كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 259-298
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 259-298
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أضاف العقد إلى نفسه، ولم يعقدالعقد على صيغة السفارة؟ فرع: الوكيل بالاستقراض [إن صرح بالسفارة]، لم يطالب، المطالب الموكل، وإن لم يصرح، بل نوى، وعلم [المقرض]: أنه وكيل، فهل يطالب؟ حكى الإمام في [باب] تعجيل الصدقة: أن من أصحابنا من قال: يطالبه؛ كما يطالب الوكيل بالشراء، [وهو ظاهر المذهب في الوكيل بالشراء].
ومنهم من قال: لا يطالب الوكيل بالاستقراض وإن طالب الوكيل بالشراء، والفرق: أن الوكيل [في الشراء] يقول: اشتريت، وهذه الكلمة في وضعها ملزمة؛ فيجب الجريان على موجبها، وأما الوكيل بالاستقراض، فلم يصد رمنه ما يقتضي الضمان.
فرع: قال الماوردي: أبو الطفل، وولي اليتيم إذا لم يذكرا في العقد اسم الطفل، كانا ضامنين للثمن، ولا يضه الطفل في ذمته وينقدان ذلك من ماله.
وإن ذكراه في العقد، لم يلزمهما ضمان الثمن، بخلاف الوكيل في أحد الوجهين.
والفرق: أن شراء الولي لازم للمولى عليه بغير إذنه، فلم يلزم [الولي] ضمانه، وشراء الوكيل يلزم بإذنه موكله، فلزم الوكيل ضمانه.
قال: وإن قال: بع بيعاً فاسداً، أي: مثل: أن قال: "بع إلى مقدم الحاج، وإدراك الزرع"، أو: بشرط ألاَّ نُسلِّم، ونحو ذلك.
قال: فباع بيعاً صحيحاً أو فاسداً- لم يصح: أما الفاسد؛ فلأن الشرع لم يأذن فيه.
وأما الصحيح؛ فلأن الموكل لم يأذن فيه.

ولأنه توكيل في بيع فاسد، فوجب ألاَّ يملك به الصحيح؛ أصله: [ما] إذا وكله في البيع بخمر، أو خنزير، أوميتة، فباع بالدراهم والدنانير.
قال: وإن قال: اشتر بهذا الدينار شاة -أي: موصوفة - فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما ديناراً - أي: بالصفة كما أمره به - كان الجميع له -أي: للوكل - لما روي أنه صلى الله عليه وسلم دفع إلى عروة بن الجعد البارقي ديناراً؛ ليبتاع به شاة، فاشترى شاتين، فلقيه رجل، فساومه في أحداهما، فباعها بدينار، ثم أتى النبي ومعه شاة ودينار، فحدثه الحديث فقال: "بارك الله لك في صفقة يمينك"، فكان بعد ذلك يخرج إلى كناسة الكوفة، فيربح الربح العظيم، وكان من أكثر أهل الكوفة مالاً.
فلما قبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك [دل] على جوازه؛ لأنه حصل له المقصود وزيادة؛ فصح للموكل؛ كما لو وكله في شراء شيء بعشرة، فاشتراه بخمسة، أو [في] بيع شيء بعشرة فباعه بخمسة عشر؛ وهذا هو الأصح في الطرق.
قال: وقيل: للوكيل شاة بنصف دينار، يعني: وللموكل كذلك.
ووجهه: أن الموكل إنما أذن في شراء شاة، فلا يملكه ما لم يأذن في شرائه، وينفذ في حق الوكيل؛ لتعلق أحكام العقد به.
و [أما] الحديث، فقد قيل: إنه مرسل؛ كما حكيناه عند بيع الفضولي؛ فلا حجة فيه، فإن صح - كما ذكر عبد الحق: أن البخاري خرّج عن شبيب ابن غرقدة.
قال: سمعت [الحي] يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ... وذكر الحديث - ففيه ما يستدل به لهذا القول؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أجاز بيع

عروة الشاة، فلولا أنه ملكها، لما صح بيعه؛ إذ انسان لا يملك [بيع] مال الغير بغير إذنه.
وأما القياس على جواز البيع بخمسة عشر عند الإذن في البيع بعشرة – فقد تقدم ذكر الفرق بينهما، وهو مانع من الإلحاق.
واعلم أن معظم الأصحاب قالوا على هذا القول: يكون الموكل بالخيار بين أن يأخذ الشاتين [بالدينار]، وبين أن يترك الشاة للوكيل، ويسترجع منه نصف دينار.
وحكوا ذلك عن نص الشافعي في الإجارات، وأن ابن سريج وجهه بأن انتازع ملك الغير بغير اختياره يجوز؛ لتعلقه بملكه ومشاركته له؛ [كما] في الشفعة، وهاهنا أولى؛ فإن الوكيل أضاف العقد إلى موكله؛ فإن محل هذا [القول إذا وقع العقد على ثمن في الذمة.
وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه: إنه لا وجه لهذا] القول عندي إلا أن يكون بناء على القول الذي حكى عن الشافعي في البيع الموقوف: أنه يجوز، وعلى ذلك جرى المتولي.

ولم يتعرض في المهذب لذكر ثبوت الخيار للموكل على هذا القول، بل أورد فيه ما أورده في [هذا] الكتاب، ولعله يرى أنه لا يثبت [[الخيار]؛ كما حكاه] الزبيلي في أدب القضاء [له] وجهاً خامساً.
وحكى في البحر: أن صاحب الإفصاح أورده احتمالاً؛ كمذهب أبي حنيفة، ووافق الشيخ [معظم الأصحاب] في أن محله إذا ورد العقد على ثمن في الذمة، [وقال يما إذا أورد على عين الدينار: إن ذلك ينبني على ما إذا اشترى في الذمة:] فإن قلنا: يقع العقد في الشاتين للموكل، فكذلك هاهنا، وإلا بطل في إحدى الشاتين، وصح في الأخرى للموكل.
وقال المتولي إذا بطل [العقد] في إحدى الشاتين، جرى في الأخرى [قولا] تفريق الصفقة، وإن الأصح منهما هاهنا البطلان؛ لأنه يؤدي إلى أن يتخير بينهما، وعندنا لو اشترى شاة من شاتين على أن يختار أحداهما – لا يصح العقد، قلت: وفيما قالوه نظر؛ فإن القاضي أبا الطيب حكى في تعليقه عن الشافعي: أنه ذكر في الإجازات: أن أحداهما تلزمه بنصف دينار، وهو بالخيار في الأخرى: إن شاء أمسكها بالنصف الآخر، وإن شاء ردَّها، ويرجع على الوكيل بنصف دينار.
وكذلك حكى الماوردي والمتولي النص بهذه العبارة، أو بما يقاربها، وإذا كان [هذا صورة] النص، لم يلزم منه أن يكون حاكماً بأن [للوكيل] شاة بنصف دينار؛ لأن رجوعه على الوكيل عند عدم الإجازة يجوز أن يكون لأجل أنه صرفه في ثمن ما بطل العقد فيه؛ لعدم الإذن فيه والإجازة؛ ولأجل

ذلك حسن من القاضي أن يقول: لا وجه [لهذا] عندي إلا أن يكون بناء على [أن] البيع الموقوف يجوز، لكن الذي حكاه ابن الصباغ والمحاملي والروياني وغيرهم عن الشافعي في الإجازات: انه قال: إذا أعطاه الدينار، وقال: اشتر به شاة، فاشترى شاتين، ففيهما قولان: أحدهما: ينتقل ملك الشاتين معاً إلى الموكل.
والثاني: ينتقل ملك إحداهما إلى الموكل، وملك الأخرى إلى الوكيل، ويكون الموكل فيها بالخيار: إن شاء أقرها على ملك وكيله، وإن شاء انتزعها.
وهذا صريح يما حكوه من أن للوكيل شاة بنصف دينار؛ وعلى هذا لا يحسن قول القاضي وغيره: إن هذا بناء على قول الوقف؛ لأنا على [قول] الوقف لا نحمك بالملك فيه للفضولي قبل الإجازة، والرد، وهاهنا قد حمك بأن الملك له.
وقد رأيت لمن تكلم على التنبيه: أن المراد بقولا لوقف هاهنا ليس الوقف على القديم، بل الوقف على الجديد، وهو ما إذا باع المفلس بعض ماله بعد الحجر عليه، وهو لا يُنجي من المناقشة.
ويلزم الأصحاب مما حكوه من صورة النص أن تكون صورة المسألة إذا وقع الشراء بعين الدينار، [وألا لم يقع العقد للموكل في شيء من الشاتين؛ لأن قوله: اشتر بهذا الدينار] شاة صريح في الشراء بالعين؛ كما صرح به الإمام فيما إذا دفع إلى إنسان دراهم، وقال له: اشتر لي بها طعاماً.
وقد تقرر: أنه لووكله في أن يشتري بالعين، فاشترى في الذمة – لا يصح العقد للموكل وفاقاً.
وقد حكوا أن محل الخلاف إذا وقع الشراء في الذمة، ويلزم عليه – أيضاً- أن يصح العقد على شاة من شاتين؛ كما استشكله المتولي [ومجلي].
وطريق الجواب عن الإلزام الأول علىصورة النص الذي حكاه الأكثرون: أن

يمنع أن قوله: اشتر بهذا الدينار شاة كقوله: اشتر بعينه، بل هو كما لو دفعه إليه، وقال: اشتر [بهذا الثمن شاة]، وقد حكينا: أن الأصح في هذه الحالة صحة الشراء بالعين وفي الذمة؛ فيكون هذا مؤكداً [له].
فإن قيل على مقابله: يلزم ألا يصح [للموكل العقد] في شيء من الشاتين –أيضاً- إذا وقع الشراء في الذمة.
قلنا: قد حكاه الإمام وجهاً، وأن العقد يلزم في حق الوكيل، وكذلك الزبيلي مع وجه آخر: أن العقد يبطل في الشاتين.
واعلم أن الجيلي حكى عن بعضهم: أنه أجرى الخلاف في مسألة الكتاب من غير فرق بين أن يرد العقد على العين أو الذمة، وكذلك هو في الإكمال فيما وقع في التنبيه من الإجمال.
وغالب الظن: أنهما نقلا ذلك عن البحر؛ فإنه ذكر مثل ذلك، لكنه حكى في البحر ذلك بعد أن حكى الخلاف فيما إذا ورد العقد على العين [في] أنه يصح في الجميع، أو يبطل في إحدى الشاتينن وأشار إلى جريان [هذا] الخلاف فيما إذا كان العقد على ما في الذمة؛ ففهم منه [أنه] الذي أورداه، ولا يكاد يصح ذلك؛ فإنه لا يتصور ان يصح الشراء لشخص بملك غيره من غير إذنه، والله أعلم.
فروع: أحدها: هل يجوز للوكيل بيع شاة من الشاتين والمحالة هذه؟ إذا قلنا بأنهما للموكل بغير إذنه؛ ففيه وجهان حخكاهما المحاملي وغيره من العراقيين، كما حكاهما المراوزة، وهما [مبنيان عند] الشيخ أبي حامد – كما حكاه البندنيجي والقاضي الحسين – على القولين فيما إذا غصب مالاً واتجر به.

والجديد منهما: أن تصرفه باطل.
والقديم: أن لرب المال الخيار بين أن يجيز البيع؛ فيكون كل الربح له، وبين أن يبطله، ويكون له بدل ماله.
ومقتضى هذا: أنا إذا صححنا بيع الوكيل، ثبت للموكل الخيار.
وقد تمسك القائل بالصحة بحديث عروة، والقائلون بالصحيح الذين سلموا صحة الحديث، قالوا: هذه واقعة حال، وعروة يحتمل أن يكون وكيلاً مطلقاً، بمعنى: أنه صلى الله عليه وسلم وكله في بيع ماله إذا رأى فيه المصلحة؛ كما صرح به المتولي.
ولا يقال: إنه صلى الله عليه وسلم إن كان قد وكله [في بيع ماله، فذلك محمول على الموجود، وهذا مال متجدد، وإن كان قد وكله] في بيع المتجدد، فهو تعليق للوكالة، وأنتم لا ترونه؛ فلا يحسن بكم هذا التأويل؛ لأنا نقول: بقي قسم ثالث، وه وأن يكون قد وكله في بيع الموجود وما يتجدد، ويجوز ذلك بطريق التبع؛ كما يجوز التوكيل في البيع، وقبض الثمن، والتصرف فيه وإن لم يملك الثمن بطريق التبعية، [وكذلك] الوقف يصح على الموجود من أولاده ومن سيوجد، [ولو أفرد] من سيوجد بالوقف [عليه]، لم يصح.
الثاني: لو اشترى الوكيل شاتين تسايو كل واحدة منهما دون الدينار، وتساويان أكثر من دينار، لم يصح العقد للموكل.
الثالث: لو كانت أحداهما تساوي ديناراً، والأخرى دونه، فقد حكى ابن الصباغ، والروياني، وغيرهما في صحة العقد عليهما للموكل- وجهين، وأن أقيسهما الصحة في الجميع للموكل، وجعله القاضي أبو الطيب المذهب.
قلت: وينبغي أن ينبني الخلاف فيها على مسألة الكتاب:

فإن قلنا فيها: لا يلزم الموكل إلا شاة، فهاهنا لايلزمه إلا التي قيمتها دينار، وتكون الأخرى للوكيل بنسبة قيمتها من الثمن.
وإن قلنا ثم: إن الشاتين للموكل، فهاهنا وجهان كالوجهين فيما لو قال: "بع بمائة" [فباع] بمائة وثوب؛ لأنها زيادة خير، لكنها بغير الصفة التي أذن فيها.
ثم على الصحيح فإذا جوزنا للوكيل بيع إحدى الشاتين، فإن باع التي قيمتها دينار – لم يصح؛ لأنه يفوت المقصود، وإن باع الأخرى – صح.
وحكم التوكيل في شراء عشرةأقفزة من الحنطة بدينار حكم التوكيل في [شراء] شاة بدينار، حتى إذا اشترى أحد عشر قفيزاً من النوع الذي ذكره بدينار، خرج على القولين؛ صرح به صاحب البحر.
قال: وإن وكَّله في بيع عبد، أو شارء عبد، لم يجز أن يعقد علىنصفه؛ لما في الشركة من الإضرار وهذا في جانب الشراء مطلقاً؛ حتى لو اشترى النصف الآخر، لم يقع العقد للموكل، وفيه وجه.
وفي جانب البيع مقيد بما إذا باع النصف بدون قيمة الكل، أما إذا باعه بقيمة الكل – صح اتفاقاً، كما صرح به في المهذب وغيره.
ولو وكله ببيع ثلاثة أعبد، فباع واحداً [منها] بدون قيمة الجميع – لم يصح، وإن كان بقيمتهم صح، وهل يبقى وكيلاً في بيع الباقيين؟ فيه وجهان في الطريقين ولو وكله في شراء عشرة أعبد، ملك أن يعقد عليهم صفقة واحدة،

وأن يعقد على واحد واحد.
وإن قال: [اشترهم في صفقة] واحدة، فاشتراهم من شخصين بثمن [واحد من] كل واحد [منهما] خمسة، وصححنا مثل هذا العقد – ففي صحة الشراء للموكل وجهان في الشامل.
وفي الحاوي في هذه الصورة الجزم بالبطلان، وخكاية الخلاف عن ابن سريج فيما إذا كانوا مشتركين بينهما على الإشاعة؛ وعلى ذلك جرى المحاملي، والبندنيجي.
قال: وإن أمره أن يشتري شيئاً موصوفاً- لم يجزأن يشتري [شيئاً] معيباً، أي: وإن كان يساوي ما اشتراه به، أو يزيد عليه؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة.
وكذلك لو اشترى عيناً [فوجد بها عيبا] ثبت له الرد، فلو اشترى مع العلم بالعيب – لم يقع للموكل؛ لأنه غير المأذون فيه، [[وهذا] هو] الأظهر عند المراوزة – أيضاً – وحكوا معه عند مساواة المبيع ما اشتراه به أوجهاً: أحدها: [أن] العقد يقع للموكل.
[والثاني: إن كان العيب يمنع من الإجزاء في الكفارة والمبيع عبداً – فلا يقع للموكل] [وإلا وقع].
والثالث – حكاه الإمام عن شيخه في كتاب القراض، واستحسنه -: أنه إن كان يشتريه للتجارة، وقع العقد [للموكل]، وله الخيار، وإن كان يتشريه للقنية والخدمة، فلا يقع للموكل [؛ لمكان العيب المعلوم له].

ثم قالوا: إذا قلنا بوقوعه للموكل، فلا خيار للوكيل، وفي ثبوته للموكل وجهان: وجه المنع: إقامة علم الوكيل مقام علم الموكل؛ كما أن رؤيته المبيع تقوم مقام رؤية الموكل.
وعلى مقابله – وهو الأصح: إذا فسخ الموكل، فهل يرتفع العقد من أصله، أو يرتد الأمر للوكيل؟ فيه وجهان.
قال: فإن لم يعلم بالعيبن ثم علم، رده – أي: من غير احتياج إلى إذن الموكل فيه – لأن الموكل أقامه مقام نفسه، ولما كان للموكل إذا اطلع على العيب أن يفسخ، كذلك للوكيل؛ وهذه علة القاضي أبي الطيب، وغيره.
وقال في المهذب: لأنها ظلامة حصلت بعقده، فجاز له دفعها؛ كما لو اشترى لنفسه.
ومنهم من علل بأنه لا يأمن ألا يرضى الموكل [به]، ولا يصدقه البائع في دعوى الوكالة؛ فيلزمه الثمن؛ فيتضرر به، ومقتضى هذا التعليل: ألا يملك الرد إذا سمي الموكل في العقد، أو كان [ما اشتراه] يساوي الثمن، أو أكثر، أو وقع العقد [على عين] مال الموكل، وقد حكاه المتولي [وجهاً] في الصور الثلاث.
وحكى الإمام في كتاب القراض فيما إذا كان المعيب يساوي أكثر من ثمنه: أنه لا يرد قبل المراجعة.
وروى صاحب التقريب وجهاً [غريباً عن ابن سريج: [أن الوكيل لا يملك الرد إلا بإذن موكله.
قال الإمام]: وهو ظاهر في القياس، بعيد في الحكاية.

وعلى المذهب: لو رضي به [الموكل]، لم يكن للوكيل الرد [إلا بإذن موكله] – قال الإمام: إجماعاً.
قال المتولي: والفرق بينه وبين الفسخ بخيار المجلس، حيث [أثبتنا للوكيل] الفسخ وإن أجاز الموكل: أن خيار المجلس يختص بالوكيل، يعني: بقول صاحب الشرع: المتبايعان بالخيار؛ فكان هو المتصرف فيه، وخيار العيب ثابت للموكل، يعني: لأن سببه يختص به، وهو التضرر بسبب العيب؛ فكان رضاه معتبراً.
وقال الرافعي: إن ما فرق به المتولي لاتكاد النفس ترتكن إليه.
ولو رضي الموكل بالعيب بعد رد الوكيل، لم يكن له أثر.
ولو استمهل البائع الوكيل في الرد إلى أن يعلم موكله – لم يلزمه ذلك، فلو أجابه، فهل يسقط حقه من الرد؟ فيه وجهان في المهذب، المختار منهما في المرشد: عدم السقوط، قد حكاهما الإمام عن العراقيين – أيضاً – فيما لو أبطل الوكيل حق رد نفسه بإلزام العقد، وصحح وجه السقوط، وهوا لذي اختاره في المرشد على [مثل هذا في المسألة قبلها:] إذا حضر الموكل، وأجاز العقد، فلا كلام، إن لم يرض [به، ففي التهذيب: أن المبيع للوكيل، ولا يرد؛ لتأخيره مع الإمكان].
وقيل: يرد؛ لأنه لم يرض بالعيب، وضعفه؛ وهذا القول لم يحك المتولي والبندنيجي سواه، واختاره في المرشد، وادعى الإمام: أنه متفق عليه؛ لأنه إذا لم يبطل حق الموكل بإبطال الوكيل؛ فبالتأخير أولى.
ثم هذا إذا توافق البائع والمشتري والموكل على أن العقد وقع للموكل بالنية،

أو بالتصريح بالسفارة، أما لو أخر الوكيل الرد، أو أسقط حقه من الرد، ولم

يصدقه البائع على أن العقد وقع للموكل – فالمنصوص، وبه جزم البغوي، والمتولي: أن السلعة تلزم الوكيل إذا كان الثمن في الذمة.
وقيل: تلزم الموكل، وهو الذي نقله أبو حامد، ولم يحكه البندنيجي، بل قال بعد حكاية الأول: ولأصحابنا [فيه] ما لا يحكي؛ لفساده؛ [لأنه خلاف] المنصوص.
ثم على خلاف المنصصو يغرم له الوكيل الأرش [من الثمن]؛ لتقصيره عند الجمهور، وهو الأصح في المهذب.
وقال أبو يحيى البلخي: يرجع عليه بما نقص [عن] الثمن؛ حتى لو اشتراه بمائة وهو يساويها، لا يغرمه شيئاً.
ولا فرق في وقوع العقد للموكل عند عدم العلم بالعيب بين أن يكون المبيع يساوي الثمن أم لا عند الأكثرين.
وحكى الإمام فيما إذا كان لا يساويه وجهين في وقوعه للموكل، [وأن

المذهب منهما: أنه لا يقع له؛ لأن الغبن يمنع الوقوع عن الموكل] مع [سلامة المبيع] [وإن لم يعرف الوكيل]، فعند العيب أولى.
وفرق الأكثرون بينه وبين الغبن بأن العقد لو صح للموكل معه، لما كان له مستدركاً؛ فإنه [لا] يثبت فيه [خيار]، بخلاف العيب.
قال: وإن وكله في شراء شيء بعينه، فاشتراه، ثم وجد به عيباً، فالمنصوص – [أي: في اختلاف العراقيين] أنه يرده؛ [لما ذكرناه].
[قال:] [وقيل: لا يرد؛ لأن الموكل قطع اجتهاده بتعيينه، ولعله قد أمره بشرائه بعد علمه بعيبه]، وهذا قول الجمهور؛ كما حكاه الماوردي، وقال: إن الأول قول أبي حامد الإسفراييني، والذي اختاره في المرشد الثاني.
قال الرافعي: ولم يذكروا – يعني الأصحاب – في هذه المسألة متى يقع عن الموكل؟ ومتى لا يقع؟ والقياس: أنه كما سبق في الحالة الأولى.
نعم: لو كان المبيع معيباً يساوي ما اشتراه به، وهو عالم، فإيقاعه عن الموكل هاهنا أولى؛ لجواز تعلق الغرض بعيبه.
ومحل الخلاف – كما قاله في الكافي – ما إذا لم يعين الموكل الثمن، أما إّا قال له: "اشتر هذا بهذا"، فاشتراه، ثم وجده معيباً –فلا رد للوكيل قولاً واحداً.
فرع: لو ادعى البائع على الوكيل علمه برضا الموكل بالعيب قبل الفسخ، نظر: إن لم يمض زمان إمكان ذلك، لم يسمع.
وإن أمكن، حلف على نفي [العلم] وهو الذي جزم به المعظم.
و [عن] القاضي أبي حامد وغيره [وجه]: أنه لا يحلف.
فعلى الأول: إن حلف الوكيل، رد المبيع، فلو حضر الموكل من بعد،

وصدق البائع، بان بطلان الرد؛ كما حكى عن ابن سريج.
وعن القاضي الحسين خلافه؛ كما حكاه المتولي.
والذي رأيته في [تعليق القاضي]: أن الموكل إذا حضر، وقال: "كنت قد رضيت به"، لا يحتاج إلى بيع جديد.
وقد يقال: إن هذا الخلاف ينبني على انعزال الوكيل قبل العلم؛ كما حكيناه عن ابن الصباغ فيما إذا عفا ولي الدم عنه قبل القصاص.
ولو نكل الوكيلعن اليمين – حلف البائع، ولم يكن للوكيل الرد، [ثم] إذا حضر الموكل، وكذبه، قال في التهذيب: لزم العقد الوكيل، ولا رد له؛ لإبطال الحق فيه بالنكول؛ وهذا منه بناء على ما صححه من أن الوكيل إذا أخر الرد، سقط حق الموكل، قود وافقه فيما ذكره هنا صاحب البحر.
وقال القاضي الحسين هنا في تعليقه: هذا إذا أنكر الموكل الشراء، ولم يسم الوكيل الموكل في العقد، فإن سماه، فعلى وجهين.
واعلم: أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن محل الكلام في جواز رد الوكيل إذا كان العيب مقارناً للعقد، أما إذا حدث، فليس فيه تصريح بحكهم، ومقتضى ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب من التعليل جوازه [أيضاً] قال: وإن وكله في البيع من زيد، فباع من عمرو – لم يجز؛ لأنه قد يريد البيع من زيد؛ لطيب ماله، أو لإرادة تخصيصه بالمبيع دون غيره؛ [فلا يلزم أن يكون الإذن في البيع منه إذناً في البيع من غيره،] والأصل المنع.

ولا فرق في منع البيع من عمرو بين أن يكون وارثاً، [لزيد] أو غير وارث؛ لما ذكرناه؛ ولهذا لو قال: خذ مالي من فلان، [لم يجز] أن يأخذه من وارثه، [بخلاف ما لو قال: خذ مالي على فلان؛ فإنه يجوز أن يأخذه من وارثه].
قال: وإن وكله في البيع في سوق، فباع في غيرها - أي: ولا تفاوت بينهما - جاز؛ لاتفاق الغرض فيهام.
وقيل: لا يجوز؛ كالمسألة قبلها.
وقال بعضهم: إنه ليس بصحيح، وصححه ابن القطان، والبغوي، واختاره في المرشد، وقال الماوردي: إنه أشبه.
وقد نسب القاضي أبو الطيب [الأول] إلى النص، وجزم به، وتابعه في الجزم [به] الغزالي في الوجيز.
قال في رفع التمويه: ومحل القول الثاني إذا لم يقدر [له] الثمن، أما إذا قدره، فقال: بع بمائة، فباع في غيرها بها - جاز وجهاً واحداً.
والحكم فيما لو قال: بع في بلد كذا كالحكم في قوله: بع في سوق كذا؛ [كذا] صرح به القاضي ابن كج، لكنه إذاباع في غيره، كان ضامناً للمبيع والثمن؛ [إذ مطلق الإذن في البيع لا يقتضي الإذن في السفر.
أما إذا كان الثمن] في الوضع الذي عينه أكثر، أو النقد فيه أجود-

لم يجز البيع في غيره وفاقاً، وكذا إذا نهاه عن البيع في غيره.
ولا خلاف في أنه إذا أذن في البيع في زمان، لا يجوز أن يبيع في غيره: متقدماً، أو متأخراً.
[وعند إطلاق] الوكالة تحمل على البيع بالنهار، فإن باع بالليل، قال القاضي الحسين في تعليقه: إن كان الراغبون فيه كالنهار، جاز، وإلا فلا.
قال: وإن وكله في البيع، سلم المبيع – أي: إذا كان معيناً في يده –لأنه من مقتضى العقد؛ بدليل أنه لو باع بشرط ألا يسلم – بطل، وإذا كان [الثمن] من مقتضى العقد [تضمنه التوكيل]؛ كخيار المجلس، ونحوه.
فعلى هذا لو شرط [في التوكيل]: ألاَّ يسلم المبيع وإن قبض الثمن – لم يكن له التسليم؛ كما حكاه في شرح الفروع.
وقال قائلون: هذا الشرط فاسد؛ فإن التسليم مستحق بالعقد، ورووا عن أبي علي الطبري وغيره وجهين في أن الوكالة هل تفسد به؛ حتى يسقط الجعل المسمى، ويجب أجرة المثل؟ وحكى الشيخ أبو علي في جواز تسلم المبيع عند إطلاق الوكالة وجهين؛ كالوجهين الآتيين في أنه هل يقبض الثمن أم لا؟ [قال:] وكيف لا، وتسليم المبيع دون قبض الثمن فيه خطر ظاهر؟! وعلى هذا جرى صاحب التهذيب وغيره.
وحكى الرافعي: أن وجه المنع يجري وإن كان [الثمن مؤجلاً؛ لأنه لم يفوض إليه.
وجعل في الوسيط جواز تسليم المبيع بعد توفير] الثمن، ليس من مقتضى الوكالة [له]، بل لأنه ملكه، ولا حق يتعلق به، وهو ظاهر.
قال: ولم يقبض الثمن –أي: حيث لم يكن القبض – شرطاً في صحة العقد،

وكان الثمن حالاًّ؛ لأنه قد يرضاه للبيع، ولا يرضاه للقبض، وهذا ما اختاره في المرشد.
قال: وقيل: يقبض؛ لأن موجب العرف قبض الثمن، وتسليم المبيع؛ فنزل عليه؛ وهذا هو الأصح في الرافعي، وحلية الشاشي، والتتمة.
أما إذا كان القبض شرطاً في العقد – كما في الصرف ونحوه – فلا خلاف في أن له القبض والإقباض.
ولو كان الثمن مؤجلاً، لم يكن له القبض وجهاً واحداً.
وحكم الوكيل في الشراء في تسليم الثمن المعينن وتسلم المبيع – حكم وكيل البائع في تسليم المبيع وتسلم الثمن فيما ذكرناه وفاقاً وخلافاً؛ كما صرح به [ابن] الصباغ وغيره.
وفي الوسيط فرق بينهما.
التفريع: إن قلنا بالأول، فإذا سلم الوكيل المبيع قبل قبض الوكل الثمن، وتعذر قبضه بسبب إعسار المشتري – لا يكون الوكيل ضامناً؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي.
ووجهه المتولي بأن الوكيل لم يثبت له حق التسليم؛ حتى نجعله مفرطاً بتسليم المبيع [قبل استيفاء الثمن.
وإن قلنا بالثاني؛ فليس له التسليم إلا بعد قبض الثمن، فإن سلم قبله، صار ضامناً، وله طلب المشتري بتسليم المبيع] إن كان قائماً إلى أن يوفي الثمن، وإن كان تالفاً، فله المطالبة بالثمن؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ.
وما الذي يضمنه الوكيل للموكل؟ ينظر: إن كان الثمن، وقيمة المبيع سيان، غرم القيمة، وإن كانت القيمة أقل، لم يضمن غيرها، وإن كانت أكثر مثل: إن باعه بما يتغابن بمثله، فوجهان:

أصحهما: أنه يغرم جميع القيمة.
والثاني: قدر الثمن؛ لأنه الذي فوته بالتسليم.
وقد رجع حاصل الوجه الثاني [إلى] أنه يغرم أقل الأمرين من القيمة أو الثمن، وهو ما حكاه الإمام هاهنا، واختاره القاضي الحسين في كتاب القراض بعد أن قال: قالل أصحابنا: يضمن أكثر الأمرين من قيمة المبيع، أو ثمنه.
وقال الإمام في كتاب التفليس: إذا عسر على الموكل قبض الثمن، ضمن الوكيل، وفيما يضمنه وجهان ذكرهما صاحب التقريب: أحدهما: الثمن؛ فإنه فوت متعلقه؛ فكان كالشاهد بالزور.
والثاني: قيمة المبيع؛ فإنه التزم ألا يسلمه إلا بشرط، فإذا لم يف بالشرط، لزمته القيمة؛ نظراً إلى ما قبل البيع.
ثم قال: وهذا الضمان على الجملة بِدْع خارج عن قانون الضمان؛ فإنه لم يلتزم [الثمن] بجهته، ولما سلم المبيع لم يَجْرِ عُدوانه في ملك الموكل؛ فالقياس الكلي نفي الضمان، لكن اتفق الأصحاب عليه.
وإذا اعتبرنا قيمة المبيع فالمعتبر حالة التسليم؛ كما صرح به القاضي الحسين.
ثم إذا قبض الوكيل الثمن بعد الغرم للموكل، كان له حبسه حتى يسترد ما غرمه للموكل – قال القاضي الحسين: كالغاصب إذا غرم.
فروع: [أحدها] إذا قبض الوكيل الثمن حيث جاز له القبض، فخرج المبيع مستحقًّا، وأخذه مالكه بعد تلف الثمن في يد الوكيل؛ فللمشتري الرجوع بالثمن على الوكيل؛ إن انكر كونه وكيلاً، وحلف على نفي العلم، فإن صدقه، فمن الذي يرجع عليه؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الإمام عن ابن سريج: أحدها: أنه الموكل لا غير؛ لأن الوكيل متوسط؛ كالسفير، ويده في القبض كيد الموكل؛ فكأن الموكل قبض المال، فتلف في يده؛ [وهذا ما حكاه القاضي أب والطيب في كتاب

الرهن؛ قياساً على ما لوباع العدل الرهن بإذن الحاكم، وقبض الثمن، وتلف في يده، وخرج [الرهن] مستحقًّا؛ فإنه لا يرجع على العدل [بشيء]، وادعى الإجماع عليه.
وفي النهاية [حكاية] خلاف [فيه] أيضاً، مع الاتفاق على أن الحاكم لو باع، وتلف الثمن في يده، وخرج المبيع مستحقًّا: أنه لا ضمان.
والوجه الثاني: أنه الوكيل لا غير؛ لبيان انقطاع أثر التوكيل بالاستحقاق؛ وهذا ما جعله الإمام هاهنا أقيس، وقال في كتاب الرهن: الذي يجب القطع به أن الوكيل مطالب، ولو أراد المشتري مطالبة البائع بالثمن، وما ثبتت يده عليه – فلست أرى ذلك؛ من جهة أن يده ما وصلت إلى عين مال المشتري، ولم يوجد منه في حق المشتري إلا أنه أمر وكيله بالمعاملة، ومن أمر غيره بغصب مال لم يصر بأمره غاصباً.
ثم قال: وليست أنفي احتمالاً يراه ناظر [في] تثبت مطالبة الموكل؛ كما ذهب إليه العراقيون.
والوجه الثالث: [له] مطالبتهما جميعاً، وهو المختار في الرافعي، وحكاه الماوردي أيضا.
فعلى هذاإذا غرم الوكيل؛ فالمشهور من المذهب – [كما حكاه الإمام-]: أنه يرجع على الموكل.
وقيل: لا.
وإن غرم الموكل، لم يرجع على الوكيل.
وقيل: يرجع عليه في هذه الحالة؛ لتلف العين تحت يده.
وإن قلنا بالوجهين الأولين، فمن غرم منهما، لم يرجع على الآخر؛ كذا حكاه الإمام هنا.
وقال في كتاب الرهن: إن الوكيل مطالب دون الموكل، وإذا غرم رجع على الموكل.

ولو تلف المال في يد الموكل بعد أن سلمه له الوكيل، فلا نزاع في أن الموكل مطالب، وهل يطالب الوكيل؟ ذكر الإمام فيه خلافاً في كتاب الرهن.
الثاني: إذا اشترى عبداً لموكله، وقبضه بإذنه، وتلف في يده قبل أنيسلمه إلى موكله، ثم خرج ما قبضه مستحقًّا - فلمالك [العبد] مطالبة البائع قطعاً، وكذا [مطالبة المشتري إذا انكر كونه وكيلاً، فإن صدقه، فهل له] [مطالبة الموكل دونه، أو مطالبتهما؟ فيه ثلاثة أوجه، ووجه] مطالبة الموكل هاهنا بعيد؛ إذا كان الإذن في شراء عبد موصوف؛ إذلم يصدر منه مايقتضي التغرير الذي جعلناه في الفرع قبله سبباً لمطالبته، والرجوع عليه.
نعم: إن كان قد عين العبد في التوكيل، شابه الفرع [الذي] قبله، وحكم التراجع بين الوةكيل والموكل كما ذكرناه من قبل.
الثالث: قال الرافعي: إذا باع الوكيل ما وكل فيه بثمن في الذمة، ودفعه إلى موكله، فخرج مستحقًّا أو معيباً، فرده؛ فللموكل مطالبة المشتري بالثمن، وله تغريم الوكيل؛ لأنه صار مسلماً للمبيع قبل أخذ ثمنه، وفيما يغرمه الوكيل وجهان: أحدهما: قيمة العين.
والثاني: الثمن.
[قال: وإن وكله في تثبيت دين، فثبته؛ لم يجز له قبضه؛ لأنه غير مأذون فيه لفظاً ولا عرفاً؛ فإن الإنسان قد يرضى بالشخص في التثبيت، ولا يرضاه في القبض.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه يجوز له القبض؛ كما في [قبض] الثمن، وجعله في بحر المذهب ظاهر المذهب، والصحيح خلافه].
قال: وإن وكله في بضه، فجحد من عليه الحق، فقد قيل يثبته؛ لأنه يتوصل به إلىما وكل فيه؛ فاقتضاه الإذن؛ وهذا [هو] الأصح في الجيلي.

قال: وقيل لا يثبته؛ لأنه قد يرضاه في القبض؛ لأمانته، ولا يرضاه في التثبيت؛ لقصور حجته؛ وهذا ما اختاره في المرشد.
ويجري هذا الخلاف فيما إذا وكله في قبض عين، فجحدها من هي في يده.
ولو وكله في بيع [دار]، أو قمسة نصيبه من دار، [وطلب شفعة] – لم ينك له تثبيتها عند بعض الأصحاب.
قال في [بحر المذهب]: وقيل: فيه وجهان – أيضاً – نسبهما الماوردي إلى ابن سريج في مسألة المقاسمة لا غير، وأبداهما ابن الصباغ من عند نفسه احتمالاً في الجميع.
فرع: الوكيل بالشراء إذا سلم الثمن، وخرج المبيع مستحقًّا، هل [له] مطالبة البائع بالثمن؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي عن أبي القاسم بن كج، [وهام في المهذب]، والمذكرو منهما في المرشد المنع.
قال الماورديك والصحيح عندي غيرهما، وهو أن ينظر: فإن استحق من يد الوكيل قبل وصوله إلى يد الموكل؛ فللوكيل المطالبة.
وإن استحق من يد الموكل، فلا؛ إذ الوكالة قد انتهت.
فرع: إذا وكله في قبض دين، فقبضه الموكل معيباً، ولم يعلم بعيبه، ثم [قبضه الوكيل] سالماً، فهل يصح قبض الوكيل له أو قبض الموكل؟ قال في البحر: [إنه يجوز قبض الوكيل، قال: وعندي أنه لا يجوز]؛ لأن الرد بالعيب انتقاض من الوقت لا من الأصل، وقد أخذ الوكيل ذلك بعد براءة ذمته؛ فلايصح قبضه.
قلت: هذا الفرع يظهر بناؤه على أن الدين [الناقص] متى يملك؟ هل

بمجرد القبض، وينتقض بالرد، أو لا يملك إلا بالرضا بالعيب؟ وفيه خلاف حكاه الغزالي وإمامه في باب الاستبراء والكتابة.
فعلى الأول يخرج ما قاله صاحب البحر، وعلىلثاني يخرج ما قاله والده.
قال: وإن وكله في كل قليل وكثير – لم يجز؛ لما في ذلك من الغرر؛ [فإنه لو] صح لملك أن يعتق جميع عبيده، ويطلق جميع نسائه، ويبيع جميع أمواله، ويتشري له ما لا يقدر على أداء ثمنه، وأي غرر أعظم من ذلك؟! نعم لو قال: وكلتك في عتق عبيدي، وطلاق زوجاتي، وبيع جميع مالي، وقبض ديوني – صح وقيد صاحب التهذيب جواز التوكيل في بيع المال، وبض الديون بما إذا كانت معلومة، ومفهوم ذلك [أنها] [إذا لم تكن معلومة، لا يصح] وهو ما صرح به القاضي الحسين في تعليقه في مسألة بيع المال؛ حيث قال: لو قال: وكلتك [في بيع مالي، ولم يعين المال، لم يجز، ولو قال: وكلتك] في كل قليل وكثير [مما إلي] من التصرفات [لم يصح؛ وحكى الغزالي وإمامه وجهاً فيه، والأصح الأول؛ كما لو أطلق، ولم يقل: [فيما إلي] من التصرفات]؛ فإن الإنسان إنما يوكل فيما يتعلق به، سواء نص على الإضافة إلى نفسه، أو لم ينص؛ ولهذا لو قال: وكلتك في شراء كذا، لم يحتج إلى أن يقول: لي.
وقد حكى الماوردي في كتاب الوديعة وجهين في صحةالوكالة العامة في كل شيء، ولعل محلهما ما حكاه الإمام.
ولو قال: "وكلتك في بيع ما تراه من مالي"، أو: "من عبيدي" – لم يصح؛ كما [صرح به] الماوردي.

وفي الزوائد للعمراني: أنه لا يصح في الأولى، ويصح في الثانية.
وفي النهاية [حكاية فرع يدل على الصحة في الثانية] أيضاً، وه إذا قال رجل لىخر: بع من عبيدي من شئت، فليس للوكيل أني بيع جميعهم، فلو باع الجميع إلا واحداً، فقد اتفق الأصحاب عليه، وإن كان التبعيض في النظم المعروف ربما يورد على النصف فما دونه.
وفي المهذب والتهذيب: أنه لو قال: بع ما شئت من مالي، أو: اقبض ما شئت من ديوني: أنه يصح.
فرع: الوكالة بالتصرف فيما يجهل قدره مثل: أن يكون بين شخصين مال، وكل منهما يجهل [قدر] حصته منه، فيوكل أحدهما صاحبه في بيع حصته، أو يوكلان وكيلاً في بيع الجميع، هل يصح؟ فيه وجهان، تقدمت حكايتهما في باب الشركة، والأظهر [منهما] الصحة.
قال: وإن وكله في شراء عبد، ولم يذكر نوعه – لم يصح التوكيل؛ لأن فيه غرراً؛ فإن العبيد تختلف أثمانهمن فربما يشتري له عبداص لا يملك الوفاء بثمنه.
ولا فرق في ذلك بين أن يقول للوكيل: اشتره كيف شئت، أو لا.
وفي الحاوي حكاية وجه: أنه يصح، فإذا اشترى أي عبد، كان بثمن مثله، أو أقل – صح الشراء.
وقد نسب الإمام هذا الوجه إلى رواية صاحب التقريب، وحكى عن الشيخ أبي محمد أنه إذا قال: اشتر لي عبداً كما تشاء: أنه يظهر تجويز ذلك؛ فإنه تصريح بالتفويض التام، ثم قال: وهو متجه.
قال في "الوسيط": وهذا تصرف لم يذكره غيره.
قلت: قد حكى نظيره عن القاضي أبي حامد فيما إذا قال: "زوجني أي امرأة شئت" من غير أن يعين واحدة: أنه يصح.
وفي هذه الصورة –أيضاً –وجه: أنه لا يجوز حتى يصفها بما تضبط به.

قال في الشامل: وهو اختيار الزبيري، وكذلك قال في البحر، وعلله بأن الأغراض تختلف: فمن الناس من يرغب في الجمال، ومنهم من يرغب في كثرة المال، ومنهم من يرغب في العشيرة، أو في النسب.
قال: وإن ذكر النوع، ولم يقدر الثمن –أي: مثل: أن قال: اشتر لي عبداً تركيًّا، أو حبشيًّا، أوزنجيًّا – لم يصح التوكيل؛ لأن أثمان النوع تختلف، فالغرر فيها ثابت؛ وهذا ما قال القاضي الحسين: إنه الظاهر ما لم يذكر جميع أوصاف العبد التي يختلف الثمن باختلافها، مثل: أن يقول: قامته كذا، وسنه [كذا].
وقيل: يصح، وهو اختيار ابن سريج؛ كما حكاه المحاملي، والبندنيجي، [والشيخ في المهذب]، وصححه الرافعي؛ لأن مع ذكر النوع يقل الغرر، [ويحمل ذلك] على أغلى ثمن.
قال: وإن ذكر النوع، وقدر الثمن، ولم يصف العبد، أي: بما يميزه [عن] غيره، لا بصفات السلم؛ كما صرح به الماوردي، والإمام [قال]: فالأشبه: أنه لا يصح؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الصفات مع التساوي في القيمة، وذلك غرر.
قال: وقيل: يصح؛ لأن ذلك القدر لا يخفى مقابله في العادة.
وأيضاً: فإن الوكالة جوزت للحاجة، والتضييق فيها يخرجها عن موضوعها، وهذا ما [جزم به] القاضي أبو الطيب وغيره، وادعى البندنيجي [نفي] خلافه.
و [قد] قال بعض الشارحين: إنه لم ير الأول في الكتب المشهورة، وكذلك أقول، لكن طريق الجواب عنه أن الشيخ أبداه احتمالاً لنفسه، ويقرب

[منه] ما حكاه الماوردي فيما إذا قال: "اشتر لي عبداً بمائة"، ولم يصفه بما يتميز به مراده من العبيد من أن ذكر [الثمن هل يقوم مقام الصفة، أم لا؟ وفيه وجهان.
واعلم أن ما ذكرناه من] اعتبار ذكر النوع وغيره مفروض فيما إذا لم يكن القصد بالشراء التجارة، أما إذا كان القصد منه التجارة، فلا يشترط بيان ذلك، بل يجوز أن يقول: وكلتك [في] أن تشتري بهذا الألف ما شئت من العروض، أو: ما علمت فيه حظًّا من الأموال؛ صرح به الماوردي، والمتولي؛ قياساً على القراض.
قال: وما يتلف في يد الوكيل من غير تفريط، لا يلزمه ضمان؛ لأنه نائب عنه في اليد والتصرف؛ فكانت يده كيده.
ومفهوم هذا: [أن ما يتلف في يده بتفريط]، يلزمه ضمانه.
وهل يجعل إمساكه لما وكل في بيعه مع قدرته على البيع – تفريطاً؛ حتى يضمن عند التلف؟ فيه وجهان في تعليق القاضي الحسين.
قال: والقول في الهلاك، وما يدعي عليه من جناية – قوله: أما في الهلاك؛ فلتعذر إقامة البينة عليه، ولا فرق بين أن يدعيه بسبب ظاهر، أو خفي؛ كما سنذكره في الوديعة.
وأما في دعوى الجناية؛ فلأن الأصل عدمها.
قال: وإن كان متطوعاً، فالقول في الرد قوله؛ لأنه قبض العين لحق المالك؛ فكان القول قوله في الرد؛ كالمودع.
قال: وإن كان بجعل، فقد قيل: القول قوله؛ لأنه مؤتمن من جهته، لا يضمن العين عند التلف؛ فكان القول قوله في الرد على من ائتمنه؛ كالمودع؛ وهذا قول الجمهور، وهو الأظهر في الحاوي.
قالك وقيل: القول قول الموكل؛ لأنه قبض العين لمنفعة نفسه؛ فلم يقبل قوله

في الرد؛ كالمرتهن، والمستأجر؛ وهذا قول أبي علي الطبري.
وقد أجرى هذا الخلاف بعينه في عامل القراض، والأجير المشترك إذا لم نضمِّنه، وقد قدمت في كتاب الرهن الفرق بين المرتهن والمستأجر، وبين الوكيل بالجعل ومن في معناه، فليطلب منه.
تنبيه: الجعل - بضم الجيم -: ما يجعل للعامل عوضاً.
وتفرقة الشيخ بين الوكيل بجعل وغيره في دعوى الرد، تعرفك أن ما ذكره من الأحكام فيه غير الرد لا فرق فيها بين أن يكون بجعل أو غيره.
وقد حكى عن أبي علي الطبري: أن الوكيل بالجعل حكمه حكم الأجير المشترك؛ حتى يكون في ضمانه قولان، وهو ما حكاه الماوردي في كتاب الإجارة، لكن فيما قبضه لبيعه دون الثمن، وفيما قبضه ليشتري به دون المبيع، إذا جعل الجعل في مقابلة البيع أو الشراء، فإن جعله في مقابلتهما، فالذي يظهر من كلامه في موضع آخر: أن حكمهما في الضمان سواء.
فرع: لو مات الوكيل، فادعى وارثه الرد على الموكل، نظر: فإن ادعى أن الرد صدر منه، لم يقبل؛ لأنه لم يأتمنه، وهكذا حكم الوكيل إذا ادعى الرد على ورثة موكله، والمقارض إذا ادعى الرد على ورثة رب المال، وكل من لم يأتمنه المدعي عليه وإن كان مؤتمناً شرعاً؛ كمن طيرت الربح الثوب إلى داره، [والملتقط؛] كما حكاه العراقيون.
وفي كلام الإمام إشارة إلى خلاف فيه؛ فإنه قال بعد ذكر ذلك: [على الصحيح، فكأنه يشير إلى الوجه الصائر إلى قبول قول الوصي في الرد على الصبي بعد البلوغ: أنه يجيء هاهنا، وقد صرح به القاضي الحسين في تعليقه احتمالاً، وأجراه فيما إذا ادعى رد العبد الموصى بخدمته بعد انتهاء مدة الخدمة على الورثة؛ حتى يقبل قوله على وجه.
وإن ادعى أن مورثه هو الراد، قال المتولي في الوديعة: لا يقبل قوله.

وقال البغوي: يقبل، وأجريا ذلك في دعوى التلف من غير تفريط.
والذي رجحه امام قبول قوله في دعوى التلف، وهذا بعينه يجيء هاهنا.
فرع: من يقبل قوله في الرد، هل له ان يمتنع [منه]؛ بعذر الإشهاد؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها الماوردي: أصحها: أنه ليس له.
والثاني- وهو ما نسبه القاضي أبو الطيب إلى ابن أبي هريرة-: أن له ذلك.
والثالث: أنه إن قبض المال بالإشهاد، كان له الامتناع؛ لأجله، وإلا فلا.
وأما من لا يقبل قوله في الرد إلا ببينة: كالمستعير، والمديون، والمستأجر، والمرتهن، هل له الامتناع؛ بعذر الإشهاد؟ قال العراقيون: إن كان عليه بينة [به] فنعم، وإلا [فلا، على] الأصح، وبه جزم بعضهم: كالمحاملي، وغيره.
وحكى الماوردي وجه ابن أبي هريرة فيه.
وعلى هذا الترتيب جرى القاضي الحسين في تعليقه.
وقال ابن الصباغ: لا بأس بوجه ابن أبي هريرة [عندي في] المسائل كلها؛ إذا كان الإشهاد ممكناً لا يؤدي إلى تأخير الحق، فأما إذا أدى إلى تأخير الدفع – كان على التفصيل؛ وهذا أبداه المتولي وجهاً.
قال: وإن اختلفا: فقال: أذنت لك في بيع حال- أي: وقد بعت مؤجلاً – فأنت ضامن، فقال الوكيل: بل [في بيع مؤجل؛ أو قال – أي: الموكل] – في الشراء بعشرة، وقال – أي: الوكيل -: [بل] بعشرين، فالقول قول الموكل – أي: مع يمينه – لأنهما لو اختلفا في أصل التوكيل، كان القول قوله؛ فكذلك إذا اختلفا في صفته؛ أصله: الزوجان إذا اختلفا في الطلاق وصفته؛ فإن القول قول الزوج.
ويخالف ما إذا دفع إلى خياط ثوباً، فقطعه، ثم اختلفا – كما سنذكره – حيث لايجعل القول قول الآذن – على قول – وإن كان اختلافاً في صفة الإذن؛ لأان

صاحب الثوب يريد [أن] يثبت على الخياطبيمينه غرامة، والأصل براءته منها؛ فتعارض بسبب ذلك أصلان؛ فلذلك جرى الخلاف، و [ها] هنا الموكل لا يثبت [يمينه] على الوكيل غرامة لنفسه؛ فسلم أصله عن المعارضة، وما يغرمه الوكل من الثمن ظاهر، يرجع به من ثمن العين أو العين؛ كما سنذكره.
فرع: المشتري في المسألة الأولى إذا صدق الموكل، بطل العقد، ولا يخفى حكمه.
وإن ادعى أن البائع باع لنفسه؛ فالقول قول مع يمينه، إن لم تكن بينة؛ فإن الظاهر أن ما يبيعه الإنسان ملكه، وإذا حلف أقرت العين في يده، وإن نكل، حلف الموكل، وإن نكل، فهو كما لو حلف المشتري، ولا يمنعه هذا النكول من حلفه: أنه ما أذن للوكيل في البيع بنسيئة، فيحلف، ويرجع على الوكيل ببدل المبيع، فإذا غرم الوكيل، لا يطالب المشتري حتى يحل الأجل، وإذا حل الأجل، فإن صدق الوكيل الموكل، لم يرجع لى المشتري إلا بأقل الأمرين من الثمن، أو القيمة، وإن لم يرجع، وأصر على قوله الأول، فيطالبه بالثمن بتمامه فإن كان قدر ما غرمه، او أقل، أخذه، وإن كان أكثر فالزيادة في يده للموكل بزعمه، وهو ينكرها، فيحفظها، أو يلزمه دفعها إلى القاضي؟ فيه خلاف.
قلت: في تسليط الوكيل على قبض [الزائد على ما غرمه نظر؛ لأن تسليطه على] قدر ما غرمه إنما كان لأجل الظفر، وجزم به؛ لما سنذكره من أن [من هو منسوب] إليه لا يدعيه.

ولا يقال: إنه يتسلط عليه بطريق الوكالة؛ فإن الموكل إن كان صادقاً، فلا عقد يستحق الوكيل بسببه المطالبة، [وإن كان كاذباً، فإنكار الموكل التوكيل بالبيع، يمتنع به المطالبة] ظاهراً؛ كما في إنكاره الوكالة صريحاً [وإن لم ينعزل] في نفس الأمر؛ على رأي كما سنذكره.
على أن الأصحاب [قد] حكوا في جواز أخذ الوكيل قدر [ما غرمه- الخلاف] المذكور في مسألة الظفر بغير جنس الحق، وقدجزم المحاملي، والبندنيجي، وابن الصباغ، والماوردي فيما إذا صدق المشتري الوكيل في صحة التوكيل، ورجع البائع على الوكيل ابتدءا عند تلف العين -: أن الوكيل لا يطالب المشتري عند الحلول إلا بأقل الأمرين من الثمن والقيمة؛ لأن القيمة إن كانت أقل، فلم يغرم إلا هي، ومازاد لا يدعيه الموكل، وإن كان الثمن أقل، لم يرجع عليه إلا به؛ لأنه يقول: هذا هو الواجب، وما زاد [عليه] ظلمني به الموكل؛ فلا أستحق الرجوع [به] عليك؛ وها بعينه موجود في مسألتنا؛ فيجب أن يكون الحكم فيها كذلك، وهو مقرر لما أبديته من النظر.
فرع: إذا حلف الموكل في المسألة الثانية على ما ادعاه، فلمن يكون المبيع؟ ينظر: إن وقع العقد على العين، وقد صرح الوكيل بالسفارة، وأن المال للموكل- حكمنا ببطلان العقد ظاهراً؛ على الجديد، والصحيح من القديم.
وقد خرّج ابن أبي هريرة وجهاً من القديم: أنه يصح موقوفاً على إجازه الموكل، فإن أجاز، كان كما لو صدق الوكيل، وإن رد، كان كما في الجديد.
وإن لم يذكر الوكيل ذلك في العقد، لكن ذكره بعد لزومه، فإن صدقه البائع على ذلك [أو قامت بينة] على ملك الموكل عين الثمن؛ بطل أيضاً.

وإن لم يصدقه البائع، ولا بينة، فالبيع نافذ في الظاهر على الوكيل، والثمن مسلم للبائع بعد يمينه علىنفي العلم بالوكالة، ويغرم الوكيل بدله للموكل.
قلت: وكان يتجه [أن يجري] في تغريمه البدل قولا الغرم؛ بسبب الحيلولة.
وإن اشترى في الذمة، نظر: إن صرح بالسفارة، وصدق البائع الوكيل على أنه اشترىللموكل، بطل العقد [أيضاً؛ صرح به الماوردي، والرافعي.
وإن كذبه، ففي بطلان العقد]، أو تعلقه بالوكيل ظاهراً وجهان: أظهرهما – وبه قال أبو إسحاق -: الثاني، وقد بناهما الماوردي على أن الوكيل – والحالة هذه- هل يكون ضامناً للثمن، أم لا؟ كما صرح [به] عندالكلام في إنكار الموكل أصل الوكالة، وقال المحاملي في مجموعه: لا فرق في جريان الوجهين بين أن يصدقه البائع، أو يكذبه.
وإن لم يصرح بالسفارة، وكذبه البائع في الشراء للموكل؛ فالقول قوله مع يمينه على نفي العلم، والشراء يلزم الوكيل ظاهراً.
وإن صدقه، فهل يبطل العقدنأو يلزم الوكيل؟ فيه وجهان مبنيان – كما قال الماوردي – على الوجهين في أن الموكل هل يصير مشاركاً للوكيل [في التزام الثمن بالعقد] – والحالة هذه، [أم] لا؟ ثم حيث يحكم بصحة العقد بالنسبة إلى الوكيل، فالطريق في تحصيل الملك في الباطن له جزماً: أن يتلطف القاضي بالموكل، ويقول له: كنت أذنت في الشراء بعشرين [فقد بعتك إياه بعشرين]، فإن قال ذلك من غير صيغة التعليق، وقبل الوكيل، صار المبيع ملكاً له باطناً – أيضاً – ولا يجعل الموكل بهذا القول مقرًّا بما ادعاه الوكيل؛ كما حكاه الرافعي، وصاحب البحر.

وفي كلام ابن الصباغ خلافه؛ كما سنذكره.
ولو أتى بصيغة التعليق، فقال: إن كنت أذنت لي في الشراء بعشرين، فقد بعتك بعشرين، ففي صحة العقد وجهان: أصحهما – وبه قال جمهور البغداديين -: الصحة؛ لأنه تعليق [وضع العقد يقتضيه.
وجعل ابن الصباغ الأول خطأ؛ لأن الموكل إذا أطلق قوله: بعتك]، يكون إقراراً منه بالملك، وتكذيباً لنفسه فيما ادعاه، فلا يؤمر به.
فإن امتنع الموكل من ذكر شيء من ذلك، كان المبيع جارية – مثلا ً- فإن كان الموكل كاذباً، أو صادقاً وقد وقع الشراء بعين المال – لم يحل له وطؤها؛ لأنها ملك الغير.
وفي الرافعي إشارة إلىجراين وجه في حل الوطء، ونقل الملك؛ إذا كان صادقاً؛ بناء على أن [الملك] يقع للوكيل ابتداء.
وإن وقع الشراء بثمن في الذمة، والوكيل كاذب، حل الوطء أيضاً.
وإن كان صادقاً، فقد حكى الأصحاب فيما يصنع بها ثلاثة أوجه: أحدها – ويحكي عن قول الإصطخري، وينسب أيضاً إلى أبي قاسم الأنماطي، كما حكاه القاضي الحسين -: أنها تكون للوكيل باطناً [-أيضاً-] بالامتناع؛ كما قيده البندنيجي؛ فيحل له وطؤها.
قال الرافعي: وهذا بناء على أن الملك يثبت للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل؛ فإنه إذا تعذر نقله منه، بقي على ملكه.
والثاني: أن الوكيل إن ترك مخاصمة الموكل، فهي له ظاهراً وباطناً، وكأنه كذب نسه، وإلا [فلا]؛ حكاه الرافعي، والقاضي الحسين.
والثالث – وهو قول أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وسائر الأصحاب؛ كما قال المحاملي؛ والأصح، وحكاه البندنيجي، والقاضي الحسين عن الإصطخري أيضاً -: أنه لا يتملكها باطناً، بل هي للموكل، وللوكيل الثمن عليه وقد ظفر بغير

جنس حقه من ماله، وفيه خلاف يأتي في موضعه.
والأصح هاهنا: أن له بيعها بنفسه؛ لأن القاضي لا يجيبه إلى البيع.
ولأن المظفور بماله في غير هذه الصورة يدعي المال لنفسه.
ثم إن كان الثمن قدر حقه، أو أقل، أخذه، وإن [كان] أكثر؛ فلا حق له في الزيادة.
قال المحاملي: [و] يسلمها إلى الموكل.
وقال الماوردي: هل يجوز إقرارها في يده، أو ينتزعها الحاكم منه؟ فيه وجهان، وأجراهما الرافعي فيما إذا قلنا: لا يأخذ الحق من ثمنها.
قلت: وفي جواز بيعه القدر الزائد نظر، تقدم ذكره في الفرع قبله.
وللوكيل إذا رأى أن يؤجر الجارية، ويقبض حقه من الأجرة- أن يفعل، ثم يردها على الموكل، صرح به البندنيجي.
وقد حكى المتولي جواز بيع الوكيل بنفسه، أو بالحاكم فيما إذا كان الوكيل كاذباً، وقد اشترى بعين مال الموكل؛ لأن البائع حينئذ [يكون] أخذ مال الموكل لا عن استحقاق، وقد غرم الوكيل للموكل، فله أن يقول للبائع: رد مال الموكل، أو اغرمه؛ إن كان تالفاً، لكنه قد تعذر ذلك؛ بسبب الثمن، فله أخذ حقه من الجارية التي هي ماله.
قال: وإن اختلفا في البيع، وقبض الثمن، فادعاه الوكيل- أي: ووافقه المشتري- وأنكر الموكل، أو قال الوكيل: [اشتريته بعشرين] – أي: وهو يساويها – قوال الموكل: [بل بعشرة] ففيه قولان.
هذا الكلام ينظم مسألتين: الأولى منهما تصور بوجهين: أحدهما: أن ينكر الموكل أصل البيع.

والثاني: أن يعترف به، وينكر قبض الثمن بعد دعوى الوكيلقبضه وتلفه في يده؛ فإنه لو كان باياً – سلمه، ولم يكن للاختلاف أثر، والقولان جاريان في الجميع: فأحد القولين في الأولى – على اختلاف تصويرها-: أن قول الوكيل غير مقبول؛ لأنه إقرار في حق الموكل بما يبطل عليه ملكه؛ فيسقط حقه؛ فلم يقبل؛ كما لو أقر عليه بقبض الحق مع أن الأصل فيما ادعاه العدم، ويخالف ما إذا ادعى الوكيل الرد، أو التلف؛ فإنه يقبل؛ لدفع الضمان [عن نفسه، لا لإلزام الموكل شيئاً؛ وهذا ما نص عليه الشافعي في العدد، والنكاح، والرهن]، واختاره ابن الحداد في مسألة دعوى البيع، ولم يذكر ابن كج غيره، وكلام الأكثرين يدل على ترجيحه.
والقول الثاني: أن قول الوكيل مقبول؛ لأنه أقامه مقام نفسه؛ فيقبلقوله عليه فيما هو إليه؛ كقبول قوله علىنفسه؛ وهذا ما نص عليه في الرهن الكبير، و [هو] الأقيس عند البندنيجي، والمحاملي، والروياني، وصححه القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو علي، والروياني في الحلية في دعوى البيع، وفي البحر –أيضاً – في آخر كتاب الشركة في دعوى القبض.
ولا فرق في جريانهما بين أن يصدر الوكيل الدعوى بالبيع – كما صوره الشيخ – وبين أن يقول الموكل أولاً: ما بعت، فيقول الوكيل: قد بعت.
وحكى الإمام عن القاضي الحسين في كتاب الرهن عند اختلاف الراهن والمرتهن في وطء الجارية [في الحالة] الأولى: أن القول قول الوكيل، وحكى الخلاف في الحالة الثانية أنه وجه عدم القبول بما تخيله من أن ما قاله الموكل عزل صدر قبل إقرار الوكيل.
قال الإمام ثم: وهذا كلام عَرِيٍّ عن التحصيل.

وحكى المتولي عن القاضي طريقة في دعوى القبض، وهي أن الاختلاف إن وقع قبل تسليم المبيع إلىلمشتري، فالقول قول الموكل؛ كما لو وكله في قبض دين، فادعى قبضه.
وإن كان بعد التسليم، فقولان: أصحهما في الرافعي، وبه جزم الإمام، واختاره ابن الحداد: أن القول قول الوكيل؛ لأن دعوى الموكل عدم القبض تتضمن تعدي الوكيل بالتسليم؛ فلذلك كان القول قوله؛ وهذه الطريقةجعلها الرافعي أظهر.
ثم هذا التفصيل فيما إذا أذن في البيع مطلقاً، أو حالاًّ، وجوزنا للوكيل قبض الثمن.
أما إذا أذن في التسليم قبل القبض، أو في البيع بثمن مؤجل، وفي القبض بعد الأجل- فالاختلاف في هذه الحالة بعد التسليم [كالاختلاف قبله؛ لأنه لا يكون ضامناً بالتسليم،] فإذا صدقنا الوكيل، فحلف، هل تبرأ ذمة المشتري من الثمن؟ فيه وجهان، أصحهما عند البغوي: لا.
وعند القاضي الحسين: نعم، وهو ما حكاه البندنيجي عن ابن سريج؛ تفريعاً على هذا القول في كتاب الرهن عند الكلام في بيع العدل.
ثم القولان في الأصل يجريان فيما إذا وكله في الهبة والإقباض، وكذلك في النكاح، أو الطلاق، أو العتاق، أو الإبراء، أو إقباض مال مع تصديق المنكوحة المطلقة والقابض والمقبض وأنكره الموكل.
وحكى [عن] ابن سريج معهما وجهين: أحدهما: أن ما يستقل الوكيل بالإتيان به: كالطلاق، والعتاق، ونحوه – يقبلقوله فيه؛ لقدرته عليه في الحال، وما كان بخلافه، فلا يقبل.
[والثاني –وهو اختياره -: أن ما كان الإقرار به كإيقاعه قبل قوله فيه، وما كان

بخلافه، لم يقبل قوله] فيه؛ كذا قاله الماوردي.
وقد فسر الإمام والبغوي ما يكون الإقرار به كإيقاعه: بالطلاق، والعتاق؛ فإنه [إذا قال]: [طلقت التيأمرتني بطلاقها]، أو: أعتقت الذي أمرتني بإعتاقه – يقبل قوله؛ لأن لفظه مماثل للفظ الإنشاء، وهذا التفسير يرد الوجهين إلى وجه واحد وكذلك الإمام غيره إلىحكايته.
قال الماوردي: وهذان الوجهان إنما يكون القول بهما وجهاً [واحداً] إذا كان الوكيل عند الاختلاف باقياً على الوكالة، فأما مع عزله، فلا؛ لما يقتضيه تعليلهما.
وهذا منه يدل على أن القولين يجريان مع بقاء الوكالة، ومع العزل، وقد حكى الرافعي أن قول الوكيل بعد العزل لا يقبل وجهاً واحداً، وان محل الخلاف قبل العزل، وعليه يدل كلام معظم الأئمة؛ حيث عللوا وجه القبول: بأنه يملك الإنشاء بملك الإقرار؛ كالأب يقر بتزويج البكر.
وفي كلام الإمام في باب الرجعة شيء، وقد يعكر على ذلك؛ فإنه قال: إذا قال الزوج: راجعتك أمس، وقالت المرأة: ما راجعتني أصلاً، والعدة باقية – قال صاحب التقريب: المذهب أن القول قول الزوج، وحكى وجهاً غريباً

أن القول [قول] المرأة، فإن أراد الزوج تصديق ما قال، فليبتدر الارتجاع.
قال: ويلزم على قياس ما قال إذا وكل رجلاً [بيع شيء] من ماله فقال الوكيل: قد بعت، وأنكر الموكل بيعه، ولم يعزله عن الوكالة فالقول قول الوكيل؛ فإن طرد الخلاف في الوكيل، كان هاجماً علىخرق الإجماع، وإن سلّم عَسُرَ الفرق.
وأحد القولين في المسألة الثانية: أن القول قول الوكيل؛ لأن قوله مقبول في أصل العقد؛ فكذا في صفته؛ وهذا ما جزم به الماوردي، والروياني.
والقول الثاني: أن القول قول الموكل؛ لأن الوكيل يريد [أن] يلزم ذمة الموكل شيئاً [الأصل] فراغها منه، أو يزيل عن ملكه شيئاً فيما إذا كانت الدعوى أنه اشترى [بالغين] والأصل بقاء ملكه عليه، وهذا ما اختاره الشيخ أبو حامد، وجزم به المحاملي.
وقال البندنيجي: إنه المشهور في كتبه.
فرع: إذا قلنا: [القول] قول الوكيل في قبض الثمن، وإن المشتري بريء منه، فخرج المبيع مستحقًّا، فرجع المشتري على الوكيل – لم يكن له الرجوع على الموكل، وكذا لو تحالفا، وانفسخ العقد.
وحكى الروياني في كتاب الشركة من البحر: أن بعض أصحابنا قال: [له الرجوع]؛ لأنه يثبت بيمينه قبضه، وتلفه، والرجوع يثبت له بسبب آخر، وهو أنه نائب عنه في البيع، وهذا كما نقول: لا يثبت النسب بشهادة النساء، ولكن إذا شهدت الولادة في الفراش، ثبت النسب.
فائدة: إذا شرط للوكيل جُعْلاً علىلبيع، [وقد] وقع الاختلاف في البيع

بسبب استحقاق الجعل، وأنكره الموكل – قال الماوردي: القول قوله مع يمينه، ولا جعل للوكل إلا ببينة يقيمها على البيع، سواء قبلنا قوله في البيع أم لا؛ لأنه يدعي عملاً يستحق به جعلاً، فلم يقبل قوله في دعواه.
وكثير من الطلبة يصور مسألة الكتاب بهذه الصورة، وهذا يمنع التصوير بها.
قال: وإن وكله في قضاء دين فقضاه في غيبة الموكل، ولم يشهد، وأنكر الغريم، ضمن –أي: سواء صدقه الموكل في ذلك، أوكذبه – لأنه وكله بدفع مبرئ من المطالبة، ولا يكون ذلك مع الجحودإلا بالإشهاد، وكان مفرطاً بتركه؛ [فضمن]؛ كما يضمن الجناية؛ وهذا ما جزم به في المهذب، ومعظم الأئمة، ولرب الدين مطالبة الموكل بدينه، دون الوكيل؛ اتفق عليه الأصحاب.
قال: وقيل: لا يضمن؛ لأن الذي دل عليه اللفظ القضاء لا غير؛ فلا يجعل مفرطاًبترك غيره.
قال: وليس بشيء؛ لأن العرف إذا دل على شيء كان بمنزلة المصرح به في اللفظ، والعرف دال على اعتبار الإشهاد؛ فكان بتركه مقصراً.
وهذا الوجه حكاه في حال تصديق الموكل البغوي، والرافعي عن أبي الطيب بن سلمة، وهو مشابه لوجه حكاه الرافعي عن [ابن] أبي هريرة فيما إذا أدى الضامن الدين من غير إشهاد، وأنكر المضمون له القبض، ولم يكن المضمون عنه حاضراً، لكنه صدق الضامن: أنه يرجع عليه، ولم يجعله بترك الإشهاد مقصراً؛ وهذا لأن الضمان إذا كان بالإذن، كان توكيلاً في الأداء، متضمناً للإقرار.
وفي حال التكذيب من تخريج ابن سريج – كما اقتضاه كلام المحاملي- حيث قال بعد حكايته عن عامة الأصحاب: إن الوكيل يضمن إذا قضى الدين بغير إشهاد في غيبة الموكل؛ صدقه الموكل أو كذبه:

إلا أن ابن سريج خرج فيها وجهاً آخر سها فيه: أن قول الوكيل مقبول على موكله.
وقد حكى ابن الصباغ عن أبي حينفة: أن الموكل إذا صدق الوكيل، فلا ضمان على الوكيل، فإذا كذبه؛ القول قوله، ثم قال: وحكى أبو العباس وجهاً مثل ذلك، كما يقبل قوله على موكله بالبيع، والقبض؛ على أحد القولين.
وحكى الإمام قبول قول الوكيل في ذلك وجهاً عن رواية صاحب التقريب أيضاً.
وإذا كان قول الوكيل مقبولاً على موكله في الأداء عند قوم، كانت فائدته سقوط الضمان؛ كما صرح به الإمام فيما إذا جعلنا القول قول الوكيل فيما إذا ادعى الرد على رسول الموكل، وكذبه الموكل في الرد؛ فإن فائدته سقوط الضمان.
نلخص من ذلك: أن الوكيل غير ضامن على وجه، سواء صدقه الموكل في الأداء، أم لا.
وقد خص الماوردي في كتاب الوديعة محل الخلاف في ضمان الوكيل عند تصديق الموكل بما إذا لم يكن الدين ببينة، أما إذا كان ببينة، فإنه يضمن وجهاً واحداً.
فإن قيل: قد حكيتم عن الماوردي: أنه حكى أن القولين المذكورين عن الشافعي فيما إذا قال الوكيل: بعت، وأنكر الموكل – محكيان عنه أيضاً [فيما إذا وكله] في إقباض المال، وحكيتم ثَمَّ: أن جماعة رجحوا من القولين قبول قول الوكيل، وجعلتم – هاهنا- قبول قول الوكيل في الأداء وجهاً لبعض الأصحاب، ومن تخريج ابن سريج، وأنه سها فيه، وذلك تناقض: قلنا: محل القولين – كما حكاه الماوردي ثَمَّ – فيما إذا صدق القابض الوكيل، وكذبه الموكل، وهاهنا محل خلاف ابن سريج وغيره مع الجمهور بالعكس من تلك المسألة، ولم يجتمع الكلامان على محل واحد؛ فلا تناقض.

نعم: أطلق القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ القول فيما إذا صدَّق الغريمَ الوكيلُ في القبض: أنه لا يضمن، وهذا الإطلاق لا اعتراض عليه إذا كان الموكل مصدقاً – أيضاً – أما إذا كان مكذباً، فقد قال المحاملي والبندنيجي: إنه لا فائدة في هذا الاختلاف؛ لأن العين – أي: التي وفيت في الدين – إن كانت تالفة سقط الدين باعتراف من هو له عليه ببراءة ذمته منه، وإن كانت باقية، فهو بالخيار بين أن يأخذها، ويقضي الدين منها، أو من غيرها.
وما قالاه فيه نظر؛ لأنا إن جعلنا القول قول الوكيل في الإقباض؛ على قول – كما حكيناه عن رواية المارودي – استقام ما قالاه في حالة التلف، دون حالة البقاء.
وإن جعلنا القول قول الموكل، استقام ما قالاه [في] حالة البقاء دون حالة التلف؛ فإنه ينبغي فيها أن تجري أقوال التقاص بين الموكل والغريم، فإن لم يره، اتجه تضمين الوكيل على المذهب قال: وإن أشهد شاهدين ظاهرهما العدالة – [أي] ثم بانا فاسقين – أو شاهداً واحداً، فقد [قيل:] يضمن؛ لتقصيره؛ حيث لم يتفحص عن حال الشهود، واكتفائه ببينة مختلفٍ فيها؛ وهذا ما اختاره في المرشد، وفي المسألة الثانية.
قال: وقيل: لا يضمن؛ لأن طلب الأسرار، ومعرفة باطن [أحوال] الشهود من مصب الحاكم؛ فلا ينسب في تركه إلى تقصير، والشاهد الواحد مع اليمين حجة في الأموال؛ كالشاهدين؛ وهذا هو الأصح في الجيلي في المسألتين، وهو ماحكينا مثله في كتاب الضمان.
ولا يخفى أن هذا الخلاف مفرع على المذهب في أن الأداء من غير إشهاد مضمَّن، وأن محله إذا لم يحصل المقصود بمن أشهده، أما إذا حصل؛

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل