكاتب.
وقال القاضي: إن قول المنع لا يعرف للشافعي – رضي الله عنه – في شيء من كتبه، والقائل به خرجه من قول الشافعي – رضي الله عنه – في "المختصر": إن أكرهها فلا مهر لها؛ فدل على [أنه إذا وطئها مطاوعة] لا مهر لها.
وفرق بينها وبين المنكوحة نكاحاً فاسداً بأنها لم تمكن إلا على أن لها مهراً، وهذه مكنت غير طامعة في مهر:
ثم على الصحيح: لا يجب لها إذا تكرر الوطء [منه] سوى مهر واحد، نص عليه في "الأم".
نعم، لو دفعه إليها، ثم طرأ [بعده] وطء آخر وجب، وستقف على ما ذكرته في شيء يتعلق بذلك في كتاب الصداق.
ثم إذا وجب المهر، فإن كان من جنس النجوم جرت أقوال التقاص.
قال: وإن أحبلها صارت أم ولد له؛ لأنها مملوكة علقت بولد حر من مالكها، والاستيلاد فيها لا يبطل حق أحد؛ فكانت أم ولد له كما لو لم تكن مكاتبة.
واحترزنا بما ذكرناه عن وطء الجارية المرهونة والجانية بدون إذن المرتهن والمجني عليه؛ حيث لا تكون أم ولد على قولٍ.
ولا يجب عليه في هذه الحالة قيمة الولد إلا على قولنا: إن ولدها موقوف عتقه على عتقها، وإنه إذا قتل لا تكون قيمته للسيد.
قال: فإن أدت المال عتقت، وصحبها كسبها؛ لأنها عتقت بحكم الكتابة.
وإن مات السيد قبل أن تؤدي عتقت بالاستيلاد، وعاد الكسب إلى السيد"؛ لأنها عتقت [بحكم الاستيلاد].
وجزم البندنيجي وابن الصباغ والروياني بأن السيد إذا مات عتقت، وكانت الأكساب لها، وتبعها الولد؛ كما لو أعتقها في حياته، وكذا جزم به في "التهذيب" بعد أن حكى وجهين عن الأصحاب في أنها في هذه الحالة عتقت عن الاستيلاد أو عن الكتابة؟ وصحح الثاني.
وقال القاضي الحسين: إنا إذا قلنا بعتقها عن الاستيلاد عاد الكب للورثة –كما حكاه الشيخ – وبنى على الوجهين في أنها عتقت عن الكتابة أو عن الاستيلاد.
أما إذا علق عتق عبده بدخول الدار، ثم كاتبه، ثم دخل الدار – عتق.
ثم إذا قلنا بمذهب القفال، وهو أن المكاتبة إنما عتقت عند موت السيد بالكتابة، فهاهنا يعتق العبد عن الكتابة.
وإن قلنا: إن المكاتبة عتقت بالاستيلاد، إما لكونه حصل العتق بسببه، أو لكونه متقدماً – كما راعاه بعضهم – فهاهنا لا يقع العتق عن الكتابة؛ لأن من أوقعه ثم عن الاستيلاد نظر إلى كونه السبب، فهاهنا السبب التعليق، ومن [أوقعه ثم عن الاستيلاد]؛ لكونه متقدماً فالتعليق هنا متقدم [عليها]، وجزم بأنه إذا كاتبه ثم علق عتقه بدخوله الدار، فدخل – أنه يقع العتق عن الكتابة؛ كما لو نجز عتقه أو أبرأه.
فرع: لو أتت هذه المكاتبة بولد بعد الاستيلاد من نكاح أو زنَى فهو ولد أم ولد وولد مكابتة، فيتبعها [في] الاستيلاد قولاً واحداً، وهل يتبعها في العتق بالكتابة؟ فيه قولان، إن قلنا: لا يتبعها، فلا يعتق إذا أدت مال الكتابة، ويعتق بموت السيد.
آخر: إذا وطئ السيد أمة المكاتبة وجب عليه المهر جزماً، وصارت الجارية
أم ولد له، ووجب عليه قيمة الجارية للمكاتبة قال في "البحر": ولا يجب عليه قيمة الولد؛ لأنه قد ملك الأم بالتقويم، فإذا أتت بولد بعدما صارت أم ولد لم تلزمه قيمته.
قال: وإن حبس السيد المكاتب مدة، لزمه أجرة المثل في أصح القولين؛ لأن المنافع تضمن بالأجرة لا بالمثل، وتخليته مثل تلك المدة في القول الآخر"؛ لأنه دخل معه في العقد على أن يمكنه من التصرف في مدة فلزمه الوفاء بها.
والقولان جاريان فيما لو باعه السيد، وقلنا: لا يصح بيعه، واستولى عليه المشتري، [أو غصبه] واستخدمه حتى مضت مدة، كما حكاه البندنيجي والطبري عند الكلام في منع بيع المكاتب.
وكذا هما جاريان فيما إذا حبسه سلطان، أو ظالم، أو مرض، أو سبي.
وحكى الإمام عن العراقيين: أنا إذا قلنا عند حبس السيد له: يمهل، فلو حبسه غاصب، فهل يمهل على هذا القول؟ فيه وجهان.
وقد حكى البندنيجي في موضع آخر فيما إذا سبى المكاتب طريقين:
أحدهما: جريان الخلاف.
والثاني: القطع بالقول الثاني؛ إذ لا تقصير.
وحكى القاضي الحسين أن السيد إذا قهر المكاتب مدة، ثم ظفر المكاتب بالحاكم ورفع إليه القضية –كان للحاكم أن يوجب على السيد أجرة المثل:
فإن كان فيها وفاء بعتقه عتق، وإن لم يكن فيها وفاء فما حكمه؟ فيه قولان:
أحدهما: للسيد أن يعجزه.
والثاني: يضرب له مدة بقدر ما كان في يده.
ثم قال: وهذا قول غريب.
ثم شبه الخلاف بالخلاف المذكور فيما إذا اشترى شيئاً بشرط الخيار الثلاث، ثم مات قبل انقضائها، ولم يطلع الوارث على ذلك حتى انقضت: هل يضرب له قدر تلك المدة أم لا؟
[ثم] إذا قلنا: يضرب للعبد مدة، فالأجرة في هذه الحالة إذا كان الحبس من أجنبي تكون للسيد.
قال: وإن جنى عليه [أي]: بأن قطع طرفه مثلاً لزمه أرش الجناية؛ لأنه معه كالأجنبي، لكن هل يلزمه الأرش في الحال أو بعد الاندمال؟ فيه قولان في "الشامل" يأتي مثلهما في الكتاب – إن شاء الله تعالى – فإن قلنا: يجب في الحال، فإن كان من جنس النجوم ومال الكتابة حالٌّ جرت أقوال التقاصّ، ثم إن اندملت الجراحة [فلا كلام، وإن سرت إلى النفس فقد صار الجرح قتلاً، فإن كان الموت قبل أداء النجوم] انفسخت الكتابة؛ لان السيد لو قتله لانفسخت [الكتابة]؛ فكذلك هنا، وإن كان بعد أداء النجوم وعتقه لزم السيد كمال الدية: فإن كان [له] وارث سلمت له، وإلاَّ فهي لبيت المال، ولا يرثه السيد؛ لأنه قاتل، بخلاف ما إذا كان الموت قبل العتق؛ فإن عود المال إلى السيد ليس بطريق الإرث وإن كان لا يجب [الأداء في] الحال، فإن اندملت الجراحة وجب الأرش، وإن سرت بعد العتق وجبت الدية، وإن سرت بعد العتق وجبت الدية، وإن سرت قبل العتق انفسخت الكتابة.
فإن قيل: الرقبة ملك السيد، فإذا جنى عليها فقد جنى على ملكه؛ فوجب ألاَّ يجب [عليه] الأرش.
قيل: وجب؛ لأن ذلك عوض ما تعطل من منافعه بقطع يده، ولأن السيد يأخذ
مال الكتابة بدلاً من نفس المكاتب؛ فلا يجوز أن يجمع له [بين البدل والمبدل.
فرع: إذا جنى أجنبي على المكاتب جناية خطأ كان] الأرش له دون السيد، وإن كانت توجب القاص كان للمكاتب أن يقتص على الصحيح من المذهب.
وحكى عن الربيع: أنَّه خرج قولاً: أن للسيد منعه [؛ لأنه ربما عجز فعاد إلى السيد ناقصاً.
قال أبو إسحاق: وهذا لا يعرف للشافعي – رضي الله عنه – وإنما خرّجه من عنده، وليس بصحيح؛ لأن القصاص حق المكاتب؛ فلا يجوز للسيد منعه]، وإن جاز أن يتعلق به حق كما لو جنى على عبد المفلس؛ فإن له أن يقتص من غير إذن الغرماء.
قال: وإن جنى المكاتب عليه جناية خطأ فدى نفسه؛ لأنه يتعلق بمصلحته، فكان له ذلك كما يبذله في طعامه وشرابه.
قال: بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية في أحد القولين؛ لأن الأرش إن كان أقلّ فقد أخذ تمام حقه، وإن كانت القيمة أقل فهو في هذا المقام كالقِن، والقن إذا جنى كانت جنايته معلقة برقبته؛ فإذا منع [من] بيعها بسبب عقد الكتابة لم يلزمه أكثر من قيمتها، وبأرش الجناية بالغاص ما بلغ في [القول] الآخر؛ لأن حق السيد يتعلق بذمته؛ لامتناع تعلقه بالرقبة لكونها ملكه، وإذا كان في الذمة وجب وفاء جميعه مما في يده كدين المعاملة، وليس للسيد في هذه الحالة أن يمتنع من قبول الفداء إذا كان الأرش زائداً على قيمته، كما حكاه الشيخ أبو حامد، وهو ظاهر كلام الشيخ، وتوجيهه ما ذكرناه.
وقال القاضي أبو الطيب: إن ذلك ينبني على القولين فيما إذا وهب لسيده شيئاً هل تصح الهبة أم لا؟ فإن قلنا: لا تصح، لم يكن له أن يفدي نفسه بما زاد على القيمة، وللسيد الامتناع من قبض الزائد، واختار ابن الصباغ الأول؛ لعدم إمكان فداء نفسه إلا ببذل ذلك.
قال في "الإبانة": ولو لم يَفِد نفسه حتى عتق كان للسيد أن يبيعه بأرش
الجناية بالغاً ما بلغ، ولا يقتصر على قدر قيمته؛ لأنه وجب له في ذمته دون رقبته فأشبه مال المداينة.
قال: وإن لم يفْدِ نفسه كان للمولى أن يعجزه، أي: ويفسخ الكتابة دفعاً للضرر عنه، وهكذا الحكم فيما لو كانت الجناية عمداً، وعفا السيد على مالٍ، أمَّا إذا لم يعف وأراد القصاص فله ذلك، وكذا للورثة إن كانت الجناية على النفس خطأ أو عمداً، فإذا استوفاه بطلت الكتابة.
وجزم في "الإبانة" بأن السيد ليس له أن يعجزه لأجل الجناية؛ فإنه لو عجزه لسقط أرشها؛ إذ يصير عبداً قنًّا، والسيد لا يثبت له على عبده شيء، وهذا ما جعله القاضي الحسين المذهب، وحكى عن العراقيين: أن للسيد أن يعجزه حتى يصير قِنًّا، وتنفسخ الكتابة، وأنَ نَصَّ الشافعي – رضي الله عنه – يدلُّ عليه، وحكم الوارث في ذلك حكم الموروث إذا قلنا: إن الديّة تثبت لهم ابتداءً، وإن قلنا: ثبتت تلقياً، فقد حكى القاضي على قول المراوزة فيه وجهين.
فرع: إذا كان مع المكاتب ما يوفي به الأرش، ونجوم الكتابة أدَّى [ذلك] وعتق، وإن لم يكن معه ما يفي بأحدهما فلا يخفى حكمه: أن للمولى تعجزيه، لكن التعجيز يكون بالنجوم دون الأرش، صرح به في "الإبانة" وقال: إنَّه إذا عجز ثم عتق هل يتبعه بالأرش؟ فيه وجهان، ويظهر أن وجه التتبع لا يجيء فيما إذا عجزه لأجل امتناعه عن غرامة الأرش مع قدرته عليه؛ لأن العجز ثَمَّ كان لأجله، وإن كان معه ما يفي بأحدهما فللسيد أن يقول: لا أقبضه إلا عن الأرش دون النجم، ثم أعجزه، فإن أخذه عن آخر النجوم عتق وبقي الأرش في ذمته، وليس للسيد تعجيزه به، ولو أخذ السيد المال مطلقاً، واختلفا في أن المقبوض عن مَّاذا – فالقول قول المكاتب في تعيينه كما في سائر المواضع، ذكره القفال.
وقيل: يحتمل أن يكون القول قول السيد؛ قاله بعض الخراسانيين.
قال: وإن جنى على أجنبي – فدى نفسه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية؛ لأنه منع نفسه من البيع بالكتابة، فلزمه أقل الأمرين؛ كما أن السيد لما أن منع [من بيع] أم الولد بالاستيلاد ضمن جنايتها بأقل الأمرين، وظاهر كلام الشيخ أن القول الآخر في المسألة السابقة لا يأتي كما صرح به البندنيجي، [وكذا] صاحب "البحر" حيث قالا: فدى نفسه بأقل الأمرين قولاً واحداً: [وكان الفرق ما ذكرناه من علة القول الثاني في المسألة السابقة، بخلاف الأجنبي]؛ فإن الموجود في حقه إنما هو منع البيع، ومنع البيع لا يمنع من تعلق الحق بالرقبة، وتكون فائدته تغريم البائع قيمتها إذا كانت قدر أرشه أو دونه كما في أم الولد، لكن الروياني وغيره عللوا جريان قول الفداء عند جنايته على الأجنبي بأن المكاتب في التقدير يبتاع نفسه فلا يجوز بأكثر مما تساوي، ويفارق هذا إذا كانت الجناية على السيد؛ حيث أجزنا له أن يفدي نفسه بأرش [الجناية] إذا كان زائداً على القيمة على قول؛ لأن الزيادة تكون هبة من السيد، وهو يملك ذلك بموافقته، وهاهنا تكون هبة من الأجنبي، ولا يملك ذلك إلا بإذن السيد، فإن أذن [له] جاز.
وكلام البندنيجي في الفرق بمعناه، وهذا يقتضي التسوية بين المسألتين؛ لأن قبول السيد الهبة قد ذكرنا أنه بمنزلة إذنه في الهبة من غيره، وهو ما حكاه ابن الصباغ حيث قال: إن القولين السابقين في المسألة قبلها يجريان في هذه المسألة، وإن الأرش إن كان زائداً على القيمة؛ فإن دفعه السيد من ماله فذاك، وإن أذن في دفعه من مال المكاتب خرج على القولين في تبرعاته.
وسكت عما عداه.
ويظهر أن يقال بعد ذلك: إن جوزناه فلا إشكال، وإن لم نجوزه فيكون كما لو امتنع المكاتب من الفداء.
قال: فإن لم يفد نفسه، بيع في الجناية أي: إن كانت قيمته بقدر أرشها [أو أنقص]، وانفسخت الكتابة؛ لأن الكتابة تمنع البيع لحق المالك، وتقبل الفسخ؛ فجاز لفسخ بالبيع لأجل [حق] المجني عليه عند تعينه طريقاً لوفاء حقه؛ كعقد الرهن.
ثم كلام الشيخ يفهم أنَّه لا حاجة إلى التعجيز، بل يتبين بالبيع انفساخ الكتابة قبله كما نقول في بيع الرهن في أرش الجناية: لا يحتاج إلى فك الرهن.
وقال القاضي الحسين: للسيد أن يعجزه ويباع في الجناية، أو يفديه.
وهذا لا ينافي ما ذكرناه، ثم إذا بعنا بعضه وعتق ما بقي منه بالأداء فهل يسري على السيد إذا كان موسراً؟ فيه وجهان.
وقال في "البحر" قبيل باب كتابة بعض عبد [:إنه] لا يسري قولاً واحداً.
فرع: لو أعتق السيد المكاتب قبل أداء الأرش والنجوم، وله مال يفي بذلك هل يستحق [عليه] الأرش؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لو لم يكن للمكاتب مال؛ فإن الأرش يسقط.
والثاني: له أن ستوفيه من المال الذي في يده؛ كما له ذلك قبل العتق، قاله البندنيجي.
فرع: إذا جنى المكاتب جنايات، ثم أدّى مال الكتابة وعتق، فبكم يفدي نفسه؟ فيه قولان:
أحدهما: يفديها بالنسبة إلى كل مجني عليه بأقل الأمرين من قيمته أو أرش الجناية؛ لأن كل جناية اقتضت ذلك، وقد منع منها بأدائه وعتقه؛ فضمن ذلك كما لو انفردت.
والثاني- وهو الأصح في "الشامل"، واختاره المزني -: أنه يفديها بالنسبة إلى الجميع بأقل الأمرين من قيمته أو أرش جميع الجنايات؛ لأن الجنايات متعلقة بالرقبة، فإذا أتلفها لم يضمن إلا الرقبة؛ كما لو كانت الجناية واحدة، فعلى هذا نَقْص القيمة على قدر الجنايات.
ولو لم يعتق والحالة هذه فبكم [يفدي نفسه؟] قال الشيخ أبو حامد حكاية عن النص: إنه يفديها بما ذكره صاحب القول الأول في المسألة قبلها.
وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق أنَّه قال: لا يعرف للشافعي – رضي الله عنه – إلا أنه قال: "يفدي نسه بأقل الأمرين"، ثم قال أبو إسحاق: والأشبه عندي أن يكون في ذلك القولان كما [ذكرناه] في المسألة السابقة؛ لأنه منع نفسه من البيع بعدم العجز، كما منع من العتق.
ومن أصحابنا من قال: يتعين هنا ما حكاه أبو حامد.
والفرق: أن الرقبة باقية، وفي الصورة السابقة قد تلفت بالعتق؛ فوجبت قيمتها.
قال ابن الصباغ: وهذا الفرق يبطل بما إذا عجَّزه، وفسخ الكتابة، واختار السيد الفداء؛ فإنه مانع من البيع مع قيام الرقبة، ومع هذا لا يضمن لكل منهم إلا أقل الأمرين.
فرع: لو أعتق السيد المكاتب إمَّا بالإبراء عن نجوم الكتابة، أو بصريح العتق، وقد جنى جنايات – قال الفوراني: فهو كما لو اختار الفداء، لكن فيما يلزمه في هذه الحالة طريقان:
أحدهما: لا يلزمه إلا الأقل من قيمته مرة واحدة وأرش جميع الجنايات؛ إذ لا سبيل إلى تسليمه للبيع، فهو كمما لو قتل العبد الجاني.
والثاني: أن فيه قولين كما في اختياره الفداء، [وهذا ما حكاه البندنيجي].
وهكذا لو كانت الجناية من أبي المكاتب، ثم أبرأ السيد المكاتب أو أعتقه؛ فإن أباه يعتق بعتقه، وفيما يلزم السيد الخلاف، ولا نزاع في أن الكاتب إذا عتق بأداء النجوم لا يلزم السيد الفداء؛ لأنه مقهور [على القبض] شرعاً.
فرع: إذا أقرّ المكاتب بجناية الخطأ قبلت على الأصح في "الإبانة"، وفيه وجه: أنَّه لا تقبل.
فعلى الأول: إذا رقَّ، وكان قد قال: إن أرش الجناية ألْف، فقال السيد: بل خمسمائة – فقولان فيمن القول قوله.
قال: وإن كاتب على عوض محرم أو شرط فاسد، فسدت الكتابة، وبقيت الصفة.
صُورَةُ المسألة الأولى: أن يقول: كاتبتك على خمرٍ، أو خنزير، أو ميتةٍ، أو على هذا الحر، فإذا أديت فأنت حرٌّ.
وصورة الثانية أن يقولك كاتبتك على عشرين ديناراً – مثلاً – تؤدي في رأس هذا الشهر نصفها، وفي رأس الشهر الذي يليه النصف الآخر، بشرط أن يثبت لي الخيار في الفسخ، أو: بشرط أنَّك إذا أدّيت النجوم يتأخر عتقك.
وإنما فسدت الكتابة، وهي قوله: كاتبتك على كذا، وبقيت الصفة وهي قوله: فإذا أدّيت فأنت حرٌّ؛ لأنَّ هذا عقد اشتمل على معنى المعاوضة ومعنى تعليق العتق بالصفة، والمعاوضة ينافيها ما ذكرناه؛ فبطلت، والصفة لا ينافيها فبقيت.
والمكاتب يملك بهذا العقد أكسابه، قال البندنيجي: وليس على أصلنا: يملك بعقد فاسد كما يملك بالصحيح إلا هذا.
قال: وللسيد فسخها؛ لأنه لم يرض بالصفة إلا ليسلم له العوض، [ولم يسلم له]؛ فكان له الفسخ دفعاً للضرر.
ويجوز فسخ هذه الصفة بالفعل كالبيع وغيره، وبالقول مثل أن يقول: أبطلت كتابة عبدي، أو: فسختها، ونحو ذلك؛ لأنها تثبُت في ضمن عقد، فغلب حكمه عليها، بخلاف الصفة المجردة؛ حيث لم يجز الرجوع فيها بالقول، ولا يفتقر هذا الفسخ إلى الحاكم، والأولى أن يشهد عليه.
فرع: إذا وقع عقد الكتابة في الشرك على خمرٍ أو خنزيرٍ، فقبض بعضه، ثم أسلما – وقع العتق بقبض الباقي، ورجع السيد عليه بجميع قيمته، بخلاف نظير المسألة في الصداق، والفرق بينهما مذكور ثَمَّ.
ولو كان العقد قد جرى على خمرٍ وعلى نقدٍ، فقبض الخمر جميعه في الشرك – فوجهان:
أحدهما: [أنَّه] إذا قبض النقد حصل العتق، ولا تَرَادَّ، ويجعل المقبوض في الشرك كأنّه لم يذكر.
والثاني: يحكم بالفساد؛ فإذا أدى النقد عتق وترادَّا، حكاه الماوردي.
فرع: لو قال للمكاتب كتابة صحيحة: إن أعطيتني ديناراً فأنت حرٌّ، فأعطاه ديناراً – عتق بدفعه، ويغلب حكم الكتابة فيه، ويصير العتق فيها على عوضٍ فاسدٍ؛ فيلزم المكاتب قيمته، ويرجع بما أداه من قبل مع الدينار الذي عتق به.
قال: فإن دفع المال قبل الفسخ إلى الوكيل أو الوارث لم يعتق؛ لأن العتق في هذه الكتابة إنما يحصل بالصفة، ولم توجد، بخلاف الكتابة الصحيحة؛ فإن المغلب فيها حكم المعاوضة.
ولأن في مسألة الوارث الصفة المجردة تبطل بالموت مع قوتها، فهذه مع ضعفها من طريق الأولى.
قال: وإن دفعه إلى المالك أي: في محله، عتق؛ لوجود الصفة، ويتبعه ما فضل من كسبه؛ لأن للفاسد حكم الصحيح، وصحيح هذا [العقد] يتبع الأكساب؛ فكذلك فاسده، وإن كانت جارية تبعها ولدها؛ إذا قلنا: إنه في الصحيحة يتبعها، وهذا ما جزم به العراقيون.
وقيل: إن هذه الكتابة لا تستتبع فاضل الأولاد والأكساب، أمَّا إذا دفع النجوم قبل محلها، فهل يعتق؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع؛ لأنَّ الصفة لم توجد.
قال: ويرجع إلى المولي عليه بالقيمة؛ لأنه أزال ملكه عنه بعوض، ولم يسلم له، وقد تعذر الرجوع إلى ملكه؛ فرجع إلى بدله وهو القيمة، كما في البيع الفاسد، وتعتبر القيمة وقت وجود الصفة؛ لأنها حالة الإتلاف.
قال: ويرجع هو على المولى بما دفع؛ لأنه دفعه عما عليه؛ فثبت له الرجوع،
وبه قال القاضي الحسين وغيره.
وهذا [العقد] يوافق الكتابة الصحيحة في أربعة أشياء، ويخالفها في عشرة أِياء، ويوافق تعليق العتق بالصفة في ثلاثة أشياء، ويخالفه في أربعة أشياء:
أمَّا موافقته للكتابة الصحيحة:
ففي العتق بالأداء.
وفي استتباع الكسب والولد على المذهب في "تعليق" القاضي الحسين، وبه جزم الإمام وقال: لم أر أحداً من الأصحاب [تشبث بمنع] ذلك، وكلام القاضي الحسين – كما ذكرت لك – متشبث به.
وفيما لو وطئت بشبهة وجنى عليها، فلها المهر والأرش؛ لأنَّ ذلك من الكسب.
وفي وجوب نفقته على نفسه كما صرح به الإمام وغيره.
وفي عدم انفساخها بجنون المكاتب عند العراقيين، وكذا عند المراوزة على الأصح.
وحكى القاضي الحسين وجهاً: أنها تنفسخ بجنونه؛ لجوازها كالوكالة والمضاربة.
وأما مخالفته الصحيحة:
ففي أن السيد لو مات انفسخت.
وكذا لو جن أو حجر عليه انفسخت [على الأصح]، وبه جزم العراقيون؛ لكونها جائزة؛ كالوكالة.
[ومقابله]: - حكاه القاضي الحسين -: أنها لا تنفسخ.
وفي أن للسيد فسخها متى شاء.
وفي عدم عتقه بإبرائه عن النجوم وقبض الوكيل.
وفي التراجع.
وفي عدم وجوب الإيتاء فيها على الصحيح، وفيه وجه حكاه المراوزة.
وفي كونه لا يعتق بما أداه من سهم المكاتبين على قولٍ رواه الربيع في "الأم"، ورواية المزني تخالفه، وهي التي اختارها الماوردي.
وفي كون الوطء لا يحرم على السيد إذا كانت أمة على رأيٍ.
وفي منع معاملة السيد له على أحد الوجهين.
وفي عدم وجوب الاستبراء عند فسخها على أحد الوجهين.
وأمَّا موافقته تعليق العتق بالصفة:
ففي [حصول] العتق عند وجوها.
وفي بطلانها بموت السيد.
وفي كون الإبراء لا يؤثر في تحصيل العتق.
وأمَّا مخالفته لها:
ففي استتباع الأكساب والأولاد.
وفي التراجع.
وفي القدرة على فسخها بالقول، وبطلانها [بموت] السيد [وطرآن] سفهه.
قال: فإن كانا من جنس واحد" – أي: وعلى صفة واحدة – سقط أحدهما بالآخر في أحد الأقوال؛ لأن الحقين إذا تساويا فلا فائدة في قبض كل واحد منهما ماله؛ فسقط، ألا ترى أنّه إذا كان لرجل على وارثه دين، ومات فإنه يقاص به من حقه، ولا يكلف قبضاً وإقباضاً؟! فكذلك هاهنا، فعلى هذا إن بي لأحدهما على صاحبه فضل رجع به.
ولا يسقط في الثاني، أي: سواء تراضيا بذلك أم لا؛ لأنه في معنى بيع الدين بالدين، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.
ولا يسقط في الثالث إلا برضا أحدهما؛ لأن من عليه الدين له أن يقبضه من حيث شاء، فإذا رضي أحدهما فقد وجد القضاء منه.
ولا يسقط في الرابع إلاَّ برضاهما؛ لأنه إبدال ذمة بذمة؛ فلم يصح إلاَّ برضاهما كالحوالة.
ومحل الخلاف كما قال في "الشامل" و"البحر" - إذا كان ما في الذمتين من الدراهم والدنانير، فلو كان من غيرهما لم يجر الخلاف.
قال البندنيجي: وأصحابنا لا يختلفون في ذلك، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مما له مثل أو مِمَّا لا مثل له، وهم في ذلك يخالفون منصوص الشافعي - رضي الله عنه - في ذلك لا عن قصد، ولكن لقلة نظرهم في كتابه؛ فقد نصَّ في باب الجناية على المكاتب ورقيقه من "الأم": أن القصاص يقع في الطعام، فقال: لو حرق السيد للمكاتب مائة صاع من حنطة مثل حنطته، والحنطة التي على المكاتب حالة - كان قصاصاً، وإن كره المكاتب، [فإن كانت خيراً] لم يكن قصاصاً؛ إلاَّ أن يرضى من له الجود أن يكون قصاصاً، فقد نصَّ على الأقوال في كل ما له مثل إذا ثبت في الذمة.
وحكى في "رفع التمويه على التنبيه" وجهاً آخر: أن الأقوال تأتي في كل ما يثبت في الذمة من مثليِّ ومتقوم.
والأقوال تجري في سائر الديون المتساوية في الصفة والحلول والتأجيل.
فرع: نصَّ في "الأم" على أنه إذا كان ما على المكاتب حالا من آخر نجومه؛ فوجب [له] على السيد مثله بسبب جناية، ثم عاد السيد فجنى على المكاتب جناية أخرى - كانت الجناية جناية على حرٍّ، فإن كان في مثلها القصاص اقتصّ [من السيد]، فإن قال: لم أعلم أنه عتق لما صار له على مثل الذي بقي لي عليه؛ لم يقبل منه؛ كما لو قتل رجلاً كان عبداً فعتق، ثم قال: لم أعلم بعتقه.
قال الربيع: وفيه قول آخر: أنّه يؤخذ منه دية حرٍّ، ولا قود للشبهة.
قال: وإن أوصى بالمكاتب أي: كتابة فاسدة، وهو لا يعلم بفساد الكتابة - ففيه قولان:
أحدهما: يصح؛ لأن الظن لا يغير موجب الحقيقة، والكتابة الفاسدة لا تمنع
التصرف.
والثاني: لا يصح؛ لأنه إذا لم يعتق أنَّه ملكه كان متلاعباً بالوصية، والخلاف جارٍ فيما لو باعه وهو لا يعلم بفساد الكتابة – أيضاً – كما صرح به الإمام، وحكى أن منهم من صحح الوصية ومنع البيع، أمَّا إذا كان عالماً بالفساد صح ذلك وجهاً واحداً.
وقيل: على القولين، وهو ظاهر نصه في "المختصر".
ووجه المنع: أنّ الكتابة الفاسدة كالصحيحة في فروع العتق بالأداء؛ فكانت كهي في امتناع التصرف، والصحيح – وهو الذي نصّ عليه في "الأم" -: الأول.
قال: وإن أسلم عبدٌ لكافر أمرناه بإزالة الملك فيه؛ دفعاً للذل عن المسلم، وإن كاتبه ففيه قولان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه بالكتابة يصير كالخارج عن ملكه، فاكتفى بذلك في دفع الذل، كما لو كان مكاتباً ثم أسلم فإنه لا يؤمر بإزالة ملكه جزماً.
والثاني: لا يجوز؛ لأن الكتابة لا تزيل الملك فلم تكف كالتزويج.
وقد طرد بعض الأصحاب هذا [القول] فيما إذا كاتبه وهو كافر ثم أسلم، كما حكاه الإمام، وعلى هذا: هل نحكم بفساد الكتابة؟ قال في "الذخائر": "قد اختلف أصحابنا فيه:
منهم من قال: تفسد الكتابة ويباع العبد.
ومنهم من قال: تصح ثم تفسد من بعد، وهذا إذا قلنا بمنع بيع المكاتب، وإن قلنا بصحة بيعه صححنا الكتابة، وبعناه مكاتباً، وقد ذكرنا في باب التدبير شيئاً يتعلق بذلك.
فرع: إذا دفع العبد النجوم إلى سيده، فقال له حين الدفع: اذهب فأنت حرٌّ، ثم ظهرت النجوم مستحقة أخذها مالكها، ولم يحصل العتق إن قصد السيد بذلك
الإخبار عن حاله بعد أداء النجوم، وإن قصد إنشاء العتق برئ المكاتب وعتق، فلو ادّعى السيد أنّه أراد الأول، وادّعى المكاتب أنّه أراد الثاني – فالقول قول السيد مع يمينه، جزم به العراقيون والبغوي.
وأبدى الغَزالي وجهاً خرّجه من وجهٍ محكيٍّ فيما إذا خوصم المشتري في المبيع، فقال: هو ملكي وملك من اشتريت منه، ثم ثبت بالبينة أنه مستحق فإنه لا يرجع على بائعه بالثمن، وقد أقامه الرافعي وجهاً في المذهب، ولو كان هذا القول قبل أداء النجوم نفذ العتق، ولم يقبل قول السيد؛ إذ لا ظاهر يصدقه.
إذا جاء المكاتب بنجم إلى السيد، فقال له: هذا حرام، نظر: فإن كان مع السيد بينة لم يجبر على أخذه، وإن لم يكن ثمَّ بينة فله تحليف المكاتب، فإن لم يحلف ردّت اليمين على السيَّد، فإذا حلف لم يكلف أخذه، وإذا حلف المكاتب قيل للسيد: إمَّا أن تقبض أو تبرئ، فإن ابرأه عتق، وإن لم يفعل قبضه الحاكم وبرئ المكاتب وعتق، ولو قبض السيد النجوم، وحكمنا بعتق المكاتب بناءً على ذلك، ثم ظهرت مستحقة أو معيبة؛ فردها السيد – ارتدّ العتق؛ لأنَّا تبَينَّا أن المعقود عليه لم يقبض، لكن في مسألة العيب هل نقول: عتق ثم ارتفع العتق بالرد حتى لو رضي كان العتق واقعاً من حين القبض، أو نقول: بالرد نتبين أنه لم يعتق أصلاً حتى إذا أجاز يكون العتق حاصلاً بالقبول؟ فيه وجهان ينبنيان على أن الدَّين الناقص متى يملك هل بالقبض مع الرضا أم بمجرد القبض؟ وفيه وجهان، والأول منهما اختيار أبي إسحاق، والثاني اختيار الماسرجسي وبعض الأصحاب، وعلى قول أبي إسحاق إذا كان المقبوض تالفاً عاد الرِّق من يوم تلف المعيب، ويتنجز بأداء الأرش.
وفي كيفية اعتبار الأرش وجهان:
أحدهما: يُقَوّم العوض سليماً ثم معيباً، ويجب ما بينهما.
والثاني: يُقَوّم سليماً، فإذا قيل: مائة، قوم معيباً، فإذا قيل: تسعون، علم أن الفائت العشر فيرجع بعشر قيمة العبد.
ولو عجَّل المكاتب النجوم قبل محلها نظر: فإن لم يكن على السيد ضرر لكونها لا يخشى هلاكها ولا نهبها، ولا أجرة تلحقه بسببها إلى أوان محلها- أجبر على ذلك، وإلا فلا يجبر، وهكذا الحكم فيما لو أتى المكاتب بالنجوم قبل المحل للحاكم والسيد غائب: فإن كان لا ضرر على السيد قبلها، وإلا فلا.
ولو كان على رجل دين، وصاحبه غائب، فأتى به [الحاكم، ولا ضرر على مالكه] في قبضه – فهل يجوز له قبضه؟ فيه وجهان في "البحر"، ووجه المنع: أنه ليس للمؤدي غرض إلا سقوط الدين عنه، والنظر للغائب [بترك] الدين في ذمة المليء وفي الكتابة له غرض تحصيل العتق.
ولو لقي المكاتب سيده في غير البلد المشروط فيها الأداء، وأحضر إليه النجوم: فهل يجبر على قبولها؟ نظر: إن كان عليه ضرر ومؤنة في النقل لم يجبر، وإن لم يكن ضرر أُجبر، وبعض الأصحاب قال: إن كان بين البلدين دون مسافة القصر، ولا ضرر عليه في القبض ولا مؤنة كالدراهم والدنانير – أُجبر، وإن كان البلد بعيداً ففيه وجهان، قال في "الأم": "ولا يكلف المكاتب أن يؤدي النجوم في غير البلد الذي كاتبه فيه".
إذا اختلف السيد والمكاتب في مقدار النجوم، أو مقدار الكتابة، أو مقدار الأجل، أو جنس النجوم – تحالفاً كالمتبايعين، فإذا تحالفا: فإن كان قبل العتق عاد العبد رقيقاً كما كان؛ إن قلنا: ينفسخ العقد بنفس التحالف، وإلاَّ فلا يعود الرق إلا بالفسخ، وإن كان بعد الأداء وحصول العتق لم يرتد العتق، ولكنهما يتراجعان بالقيمة؛ لأنَّ العقد ينفسخ ويسقط المسمَّى؛ فيكون بمنزلة الأداء في الكتابة الفاسدة، والله أعلم.
باب عتق أم الولد
إذا وطئ [أي:] [الحر]، جاريته أو جارية يملك بعضها، أي: وهو موسر بقيمة باقيها، [فأولدها] فالولد حُرٌّ.
لا شك في جواز وطء السادة الأحرار إماءهم، دلت على ذلك آي الكتاب، والسنة، والإجماع:
أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [البقرة: 229]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24].
وأمَّا السنة فما روي أنه صلى الله عليه وسلم استولد جاريته مارية القبطية، وَوُلِدَ [له] منها إبراهيم.
ولم يختلف أحد من الأئمة في جواز ذلك.
[نعم، إذا قلنا: إن العبد يملك، وكان في ملكه أمة - فهل يحل له وطؤها؟ وكذا مَنْ نصفه حُرٌّ ونصفه رقيق؟ فيه كلام نذكره في باب ما يحرم من النكاح].
فإذا ثبت ذلك، فأتت أمته الكاملة له بولد من وطئه، أو باستدخال مائة، فهو حرٌّ، لقوله صلى الله عليه وسلم:"من أشراط الساعة أن تلد الأمةُ رَبَتَها" أي: سيِّدتها، فأقام الولد مقام أبيه والأب حرٌّ؛ فكذلك هو، ولا يثبت عليه ولاءٌ لأحد؛ لأن مانع
الرِّقِّ قارن سبب الملك فدفعه، بخلاف ما لو اشترى زوجته الحامل منه؛ فإن الولد يعتق عليهن ويثبت له عليه الولاء، وفائدته – كما قال القاضي الحسين – تظهر في شيئين:
أحدهما: إذا أوصى لموالي فلان دخل فيهم.
والثاني: [في] تحمل العقل عنه؛ فإن المولي يتحمل العقل والأب لا يتحمله، وهذا منه بناء على أنَّ البنوة عند وجود غيرها [مما] يقتضي التحمل لا تمنعه، كما سنذكره في بابه، إن شاء الله تعالى.
ولا فرق في ذلك بين أن تكون قد علقت به من وطءٍ مباح – كما ذكرنا – أو من وطءٍ حرام: كما إذا كانت مرهونة، أو مزوجة، أو مسلمة وهو كافر، أو محرماً له، ونحو ذلك، ووطئها وهو عالم بالتحريم.
وكذا لا فرق في كونه [حرًّا] عند وجود التحريم بسبب المحرميِّة، [أو كونه كافراً وهي مسلمة]، [أو كونها] مزوجة – بين أن نوجب عليه الحد كما حكاه البندنيجي قولاً، وحكاه الإمام عن القديم، [أوْ لا نوجبه] على الجديد الصحيح عند الطبري وغيره.
وحكى الرافعي والإمام عند الكلام في وطء جارية الابن: أنَّا إذا أوجبنا الحد في مملوكته المحرمة عليه برضاع أو غيره لا تصير أم ولد؛ لأنه وطء زنى، وفي كلام الإمام ما يفهم إفهاماً ظاهراً أن السبب لا يثبت في هذه الحالة؛ تفريعاً على هذا، وقد صرَّح [به] في "البحر".
ثم حكى الإمام أنَّ من الأصحاب من ارتاع؛ فلم يستجز للإنسان أن يطأ [مملوكته وتأتي منه بولد، ولا تكون أمَّ ولد [له]، فحكم بثبوت النسب والاستيلاد.
وأما إذا وطئ] جارية يملك بعضها فالحكم كذلك عند العراقيين؛ لأنه وطء شبهةٍ بسبب الملك، وإن كان حراماً فانعقد الولد فيه حرًّا كوطء أخته المملوكة.
قال الإمام: ويجب طرد القول القديم الذي ذكرناه في وجوب الحد على السيِّد إذا وطئ محرمة عليه مع العلم في هذه الصورة أيضاً، ومع هذا فلا يقدح في الاستيلاد والحرية على الجملة، وإن قدح فيما ذكرناه من قبل.
وحكى القاضي الحسين في المسألة تفصيلاً آخر فقال: إن كان الواطئ موسراً كما ذكرناه، وقلنا بنفوذ الاستيلاد قبل أداء القيمة- فقد انعقد الولد كلُّه حرًّا؛ لأنَّا نقدر انتقال الملك في حصة الشريك إلى المستولد قبل الاستيلاد؛ فتكون قد علقت به، وجميعها ملكه، ولا يجب عليه قيمة شيءٍ من ولده، وإن قلنا: لا ينفذ إلاَّ بأداء القيمة، فهل نقول: انعقد جميع الولد حرًّا، أو انعقد منه قدر حصة الشريك من أمه رقيقاً، ثم يعتق بأداء القيمة؟ فيه قولان.
وكذا [فيما] لو كان المستولد معسراً هل ينعقد جميع ولده حرًّا، أو قدر حصة المستولد من أمه لا غير؟ فيه قولان، [و] حكاهما البندنيجي وجهين فيما إذا وطئ أحد الشريكين وأحبل وهو معسر، ووطئ الآخر وأحبل وهو معسر، وهما مطردان فيما إذا رأى الإمام المصلحة في استرقاق بعض حربي هل يجوز؟ وفيما إذا أتت من بعضها رقيق بولد من نكاح أو زنى، هل ينعقد جميعه حرًّا، أو ينعقد كأمِّه في الحرية والرق؟
وأصل [هذا] المأخذ؛ أن تبعض الرق والحرية في الابتداء هل يمكن؟ فمن أثبته قال: كما يجوز أن يتبعض الرق والحرية بإعتاق المعسر، كذلك يجوز فيما نحن فيه، ومن منع قال: أحكام الرق والحرية متناقضان؛ فينبغي ألاَّ يختار التبعيض فيها، ويفارق إعتاق المعسر؛ فإنه لا سبيل إلى ردِّه، ولا سبيل إلى تنفيذه في نصيب شريكه؛ فكان محل ضرورة، وقياس بناء القاضي يقتضي
أنَّه يلزم المستولد قيمة حصة الشريك من الولد عند الوضع وإن أدَّى المال قبله إذا قلنا: إن الولد انعقد [جميعه حرًّا، أَمَّا] إذا قلنا بانعقاد قدر حصة الشريك من الأم رقيقاً فلا تجب؛ [لأنها تندرج] في قيمة الأم كما في البيع، وقد صرَّح البندنيجي بأنها إذا وضعت بعد الحكم بأنها أم ولد لكونه موسراً، وقد أدَّى القيمة؛ فلا قيمة له، وإن وضعته قبل الحكم بأنها أم ولد لتأخير دفع القيمة، وقلنا: لا تصير أم ولد إلاَّ عند دفعها- لزمته القيمة، وهذا هو الحق، وما ذكرناه من قضية كلام القاضي ممنوع؛ لأن المفوت رقه لا يضمن إلا حين وضعه لمن له الأم، وهي إذ ذاك للمستولد، وإذا حكمنا بانعقاد جميع الولد حرًّا عند اعتبار الوطئ ثبت في ذمته للشريك قيمة قدر حصته من الأم من الولد.
قال: والجارية أم ولد [له] أي: يثبت لها حكم الاستيلاد، وهو العتق بعد موت السيد، وامتناع التصرف فيها بما ينقل الملك.
ووجهه في الأولى: ما روي الإمام في آخر النهاية بسنده عن خواتِ بن جبير أنَّ رجلاً أوصى إليه، وكان فيما ترك أم ولد له وامرأة حُرَّة، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعض الشيء؛ فأرسلت إليها الحرة: "لتُبَاعَنَّ رَقَبَتُكِ يا لَكَاعِ"، فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إِنَّهَا لاَ تُبَاعُ"، وَأَمَرَ بِهَا فَأُعْتِقَتْ.
وهذا السند فيه "الدارقطني".
وروى أيضاً بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ"، وهذا السند فيه أيضاً الدارقطني.
وقد روى عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُمُّ الْوَلَدِ لاَ تُبَاعُ، وَلاَ تُوهَبُ، وَلاَ تُوَرَّثُ، مُسْتَمْتِعٌ بِهَا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ"، لكن هذا الحديث قال البيهقي فيه: إنه روى عن [ابن] عمرن وغلط من رفعه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا في الثانية؛ فلأنها علقت منه بولد حرن وله فيها ملك؛ فأشبه ما لو علقت به وكلها له، وهذا الذي ذكره الشيخ هو الذي نصَّ عليه الشافعي حيث قال: "لو أحبل أحد الشريكين الجارية المشتركة وهو موسر، صارت أم ولد له"، [وهو] مفرع على أن السراية تحصل قبل أداء القيمة كما هو الصحيح في تنجيز العتق.
ومنهم من رتبه هنا على الخلاف في العتق وقال: الأولى التعجيل لكونه فعلاً، وهو أقوى من القول؛ بدليل نفوذ [استيلاد المجنون] دون عتقه.
ومنهم من قال: العتق أولى بالتنجيز، والفرق أنه عتق ناجز، والاستيلاد [سبب] عتق؛ فشابه التدبير، أمَّا إذا قلنا: لا يحصل إلا بدفع القيمة"، فنصيبه من الجارية يثبت فيه حكم أمهات الأولاد، ونصيب الشريك حكم الاستيلاد عليه موقوف على أداء القيمة: فإن أدَّاها حكمنا [بنفوذه في] وقت الداء على قولن وتبيَّنا نفوذه [من] حين العلوق على قول، وعلى هذا لا تجب قيمة الولد أيضاً - ولو كان معسراً لم يسر الاستيلاد إلى نصيب الشريك جزماً، فإذا أحبلها الشريك الآخر جرى على نصيبه حكم أم الولد، ولا يسري إلى نصيب المستولد أولاً، وإن كان الثاني موسراً، وهل ينعقد حمله ولد الثاني حرًّا عند إعساره، أو
يكون بعضه حرًّا وبعضه ولد أم ولد؟ فيه الخلاف السابق.
ولو أيسر أحدهما، فنجَّز عتق حصته عتق نصيبه، وهل يسري إلى نصيب الآخر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لما في السراية من تقدير نقل الملك، والملك في المستولدة لا يقبل النقل، ولأن في السراية إبطال حقِّ الأول ووارثه من الولاء.
وهذا يشابه قولنا: إن أحد المكاتبين لعبدٍ واحدٍ إذا أعتق حصته إنما يسري عليه العتق بعد تعجيز المكاتب.
والثاني: نعم، وهو الذي حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب، ثم قال: وهو مشكل.
وأبدي ما ذكرناه من علة القول [الأول ثم قال: وهو لا يخلو أن يقال: هو خطأ، أو جواز من يجوز بيع أم الولد، أو] بناء على أن أحد المكاتبين إذا أعتق العبد المكاتب هل يقوم عليه في الحال، أو بعد العجز؟ وفيه قولان، أو يقال: هو بناء على أن السراية تحصل بنفس اللفظ؛ فتكون كالإتلاف، ولو أتلفها ضمن قيمة [حصة الشريك].
ثم إذا نفذنا العتق فما حكم الولاء في هذا النصف؟ قال: إن قلنا: عن بيع أمهات الأولاد جائز، فالولاء فيه للمعتق، وإن قلنا: لا يجوز، فهل يكون الولاء له [أو للمستولد]؟ فيه وجهان ينبنيان على أن التقويم يفسخ الاستيلاد أَمْ لا؟ وفيه وجهان ينبنيان على أن أحد الابنين إذا أعتق نصيبه من عبدٍ [كاتبه أبوهما]، وقلنا: يعتق عليه نصيب أخيه في الحال – هل يكون فسخاً للكتابة أم لا؟ وفيه وجهان ذكرناهما من قبل، كذا حكاه في آخر باب التدبير.
ولو كان الثاني موسراً حال استيلادها، ففي السراية إلى نصيب الشريك الكلام السابق فيما إذا أنجز أحدهما عتق حصته عند يساره ولو كان الذي
استولد أولاً موسراً، وقلنا: سريان الاستيلاد يتوقف على دفع القيمة – فهل ينفذ استيلاد الثاني؟ [ذلك ينبني] على أنَّه إذا أعتق أحدهما حصته وهو موسر، وقلنا: لا يسري العتق إلاَّ بدفع القيمة، فأعتق الآخر حصته قبل دفعها – هل ينفذ؟ والمذهب: لان فإن قلنا به لم ينفذ استيلاد الثاني إلا أن يموت الأول عاجزاً أو يعسر، على تفصيل حكيناه في كتاب العتق.
وإن قلنا: ينفذ عتقه – كما صار إليه ابن أبي هريرة – نفذ استيلاد الثاني، وكانت مستولدة لهما.
وهذا كله جمعته من كلام [القاضي] في مواضع من كتاب العتق وغيره، وكتاب "مختصر الكتابة".
قال: وإن أولد جارية ابنه أي: وهو حرٌّ؛ لأنه وطء لا يجب فيه الحد لأجل الشبهة؛ فانعقد الولد فيه حرًّا؛ كوطء جارية الغير [بشبهة]، والشبهة الثابتة له شبهة ملك، قال صلى الله عليه وسلم: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ"؛ وأيضاً: فإن الأب يستحق
....................................................................................................
على الابن جنس ما استوفاه؛ إذ يجب على الولد إعفافه؛ فكان شبهة، كمن سرق مال بيت المال، أو مال ابنه، وقد خرج الإمام وأبو سعيد الإصطخري
قبله قولاً في وجوب الحد مما إذا وطئ الإنسان أخته المملوكة؛ لأجل أن الوطء في الصورتين حرام بالاتفاق، ووجوبه فيما إذا كانت الأمة موطوءة للابن لقوة المشابهة، وهو ما حكاه الإمام فيها نصًّا عن القديم، وقد حكى الروياني في "البحر" عن الأصحاب القطع به فيما إذا كان الابن قد استولد الجارية، وخصَّ محل الخلاف بما إذا لم تكن مستولدة، وكانت موطوءة الابن، وعلى هذا فمفهوم التخريج أن ذلك لا يقدح في الحكم بحرية الولد كما ذكرنا في المسألة المخرج منها.
وقد حكى الإمام تفريعاً على القول بوجوب الحد: أن الولد ينعقد رقيقاً، وعلى قولنا بعدم وجوب الحد هل يثبت على الولد ولاءٌ؟ قال صاحب "التهذيب": إن قلنا بأنَّ أمَّه تصير أمَّ ولد - كما سنذكره - فلا، وإلاَّ فوجهان، وكأنهما دالاَّن على أنَّا في هذه الحالة هل نقول: انعقد حرًّا، وعلى وجه حكاه الشيخ أبو عليٍّ: أن الولد ينعقد رقيقاً، ثم يعتق بسبب الغرور، وهو غريبٌ جدًّا.
ذكره في فروع العتق.
قال: وفي الجارية قولان:
أصحهما: أنها أم ولد [له]؛ لأنها علقت منه بحرٌّ بحق الملك، فأشبه ما لو علقت به في ملكه، وهذا ما نصَّ عليه هنا كما حكاه ابن كج وابن الصباغ.
والقول الثاني: أنها لا تصير أم ولد؛ لأنها ليست ملكاً له وقت الإحبال؛ فصار كما لو استولد جارية بالنكاح.
قال المزني: ولأن الأب لو وطئ جارية ابنه بنكاح وأحبلها لم تَصِرْ أمَّ ولد له، فإذا وطئها حراماً كان أولى ألا تصير.
وهذا ما نصَّ عليه في الدعاوى والبينات، [قيل]: وربما نسب إلى القديم.
وحكى ابن كَجٍّ أنَّه مخرج من نصه فيما إذا أحبل [أحد] الغانمين جارية من المغنم: أنها لا تصير أم ولد، كما خرج من نصه في وطء جارية الابن إلى هذه المسألة [قولاً]: أنها تصير أمَّ ولد.
وحكى العمراني عن الطبري: أن الشافعي –رضي الله عنه – نصَّ فيما إذا وقع على جارية من المغنم أنها تصير أم ولد [له]، وأنَّه يجب عليه قيمتها ومهرها؟ وفي [قيمة] الولد قولان، والقولان في مسألة الكتاب جاريان بالاتفاق على قولنا: إن الأب لا يجب عليه الحدُّ.
أما إذا قلنا بوجوبه لأجل كونها مستولدة لم تصر أمَّ ولد له؛ لان المستولدة لا تقبل النقل، وإن أوجبنا مع كونها غر مستولدة للابن، فالحكم كذلك على الظاهر عند الإمام والمعظم؛ لما قررناه من أن الولد ينعقد رقيقاً.
وفيه وجه: أنها تصير أمَّ ولد في هذه الحالة، كما قيل بمثله في وطء الأمة المحرمة بسبب رضاع أو غيره.
فإن قيل: هل القولان يجريان في حالة يسار الأب وإعساره؟
قلنا: قد حكى الحناطي في محل القولين ثلاثة طرق:
أحدها: [أن محلهما إذا كان الأب] معسراً، [أما إذا كان موسراً] فتصير أم ولد له قولاً واحداً.
[والثاني: أن محلهما إذا كان موسراً، [فإن كان معسراً] لم تصر أم ولد له قولاً واحداً].
والثالث – وهو الأظهر -: طرد الخلاف مطلقاً، وإذا كان كذلك خرج من الطرق قول فارق بين الموسر والمعسر، كما يحكي عن صاحب "التقريب"؛ قياساً على ما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة؛ فإنه فرق في استيلاد حصة الشريك بين الموسر والمعسر، لكن الأئمة ضعفوا الفرق من جهة أن
الاستيلاد هنا إنما ثبت لحرمة الأبوة وشبهة الملك، ولا يختلف هذا المعنى بالإعسار واليسار، وهناك ثبت الاستيلاد في نصيب الشريك لدفع الضرر عنه؛ فلو فقدناه في حالة الإعسار لعلقنا حقه بذمة خراب، وهو أضر من الأول.
التفريع:
إن قلنا بأنها لا تصير أم ولد وجب على الأب المهر كما لو لم يحبلها، ولا فرق فيه بين أن تكون الأمَة مطاوعةً أو مكرهةً إذا لم نوجب الحد [به].
وحكى الإمام فيما إذا كانت مطاوعة في وجوبه وجهين عن العراقيين، وغلطهم فيه؛ فإنهم قطعوا بنفي الحد، وهذا [يشابه ما حكيته] عنهم في وطء السيد المكاتبة.
ولا فرق في وجوب المهر بين أن يكون الأب موسراً أو معسراً.
نعم، الموسر يؤخذ منه، والمعسر يثبت في ذمته إلى يساره.
وعن أبي الحسين حكاية وجه ضعيف: أنَّه إذا كان معسراً لا يتبع به، ويجب عليه قيمة الولد باعتبار يوم انفصاله إن انفصل حيًّان وإن انفصل ميتاً فلا شيء عليه.
ولا يجوز للابن بيع الجارية ما لم تضع؛ بناءً على منع بيع الحامل بحرٍّ، وهل تؤخذ قيمة الجارية من الأب في الحال للحيلولة؟ [فيه] وجهان:
المذكور منهما في "الشامل" حكاية عن الأصحاب: نعم؛ كما في العبد الآبق.
وأصحهما في "التهذيب" وغيره – كما قال الرافعي [وغيره]-: لا؛ لأن يده محرمة عليها، وهو منتفع بها بالاستخدام وغيره، بخلاف ما إذا أبق العبد.
وهكذا الحكم في الجارية المغرور بحريتها، والموطوءة بالشبهة إذا أحبلها الواطئ.
ولو ملك الأب هذه الجارية يوماً من الدهر، فهل تصير أم ولده له؟ فيه
القولان الآتيان.
وإن قلنا بالصحيح في أنها تصير أمَّ ولد، فلابد من نقل الملك فيها للوالد، وفي أي وقت ينتقل أوجه:
أحدها: قبيل العلوق؛ ليكون مسقط مائة [ملكاً له] [صيانة] لحرمته، وهو ما أورده في "التهذيب".
والثاني: مع العلوق؛ لأن العلوق هو علة نقل الملك، والمعلول يساوق العلة، وهذا ما ارتضاه الإمام.
والثالث: عند الولادة.
[والرابع: عند أداء القيمة بعد الولادة].
وهذا [والذي] قبله أوردهما الحناطي، وغيره حكى بدلهما وجهاً: أنها تنتقل إليه بعد العلوق.
وقضية كلام من فرق في الحكم بالاستيلاد بين الموسر والمعسر: أن يجيء في وقت الحكم بالاستيلاد الأقوال المذكورة في العتق، وهوا لذي قال الإمام: إنه يجب؛ تخريجاً على هذا القول، [ولا شك في وجوب قيمة الأم على هذا القول]، وكذا المهر عند الجمهور.
وأمَّا قيمة الولد فقد أطلق ابن الصباغ القول بأنها لا تجب، ووجهه: بأنها وضعته في ملكه.
وبسطه: أن الولد إذا انعقد حرًّا إنما تضمن قيمته حالة وضعه، فإذا كانت الأم في تلك الحالة مملوكة للواطئ فلا شيء عليه؛ كما لو علقت به في ملكه.
وحكى الإمام وجهين في وجوب قيمة الولد، وجزم آخِراً بأنَّا إذا حكمنا بثبوت الاستيلاد فلا تجب قيمة الولد، وبنى الرافعي الوجهين على وقت الحكم باتنقال الملك في الأم إلى الأب، [فقال: إن قلنا]: قبيل العلوق، فلا تجب، وإن قلنا: بعد العلوق، وجبت، وإن قلنا: مع العلوق، فالأصحاب على الوجوب.
وقال الإمام: العلوق على هذا القول مصادف للملك، فكيف يقتضي إيجاب القيمة؟ وبنى على ذلك ما إذا فرض إنزال الماء مع تغييب الحشفة، فقد اقترن موجب المهر بالعلوق، فقال: ينبغي أن ننزل المهر منزلة قيمة الولد، ويكون إطلاق الأصحاب لزوم المهر محمولاً على ما إذا تأخر الإنزال عن موجب المهر كما هوا لغالب، ولا شك في أن الجارية إذا لم تكن موطوءة للابن، وفرعنا على هذا القول تنقلب حلالاً للأب.
فرع: إذا كان ولده يملك بعض جارية، فاستولدها الأب، وقلنا بأنها لو كانت بجملتها للابن كانت أم ولد له – فالجمهور على أنه إذا كان الأب موسراً سرى إلى نصيب الشريك والولد حرٌّن وإن كان معسراً لم يثبت الاستيلاد في نصيب الشريك، [والولد] نصفه حرٌّ ونصفه رقيق في أصح القولين.
وحكى أبو سعد الهروي وجهاً: أن الاستيلاد لا يثبت في نصيب الشريك [بحالٍ].
ولو كانت الموطوءة مكاتبة الابن: فمنهم من جزم بعدم نفوذ استيلاد الأب فيها؛ لأنها لا تقبل النقل؛ كأم الولد، ومنهم من أجرى الخلاف السابق فيها؛ لأنها تقبل الفسخ، بخلاف الاستيلاد، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، والأول هو الذي أورده أبو سعد الهروي.
أمَّا إذا كان الأب رقيقاً ففي ولده وجهان:
أحدهما: أنه رقيق لرق أبويه.
والثاني- وبه أفتى القفال -: أنه حرٌّ كولد المغرور، وعلى هذا فتثبت قيمته في ذمّة الأب يتبع بها إذا عتق، وأمَّا الجارية فلا تصير أمّ ولد له، والمهر واجب عليه لأجل عدم وجوب الحد، ويتعلق برقبته.
قال: وإن أولد جارية أجنبيٍّ بنكاحٍ أو زنى فالولد مملوك لصاحب الجارية؛ لأن الولد يتبع الأم وهي مملوكة.
قال: ولا تصير الجارية أمّ ولد [له] أي: وإن ملكها؛ لأنها تثبت لها تبعاً
لحرية الولد، والولد في هذه الحالة رقيق، ويدلّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين موته: "مَا خَلَّقْتُ دِينَاراً، وَلا دِرْهَماً، وَلا عَبْداًن وَلا أَمَةً"، فقالت له عائشة –رضي الله عنها-: فمارية؟ قال: "تِلْكَ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا" وعني به صلى الله عليه وسلم إبراهيمَ الذي أتَتْ به منه.
وهكذا الحكم فيما لو ملكها في حال الحمل كما صرح به القاضي الحسين.
قال البندنيجي وغيره: ولا يتصور عندنا أن تعلق الأمة بولد مملوك، ثم تصير أمّ ولد إلا في مسألة واحدة على أحد القولين، وهي إذا وطئ المكاتب أمته فأحبلها.
فرع: إذا أتت أمته التي اشتراها بولد لأقل من ستة أشهر من حين الشراء فالحكم أنَّه حرٌّن ولا تصير [الجارية] أمّ ولد كما ذكرنا، وإن كان لأكثر من ستة أشهر وهو يطؤها صارت أم ولدٍ، قال القاضي الحسين: قولاً واحداً، ولو لم يطأها وادّعى الاستبراء فلا تصير أم ولد، والولد لاحقٌ به على أربع سنين، وإن لم يدع الاستبراء فهل تصير أمّ ولد [له]؟ فيه وجهان.
[قال:] [وإن كان] بشبهة أي: شبهة أنها زوجته الحرة، أو أمته، أو أم ولده –فالولد حرٌّ؛ نظراً إلى ظن أبيه.
وحكى البندنيجي عن أبي إسحاق: أن أحد الشريكين إذا وطئ الجارية المشتركة بعد أن أحبلها شريكه، وحكمنا بسريان الاستيلاد على جميعها، وكان الثاني جاهلاً بالتحريم – أن الولد ينعقد رقيقاً، إذا كان الواطئ معسراً، ثم قال: وفيه نظرٌ.
قلت: وقياس قول أبي إسحاق أن يطرده في كل وطء بشبهة، [ويحكم
برقه الولد إذا كان أبوه] معسراً، إلا أن يكون القائل لهذا يلاحظ كون الموطوءة لا تقبل النقل؛ [فيختص جريانه بمملوكة لا تقبل النقل] كالموقوفة، لكن لو كان هذا المأخذ لَمَا فرَّق بين الموسر والمعسر.
قال: والجارية ليست بأم ولد [له] في الحال؛ لأنها ليست مملوكة [له]، فإن نملكها ففيه قولان:
أحدهما: أنها تصير أمّ ولد له؛ لأن العلوق بالولد الحر في الملك سبب [في] الحرية بعد الموت؛ كما أنَّ القرابة عند وجود الملك سبب للعتق في الحال، ثم لَمَّا كان الملك إذا طرأ على القرابة حصل العتق في الحال كذلك الملك إذا طرأ [على الأمة] بعد انعقاد الولد حرًّا ثبت العتق بعد الموت، وهذا ما اختاره في "المرشد" والإمام في كتاب "السير"، وبه جزم البغوي ثم، وهو المحكي عن نصه في "حرملة" و"المختصر".
والثاني: لا تصير؛ لأنها علقت منه في غير ملكه، فأشبه ما لو علقت منه في نكاح.
قال الإمام: "ولأن هذا العلوق لو كان يثبت أمية الولد لما بعد أن [يقبضها على الفور] إذا كان الواطئ موسراً، [وكنا ننقل] الملك إليه كصنعنا في تسرية العتاقة على القول الأصح، فإذا لم نفعل ذلك فلا اثر للعلوق في الثاني؛ كما لا أثر [له] في الحال.
وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره [في كتاب "السير"] عن نصه في "الأم"، وهذا الخلاف جارٍ فيما لو غر بنكاح أمة؛ فإن ولده منها ينعقد حرًّا، وهل تصير أمَّ ولد إذا ملكها؟
ورجح الإمام القول بعدم النفوذ هنا، أمَّا إذا ظنَّ الواطئ أنها زوجته الأمة فالولد ينعقد رقيقاً لظنه.
وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه عند الكلام في وطء جارية من المغنمه، ثم قال: ورأيت لغير شيخي ما يدل على أنَّه حر، كما لو وطئ المغرور زوجته التي حسبها حرة، [ووطئها جاريةً]، وقدَّر نفسه جاريته زانياً –فإن الولد [ينعقد حرًّا]، وإن كان الواطئ [غيرَ بانٍ] أمره على وطء حرة، وهو عندي غلطٌ.
قال: وإن وطئ جارية، فوضعت ما لم يتصور فيه خلق آدمي، وشهد أربع من القوابل أنه لو ترك لكان آدميًّا-ففيه قولان، ستقف على شرحهما في باب "العدد".
و"القوابل" جمع "قابلة": وهي التي تتلقى الولد عند الولادة، يقال: قَبِلَتِ القَابِلَةُ المرأَةَ – بكسرِ البَاءِ – تَقْبَلُهَا [-بفتحها-] قِبَالَةً، بكسر القاف.
قال الجَوْهَرِيُّ: "ويقال للقابلة أيضاً: قَبِيل، وقَبُول".
قال: ولا يجوز بيع أم الولد لما ذكرناه في أول [كتاب] "البيع".
قال أبو إسحاق: وليس للشافعيّ – رضي الله عنه – فيها إلا هذا القول.
وقال المزني: إنه قطع في خمسة عشر كتاباً بعتق [أم الولد]، ووقف في غيرها.
وهذا إنما هو قول حكاه الشافعي عن الغير، وليس بتوقفٍ منه فيه.
قال: ولا هبتها، ولا الوصية بها؛ لأن ذلك ينقل الملك فيها إلى الغير؛ فلم يجز كالبيع، وكما لا تجوز هذه التصرفات فيها لا تجوز في ولدها الحادث بعد ثبوت الاستيلاد من نكاح أو زنى قولاً واحداً، ويعتق [ولدها] بموت السيد [كما تعتق هي، ولا يبطل سبب العتق في حقه بموت الأم قبل السيد].
ولو وطئ أمة الغير بشبهة، ثم حدث لها أولاد من غيره من نكاح أو زنى، ثم ملكها مع أولادها –لا يثبت حكم الاستيلاد [لهذه الأولاد].
ولو اشتراه وهي حامل بولد رقيق، قال الإمام: فهذا موضع النظر، يجوز أن يقال: يتعدى الاستيلاد إليه؛ كما في تعدي حرية التدبير إلى الولد، وإن في كلام الصَّيْدَلاَنِيّ رمزاً إليه.
قال: يجوز استخدامها وإجارتها، ويجوز وطؤها؛ لخبر ابن عمر –رضي الله عنهما – وكذا يجوز أن يكاتبها؛ لأنه يملك كسبها، فإذا أعتقها على بعضه جاز، وهذا أخذ من نصّ الشافعيّ على أنه إذا استولد المكاتبة صارت أمّ ولد والكتابة بحالها.
وقال ابن القاص: لا تجوز كتابتها؛ لأنها عقد على رقبتها فأشبه البيع والهبة والرهن، وقال: قول الشافعي إنما دل على الاستدامة، فأمّا في الابتداء فلا؛ كما لا تنافي العدة والردة استدامة النكاح وتنافي ابتداءه.
فرع: إذا جوَّزنا كتابة أم الولد، فأدّت المال عتقت بحكم الكتابة، وتبعها أولادها الحادثون بعد الكتابة في العتق إن قلنا: المكاتبة يتبعها ولدها، وإن قلنا: لا يتبعها، تأخر عتقهم إلى موت السيد.
ولو مات السيد قبل الأداء [أو العجز] عتقت بحكم الاستيلاد، وكذا أولادها، وحكى القاضي الحسين عن القفال: أنها تعتق بحكم الكتابة، وكذا أولادها إن قلنا: إن الولد يتبع أمه في العتق بالكتابة وإلا عتقوا بحكم الاستيلاد، كذا حكاه في كتاب الكتابة.
قال: وفي تزويجها ثلاثة أقوال:
أصحها: أنه يجوز؛ لأنه يملك رقبتها ومنافعها حتى الاستمتاع، فملك تزويجها برضاها وبدونه كالمدبرة.
وهذا هو الجديد.
والثاني: لا يجوز؛ [أي]: وإن رضيت؛ لأنها ناقصة في نفسها، وولاية