كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 312-351
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 312-351
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وقال الماوردي: لعلها طريقة أبي الطيب بن سلمة وأبي حفص بن الوكيل.
والطريق الخامس: حكاه أبو الفرج السرخسي في أماليه عن ابن سريج: أنه [إن جرى] بينهما عقد، فليس إلا التحالف؛ كسائر الاختلافات في بقية المعاوضات.
وإن لم يجر فالخياط لا يدعي الأجرة، وإنما النزاع في الأرش، ففيه القولان المذكوران في الطريقة الثالثة.
التفريع: إن قلنا بظاهر المذهب، وهو التحالف فلا تخفى كيفيته مما تقدم في البيع، والمالك هنا في رتبة البائع ثم والحكم بعد جريانه مذكور في الكتاب.
قال: ولا يستحق الخياط الأجرة؛ لأن التحالف يوجب رفع العقد، فتصير كأن لا عقد، وحينئذ فلا أجرة؛ لأن العمل غير مأذون فيه.
فعلى هذا: إن كان الخيط من نفس الثوب، لم ينزع وإن كان من الخياط، فله نزعه، وإن بذل له رب الثوب قيمته، لم يلزمه القبول.
ولو قال: أنا أشد خيطي في طرف خيطك حتى إذا جررت خيطك دخل خيطي مكانه- لم يلزمه ذلك أيضاً.
وهكذا الحكم في كل موضع قلنا: لا يستحق الأجرة.
قال: وهل يلزمه أي الخياط أرش النقص؟ فيه قولان: أي منصوصان في [الإملاء]: أحدهما: يلزمه؛ لأنهما إذا تحالفا فكأن لا عقد و [لو] لم يتعاقدا وقطع لزمه الأرش، فكذلك هاهنا.

والثاني: لا يلزمه؛ لأنه نفى بيمينه ما ادعي عليه من العدوان؛ فوجب أن يعمل بموجبها كيمين صاحب الثوب في نفي الأجرة.
وأيضاً: فإنه لو لم يحلف لكان لا يلزمه إلا أرش النقص، فلا بد وأن يكون ليمينه فائدة؛ وهذا ما رآه المزني في الجامع الكبير، وهو الأصح، وبه جزم الماوردي، والقاضي الحسين.
ثم على الأول، فيما يغرمه من الأرش ثلاثة أقوال حكاه الماوردي: أحدها: ما بين قيمة الثوب صحيحاً ومقطوعاً قميصاً لأنه أثبت بيمينه: أنه لم يأذن في هذا القطع، وقد اختار هذا أبو إسحاق وصححه الإمام.
والثاني: ما بين قيمته مقطوعاً قباء ومقطوعاً قميصاً، فيقال: كم قيمة الثوب صحيحاً؟ فإذا قيل: عشرون، قيل: وكم قيمته مقطوعاً قباء؟ فإذا قيل: خمسة عشر، قيل: وكم قيمته مقطوعاً قميصاً؟ فإذا قيل: ثلاثة عشر؛ لزمه درهمان.
فلو خرجت القيمتان متساويتين، فلا شيء عليه.
ووجه هذا: أن أصل القطع مأذون فيه، وإنما تعدى بالزيادة.
قال الإمام: وهذان القولان محلهما إذا جرى ابتداء القطع على حسب الإذن، ثم ترتب عليه قطع يخالف الإذن، أما إذا كان القطع المنفي باليمين على وجه لا يترتب شيء منه على جنس القطع المأمور به، فيجب القطع بإيجاب إتمام الضمان.
وقد حكى الشيخ أبو محمد هذين القولين وجهين، وبناهما على أصلين: أحدهما: القولان فيما إذا اكترى أرضاً ليزرعها حنطة، فزرعها ذرة- ففي قول: عليه أجرة المثل؛ نظراً إلى أن ابتداء الفعل عدوان، وفي قول: يغرم تفاوت ما بين الزرعين.
والأصل الثاني: الخلاف في أن الوكيل إذا باع بالغبن الفاحش كم يغرم: هل جميع قدر الغبن أو يحط عنه ما يتغابن بمثله؛ لأنه كالمأذون فيه؟ ولم يرتض الإمام البناء على الأصل الأخير.
والقول الثالث: أن ما يصلح من القميص للقباء لا يلزمه ضمانه، وما لا يصلح [له] يلزمه ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً؛ وهذا ما اختاره ابن أبي هريرة وأدرجه الروياني في البحر في القول الثاني.

ثم إذا قلنا: إنه يغرم تفاوت ما بين القطعين، فهل يستحق الأجرة للقدر الذي يصلح للقباء من القطع؟ فيه وجهان عن ابن أبي هريرة: أحدهما: نعم، وبه أجاب في التهذيب، وضعفه ابن الصباغ؛ لأنه لم يقطعه للقباء، وإن قلنا: إن القول قول الخياط فلا بد من اليمين، وفي كيفيتها وجهان حكاهما الماوردي: أحدهما- وهو ما حكاه ابن الصباغ والبندنيجي والإمام-: أنه يحلف إنه ما أذن له في قطعه قباء ولقد أذن له في قطعه قميصاً.
والثاني-: وهو قول الشيخ أبي حامد، وهو الذي صححه الماوردي-: أنه يحلف إنه أذن في قطعه قميصاً.
ثم إذا حلف فلا أرش عليه، وهل يستحق الأجرة؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو قول ابن أبي هريرة وطائفة، والأصح في تعليق البندنيجي والبحر-: نعم؛ عملاً بتصديقه.
فعلى هذا: أي أجرة يستحق؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره: أحدهما: الأجرة التي ادعاها- عملاً بما ذكرناه.
قال الإمام: وهذا الذي صرح به شيخي، وهو بعض ما ذكره الصيدلاني وغيره.
والثاني: أجرة المثل، وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب، والقاضي الحسين، والبندنيجي.
وفي الذخائر: أن هذا إذا كان دون ما ادعى: أنه المسمى، أما إذا كان المسىم أقل، فلا يجب سواه؛ وهو مستنبط من كلام الإمام.
وعلى هذا القول: على الخياط تسليم الثوب مخيطاً؛ لأن الخيوط إن كانت لرب الثوب؛ فهو أحق بها، وإن كانت للخياط؛ فقد صارت تابعة لعمله.
والأظهر في الرافعي، وبه قال أبو إسحاق وأبو علي الطبري: أنه لا يستحق الأجرة؛ لأنه في الأجرة مدع؛ فيكون القول قول المنكر، وفائدة اليمين: دفع الغرم عن نفسه.
فعلى هذا: للخياط أخذ الخيط إن كان ملكه، وهو منتفع به، كما قيده الإمام، وعليه ضمان ما نقص من الثوب بأخذه؛ كما إذا صبغ ثوب الغير بصبغ من عنده، ثم نزعه.

فعلى هذا: له أن يعرض اليمين على المالك، فإن حلف انتهت الخصومة، وإن نكل فوجهان: أحدهما: تثبت له الأجرة بالنكول مع اليمين السابقة، وبه قال القاضي الحسين.
والثاني: لا بد من الحلف ثانياً؛ حكاه مجلي.
فإن قلنا: إن القول قول المالك مع يمينه؛ ففي كيفيتها وجهان فيالحاوي: أحدهما: أنه يحلف بالله ما أمره بقطعه قميصاً نفياً لما ادعاه الخياط، ولا يحلف لإثبات ما ادعاه من إذنه في القطع قباء، وهذا ما أبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه.
والثاني: أنه يحلف على النفي والإثبات، فيقول: والله ما أمرته بقطعه قميصاً ولقد أمرته بقطعه قباء.
قال: وهذا غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يكون عند التحالف وإذا حلف قال ابن الصباغ: وجب الغرم على الخياط وجهاً واحداً، والفرق بين الغرم والأجرة الواجبة بيمين الخياط: أن الأجرة إنما تجب له بثبوت الإذن في قطعه قباء، وذلك يثبت بيمينه، وفي مسألتنا الغرم وجب بالقطع، وإنما يثبت باليمين عدم الإذن في قطعه.
ثم في قدر الغرم الأقوال السابقة.
وحكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهين كما في وجوب الأجرة، ولا خلاف في أن اختلاف المتعاقدين في الأجرة أو في المدة أو في قدر المنفعة بأن قال المكري: أكريتها إلى خمسة فراسخ، فقال: بل إلى عشرة، أو في قدر المستأجر بأن قال: أكريتك هذا البيت من هذه الدار، فقال: بل جميع الدار- يوجب التحالف كما في البيع، وإذا تحالفا فسخ العقد، وعلى المستأجر أجرة المثل؛ لما استوفاه.
فرع: لو قال للخياط: إن كان يكفيني هذا الثوب قباء فاقطعه، فقطعه فلم يكفه- ضمن الأرش؛ لأن الإذن مشروط بشيء ولم يوجد، ولو قال: هل يكفيني قباء؟ فقال: نعم، فقال: اقطعه فقطعه- لم يضمن لأن الإذن مطلق.
فرع: لو أتى الخياط لرب الثوب بثوب، فقال: هذا ثوبك، فقال: بل غيره، قال البندنيجي: القول قول الأجير.
وهكذا الحكم في كل الأجراء، فإذا حلف، فقد اعترف بثوب لرب الثوب، وهو لا يدعيه.
تنبيه: القباء ممدود، وجمعه: أقبية، وتقبيت القباء: لبسته.

قال الجواليقي: [قيل]: هو فارسي معرب.
وقيل: عربي مشتق من القبو، وهو الضم والجمع.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به.
يجوز الاستئجار لحفر الآبار مقدراً بالمدة؛ بأن يقول: تحفر لي شهراً، وبالعمل؛ بأن يذكر الطول العرض والعمق ويعين الموضع، وإذا وقع ذلك وجب على الأجير إخراج التراب المحفور، وإن انهار شيء من جوانب البئر لم يلزمه إخراجه، وإذا انتهى إلى موضع صلب أو حجارة نظر: إن كان يعمل فيه المعول وجب حفره على أظهر الوجهين، وبه قال القاضي أبو الطيب.
والثاني: لا: وبه قال ابن الصباغ؛ لأنه خلاف ما اقتضته المشاهدة فيكون له فسخ العقد، وإن لم يعمل فيه المعول أو نبع الماء قبل أن ينتهي إلى القدر المشروط وتعذر الحفر انفسخ العقد في الباقي، ولا ينفسخ [فيما مضى] على أصح الطريقين فتوزع الأجرة المسماة على ما عمل وما بقي، وإذا استأجر لحفر قبر وجب بيان طوله وعمقه وموضعه وإذا وضع الميت في القبر لا يجب على الأجير رد التراب عليه.
[ولو] استأجر لضرب لبن قدر بالزمان أو العمل، وإذا قدر به بين العدد والقالب وإن كان القالب معروفاً فذاك وإلا بين طوله وعرضه وسمكه، وعن القاضي أبي الطيب: الاكتفاء بمشاهدة القالب، ويجب بيان الموضع الذي يضرب فيه [اللبن]؛ لاختلافه بقرب الماء وبعده، ولا يجب عليه [بعد الضرب إقامته حتى يجف، ولو استأجر لطبخ اللبن فطبخه لم يجب عليه] إخراجه من الأتون.
وإذا استأجر للرعي وجب بيان المدة وجنس الحيوان، ثم يجوز على قطيع معين ويجوز في الذمة، وحينئذ فأظهر الوجهين في المهذب: أنه يجب بيان العدد.
والثاني- وبه أجاب ابن الصباغ والقاضي الروياني-: أنه لا يجب ويحمل على ما جرت العادة بأن يرعاه الواحد.
قال الروياني: وهو مائة رأس من الغنم على التقريب، فإن توالدت قال ابن الصباغ: لا يلزمه رعى أولادها إن ورد العقد

على أعيانها، وإن كان على الذمة وجب.
وإذا استأجر الوراق للكتابة جاز وعلى من يكون الحبر؟ فيه ثلاثة طرق أشبهها: أن الرجوع فيه إلى العادة فإن اضطربت وجب البيان وإلا فيبطل، وأشهرها: القطع بأنه لا يجب على الوراق؛ لأن الأعيان لا تستحق بالإجارة.
والثالث: أنه على الخلاف في أن اللبن يتبع في الاستئجار [على الحضانة] أم لا؟ فإن أوجبناه على الوراق فهو كاللبن في حق الرضاع لا يجب تقديره، ولو صرح باشتراطه عليه كان كما لو صرح بالرضاع والحضانة، وإن لم يوجبه عليه فشرط عليه فسد العقد وإن لم يكن معلوماً، وإن كان معلوماً ففيه طريقان: أحدهما: القطع بالصحة؛ لأن المقصود الكتابة والحبر تبع.
والثاني: أنه شراء أو استئجار.
وإذا استأجر الخياط والصباغ وملقح النخل والكحال فالقول في الخيط والصبغ وطلع الفحال والكحل كما ذكرنا في الحبر.
وقال في البحر: إن الكحل إذا شرط أن يكون على الكحال فسد العقد.
وفيه وجه وفرق الإمام وشيخه بين الخيط والحبر والصبغ، [فقطعا في الخيط بأنه لا يجب على الخياط، وعلى ذلك جرى الغزالي وأورد في الحبر والصبغ] الطريق الثاني والثالث من الطرق الثلاثة التي أوردناها.
ويجوز الاستئجار للخروج إلى بلد السلطان ليتظلم للمستأجر، ويعرض حاله في المظالم، ويسعى في أمره عند من يحتاج، مع التقيد بالمدة، وإن كان في ذلك نوع جهالة كما لو استأجره يوماً ليخاصم عنه غرماءه، ولو بدا للمستأجر فله أن يستعمله فيما ضرره مثل ذلك.
وإذا استأجر للخبز وجب بيان الأقراص وغلظها ورقها، وأنه يخبز في تنور [أو فرن] وآلات الخبز على الأجير إن كانت الإجارة في الذمة، وإلا فعلى المستأجر، وليس على الأجير إلا تسليمه نفسه، والقول فيمن عليه الحطب كما في الحبر في الوراق.
وإذا اكترى دابة [ليحمل عليها [كذا منا] ويركبها فحمل عليها

وركب] وأخذ في السير فأراد المكري أن يعلق عليها مخلاة أو سفرة إما من قدام القتب أو من خلفه أو أن يردفه رديفاً- كان للمستأجر منعه.
وإذا استأجر من يكتب له صكاً على هذا البياض فكتبه خطأ قال في الفتاوى: عليه نقصان الكاغد، وكذا لو أمره أن يكتب بالعربية فكتب بالعجمية أو بالعكس.
ولو اكترى دابة ليحمل عليها حطباً من موضع كذا إلى دارة يوماً إلى الليل فركبها في عوده فعطبت- ضمن؛ لأنه استأجرها للحمل لا للركوب، وقيل: لا يضمن للعرف، ولو اكترى دابة شهراً ليقضي عليها الحقوق، ويشيع عليها الموتى قاله في البحر: لا يجوز.
وكذا لو استأجر شيئاً في أول النهار؛ ليرده بالعشي لم يجز؛ لأنه لا يعرف، وفيه وجه آخر: أنه يجوز ويرده بعد الزوال.
قال القاضي الحسين: وإذا اكترى دابة ليركبها إلى موضع كذا ويشتري الحنطة هناك ويحملها عليها إلى بلد العقد- لم يجز؛ لأن شراء الحنطة لا يتفق في الحال فربما يتراخى إلى يوم أو يومين؛ فيجهل المدة.
وفي الرافعي: أنه إذا اكترى دابة إلى بلد ليعود عليها راكباً فله أن يجاوز ذلك البلد؛ لأنه يستحق أن يقطع قدر تلك المسافة ذهاباً وإياباً، ثم إن قدر في هذه الإجارة مدة مقامه في المقصد فذاك، وإلا فإن لم يزد على مدة المسافرين انتفع بها في الإياب، وإن زاد حسبت عليه الزيادة.
والذي ذكره الإمام: أن العادة إن كانت فيمن انتهى إلى ذلك البلد لا يرجع على فوره بل يبيت ثم يصبح، فإذا بات لا يحسب عليه وقت المبيت من المدة وإن كانت العادة [به] جارية بأن ينقلب على فوره، فإن أقام على خلاف المعهود حسب ذلك عليه من مدة إيابه، ولو اضطربت العادة فالأصح حمل مطلق العقد على الانقلاب على البدار، ومن أصحابنا من زعم أنه متى لم يبين بطل العقد، ولو خرج بالدابة في وقت الأمن ثم حدث خوف في الطريق، فإن سار فيه وضاعت الدابة ضمن، وإن [مكث] في ذلك المكان؛ احتياطاً للدابة قال الإمام:

كان في حكم المودع المؤتمن في تلك المدة؛ يعني: لا تحسب عليه، وإن استأجر وفي الطريق خوف ثم رجع وذلك الخوف قائم فماتت الدابة فلا ضمان عليه؛ لأن الحرص في العقد جرى مع العلم بالخوف القائم فيضمن الرضا [به].
ولو استأجر طاحونتين متقابلتين [ثم نقص] الماء وبقي ما يدير به إحداهما ولم يفسخ- قال العبادي: يلزمه أجرة أكثرهما ولو دفع غزلاً إلى نساج واستأجره لينسجه ثوباً طوله عشرة في عرض معلوم فجاء بالثوب وطوله أحد عشر لا يستحق شيئاً من الأجرة.
قال المتولي: لأنه في آخر الطاقة الأولى من الغزل صار مخالفاً لأمره، فإذا بلغ طولها عشرة كان من حقه أن يعطفها ليعود إلى الموضع الذي بدأ منه، فإذا لم يفعل وقع ذلك وما بعده في غير الموضع المأمور، وإن جاء به وطوله تسعة فإن كان طول السدى عشرة استحق من الأجرة بقدره، لأنه لو أراد أن ينسج عشرة لتمكن منه، وإن كان طوله تسعة لم يستحق شيئاً لمخالفته في الطاقة الأولى فلو كان الغزل المدفوع إليه مسدَّى واستأجره كما ذكرناه، ودفع إليه من اللحمة ما يحتاج إليه، فجاء به أطول في العرض المشروط- لم يستحق للزيادة شيئاً، وإن جاء به أقصر في العرض فإن كان أنقص نظر.
إن كان ذلك لمجاوزته القدر المشروط [من الصفاقة لم يستحق شيئاً من الأجرة؛ لأنه مفرط؛ لمخالفته أمره، وإن راعى المشروط] في صفة الثوب رقة وصفاقة فله الأجرة؛ لأن الخلل والحالة هذه من السدى، وإن كان أزيد فإن أخل بالصفاقة لم يستحق شيئاً [من الأجرة] وإلا استحق الأجرة بتمامها؛ لأنه زاده خيراً [إذا راعى الصفات المشروطة]، كذا قال المتولي هذا الفرع بجملته، والله أعلم.

باب الجعالة

الجعالة: بكسر الميم عن الجوهري، وبفتح الجيم عن الأزهري، والجعل بضم الجيم: ما يجعل للإنسان على عمل يحصله.
والأصل في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72]، وكان حمل البعير عندهم معلوماً كالوسق، وشرع من قبلنا إذا لم يرد في شرعنا ما يخالفه كان شرعاً.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن رهطاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم.
قال: فلدغ سيد ذلك الحي؛ فسعوا له بكل شيء لا ينفعه [شيء]، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا بكم؛ لعل أن يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم! فقال بعضهم: إن سيدنا لدغ فهل عند أحد منكم؟ يعني: رقية، فقال رجل من القوم: إني لأرقي، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا، ما أنا براقٍ حتى تجعلوا لي جعلاً، فجعلوا له قطيعاً من الشاء، فأتاه فقرأ عليه بأم الكتاب، وتفل حتى برأ كما أنشط من عقال؛ فأوفاهم جعله الذي صالحوه عليه، فقال: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنستأمره؛ فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةُ؟! " أَحْسَنْتُمْ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه.
ولأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك في رد ضالة وآبق؛ فجاز كالمضاربة.

قال: وهو أن يجعل، أي: المطلق التصرف، لمن عمل له عملاً، أي: يجوز بذل الأجرة في مقابلته على الجملة عوضاً، فيقول: من بنى لي حائطاً، أو: رد لي آبقاً- فله كذا؛ فإذا عمل [له] ذلك، أي: من سمع ذلك منه أو من غيره – كما ذكره القاضي الحسين- استحق الجعل؛ لما ذكرناه مع قوله- عليه السلام-: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ".
ثم إن كان الجعل في الذمة فقد استقر، وإن كان معيناً وجب تسليمه؛ فلو تلف قبل إقباضه نظر: إن تلف قبل المطالبة كان فيما يرجع به قولان: أحدهما: قيمته.
والثاني: أجرة المثل.
وهما مبنيان على أنه مضمون ضمان يدٍ، أو ضمان عقد؛ كالقولين في الصداق.
قال الإمام عند الكلام في مسألة العلج: ووجه المشابهة: أن المنفعة في الجعالة فائتة بعد تسليم العمل على وجه يستحيل تداركها؛ كما أن البضع بعد الوطء في حكم الفائت.
وإن كان بعد الطلب، وامتنع من إقباضه متعدياً: فإن قلنا: إنه مضمون بالعقد، فقد قال القاضي الحسين: تلفه بعد الامتناع بمثابة إتلاف الجاعل نفسه؛ فيكون بمثابة ما لو أتلف البائع المبيع قبل القبض، وفيه قولان.
أما إذا عمل من لم يسمع قول المالك ومن يقوم مقامه فهو كما لو عمل قبل الإذن، وأبدى الشيخ أبو محمد تردداً فيما إذا رده من لم يسمع؛ طمعاً في حصول أجرة.
تنبيهات: أحدها: تمثيل الشيخ ببناء الحائط يدل على أن الجعالة تجوز حيث تجوز الإجارة، كما إذا قال: من رد عبدي الآبق من البصرة، أو: خاط لي هذا الثوب، ونحو ذلك.
وتمثيله برد الآبق يدلع لى جوازها فيما لم تجز الإجارة فيه، للجهالة [فيه].
وعلى المثال الأول ينطبق ما حكاه المزني عن الشافعي في "المنثور" أنه قال: [لو قال]: أول من يحج عني فله دينار، فحج عنه إنسان استحق الدينار،

ولكن المزني قال بعد ذلك: وكان ينبغي أن يستحق أجرة المثل؛ لأنه إجارة فلا يصح بغير تعيين.
وهذا منه يدل على اعتقاده [اختصاص] الجعالة بالمجهول الذي لا يتقدر بحيث تجوز الإجارة عليه؛ كما في المضاربة، والأكثرون على ما حكاه الشيخ، ونسبوا المزني إلى الغلط.
وقد أبدى الغزالي في هذا الباب مذهب المزني احتمالاً، وحكاه الإمام عن بعض الأصحاب فقال: إنه الأصح.
وإليه أشار في "الوسيط" في كتاب الحج، بقوله بعد حكاية ما نقله المزني عن الشافعي: وأشار بعض الأصحاب إلى تزييفه.
فعلى هذا: لو عمل العامل ما وقع العقد عليه من بناء وخياطة وحج ونحو ذلك، استحق أجرة المثل؛ لوجود الإذن، وفيه وجه: أنه يفسد؛ لأنه ليس موجهاً نحو معين؛ [كما لو قال: وكلت كل من أراد بيع داري؛ فإنه لا يصح التوكيل].
الثاني: قول الشيخ: وهو أن يجعل لمن عمل له عملاً .. إلى آخره، فيه: [كما] لو قال: من رد عبد فلان الآبق فله [علي] كذا، فرده إنسان- لا يستحق عليه المسمى.
وقد يستدل له بأن العمل لم يقع له؛ فلم يصح كالإجارة، ويؤيده: أنه لا يجوز لأحد بهذا القول وضع يده على الآبق؛ فكيف يستحق الأجرة؟ ولم أر هذا منقولاً، بل المجزوم به في "الرافعي" و"الحاوي": أنه يستحق عليه؛ لالتزامه، وليس كما [إذا] التزم [الثمن] في بيع غيره، والثواب على هبة غيره؛ لأنه عوض تمليك فلا يتصور رجوعه به على غير من حصل له الملك، والجعل ليس عوض تمليك، وهذا نازع إلى أن العوض في يد الجاعل مضمون ضمان يد، وقد ذكرنا على قول أنه مضمون ضمان عقد؛ فيتأيد به ما يفهم من كلام الشيخ، ويقوم مقام قول المالك: من رد عبدي فله كذا؛ قول غيره بإذنه: قال فلان: من رد عبدي فله كذا؛ إذا كان القائل ممن يعتمد على قوله، ويستحق على الإذن الجعل دون القائل.
ولو قال ذلك بغير إذن فلا جعل على واحد منهما، وكذا لو قال من لا يعتمد على قوله.
ويقوم مقام، قوله: من رد عبدي فله كذا، قوله: إن رده إنسان، أو: إن رددت فلك كذا، أو: رده ولك كذا.

الثالث: قول الشيخ: فإذا عمل له ذلك استحق [عليه] الجعل، يعرفك أن القبول باللفظ لا يعتبر وهو كذلك فيما صوره الشيخ اتفاقاً، وكذا [فيما] لو كان الخطاب مع معين بأن قال: إن رددت عبدي فلك كذا؛ على المذب، ويكفي الإتيان بالعمل.
وقال الإمام في هذه الحالة: لا يمتنع أن يخرج على الخلاف في اشتراط القبول في الوكالة، ولا يمتنع مع ما ذكرناه الفرق: من جهة أن الوكالة لا تحتمل إبهام الوكيل المستعمل، والجعالة تحتمله؛ فإنه لو قال: أذنت لكل من أراد في بيع عبدي هذا، لم يصح التوكيل، ولو قال: من رد عبدي، صح، وذكر مجلي ما أبداه الإمام وجهاً في اعتبار القبول، وحكاه الإمام في باب المسابقة عن الأصحاب.
فرع: لو قال: من رد عبدي الآبق من البصرة في الشهر فله كذا، قال القاضي في "المجرد": فلا يجوز؛ لأنه يكثر بذلك الغرر وعلى ذلك جرى المتولي.
قال: ويجوز [أن يعقد] على عمل مجهول، أي: لا يمكن ضبطه كرد الآبق والضال ونحوه؛ للآية والخبر، ولأن الجهالة إذا احتملت في القراض؛ توصلاً إلى تحصيل الأرباح من غير اضطرار، فلأن تحتمل في الجعالة أولى؛ ولذلك تغتفر جهالة العامل وتعدده؛ لأن المعين والواحد قد لا يتمكن من تحصيل المقصود، ومن يتمكن منه قد لا يكون حاضراً، وإن كان حاضراً فقد لا يعرفه المالك، فإذا أطلق الاشتراط وشاع ذلك [بلغ] من يتمكن منه، [وأدى] إلى تحصيل الغرض؛ فاقتضت مصلحة العقد احتماله.
وكذا تجوز جهالة المردود بأن يقول: من رد أحد عبدي الآبقين فله كذا، وإذا رد أحدهما استحق، وإن كان أقل قيمة، كما صرح به القاضي [الحسين].
أما العمل المجهول الذي يسهل ضبطه فلا بد فيه من الضبط، فإذا قال: من يبني لي حائطاً، فلا بد من ذكر البناء، وطول الحائط، وسمكه وارتفاعه، وما ينبى به.
وكذا إذا قال: من خاط لي ثوباً، فلا بد من وصفه ووصف الخياطة.
قال: ولا يجوز إلا بعوض معلوم؛ لأن هذا العقد جوز للحاجة، ولا حاجة إلى احتمال

الجهالة في العوض، وأيضاً: فإنه لا يكاد يرغب أحد في العمل إذا لم يعلم بالجعل؛ فلا يحصل مقصود العقد.
قال ابن الصباغ: ولأنه يكون لازماً بوجود العمل فوجب كونه معلوماً، بخلاف العمل؛ فإنه لا يكون لازماً، فإن شرط جعلاً مجهولاً بأن قال: من رد آبقي فله ثوب أو دابة، أو: إن رددت فعليَّ أن أرضيك وأن أعطيك شيئاً، فرده- استحق أجرة المثل، وكذا لو جعل الجعل خمراً أو خنزيراً، ولو جعل الجعل سلب العبد أو ثيابه، قال المتولي: إن كان ذلك معلوماً أو وصفه بما يفيد العلم؛ فللراد المشروط، وإلا فله أجرة المثل.
قلت: وما أطلقه في حالة الوصف جواب على أن استقصاء الأوصاف على وجه يفيد الإحاطة بجميع المقاصد يقوم مقام الرؤية، وفيه خلاف في الجديد: فإن منعناه كان كالأجرة الغائبة، ولو جعل الجعل نصف العبد أو ربعه، فالجواب في "التتمة": الصحة، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: المنع، قال الرافعي: وهو قريب من استئجار المرضعة بجزء من الرضيع بعد الفطام.
قلت: ليس كذلك، فإن الأجرة إذا كانت معينة ملكت بالعقد، وإذا جعلت جزءاً من الرضيع بعد الفطام اقتضى عدم الملك في الحال، أو حصوله مؤجلاً والأول مخالف لوضع العقد، وكذا الثاني؛ فإن الأعيان المعينة لا تقبل التأجيل، وهاهنا الملك إنما يحصل بعد تمام العمل؛ فلا مخالفة لمقتضى العقد، ولا عمل يقع في مشترك؛ فلا وجه إلا الصحة إذا كان موضع العبد معروفاً، والعبد مرئياً، وإن لم يكن موضعه معروفاً، فيظهر أن يكون موضع الخلاف، وتكون مادته: أن الاعتبار في هذا العقد بحاله أو بحالة الرد، كما ذكرناه فيما لو تغير النقد.
ولو جعل الجعل ثوباً مغصوباً فقد أبدى الإمام فيه احتمالين: أحدهما: تخريجه على القولين فيما إذا جعل المغصوب صداقاً، حتى يرجع في قول إلى قيمة ما يقابل الجعل وهو أجرة المثل وفي قول: إلى قيمة المسمى.
والثاني: القطع بأجرة المثل؛ لأن العوض ركن في هذه المعاملة، بخلاف الصداق.
قال: ويجوز لهما الفسخ قبل العمل؛ لأنها شبيهة بالوصية من حيث إنها

تعليق استحقاق بشرط، والرجوع عن الوصية جائز؛ فكذلك هاهنا: ووجهه الإمام بأن انتهاءها غير معلوم، وما كان كذلك فثبوته على اللزوم بعيد كالقراض، بخلاف المساقاة والإجارة؛ فإن المقصود منهما مضبوط.
وهذا ظاهر فيما إذا كان العمل مجهولاً، أما إذا كان معلوماً كبناء حائط، وخياطة ثوب، فلا.
فرع: إذا رجع الجاعل مع علم المجعول له، ثم عمل- لا يستحق شيئاً.
ولو رجع ولم يعلم به العامل إلا بعد العمل، فسيأتي حكمه.
قال: وأما بعد الشروع في العمل فيجوز للعامل الرجوع فيه.
أي: ولا يستحق لما عمل شيئاً؛ لأنه أسقط حظ نفسه ولا فرق [في ذلك] بين أن يكون قد قطع بعض المسافة أو عمل بعض العمل ووقع مسلماً؛ كما إذا شرط الجعل في مقابلة تعليم القرآن لصغير حر، فعلمه بعضه أو غير مسلم.
نعم، لو شرط الجعل في مقابلة التعليم كما ذكرنا، فمات الصبي قبل تمام التعليم- استحق أجرة المثل، وكذا لو جعل على خياطة ثوب، فخاط بعضه، ثم تلف في يد المالك، أو في مقابلة بناء حائط، فبنى بعضه، ثم تعذر إتمامه كما قاله القاضي أبو الطيب ولو تلف [الثوب] قبل أن يصل إلى المالك، لم يستحق شيئاً كما صرح به ابن الصباغ.
وكذا قال الإمام في كتاب الخلع فيما إذا جعل له جعلاً في مقابلة رد ثلاثة أعبد، فرد واحداً: إنه يستحق حصته.
ولم يتعرض لقدرته على رد الباقي، ولا لعجزه عنه.
وظاهر كلامه يقتضي الاستحقاق، وإن لم يتعذر فإنه جعل ذلك أصلاً لاستحقاق الزوج الحصة فيما إذا قالت: طلقني ثلاثاً على ألف.
فطلق واحدة.
ولو كان شرط استحقاقه الحصة العجز عن رد الباقين، لم يجز جعل ذلك أصلاً لمسألة الطلاق.
ولا خلاف في أنه إذا هرب العبد في أثناء الطريق، أو بعد حضوره إلى باب دار مالكه، وقبل تسليمه إلى السيد أو من يقوم مقامه: أنه لا يستحق شيئاً من الجعل؛ لأنه لم يحصل شيئاً من المقصود.

فإن قيل: لو استأجر للحج عنه، فمات الأجير بعد ما فعل بعض الحج، استحق بقدر ما عمل على رأي، وإن لم يحصل شيئاً من المقصود.
فالجواب عنه- كما ذكره الأصحاب- من ثلاثة أوجه: أحدها: أن القصد بالحج الثواب، وقد حصل للمستأجر بما فعله الأجير ثواب، وهاهنا شرطه الرد، وما رد.
الثاني- وبه أجاب الشيخ أبو حامد-: أن الحج عقد لازم، بخلاف الجعالة.
والثالث- قاله ابن الصباغ-: أن العمل في الحج يقع مسلماً؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا جزءاً بجزء؛ فلهذا وجب بعض الأجرة كما لو استأجره لخياطة ثوب، فخاطه في ملكه.
وفي مسألتنا التسليم برد الآبق، فإذا لم يرده لم يستحق شيئاً، كما لو استأجره لقصارة ثوب، فقصر بعضه وتلف قبل تسليمه.
وضعف الأول: بأن القصد بالحج إسقاط الفرض ولم يحصل منه شيء، والثاني: بأنه منتقض بالإجارة على خياطة ثوب؛ فإنه إذا خاط بعضه وتلف قبل التسليم، لا يستحق شيئاً من الأجرة مع أن العقد لازم.
قلت: وما قاله منتقض- أيضاً- بما حكاه من أن الجعل لو كان في مقابلة تعليم صغير حر شيئاً من القرآن، فعلمه بعضه، ثم فسخ العقد- لا يستحق شيئاً من الجعل مع أن علمه وقع مسلماً.
فرع: إذا مات العامل المعين في رد الآبق في بعض الطريق، فإن رده وارثه إلى يد مالكه استحق من الجعل المعين بقسط عمل مورثه؛ لأن عمله لم يفت، ولا يستحق الوارث غيره، وإن لم يرده الوارث فالصحيح: أنه لا شيء بسبب عمل الميت.
وقال بعض أصحابنا: يستحق الوارث من الجعل المسمى بقدر ما عمله الميت؛ لأن تتمة العمل لم تفت باختياره، بخلاف الحي إذا ترك.
قال الماوردي: وهذا ليس بصحيح؛ فإن العبد لو مات لم يستحق العامل شيئاً.
قال: ولا يجوز لصاحب العمل إلا بعد أن يضمن للعامل أجرة ما عمل.
وهكذا لفظ القاضي الحسين وكثيرين؛ لأنه استهلك منفعته بشرط العوض فلزمه أجرته؛ كما لو فسخ المضاربة بعد الشروع في العمل.
ولفظ القاضي أبي الطيب في "تعليقه" وكذلك البندنيجي: لم يجز إلا أن يدفع إليه أجرة المثل في مقابلة ما

عمله.
وكأنهما أرادا بالدفع ما قاله الأولون؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29]، فإن المراد بالعطاء الإلزام لا نفس الدفع.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه [آخر]: أنه لا يستحق شيئاً؛ لأن عقد الجعالة جائز، وإنما يلزم الجعل فيه بعد الفراغ.
وفي "الوسيط" في كتاب السبق والرمي وجه: أنه لا ينفذ فسخه إذا كان ما يخص عمل العامل من المسمى يزيد على أجرة المثل، ووجه: أن الجاعل لو أضاف إلى ما شرط الجعل في مقابلته عملاً آخر- لا يجاب إليه، وفي وجه: يجاب ويثبت للعامل الخيار؛ فإن فسخ استحق [أجرة] المثل، بخلاف ما لو فسخ بلا سبب، ولا فرق على المذهب بين أن يكون ما صدر من العامل قطع بعض المسافة في الطلب، أو عمل بعض العمل في الحائط والثوب، كما صرح به ابن الصباغ وغيره.
قال الرافعي: وكما تنفسخ الجعالة بالفسخ تنفسخ بالموت، ولا شيء للعامل بما يعمل بعد موت المالك، ولو قطع بعض المسافة، ثم مات المالك، فرده إلى وارثه- استحق من المسمى بقدر ما عمل في حياته.
كذا ذكره أبو الفرج السرخسي، وهو موافق لما حكيناه من قبل عن "الحاوي"، لكن فيه في هذه المسألة: أنه يستحق تمام المسمى.
فرع: لو فسخ المالك العقد في غيبة العامل بعد الشروع في العمل، ولم يعلم المجعول له به، ثم تمم العمل.
قال المتولي: ذلك ينبني على القولين في عزل الوكيل قبل العلم.
وقال الإمام: لا يبعد تخريجه على ذلك، والظاهر: أن الجعالة تنفسخ في

مسألتنا؛ فإن مقتضاها الجواز وقبول الجهالة، وفي "الحاوي" أنه إذا قال: من جاء بعبدي فله دينار، ثم رجع – فعليه إعلان الرجوع كما أعلن البذل، فإن أسره ولم يعلنه، كان الناس فيه على حكم الإذن: فمن جاء به فله الدينار، وإن أعلنه فلا شيء لمن جاء به بعد الإعلان؛ سواء علم برجوعه أو لم يعلم إذا كان قد شرع في المجيء بعد الرجوع؛ لأن إعلان كل الناس برجوعه متعذر؛ فلم يلزمه في الرجوع أكثر من الإعلان والإشاعة.
ولو كان الجائي به شرع في حمله؛ فله الدينار ما لم يعلم بالرجوع، فأما إذا قال: يا زيد، إن جئتني بعبدي فلك دينار، ثم رجع السيد- فعليه إعلام زيد برجوعه ما لم يشرع في حمله؛ فإن لم يعلم فهو على حقه، سواء أعلن بالرجوع أم لا؛ لأن إعلام زيد بالرجوع غير متعذر، فلو شرع زيد في حمله، ثم أعلمه بالرجوع استحق زيد بقدر ما عمل.
قال: وإن اشترك جماعة في العمل اشتركوا في الجعل؛ لاشتراكهم في سبب الاستحقاق، ويقسم الجعل بينهم بالسوية وإن امتازوا في الأجرة؛ لأن العمل في أصله مجهول فلا يمكن رعاية مقداره في القسط.
قال الإمام: وليس يبعد عن قاعدة المذهب التوزيع على أقدار أجور أمثالهم؛ فإن الأجرة إنما تدفع إليهم عند إتمام العمل، وإذا تم فقد انضبط ما صدر من كل منهم.
فرع: لو قال لواحد: إن رددت عبدي فلك دينار، فرده غيره معه- نظر: إن قصد مساعدة العامل، استحق العامل تمام الدينار، وإلا فالذي يستحقه النصف.
ولو رده غيره لم يستحق إلا إذا كان عبده، كما ذكره القاضي [الحسين].
وقال الرافعي: إذا رده غيره بإذنه يتجه أن يتخرج على أن الوكيل هل يوكل.
ولو قال لواحد: إن رددت عبدي فلك دينار، ولآخر: إن رددته فلك ديناران، ولآخر: إن

رددته فلك ثلاثة دنانير، فردوه- استحق كل منهم ثلث ما شرطه له لو رده بجملته، هكذا نص عليه الشافعي، قال المسعودي: وهذا إن عمل كل واحد منهم لنفسه، أما إذا قال أحدهم: أعنت صاحبي وعملت لهما، فلا شيء له، ولكل [واحد] منهما نصف ما شرط له.
ولو قال اثنان: عملنا لصاحبنا، فلا شيء لهما، وله جميع ما شرط له.
قال: ومن عمل لغيره شيئاً من ذلك من غير شرط لم يستحق عليه الأجرة؛ أي: سواء كان ممن جرت عادته بفعل ذلك بأجرة أم لا؛ لأنه بذل المنفعة من غير عوض فلم يستحقه.
وهذا إذا عمله بغير الإذن، أو لم يسمع الإذن.
وهل يصير ضامناً للعبد الآبق بوضع يده عليه؟ قال الإمام: فيه الوجهان المذكوران في أخذ المال من الغاصب على قصد الرد إلى المالك، والصحيح منهما- على ما حكاه الرافعي عن كتاب [الفوراني في كتاب] اللقطة: الضمان.
أما إذا أذن له في العمل ولم يذكر له جعلاً، فهو على الخلاف الآتي في مسألة الغسال، صرح به الماوردي [وغيره].
قال: وإن قال العامل: شرطت لي عوضاً، فالقول قول المعمول له؛ لأن الأصل عدم الشرط وبراءة الذمة.
وكذا لو اختلفا في أن الجعل مشروط في رد هذا العبد أو غيره، أو [أن العامل عاد] بنفسه أو برد العامل- كان القول قول المالك، ولو اختلفا: هل سمع الراد النداء أم لا؟ فالقول قول الراد؛ قال الماوردي: لأن علمه بالشيء يرجع فيه إليه دون غيره.
قال: وإن اختلفا في قدره تحالفا؛ لأنهما اختلفا في قدر العوض المستحق فتحالفا؛ كما لو اختلفا في الأجرة في الإجارة، وتجب أجرة المثل.
قال: وإن أمر غسالاً بغسل ثوب ولم يسم له شيئاً، فغسله- لم يستحق الأجرة؛ لأن أقصى درجات المنفاع أن تكون كالأعيان.
ولو تقدم إلى خباز فقال: أطعمني من هذا الخبز، فأطعمه- لم يجب عليه ثمنه؛ فالأجرة من طريق الأولى، ولأنه لو قال: أسكني دارك شهراً، فأسكنه- لم يستحق عليه أجرة؛ فكذلك إذا

قال: اغسل ثوبي، فغسله.
وهذا ما نسبه الأكثرون إلى ابن سريج، وقال الإمام: إنه المنصوص، وعليه عامة الأصحاب.
وقيل: يستحق، أي: أجرة المثل لأن رب الثوب صار مستهلكاً لعمله في ملكه؛ فصار كالغاصب، وهذا قول المزني على ما حكاه الماوردي، وقال القاضي أبو الطيب: إنه نقله عن "الجامع الكبير"، والإمام حكاه عن بعض الأصحاب، وقال إن المزني اختاره.
ووراء ذلك وجهان: أحدهما- وبه قال أبو إسحاق المروزي-: إن كان رب الثوب سأل الغسال مبتدئاً، فقال: اغسل ثوبي هذا- فله الأجرة.
وإن كان الغسال طلبه مبتدئاً من ربه، فقال: أعطني ثوبك لأغسله- فلا أجرة [له].
والثاني- وبه قال ابن سريج كما حكاه الماوردي، والشيخ في "المهذب"، وصاحب "التهذيب"-: إن كان الغسال معروفاً بأنه يغسل بأجرة فله الأجرة، وإلا فلا [أجرة له].
وهذا ما أجاب به الغزالي في باب العارية، ونسبه إلى المزني، وكذلك الروياني.
قال الماوردي: والأول مذهب الشافعي، وما عداه فاسد بباذل الطعام ودافع الدار؛ حيث لم يقع الفرق بين أن يكون سائلاً أو مسئولاً، أو معروفاً بالمعاوضة أو غير معروف.
وقد أبدى الإمام في كتاب العارية لنفسه وجهاً خامساً، وهو أن يقال: إذا لم يكن معروفاً، ينظر فيه: فإن كان مثله لا يطلب على مثل هذا عوضاً فلا عوض، وإلا فيجب.
وإن هذا يناظر اختلاف المذهب في الهبة المطلقة واقتضائها الثواب كما سيأتي.
أما إذا سمى له شيئاً: فإن كان معلوماً استحقه، وإن كان مجهولاً استحق أجرة المثل وجهاً واحداً.
وهكذا إذا قال: اغسله وأنا أرضيك، كما قاله القاضي الحسين.
قال الماوردي وغيره: والوجوه الأربعة تجري في القصار والخياط والحلاق [والدلاك] في الحمام ونحوهم.

ولو نزل سفينة ملاح من غير إذنه، فحمله فيها إلى بلد- فله أجرة المثل؛ لأن الراكب صار مستهلكاً لمنفعة موضعه من السفينة على مالكها؛ فضمن الأجرة.
وهكذا لو دخل حماماً بغير إذن فعليه الأجرة.
وإن أخذ من ساق ماءً بغير طلب فعليه ثمنه.
ولو نزل السفينة بالإذن، ودخل الحمام بالإذن، وأخذ الماء [بطلب] – فعلى الخلاف، قاله الماوردي.
وفي الجزم باستحقاق الأجرة عند نزول السفينة نظر.
وكان يتجه أن يقال: إن سير الراكب السفينة فالحكم [كما] ذكر، وإن سيرها ربها فتكون كما لو وضع المتاع على دابة فسيرها مالكها؛ فإنه لا أجرة على صاحب المتاع، [ولا ضمان] كما صرح به القاضي الحسين والرافعي في باب الإجارة.
وقد جزم الإمام في خول الحمام بإيجاب قيمة الماء، وأنه قد يتجه إثبات المثل؛ فإنه من ذوات الأمثال، وأن أجرة منفعة الحمام واجبة؛ لأنه أتلفها، والمتلف عليه قيمة ما أتلف، وإن جرى الإتلاف بمشهد من المالك.
وإن كان كذلك، فما الظن والعرف جار بإلزام الأجرة؟ ومهما غلبت العادة ظهر وجوب اتباعها، ثم إن لم نوجب الأجرة للخياط والقصار، فالثوب أمانة في يده، وإلا فأجير مشترك.
وإذا أوجبنا في الحمام شيئاً فذلك في مقابلة ماذا؟ فيه وجهان: أحدهما: في مقابلة الماء، والحمامي متطوع بحفظ الثياب ومعير للسطل.
وأظهرهما: أنه أجرة الحمام والسطل والإزار وحفظ الثياب، وأما الماء فإنه غير مشضبوط حتى يقابل بعوض، وعلى هذا: فالسطل أمانة، والحمامي أجير مشترك في الثياب.
وعبارة صاحب "التهذيب" على الوجه الثاني: أن المأخوذ ثمن الماء وأجرة الحمام والسطل.
وعلى هذا يحصل فيه ثلاثة أوجه.
ولنختم الباب بفروع تتعلق به: ما يحصل في يد الراد يكون أمانة في يده إلى أن يرده، ثم لو رفع اليلد عن الدابة وخلاها في مضيعة فهو مقصر فيضمن، ونفقة العبد وعلف الدابة في مدة

الرد يجوز أن يكون على ما ذكر في مكري الجمال إذا هرب مالكها وخلاها عنده، ويجوز أن يقال: ذاك أمر أفضت إليه الضرورة، وهاهنا أثبت اليد عليه باختياره؛ فله كلف مؤنته.
وقد يؤيد هذا بالعادة، كذا ذكر ذلك الرافعي، وقال: إنه لم يقف عليه منقولاً.
ولفظ الماوردي: أنه إذا أنفق الجائي بالعبد من طعامه وشرابه كان متطوعاً.
إذا قال: من رد عبدي فله عشرة، ثم قال: من رد عبدي فله خمسة، أو بالعكس- فالاعتبار بالنداء الأخير، صرح به الماوردي وغيره.
وقال في "الوسيط": إذا لم يسمع العامل [النداء] الثاني، احتمل أن يقال: يرجع إلى أجرة المثل.
وهذا إذا كان الثاني قبل الشروع في العمل، أما إذا كان بعد الشروع، فالظاهر تأثيره في الرجوع إلى أجرة المثل؛ لأن النداء الأخير فسخ الأول، والفسخ في أثناء العمل يقتضي الرجوع إلى أجرة المثل.
إذا قال: بع هذا، أو: اعمل كذا ولك عشرة دراهم- قال الرافعي: ففي بعض التصانيف [أنه] إن كان العمل مضبوطاً مقدراً، فهو إجارة، وإن احتاج إلى ترددات غير مضبوطة.
قلت: وهذا غير ما ذكره الإمام في آخر باب الإجارة إذا قال لغيره: إن أخبرتني بخروج فلان من البلد فلك كذا، [فأخبره] – قال القفال في "فتاويه": إن كان له غرض في خروجه استحق، وإلا فلا.
وهذا يقتضي أن يكون صادقاً، قال الرافعي: وينبغي أن ينظر في أنه هل يناله تعب أم لا؟ إذا قال: إن رددت عبدي من البصرة فلك دينار، فأصابه بواسط فرده- كان له نصف دينار؛ لأنه وفى نصف العمل.
ولو قال: من رده إلي فله كذا، وكان في يد شخص حالة النداء، فرده- استحق إن كان في رده كلفة ومؤنة كالعبد الآبق، وإن لم يكن كالدراهم والدنانير فلا يستحق.
ولو جاء به من لم يسمع النداء، ثم سمعه قبل أن يدفعه إلى سيده، ثم دفعه- استحق.
قال الماوردي: لأن السامع للنداء لو أجابه من أقرب المواضع استحق؛ فكذا هذا.

قلت: وينبغي أن يفصل- كما قيل من قبل- بين أن يكون في رده بعد سماع النداء كلفة أم لا: فإن كانت وجب له الجعل، وإلا فلا.
ولو قال: من دلني على مالي فله كذا، فدله عليه من هو في يده- لم يستحق؛ لأن ذلك واجب عليه بالشرع فلا يأخذ في مقابلته جعلاً، بخلاف الرد، وبخلاف ما لو كان في يد غيره فدله عليه؛ لأن الغالب: أنه تلحقه مشقة في البحث عنه، والله أعلم.

باب المسابقة

المسابقة: مصدر "سابقته مسابقة"، ويطلق- كما قال القاضي الحسين- على المسابقة على الخيل، وعلى المسابقة بالسهم، إلا أن المسابقة على الخيل تختص بأن يقال لها: رهان، والمسابقة على السهام يقال لها: مناضلة ونضال.
والأصل في مشروعيتها- على الجملة- من الكتاب قوله- تعالى-: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: 17] فأخبر تعالى بذلك، ولم يعقبه بنكير؛ فكان شرعاً لنا وقال - تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]، والقوة الرمي؛ قال عقبة بن عامر: سمعت رسول الله صلى الله علي وسلم يقول: "أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ" قالها ثلاثاً.
ولا غناء في إعداد القسي والسهام مع الخرق وعدم العلم بكيفية الرماية، وكذا لا غناء في إعداد الخيل من غير معرفة بالفروسية؛ فالإعداد يشعر بالتوصل إلى ما لا غناء عنه في التعلم، وهو المسابقة.
ومن السنة: ما روى مسلم عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي قد أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية.
إلى مسجد بني زريق.
والحفياء: تمد وتقصر، ويقال: إن بينها وبين الثنية خمسة أميال أو ستة، وبين الثنية وبين مسجد بني زريق ميل.
وإضمار الخيل: أن تسمن، ثم تحبس في بيت، وتغطى بالجلال؛ لتعرق، ولا تعلف بعد ذلك إلا ما تتقوت به؛ لتضمر وتذهب رخاوتها؛ فتكون أقوى.
وروى سلمة بن الأكوع قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم مِنْ أَسْلَم

يتناضلون بالسيوف، فقال: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِياً".
قال ابن الصباغ: وأجمع المسلمون على جوازها على الجملة.
قال: المسابقة على عوض كالإجارة في أحد القولين.
هذا الفصل يتضمن أمرين: أحدهما: جواز دخول العوض فيها، ودليلة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رِهَانُ الْخَيْلِ طِلْقُ" أي: حلال.
وعن عثمان- رضي الله عنه- أنه قال له: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم، راهن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس له، فجاءت سابقة؛ فهش لذلك وأعجبه.
والرهن لا يكون إلا على عوض، ولأن في دخول المال في ذلك حثا على الاستعداد للجهاد.
والثاني: ما حكمهما بعد ذلك: فأحد القولين- وهو الصحيح-: أنها كالإجارة، والجامع: أنه عقد يشترط أن يكون المعقود عليه معلوماً من الجانبين.
فعلى هذا قال: تصح ممن تصح منه الإجارة، ولا يجوز فسها بعد لزومها، ولا الزيادة فيها، أي: في مسافة، أو عدد رشق، أو عوض، ولا الامتناع من إتمامها، وحكمها في [خيار المجلس وخيار الشرط] حكم الإجارة، ويجوز أخذ الرهن والضمين فيها، لأن هذه أحكام الإجارة.
ويجب على هذا الإتيان بالإيجاب والقبول، وهل يجوز الزيادة فيها قبل اللزوم؟ فيه الخلاف المذكور في إلحاق الزيادة بالعقد.
ولا يجب على أحد المتسابقين إذا كان هو الملتزم للمال تسليمه لصاحبه قبل السبق، واحتج القفال بهذا على أن المال لا يستحق إلا بالعمل؛ فخرج ضمانه على الخلاف في ضمان

ما لم يجب ولكن جرى سبب وجوبه.
والخلاف يجري في الرهن من طريق الأولى؛ لأن الضمان أوسع ثبوتاً.
وقد ذكر الفوراني وجهاً: أنه يجب دفع المال كالإجارة.
وقال الغزالي: إنه فاسد.
وسلك الإمام طريقاً في تصحيح الضمان والرهن مع القول بعدم وجوب تسليم العوض قبل السبق، فقال: لا يبعد أن يكون استحقاق السبق موقوفاً مراعى: فإذا سبق من شرط له السبق تبينا أنه استحق ذلك بالعدقن ويكون على هذا ضمان السبق كضمان العهدة، وهذه عهدة تقبل الرهن أيضاً؛ فإنها ستبدو على القرب؛ فليست كعهدة المبيع، ثم إنه ليس لمعرفتها غاية تنتظر.
وما أبداه الإمام احتمالاً من كون استحقاق السبق يكون موقوفاً على هذا القول، قد حكى مثله قولاً منصوصاً في ملك الأجير الأجرة في كتاب الزكاة، وحكاه الماوردي في كتب الإجارة.
قال: وكالجعالة في القول الآخر، والجامع: أنه عقد يبذل العوض فيه على ما لا يوثق به؛ فعلى هذا قال: فيجوز فسخها، أي: قبل الشروع، والزيادة فيها، أي: في العوض وإعداد السهام، والامتناع من إتمامها، ويفسخها متى شاء، أي: بعد الشروع، وإن كان لأحدهما فضل ولا يأخذ فيها الرهن والضمين؛ لأن هذه أحكام الجعالة.
وقيل: إذا كان لأحدهما فضل لم يجز للمفضول الفسخ، وإلا أفضى الأمر إلى ألا يسبق أحد أحداً؛ فإنه يفسخ إذا أحس بغلبة صاحبه؛ فعلى هذا: يكون العقد جائزاً ما لم يظهر فضل، فإذا ظهر لزم في حق المفضول.
وهذا الوجه- كما قال في "المهذب"- يجري في طلب الزيادة.
وقيل: يجوز أخذ الرهن والضمين فيها؛ كما قيل في الجعالة على النعت المذكور في بابيهما، ورتب الإمام الخلاف في الرهن على الضمان، فقال: إن جوزنا الضمان ففي الرهن وجهان.
وعلى هذا القول: لا يفتقر إلى القبول بالقول، وفيه وجه حكاه الإمام.
وقد اختلف الأًحاب في محل القولين في الأصل: فالذي حكاه في "المهذب"، والبندنيجي في كتاب الضمان والرهن، والقاضي

الحسين في كتاب الضمان: أن محلهما إذا كان المال من المتسابقين وبينهما محلل، أما إذا كان من أحدهما أو من غيرهما؛ كان جعالة قولاً واحداً.
قال الرافعي: والظاهر- وهو المذكور في "التهذيب"-: طرد القولين، وإن أخرجه أحدهما أو غيرهما، وهو الذي يقتضيه إطلاق الشيخ هنا، لكن إن كان المخرج للمال أحدهما أو أجنبياً فنقول: اللزوم مختص بالمعطى، أما الذي يغنم وقد لا يغرم شيئاً، فهو جائز من جهته، كذا قال في "التهذيب"، وبه قال الشيخ أبو محمد والأئمة، ويكون العقد جائزاً من أحد الطرفين لازماً من الآخر، ولا غرو في ذلك، فإن الرهن والكتابة كذلك.
وقيل: إن العقد لازم في حق من التزم المال إذا كان من المتسابقين، وفي حق من لا يغرم وقد يغنم: وهو المحلل إذا أخرجا السبق، أو أحدهما إذا كان المخرج للسبق غيرهما كما صرح به الإمام، وكأن باذل المال أراد أن يستفيد من عمل صاحبه في الركض؛ فهو كالمستأجر وصاحبه كالأجير.
واعلم أن ما ذكره الشيخ تفريعاً على القول الأول فيه منازعة من وجهين: أحدهما: أنه جزم بصحتها ممن تصح منه الإجارة، وهذا يشمل الرجل والمرأة، وقد قال الصيمري في "الإفصاح": إنه لا يجوز السبق والرمي من النساء؛ لأنهن لسن من أهل الحرب.
الثاني: أنه جزم بأنه لا يجوز الامتناع من إتمامها، وغيره فصل فقال: إن كانا متساويين من غير فضل فالأمر كذلك، وكذا إن كان أحدهما مفضولاً واحتمل أن يلحق الفاضل ويفضله، أما إذا لم يمكن ذلك فيجوز للفاضل الامتناع من الإتمام دون المفضول، وبهذا جزم الرافعي، وحكى في "الذخائر" وجهين في جواز امتناع الفاضل من الإتمام.
فروع: أحدها: إذا وقع عقد المسابقة في الصحة، وسلم المال في مرض الموت- فهو من رأس المال إن جعلناه إجارة، وإن جعلناه جعالة فوجهان.
ولو ابتدأ العقد في المرض، قال في "البحر": يحتمل أن يحسب العوض من الثلث، ويحتمل أن يبنى على اختلاف القولين.
الثاني: السبق يجوز أن يكون عندهما، ويجوز أن يكون عند عدل، فلو قال

أحدهما: نتركه عندنا، وقال الآخر: بل ندعه عند عدل- نظر: إن كان الملتزم ديناً أجيب الأول، وإن كان عيناً أجيب الثاني.
فلو اتفقا على إخراجه من اليد، وقال أحدهما: نضعه عند زيد، وقال الآخر: بل عند عمرو- اختار الحاكم أميناً، وهل يتعين أحد الأمينين المتنازع فيهام أو له أن يختار غيرهما؟ فيه وجهان.
الثالث: لو جمع بين بيع ومسابقة على عوض، فإن قلنا: إن المسابقة كالإجارة، خرج على القولين في الجمع بين بيع وإجارة، وإن قلنا: إنها كالجعالة؛ لم يصح؛ لأن الجمع بين معاملة لا تلزم وبيع يلزم في صفقة واحدة لا يمكن، كذا حكاه الرافعي عن الصيدلاني.
ويجوز ذلك، أي: العقد بعوض على الرمي بالنشاب والرماح والزانات، أي: المزاريق وما أشبهها من آلة الحرب، أي: كالنبال والمسلة والإبرة؛ لما روى الشافعي بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لاَ سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفِّ، أَوْ حَافِرٍ" وخرجه أبو داود والنسائي والترمذي أيضاً.

والسبق- بفتح الباء-: هو المال الذي يدفع للسابق على سبقه، ويسمى: الخطر، والندب، والفرع، والواجب، وبالتسكين: مصدر "سبق يسبق"، وقد وردت الرواية بهما لكن الأولى أثبت.
والنصال، قال في "الصحاح": نصل السهم والسيف والسكين والرمح والمزاريق.
وأراد صلى الله عليه وسلم بالخف: الإبل، وبالحافر: الخيل.
وفي "التهذيب" حكاية وجه: أن المسابقة بالعوض لا تجوز على الرمي بالرماح والزانات ونحوهما من آلة الحرب؛ لأنه قل ما يحتاج إلى الرمي بها في الحرب.
ومن صور الخلاف: رمي الحجارة باليلد وبالمقلاع والمنجنيق، وجزم في "المهذب" بالجواز في الرمي بالمقلاع، وهو الصحيح في الجميع في غيره.
ومن صور الخلاف: التردد بالسيوف والرماح، والأصح- وعليه نص في "الأم" ما حكاه أبو الطيب-: الجواز أيضاً، للخبر، ولأنه أعظم عدد القتال.
ولا خلاف في أنه لا يجوز على الرمي بالجلاهق.
تنبيه: النشاب: ما يرمى به عن القسي الفارسية، والنبل: ما يرمى به عن العربية، كذا حكاه الأزهري.
قال: ويجوز على الخيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]، ولخبر أبي هريرة، ولأنها المعتدة للقتال غالباً.
قال: والإبل؛ للخبر، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة يقال لها: العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها؛ فشق ذلك على المسلمين فقالوا:

يا رسول الله، سبقت العضباء! فقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: "إِنَّهُ حَقُّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ مِنْ هَذِهِ الْقَذِرَةِ شَيْءُ إِلَّا وَضَعَهُ" خرجه البخاري والنسائي.
ولأن العرب تقاتل عليها أشد قتال؛ فكانت كالخيل، وتخالف الغنيمة حيث لم يجعل للواحد من الإبل سهم كالفرس؛ لأن السهم منوط بزيادة المنفعة والفائدة، وما يتهيأ للخيل من الانعطاف والالتواء وسرعة الإقدام، لا تشاركها الإبل فيه، والقصد هنا ما فيه غناء وفائدة في القتال، والإبل كذلك.
قال: وفي الحمار والبغل قولان: وجه الجواز- وهو الذي رجحه الأكثرون-: عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أَوْ حَافِرِ".
قال الإمام: ومما يخطر للإنسان في إمكان قصد التعميم عدول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل والخيل إلى الخف والحافر.
ووجه المنع- وبه قال الإصطخري-: أنهما لا يصلحان للكر والفر في الحرب، ولا يقاتل عليهما غالباً.
وهذه طريقة ابن خيران، ووراءها طريقان أخريان: إحداهما: القطع بالجواز، وبها قال ابن الوكيل وأبو إسحاق.
والثانية: القطع بالمنع، وبها قال ابن سريج.
قال: وفي الفيل وجهان: وجه الجواز- وهو الأصح-: أنه أعتى من غيره في الحرب، ولأنه ذو خف؛ فيدخل في الخبر.
ووجه المنع أنه لا يسهل به الإقدام، ولا يحصل منه كر ولا فر، ولا يقاتل عليه غالباً؛ فلم يكن في معرض عموم الحاجة.
وقد روى بعضهم هذا الخلاف قولين.
قال: ولا يجوز على الأقدام، أي: على الجري على الأقدام، والزبازب والطيور في ظاهر المذهب؛ لخبر أبي هريرة وهذا هو الأصح، وقيل: يجوز

ذلك؛ لأنه يحتاج إليها في الحرب، وعلى هذا: هل يجوز في السباحة؟ فيه وجهان.
ووجه الفرق بينهما وبين الأقدام: أن الماء يؤثر في السباحة، والأرض لا تؤثر في السعي.
ولا تجوز المسابقة على مناطحة الكباش ومهارشة الديوك بعوض ولا بغيره؛ لأنه حرام.
[قال]: وفي الصراع وجهان: وجه الجواز: أنه صلى الله عليه وسلم صارع ركانة بن عبد يزيد على شاة، فصرعه، ثم عاد فصرعه، ثم عاد فصرعه.
ووجه المنع- وهو الأظهر-: ظاهر خبر أبي هريرة، وصراع ركانة كان الغرض منه أن يريد شدته ليسلم؛ ولهذا لما أسلم رد عليه غنمه.
فعلى الأول: هل يجوز على المشابكة باليد؟ فيه وجهان منقولان عن "الحاوي"، ولا خلاف في جواز هذه الأشياء بغير عوض.
تنبيه: الصراع: بضم الصاد، يقال: صارعته مصارعة، حكاه في "رفع التمويه".
قال: ولا يجوز المسابقة بين الجنسين: كالخيل والإبل، وكذا بين الخيل والبغال، والبغال والحمير، إذا جوزنا المسابقة عليهما؛ لأن المقصود منهما اختيار الأفراس، وهؤلاء التفاوت بينهما معلوم، وقال أبو إسحاق: إذا تقارب جنسان كالخيل والنجيب جاز.
قال: ويجوز على نوعين كالعربي والبرذون؛ لأن البرذدون في أول شوطه أجرى، وفي آخره ألين، والآخر بعكس؛ فربما تكافآ عند الغاية.
وقال أبو إسحاق: إن تفاوت نوعان كالعتيق والهجين من الخيل، أو النجيب والبختي من الإبل- لم يجز.
قال الرافعي: وهذا ينبغي أن يكون أرجح؛ لما سنذكره، وإن كان الجواز أشهر.

ولا نزاع في أنه لو كان الفرسان من نوع واحد، وكان كل منهما نجيباً [يمكن أن] يسبق الآخر- جاز إذا كان القتال عليه ممكناً.
ولو كان أحد الفرسين [ضعيفاً] يقطع بتخلفه، أو فارهاً يقطع بتقدمه- لم يجز.
ولو كان سبق أحدهما ممكناً على الندور، ففي الاكتفاء به للصحة وجهان، أقربهما في كلام الأصحاب: المنع؛ فإنه لا يقام للاحتمال النادر وزن، وهذا ما تمسك به الرافعي في تقوية مذهب أبي إسحاق، وقال: أي فرق بين أن يقع التخلف لأمر عارض أو لرداءة النوع؟ تنبيه: البرذون: هو الذي أبواه عجميان، والعتيق: أبواه عربيان، والهجين: أبوه عربي وأمه غير عربية، والمقرف- بضم الميم، وإسكان القاف، وكسر الراء، وبالفاء-: أبوه عجمي وأمه عربية.
ويكون ذلك في الناس والخيل.
قال: ولا يجوز إلا على فرسين معروفين؛ لتوقف المقصود على ذلك، وهو معرفة جوهرهما.
ولا نزاع في أن التعيين في ذلك كاف، وهل يكفيفيه الوصف؟ فيه وجهان: المعزي منهما للعراقيين- كما حكاه الإمام ورجحه-: الجواز أيضاً؛ لن الوصف والإحضار بعده يقومان مقام التعيين في عقد السلم وعقود الربا؛ فكذلك هاهنا.
وعلى هذا: فيجب أن يحضرا فرسين من نوع واحد.
والثاني- وبه قال الشيخ أبو محمد، وهو الذي صححه في "الوجيز"، وأجاب به الروياني-: المنع.
ولو جرت المسابقة مطلقاً، قال العراقيون: هو كما لو جرت على السهام مطلقاً.
قال: ولا تجوز إلا على مسافة معلومة الابتداء والانتهاء، أي: يمكن وصول الفرسين إليها غالباً؛ اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر منها من الثنية إلى مسجد بني زريق.
ولأنهما لو تسابقا [على] إجراء الفرسين إلى أن يسبق أحدهما من غير غاية؛ لم يؤمن ألا

يسبق أحدهما إلى أن يعطب؛ حرصاً على طلب المال، ويتعذر عليهما إقامة البينة على السبق.
وأيضاً: فإن فرس أحدهما قد يكون أكثر جرياً في الابتداء والآخر عكسه؛ فلا بد من غاية تجمع حالتيه، أما إذا كانت المسافة لا تنتهي إلى مثلها الأفراس غالباً، فلا يصح العقد.
ولو عينا غاية، وشرطا أن السبق إن اتفق في وسط الميدان كفى- ففي جوازه وجهان مبنيان على المعنيين: فعلى الأول يصح، وعلى الثاني لا [يصح]، وهو الأشبه.
ولو عينا غاية وقالا: إن اتفق السبق عندها فذاك، وإلا تعدينا إلى غاية أخرى، واتفقا عليها- فوجهان مرتبان، وأولى بالصحة.
قال: ولا يجوز إلا على عوض معلوم كالإجارة والجعالة، والعلم تارة يحصل بالمشاهدة إن كان معيناً، وتارة بالوصف إن كان في الذمة.
ويجوز أن يكون العوض حالاً ومؤجلاً.
ولو عقدا على مجهول أو خمر أو خنزير فسد العقد، وهل يستحق السابق أجرة المثل؟ فيه وجهان جاريان في كل صورة يفسد فيها عقد المسابقة والمناضلة: أحدهما- وبه قال أبو إسحاق وابن القاص-: أنه لا يستحق شيئاً على باذل المال؛ لأنه لم يعمل له شيئاً، وفائدته ترجع إليه.
وأصحهما- وبه قال أبو الطيب بن سلمة، واختاره الشيخ أبو محمد والقفال-: أنه يستحق؛ لأن المنفعة التي يستحق بها المسمى في العقد الصحيح لا تعرى عن العوض عند الفساد كما في الإجارة والقراض، والعمل قد لا يقع في القراض ومع ذلك يكون مضموناً.
فعلى هذا: لو كان الفساد بسبب آخر، وكان العوض لا يتعذر تقويمه- ففيما يرجع به طريقان حكاهما الإمام: أحدهما: في المسألة قولان كما في الصداق والخلع، ووجه الشبه: أن السبق ليس على حقائق الأعواض؛ فإن فائدة العمل للعامل؛ كما أن الصداق وبذل الخلع ليسا على حقائق الأعواض.

والثاني: القطع بالرجوع إلى أجرة المثل، وهذا هو الصحيح وإن ثبت الخلاف، لكن تعتبر أجرة المثل بالنظر إلى الزمان الذي اشتغل فيه بالرمي، أو ما يجري في المسابقة بالنسبة إلى تلك المسافة في عرف الناس غالباً؟ فيه وجهان: الأول منهما: عن أبي الطيب بن سلمة، قال ابن كج: وكأنه بناه على أن الحر إذا غصب على نفسه يستحق أجرة المثل لتلك المدة.
والثاني: عن أبي الحسين، قال الرافعي: وهو أقرب، مع أنه يمكن أن يقال: ليس للناس في هذا اعرف غالب يرجع إليه.
قال: ويجوز أن يكون العوض منهما ومن غيرهما، أي: ولو من بيت المال؛ لأنه إخراج مال لمصلحة الدين فجاز من الجميع كرباط الخيل في سبيل الله، وقد روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل، وجعل بينهما سبقاً.
فرع: إذا كان العوض منهما جاز أن يكونا متساويين فيه ومتفاضلين، وعن "الحاوي" والصيمري: أنه يجب أن يتساوى المالان.
قال: فإن أخرج أحدهما السبق على أن من سبق [منهما] أحرزه، جاز؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بحزبين من الأنصار يتناضلون [وقد] سبق أحدهما الآخر، فأقرهما على ذلك، ولأن المقصود من العقد يحصل بذلك مع خلوه عن القمار؛ فإن المخرج حريص على أن يسبق كي لا يغرم، والآخر حريص عليه؛ ليحوز السبق.
فرع: لو كان المخرج للمال يقطع بأنه سابق فهذه مسابقة على غير مال، وإن كان يقطع بأنه مسبوق؛ ففي صحة هذه المسابقة وجهان.
قال: وإن أخرجا السبق على أن من سبق منهما أخذ الجميع، لم يجز؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَهُمَا فَهُوَ قِمَارُ، وَإِنْ لَمْ يَامَنْ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ"، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قماراً عند

الأمن من سبق فرس المحلل فرسهما، فبأن يكون قماراً إذا لم يكن ثم محلل أولى، ولأن معنى القمار موجود فيه؛ فإن كل واحد منهما يرجو الغنم ويخاف الغرم.
قال: إلا أن يكون معهما محلل [وهو ثالث] على فرس كفيء لفرسيهما؛ لا يخرج شيئاً، أي: فيجوز؛ للخبر.
وذهب ابن خيران إلى منع هذه المسابقة، ووجهه: بأن كل واحد من المخرجين قد يغرم وقد يغنم لو جوزناه، وذلك قمار.
وقد حكى الإمام ما قاله ابن خيران قولاً، وجعل المسألة على قولين، وغيره حكى الخلاف وجهين وعبر عنه بأن المحلل يحلل لنفسه ولغيره، أو لنفسه فقط؟ وظاهر المذهب- وهو المنصوص: الأول؛ لما ذكرناه وهو الذي يأتي عليه التفريع.
وأما إذا لم يكن فرس المحلل كفئاً لفرسيهما: فإن قطع بأنه مسبوق فهو كما لو لم يكن؛ للخبر، وإن قطع بأنه سابق؛ ففي الصحة وجهان، والأصح: عدم الصحة.
تنبيه: الكفيء: بفتح الكاف وكسر الفاء، مهموز ممدود، وهو المكافئ المماثل للنظير، ويقال فيه: الكفء، والكفوء- بالضم والمد- على "فعول"، والمصدر: الكفاءة، بالفتح والمد.
قال: فإن سبقهما أحرز سبقهما بسبقه، وإن سبقاه أحرز كل واحد منهما سبقه؛ لعدم سبقه لهما وسبق أحدهما للآخر، وإن سبق أحدهما [مع]

المحلل أحرز سبق المتأخر لسبقهما.
وعلى مذهب ابن خيران: يفوز المحلل بالسبق.
وإن سبق أحدهما أخذ السبقين: أما سبق نفسه؛ فلأنه لم يسبق، وأما سبق الآخر؛ فلسبقه له.
وعلى مذهب ابن خيران: لا يأخذ سبق صاحبه.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المخرج للمال اثنين أو مائة والمحلل واحد، وهاهنا أصل آخر حكاه الإمام، وهو أنه: إذا أطلقنا شرط المال للسابق فاللفظ للسابق المطلق، أو يتناول من سبق غيره وإن كان مسبوقاً بغيره؟ وفيه اختلاف للأصحاب، والظاهر الأول، ويترتب على الأصلين خلاف في صورتين: إحداهما: إذا كانت الصورة كما ذكرها الشيخ، ثم جاء المحلل ثم أحد المستبقين، ثم الآخر- فالمحلل يحوز ما أخرجه المصلي بلا خلاف، وفيما أخرجه الفِسْكِل ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه للمحلل أيضاً؛ بناء على أن الاعتبار في السبق السابق المطلق.
والثاني: أنه للسابق والمصلي جميعاً؛ لأنهما سبقاه.
وأضعفها: أنه للمصلى وحده، ويجعل سابقاً للفسكل؛ كما جعل المحلل سابقاً للمصلي.
الثانية: لو سبق أحد المستبقين، ثم جاء المحلل، ثم جاء الثاني- فيحوز السابق ما أخرج، وأما ما أخرجه الثاني.
فإن قلنا بظاهر المذهب ففيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه للسابق؛ لأن المحلل مسبوق.
والثاني: أنه لو وللمحلل؛ لأنهما سبقاه.
والثالث: أنه للمحلل وحده.
وإن قلنا بمذهب ابن خيران فوجهان: أحدهما: أنه للمحلل.
والثاني: أنه يحوزه مخرجه، ولا يستحقه السابق ولا المحلل: أما السابق؛ فلأنا نفرع على أن المحلل لا يحل لغيره، وأما المحلل؛ فلأنه مسبوق مطلق.
فرع: ينبغي أن يجري فرس المحلل بين فرسي المتسابقين، فإن لم يتوسطهما وأجري من أحد الجانبين- جاز إذا تراضيا به؛ فلو رضي أحدهما بأن يعدل عن الوسط ولم يرض الآخر لزمه التوسط.
ولو رضيا بألا يتوسط، لكن قال أحدهما:

يكون على اليمين، وقال الآخر: بل على اليسار- لزم التوسط، [وليس كما] لو تنازع المتسابقان في اليمين واليسار؛ فإنه يقرع بينهما.
قال: وإن أخرج الإمام من بيت المال أو أحد الرعية من ماله السبق بين اثنين، وشرط أن من سبق منهما فهو له- جاز، أي: جاز من غير محلل؛ لانتفاء معنى القمار منهن وإلا فقد تقدم أنه يجوز أن يكون السبق من غير المتسابقين، وهو شامل للصورتين.
قال: فإن سبق أحدهما استحق؛ عملاً بالشرط، وإن جاءا معاً لم يستحقا؛ لفقد الشرط.
وإن شرط للسابق وللآخر أي: مثل أن قال: من جاء منكما أولاً فله درهم، ومن جاء آخراً فله درهم- لم يجز؛ لأن كل واحد منهما يعلم أنه يستحق فلا يجتهد؛ فلا يحصل المقصود الذي شرع له العقد، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب.
نعم لو شرط للسابق أكبر من الآخر كان فيه الخلاف الآتي من بعد.
قال: فإن كانوا ثلاثة فشرط لاثنين دون الثالث، أو أربعة، فشرط لثلاثة دون الرابع- جاز.
صورة المسألة الأولى: أن يقول: من جاء منكم مجلياً فله درهم، ومن جاء منكم مصلياً فله درهم، ومن جاء منكم فسكلاً فلا شيء [له].
وصورة الثانية: أن يقول: من جاء منكم مجلياً فله درهم، ومن جاء منكم مصلياً فله درهم، ومن جاء تالياً فله درهم، ومن جاء فسكلاً فلا شيء له.
وإنما جاز في هاتين الصورتين؛ لأن كل واحد منهم يجتهد حتى لا يكون فسكلاً.
وكلام الإمام يشير إلى خلاف فيهما، وأن الأصح الفساد؛ فإنه قال: لو شرط للمجلي وللمصلي، وفاضل المصلى- فالمذهب: أن ذلك باطل.
ولو سوى بين السابق والمصلي فهو في الترتيب كما لو فضل المصلي على السابق.
وكل ما ذكرناه فيه إذا اشتمل مكان التسابق- وهي المسمى: الحلبة- على فرسان السابق والمصلي وغيرهما؛ فلو كان يتسابق رجلان فالمصلي فسكل، ولا خلاف أنه لا يجوز تخصيص الفسكل بالسبق، وهذا غير المثالين اللذين ذكرهما الشيخ.

قال: وإن شرط للجميع وسى بينهم، أي: مثل: أن شرط لمن جاء فسكلاً درهماً- أيضاً- لم يجز؛ لما ذكرناه.
قال: وإن فاضل وجعل للسابق عشرة، وللمجلي تسعة، وللمصلي ثمانية- فقد قيل: يجوز؛ لأن كل واحد يجتهد أن يتقدم فيأخذ الأكثر، وهذا ما صححه ابن الصباغ، وجعله البندنيجي المذهب، وقال الإمام: إنه الذي قطع به معظم الأصحاب.
وقيل: لا يجوز؛ لأن كل واحد قطع بحصول شيء له؛ فلا يبالغ في الاجتهاد.
واعلم أن بعض الشارحين ناقش [الشيخ] فقال: قد جعل المجلي الثاني، والمصلي الثاني، وقد جاء في بعض النسخ تقديم المصلي على المجلي، والكل سهو؛ بل السابق هو: المجلي، والثاني هو المصلي، والثالث: التالي، والرابع: البارع، والخامس: المرتاح، والسادس: الحظي، والسابع: العاطف، والثامن: المؤمل، والتاسع: اللطيم، والعاشر: السكيت، والذي يجيء في آخر الكل: الفسكل، بكسر الفاء والكاف.
قلت: لا سهو في النسخ المذكورة؛ لأن صاحب "الذخائر" حكى أن أبا منصور عبد الملك الثعالبي قال في كتاب "فقه اللغة": كانت العرب تعد السوابق ثمانية، ولا تجعل لما جاوزها حظاً، أولها: السابق، ثم المجلي، ثم المصلي، ثم المقفي، ثم المؤمل، ثم البارع، ثم اللطيم.
وحكي عن الفراء: أنه ذكر في السوابق عشرة لم يحكها غيره، [وهي] السابق، [ثم المجلي]، ثم المصلي، ثم التالي، ثم المرتاح، ثم العاطف، ثم الحظي مخفف

الظاء- وقيل: ثم المؤمل- ثم اللطيم ثم السكيت بتخفيف الكاف، ثم يثقل.
فعلى ما حكاه أبو منصور عن المشهور، ينطبق كلام الشيخ.
وأما ما جاء في بعض النسخ من تقديم المصلي على المجلي فنقول: إن صح فالشيخ- رضي الله عنه- لم يعتبر الترتيب المعهود في كتب اللغة، ولكنه أراد أن يعرفك أنه إذا جعل للمتأخر أكثر من المتقدم هل يصح عقد المسابقة أم لا؟ وفيه خلاف مشهور في المذهب، كما هو مذكور فيما إذا شرط لجميع المتسابقين وفاضل بينهم حتى الفسكل، وهو جارٍ- أيضاً- فيما إذا شرط للمتاخر دون المتقدم، لكن الأصح في هاتين الصورتين: المنع، والأصح- كما ذكرناه- فيما إذا جعل الأكثر للسابق، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه: الجواز.
قال: وإن شرط- أي: المخرج- أنه إذا سبق أحدهما أطعم السبق أصحابه، لم تصح المسابقة على ظاهر المذهب، وهو الصحيح؛ لأنه تمليك شرط فيه ما يمنع المالك كمال التصرف؛ فإذا لم يصح الشرط بطل العقد؛ كما لو باعه [شيئاً] بشرط ألا يبيعه.
فعلى هذا: من سبق لا يستحق [المسمى] وهل يستحق على الشارط أجرة المثل؟ فيه الخلاف السابق.
والأصح في "تعليق" القاضي الحسين- وبه قال الأكثر الأصحاب-: الاستحقاق.
قال: وقيل: تصح، إلا أنه يسقط المسمى، ويجب عوض المثل؛ لأن المسابقة تصح بدون العوض، وثبوته فيها ليس على حقائق الأعواض، وقد اقترن به ما يفسده؛ فاقتصر الفساد عليه، كما نقول في الصداق والخلع.
قال: وقيل: تصح، ولا يستحق [شيئاً]، أي: تصح بالمسمى، ويلغى الشرط، ولا يستحق المشروط له الطعمة شيئاً، لأن الشرط لا يعود نفعه إلى المستبق، فلا يكون شرطاً، وإنما يكون وعداً، وهذا قول أبي إسحاق المروزي، وشبهه بما قاله الشافعي فيما إذا قال: أصدقتك ألفين على أن تعطي أباك ألفاً؛ فإن الصداق صحيح؛ لأنه شرط عليها ما لا يعود نفعه إليه.

وقد حكى الإمام عن صاحب "التقريب": أنه قال: كل شرط فاسد لو فرض طرحه لاستقل عقد المسابقة والمناضلة بإطلاقه، فهل يبطل العقد؟ فيه وجهان.
وكل ما لو صرح به لم يستقل العقد، فإذا فسد فلا بد من فساد العقد، وهو كما لو لم يذكر في المسابقة غاية ولا في المناضلة، أما إذا شرط المجعول له السبق الطعمة، قال القاضي الحسين: العقد صحيح؛ كما في البيع: إذا باع طعاماً، وشرط البائع على المشتري أن يطعم أصحابه لا يجوز، ولو شرط المشتري أن يطعم أصحابه لا يفسد العقد، وهذا كما قال الشافعي: لو عقد النكاح، وشرط ألا يطأها: لا يصح النكاح.
وقال في موضع آخر: يصح النكاح.
قال الربيع: المسألة على حالين: حيث قال: لا يصح، إذا شرطت المرأة على الزوج ألا يطأها.
وحيث قال: يصح، إذا شرط الزوج ألا يطأها؛ وذلك لأن الوطء حق الزوج.
وهذا مما استحسن من تخريجات الربيع.
انتهى.
واعلم أن بعض الشارحين لهذا [الكتاب] قال: إن القول الثاني غير موجود في مشاهير الكتب، وإن أقرب ما يؤول عليه كلام الشيخ أن يقال: عنى بقوله: لا يصح على ظاهر المذهب، أنه لا ينعقد على وجه يستحق به المسمى.
وعنى بقوله: وقيل يصح إلا أنه يسقط المسمى ويجب عوض المثل، أنه ينعقد فاسداً ولا يلغو؛ فيجب أجرة المثل.
وعنى بقوله: يصح ولا يستحق شيئاً، أنه لا يلغو بالكلية؛ من حيث إنه جعل لنفسه نفعاً، ولا يستحق شيئاً، لأنه لم يحصل لصاحبه نفعاً.
قال: والسبق في الخيل إذا استوت أعناقها- أي: في الطول والقصر والارتفاع والمد عند الجري- أن يسبق أحدهما بجزء من الرأس من الأذن وغيره؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ وَالسَّاعَةَ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ كَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْبِقَ الآخَرَ بِأُذُنِهِ"، فأثبت

النبي صلى الله عليه وسلم السبق بالأذن، وفي هذه الحالة متى وجد السبق بجزء من الرأس وجد السبق بالكاهل.
قال: وإن اختلفا في طول العنق، أو كان ذلك في الإبل- اعتبر السبق بالكاهل؛ كي لا يحصل السبق بزيادة الخلقة لا بجودة الجري.
وفي هذه هالحالة إن سبق القصير العنق بكل عنقه أو بعضه فهو السابق، وكذا إن سبق الطويل العنق القصير العنق بكل عنقه فهو السابق، وإن سبقه ببعضه: فإن كان بقدر الزيادة فلا سبق، وإن كان بأقل من الزيادة فالسابق القصير.
وهذه الطريقة المشهورة كتب العراقيين.
وحكى الإمام عن الأصحاب [ترددا] في أن السبق يعتبر بمقدم الرأس والعنق والهادي، أو بمواقع الأقدام، وأن بعضهم نسبه إلى المنصوص، وجعل في المسألة قولين، وأن العراقيين قالوا: إن كان عنق أحد الفرسين أطول فسبق بقدر الزيادة؛ فلا يكون سابقاً، وإن استوى العنقان في الطول فهو موضع الخلاف.
ثم قال: وفي ذلك إشكال؛ فإن الفرسين إذا استويا في طول الرقبة وقصرها، وكانا يمدان عنقهما في العدو- فالسابق بالرقبة يكون سابقاً بمواقع الأقدام لا محالة؛ فلا يبقى للتردد وجه، والوجه: حمل التردد على ما إذا كان الفرسان يتفاوتان في مد العنق عند العدو؛ فإن من الخيل ما يعتاد مد العنق في العدو، وذلك مما يستحسن، ومنها ما يكون شائلاً رأسه صعداً، وهذا غير محبوب في العدو، وإنما يؤثر ويستحب في السير والهملجة، وقد يصدم وجه الفارس إذا كان يستعمل سلاحاً في عدوه، وإذا كان كذلك؛ فلا نظر إلى [أقدار] الأعناق.
وإن كانا يمدان الأعناق، وقلنا: الاعتبار بالأقدام- فلا نظر إلى الأعناق.
وإن قلنا: الاعتبار بالأعناق فيتجه اعتبار التساوي في العنقين، وعلى هذا ينطبق ما حكاه الرافعي عن طريقة الصيدلاني والعمراني عن "العدة": أنه لو كان أحد الفرسين أطول عنقاً من الآخر، فسبق الآخر ببعض العنق، وسبقه الآخر ببعض الكاهل- فأيهما السابق؟ فيه وجهان، ووراء ذلك أوجه: أحدها: حكى الصيدلاني أن عند اختلاف العنق إذا سبق الأطول عنقاً ببعض عنقه- وكاهلهما سواء- عد ذلك سبقاً؛ لأن تقدير أعناق الخيل وضبطها عسير.
والثاني: أن التقدم ببعض العنق أو بالكاهل سبق؛ فلو تقدم أحدهما بأحدهما والآخر بالآخر فلا سبق.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل