كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وسمي سبيلًا؛ لأن الثمرة [تصير] مسبلة.
قال الشافعي –رحمه الله-: ولم يحبس أهل الجاهلية –فيما عملته- دارًا ولا أرضًا [تبرُّرًا].
والأصل في مشروعيته: ما روى أبو داود مسندًا عن نافع [عن] ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر, فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالًا قط أنفس عندي منه, وكيف تأمرني؟ فقال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها", فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها, ولا توهب, ولا تورث, للفقراء, والقربى, والرقاب, وفي سبيل الله, وابن السبيل.
وفي رواية: والضيف – لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف, ويطعم صديقًا غير متموِّل فيه.
وفي رواية: غير متأثِّل مالًا.
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه.
وقال يحيي بن سعيد –وهو الأنصاري-: نسخها لي عبد الحمي بن عبد الله [بن عبد الله] بن عمر بن الخطاب- يعني صدقة عمر بن الخطاب-: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما كتب عمر في ثمغ, فقص [من خبره] نحو حديث نافع قال: "غير متأثل مالًا فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم", قال: وساق القصة, وإن شاء ولى ثمغ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله, وكتب معيقيب –وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم, هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين: إن حدث فِىَّ حدثٌ أن ثمغًا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي –تليه حفصة ما عاشت, ثم يليه ذوو الرأي من أهلها, ألا يباع, ولا يشترى, ينفقه حيث رأى, من السائل والمحروم, وذوي القربى, ولا جناح على وليه إن أكل, أو آكل, أو اشترى
رقيقًا منه".
ومعيقيب: هو ابن أبي فاطمة, وعبد الله بن الأرقم القرشي الزهري, ولهما صحبة.
وثمغٌ: بفتح الثاء المثلثة, وبعدها ميم ساكنة –وقيدها بعضهم بالفتح- وغين معجمة, وصرمة ابن الأكوع: هما مالان معروفان بالمدينة كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما.
وأكل: أي أطعم, آكله إيكالًا: أطعمه.
وقد قيل: إن ما وقفه عمر [بن الخطاب] من أرض خيبر صدقة تصدق بها في الإسلام.
قال: الوقف قربة مندوب إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] , وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: 115] والوقف خير؛ فاندرج تحت عموم ذلك.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: من صدقةٍ [جارية] , أو علم ينتفع به, أو ولدٍ صالح يدعو له" كما أخرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
وحمل العلماء الصدقة الجارية على الوقف, وقد قال الشافعي في القديم: ولقد بلغني أن ثمانين نفرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات موقوفات.
وقال جابر: ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف.
وهذه الوقوف [جارية على سبلها] إلى اليوم بمكة والمدينة.
واحترز الشيخ بقوله: مندوب إليها عن القربة الواجبة, ولأن القرب منها ما قام دليل عليه بخصوصه, كالعتق وصلة الرحم وغير ذلك, ومنها ما اندرج في عموم قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] ونحوه؛ فتبين أن الوقف من الأول وهو آكد من الثاني؛ لتظافر الدليل العام والخاص عليه.
قال: ولا يصح إلا ممن لا يجوز تصرفه في ماله؛ لأنه تصرف في المال, ويعتبر مع جواز التصرف في المال أن يكون أهلًا للتبرع فإن المكاتب من يجوز تصرفه في ماله ولا يصح وقفه.
قال: ولا يصح إلا في عين معينة, فإن وقف شيئاً في الذمة بأن قال: وقفت فرسًا أو عبدًا, لم يصح؛ لأنه إزالة ملك على وجه القربة؛ فلم يصح في عين الذمة كالعتق والصدقة, وهكذا الحكم فيما لو ثبت له في ذمة شخص فرس أو عبد فوقفه, ولو وقف أحد العبدين أو إحدى داريه ففيه وجهان في "الوسيط", وأصحهما: المنع كما في الهبة, ومن جوز قاسه على العتق.
قال الإمام: وهذا التردد يضاهي تردد الأصحاب في أن الوقف هل يقبل التعليقَ [قبولَ] العتق له, ويلتفت على أن الوقف إذا اقترن بالشرط المفسد هل يفسد أم ينفذ نفوذ العتق؟ ثم إذا صححناه طالبناه بالتعيين, فإن أفضى الأمر إلى الإقراع أقرع, كما في العتق.
قال: ولا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام كالعقار والحيوان والأثاث أي –سواء كان مفرزًا أو مشاعًا.
ووجه صحة وقف هذه الأنواع –مع ما ذكرناه من حديث عمر-: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر ساعيًا على الصدقات, فلما رجع شكا العباس وخالدًا و [ابن] جميل, فقال صلى الله عليه وسلم: "ما نقم ابن جميل, إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله تعالى ورسوله, وأما خالد فإنكم تظلمون خالدًا؛ إنه قد احتبس أدراعه, وأعتاده في سبيل الله عز وجل".
وروي: "أدراعه وأعتده".
والأعتد, قال القاضي الحسين: الخيل.
و [بعضهم] روى أن أم معقل جاءت [إلى] النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله, إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله, وإني أريد الحج, فأركبه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اركبيه؛ فإن الحج والعمرة من سبيل الله".
وذكر الشيخ العقار –وإن كان مجمعًا على جواز وقفه- لنقيس عليه ما ذكره معه؛ بجامع اشتراكهما فيما ذكره.
وأيضاً: فالمسلمون متفقون على وقف الحصر والقناديل والزلالي في جميع الأعصار من غير إنكار.
ولا فرق في الحيوان بين أن يكون بهيمًا أو آدميًّا, ولا في [الآدمي بين] المسلم والكافر, ولا في [الكافر بين] أن يكون كتابيًّا أو وثنيًّا, كما صرح به القاضي الحسين.
تنبيه: الأثاث –بفتح الهمزة-: متاع البيت ونحوه, قال الفراء: لا واحد له من لفظه.
وقال أبو زيد: الأثاث يقع على المال أجمع من الإبل والغنم والبقر, ومتاع البيع, واحدته: أثاثة, والأول بكلام الشيخ أمسُّ.
[قال]: فإن وقف مالًا ينتفع به مع بقائه كالأثمان والطعام, أو مالاً ينتفع به على الدوام كالمشموم –لم يجز؛ لأنه ليس في معنى المنصوص عليه, فلا يمكن إلحاقه, مع أن تسبيل الثمرة وتحبيس الأصل غير ممكن فيه.
وفي الأثمان وجه: أنه يجوز وقفها؛ بناء على جواز إجارتها, وبه جزم الفوراني عند التصريح بكونها للزينة, وقد حكاه أبو ثور عن الشافعي.
قال البندنيجي: وليس بشيء.
قد ألحق الماوردي بما لا منفعة فيه وقف الخصي من الغنم.
وقال في "البحر": وعندي يحتمل وجهًا: أنه لا يجوز؛ لأنه ينتفع بصوفه كما ينتفع من الأنثى بلبنها ونسلها, ورأيته عن أصحابنا.
واعلم أن ما ذكره الشيخ من كون الوقف لا يصح إلا في عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها على الدوام, صحيح, لكنه لا يكفي في ضبط ما يجوز وقفه؛ لأن الحر, والموصى بمنفعته, وأم الولد, والكلب المعلَّم يمكن الانتفاع بهم على الدوام, ومع هذا لا يصح وقف الحر ولا الموصى بمنفعته من مالك المنفعة اتفاقًا, وكذا وقف أم الولد, كما جزم به البندنيجي, وهو عند غيره الأصح؛ بناء على أن الوقف ينقل الملك, وهو المذهب.
ومن قال: إن الوقف لا ينقل الملك, جوزه على وجه, كما صرح به الماوردي وغيره, وحكى الخلاف, ولم يثبته.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إن الظاهر الجواز, وهو الذي [اختاره] في "المرشد".
وعلى هذا: إذا مات السيد هل يبطل الوقف؟ [قال المتولي]: لا؛ بل تبقى منافعها للموقوف عليه؛ كما لو أجرها ومات, ويكون لها الرجوع بعوض منافعها.
وفي "الحاوي" و"النهاية": أنه يبطل بلا خلاف.
قال الإمام: لأن الحرية تنافي الوقف دون الإجارة, وهذا قضية كلام ابن كج.
وأما الكلب, فجزم المعظم بمنع وقفه, وإن جازت إجازته؛ لعدم الملك فيه كالحر.
وممن جزم به: البندنيجي [والماوردي] والقفال كما حكاه القاضي الحسين, والقاضي أبو الطيب حكاه عن النص, وقد أجاز بعضهم وقفه.
واختلفوا في أصله: فالشيخ أبو حامد كما حكاه عنه في "الإبانة", والماوردي والقاضي الحسين بنوه على جواز إجازته.
ومنهم من بناه على جواز هبته.
ومنهم من بناه على أن الوقف لا يقتضي نقل الملك, وقد حكى في "البحر" طريقة
قاطعة بهذا الوجه, ونسبها الفوراني إلى القفال, واختارها في "المرشد".
ومن خرج هذا الوقف على ما ذكرناه يلزمه تجويز وقف الموصى له بالمنفعة ولم يجوزه؛ فلا جرم كان الأصل عند المعظم [المنع] , وحينئذ فلو قال الشيخ: ولا يصح الوقف إلا في عين يمكن بيعها ويمكن الانتفاع بها على الدوام –كما قال القاضي أبو الطيب- لكان شاملًا لما يجوز وقفه على الصحيح, وعليه ينطبق أن المكاتب لا يجوز وقفه على الصحيح, وبه جزم الماوردي.
فإن قلت: ما ذكرته وإن كان مانعًا فهو غير جامع؛ لأمرين:
أحدهما: أنه يقتضي أن وقف الأشجار لثمارها, والمواشي لأصوافها وألبانها ونتاجها, والفحل لطروقه على بهائم أهل القرية– لا يجوز؛ لأن ما وقف غير منتفع به, وإنما الانتفاع حاصل بما صدر عنه, والانتفاع به حقيقة: كالدار تسكن والدابة تركب, والثوب يلبس ونحوه؛ ولهذا قال الغزالي: يجوز وقف كُلِّ مُتعين تحصل منه فائدة, أو منفعة لا تفوت العين باستيفائها.
الثاني: أنه يقتضي أن وقف المعلق عتقه لا يصح, وكذا المدبر إذا قلنا: إن التدبير عتق بصفة؛ لأنهما على قولنا: إن الوقف لا ينقل الملك, إذا مات السيد عَتَقَا؛ فهو مال لا ينتفع به مع بقائه على الدوام, مع أن وقفهما صحيح اتفاقًا.
قلت: الجواب عن الأول: أن أهل العرف يعدون [مثل] هذه الأعيان منتفعًا بها,
وكذلك حملة الشرع حيث قالوا في شرائط المبيع: أن يكون منتفعًا به, ولولا شمول الاسم النوعين لما كان كلامهم به مستقيمًا.
وعن الثاني من وجهين:
أحدهما: أنه فرع على الصحيح في أن الملك ينتقل بنفس الوقف؛ لأن الحدود إنما تذكر لحصر ما عليه آحاده, وحينئذٍ فلا يعتق واحد منهما بموت الواقف –كما صرح به الماوردي وغيره- إلا أن يقول: الاعتبار في التعليق بحاله [التعليق لا حالة] وجود الصفة –كما حكاه المراوزة- فحينئذٍ [يعتق بكلٍّ, وقد يقال: إذا نظرنا إلى حالة وجود الصفة مع قولنا: إن الملك للواقف] , يكون في نفوذه الخلاف الآتي في تنجيز عتق الموقوف, وقد أغرب في "التهذيب"؛ حيث جعل التفريع على قولنا: إنه ينتقل إلى الله تعالى, كالتفريع على أنه لا ينتقل حتى ينفذ العتق.
[و] الثاني: أن الشيخ اعتبر إمكان الانتفاع بالعين مع بقائها على الدوام, والإمكان موجود؛ لأن احتمال موتهما قبل موت السيد قائم.
ومن هذا الجواب يظهر لك أنه لا يشترط في الموقوف أن يكون [بحيث] تحصل منه منفعة في الحال؛ بل يجوز وقف الأرض الخراب –كما صرح به الماوردي- لإمكان عمارتها, والعبد والجحش الصغيرين, والزمن الذي يرجى زوال زمانته –كما صرح به الأصحاب- قياسًا على جواز نكاح الرضيعة.
وكذا يجوز وقف العين بعد إجازتها كما يجوز وقف [ماله] المغصوب, وهذا ما أجاب به في "البحر" في كتاب الإجارة قبيل باب كراء الإبل, وقال: إنه لا يرجع من وقف عليه بشيء من أجرة مدة الإجارة قولًا واحدًا.
وفي "فتاوى" القفال: تخريجه على الوقف المنقطع الأول.
وزاد بعضهم فقال: إن وقف على مسجد صح؛ لمشابهته الإعتاق.
وإن وقف على إنسان, فإن قلنا: الملك في الوقف للموقوف عليه, فهو على
الخلاف في بيع المستأجر: فإن لم نصححه فكذلك الوقف, وإن صححناه جرى الخلاف في الوقف المنقطع أول, وإن قلنا: ينتقل إلى الله تعالى, فوجهان؛ لافتقاره إلى القبول.
ووقف الورثة الموصى بمنفعته مهراً مثلًا, كوقف المستأجر.
فرع: إذا استأجر أرضًا ليبني فيها أو يغرس, ففعل, ثم وقف البناء والغراس –ففي صحة الوقف وجهان:
أصحهما –وبه قال ابن الحداد-: [الصحة] , وهو الذي حكاه الماوردي في كتاب الإجارة.
ووجه المنع: أن مالك الأرض بسبيل من قلعه؛ فكأنه ما لا ينتفع به.
وهما كالوجهين في أنه لو أراد بيع البناء والغراس هل يجوز؟
ولو وقف هذا أرضه وهذا بناءه جاز بلا خلاف؛ كما لو اجتمعنا على البيع.
وإذا قلنا بصحة الوقف ومضت المدة, قال الماوردي: لم يكن لرب الأرض أن يبذل له قيمة ذلك؛ وإنما له أن يأخذ الواقف بقلعه إن بذل له أرش نقصه, وإذا قلعه لزمه أن ينقله إلى أرض أخرى يكون وقفها فيها جاريًا على سبيله, وكذلك قاله في "التهذيب" في كتاب العارية.
وقال الرافعي: إذا قلع مالك الأرض البناء, فإن بقي منتفعًا به بعد النقل فهو وقف كما كان, وإن لم يبق فيصير ملكًا للموقوف عليه أو يرجع إلى الواقف؟ فيه وجهان, وأرش النقص الذي يوجد يسلك به مسلك الوقف.
قال: ولا يجوز إلا على معروف وبر, أي: إذا كان الوقف على جهة عامة كالوقف على الأقارب والفقراء والقناطر وسبل الخير, فإن وقف على قاطع الطريق أو على حربى أو مرتد لم يجز؛ لأن القصد بالوقف القربة وبالأول تحصل, وفي الثاني إعانة على معصية؛ فهو ضد المراد.
والمعروف الإحسان, والبر: اسم جامع للخير, واصله الطاعة؛ فهو اعم من المعروف.
قال: وإن وقف على ذمي جاز؛ لأن الوقف يجري مجرى صدقة التطوع, وصدقة التطوع على الذمي جائزة؛ فكذلك الوقف.
فإن قيل: يظهر أن المراد بالذمي غير معين, وهو من عقدت له الذمة؛ كما أن مراده بقاطع الطريق والمرتد والحربي ليس شخصًا معينًا, بل من يقطع الطريق ومن يرتد ومن يحارب, وإلا فهو كما لو وقف على زيد مثلًا وكان قاطع الطريق؛ فإنه يصح جزمًا, وكذا لو وقف عليه وهو مرتد أو حربي على أحد الوجهين.
قلت: ليس الأمر كذلك؛ بل المراد الواحد المعين؛ فإن هذه الصيغة ليس فيها عموم, وما ذكر من [أن] المراد بقاطع الطريق واحد غير معين فصحيح؛ لأنه مضاف إلى الطريق, ومثل ذلك يقتضي العموم كما في [ابن] السبيل, وما ذكر من أن المراد بالحربي والمرتد واحد غير معين, ممنوع؛ لما ذكرناه.
والشيخ اقتصر فيهما على الصحيح, وهو منع الوقف عليهما –كما هو مذكور في
"الحلية" و"الرافعي"- لأنهما منقولان عن قرب, والوقف صدقة جارية؛ فكما لا يصح وقف ما لا [دوام له] لا يصح الوقف على من لا [دوام له] , ولك أن تقول: وقف ما لا دوام له لا يبقى له أثر بعد فواته, وإذا فات الموقوف عليه أولًا انتقل الوقف إلى من بعده؛ فمقصود الوقف حاصل وهو الدوام.
ثم من جوز الوقف على المرتد [يجب] أن يقول ببقاء ملكه, والله أعلم.
وقد ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوقف على الجهة العامة لا يشترط فيه [وجود] القربة؛ بل الشرط انتفاء المعصية حتى جوز الوقف على مساكين أهل الذمة والأغنياء من المسلمين؛ كما لو وقف على ذمي بعينه أو مسلم بعينه –وكان غنيًا- نظرًا لكونه جهة تملك, وهذا ما اختاره الإمام وشيخه بعد أن حكى عن المعظم الأول, وأنهم استدلوا بأنه لا يجب استيعاب المساكين إذا وقف عليهم, ويجوز الاقتصار على ثلاثة منهم, ولو كان القصد التملك لما جاز مثل ذلك.
وقال الرافعي: إن ما اختاره الإمام أشبه, وإنه مطرد في جواز الوقف على الفساق.
واستشهد له بأن ابن الصباغ صحح الوقف على النازلين بالكنائس من مارة أهل الذمة وقال: إنه وقف عليهم لا على الكنيسة.
وإن الأشبه توسط ذهب إليه بعض المتأخرين, وهو تصحيح الوقف على الأغنياء, وإبطال الوقف على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية.
ولا خلاف أن الوقف على شراء آلة برسم قطاع الطرق والمحاربين لا يجوز, وكذا على البيع والكنائس وكتب التوراة والإنجيل؛ لأنها محرمة لا لكونها منسوخة, كما قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب؛ لأن النسخ لا يذهب حرمتها, والقاضي الحسين علله بكونها منسوخة, وحكاه في "الحاوي" عن بعض الأصحاب وقال: إنه فاسد.
وسواء فيما ذكرناه المسلم والذمي, حتى لو رفع إلينا وقف أهل الشرك نقضناه,
اللهم إلا أن يكون شيئاً وقفوه المبعث على كنائسهم القديمة, فنقره حيث تقر الكنائس.
وقال في "الحاوي": إنه لو وقف دارًا على أن يسكنها فقراء اليهود, فإن جعل لفقراء المسلمين نصيبًا معهم جاز, وإلا فوجهان, وجه المنع: أنهم إذا انفردوا بسكناها, صارت ككنائسهم, وهو مخرج -أيضاً- مما ذكرناه من قبل, وسنذكر في باب الوصية مسائل تشابه ما نحن فيه, ولا يبعد جريان خلاف في جواز الوقف عليها؛ [أخذًا] مما ذكرناه.
فروع:
إذا وقف على سبيل الله, أو: [على] أن تصرف منفعته إلى الله -صرفت المنفعة إلى الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان, كما قال القاضي أبو الطيب, ولا يرد علينا حديث [أبي] معقل؛ لأنه-عليه السلام-[يجوز أن يكون] علم أن [أبا] معقل جعل الحج والعمرة من سبيل الله في وقفه.
وعندنا لو أراد بـ "سبيل الله" الحج والعمرة صح, وصرفت نفقته إليهما, وكلامنا عند الإطلاق.
ولو وقف على سبيل الخير أو البر أو الثواب صرف إلى أقارب الواقف, فإن لم يوجدوا فإلى أهل الزكاة.
وذكر القاضي الحسين: أنه إذا وقف على سبيل الخير صرف إلى أهل الأصناف الذين يأخذون لحاجتهم دون العاملين.
وذكر في "التهذيب" أن الموقوف على سبيل البر يجوز صرفه إلى ما فيه صلاح المسلمين من أهل الزكاة وإصلاح القناطر وسد الثغور ودفن الموتى وغيرها.
وفرق بعض الأصحاب -كما حكاه الإمام عن رواية شيخه والعراقيين- فقال: إذا وقف على جهة الخير صرف إلى مصارف الزكاة, ولا يبني به مسجدًا ولا رباطًا, وإذا وقف على جهة الثواب صرف إلى أقاربه.
قال الإمام: ورأيت في بعض تعاليق شيخي: أنه لا فرق بين لفظ الثواب والخير,
وحكى أن ذلك نص الشافعي, وأن بعض القياسين [ذهب] إلى أن الثواب والخير لا يختصان بجهة من جهات القرب, ولكنهما يحملان على جميع جهات الخير, وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره, ولا ينقدح فيه تردد, إلا في أنه لا يُبْنَى بالريع رباط ولا مسجد.
وقال الرافعي: إن جواب الأكثرين الأول, وقالوا: لو جمع بين سبيل الله وسبيل الثواب وسبيل الخير, صرف الثلث إلى الغزاة المذكورين في الزكاة, والثلث إلى أقاربه, والثلث إلى الفقراء, والمساكين والغارمين, وابن السبيل, وفي الرقاب.
وفي "تعليق" أبي الطيب: أن الثلث الثاني يصرف إلى [الفقراء والمساكين, ويبدأ بأقاربه.
وقال البندنيجي: إن هذا الثلث يصرف إلى فقراء] أقرب الناس إلى الوقف.
ويجوز الوقف على أكفان الموتى ومؤنة الغسالين والحفارين, وعلى شراء الأواني والظروف لمن تكسرت عليه.
وعلى المتفقهة: وهو المشتغلون بتحصيل الفقه مبتدئهم ومنتهيهم, وعلى الفقهاء, ويخل فيه من حصل شيئاً منه وإن قل, كذا قاله الرافعي.
والذي حكاه القاضي الحسين: أنه إذا وقف على [الفقهاء صرف إلى من يعرف من كل علم [من الأحكام] شيئاً, فأما من تفقه شهرًا أو شهرين فلا.
ولو وقف
على] المتفقهة صرف إلى من تفقه يومًا مثلًا؛ لأن اسم المتفقه ينطلق عليه, بخلاف الأول.
ولو وقف على الصوفية, قال الرافعي: فالذي رأيته بخط بعض المحصلين: أن الشيخ أبا محمد لم يصحح الوقف عليهم؛ إذ ليس للتصوف حدٌّ يوقف عليه, والمشهور: الصحة؛ فيصرف إلى كل من كان منشغلًا بعبادة الله تعالى في أغلب أمره, فأما ما كان مشتغلًا بالأكل والرقص والسماع فلا, كذا قاله القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الغزالي [في "الفتاوى"]: لا بد في الصوفى من العدالة ومن [تركه الحرفة].
نعم, لا بأس بالخياطة والوراقة وما يشبههما إذا كان يتعاطاها أحيانًا في الرباط لا في حانوت, ولا تقدح قدرته على الاكتساب والاشتغال بالوعظ والتدريس, ولا أن يكون له من المال قدر ما لا تجوز الزكاة فيه, أو لا يفي دخله بخرجه.
وتقدح الثروة الظاهرة والعروض من الكثرة.
ولا بد أن يكون في زي القوم, إلا إذا كان مساكنهم في الرباط؛ فتقوم المخالطة والمساكنة مقام الزي, وليس يشترط لبس المرقَّعة من يد شيخٍ, كذا ذكره المتولي.
قال: ولا يجوز أن يقف على نفسه أي: وإن ذكر بعده مالًا؛ كالفقراء والمساكين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حبس الأصل, وسبل الثمرة", وتسبيل الثمرة يمنع أن
يكون فيها حق, ولأن الوقف صدقة ومعناه تمليك المنفعة جزمًا, وتمليك الموقوف على رأي, والموقوف ومنفعته ملكه؛ فلا يمكن أن يتصدق بها على نفسه, ولا أن يملك نفسه ذلك, كما لا يجوز أن يملكها بالبيع, وهذا ما حكاه في "البحر" عن نصه في القديم.
وذهب ابن سريج وأبو عبد الله الزبيري من أصحابنا إلى صحة ذلك –كما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي وغيرهما- تمسكًا بما روي أن عثمان لما وقف بئر رُومة, قال: "دلوي فيها كدلاء المسلمين", وحكاه في "البحر" عن المذكورين, وعن محمد بن عبد الله الأنصاري, وقال: إن الاختيار جوازه واستحسنه.
وعن القاضي ابن كج: أنه نقل عن ابن سريج أنه صحح الوقف, وألغى الشرط والإضافة إلى نفسه.
وهذا بناء على أنه لو اقتصر على قوله: وقفت, صح الوقف كما سنذكره.
والمنتصرون للأول قالوا: عثمان –رضي الله عنه- لم يقل ذلك شرطًا, ولكن أخبر أن للواقف أن ينتفع بالأوقاف العامة؛ كالصلاة في [البقعة التي] جعلها مسجدًا وما أشبه ذلك, وتفارق الأوقاف العامة الخاصة؛ لأن العامة عادت إلى ما كانت عليه من الإباحة, بخلاف الخاصة؛ فإنها تقتضي ملك مخصوصين فلم يجز أن ينتفع بها.
التفريغ:
أن قلنا بالصحيح, فطريق تصحيح الوقف –كما قال ابن يونس وصاحب "رفع التمويه"-: أن يقف على أولاد أبيه الذين من صفتهم [كذا وكذا] , ويذكر صفات نفسه, [أو يقف على
نفسه] , ويرفع الأمر إلى حكم يرى ذلك ليحكم به, وفي الأول بحث سأذكره, ولو لم يفعل ذلك, وقال: وقفت على فلان, فإذا مات عاد إلى نفسي, ثم على الفقراء: فهل يصح؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين.
ولو استبقى التولية لنفسه وشرط أجرة, ففي صحة الشرط وجهان يبنيان على أن الهاشمي إذا انتصب عاملًا للزكاة: هل له أن يأخذ سهم العامل؟
ولو وقف على الفقراء فافتقر ففي جواز الأخذ له وجهان:
المجزوم به في "الحاوي" والذي مال إليه الرافعي: الجواز.
وفي "الوسيط": ترجيح المنع.
وهذا ينقدح طرده في الصورة الأولى التي فرضها ابن يونس في تصحيح الوقف على نفسه لولا أن الغزالي وجهه بأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف.
وإن قلنا بقول الزبيري ففي "الحاوي" وجهان:
أحدهما: يبقى على حقه على التأبيد يخلفه فيه ورثته وذرية ذريته ما بقوا, فإذا انقرضوا عاد حينئذ إلى جماعة الفقراء والمساكين.
[والوجه الثاني: أنه يقدم مدة حياته, فإذا مات عاد للفقراء والمساكين] دون
ورثته, إلا أن يكونوا من جماعة الفقراء.
فروع:
قال في "الحاوي": لو وقف رجل وقفًا ليحج عنه جاز, ولا يكون وقفًا على نفسه؛ لأنه لا يملك شيئاً من غلته, فإن ارتد عن الإسلام لم يجز أن يصرف الوقف على الحج؛ لأن الحج عن المرتد لا يصح, وصرف في الفقراء والمساكين, فإن عاد إلى الإسلام أعيد الوقف إلى الحج عنه, وهذا منه يظهر أنه تفريع على [أنه يجوز] النيابة في حج التطوع.
ولو وقفها في الجهاد عنه جاز, فلو ارتد الواقف عن الإسلام كان الوقف على حاله يصرف على المجاهدين عنه؛ لأن الجهاد يصح عن المرتد.
ولو وقف ضيعة على أن يصرف ريعها على عمارتها وحق السلطان وما حصل بعد ذلك [في تبعاتي] في الزكاة والكفارات.
قال أبو العباس ابن سريج: [يصح] ويصرف للفقراء والمساكين؛ لأن الظاهر أنه أخرج زكاته وكفاراته, وإنما خاف التقصير فكان تطوعًا عنه, حكاه ابن الصباغ, وفي "التتمة" [حكاية عن ابن سريج]: أنه يصح, ويصرف إلى من تصرف إليه الزكاة والكفارات.
وفي "الوسيط" وغيره: أنه إذا وقف وشرط أن تصرف من الريع ديونه وزكاته, فهو كما لو وقف على نفسه.
قال: ولا على مجهول كرجل غير معين؛ لتعذر تنفيذ الوقف في مستحقه.
وعن الشيخ أبي محمد احتمال فيما إذا وقف على أحد الرجلين على قولنا: إن الوقف على المعين لا يفتقر إلى القبول, وقد أقامه الغزالي وجهًا, وذكر أنه مخرج من وقف أحد العبدين, وعلى هذا يطالب الواقف بالبيان, فإن تعذر الرجوع إليه بموت أقرع.
ولو قال: وقفت على من شاء زيدٌ, كان باطلًا, ولو قال: على من شئت –وكان قد عين من شاءه [عند الوقف –جاز وأخد ببيانه] , ولو لم يعينه إذ ذاك لم يجز.
قال: ولا على من لا يملك الغلة كالعبد أي: إذا قصد الوقف على نفسه والحمل؛ لأنه تمليك منجز فلا يصح على ما ذكرنا؛ كالبيع والهبة.
واحترزنا بلفظ "التمليك" عن الإرث في حق الحمل, وبلفظ "التنجيز" عن الوصية.
وفي "البحر": أن الشيخ أبا محمد حكى في "المنهاج" وجهين: أن الوقف عن الحمل يصلح كما يملك بالإرث.
وفي "الحاوي" وغيره: أن منع الوقف على العبد مبني على قولنا: إنه لا يملك, أما إذا قلنا: إنه يملك, صح, فإذا عتق كان له, وكان على قياس هذا: أنه إذا وقف على عبد فلان [فباعه] أو وهبه يكون الوقف مستمرًا, لكن المتولي قال: إن الاستحقاق منوط بكونه عبد فلان, فإذا باعه أو وهبه زالت صفة الاستحقاق.
قال الرافعي: ولك أن تقول: الخلاف في أنه ملك مخصوص بما إذا ملكه السيد, فأما إذا ملكه غير السيد, فلا خلاف أن [لا] يملك, وحينئذ إذا كان الواقف غير السيد كان الوقف على من لا يملك؛ فأي معنى لقوله: أو ملكه السيد ملك؟!
قلت: قد تكرر من الرافعي ومن غيره القول بأنه: لا خلاف في أن العبد لا يملك بتمليك غير السيد, وقد تقدم منه ومن غيره: أن العبد يملك بالشراء وبالقرض على رأي من جهة غير سيده, وإذا ملك ببدلٍ فبدونه من طريق الأولى, وسأذكر في أول كتاب "الهبة" وأواخر "باب العتق" ذلك منقولًا عن الأصحاب صريحًا؛ فاطلبه تجده.
فأما إذا أطلق الوقف عليه فهو على سيده؛ كما لو وهب منه, أو أوصى له, وإذا شرطنا القبول جاء الخلاف في أن العبد هل يستقل بقبول الهبة والوصية أم يحتاج إلى إذن السيد؟ وكذا في السيد لو قبل هل يصح؟ والأصح في الأخيرة: لا؛ لأن الخطاب لم يجر معه.
وحكى ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب في "المجرد": أنه لو وقف على العبد
وقلنا: إنه يملك, صح الوقف عليه, وكان للسيد أخذ الريع منه, فإذا عتق كان له, وإن قلنا: إن العبد لا يملك, فهو كما لو وقف على بهيمتةٍ للغير, وظاهر المذهب في البهيمة: أنه يصح, ويكون وقفًا على مالكها, وينفق عليها من ريعه, فإذا نفقت تكون لصاحبها.
وما ذكره عن القاضي صدره يقتضي أن تكون المسألة مفروضة فيما إذا قصد تمليك العبد, وعجزه يقتضي الإطلاق؛ فإنه لو قصد تمليكه بعد أن يشبه بالبهيمة التي الوقف عليها لا يقتضي التمليك, وأن تصرف السيد, ثم المختار في البهيمة ظاهر المذهب.
وفي "ألرافعي" و"التهذيب": أن الصحيح فيها البطلان, وبه جزم الماوردي؛ كما لا تصح الوصية إليها ولا الهبة.
وأما إذا صححنا وشرطنا القبول فالقابل المالك, والخلاف كما حكاه المتولي يجرى فيما إذا وقف على علف بهائم القرية المملوكة أو على بهائم فلان, بخلاف ما لو وقف على الوحوش أو على علف الطيور المباحة؛ فلا يصح جزمًا.
وحكم المدبر والمعلق عتقه بصفة وأم الولد, حكم القن, وكذا المكاتب عند الشيخ أبي حامد.
وفي "الحاوي" إطلاق القول بالصحة, سواء كان على معين أو على المكاتبين.
وفي "التتمة" أن الوقف على المكاتبين صحيح.
ثم إذا عجز بعضهم كان الحكم في استرجاع ما دفع إليه كما [هو] في الزكاة, وكذا إن كان على مكاتب بعينه يصح في الحال, وتصرف الفوائد إليه, ويلزم حكمه إذا عتق إن أطلق الواقف الوقف, وإن قيد بحال الكتابة بطل استحقاقه, وإذا عجز بان [أن] الوقف منقطع الابتداء, وهذا فيه [نظر, بل] ينبغي أن يتخرج على أنه هل يسترجع [منه ما أخذه] أم لا؟ فإن استرجع فالحكم كذلك؛ وإلا فليس بمنقطع الابتداء, [ويؤيد ذلك: أن تصرفات المكاتب بحكم الملك لا ينقضها عند عجزه].
ولو وقف على الأرقاء الموقوفين لسدانة الكعبة وخدمة قبر النبي صلى الله عليه وسلم صح على
الأصح؛ كما لو وقف على علف الدواب في سبيل الله.
ولو وقف على المقبرة لتصرف الغلة إلى عمارة القبور, قال المتولي: لا يجوز؛ لأنه ليس فيه قربة.
ولو وقف على هذه الدار على أن يأكل فوائدها طارقوها صح على أطهر الوجهين.
ولو وقف على عمارة دار زيد: فإن لم يكن زيد [قد] وقفها لم يصح, وإن كان قد وقفها صح.
قال الماروردي: لأن الوقف طاعة, وحفظ عمارته قربة؛ كما لو وقفها على مسجد أو رباط.
فإن قيل: الوقف عندكم على من لا يملك غير صحيح, والوقف على مسجد ورباط قنطرة وفرس في سبيل الله صحيح, وإن لم يصح أن يكون شيء من ذلك مالكًا؟
قيل: هذا وقف على كافة المسلمين, وإنما عيّن مصرفه في هذه الجهة؛ فصار مملوكًا مصروفًا في هذه الجهة في مصالحهم.
قال: فإن وقف على من يجوز [أي]: كأولاده الموجودين أو رجلٍ بعينه, ثم على من لا يجوز كأهل الحرب ونحوهم – بطل الوقف في أحد القولين؛ لأن المقصود بالوقف إيصال الثواب على الدوام حتى يتميز عن العواري, [ولم يحصل] , وصح في الآخر, لأن مقتضى الوقف القربة والثواب, فإذا بين مصرفه في الحال سهل إدامته على وجه الخير, وهذا نصه في "المختصر", وهو مع الأول في "حرملة", وهذا الوقف يلقب به "المنقطع الانتهاء".
وبنى المتولي القولين على أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف أو من الموقوف عليه؟.
فإن قلنا بالأول فلا بد من بيان من ينتهي إليه الاستحقاق.
وإن قلنا بالثاني فلا حاجة إليه.
قال الرافعي: وهذا البناء ترجيح قول البطلان؛ لأن قول التلقي من الواقف
أرجح وأصح, وإلى ذلك ذهب المسعودي والإمام, لكن الأكثرون قالوا: أصح القولين صحة الوقف, ومنهم القضاة أبو حامد والطبري [والروياني] , ووافقهم صاحب "التهذيب".
وعن صاحب "التقريب" قول ثالث في المسألة: وهو الفرق بين أن يكون الموقوف عقارًا فلا يجوز إنشاؤه منقطع الآخر, وبين أن يكون حيوانًا فيجوز؛ لأن مصير الحيوان إلى الهلاك, وكما يجوز فوات الموقوف عليه مع بقاء الموقوف يجوز عكسه إن قلنا بالصحيح.
قال: ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف أي: بعد انقراض الموقوف عليه أولًا؛ لأن قصده الثواب, وهو أبلغ فيه فكان الصرف إليه أولى من غيره, ولأن العادة جارية بأن الإنسان إذا أراد أن يتصدق بشيء بدأ بأقاربه؛ فيجعل كأنه صرح بذلك, وهذا نصه في "المختصر", وهو الأصح عند القاضي الحسين.
ثم [إن] المراد بأقرب الناس إلى الواقف ماذا؟ فيه ثلاثة أوجه.
أحدها –وهو ما حكاه القاضي الحسين عن تخريج ابن سريج -: الجيران, وهو أبعدها.
والثاني: أقاربه الوارثون, حكاه المراوزة.
والثالث –وهو الأصح, والمذكور في طريقة العراق, وينسب إلى رواية حرملة -: أنه أقربهم رحمًا وإن كان غير وارث, حتى يقدم ابن البنت على ابن العم.
فلو اجتمع جماعة فمن المقدم منهم؟ سيأتي الكلام فيه في "باب الوصية" –إن شاء الله تعالى – فإن بعض الأصحاب أحال الكلام فيه عليه, ثم الاعتبار بالأقرب –كما قال في "البحر" –حالة رجوع الوقف إليهم, لا يوم الابتداء بالوقف.
قال: وهل يختص به فقراؤهم, أو يشترك فيه الفقراء والأغنياء؟ فيه قولان:
وجه الاختصاص –وهو المذكور في "حرملة", والصحيح -: أن مصرف الصدقات: الفقراء.
ووجه الاشتراك – وهو منصوص عليه في "المختصر", وظاهر رواية الربيع -: أن
اسم القرابة يشمل الجميع, والغني كالفقير في باب الوقف.
وقيل: يختص به الفقراء قولًا واحدًا؛ لما تقدم, وهذا ما نسب إلى ابن سريج, وبه قال جمهور الأصحاب كما قاله الماوردي, وحملوا رواية المزني والربيع المطلقة على رواية حرملة المقيدة بالفقر.
وهذا الخلاف جارٍ بلا شك عند الأصحاب في الوقف على القرابة, لكن هل يجري مثله فيما إذا قلنا: أقرب الناس إلى الواقف الجيران؛ الظاهر: أنه لا يجري؛ فإن الماوردي حكى فيما إذا وقف على الجيران: أنه لا فرق فيهم بين الغني والفقير, وأقصى درجات ذلك: أن يكون كالتصريح, ثم إذا قلنا: بالاختصاص بالفقراء فهل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فيه وجهان.
فإذا قلنا: على سبيل الوجوب, فلو افتقر من كان غنيًا عند موت الموقوف عليه أولًا صرف إليه, ولو كان الكل أغنياء [كان] كما لو كان الكل فقراء وانقرضوا, و [قد] قال ابن الصباغ في ذلك: إنه يصرف إلى الفقراء والمساكين.
وقال في "البحر": الذي نص عليه الشافعي: أن الإمام يجعلها حبسًا على المسلمين يصرف غلتها في مصالحهم.
وقال: أن القاضي الطبري صار إليه ورجحه.
وقيل على قول الصحة: لا يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف, بل يصرف إلى المصالح العامة مصارف الخمس؛ فإنها أعم الخيرات, والأعم أهم.
قال [الإمام]: وعلى هذا لا يتصرف فيه غير الولي على رأي الظاهر, ولا يبعد عن الاحتمال رد ذلك إلى نظر الناظر في الوقف, وقيل: بل إلى مستحق الزكاة غير العامل, وهذا جعله الروياني في "البحر" مع الذي قبله وجهًا واحدًا.
وقيل: بل إلى المساكين؛ لأن سد الخلات أهم الخيرات.
وعلى هذا فهل يقدم جيران الوقف؟ فيه وجهان, أشبههما: المنع؛ لأنا لو
قدمنا بالجوار لقدمنا بالقرابة بطريق الولى, وعلى قول التقديم فالفرق بينه وبين الوجه الذي حكيناه أولًا عن ابن سريج: أن ثمَّ يستحق الجار وإن كان غنيًا على رأي, وهاهنا لا بد أن يكون فقيرًا.
قال الإمام: وينقدح على هذا القول –يعني القول بعدم تقديم الجار –جواز نقل الريع عن مساكين البلد, ومنع ذلك؛ تخريجًا على اختلاف القولين في نقل الصدقات.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن الوقف يعود ملكًا للواقف, والله أعلم.
ومن صور هذا القسم: أن يوقف على قوم يمكن انقراضهم, كما إذا قال: وقفت على أولادي, فإذا انقرضوا فعلى أولاد أولادهم.
ولم يقل بعد ذلك شيئاً آخر.
وألحق بعضهم ما إذا قال: وقفت على أولادي, ثم بعدهم على هذا المسجد, [أو:] هذه القنطرة المعينة, أو: على هذا الرباط, ومنهم الماوردي, وكذا إذا جعل الوقف ابتداء على مسجد وقنطرة ورباط معين, كما ذكره القفال في "فتاويه".
وبعضهم ألحق ذلك: بما إذا جعل المال للفقراء أو المساكين أو المساجد أو القناطر أو الرباطات, من غير تعيين أو وقف على ذلك ابتداء؛ فإنه وقف صحيح [في المال] والابتداء جزمًا, والقاضي الحسين حكى الوجهين فيما إذا جعل النهاية المسجد الجامع, وطردهما في "التهذيب" في الصور كلها, وفصل المتولي في الوقف على مسجد بعينه [أو رباط بعينه] , فقال: إن كان يبعد في الوهم خراب ذلك الموضع بأن كان في وسط بلدة صح, وإن كان لا يبعد في الوهم ذلك بأن كان في قرية أو على جادة فهو منقطع الانتهاء, فإذا خرب صرف إلى مسجد آخر, وإذا جعل الصرف إلى جهة العلماء نهاية الوقف صح [الوقف]؛ كما لو جعل نهايته لقراء القرآن والمجاهدين أو للفقراء.
وفي "فتاوى" القفال وخلافه؛ لأنهم قد ينقطعون.
فرع: إذا قال: وقفت على زيد وعلى الفقراء, فذاك ينبني على ما إذا أوصى لزيد وللفقراء, [ووقف النصف الآخر]: فإن جعلناه كأحدهم صح الوقف, ولا يحرم زيد, وإن قلنا: النصف له, صح الوقف في نصف الفقراء, ووقف النصف الآخر منقطع الانتهاء, [فإن لم يصح] , قال الرافعي: فيقع في تفريق الصفقة.
قال: وإن وقف على من لا يجوز [ثم على من يجوز] مثل أن قال: وقفت على هذا العبد, أو على رجل, ثم على أولادي, ثم على الفقراء – فقد قيل: يبطل قولًا واحدًا؛ لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال, والثاني فرع الباطل, وهذه رواية المزني, وبها قال أبو إسحاق المروزي, وصححها الماوردي والبغوي وصاحب "المرشد".
وقيل فيه قولان أي: كالمسألة قبلها: أحدهما: يبطل؛ لما سبق.
والثاني: يصح؛ لأن الأول لما بطل صار كالمعدوم فصار الثاني كأنه مبتدأ به, وهذا الطريق رواه حرملة, وبه قال ابن أبي هريرة, والقاضي الطبري وابن الصباغ حكيا أن أصحابنا بنوا الخلاف على الخلاف في تفريق الصفقة, كما إذا باع عبده وعبد غيره, ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح من القولين الصحة, وعلى ذلك جرى في "البحر"؛ فقال: إن المذهب الجواز.
لكنه بنى الخلاف على أن البطن الثاني ممن يتلقون؟ فإن قلنا: من البطن الأول, لم يصح, وإلا فهو على الخلاف في تفريق الصفقة.
وحكى القاضي الحسين عن شيخه: أنا إن لم نصحح الوقف في المسألة الأولى فهاهنا أولى, وإن صححناه ثم فهاهنا وجهان, والفرق: أن هناك نقله إلى من يصح الوقف عليه للابتداء, وهو الأصل فسومح في الفرع, وهنا عكسه.
ورأي الإمام عكس هذا البناء فقال: إن قلنا: إن منقطع الابتداء لا يصح, فمنقطع الانتهاء أولى, وإن قلنا: منقطع الابتداء يصح, ففي منقطع الانتهاء وجهان؛ لأن وضع الوقف على أن يدوم, وليس في منقطع الأول إلا أن مصرفه منتظر.
قال الرافعي: والظاهر البطلان وإن ثبت الخلاف.
وعلى مقابله قال الشيخ: فإن كان ممن لا يجوز الوقف عليه ممن لا يمكن اعتبار انقراضه كالمجهول أي: مثل إن وقف على رجل غير معين صرفت اللغة إلى من يجوز الصرف عليه, أي: في الحال؛ كي لا تبطل فائدة الصحة.
وإن كان ممن يمكن اعتبار انقراضه كالعبد فقد قيل: يصرف في الحال إلى من يجوز الوقف عليه؛ إذ الأول كالمعدوم فانتقل [الوقف] إلى من بعده, وقيل: لا يصرف [إليه إلى أن] ينقرض أي: ويكون الريع للواقف وإلى ورثته [و] إن كان قد مات؛ لأنه لم يوجد شرط الانتقال إليه فلا ينتقل, وهذا هو المنصوص في "حرملة".
وقال ابن الصباغ: إنه بعيد.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه المذهب.
فعلى هذا ففي ثبوت الوقف في الحال وجهان:
أحدهما: يثبت؛ لأنه يجزه ولكن تأخر الاستحقاق.
والثاني: لا يثبت, بل هو ملك, وسبيله سبيل المعلق عتقه بصفةٍ.
وقيل: يكون [لأقرباء] الواقف [إلى أن] ينقرض, ثم يصرف إلى من يجوز الوقف عليه؛ لأنه لا يمكن رده إلى الواقف؛ لأنه أزال ملكه فيه, ولا يمكن صرفه لمن يصح عليه الوقف؛ لأنه لا يوجد شرط الانتقال إليه, وهو انقراض العبد؛ فكان أقرباء الواقف أحق به, وهذا هو الأقيس في "الشامل", وإذا قلنا به جاءت التفاريغ المتقدمة.
وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا: أنه يصرف للفقراء والمساكين, ويبدأ [منه بأقرباء الواقف.
وحكى الفوراني وجهًا: أن مصرفه إلى أن ينقرض من لا يجوز الواقف عليه؛ كالمصرف] في المنقطع الآخر, وهذا الوقف يسمى منقطع الابتداء, ومن صوره –كما قال الماوردي-: ما إذا وقف على ورثة زيد وزيد حي, ثم على الفقراء.
وبقى خارجًا عما ذكره الشيخ أقسام:
قسم يكون الوقف فيه صحيح الابتداء والوسط والانتهاء:
وهو أن يوقف على ولده الموجود مثلًا, وعلى من يحدث له من الأولاد, ثم على أولادهم وأولاد أولادهم, وغير ذلك, فإذا انقرضوا فعلى الفقراء, فهذا صحيح جزمًا, وكذا إذا وقف على مدرسة موجودة ثم على مدرسة يستجدها, ثم على الفقراء, كما قاله القاضي الحسين.
وقسم منقطع الابتداء والانتهاء والوسط:
مثل: أن يوقف على عبد, ثم على رجل, ثم على أهل الحرب والقطاع, فهذا لا يصح جزمًا.
وقسم صحيح الابتداء والانتهاء منقطع الوسط:
مثل أن يقول: وقفت على ولدي, ثم من بعده على رجل أو عبد, ثم من بعده على الفقراء, فهذا يترتب على المنقطع الانتهاء.
فإن قلنا: إنه يصح, فهاهنا أولى, وإلا فوجهان, والأصح – كما قال القاضي الحسين -: الصحة.
وقد مثل القاضي هذا القسم بما إذا وقف على زيد, فإذا مات ولد زيد فعلى الفقراء.
فإن قلنا بالصحة فالحكم في حال انتهاء الوقف إلى من لا يجوز الوقف عليه؛ كالوقف المنقطع الابتداء.
وقسم منقطع [الابتداء] والانتهاء وصحيح الوسط:
مثل: أن يقف على رجل, ثم على أولاده, ثم على المرتدين, فهذا يترتب على الوقف المنقطع الأول, وهاهنا أولى بالبطلان, وهو الأظهر.
وقسم منقطع الابتداء والانتهاء ولا وسط له:
كما إذا وقف على رجل غير معين, أو على من يختاره فلان, أو على من يولد له,
أو على مسجد سيبنيه, قال في "التهذيب": فهو غير صحيح على الصحيح من المذهب.
قال: وإن وقف على رجل بعينه, ثم على الفقراء, فرد الرجل أي: أصل الوقف بطل في حقه؛ لأن الوقف يتضمن إيجاب حق للموقوف عليه, وليس للواقف ولاية إيجاب الحق [له] بغير رضاه.
[قال]: وفي حق الفقراء مأخذهما: أن البطن الثاني يتلقون الوقف من الواقف أم من الموقوف عليه أولًا؟ وفيه خلاف سبق.
فإن قلنا بالأول صح, وإلا فلا, والقاضي أبو الطيب بناه على تفريق الصفقة, وعلى كلتا الحالتين فالبناء يقتضي أن يكون الصحيح الصحة.
واعلم أن الأصحاب اختلفوا في أن الوقف على معين هل يفتقر إلى القبول أم لا؟ على وجهين, مع اتفاقهم أن الوقف على الجهة العامة كالفقراء والمساكين والرباطات لا يشترط فيه القبول, لتعذره, مع أنه شبيه بالتحرير.
فأحد الوجهين –وهو الأصح عند الإمام وغيره, وبه جزم الفوراني -: الاشتراط؛ لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه من غير رضاه, وعلى هذا فليكن متصلًا بالإيجاب كما في البيع والهبة, وسيأتي في الهبة حكاية وجه في عدم اشتراط القبول فيها على الفور, ولا يبعد [مجيء مثله] هنا.
والثاني: لا يشترط, واستحقاق الموقوف عليه كاستحقاق العتيق منفعة نفسه, وهذا ما اقتضى إيراد صاحب "التهذيب" ترجيحه, وبه أجاب في "الاستقصاء", والروياني في "البحر" حيث قال: لا يحتاج لزوم الوقف إلى القبول, ولكن لا يملك عليه إلا باختياره, ويكفى الأخذ دليلًا على الاختيار في أول دفعة, ولا يشترط تكرره, وخصص في "التتمة" الوجهين بما إذا قلنا: إن الملك في الوقف
منتقل إلى الموقوف عليه, أما إذا قلنا بغيره فلا يشترط.
وكلام الشيخ هنا يجوز أن يكون مفرعًا على عدم اشتراط القبول؛ لأنه لو كان مفرعًا على اشتراطه فالرد إما أن يكون قبل القبول أو بعده, فإن كان بعده لم يكن صحيحًا؛ للزوم الوقف, والوقف بعد لزومه لا يرد, وإن كان قبله فإحالة البطلان على عدم ركن العقد –وهو القبول- أولى من إحالته على غيره وهو الرد, ويجوز أن يكون تفريعًا على اعتبار القبول, وعبر بالرد عن عدم القبول؛ لأنه إذا كان شرطًا ولم يأت الموقوف عليه به فقد رده, أو يكون الرد بعد القبول, ولا نقول: إنه بالقبول لزم, ويكون معنى قول الشيخ: فإذا صح الوقف لزم أي: من جانب الواقف؛ ولهذا نقول: إنه إذا وقف الشقص المشفوع صح, وللشفيع نقض الوقف, وحينئذ يكون الخلاف في صحة الوقف على الفقراء وبطلانه هو الخلاف السابق في الوقف المنقطع الابتداء, وأعاده؛ لأنه [في الصورة الأولى جرى لأجل ذلك في الموقوف عليه, وهنا جرى تخلل في العقد, وهذا هو] المذكور في "النهاية" والمفهوم من كلام الأئمة, وقد قال الأصحاب: إن الوقف يبطل بالرد في حق الراد, سواء شرطنا القبول أو لم نشترطه؛ كما في الوصية والوكالة, وقضية قول الشيخ: وإذا صح الوقف لزم ألا يتمكن من الرد, إذا قلنا بعدم اشتراط القبول, وهو ما أبدأه في "التهذيب" عن شيخه احتمالًا, وقال: إنه الأصح عندي, خصوصًا إذا قلنا: إن الملك زائل إلى الله –تعالى – كما لو أعتق عبده فرده.
أما إذا رد الريع دون أصل الوقف, قال في "البحر": إن رد غلة واحدة كان على حقه فيما يحدث بعدها, ويعرض عليه الغلة الأخرى, فإن عاد بعد الرد يطلبها نظر: إن كان بعد إعطائها إلى من رجعت إليه لم يسترجع, وإن كان قبل ذلك ردت إليه.
وحكى فيمن يرجع إليه الغلة المردودة إذا لم يكن شرط من جهة الواقف
وجهين, كما لو مات:
أحدهما: ترد إلى من معه.
والثاني: ترد إلى الفقراء والمساكين.
فرع: لو رد البطن الثاني فيما إذا كان [قد] وقف على زيد, ثم على عمرو, ثم على الفقراء – فهل يبطل برهم مع أنه لا يشترط قبولهم؟ فيه وجهان عند الغزالي وإمامه, وأجرى في "التتمة" الوجهين في اشتراط القبول منهم أيضاً, وبناهما على أنهم يتلقون ممن؟ فإن قلنا: من الواقف, فحكمهم حكم البطن الأول, وإلا فلا, واستحسنه الرافعي, وقال: لا يبعد ألا يتصل الاستحقاق بالإيجاب, ومع ذلك يعتبر القبول كما في الوصية.
قال: وإن وقف وسكت عن السبيل أي: عن جهات المصرف, مثل أن قال: وقفت هذا –وسكت – بطل [الوقف] في أحد القولين؛ لأن الوقف يقتضي التمليك, فإذا لم يعين الملك بطل كما لو قال: بعت, أو: وهبت, وسكت ولم يعين المبيع منه والموهوب له, ولأنه لو وقف على مجهول بطل؛ فإذا أطلق كان أولى, وهذا ما قال الماوردي: إنه أقيس, والقاضي [الحسين] والغزالي: إنه الأظهر, والبغوي والرافعي: إنه الصحيح, والروياني: إنه اختيار القاضي أبي حامد.
ويصح في الآخر؛ لأنه إزالة ملك عن جهة القربة فصح مطلقًا؛ كالأضحية والهدى, وهذا ما مال إليه الشيخ أبو حامد والمصنف وصاحب "البحر", وقال: إنه منصوص عليه, وغيره نسب القولين إلى نصه في "حرملة".
وعلى الثاني قال الشيخ: ويصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف؛ لما سبق, ويجيء فيه ما تقدم من التفاريع, ومن هو الأقرب, وقد حكى الشيخ أبو حامد أن
الشافعي نص هاهنا على أنه يسوي بين [فقراء] أقرباء الواقف وأغنيائهم, وتابعه المحاملي في ذلك.
ثم إذا انقرضوا, قال في "التهذيب": صرف إلى الفقراء والمساكين.
والمذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل": أنه يصرف ابتداء [إلى الفقراء والمساكين, فيبدأ] [بأقاربه المحتاجين؛ لأنهم أولى بصدقته؛ كما لو أوصى بثلث ماله مطلقًا, ولم يذكر الموصى له يصرف] للفقراء والمساكين, ويبدأ بأقاربه.
وفي "الحاوي" أن ابن سريج حكى في مصرفه ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب, وزاد أنه يقدم أقرب الناس إليه نسبًا ودارًا من ذوي الحاجات, وهذا ما صححه الماوردي.
والثاني: يصرف إلى وجوه البر والخير؛ لعموم النفع بها.
والثالث – وهو المذهب -: أن الأصل وقف المنفعة له ولورثته وورثة ورثته ما بقوا, فإذا انقرضوا كانت في مصالح المسلمين, وكأنه وقف الأصل واستثنى المنفعة لنفسه ولورثته انتهاء.
وحكى المتولي: أنه إذا أوصى بثلث ماله ولم يعين الجهة كان في صحة الوصية الخلاف المذكور.
فرع: لو قال: نصف داري هذه صدقة محرمة ليصرف من غلتها إلى فلان كل شهر كذا –ولم يزد –ففي صحة الوقف وجهان, إن صح ففي الفاضل عن المقدار ثلاثة أوجه:
أحدها: الصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف.
والثاني: الصرف إلى الفقراء.
والثالث: الصرف إلى الواقف.
قال: ولا يصح الوقف إلا بالقول أي: سواء كان الوقف يضاهى التحرير, كوقف
البقعة مسجدًا, أو لا يضاهيه ويتضمن نقل الملك كالوقف على معين, أو على الجهات العامة؛ لأنه إزالة ملك عن منفعة عين, أو عن عين ومنفعة على وجه القربة تبرعًا؛ فلم يصح بغير لفظٍ مع القدرة كشراء القريب والعتق.
واحترزنا بلفظ "القربة" عن قضاء الديون وتقديم الطعام للضيف, وبلفظ "التبرع" عن الزكوات وكفارات, وبلفظ "القدرة" عن الأخرس؛ فإنه إذا عجز عن النطق صح منه الوقف بالإشارة المفهمة.
قال المتولي ويخالف البيع حيث أثبتنا حكمه على طريقة بدون لفظ؛ لأن البيع كان معهودًا في الجاهلية والشرع ورد بإباحته فجرى عليه, والوقف لم نعهده في الجاهلية فاتبع فيه ما ورد في الشرع وهو اللفظ.
قال: وألفاظه أي: الصريحة وقفت؛ لأنه موضوع له ومعروف به, وحبست وسبلت؛ لأنه ثبت لهما عرف الشرع بدليل حديث عمر.
قال المتولي: ولأنهما تكررا في عرف الصحابة؛ فما نقل عنهم الوقف إلا بهذين اللفظين.
وهذا هو الصحيح.
وقيل: إن الألفاظ الثلاثة كناية, حكاه ابن كج عن رواية أبي حامد وأبي الحسين, وقد نسب هذا إلى الإصطخري, وبعضهم ينسب إليه أن لفظ: "التحبيس" و"التسبيل" كنايتان دون لفظ "الوقف".
وبعضهم نسب إليه أن لفظ "التسبيل" خاصة كناية؛ تمسكًا بأنه –عليه السلام – غاير بين اللفظين في قصة عمر: فاستعمل التحبيس في الأصول, والتسبيل في الثمار التي ليست بموقوفة, وبأن "التسبيل" من "السبيل", وهو لفظ مبهم, و"التحبيس" معناه: حبس الملك في الرقبة عن [التصرفات المزيلة] فكان في معنى الوقف, وبذلك حصل في المسألة أربعة أوجه, والمذكور في أكثر الكتب: ما ذكره الشيخ, قال في "الإبانة": ويقوم مقام ذلك ما أدى معنى هذه الألفاظ.
قال: وفي قوله: حرمت وأبدت, وجهان:
أحدهما: انهما كنايتان؛ لنه لم يثبت لهما عرف لغوى ولا شرعى, وهذا قول ابن أبي هريرة, وهو الأظهر في "الرافعي", والأصح في "تعليق" القاضي الحسين و"البحر".
والثاني: أنهما صريحان؛ لأن التحريم والتأبيد في غير الأبضاع لا يكون إلا بالوقف فحمل عليه, وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقال المتولي: إن ظاهر كلام الشافعي –رضي الله عنه – يدل عليه؛ فإنه قال: إذا قال في لفظ الصدقة: محرمة مؤبدة, انعقد الوقف.
فلو لم يكن ذلك صريحًا لما كان مفيدًا للصراحة؛ إذ الكناية إذا اقترنت بها كناية أخرى لا تمنع مقتضاها, وقد ذكر ابن الصباغ ما ذكره المتولي احتمالًا لنفسه, ولا يخفى أن هذا تفريع على أن الألفاظ السابقة صريحة, أما إذا قلنا بأنها كناية أو بعضها فهذا أولى.
قال: وإن قال: تصدقت, لم يصح الوقف؛ لتردد اللفظ بين صدقة التطوع والصدقة الواجبة والصدقة الموقوفة.
قال: إلا أن ينويه أو يقرن به أي: بضم الراء, ويقال: بكسرها ما يدل عليه كقوله: صدقة محرمة, أو: مؤبدة, أو: صدقة لا تباع, وما [أشبه ذلك] أي: مما يدل على إرادة الوقف: كذكر شرط من شروطه, أو حكم من أحكامه؛ لأن به تترجح إرادة الوقف, وحكى الإمام عن بعضهم عدم الاكتفاء بلفظ "التحريم" و"التأبيد" مع لفظ الصدقة, [وأنه لا بد من التقييد بقطع التصرف عن العين كقوله: صدقة لا تباع, أو: لا توهب, أو: لا تورث؛ لأن لفظ "التحريم" و"التأبيد" مع لفظ "الصدقة"] قد يحملان على تأكد الملك في الرقبة على معنى أن الملك فيها مستمر لا ينقضه المتصدق.
[قال الرافعي]: ويشبه ألا يعتبر هذا القائل في قوله: صدقة موقوفة, [مثل]
هذا التفصيل, وأن هذا قول من ذهب إلى أن لفظ "التأبيد" و"التحريم" [ليسا] بصريحين.
وحكى عن آخرين: أنهم رأوا أن لفظ "ما" لا يُلحق لفظ "الصدقة" بالصريح؛ لأنه صريح في التملك المحض الذي يخالف مقصوده الذي يخالف مقصوده مقصود الوقف؛ فلا ينصرف إلى غيره بقرينة [لا استقلال] لها, وأشار الإمام إليه – أيضاً –وبه يتحصل في إفادة لفظ "الصدقة" الوقف إذا اقترن به لفظ آخر ثلاثة أوجه, وظاهر المذهب على ما حكاه الإمام-: الذي حكاه الشيخ, وقال: إن الخلاف يجري إذا كان الوقف على معين كقوله: تصدقت على فلان وفلان صدقة محرمة [أو] مؤبدة, أو على جهة عامة كقوله: تصدقت على المساكين صدقة محرمة [مؤبدة] , وسلك فيما إذا تجرد لفظه عن لفظ آخر واقترنت به النية طريقًا آخر, فقال: إن كانت الإضافة إلى جهة عامة فمنهم من ينزل النية منزلة التقييد باللفظ؛ إقامة للفظ الصدقة مقام الكنايات في الطلاق والعتاق, وهو الذي صححه الرافعي, ومنهم من لم يكتف بالنية؛ فإن التصدق صريح في تمليك الرقبة, وإن كانت الإضافة إلى معين فالأصح أنه صدقة مقتضاها تمليك الرقبة؛ فإنها صريح في الباب, وأن لفظ التحريم إذا قلنا: إنه ليس بصريح, فاقترنت به النية –يجب القطع بصحة الوقف؛ لأنه ليس بتمليك للرقبة.
وما قاله في اقتران النية عند الإضافة إلى جهة عامة لا اعتراض عليه؛ لأنه لا شيء غيرها يصرف اللفظ إليه فانصرف إلى الوقف, وما قاله من الإضافة إلى معين: إن فرضه مع كونه لم يذكر مالًا فصحيح؛ لأن الوقف الذي لا مال له غير صحيح عنده على الأصح, وقد وجد لفظ "الصدقة" نفاذًا [في موضوعه, فترتب عليه مقتضاه, ولا يجوز نقله عن] موضوعه لمجرد النية.
وإن فرضه وقد ذكر له مالًا صحيحًا, فذكر المال قرينة ظاهرة على إرادة اللفظ؛ فنزل منزلة اقتران لفظ الصدقة بلفظ التحريم أو التأبيد؛ فلا يظهر الفرق في الحكم معنًى, وما أطلقه العراقيون من الاكتفاء بالنية
يجب حمله على ما إذا كانت الإضافة إلى جهة عامة إذا فرعنا على [أن الوقف المنقطع الانتهاء صحيح]، فلا فرق بين الجهة العامة والإضافة إلى معين.
وأصل الاختلاف بين العراقيين والمراوزة عند وجود مجرد النية يرجع إلى أصل، وهو أن لفظ الصدقة إذا تجرد عن القرائن والنية هل يحمل على الهبة أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي:
أحدهما – وبه قال البغداديون-: لا؛ كما لا يحمل على الوقف، وعلى هذا ينتظم ما قاله العراقيون من أنه إذا نوى حصل الوقف في الظاهر دون الباطن، فإن ذكر بأنه نوى لزم في الظاهر والباطن، وإن قال: ما أردت الوقف، قبل منه، فإن أنكر [ذلك] الموقوف عليه كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه أعرف بنيته، كذا قاله ابن الصباغ.
والوجه الثاني – وبه قال البصريون-: أنه يحمل على الهبة، وعلى هذا تجري مباحث الإمام، والله أعلم.
تنبيه: يؤخذ من كلام الشيخ أن الألفاظ التي [ينعقد بها] الوقف ستة، كما صرح به أبو الطيب والماوردي وغيرهما: ثلاثة ألفاظ صريحة وهي الأُوَل، ولفظ واحد كناية جزمًا وهو الأخير، ولفظان مختلف في إلحاقهما بالأول أو بالأخير، وإذا كان كذلك لزم ألا ينعقد بلفظ غيرها، سواء كان مضاهيًا للتحرير كالمساجد أو لا، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين والمتولي في موضع من كتابه والبغوي، ولم يحكوا سواه، وأن الوقف لا ينعقد بقوله: جعلت هذه البقعة مسجدًا؛ لأنه لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف، وكذا أجاب به الأستاذ أبو طاهر، وقال: لأنه وصف البقعة بما هي متصفة به، قال – عليه السلام-: "جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا"، وكلام الغزالي في الوجيز ظاهر في أنها تصير مسجدًا بذلك، وإن لم يوجد شيء من ألفاظ الوقف؛ فإنه قال: لو أذَّ للصلاة في ملكه لم يصر مسجدًا [بذلك]، [وكذا إذا صلى]
[ما لم] يقل: جعلته مسجدًا، وكذا المتولي في أوائل هذا الباب قال: إن عندنا يلزم الوقف بمجرد قوله: جعلت هذا الموضع مسجدًا.
وحكى الإمام أن الأصحاب ترددوا في استعمال لفظ الوقف فيما يضاهي التحرير كما إذا قال مالك المنفعة: وقفتها على صلاة المصلين، وهي [يبغي جعلها] مسجدًا.
قال الرافعي: فانظر ما بين الكلامين من التباعد.
والأشبه: أنه لا [بأس باستعمالي لفظ الوقف، وأن قوله: جعلته مسجدًا يقوم مقامه؛ لإشعاره بالمقصود، واشتهاره [به].
قلت: وقد صرح في "الوسيط" بأن لفظ "الوقف" و"التحبيس" و"التسبيل" يستعمل فيها، وإن حكى الخلاف في الصورة التي حكاها الإمام، ومحل التردد الذي ذكرناه إذا خلا عن نية الوقف، أما إذا قصد بقوله: جعلتها مسجدًا، الوقف – صارت مسجدًا، صرح به القاضي الحسين، وكذا محله إذا كان ملكه على الأرض مستقرًّا قبل إرادة جعل البقعة مسجدًا، أما إذا ابتدأ بناء مسجد في موات ونوى به المسجد صارت مسجدًا، ولم يحتج إلى صريح القول بأنه مسجد، قال في "الحاوي": لأن الفعل مع النية يغنيان عن القول، ويزول ملكه عن الآية بعد استقرارها في مواضعها من البناء، وهي قبل الاستقرار باقية على ملكه، إلا أن يصرح قولاً: إنها للمسجد؛ فتخرج عن ملكه، ولو بنى بعضه لم يجبر على التمام، ولو سقط على إنسان لم يضمنه، سواء أستأذن الإمام أم لا.
قال: وإذا صح الوقف لزم أي: ولا يفتقر إلى القبض كما صار إليه بعض العلماء، ولا إلى حكم حاكم كما صار إليه أبو حنيفة، ووجهه: ما ذكرناه في أول الباب من حديث عمر، رضي الله عنه.
ووجه التمسك به على الأول: أنه لما أمره – عليه السلام – بتحبيس الأمل
وتسبيل الثمرة لم يأمره بالإقباض، ولو كان شرطًا لذكره، [و] لأنه جعل إليه التحبيس، وعند المخالف: لا يملك الواقف التحبيس؛ لأنه لا يصير موقوفًا لازمًا حتى يقبضه غيره، وذلك سبب من جهته.
ووجه التمسك [به] على الثاني من وجهين:
أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يحبس الأصول، وعند المخالف لا يقع تحبيس الأصل بحال؛ لأنه لا يلزم إلا من جهة الحاكم.
والثاني: أن عمر – رضي الله عنه – لما جعلها صدقة، ثم ذكر أحكامها فقال: "لا تباع، ولا توهب، ولا تورث" – دل على أن هذه الأحكام تتعلق بها إذا صارت صدقة، وإن لم يحكم بها حاكم، ولأنه تصرف يلزم إذا وجد في حال المرض من الثلث؛ فجاز أن يلزم في حال الصحة من غير حاكم.
أصله: إذا بنى مسجدًا؛ فإنه يلزم من غير حاكم.
وقال بعض أصحابنا: إذا اعتبرنا القبول في الوقف فلا بد من القبض فيه، وهو ما أفهمه كلامه في "المهذب" في باب الوصية حيث قال في توجيه رد الوقف بعد القبول: [إنه تمليك من جهة الآدمي من غير بدل؛ فيصح رده قبل القبض؛ كالوقف وهو فيه متبع للماوردي كما ستعرفه].
ثم قال: وإن شرط فيه الخيار أو شرط أن يبيعه إذا شاء بطل؛ لأنه إخراج مال على وجه القربة فلم يصح مع هذين الشرطين؛ كالصدقة والعتق، وحكى ابن سريج [وجهًا]: أنه يبطل شرط البيع، ويصح أصل الوقف، كذا حكاه الماوردي، ويوافقه مع حكاه ابن كج عنه فيما إذا وقف على نفسه: أنه يصح الوقف ويلغى الشرط والإضافة إلى نفسه، وفي "الرافعي" أن ابن سريج أبدى ذلك احتمالاً لنفسه في الصورتين، وحكى في باب الهبة وجهًا: أن الوقف لا يبطل بسائر الشروط الفاسدة، مخرَّجًا عن مسألة العُمْرَى، كما ستقف عليه، إن شاء الله تعالى.
وله وجه مما ذكرناه في أن الوقف يضاهي العتق، وحكاه عن الإمام في باب عقد الهدنة أيضاً، وحكى الجيلي عن "المجرد" وجهًا: أن خيار الشرط يصح.
قال: ولا يجوز أن يعلق ابتدؤه على شرط، فإن علقه على شرط أي: مثل أن قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وقفته على الفقراء، وإذا جاء رأس الشهر فقد وقفته على ولدى ثم على الفقراء.
قال: بطل؛ لأنه عقد يقتضي نقل المال في الحال لم يُبْنَ على التغليب والسِّراية؛ فلم يصح تعليقه على شرط؛ كالبيع والهبة، وهذا ما حكى الإمام والغزالي عن العراقيين القطع به؛ لأنه لم يوافق مصلحة الوقف، بخلاف المنقطع الابتداء.
وحكى الإمام في موضع آخر عن بعض المراوزة تخريجه على الخلاف المذكور فيما إذا وقف على من سيوجد من أولاده، ثم على الفقراء، وهو المنقطع الابتداء، وأن التصريح أولى بالفساد، وعلى هذا يكون حكمه كما تقدم.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إن وجه الصحة مبني على أن الوقف لا يثبت بالشاهد واليمين؛ فيكون شبيهًا بالعتق، والعتق يصح تعليقه.
ويقرب منه ما حكى الإمام عن شيخه أنه قال: وقعت في "الفتاوى" مسألة في زمان الأستاذ أبي إسحاق، وهي أن من قال: وقفت داري هذه على المساكين بعد موتي، فأفتى الأستاذ بأن الوقف يقع بعد الموت وقوع العتق في المُدَبَّر.
وساعَدَهُ أئمةُ الزمان.
قال الإمام: وهو تعليق على التحقيق، بل هو زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت.
فإن قيل: قد تقدم في [باب] الوكالة أنه [لو] قال: جاء رأس الشهر فقد وكلتك، لم يصح؛ لأن هذا تعليق الوكالة، وهو غير جائز.
ولو قال: وكلتك بأن تبيع مالي أو تطلق زوجتي بعد شهر، صح؛ لأنه ليس بتعليق، وذلك يدل على الفرق بين اللفظين.
قلت: تصوير الإمام التوكيل في الحال وتعليق التصرف على شرط – كما ذكرناه في باب الوكالة يُنجي من هذا السؤال.
وقد حكى الرافعي عن "فتاوى" القفال في "الفتاوى" في المسألة التي أفتى فيها الأستاذ: أنه لو أوصى بالدار بعد ذلك كان رجوعًا.
قال: وإن عُلق انتهاؤه على شرط بأن قال: وقفت هذا إلى سنة أي: وذكر مصرفًا صحيحًا بطل الوقف في أحد القولين؛ لأنه إخراج مال عن ملكه على وجه القربة فلم يصح إلى مدة؛ كالعتق والصدقة، لكن العتق نافذ والصداقة، وهذان باطلان، وهذا ما حكاه في "المهذب" لا غير.
وقال الإمام: إنه المذهب الذي عليه الفتوى وإن صححنا الوقف المنقطع الآخر، فإن تصحيح ذلك يقرب من التأبيد؛ نظرًا [إلى الموقوف] عليه وتشبيهًا بالنكاح، وأما التصريح بالتأقيت فلا اتجاه له.
قال: ويصح في الآخر، ويصرف [بعد السنة] إلى أقرب الناس [إلى الواقف]؛ تشبيهًا له بالمنقطع الانتهاء، وقد ادعى الجيلي أنه الأصح في أكثر
الكتب، وعلى هذا تجيء التفاريع السابقة.
وعن بعض الأصحاب: أنه يصح وينتهي الوقف بانتهاء المدة، كما قلنا في الوقف المنقطع الانتهاء.
قال الإمام: [وهذا] لا يحل الاعتداد به، ولا يسوغ إلحاقه بالوجوه الضعيفة؛ فإنه في التحقيق عارية، والعارية يستحيل الحكم بلزومها.
ومنهم من قال: الوقف الذي لا يشترط فيه القبول لا يفسد بالتأقيت على أحد الوجهين، ويتأبد على أحد الوجهين، والذي يشترط فيه القبول على رأي بعض الأصحاب الأصح [فيه] أنه يفسد بالشرط الفاسد في العقود المفتقرة إلى الإيجاب والقبول، وما هو من قبيل التحرير كالمساجد والمقابر فلا يفسد بفساد الشرط والتأقيت جزمًا، وما عداه مُطَّرح، كذا قاله الإمام في موضع، وعليه جرى في "الوسيط"، ولو شرط أن يعود الوقف إليه بعد السنة ملكًا فعن البويطي: أنه على قولين؛ أخذًا من مسألة العُمْرى والمذهب البطلان، وعلى قول الصحة يتأبد حكمه كحكم الوقف المنقطع الانتهاء.
وقيل: يعود إليه ملكًا بعد السنة، صرح به في "الإبانة" وغيرها.
قال: وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب؛ لأنه سبب يقطع تصرف الواقف في الرقبة بالوقف؛ فأزال الملك كالعتق، وهذا أصح في الطرق، وعليه فلمن ينتقل؟
قال الشيخ: فقيل: ينتقل إلى الله تعالى؛ لأنه معنى يزيل الملك، ولا يقصد به الانتفاع بالرقبة؛ فانتقل إلى الله تعالى، كالعتق، وهذا ما نص عليه هاهنا.
قال: وقيل إلى الموقوف عليه؛ لأن ما أزال الملك عن العين لم يزل المالية نقله إلى الآدمي؛ كالصدقة، وهذا لم يذكره البندنيجي والمصنف في "المهذب"، وأورده القاضي أبو الطيب وغيره، وهو مأخوذ من قول الشافعي- رضي الله عنه – في
الشهادات: أقضي في الوقف بالشاهد واليمين، ولا أقضى في العتق بشاهد ويمين، والقائلون بالأول قالوا: [قبول] الشاهد واليمين فيه ليس لأجل أن الملك في الرقبة قد انتقل إلى الموقوف عليه؛ بل لأن المقصود منه المال، وما كان مالاً أو المقصود منه المال ثبت بالشاهد واليمين، وليس كذلك العتق؛ لأنه ليس بمال ولا المقصود ومنه المال؛ فلا يدخل فيه الشاهد واليمين، على أن بعضهم منع ثبوت الوقف بالشاهد واليمين.
قال: وقيل: فيه قولان، ووجههما: ما ذكرناه، وهذا أظهر الطرق، وعليه أكثر الأصحاب كما حكاه في "البحر"، والصحيح عند الجمهور – وإن ثبت الخلاف -: انتقاله إلى الله تعالى، وفي "الحاوي" تضعيف خلافه.
ومقابل ظاهر المذهب قول حكاه الفوراني والقاضي الحسين والإمام عن رواية بعض الأصحاب: أن الملك لا ينتقل، بل يبقى على ملك الواقف؛ لأنه حبَّس الأصل وسبَّل الثمرة، وذلك لا يوجب زوال الملك – أيضاً – وقد قال – عليه السلام -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثٍ، صدقة جارية ... " الحديث، وإنما يحصل له الثواب إذا كانت الرقبة باقية على ملكه؛ فتحصل له الزوائد والفوائد، ثم تصرف من ملكه في وجوه البر، فيحصل الثواب.
وحكى في "الحلية" عن بعض الأصحاب القطع به، وبه قال القاضي الحسين في "تعليقه"، وهذا لا يوجد للشافعي – رضي الله عنه – وكذلك البندنيجي أيضاً: أنه لا يعرف مذهبًا للشافعي، رضي الله عنه.
وفي "الحاوي": أن القائل به أبو حفص بن الوكيل، وادعى القاضي أبو الطيب والمتولي أن ابن سريج خرَّجه، وكذلك الرافعي قال: إنه مخرج من نص الشافعي
- رضي الله عنه – على صحة الوقف المنقطع، وأنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف، وأنه يحكي عن اختيار القاضي الحسين، وأشار إلى المتولي فإنه حكى ذلك [عنه]، والذي رأيته في "تعليقه": تضعيفه، وكذلك هو في غيره، وتمسك فيه الماوردي بأمرين:
أحدهما: إجماعهم على الفرق بين الوقف والعواريِّ، دليلٌ على زوال الملك بالوقف وإن لم يزل بالعواري.
والثاني: أن حكم الوقف بعد موت واقفه كحكمه في حياة واقفه، وهو لا يبقى له بعد الموت ملك؛ فدل على أنه لم يكن له في حال الحياة ملك.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الوقف على معين أو على جهة عامة [كالمساكين] إذا كان القصد تمليك ما يحصل من الوقف من ثمرة وغَلَّة [للمساكين].
وفي "الوجيز" ما يخرج [منه] طريقة أخرى، وهي أن الوقف إن كان على معين فهو ملك للموقوف عليه بلا خلاف، وإن كان على جهة عامة فالملك لله تعالى بلا خلاف.
وفي "الحاوي" حكاية الخلاف في الوقف على معين، والجزم بأنه ينتقل إلى الله تعالى في الجهة العامة، أما ما لا يقصد به تمليك الرَّيْع كجعل البقعة مسجدًا أو مقبرة فذاك فلكُّ عن الملك كتحرير الرقيق؛ فينقطع عنها اختصاص الآدميين، وليس ذلك موضع الخلاف.
ويلتحق بذلك – كما حكاه الإمام-: الرباطات والمدارس.
واعلم أن الموجود في أكثر نسخ "التنبيه": "وينتقل الملك في الرقبة بالوقف عن الواقف في ظاهر المذهب، وقيل: إلى الله" بالواو، والمضبوط عن نسخة المصنف بالفاء كما ذكرناه، وهو الصواب، وبه ينتظم الكلام.