كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وزاد فقال: لو عفا صريحاً قبل معرفته كم الثمن لم تسقط شفعته.
وفي "الإشراف" ما يقتضي ذلك وزيادة فإنه قال: إذا لم يعرف الشفيع الثمن سعى في طلب المشتري ليعرف منه الثمن ثم يقول: تملكته عليك بالثمن المعلوم.
ولا يجوز أن يتوانى في طلب المشتري، ليعرف منه الثمن، وهو معنى قول أصحابنا: إن الطلب [على الفور.
وقال الرافعي: إنهم لم يشترطوا في الطلب أن يكون الثمن] معلوماً للشفيع.
وهل يكون الجهل بكون الشفعة على الفور [عذراً]؟ فيه وجهان مخرجان من الخلاف المذكور في جهل المعتقة بأن خيارها على الفور، هل يبطل حقها أم لا [كما] صرح به [في] "البحر"؟
وفي "النهاية" الجزم بأنه إذا كان حاله يليق به أن يجهل هذا أنه يعذر.
وكذا الخلاف في أن الجهل بثبوت أصل حق الشفعة مع العلم بالبيع، هل يكون عذراً أم لا؟ صرح به الشاشي في الحلية.
ولو كان على النخل المأخوذ مع الأرض بالشفعة طلع غير مأخوذ بالشفعة فهل يكون تأخيره إلى جذاذه عذراً أم لا؟ فيه وجهان في "النهاية" ولا نزاع في أن التأخير إلى حصاد ما في الأرض من زرع عذرُ.
فرع: لو عفا الشفيع قبل العلم بالمشتري أو قدر الحصة، فهل يصح عفوه؟ قياس ما ذكرناه عن الطبري في العفو قبل العلم بقدر الثمن: عدم الصحة.
وهو ما جزم به الفوراني.
وفي "التتمة" حكاية خلاف فيه، وبناه في الأولى على الخلاف فيما إذا قال لغريميه: أبرأت أحدكما، ومقتضاه أن يكون الصحيح الصحة، وكذا صرح به في "البحر"، وبناه في الثانية على الإبراء من الحقوق المجهولة هل يصح أم لا؟
قال: وإن قال: بعني، أو كم الثمن، بطلت شفعته يعني: أن الشفيع لما بلغه البيع بادر إلى طلب المشتري، فلما لقيه بادره بقوله له: بِعْنِي، أو كم الثمن.
ووجه إبطال الشفعة في الأولى: أنه عدل عن المطالبة بالشفعة إلى أن يتملك بجهة أخرى.
وذلك يدل على الإعراض.
وفي ابن يونس حكاية وجه عن المراوزة: أن الشفعة لا تبطل بذلك، ولم أقف عليه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا على قولنا: إن الشفعة على التأبيد.
ووجه إبطال الشفعة في الثانية: ما حكي عن الشيخ أبي حامد، والمحاملي، وقاله القاضي "الحسين" في تعليقه أيضاً أنه كان يمكنه أن يقول عوض ذلك: أخذت بالثمن الذي ابتعت به، فلما لم يقل ذلك، كان تاركاً لطب الشفعة مع القدرة عليه؛ فبطلت الشفعة.
قال في "البحر" وهذا على قولنا: [إنه] لا يتقدر الأخذ بالمجلس: يشير إلى خلاف سنذكره في أن الشفيع إذا ترك الطلب أو عفا صريحاً: هل يكون له الطلب ما دام في المجلس أم لا؟
واعلم أن ما حيكناه عن الشيخ أبي حامد وغيره، يفهم أن الأخذ يجوز بالثمن المجهول، وهو مخالف لما يفهم من اللفظ الذي حكيناه من قبل.
ولما صرح به الرافعي، وصاحب "المرشد" من أن الأخذ بالثمن المجهول لا يجوز.
وحينئذ فيجتمع من مفهوم ما حكيناه عن الشيخ أبي حامد وغيره خلاف في جواز الأخذ بالثمن المجهول، وقد قال الرافعي: ينبغي أن يكون في صحة التملك مع كون الثمن مجهولاً ما ذكرناه في بيع المرابحة.
وادعى أن في "التتمة" إشارة إليه.
ويقتضي هذا أن يكون في المسألة ثلاثة أوجه كما هي ثَمَّ:
أحدها: عدم الصحة مطلقاً.
والثاني: الصحة مطلقاً؛ لبناء العقد الثاني على الأول.
والثالث: إن علمه في المجلس نفذ، وإن تفرقا قبل البيان بطل العقد؛ لأن المجلس جعل في الشرع كحالة المقاولة.
والذي رأيته في "التتمة" هاهنا الجزم بأنه إذا لم يطلع على الثمن في مجلس [الأخذ لم يصح، وإن اطلع علي في المجلس] انبنى على مسألة المرابحة.
وهذا الذي قاله متضح إذا قلنا بثبوت خيار المجلس في الأخذ بالشفعة كما سنذكره.
فإن قيل: لم لا يحمل ما قاله [الشيخ] أبو حامد ومن تابعه على ما إذا كان الشفيع عالماً بقدر الثمن وأراد أن يستنطق المشتري؛ ليكون قوله حجة عليه إن وقع اختلاف في قدر الثمن؛ [إذ به يقع الجمع بين النقلين] ويؤيده أمران.
أحدهما: أن البندنيجي- وهو أحد المتلقين عن الشيخ أبي حامد- وابن الصباغ- وهو من أجلاء أصحاب القاضي أبي الطيب- جزما بعدم [جواز] الأخذ بالثمن المجهول، ولم يحكيا عنهما شيئاً من ذلك؛ [مع محافظتهما] على نقل كلامهما.
والثاني: أن الروياني [في "البحر"] جزم بأن الأخذ بالثمن المجهول [لا يمتنع]، وأن التأخير لمعرفته لا يسقط الشفعة.
وقال بعده بأسطر مثل قول الشيخ أبي حامد ومن تابعه، فلولا أنه محمول على ما ذكرناه لكانت مناقضة ظاهرة؟
قلت: يمنع [من] ذلك أن الإمام أفهم بكلام الأصحاب منا، وقد حكي عن العراقيين: أنه لو انتهى إلى المشتري، وقال: بكم اشتريت الشقص، بطل حقه.
وقال: قياس المراوزة في ذلك: [إنه] لا يبطل؛ فإنه معذور في [البحث] من جهة أنه ربما يطالب بالشفعة إذا كان الثمن مقدراً عنده، ولا
يطلبها إذا كان أكثر منه.
ثم قال: ولا شك أن هذا يفرض فيه إذا لم يكن عالماً مقدار الثمن من جهة أخرى.
ولا يمتنع أن يقال: إن كان عالماً يعذر في البحث، ويحمل الأمر فيه على إقرار المشتري.
انتهى.
وهذا ينفي أن يكون ما قاله الشيخ أبو حامد محمولاً على حالة العلم.
وقد جعل الغزالي ما أبداه من قياس المراوزة مذهباً له وطرده في حالة العلم والجهل.
وقد جعل الغزالي.
وكلام القاضي الحسين يدل على خلافه فإنه قال: إذا قال: بكم الثمن؟
وقال أصحابنا: بطل حقه؛ لأنه لم يبادر إلى الطلب مع الإمكان.
والذي عندي أنه لا يبطل؛ لما بينا أن الجهل بقدر الثمن وجنسه يسوغ له التأخير.
وحكى الإمام ذلك في آخر الباب عنه وعنهم.
ولا خلاف عند العراقيين أن الشفيع لو ابتدأ المشتري عند لقياه بتحية السلام لم تبطل شفعته، بل ذلك مستحب؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ بَدَأَ بِالكَلامِ قَبْلَ السَّلامِ فَلاَ تُجِيبُوه".
وكذا لو قال: بارك الله في صفقة يمينك [كما قال في "المهذب"، أو بارك الله لك في صفقة يمينك]، كما قاله ابن الصباغ، وأبو الطيب، والبندنيجي،
والماوردي؛ لأن وصوله إلى الثمن من الشفيع بركة في صفقته.
وألحق المتولي بذلك ما لو قال: بلغني أنك اشتريت نصيب شريكي، بارك الله لك في صفقة يمينك.
واستحسن الإمام ما قالوه في السلام، وقال: إنه خارج على ما ذهب إليه المحققون من أنا لا نشترط قطع الأشغال التي يكون الشفيع ملابسها عند بلوغ الخبر وأما [من أبعد] من أصحابنا باشتراط قطعها؛ فلا يبعد أن يشترط الابتداء بطلب الشفعة.
وقال: قياس المراوزة في الدعاء خلاف ما قالوه، فإن قوله: بارك الله لك، يشعر بتقرير الشقص في يده.
والمذكور في تعليق القاضي [الحسين] ما حكيته عن العراقيين.
فرع: ضمنه مسائل نحتاج إلى ذكرها:
إذا ابتدر الشفيع الطلب عند لقيا المشتري، ثم أمسك بعد الطلب من غير تعريض ولا تصريح.
قال القاضي الحسين، والماوردي: بطلت شفعته حتى يكون مستديماً للطلب بحسب الإمكان.
وهذا منهما يدل على أن حقيقة الطلب غير حقيقة الملك، وهو ما يفهمه كلام الرافعي حيث قال: اعتبر الأصحاب في التمليك أن يكون الثمن معلوماً للشفيع ولم يشترطوا ذلك في الطلب، وقد صرح بذلك الماوردي حيث قال: الشفعة تجب بالبيع، وتستحق بالطلب، وتملك بالأخذ، وذلك [يدل] على التغاير، وكلام الشيخ أبي حامد ومن تابعه الذي حكيناه في تعليل بطلان الشفعة بقوله: بكم اشتريت.
يدل على أن المراد بالطلب نفس الأخذ حيث قالوا: لما لم يقل: أخذت بالثمن- كان تاركاً لطلب الشفعة مع القدرة عليه، وكلام الشيخ يحتمل الأمرين.
وعلى كل احتمال فإن قيل: اعتبار العراقيين مبادرة الشفيع إلى طلب المشتري، أو الحاكم على الفور إذا لم يكن ثم عذر، وجعل الشفيع معذوراً في تأخير الطلب إذا اطلع ليلاً إلى الصباح، أو قضى ما هو فيه من شغل كما ذكرتموه
- مشكل؛ لأن تمليك الشقص بالشفعة لا يفتقر باتفاق [أهل] الطريقين إلى حضرة الحاكم؛ لأنه ثابت بالنص، ولا إلى رضا المشتري، ولا إلى حضوره كما حكاه ابن الصباغ وغيره؛ لأن من لا يعتبر رضاه لا يعتبر حضوره كالزوجة إذا طلقها الزوج.
وفي "الإشراف" وغيره: أن الشيخ أبا سهل الصعلوكي قال: الطلب من باب الإضافة يستدعي مطلوباً، ولا معنى لإظهار الشفيع الطلب إلا في وجه المشتري أو وكيله أو البائع إن كان الاستشفاع منه ولا يفتقر التملك عند العراقيين إلى بذل الثمن، كما دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: إذا أخذ الشفيع الشقص وجب عليه الثمن ولا يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن، فإن كان الثمن موجوداً سلمه، وإن لم يقدر عليه في الحال؛ أجلناه ثلاثاً، فإن أحضره وإلا فسخ الحاكم عليه الأخذ ورده [إلى] المشتري ونسب البندنيجي هذا القول لابن سريج.
وقال الشيخ أبو حامد: هكذا الحكم فيما لو هرب الشفيع بعد الأخذ؛ جاز للحاكم فسخ الأخذ ورده للمشتري وصرح به في "الإشراف" و"التتمة"، وكذا في تعليق البندنيجي حيث قال: إذا قال اخترت التمليك، انتقل المبيع إلى الشفيع ووجب عليه الثمن بغير اختيار المشتري.
ولفظ الشيخ في المهذب أنه يملك الشقص بالأخذ؛ لأنه تمليك [مال] ثابت له بالقهر، فوقع الملك له فيه بالأخذ؛ كتملك المباحات، وإذا كان التمليك لا يفتقر إلى ذلك، فهو قادر حين اطلاعه [على الشراء على التمليك] فإذا لم يفعله وجب أن يعد مقصراً؛ لأنه اشتغل عن المقصود بغيره.
وإذا تملك عقيب الاطلاع، وأشهد خشية ألا يصدق في دعواه التملك
على الفور: وترك مطالبة المشتري بانتزاع الشقص من يده لا يعد مقصراً؛ لأن التملك بعقود المعاوضات ليس من شرطه تقابض العوضين، نعم ذلك شرط فيما يحذر فيه الربا.
فإذا كان في الشقص صفائح من ذهب وقد أبيع بفضة، اشترط فيه التقابض؛ حذراً من ذلك.
قلت: أما كون الشفيع إذا تملك وجب أن يقال: لا يعد مقصراً بترك مطالبة المشتري [بقبض الشقص]؛ ففي كلام البندنيجي ما يقتضيه فإنه [قال]: إذا قال: اخترت التملك انتقل المبيع إليه ووجب الثمن عليه بغير اختيار المشتري.
فإذا عرف هذا الفصل فقد استغنى عن أن يكون على الفور أو على التراخي؛ لأنه إذا ملك نقل المبيع إلى ملكه بغير اختيار المشتري، فقد بلغ مراده، وكان الخيار إليه.
وأما اعتبار التملك عقيب الاطلاع حتى إنه إذا لم يفعله، واشتغل بطلب المشتري ينبغي أن يعد مقصراً، فقد استشعره صاحب "الإشراف" وأجاب في أثناء كلامه عنه في حالة كون الشفيع جاهلاً بقدر الثمن، بأن التملك ممتنع والطلب لأجل معرفة قدر الثمن حتى يتعقبه التملك.
وفي حالة العلم بمقدار الثمن وقدرته على التملك جعل جوابه مبنياً على أصل بعد العهد به، وهو أن المشتري إذا اطلع على عيب بالمبيع ولا أحد حاضر معه، هل يجب عليه أن يقول: فسخت العقد أم لا؟
وحكي فيه عن القاضي الحسين أنه قال بالوجوب؛ إذ الثابت على الفور كلمة الرد والفسخ، وهي لا تنحبس على الرد الفاسخ بعذر.
وعن القفال المروزي أن المشتري لو أخر الرد إلى الرفع إلى الحاكم جاز، وأن الاشتغال بالرفع إلى الحاكم كالاشتغال بنفس الرد.
والحكمة فيه أنه أراد أن يرد رداً خارجاً عن الخلاف؛ إذ على قول بعض العلماء لا بد من رضا المردود عليه أو حكم الحاكم.
ثم قال: والاستشفاع بمنزلة الرد بالعيب.
فنقول: الشفيع على رأي القاضي في أي حال كان يملك الربع بالشفعة.
ثم إن حضره شاهدان فقد تحملا الشهادة عليه، وإلا إذا ظفر بهما أشهدهما عليه؛ ليخرج من الخلاف، يعني خلاف أبي حنيفة، فإنه يعتبر حضور المشتري، أو حكم الحاكم، كما حكاه عند الرافعي، أو رضا المشتري أو حكم الحاكم، كما حكاه ابن الصباغ.
ثم قال صاحب "الإشراف": [وعلى ذلك يخرج ما قاله الأصحاب في تفسير الأعذار]، وعلى ذلك يتخرج أيضاً.
أما الذي على الفور فيجيء فيه جوابان، وما قاله في حالة عدم العلم بالثمن حسن بالغ، وما قاله في حالة العلم فهو الممكن في الجواب، ويجعل كأن العراقيين صاروا إلى ما صار إليه القفال من التعليل؛ وهذا مع [تسليم] ما نقل عنهم في عدم اعتبار ما ذكرناه، وإلا فقد حكي في "الإشراف" أيضاً في فصل كيفية الحكم وما يختص [به القاضي] أن التملك لا يحصل إلا ببذل الثمن [على وجه، وعلى وجه] لبعض أصحابنا أنه لا يحصل إلا ببذل الثمن وقضاء القاضي.
وكلام الماوردي يقتضي أنه لا يحصل له الملك إلا ببذل الثمن، فإنه قال: لو قال من بادر بالطلب: أنظروني بالثمن واحكموا لي بالملك [حتى أحضر الثمن]- لم يجز أن يحكم له بالملك حتى يكون حاضراً، فلو أحضر رهناً بالثمن أو عوضاً عنه، لم يجز أن يحكم له بالملك.
وعلى هذا يندفع السؤال، فإن البذل لا يتم إلا بقابض، والقابض إما المشتري أو وكيله أو الحاكم، فيتعين طلبه لعدم القدرة على الملك بدونه.
والله أعلم.
فإن قيل: هل يتوجه إيراد هذا السؤال على المراوزة؟
قلت: لا.
وذلك يظهر لك إذا عرفت ما ذكروه فيما يحصل به الملك، فأذكره وإن طال لما فيه من فوائد.
وقد قالوا: لا بد من لفظ دال على الرضا، إذا لم يكتف بالمعاطاة، وإن أفهم لفظ "الوسيط" و"البحر" عدمه.
ثم اللفظ الدال قوله: تملكت، أو اخترت الأخذ بالشفعة، أو أخذت الشقص بالشفعة، وما أشبه ذلك؛ ولا يحصل بنفس الطلب كما صرح به المتولي.
ووجهه: بأن المطالبة رغبة في التملك، والملك لا يحصل بالرغبة المجردة.
وهذا قضية ما حكيته عن كلام الماوردي في صدر الفرع.
وحكى الرافعي عن أمالي السرخسي أن الطلب يكفي سبباً لثبوت الملك، ولا يقف على قوله: تملكت، وعليه ينطبق كلام [القاضي] مجلي حيث جعل قوله: طلبت شفعتي لفظاً مملكاً؛ كقوله أخذت وهو مؤيد لما استنبطه من كلام أبي حامد أن المراد بالطلب نفس الأخذ.
والأظهر كما قاله الرافعي: الأول.
ثم وجود اللفظ وحده [عندهم] غير كاف في حصول الملك، وهو الذي استقر عليه جواب شيخهم القفال بعد أن كان يقول بحصوله بمجرد الأخذ، لكن بعده لا ينفذ تصرف المشتري في الشقص بالبيع وغيره، وإن كان يجوز قبله.
كما حكاه القاضي الحسين عنه، وحكاه الإمام عن صاحب "التقريب".
ثم أبدى احتمالاً في جواز التصرف، وجعل الأظهر النفوذ إذا لم يحصل الملك.
وإذا وجد مع اللفظ تسليم الثمن إلى المشتري، فقد حصل الملك، فإن بذله فامتنع المشتري من قبضه، خلى بينه وبينه، أو رفع الأمر إلى القاضي حتى يلزمه التسليم.
فإن لم يوجد ذلك وسلم المشتري الشقص إلى الشفيع راضياً بذمته؛ حصل الملك أيضاً.
وإن [وجد مجرد] رضا المشتري بذمة الشفيع، ولم يسلم [له] الشقص، أو لم يوجد ذلك، ورفع الشفيع الأمر إلى الحاكم وأثبت حقه في الشفعة لديه وحق طلبه، فقضى له [بحق الشفعة] فوجهان:
أصحهما في الرافعي: الحصول، وفي الوسيط الأظهر: عدم الحصول في الثانية، وفي الوجيز الأظهر: عدم الحصول فيهما.
ثم على الأول [لا يملك] تسليم الشقص ما لم يسلم الثمن، وإن قلنا: في البيع يبدأ بالبائع.
وخرجه الإمام في الصورة الأولى على الخلاف في البيع.
ولو عدم قضاء القاضي [ورضا] المشتري، ووجد من الشفيع الإشهاد على الطلب واختيار الشفعة.
فإن قلنا: بعدم الحصول الملك مع قضاء القاضي فهاهنا أولى.
وإن قلنا: بالحصول ثم فهاهنا وجهان.
والفرق قوة قضاء القاضي.
ثم على القول بحصول الملك بقضاء القاضي أو الإشهاد، فإذا أخر الشفيع تأدية الثمن مقصراً من غير عجز، فهل يحكم ببطلان ملكه بعد جريانه أم يحتاج في إبطاله إلى الرفع إلى الحاكم؟ فيه وجهان في "النهاية" و"البسيط".
واختار القاضي منهما الثاني.
وسلك في الوسيط طريقاً آخر فقال: إذا قلنا بحصول الملك بذلك، فقصر في أداء الثمن، بطل ملكه، لكن بطريق التبين أم بطريق الانقطاع؟
فيه وجهان:
ثم قال: [هذا] إذا رضي المشتري فإن أبى إلا أخذ الثمن، فهل يبقى خيار الشفيع إلى أن يسلم الثمن؟ فيه وجهان.
وقد حشا بعضهم على الوسيط فقال قوله: هذا إذا رضي المشتري [و] لم يظهر معناه [ومعناه: أن الخلاف الذي ذكره في [أن] الملك [يبطل] تبيناً أم انقطاعاً، شرطه طلب] المشتري ورضاه.
أما إذا أبى ذلك فلا يبطل، لكن هل يكون للشفيع إبطاله ما لم يسلم الثمن؟ فيه الخلاف الذي ذكره.
والمذكور في "الإشراف" أن الامتناع من الأداء مع القدرة عليه هل يثبت [للمشتري] فسخ الاستشفاع أو يتعين حبس الشفيع إلى الوفاء؟ فيه وجهان.
فإذا عرفت ما قالوه فيما يحصل به الملك، تلخص لك منه وجهان:
أحدهما: لا يحصل إلا باللفظ وبذل الثمن أو تسليم الشقص، وعلى هذا لا بد من طلب المشتري؛ لأن القدرة على التملك لا تحصل بدونه أو نائبه، فلا يرد ما ذكرناه من السؤال.
والثاني: أنه لا يحصل إلا بذلك، أو باللفظ، وقضاء القاضي، أو الإشهاد، فيكون مخيراً في طلب واحد منها، ومن سلك ما خير فيه لم يعد مقصراً، نعم السؤال متوجه عليهم في الرد بالعيب.
فرع: إذا لقي الشفيع المشتري حين اطلع على الشراء في غير بلد الشقص المشفوع، فأخر الأخذ إلى حضورهما إلى بلد الشقص، بطل حقه لقدرته عليه، فلو أنكر المشتري الملك وكانت بينته في بلد الشقص فأخر إلى الحضور إليها؛ لم يبطل حقه لأنه معذور.
ثم البينة المكتفى بها رجل وامرأتان، أو رجل مع يمينه، ويسمع فيها شهادة السيد لمكاتبه كما حكاه في "الزوائد" عن القاضي في "المجرد"، وحكاه الإمام عن شيخه وقال: أراه هفوة غير معتد بها، فإن شهادة السيد لمكاتبه لا تقبل.
ولا خلاف في أن البينة إذا [شهدت له] بالملك ثبت حقه في الشفعة ولو شهدت له باليد دون الملك فهل يثبت [له] حق الشفعة؟ فيه وجهان في الحاوي.
والذي دل عليه كلام الشيخ أبي حامد وغيره في كتاب الصلح الثبوت، فإن الرافعي حكى عنه ثَمَّ أنه قال: لو ادعى رجل على رجلين داراً في يدهما، فأقر
أحدهما وكذبه الآخر؛ ثبت له النصف بإقرار المصدق، فلو صالح المدعي المقر على مال، وأراد المنكر أخذه بالشفعة، فله ذلك إن ملكا في الظاهر بسببين مختلفين وكذا إن ملكا بسبب واحد من إرث أو شراء على أحد الوجهين، وهو الذي جعله الرافعي في الصلح الأظهر؛ لحكمنا في الظاهر بصحة الصلح وانتقال الملك إلى المقر [له]، وإن كان الغزالي وإمامه جعلا الأصح عند اتحاد السبب عدم الأخذ، لزعم المكذب بأن الصلح ما صح.
ووجه دلالة هذا اللفظ [على] ما ادعيته أن المصدق مكذب للمنكر في دعواه الملك مع ثبوت يده، وقد حكمنا بالملك له بسببها ومع هذا لم يكن ذلك مانعاً من ثبوت شفعته.
والذي صرح به المتولي، وابن الصباغ، وصاحب "الإشراف" هاهنا: عدم الثبوت، وهو الذي دل عليه كلام الرافعي في آخر الإيلاء حيث قال: لو وجدنا داراً في يد اثنين، وادعى أحدهما أن جميعها له، والآخر أنها بينهما نصفين، وصدقنا الثاني بيمينه؛ لأن اليد تشهد له، ثم باع مدعي الكل نصيبه من ثالث، فأراد الآخر أخذه بالشفعة وأنكر المشتري ملكه، فإنه يحتاج إلى البينة، ويمينه في الخصومة مع الشريك أفادت دفع ما يدعيه الشريك لا إثبات [الملك] [له] [والله أعلم].
قال: وإن قال: صالحني عن الشفعة على مال، أو أخذ الشقص بعوض مستحق، فقد قيل: تبطل، وقيل: لا تبطل.
هذا الفصل ينظم مسألتين:
صورة أولاهما: أن يقول الشفيع للمشتري: صالحني عن الشفعة على مال فيصالحه عليه، فهذا الصلح غير صحيح على المذهب؛ لأنه إسقاط خيار ثابت بالشرع لا يسقط إلى مال، فلم يجز أخذ العوض عنه؛ كخيار المجلس.
وفي "التتمة": أنه حكي عن ابن سريج جواز المصالحة عن حق الشفعة.
والمشهور أن المجوز لذلك أبو إسحاق، وأنه جوز المصالحة أيضاً على مقاعد الأسواق وحد القذف.
فعلى هذا يجب رد المال، وهل تسقط الشفعة؟ فيه خلاف.
ووجه السقوط: أن عدوله عن طلب الشفعة إلى العوض رضا بإسقاطها.
ووجه عدم السقوط: أنه إنما سمح بالترك طمعاً في العوض فإذا لم يسلم له رجع إلى حقه كما في البيوع الفاسدة.
وهذا الخلاف هو الخلاف [الذي تقدم] في الرد بالعيب، ومحله إذا كان الشفيع جاهلاً بعدم صحة المصالحة، أما إذا كان عالماً بطلت وجهاً واحداً.
وصورة الثانية: أن يقول الشفيع: أخذت الشقص بالشفعة بهذه الدراهم ثم ظهرت مستحقة.
ووجه السقوط فيها: أنه أخذ الشفعة بما لا يملك فصار كأنه ترك الأخذ مع القدرة عليه، وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد والبغوي.
ووجه البقاء: أنه لم يقصر في الطلب والأخذ، والشفعة لا تستحق بمال معين حتى تبطل باستحقاقه.
وهذا ظاهر لفظ المزني، وبه قال أبو إسحاق وابن أبي هريرة واختاره كثير من الأصحاب ومنهم الغزالي.
ولو قال: أخذت الشقص بثمن في ذمتي، ثم دفع عنه [شيئاً] مستحقاً؛ لم تبطل وجهاً واحداً إلا أن يعسر بالعوض، حكاه الماوردي.
وقيل بجريان الخلاف في هذه الحالة أيضاً.
وخروج الدراهم نحاساً كخروجها مستحقة.
ولو خرجت معيبة فلا تبطل بها الشفعة.
وفيه وجه: أنها كما لو خرجت مستحقة.
ومحل الخلاف في الأصل كما حكاه الرافعي فيما إذا كان الشفيع عالماً باستحقاق المأخوذ به.
أما إذا كان جاهلاً باستحقاقه؛ فلا تبطل وجهاً واحداً.
لكن [هل] يتبين أنه لم يملك بأداء المستحق حتى يفتقر إلى تملك جديد أو نقول: إنه ملكه والثمن دين عليه؟
فيه وجهان حكاهما الإمام.
وقال مجلي: لا وجه لعدم السقوط مع علمه بالاستحقاق، وقولنا الشفعة على الفور.
قال: وإن بلغه الخبر وهو مريض، أي مرضاً يمنعه [من] السعي والمطالبة، أو محبوس أي: حبساً لا يقدر على إزالته ولم يقدر على التوكيل فهو على شفته لقيام عذره.
وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا حاجة في هذه الحالة إلى الإشهاد، وهو قول أو وجه اختاره الشيخ أبو محمد.
وقيل: إن يشترط إذا أمكن، فإذا لم يفعله سقطت شفعته، وهو ما صار إليه أكثر الأصحاب كما حكاه في "البحر"، والأظهر في الرافعي.
[فعلى هذا] يعتبر أن تشهد بينة كاملة يقبل قولها عند الحاكم.
قال في "البحر": ولا يكفي إشهاد عدل واحد ليحلف معه؛ لأن من الحكام من لا يحكم بالشاهد واليمين.
قلت: قد ذكر في باب الضمان والوكالة ما يمكن أن يخرج منه الاكتفاء به على رأي فيطلب منه.
وإذا لم يقدر على الإشهاد فلا يجب عليه أن يقول بينه وبين الله تعالى: أنا طالب بالشفعة، صرح به الإمام وفيه ما ذكرناه.
أما إذا قدر على التوكيل فلم يفعله؛ ففيه ثلاثة أوجه:
المذهب منها في "تعليق" أبي الطيب و"الشامل" و"التتمة": أنها تسقط.
وبعضهم حكاه عن القاضي أبي حامد.
والثاني: لا [لأن التوكيل] إن كان بعوض- لزمه غرم، وإن كان بغير عوض ففيه منة، وذلك ضرر، وأيضاً فقد يكون ألحن بحجته من وكيله.
وهذا ما اختاره أبو إسحاق كما حكاه في "البحر".
والثالث: إن وجد متطوعاً بها [فلم يفعل] بطلت [شفعته] وإلا فلا؛ لأن المنة في ذلك يسيرة.
أما إذا كان المرض لا يمنعه من المطالبة، كالصداع اليسير [ونحوه] أو كان يقدر على الخروج من الحبس، بأن كان معسراً قادراً على إقامة البينة على إعساره، أو كان مليئاً يقدر على وفاء ما اعتقل بسببه؛ فهو كالصحيح المطلق.
والخائف من العدو في هذا المعنى؛ كالمريض.
قال: وإن بلغه [الخبر] وهو غائب، فسار في طلبه وأشهد فهو على شفعته؛ لشروعه في الطلب بقدر الإمكان.
وهكذا الحكم فيما لو لم يسر، لكنه وكل عقيب بلوغ الخبر وسار الوكيل، وليس عليه في السير إلى ذلك إرهاق ولا عجلة كما ذكرناه من قبل.
قال: وإن لم يشهد أي مع تيسر البينة؛ ففيه قولان: مأخذهما تقابل الأصلين: بقاء حق الشفعة وبقاء ملك المشتري، فإن الذي وجد من السير [كما] يحتمل أن يكون للطلب يحتمل أن يكون لغيره، وقد صحح في "البحر" وغيره قول عدم السقوط؛ لأنه اعتمد بالظاهر أيضاً.
ولا نزاع في أن مقابله لا يجري فيما إذا وكل ولم يشهد؛ لأن التوكيل قائم مقامه.
فرع: حيث اعتبرنا الإشهاد فقال الشفيع: قد أشهدت وسرت، وقال المشتري لم يشهد.
[أو قلنا]: الإشهاد ليس بشرط، فقال الشفيع: سرت عقيب السماع، وقال المشتري لم يسر عقيبه مع الإمكان، فالقول قول الشفيع؛ لأنه اختلاف في فعله وهو أعلم [به].
وكذا لو اختلفا فقال [الشفيع] أخرته للعجز، وقال المشتري: بل مع القدرة، فالقول قول الشفيع، قاله في "البحر".
وقال الرافعي في هذه الحالة: إن وجد مع ذلك ما يدل عليه [فالقول قول الشفيع] وإلا فالقول قول المشتري.
قال: وإن لم يقدر أن يسير أي لخوف [في] الطريق أو لحر أو برد مفرط
أو لعدم النفقة كما قاله القاضي الحسين، ولا أن يوكل فهو على شفعته [أي] إلى أن يتمكن لإيضاح عذره.
والحكم في اعتبار الإشهاد والتوكيل مع القدرة عليه، وفي وجوب اختيار التملك في الباطن كما ذكرناه.
قال: وإن أخر وقال: أخرت لأني لم أصدق المخبر [أي] بالبيع فإن كان المخبر صبياً أو امرأة أو عبداً لم تبطل شفعته؛ لأن أقوال هؤلاء لا تثبت بيعاً.
ويلتحق بهم أخبار [الكفار والفساق] وهذا ما حكاه الشيخ أبو حامد والقاضيان أبو الطيب والحسين، وابن الصباغ.
وفي "المهذب" [حكاية] قول أنها تسقط بإخبار المرأة والعبد تغليباً لحكم الخبر لا لحكم الشهادة، وحكاه في "البحر" من تخريج القاضي الطبري، وهو في "الوجيز" و"الرافعي" الأظهر عند إخبار العبد.
وعلى هذا يجيء في سقوطها بإخبار الصبي الذي لا عرامة [به] وجه بناء على قبول روايته، وقد صرح به ابن يونس.
وفي الحاوي: أنها تسقط بإخبار من يقع في قلبه صدقة ولو من كافر.
قال: وإن كان حراً عدلاً فقد قيل: هو على شفعته [إذ ليس] الشاهد الواحد ممن يثبت البيع وحده.
وقيل بطلت شفعته؛ لأن حجة في الشرع عند اليمين، فأشبه ما لو أخبره عدلان أو رجل وامرأتان.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجعله الغزالي الأظهر.
فرع: لو أخبره نسوة هل تسقط شفعته على قولنا: إن إخبار الواحدة لا يسقطها؟
قال المتولي: ذلك ينبني على أن المدعي إذا أقام امرأتين هل يقضي بيمينه معهما؟ إن قلنا لا: فهن كالمرأة الواحدة.
وإن قلنا نعم: فكالعدل الواحد.
وهذا كله إذا لم يبلغ الخبر حد التواتر.
أما إذا بلغ [حد التوتر] وأخر- بطلت شفعته، وإن كان المخبرون فساقاً.
قال: وإن دل في البيع أي صار دلالاً في بيع الشقص أو ضمن الثمن أي في مدة الخيار أو قال: اشتر ولا أطالبك [بالشفعة] لم تسقط شفعته.
أما في الأولى والثانية، فلأن ذلك سعى في تحصيل السبب المثبت للشفعة فلا يكون مانعاً منها.
وأما في الثالثة: فقد ادعى في "البحر" الإجماع عليها وأنه لم يخالف فيها إلا عثمان البتي، ويشبه أن يكون متمسكاً بمفهوم الخبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
ولنا عليه أنه أسقط الحق قبل ثبوته فلم يسقط، كما لو أبرأه من الدين قبل وجود سببه، وضمان الدرك وجعل الخيار المشروط للشفيع برضاه كضمان الثمن في عدم إسقاط الشفعة، صرح به الأصحاب وسنذكر شيئاً فيه.
قال: وإن توكل في شرائه لم تسقط شفعته [لما ذكرناه.
وقيل: تسقط] لأنه رضي له بالملك فألزم مقتضاه.
[قال الإمام]: وكان شيخي في غالب ظني يطرده في ضمان الشفيع العهدة وضمان الثمن، وما ذكره إن كان ينقدح في ضمان العهدة فليس له ظهور في ضمان الثمن.
ولو اشترى الوصي ليتيم تحت نظره شقصاً له فيه شفعة، فهل له الأخذ بها؟
فيه وجهان في "الشامل":
والمشهور منهما كما حكاه الرافعي الجواز، وإيراد صاحب "البحر" يقتضي ترجيح خلافه.
ووجهه بأن ذلك يثبت عهدة على اليتيم إن استحق الشقص.
قال: وإن توكل في بيعه سقطت شفعته؛ لأن التهمة تلحقه من تخفيف الثمن ليأخذ به، ولو قدر البيع بأكثر من ثمن المثل؛ لأنه قد يتهاون في طلب زيادة [ثمن] عليه، وإذا كان كذلك بطل حقه، كما لو باع الوصي شقصاً له فيه شفعة.
وقد ادعى الشيخ أبو علي كما حكاه الإمام عنه فيه إجماع الأصحاب على أنه لا شفعة للوصي، وهذا قول ابن الحداد كما حكاه ابن الصباغ ورأيته في فروعه.
وقيل: لا تسقط؛ لأنه تولى أحد طرفي العقد، فلم تسقط شفعته، كما لو ولي الشراء، وهذا ما حكاه في الحاوي، والقاضي أبو الطيب، وصار إليه الأكثرون كما حكاه الشيخ أبو علي وصححه في الوسيط.
وعن رواية صاحب "التقريب" جريانه في الوصي أيضاً.
وبه قال ابن القطان والقفال أيضاً كما حكاه ابن الصباغ، ووجهه بأن ذلك يجب على المشتري بعد تمام العقد.
والفرق على الأول [أن البالغ] العاقل متمكن من دفع الظلامة عن نفسه في الحال [إن اتفقت] بخلاف اليتيم.
واعلم أن مقتضى ما عللنا به الوجه الأول، أن الشفعة لا تسقط جزماً إذا وكل [في البيع] من معين بثمن معين؛ إذ لا تهمة في هذه الحالة، فإنه لا يقدر على البيع [في هذه الحالة] بأكثر من [ثمن المثل].
وما ذكرته هو المشهور في مسألة التوكيل في الشراء والبيع.
وفي رفع التمويه عن التنبيه أن من أصحابنا من قال: إذا توكل في البيع لم تسقط شفعته، وإن توكل في الشراء سقطت.
والفرق: أنه إذا توكل عن المشتري فهو معين على التملك، وإذا أعانه على تحصيل الملك لم يجز أن يزيل ملكه.
ولا خلاف في جواز أخذ الوصي الشقص إذا باعه بطريق الوصاية لمن هو تحت ولايته بالشفعة.
فرع: إذا اشترى عامل القراض شقصاً لرب المال فيه شفعة هل لرب المال أخذه؟ فيه ثلاثة أوجه رواها في "البحر" عن ابن سريج:
أحدها: نعم لكن ليس بطريق الاستشفاع بل بحكم استرجاع مال القراض؛ فإنه لم يظهر فيه ربح.
والثاني: يأخذه بالشفعة لا بحكم القراض؛ لأن المالك لا يملك أخذ مال القراض إلا ناضاً.
والثالث: لا يأخذ أصلاً.
فعلى هذا لو باعه العامل فهل يأخذ رب المال بالشفعة؟ فيه وجهان.
وجه المنع: أن الملك المبيع له فلو أخذ لأخذ ما بيع له، وهذا قريب مما حكاه الأصحاب فيما إذا مات من عليه دين يستغرق ما خلفه من حصة من عقار، [فبيع فيه] ولوارثه شركة في العقار قديمة، فإنه ليس له الأخذ بالشفعة؛ لما أشرنا إليه.
وقد صار ابن الحداد إلى ثبوت الشفعة للوارث، وقال في "البحر" إن القاضي صار إليه؛ لأنه [يجعل] كأن الميت باعه في حياته، وأنه لم يذكر سواه.
وقد يظن [أن] ابن الحداد فرع على أن الدين يمنع الإرث كما حكاه الإمام هنا عن القديم وغيره عن الإصطخري، وليس كذلك، لأن ابن الحداد قد جزم فيما إذا مات شخص وله شقص من عقار، وعليه دين يستغرقه، فباع شريك الميت حصته من العقار قبل [بيع] حصة الميت في دينه، أن لوارثه الأخذ بالشفعة، فلو اعتقد مذهب الإصطخري لم [يكن له] الأخذ.
قال: وإن باع حصته قبل أن يعلم بالشفعة ثم علم فقد قيل: تسقط؛ لأن الشفعة شرعت لإزالة الضرر وهو منفي عنه، وهذا قول ابن سريج، وهو الأصح في "الحاوي" و"البحر"، واختاره في "المرشد".
وقيل: لا تسقط لأنه تجب بالشركة عند العقد وقد وجدت، وهذا قول أبي حامد، ولهذا نظائر منها: إذا لم يعلم بالعيب حتى زال، ومنها إذا لم تعلم الأمة بالعتق حتى عتق الزوج.
ومحل الخلاف في مسألة الكتاب، كما صرح به في "المرشد" إذا باع بغير شرط خيار، أما إذا باع [به] وفسخ البيع ثم علم فله الشفعة.
ولو باع حصته بعد العلم بالشفعة سقطت [شفعته] وجهاً واحداً.
ولو باع بعضها فحيث لا تسقط إذا باع الجميع فهاهنا أولى، وحيث تسقط إذا
باع الجميع إما مع الجهل أو العلم فهاهنا وجهان:
وجه الثبوت في حال الجهل وهو الأصح في "التهذيب" بقاء الضرر، وبالقياس على ما لو [لم يكن] في ملكه من ذلك ابتداء إلا قدر ما بقي من ملكه.
وفي حال العلم والبناء على أنه إذا عفا عن بعض شفعته لا تسقط شفعته كما في "البحر" و"الحلية".
ومقابله في هذه الحالة عند الإمام وغيره أظهر.
قال: وإن أظهر له شراء جزء يسير، أو جزء كثير بثمن كثير فترك الطلب، ثم بان خلافه، فهو على شفعته؛ لأنه لم يترك الاستشفاع للزهد فيه بل للقلة والغلاء فلا يكون مقصراً.
ولو أظهر له شراء جزم كثير فظهر يسيراً نظر: إن كان بالثمن الأول فلا شفعة له، وإن كان بأقل منه ثبتت؛ لأنه قد تيسر معه ثمنه دون ثمن الكثير، فكان تركه لذلك.
ولو بلغه أن المشتري زيد فعفا، فإذا هو عمرو، أو قد اشتراه زيد لعمرو- لا تسقط شفعته؛ لأنه قد يرضى بمشاركة زيد دون [مشاركة] غيره.
وفي "الحاوي" [في الأولى] حكاية وجه: أنها تسقط بناء على أن الشفعة إنما وجبت لأجل مؤنة القسمة وقد رضي بها.
ومقتضى هذا أن يكون هو الصحيح؛ إذ هذه علة المذهب.
ولو علم أن المشتري وكيل فعفا عن الموكل دون الوكيل سقطت شفعته، ولو عفا عن الوكيل دون الموكل ففي بطلان شفعته وجهان في الحاوي:
وجه البطلان: أن الوكيل خصم فيها.
ووجه عدمه: أنها مستحقة على غيره.
ولو بلغه الشراء بنقد فعفا، ثم ظهر الشراء بنقد غيره، كان على شفعته.
وقال الإمام: إن لم يتفاوت القدر عند التقويم فلا شفعة.
ولو بلغه الشراء بألف [حال] فعفا، فإذا هو مؤجل لم تسقط شفعته، ولو كان بالعكس فلا شفعة له عند العراقيين، كما حكاه البندنيجي، والروياني في "البحر"، وهو الذي صححه بعض المراوزة، وجزم به القاضي الحسين [والله أعلم].
قال: ولا يأخذ الشقص إلا من يد المشتري أي: ومن يقوم مقامه؛ لأن الشفيع يحل محل المشتري في الأخذ بالثمن، وشراء ما لا يقبض لا يجوز فكذلك أخذه بالشفعة، وهذا ما وجه به الماوردي والروياني، وقد يفهم أن المراد بالأخذ التملك لا نفس القبض.
وغيرهما وجهه بأن الأخذ من البائع يبطل التسليم المستحق بالعقد للمشتري، فيؤدي إلى إبطال البيع والشفعة، وهذا يفهم أن المراد بالأخذ القبض دون حصول الملك، وهو الذي دل عليه كلام ابن الصباغ حيث قال: إذا وجبت له الشفعة، وقضى له بها القاضي، والشقص في يد البائع، ودفع الثمن إلى المشتري، فقال البائع للشفيع: أقلني فأقاله لم يصح؛ لأنها إنما تصح بين المتبايعين، وليس الشفيع مالكاً من جهته، فإن باعه منه لم يجز قبل قبضه.
قال: وعهدته عليه أي إذا خرج الشقص مستحقاً رجع الشفيع بالثمن على المشتري، وإن تلف قبل القبض تلف من ضمانه؛ لأنه منه انتقل إلى الشفيع، فكانت عهدته عليه، كما أن عهدة الشقص للمشتري على البائع وكما لو اشتراه منه.
قال: فإن امتنع من قبضه أي: امتنع المشتري من قبض الشقص من البائع أجبر عليه؛ ليتمكن الشفيع من الوصول إلى حقه المتوجه عليه.
قال: ثم يؤخذ منه لما تقدم، وألحق القاضي أبو الطيب [بقبض المشتري] في ضمان العهدة ما إذا تسلمه الشفيع من البائع بإذن الحاكم، وقال: إن الشقص لو خرج مستحقاً رجع الشفيع على المشتري بالثمن، ثم المشتري يرجع على البائع، وكذلك ابن الصباغ، وقال: إن للحاكم أن ينيب من يسلمه للمشتري من البائع عند امتناعه، أو غيبته ثم يأخذ الشفيع.
وذكر الماوردي هذه الحالة في [حالة] غيبة المشتري، وحكى هو وابن
الصباغ وجهاً [عن ابن سريج] أن للشفيع أخذه من يد البائع قبل قبض المشتري.
ووجهه الماوردي: بأن الشفيع يأخذه جبراً للحق وإن كره المشتري فجاز وإن كان قبل قبضه، كما يجوز الفسخ والإقالة قبل القبض، ويبرأ البائع من ضمان الشقص بقبض الشفيع [المبيع]؛ لأنه أخذه بحق توجه على المشتري، وعلى هذا قال ابن الصباغ: لا يجبر المشتري على القبض.
قلت: وحاصل ما حكاه الماوردي يرجع إلى أن الشفيع بمنزلة مشتر أم لا؟
وعلى ذلك ينبغي أن يتخرج جواز قبض الشقص الذي لم يره الشفيع قبل الرؤية، وجواز بيع الشقص قبل قبضه، وثبوت خيار المجلس، وقد قال ابن سريج: لا يجوز أخذ ما لم ير، وإن قلنا بجواز بيع الغائب إلا أن يرضى المشتري بخيار الرؤية [فيجوز إذا جوزنا بيع الغائب.
والفرق أنا إذا جوزنا بيع الغائب أثبتنا [فيه] خيار الرؤية] برضا البائع بالعقد، وفي مسألتنا: الشفيع يأخذ قهراً فلا يثبت الخيار وهو شرطه.
وفي تعليق القاضي الحسين: أنا إن لم نشترط الرؤية في البيع ففي الشفعة [أولى، وإن اشترطناها في البيع ففي الشفعة] وجهان، بناء على الوجهين في ثبوت خيار المكان للشفيع، وعلى ذلك جرى في "الوسيط".
وقد حكينا عن ابن الصباغ الجزم بأن الشفيع إذا أراد بيع الشقص من بائعه بعد تملكه، وإقباضه المشتري الثمن، أنه لا يجوز.
وحكى الإمام في جواز البيع قبل قبضه وجهين، وجعل المذهب منهما ما حكاه ابن الصباغ، وقال [إن الشفيع] مع المشتري، كالمشتري مع البائع فيما
ينفذ ويرد من التصرفات، والذي حكاه البندنيجي أن للشفيع بعد قبض المشتري الثمن- أن يقبض المبيع من البائع، ويكون كالنائب عنه في القبض.
فلو قال الشفيع: لا أقبضه ولكن أكلف المشتري قبضه.
قال أبو العباس: في المسألة قولان يعني وجهين:
أحدهما: أنه ليس له ذلك، [ويقال له: إما أن تأخذ من البائع أو تدع.
والثاني: له إجبار المشتري على ذلك].
قال: ولا يأخذ بعض الشقص أي بالشفعة، وإن بذل الشفيع ما يقابل ما يأخذه، أو بذل جميع الثمن في [مقابله] البعض.
أما في الحالة الأولى؛ فلما في ذلك من الإضرار بالمشتري بسبب تفريق الصفقة عليه، والضرر [لا يزال بالضرر].
وأما في الحالة الثانية؛ فلما في ذلك من تقليد المنة، وهي ضرر أيضاً مع ما في الشركة من أضرار.
ولو قال الشفيع: عفوت عن أخذ نصف الشقص [بالشفعة] فهل تسقط شفعته في الجميع أم لا؟
فيه وجهان في الحاوي، أصحهما وبه قال ابن سريج: السقوط، كما لو عفا عن بعض القصاص.
وحكى الخراسانيون وجهاً ثالثاً: أنه يسقط ما عفا عنه، ويبقى ما لم يعف عنه.
وحكى الروياني عنهم أنهم قالوا: إنه المنصوص.
قال الصيدلاني: وموضعه إذا رضي المشتري بتبعيض الصفقة، أما إذا أبى؛ فله أخذ الكل.
قال الإمام: وهذه الوجوه على القول بأن الشفعة ليست على الفور.
أما على القول بأنها على الفور، فمنهم من قطع بأن العفو عن البعض تأخير للطب في الباقي.
ومنهم من احتمل ذلك إذا بادر إلى طلب الباقي، وأجرى الوجوه.
قال: وإن اشترى شقصين من أرضين في عقد واحد؛ جاز للشفيع أن يأخذ
أحدهما: لأنه قد يكون الضرر عليه فيما أخذه، وفي أخذ الآخر إضرار به؛ ومع ذلك فلا ضرر على المشتري، لأن الشقص الآخر يبقى له ولا تبعيض عليه في الشقص المأخوذ.
وعلى هذا لا خيار للمشتري في تبعيض الصفقة عليه؛ لأنه دخل على ذلك، أو لأن التفريق جاء من جهة غير البائع بعد القبض.
[قال] وقيل: لا يجوز أي إذا كان الشفيع شريكاً فيهما؛ لأنه بعض ما وجب له، فلم يكن له ذلك، كما لو ثبتت الشفعة في شقص فأراد أخذ بعضه، وهذا ما ادعى الماوردي أنه الأظهر في المذهب، وكذلك الشيخ في "المهذب".
والذي صححه الرافعي والبندنيجي الأول، وكذلك ابن الصباغ بعد أن قال: إنه منصوص الشافعي.
قال القاضي الحسين: وهذا الخلاف مبني على القولين في جواز تفريق الصفقة بالرد بالعيب.
أما إذا لم يكن شريكاً في الشقصين أخذ ما هو شريك فيه مقتصراً عليه وجهاً واحداً.
قال: وإن هلك بعض الشقص يفرق أخذ الباقي بحصته من الثمن؛ لأنه
أخذ بالشفعة بعض ما تناولته الصفقة، فوجب أخذه بالحصة، كما لو اشترى مع الشقص سيفاً بثمن واحد، فإنه يأخذ الشقص بحصتيه من الثمن.
فعلى هذا يقوم الجميع حال العقد، فإذا قيل: مائة.
قوم بعد الفرق.
فإذا قيل: تسعون، علم أن الفائت العشر، فيأخذ الشقص الموجود بتسعة أعشار الثمن.
وقال الإمام: إذا فرعنا على أن الملك ينتقل بانقضاء الخيار، فيجوز أن نعتبر القيمة وقت انقطاع الخيار، وما حكاه الشيخ هو ما رواه الربيع، ونسبه الماوردي والبندنيجي إلى القديم، والقاضي أبو الطيب إلى رواية الزعفراني في القديم، والرافعي إلى القديم ومواضع في الجديد.
وقيل: يأخذ الشفيع بكل الثمن لقوله صلى الله عليه وسلم: "فَإِنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" أي الثمن، فجعله [أحق] بجميع الثمن ولم يفصل، وبالقياس على ما لو سقطت يد العبد في يد البائع قبل القبض.
وهذا ما رواه المزني [هاهنا وقاله في كتاب التفليس.
وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق أن المزني] نقل ذلك عن رواية حرملة.
وحكى الإمام مثله في كتاب التفليس في مسألة الشقص والسيف عن رواية صاحب "التقريب" والعراقيين قولاً أخذاً من قول من قال: إذا رد أحد العبدين بالعيب، كان المشتري مخيراً بين أن يمسك الباقي بجملة الثمن أو يدع، ثم قال: [وهو] عندي قريب من خرق الإجماع.
وقد تحزب الأصحاب في مسألتنا ستة أحزاب:
فذهب أبو الطيب بن سلمة، وأبو حفص بن الوكيل إلى إثبات النصين قولين في المسألة، وتوجيههما ما ذكرناه، وهذه الطريقة تجري فيما إذا انهدم الشقص ولم يذهب من نقضه شيء مع القطع بأن الشقص يسلم للمشتري كما صرح به أبو الطيب وغيره.
وذهب ابن سريج، وأبو إسحاق [المروزي] كما حكاه الماوردي إلى القطع بما رواه الربيع، ونسبا المزني إلى الغلط فيما نقله في هذا الموضع، وأنه لا يعرف للشافعي في شيء من منصوصاته، وكذلك حكى البندنيجي إنكار هذا النقل عن أكثر الأصحاب.
وذهب جماعة من الأصحاب إلى صحة ما نقله المزني والربيع، ولم يثبتوا ذلك قوليلن، لكن حملوا ذلك على حالين واختلفوا في الحالين.
فمنهم من قال وهو ابن أبي هريرة: أن رواية المزني محمولة على ما إذا ذهب التالف وبقي النقض، فيكون للشفيع- نظراً إلى حالة وجوب الشفعة-[الأخذ بجميع الثمن]، ورواية الربيع محمولة على ما إذا فات النقض.
وفي تعليق أبي الطيب أن أبا إسحاق المروزي قال بهذه الطريقة، [واختارها القاضي] أبو الطيب، والبندنيجي، وأكثر المشايخ ببغداد، كما قال في "البحر"، وهي موافقة لما في الكتاب.
ومنهم من قال: رواية المزني محمولة على [ما إذا كانت العرصة باقية بحالها، ورواية الربيع محمولة على] ما إذا تلف بعض العرصة.
وهذه الطريقة لا يأباها كلام الشيخ.
ومنهم من قال: رواية المزني محمولة على ما إذا كان سبب الهلاك آفة سماوية.
ورواية الربيع محمولة [على ما إذا كان بفعل مضمون؛ لأنه لا ضرر على المشتري.
ومنهم من حمل رواية المزني] على ما إذا تزلزل الشقص وتكسرت الجذوع ولم تسقط، ورواية الربيع على ما إذا سقطت على الأرض، فيكون النقض للمشتري، لأنه منقول حالة الأخذ.
وهذه الطريقة إذا انضمت مع طريقة ابن أبي هريرة حصل منهما وجهان أو قولان في أن النقض هل يؤخذ مع الأرض بالشفعة أم لا؟ [كما صرح به الأصحاب وهما كالوجهين المذكورين فيما إذا اشترى شقصاً فيه نخل وعليه طلع غير مؤبر، فأبر قبل الأخذ، هل يؤخذ مع النخل بالشفعة أم لا]؟
وسلك القاضي الحسين فيما إذا تزلزل الشقص طريقاً حسناً فقال: إذا تزلزل الشقص المشفوع [فيه]، وتكسرت أخشابه ولم تسقط؛ فالشفيع بالخيار بين [الترك] والأخذ بكل الثمن.
وإن سقط على الأرض فإن كان النقض تالفاً ابتنى ذلك على أن البناء والنقض يجري مجرى الصفات أو مجرى الأعيان؟ وفيه جوابان:
فإن جعلناه بمنزلة الصفات أخذ الشقص بكل الثمن إن شاء.
[وإن جعلناه] بمنزلة الأعيان، وهو ظاهر المذهب، أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ كالشقص، والسيف.
وإن كان النقض قائماً فهل له أخذ النقض؟ يحتمل وجهين وقد ذكرناهما وأصلهما، وما ذكره [من ثبوت الخيار] عند عدم سقوط شيء منه لم يخالف فيه.
قال: وإن كان في الشقص نخل فأثمرت في ملك المشتري ولم تؤبر، أخذ الثمرة مع الأصل في أحد القولين كما يأخذها في الربيع.
[قال] دون الآخر؛ لأن الشفيع يأخذ بالشفعة ما ملكه المشتري من جهة البائع بالثمن، والثمرة ليست كذلك، وهذا الخلاف حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهين مبنيين على القولين في المفلس إذا أطلعت النخل المبيعة في
ملكه ولم تؤبر فرجع البائع في النخل فهل تكون الثمرة له أم لا؟
وابن الصباغ، والماوردي، والقاضي الحسين حكوا الخلاف قولين [كالقولين].
وقال في "المهذب"، و"البحر": إن الأول هو القديم، والثاني هو الجديد.
وكلام الرافعي يقتضي ترجيح الأول؛ فإنه قال: وقد ذكر كثير من الناقلين أنه القديم، ومقابله هو الجديد، وعلى هذا فالمسألة مما يجاب فيها على القديم.
قال: وإن كان للشقص شفيعان- أخذا على قدر النصيبين في أحد القولين؛ لأنه حق مستحق بسبب الملك فيقسط عند الاشتراك [على قدر] الأملاك؛ كأجرة الدار وثمرة البستان، وهذا هو الأصح.
وبعضهم يرويه عن الجديد، وبعضهم عن القديم.
[قال] وعلى عدد الرؤوس في الآخر؛ لأن سبب ثبوت الشفعة أصل الشركة بدليل أخذ الشريك الواحد الجميع عند الانفراد قل نصيبه أم كثر، وهما في أصل الشركة سواء، وهذا ما اختاره المزني، واستدل له أيضاً بأن العبد الواحد إذا كان لثلاثة على التفاوت فأعتق اثنان نصيبهما، وهما موسران في وقت واحد، فإنهما يغرمان نصيب الثالث بالسوية، فكذلك هاهنا.
وهذا ما قال بعضهم: [إنه منصوص عليه في القديم.
وبعضهم]: إنه منصوص عليه في الجديد، كما ستعرفه.
وبنى القاضي الحسين القولين على أصل ثم على أصل:
أحدهما: أن العلة الموجبة للأخذ بالشفعة ما يلحقه من مؤنة القسمة بسبب [الدخيل] والاحتياج إلى إفراز المرافق.
إذا ثبت هذا كما حكيناه من قبل أنه مختار الشافعي، ابتنى على أن مؤنة القسمة تقسم على قدر الأنصباء أو على عدد الرؤوس؟ وفيه قولان:
أظهرهما: الأول.
قال: فإن منعوه، فالدليل عليه أن القسام يستحقون الأجرة بسبب العمل، وعمله
لصاحب الكثير أكثر من صاحب اليسير، وهذا يثبت أن الأجرة تقسم على قدر الأملاك، فالغنم في مقابلة الغرم، فلما كان الغرم عليه أكثر كان [الغنم له أكثر].
وأجاب الأصحاب عن الدليل الأول للقول الثاني: بأن الاستقلال بالشيء عند الانفراد لا يلزم منه التساوي عند الاجتماع مع التفاوت، بدليل ما لو كان لرجل مائتان على شخص ولآخر [عليه] مائة، ومات المدين وماله مائة، فإن صاحب [المائة يأخذ] الثلث [من المائة المخلفة، والآخر ثلثيها مع أن صاحب المائة] لو انفرد لأخذ [جملة] المائة.
وكذلك الفارس والراجل إذا انفرد أحدهما بالحضور عند أخذ المال استحق جميعه، ولو حضرا معاً اختلفا في الأخذ والاستحقاق.
وعن الثاني: بأنا لا نمنع الحكم، بل إنما يغرم كل [واحد] منهما على نسبة ملكه، كما صار إليه بعض الأصحاب، وعلى تقدير التسليم، وهو الصحيح في "البحر"، فالفرق أن ذلك ضمان إتلاف، فالنظر فيه إلى المتلفين لا إلى حالة الإتلاف، والشفعة من فوائد [الملك] فتتقدر بقدره.
فإن قيل: السريان إلى ملك الغير إنما استفيد بسبب الملك فوجب أن يكون على قدر الملكين بعين ما ذكرتم.
فالجواب: أن ذلك إنما حصل بعد زوال ملكهما، فلو استفاداه بالملك لسقط بزواله كما نقول في الشفعة.
وما ذكره الشيخ هاهنا فيما إذا وجبت الشفعة لشخصين ابتداء.
أما إذا وجبت لهما بالدوام بالإرث فسيأتي.
[قال:] فإن عفا أحدهما أو غاب، أخذ الآخر جميع المبيع أو يترك، أي فلا يجوز له أخذ البعض كي لا يتضرر المشتري بتبعيض الصفقة عليه، وذلك في صورة العفو [يقيناً] وفي صورة الغيبة توقعاً، فإن الغائب قد لا يأخذ، وهذا هو الأصح.
وقيل في مسألة العفو: يسقط حق الآخر، كما لو عفا أحد الوارثين عن القصاص، وهو ما ينسب إلى ابن سريج.
وقيل: لا يسقط [حق واحد منهما؛ لأن العفو لا يتجزأ فغلب جانب الثبوت.
ونظير ذلك ما ذكرناه في خيار المجلس إذا أسقط أحدهما خياره هل يسقط] خيار الآخر أو يبقى خيار المسقط؟
وقيل: يسقط حق العافي خاصة وليس للآخر إلا أخذ حصته كما لو لم يعف صاحبه، وليس للمشتري إجبار الشفيع على أخذ الجميع أو الترك.
وهذا فيما إذا ثبتت الشفعة لهما ابتداء.
أما إذا ثبتت [لهما دواماً] بالإرث فسيأتي.
فرع: لو قال الحاضر: لا آخذ بالشفعة حتى يقدم الغائب، فإن أخذ نصيبه أخذت نصيبي، وإن ترك أخذت المجموع، فهل يكون ذلك عذراً [في التأخير] على قول الفور؟
فيه وجهان: اختيار ابن أبي هريرة: لا.
وأصحهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: نعم.
وهو الذي صححه الشيخ أبو حامد، وقال في "البحر": إنه أقيس.
فرع: لو عفا الشفيع عن الشفعة في مرض موته، فهل للوارث إبطال عفوه أو لا؟ فيه وجهان في البحر:
وأصحهما: الثاني؛ كما لو لم يقبض الهبة.
قال: فإذا قدم الغائب، أي بعد أخذ الحاضر الجميع، أخذ منه ما يخصه؛ لأنه مستحقه، ثم إذا خرج الشقص مستحقاً رجع الغائب بما دفعه للحاضر من الثمن على المشتري.
وقيل: يرجع به على الحاضر، ثم الحاضر يرجع على المشتري، وهو الأظهر عند الغزالي والرافعي، والأول عند العراقيين أرجح.
وقال في "البحر" إنه الذي قاله أكثر الأصحاب.
وفي "التتمة": أن هذا الخلاف في الرجوع بالمغروم من أجرة المثل وما عساه ينقص من قيمة الشقص، فأما الثمن فلا رجوع به على قابضه بلا خلاف.
وما حصل من الزائد والفوائد بعد أخذ الأول وقبل أخذ الثاني، يستبد به الأول؛ لحدوثه على ملكه في أصح الوجهين، وبه جزم في "البحر" والقاضي الحسين.
فرع: لو كان للشقص ثلاثة شفعاء، وحصصهم متساوية، وأحدهم حاضر، فالحكم في الأخذ والترك كما ذكرناه.
فإذا حضر واحد بعد الأخذ، كان له أخذ النصف أو الترك، فإذا أخذ النصف ثم قدم الثالث، استرجع من كل واحد منهما ثلث ما أخذه.
والحكم في الرجوع بالثمن عند استحقاق الشقص، ولمن تكون الزوائد والفوائد [الحاصلة] بعد أخذ الثاني وقبل أخذ الثالث كما تقدم.
ولو أراد الذي حضر أولاً بعد أخذ الحاضر جميع الشقص أن يأخذ الثلث دون رضا الآخذ أولاً مقتصراً عليه فهل له ذلك؟
فيه وجهان في "البحر" وغيره:
أحدهما: لا، كما لو أراد الأول أن يأخذ نصيبه ويدع الباقي.
وأصحهما: نعم كما لو صالحه عليه؛ ولأنه أخذ لا يفرق الحق على الأول، فإن الحق [لهم ثبت] هكذا، بخلاف الحاضر إذا أراد أخذ الثلث؛ فإن فيه تفريق الصفقة على المشتري.
وعلى هذا إذا حضر الآخر وأخذ من الأول نصف ما في يده وهو ثلث الشقص فذاك، وإن أراد أن يأخذ من الثاني ثلث ما في يده فله ذلك؛ لأنه يقول: ما من جزء [إلا ولي] فيه ثلثه، وترك الثاني حقه وهو السدس، حيث لم يشاطر الأول لا يلزم منه أن أترك حقي.
ثم له أن يجيء إلى الأول فيقول: ضم ما معك إلى ما أخذته ليقسم نصفين فإنا ممتساويا القدر والشقص، وحينئذ تصح القسمة من ثمانية عشر؛ لأنا نحتاج إلى عدد له ثلث ولثلثه ثلث صحيح وأقله تسعة ثم يضرب في اثنين [لأجل أن ما استرد من الراضي بالثلث وهو سهم لا ينقسم على اثنين]، فيضرب التسعة في اثنين يبلغ ثمانية عشرة، للذي اقتصر على أخذ الثلث [منها] أربعة، ولكل من الآخرين سبعة.
هكذا حكاه الرافعي عن الأكثرين وأنهم نقلوه عن ابن سريج، وهو وجه حكاه في "البحر" مع وجه آخر، أن الحاضر ليس له إلا مقاسمة من بيده الثلثان فيأخذ منه الثلث، كما لو كانوا حضوراً عند وجوب الشفعة.
وقال: [إنَّ] ابن سريج اختاره، [و] قال الماوردي: الصحيح عندي غير هذين الوجهين: أن يجعل الشقص تسعة أسهم؛ سهمان لمن اقتصر على أخذ الثلث في غيبة الآخر، وثلاثة أسهم للذي حضر آخراً، وأربعة أسهم للذي أخذ أولاً بالشفعة.
ووجه ذلك: أن الراضي بالثلث لما صالح على الثلث صار الشقص بينه وبين الأول على ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان للآخر، فرضي بإسقاط حقه [له].
فإذا قدم الغائب رجع على من أخذ الثلث بثلث ما في يده، وهو [ثلث سهم؛ لأنه شريكه بالثلث، وعلى الآخر بثلث ما في يده وهو ثلثا سهم؛ لأنه شريكه بالثلث، فيكمل له سهم، وبقي ما في يد الراضي بالثلث] ثلثا سهم، وفي يد الآخر أولاً سهم وثلث، فيضرب ذلك في مخرج الثلث وهو ثلاثة فيبلغ تسعة أسهم كما ذكرنا.
وحكى الإمام عن القاضي الحسين أن الثاني بتركه السدس على الأول
عاف عن بعض حقه، والشفيع إذا عفا عن بعض حقه، سقط جميعه على الظاهر، فينبغي أن يكون الشقص بين الأول والحاضر آخراً، ويسقط حق الراضي بالثلث بالكلية وبذلك يجتمع في المسألة أربعة أوجه.
ولو حضر من الثلاثة عند وجوب الشفعة اثنان، فأخذا الشقص، ثم حضر الغائب وأحد الآخذين غائب.
قال ابن الصباغ: فإن قضى له القاضي على الغائب، أخذ من كل واحد من [الحاضر والغائب] ثلث ما في يده، وإن لم يقض له لكونه لا يرى القضاء على الغائب كما بينه البندنيجي، فوجهان:
أحدهما: أنه يأخذ من الحاضر ثلث ما في يده.
والثاني: نصفه.
ثم إذا حضر الغائب وغاب الحاضر، فعلى الأول يأخذ منه الثلث مما في يده، وعلى الثاني يأخذ منه سدس ما في يده؛ إذ به يتم نصيبه، وحينئذ يقسم الشقص على اثني عشر؛ لأنه أقل عدد له نصف، ولنصفه ثلث ونصف وسدس.
قال: وإن كان البائع أو المشتري اثنين؛ فللشفيع أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر.
أما في الأولى- وصورتها: إذا كان العقار لثلاثة، فباع اثنان نصيبهما لثالث بثمن واحد- فلأن بيع الاثنين من الواحد يجري عندنا مجرى العقدين المنفردين، ولو باع كل منهما نصيبه لشخص واحد [بعقد منفرد كان له أخذ نصيب كل واحد]، فكذلك في هذه الحالة.
وأما في الثانية- وصورتها: إذا كان للعقار مالكان فباع أحدهما نصيبه من اثنين صفقة واحدة- فلأنه إذا أخذ نصيب أحدهما لم يلحقه ضرر، فأشبه ما لو لم يكن بائعه قد باع شيئاً غير ما باعه منه، وهذا ما يوجد في طريق العراق.
وادعى الفوراني في الثانية الإجماع.
وحكى القاضي الحسين وغيره في الأولى وجهاً أنه ليس له إلا أخذ الجميع أو الترك.
فرع: لو كان بين ثلاثة عقار فوكل [أحدهم] واحداً من شركائه في بيع نصف نصيبه، وجعل له إذا أراد أن يبيع مع ذلك نصيبه [أو بعضه] أن يفعل، فباع نصف ما يملكه ونصف ما يملكه موكله من شخص.
قال الماوردي: فللموكل أخذ نصيب [الوكيل، وللوكيل أخذ نصيب] الموكل، ولا يجوز للثالث أخذ نصيب أحدهما دون الآخر؛ لأن البائع واحد، فإما أن يأخذ الجميع أو يدع.
وما قاله مبني على أن اتحاد الصفقة وتفرقها يكون بالنسبة إلى العاقد، وأن الوكيل له أخذ ما باعه، وفي كل من ذلك خلاف قد تقدم في موضعه.
وقد حكى الرافعي: إنه يمتنع على أحدهما أخذ نصيب صاحبه؛ لأجل تفريق الصفقة عليه.
قال: وإن كان المشتري شريكاً فالشفعة بينه وبين الشريك الآخر على ظاهر المذهب.
صورة المسألة: أن يكون العقار بين ثلاثة أثلاثاً، فيبيع أحدهم نصيبه لشريكه، فللآخر أخذ السدس منه لا غير؛ لأن المشتري شريك في بعض المشتري فلم يكن لغيره من الشركاء أخذ جميع الشقص بالشفعة، كما لو كان المشتري أجنبياً، وأحد الشفيعين حاضر فأخذ الجميع، ثم قدم الغائب فإنه لا يأخذ من الحاضر إلا حصته، والجامع بينهما أن [الشراء مملك] كما أن الأخذ بالشفعة مملك،
وهذا ما ذكره المزني، وبه قال أبو إسحاق وعامة أصحابنا.
وحكى الشيخ أبو حامد والقاضيان أبو الطيب والحسين عن ابن سريج أنه قال: للشريك [الآخر] أخذ جميع الشقص المشتري؛ لأنا لو جعلنا للمشتري أن يأخذ بالشفعة لكان يأخذ بها من ملك نفسه [والإنسان لا يستحق أخذ الشفعة من نفسه].
ورد الأصحاب عليه بأنا لا نقول إنه يأخذ بالشفعة من ملك نفسه، وإنما يدفع الشريك عن الأخذ عن نفسه.
وقال الماوردي: إنه وجد أبا العباس ابن سريج قائلاً بخلافه وموافقاً لأصحابه، فحينئذ ارتفع الخلاف.
وعلى هذا لا يلزم غير المشتري أن يأخذ غير حصته، وإن رضي المشتري بأخذه جميع الشقص؛ لأن الشفعة إنما وجبت له فيه، فلا يلزم أكثر منه، وليس هذا تفريقاً في الصفقة، وإنما هو تفريق في الشفعة وهو لا يمتنع فيها.
وحكى الإمام عن الشيخ أبي على رواية وجه: أن الشفيع المشتري إذا عرض على الشفيع الذي لم يشتر أخذ الجميع، فليس له إلا أخذ الجميع أو الترك.
قال: وإن ورث رجلان داراً عن أبيهما، ثم مات أحدهما وترك ابنين، ثم باع أحد هذين الابنين نصيبه- كانت الشفعة بين [الأخ والعم] في أصح القولين؛ لأنهما شريكان في الدار حالة وجوب الشفعة، [فكانت الشفعة] بينهما كما لو ملكا بسبب واحد؛ لوجود المعنى الذي لأجله ثبتت الشفعة وهو لحوق الضرر.
وهذا ما حكى الإمام والقاضي الحسين أنه الجديد [وأطلقا والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنه منصوص في الإملاء، والماوردي أنه منصوص عليه في الجديد] وبعض القديم.
قال: وللأخذ دون العم في القول الآخر؛ لاشتراكهما في سبب الملك، وذلك دليل على قربه.
وهذا ما نص عليه في القديم [كما حكاه الجمهور وقال الماوردي: إنه أحد قوليه في القديم].
فعلى هذا لو عفا الأخ عن الشفعة فهل تثبت للعم؟ فيه وجهان عن ابن سريج:
أحدهما: لا؛ لأنه لو كان مستحقاً له لما تقدم عليه غيره.
والثاني: نعم؛ لأنه شريك وإنما تقدم [عليه] الأخ؛ لزيادة قربه، وصار هذا كما لو قتل واحد جماعة على الترتيب، فإن لولي الأول والقصاص، فلو عفا كان لولي المقتول ثانياً القصاص، لزوال المرجح.
وعلى الأول هل تقسم الشفعة بين الأخ والعم على عدد الرؤوس أو على قدر الأنصباء؟ فيه طريقان:
أحدهما: وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب والماوردي: طرد القولين السابقين، والقديم منهما، ما حكاه [الماوردي، والقاضي الحسين] والإمام أنها على عدد الرؤوس.
والجديد كما حكوه أنها على قدر الأنصباء.
[والثاني: حكاه القاضي الحسين مع الأول: القطع بأنها على قدر الأنصباء] ولا يتخرج على القولين؛ لأن قول القسمة على عدد الرؤوس قول قديم، وقول مشاركة [الأخ العم] قول جديد، فلا معنى لبناء الجديد على القديم.
وهذا الطريق أبداه الإمام احتمالاً، ونازعه الرافعي في [دعوى] أن القسمة على عدد الرؤوس هو القول القديم، وقال: إن الذي نقله الأكثرون أن القولين في التوزيع وعدمه منصوصان معاً في الأم، والقديم منهما هو التوزيع على الحصص.
وكذلك اعترضوا على ابن القاص ومن أثبت قول التوزيع [في المسألة تفريعاً
على ثبوت الشفعة للأخ والعم جميعاً [بأن الشفعة] إنما تثبت لهما في الجديد، وفي الجديد التوزيع على عدد الرؤوس، فلا يجيء فيها إلا قولان: التخصيص بالأخ [وحده]، والتسوية بينهما.
قلت: وطريق جواب المعترضين على من أثبت قول التوزيع على قدر الأنصباء أو على عدد الرؤوس] في هذه المسألة على التفريع على أن الأخ والعم يشتركان، يؤخذ مما حكيته عن الماوردي أن قول التشريك بين الأخ والعم في الشفعة هو الجديد، وأحد قولي القديم.
فإن من قال [بأنها] تقسم بين الأخ والعم على السواء، فرع على أحد قوليه في القديم إن كان يعتقد أن القديم التوزيع على عدد الرؤوس [كما حكاه الإمام وغيره إذ هذا مقتضاه، أو على الجديد إن كان يعتقد أن الجديد القسمة على عدد الرؤوس] كما حكاه الرافعي.
[ومن قال] بأن الشقص يقسم بين الأخ والعم على [قدر] الأنصباء، فرع: على الجديد: إن كان يعتقد أن الجديد التوزيع على قدر الأنصباء.
كما حكاه الإمام [وغيره] إذ هو مقتضاه أو على أحد قولي القديم: إن كان يعتقد أن القديم التوزيع على قدر الأنصباء.
واعلم أن القولين الذين حكاهما الشيخ جاريان في كل صورة ملك [فيها] اثنان شقصاً بسبب واحد، وغيرهما من الشركاء ملك بسبب آخر.
كما إذا باع رجل شقصاً من دار لرجلين أو وهبه منهما أو أوصى لهما به فقبلاه، ثم باع أحد الاثنين نصيبه من ذلك.
فهل الشفعة لمن شاركه في السبب خاصة أو له ولبقية الشركاء؟ فيه القولان.
ولو مات مالك الدار وخلف بنتين وأختين [ثم باعت إحدى الأختين]
نصيبها، فعلى القديم هل تختص [به] الأخت [أو تشاركها البنات]؟ فيه وجهان عن ابن سريج.
أظهرهما: الثاني؛ لأن سبب ملكهن واحد وهو الإرث.
وإنما الاختلاف في مقادير الملك,.
فرع: مات شخص وخلف ثلاثة بنين وخلف أرضاً، ثم مات أحدهم وخلف ابنين، فباع أحد العن نصيبه.
فهل يكون العم الآخر أحق به أو يشاركه فيه ولدا أخيه؟
قال ابن سريج: يحتمل وجهين:
أحدهما: إن ذلك كمسألة الكتاب فيكون على القولين.
والثاني: أنهم يشتركون.
والفرق: أن هاهنا يقوم ابنا الميت مقام أبيهما لكونهما خلفاه في الملك، ولو كان أبوهما باقياً شارك أخاه في الشفعة [فكذلك ولداه].
وفي مسألة الكتاب، البائع ابن أخيهما وهما لا يقومان مقام أخيهما، وإنما يقومان مقام أبيهما، كذا حكاه ابن الصباغ.
قال: وإن تصرف المشتري في الشقص [بالغراس والبناء] فالشفيع مخير بين أن يأخذ ذلك بقيمته.
أي يأخذ البناء والغراس بقيمته [والشقص بالثمن]، وبين أن يقلع ويضمن [له] أرش ما نقص [بالقلع].
لأن البناء والغراس موضوع بحق، وقلعه مجاناً يضر بصاحبه، وإبقاؤه يضر بالشفيع، فتعين ما ذكرناه طريقاً لدفع الضرر عنهما بقدر الإمكان.
وهذا ما اقتصر العراقيون على ذكره هاهنا وحصروا التخيير بين التملك بالقيمة أو القلع مع غرامة النقص أو ترك الشفعة.
وزاد في الحاوي فقال: لو قال الشفيع أنا أقر بناءه في الأرض لم يجز؛ لأمرين:
أحدهما: أنه متطوع بهبة لا يلزمه قبولها.
والثاني: أنه إقرار بناء في غير ملك قد يلحقه فيه ضرر.
وهذا يدل على أنه لو طلب التبقية بأجرة لا يجاب إليها من طريق الأولى.
وقد تقدم في باب العارية أن المعير للبناء والغراس مخير [بعد رجوعه في] ثلاثة أشياء:
[أحدها: التبقية بأجرة].
وقد صرح الإمام والقاضي الحسين والرافعي بجريان مثل ذلك هاهنا، وما ذكرناه من كيفية التخيير ثَمَّ يجري هاهنا.
وإذا اختار المشتري هاهنا قلع بنائه وغراسه، وأثر ذلك نقصاً في الأرض، لا يلزمه تسوية الأرض ولا يسقط بسببه عن الشفيع شيء [من الثمن] بل هو مخير بين أن يرضى بها كذلك بكل الثمن أو يترك.
صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
ولو تصرف المشتري في الشقص بالزرع فحكمه حكم المستعير في التبقية إلى أوان الحصاد، ولا يجب عليه هنا أجرة في الأصح، وبه جزم القاضي الحسين وغيره بخلاف المستعير فإن الأصح وجوب الأجرة عليه.
وقد حكى الإمام أن في كلام صاحب "التقريب" ما يدل على جريان مثله في حق المشتري، ثم قال وهو غير بعيد في القياس وإن كان بعيداً في الحكاية وصرح به المتولي.
فإن قيل: الشفعة إنما تثبت على المذهب في الملك المشاع حالة البيع، وغرس المشتري وبناؤه إن كان بعد المقاسمة فهي مبطلة للشفعة؛ إذ التفريع على أنها على الفور، [أو يكون] ذلك رضا بالشركة.
وإن كان قبل المقاسمة بإذن الشفيع، فكذلك الحكم، وإن كان بغير إذنه فالمشتري عرق ظالم، فيقلع بناؤه وغراسه مجاناً، وحينئذ فالمتلخص أحد أمرين: