كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 232-271
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 232-271
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال في البحر: وليس ذلك بشيء.
وفي الحاوي، وشرح ابن كج، والتتمة: أنه يتعين رؤيته أو وصفه كالوطء، وهو ظاهر النص، والذي صححه الروياني واعتبر الماوردي مع ذلك ذكر ارتفاعه وانخفاضه؛ لاختلاف ذلك على البعير والراكب، ولو كان في ذلك عرف مطرد لكفى الإطلاق كما سبق ذلك في المحمل وغيره.
وظرف المحمل: كالغطاء.
الثاني: التعاليق إذا شرطت كالقدر والسطيحة والقربة والسفرة ونحوها هل يحتاج إلى معرفتها بالرؤية أو الوصف مع الوزن أم لا؟ فيه طريقان: أحدهما: وهو ظاهر النص: أنه يحتاج إليه؛ لاختلاف الناس فيهاز والثاني: وهو الأظهر: أن في المسألة قولين: أصحهما: الاحتياج، والثاني: لا، وينزل على العادة وهذا ما قاله الغزالي في كتاب المسابقة أنه الأصح [وسلك الماوردي طريقاً آخر فقال: إن كانت معاليق الناس بتلك البلدة مختلفة فلا بد من معرفتها، وإن كانت متقاربة فقولان، أما إذا لم يشرط التعاليق فلا يستحق حملها؛ لأن الناس فيها مختلفون وقد لا يكون للراكب تعاليق.
وفيه وجه: أنها لو شرطت] ومحل الخلاف في اعتبار الوصف إذا لم يكن فيها شيء من الزاد والماء، أما إذا كان فيها شيء فلا بد من ضبطه كما سنذكره.
قال: وما عقد على مدة لا يجوز فيه شرط الخيار؛ لأنه عقد لازم على منفعة فلم يصح اشتراط الخيار فيه، كالنكاح؛ ولأن اشتراط الثلاث يتضمن إتلاف بعض المعقود عليه مع بقاء العقد في جميعه فلم يصح، كما لو شرط في ابتياع العبدين أنه إذا تلف أحدهما في يد البائع لم يبطل البيع.
قال: وفي خيار المجلس وجهان: وجه المنع: أنه يفوت بعض المدة فأشبه خيار الشرط، ولأن الإجارة عقد غرر؛ لكونها عقداً على معدوم والخيار غرر فلا يضم غرر إلى غرر، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق، وابن خيران، وصححه الإمام والبغوي، وصاحب المرشد، والأكثرون.

ووجه الجواز القياس على البيع؛ لكونها عقد معاوضة، وهذا ما صار إليه الإصطخري وصاحب التلخيص.
وقال الرافعي: إن صاحب المهذب وشيخه الكرخي رجحاه.
والفرق بينه وبين خيار الشرط: أن المجلس في غالب الأمر لا يمتد والفائت من المنفعة قدر يسير [لا يبالى به] وإن طال فعلى ندور النادر لا يغير وضع الشيء، وقد حكى [الإمام] أن الإمام وبعض أصحاب القفال ذكروا الخلاف في ثبوت خيار الشرط أيضاً، وبه ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: يثبتان وهو ما حكاه القاضي الحسين في هذا الباب عن ابن خيران.
والثاني: لا يثبتان.
والثالث: يثبت خيار المجلس دون خيار الشرط، ويتفرع على القول بثبوت الخيار فرعان: أحدهما: ابتداء مدة الإجارة [هل تكون] من حين العقد أو من حين اللزوم؟ فيه خلاف حكاه الإمام ورجح الأول فإن المدة لو حسبت من وقت اللزوم لتأخرت المنفعة عن العقد فشابه إجارة الزمن المستقبل، وقال: إن للقائل بمقابله أن يقول: إنما يمتنع تأخير حكم الإجارة عن العقد إذا لزم، فعلى هذا تتعطل المنافع على المكرى، وليس له الانتفاع بالعين في المدة ولا إيجارها.
ولو قال به قائل كان مقارناً بخرق الإجماع، والقياس يقتضي جواز إجارة الدار المكراة في مدة الإجارة على هذا، وأراه بعيداً كذا قاله الإمام، وعلى الأول: إن كانت المنافع في يد الآجر تلفت مضمونة عليه وإن تلفت في يد المستأجر، ففيه وجهان: ينبنيان على أن المبيع إذا تلف في يد المشتري في زمن الخيار يكون من ضمان من؟ فيه قولان: أصحهما: من ضمان المشتري.
فعلى هذا تكون المنفعة محسوبة على المستأجر وعليه تمام الأجرة.
والثاني: يكون من ضمان البائع، فعلى هذا يحسب على الآجر وينحط من الأجرة ما يقابل تلك المدة.

الثاني: إذا أجر الآجر العين قبل لزوم العقد من آخر صح على المذهب وانفسخ العقد الأول.
وفيه وجه: أن الأول ينفسخ، ولا يصح الثاني؛ كيلا يكون اللفظ الواحد فسخاً وعقداً، وذلك متناف، كذا قاله الماوردي، ويتجه أن يجيء الوجه الثالث الذي حكيناه في نظير المسألة من البيع.
قال: وما عقد على عمل معين أي كخياطة ثوب وبناء حائط والإركاب إلى مكان كذا يثبت فيه الخياران لأن [منفعة] العين المعينة كالعين المتعينة [في البيع ثم بيع العين يثبت فيه الخياران فكذلك هنا]، ولأن المحذور الذي ذكرناه في إجارة المدة من فوات بعض المعقود عليه منتف هاهنا.
وقيل: لا يثبتان كما لا يثبتان في النكاح، ولأن الإجارة عقد غرر فيصان من غرر آخر.
وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط؛ [لأنه عقد على منتظر فثبت فيه خيار المجلس] دون خيار الشرط كالسلم، وهذا ما اختاره في المرشد ثم هذان القسمان فيما إذا كانت الإجارة واردة على العين، أما إذا كانت واردة على منفعة في الذمة، ففي تعليق القاضي الحسين: أنا إن قلنا بحذائها حذو السلم، فحكمها حكم المسلم فيه، فثبت خيار المجلس دون خيار الشرط وإلا فمرتب على إجارة العين فإن قلنا: يثبت ثم خيار الشرط فهنا أولى، وإن قلنا: لا يثبت ثم فهاهنا وجهان؛ لأن إثبات الخيار هناك يتضمن تفويت جزء من المعقود عليه مجاناً بخلاف ما إذا كانت الإجارة على ما في الذمة، وهذا يقتضي الجزم بثبوت خيار المجلس والتردد في ثبوت خيار الشرط، وفي المهذب حكاية وجهين: أحدهما: لا يثبت فيه خيار أصلاً، لكونها عقد غرر.
والثاني: يثبت خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأن الإجارة [في الذمة؛ كالسلم، وهذا ما اختاره في المرشد، وهذا من الشيخ] يقتضي الجزم بعدم ثبوت خيار الشرط والتردد في ثبوت خيار المجلس.
وفي الوسيط: الجزم بثبوت الخيارين فيها؛ نظراً إلى كونه لا يحذر فوات

منفعته والإجارة بيع تحقيقاً، والأحسن ما قاله القاضي وإلا أشكل الفرق بينه وبين السلم حيث يثبت فيه خيار المجلس جزماً وحصل التردد في ثبوته هنا، وينتظم من مجموع ما ذكرناه ثلاثة أوجه كما صرح بها في البيان والمحاملي في المجموع، وعلى هذا إذا جمعت الطرق كان في ثبوت الخيار في عقد الإجارة كيف فرض ثلاثة أوجه: قال: ... ولا تجوز إلا معجلاً ويتصل الشروع أي إمكان الشروع في الاستيفاء بالعقد [أي إذا ورد العقد على العين سواء قدرت المنفعة فيه بالعمل] أو بالمدة؛ لأن إجارة العين كبيع العين، وبيع العين لا يجوز إلا على ما يمكن الشروع في قبضه فكذلك في الإجارة ولأن عقود المنافع إذا تعينت بزمانها بطلت بتأجيل إقباضها كالزوجة إذا شرط [تأجيل] تسليمها.
قال: فإن أطلق وقال: أجرتك [هذا] شهراً أي ولم يعين أن ابتداءه من حين العقد؛ لم يصح لجواز أن يريد أن ابتداءه بعد يوم في مثالنا؛ لكونه منكراً فيخل الاتصال المذكور.
وقد حكى القاضي الحسين وجهاً عن القفال وصححه: أن العقد يصح، ويحمل على الشهر الأول، وعلى ذلك جرى الإمام ومن تابعه؛ لأنها مدة مضروبة في عقد فوجب أن تتعقب [العقد] إذا أطلقت؛ كمدة الإيلاء، والحلف على ترك الكلام شهراً.
والصحيح الأول، وبه جزم العراقيون، وأبطل القاضي أبو الطيب علة خلافه بأن هذا شهر منكر فلم يحمل على الأول؛ كما لو قال: أجرتك شهراً من شهور هذه السنة، وقد ادعى الإمام أنه لا خلاف في هذه الصورة في عدم الصحة، وكذا القاضي الحسين، وهو محمول على ما إذا بقي من السنة أكثر من شهر، أما إذا لم يبق فيها إلا شهر، فقد صرح المتولي والبغوي بالصحة فيه، ولو قال: أجرتك الشهر أو نصف الشهر حمل على ما بقي من ذلك الشهر في الصورة الأولى وعلى نصفه في الثانية، وهذا الحكم: فيما لو قال: السنة.
صرح به القاضي

الحسين، أما إذا كانت الإجارة واردة على الذمة فيجوز تأجيلها قطعاً؛ كالمسلم فيه وسنذكرها.
تنبيه: [قول الشيخ: ويتصل الشروع في الاستيفاء بالعقد.
ظاهره يقتضي أن يتمكن] المستأجر من استيفاء المنفعة عقيب العقد ويلزم على ذلك مخالفة الأصحاب في بعض المسائل ومخالفة بعضهم في بعض فيتعين أن يصرف عن ظاهره ويحمل على التمكن من الشروع في استيفاء المعقود عليه إذا أمكن والتمكن من الشروع فيما يوصل إلى الاستيفاء إن لم يمكن وذل كيتضح برسم مسائل: منها: استئجار عين الشخص للحج قبل أشهره يجوز؛ إذا كان لا يتأتى الإتيان به من بلد العقد إلا بالسير قبله وكان في وقت خروج الناس من تلك البلد إليه، ولا مانع قائم بالأجير من مرض أو بالطريق من خوف أو تراكب الثلوج والأنداء التي لا يعلم وقت زوالها، فلو علم فالأصح عند الغزالي أنه غير مانع، وكذا الاستئجار على الحج في أشهره ليحرم الأجير من الميقات، جائز عند خروج الناس إليه، وفي كل من الحالتين المذكورتين لم يتصل الشروع في نفس المستأجر عليه؛ لأنه غير [معقود عليه] بل فيما يوصل إليه، ويدل على ذلك ما سنذكره من أن الأجير إذا مات بعد قطع المسافة وقبل الإحرام لا يستحق شيئاً من الأجرة، وقد استدرك الرافعي على الغزالي وإمامه حيث قالا: ثم مهما صحت الإجارة وجب على الأجير الخروج مع أول رفقة، ولا يجوز التأخير إلا بعذر انتظار الرفقة ولا عذر بعد وجودها، بأن ذلك يقتضي جواز تقديم الإجارة على خروج الناس، وأن له انتظار خروجهم، ولا يلزمه المبادرة وحده، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه ويقتضي اشتراط وقوع العقد في زمان خروج الناس من ذلك البلد حتى قال صاحب التهذيب: لا يصح استئجار العين إلا في وقت خروج القافلة من تلك البلد بحيث يشتغل عقيب العقد بالخروج أو أسبابه من شراء الزاد ونحوه وإن كان قبله لم يصح؛ لأن الإجارة للزمن المستقبل لا تجوز وفرع على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج، لتمكنه من الاشتغال بالعمل عقيب العقد.
ومنها استئجار الدار المشحونة بالأمتعة: يجوز على الأصح وإن لم يتصل

الشروع في استيفاء المنفعة؛ لأن الشروع في التفريغ في الحال ممكن وهو موصل إلى المقصود.
وعن الشيخ أبي محمد: منع إجارتها بخلاف بيعها.
وحكى الرافعي في أواخر الباب: أنه رأى للأئمة فيما جمع من فتاوى القفال في صحة إجارتها جوابين: أحدهما: أنه إن أمكن التفريغ في مدة ليس لمثلها أجرة صح العقد وإلا فلا؛ لأنها إجارة [مدة] مستقبلة، وفي هذا التعليل نظر.
والثاني: أنه إن كان يذهب في التفريغ مدة الإجارة لم يصح، وإن كان يبقى منها شيء صح ولزم قسطه من الأجرة إذا وجد فيه التسليم وأنهم خرجوا على الجوابين: ما لو استأجر داراً ببلد آخر فإنه لا يتأتى التسليم إلا بقطع المسافة بين البلدين.
ومنها: إذا استأجر شخصاً ليتعلم منه شيئاً من القرآن والأجير لا يعرف ذلك [ولكن] يتأتى منه أن يتعلم ويعلم ففي صحة الإجارة وجهان حكاهما الإمام في باب الجعل والجعالة من كتاب الصداق عن العراقيين، ثم قال ومحلهما: إذا كان يحسن مقداراً يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالعين واردة على مدة تتسع للتعلم وللتعليم أما إذا لم تكن مدة وكان لا يحسن شيئاً ألبتة فالوجه القطع بفساد الإجارة لتحقق العجز عن المستحق في الحال وعلى ذلك جرى في الوسيط هنا.
فروع: لو أجر دابة إلى موضع ليركبها المكري زماناً ثم المكتري زماناً- لم يجز؛ لتأخر حق المكتري في بعض الطريق، وتعلق الإجارة بالزمن المستقبل، وإن أجرها منه ليركب المكتري بعض الطريق وينزل ويمشي في البعض، أو أجرها من اثنين ليركب هذا زماناً، وهذا مثله؛ ففيه أربعة أوجه: أحدها: أن الإجارة فاسدة في الصورة الأولى، صحيحة في الثانية؛ لأنه إذا أكرى من اثنين اتصل زمان الإجارة بعضه ببعض، وإذا أكرى من واحد يفرق

وتكون إجارة في الزمن المستقبل، وهذا ما صححه الماوردي.
والثاني: المنع في الصورتين؛ لأنها إجارة إلى آجال متفرقة وأزمنة متقطعة.
والثالث: وبه قال المزني في الجامع الكبير تخريجاً.
ووافقه صاحب التلخيص، واختاره القاضي الطبري والروياني: أنه يجوز في الصورتين مضمونة في الذمة، ولا يجوز على دابة معينة، والفرق: أنها إذا كانت في الذمة فإن أجرها من واحد؛ فقد ملكه نصف المنافع على الإشاعة فيقاسم المالك، وإن أجرها من اثنين ملكهما الكل فيقتسمان.
وأما إجارة العين فإنها تتعلق بأزمنة منقطعة فتكون إجارة للزمان المستقبل.
والرابع- وهو أصحها وجعله أبو الطيب في تعليقه المذهب- جواز الإجارة في الصورتين على الذمة والعين ويثبت الاستحقاق في الحال، ثم يقتسم المكرى والمكتري أو المتكاريان والتأخر الواقع من ضرورة القسمة والتسليم فلا يضر، وعلى هذا إن كان في الطريق عادة مضبوطة إما بالزمان [بأن] يركب يوماً وينزل يوماً، أو المسافة بأن يركب فرسخاً ويمشي فرسخاً حمل العقد عليها، وإن لم تكن عادة مضبوطة فلا بد من البيان في الابتداء، وليس لأحدهما أن يطلب الركوب ثلاثاً والنزول ثلاثاً؛ لما في دوام المشي من التعب، ودوام الركوب من الإضرار بالدابة، ولو اختلفا فيمن يبدأ بالركوب فالمحكم القرعة، وهذه المسألة مشهورة بكراء العقب وهو جمع عقبة، والعقبة: النوبة إذا أكرى الدابة من اثنين ولم يتعرض للتعاقب.
وقال القفال يجوز، ويتهايأ فيركبها هذا يوماً وهذا يوماً.
قال في البحر بعد حكايته ذلك: وهذا عندي إذا أمكن أن يركبها معاً، فإن لم يمكن فلا يجوز كراهما للركوب معاً.
وقال المتولي: إن احتملت الدابة ركوب الشخصين اجتمعا على الركوب، [وإلا رجع] إلى المهايأة.
لو قال: أجرتك نصف الدابة إلى موضع كذا، أو أجرتك الدابة لتركبها نصف الطريق صح ويقتسمان إما بالزمان أو المسافة، وفي إجارة نصف الدابة وجه: أنها غير جائزة للتقطع.

قال: .... ولا تجوز الإجارة إلا على أجرة معلومة الجنس [والقدر] والصفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اسْتَاجَرَ أَجِيراً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْراً"؛ ولأنها بمنزلة الثمن في البيع ومعرفة الثمن في البيع شرط فكذلك الأجرة، وهذا إذا كانت الأجرة في الذمة، أما لو كانت على العين فالمعتبر شرائط المبيع وإلا لا يكون عمله واقعاً فيما جعله له؛ كما إذا استأجر الطحان ليطحن الحنطة بقفيز منها مطحوناً؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان وهو مفسر بما ذكرناه، وألحق الأصحاب به ما إذا استأجر الطحان على الطحن بجزء شائع من الدقيق أو النخالة، أو السلاخ ليسلخ الشاة المذبوحة بجلدها وأظهروا للنهي معنى لأجله عدوا الحكم إلى ما ذكرناه، وهو أن الأجرة غير حاصلة في الحال على الهيئة المشروطة، وإنما تحصل بعمل الأجير من بعد فهي إذاً غير مقدور عليها في الحال.
وفي بعض المسائل ما يقتضي الفساد، ولو خلت عن المعنى المذكور، وهو في مسألة الاستئجار بجزء من الدقيق أو النخالة: جهالة الدقيق في الحال، وكذا النخالة؛ لاشتمال القمح عليهما وفي مسألة السلاخ الجهل بصفاته؛ لأنه لا يعرف حاله في الرقة والثخانة وسائر الصفات قبل السلخ، وكذلك يمتنع جعله أجرة مطلقاً، وإن كان الاستئجار على عمل غير السلخ وقد ألحق الأصحاب على ما حكاه الغزالي وإمامه بمسألة قفيز الطحان أيضاً ما إذا استأجر مرضعة على الرضاع بجزء من المرتضع الرقيق في الحال وقاطف الثمار بجزء منها على رؤوس الأشجار موجهين ذلك بأن عمل الأجير لم يقع في خالص ملك المستاجر، ثم قال الغزالي: وزاد الأصحاب فقالوا: المرتضع المشترك بين امرأة

مرضعة ورجل لا يجوز للرجل استئجارها على الرضاع؛ لأن عملها لا يصادف خالص ملك المستاجر، وهذا فيه احتمال؛ إذ قطعوا في كتاب المساقاة: بأن أحد الشريكين لو ساقى صاحبه وشرط له جزاء جاز وهو على عمل مشترك، ولكن قيل: ما يخص المستأجر يستحق به الأجرة، وهو محتمل- هاهنا – أيضاً.
قلت: وجه الزيادة في هذه المسألة على ما ذكره في الصورة السابقة: أن الفساد قد يعلل فيها: بأن الاستئجار لما وقع في حال كون جميع العين ملكاً للمستأجر انتهض ذلك دليلاً على أن المراد بالاستئجار العمل في كل العين، وإذا كان كذلك اقتضى العقد تمليك الأجير جزءاً من العين في مقابلة عمله فيه وفي باقيها، وإجباره على العمل في ملكه والأول مخالف لوضع الإجارة، والثاني مخالف لوضع الملك.
وفي مسألة استئجار الشريك على الإرضاع لا بجزء من الرضيع، العقد واقع على العمل في حصته؛ لكون الظاهر أن الإنسان لا يستأجر إلا على العمل في ملكه [فيصير كما لو صرح بذلك، ولو صرح بذلك لانتفى ما ذكرناه من كونه يأخذ الأجرة على عمله في ملكه] وكونه مجبراً على العمل في ملكه قصداً فإلحاقه بالصورة السابقة زيادة وهو بصورة المساقاة أشبه، وقد أشار الإمام إلى أن المنع جاء من جهة أن الاستئجار على إيقاع العمل في الملك المشتر لا يجوز ما لم يجتمع عليه الملاك، فلو جاز لأحدهم لزم منه التصرف في ملك غيره بغير إذنه إلى انقضاء الإجارة أو عدم القدرة على تحصيل المنفعة.
وكل منهما محذور وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود فيما إذا كان الأجير هو الشريك؛ لأنه لا يلزمه العمل في ملكه، وما ذكره لا يقتضي المنع في استئجار الشريك؛ لأنه بعينه موجود في مسألة المساقاة، وقد جزم فيها بالصحة وموجود فيما لو كان بين رجلين حمل مشترك فاستأجر أحدهما صاحبه على حمله إلى البيت، فإنه يصح بالأجرة المسماة كما لو قال: استأجرتك لحمل نصيبي بكذا وفيما إذا كان بين شخصين طاحون فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يعمل فيه كذا يوما بأجرة معلومة فإنه يصح، ويجعل كما لو استأجره ليحمل نصيبه أو على

نصف منفعة بدنه، لأنه لو استأجر من حر نصف منفعته جاز، كذا حكاه القاضي الحسين الحكم والتوجيه في الصورتين، وموجود أيضاً فيما لو استأجر أحد الشريكين في الحنطة صاحبه ليطحنها أو في الدابة ليتعهدها بدراهم، وقد جزم في التهذيب فيهما بالصحة، فكان إلحاق مسألة الرضيع بهذه المسائل أولى والله أعلم.
قال: فإن استأجر بالطعمة والكسوة لم يصح، كما لو جعل ذلك عوضا في النكاح والبيع، وهذا الحكم فيما لو اكترى الدابة بعلفها، أو الأرض بخراجها وكلفتها أو الدار بعمارتها، وكذا لو استأجر الدار بدراهم معلومة وشرط على المستأجر صرفها في العمارة؛ لأن الأجرة الصرف والدراهم، والعمل فيا لصرف مجهول، نعم لو قدر شيئاً من الطعام ووصفه بصفات السلم صح جعله أجرة، وإن قسطه في كل يوم شيئاً خرج على السلم في جنس إلى أجلين صرح به القاض الحسين، ثم إذا أذن له في صرف ذلك إلى العبد المستأجر جاز.
وهكذا نقول فيما إذا استأجر داراً بقدر من الدراهم ثم أذن له في صرفها في العمارة بدون شرط صح ولم يخرج الأصحاب ذلك فيما وقفت عليه على اتحاد القابض والمقبض وكأنهم نزلوا القابض من المستأجر منزلة النائب عن الأجير وإن لم يكن معنياً واغتفروا مثل هذا التوكيل لوقوعه ضمناً، وإن كان لا يصح لو وقع قصداً كما صرح به القفال فيما إذا قال وكلت كل من أراد بيع مالي ببيعه [بل ادعى ابن الصباغ في كتاب الخلع فيما إذا خالع زوجته وأذن لها في إنفاق ذلك على ولده كان له، وأنه لا يختلف أصحابنا في ذلك]، لكن قياس هذا أن يقال: إذا كان له في ذمة شخص مال فأذن له في غسلامه في كذا أن يصح، وهو ما حكاه صاحب الإشراف عن ابن سريج، ثم قال: والمذهب خلافه وقضية هذا أن يجيء مثله هاهنا.
وعلى الأول: لو اختلف الآجر والمستأجر في قدر المصروف وكان ما ذكره المستأجر محتملاً؛ فمن القول قوله؟ فيه قولان في الإبانة، والذي أجاب به ابن الصباغ أن القول قول المستأجر، وسيأتي فيما إذا أذن الحاكم للمستأجر عند هرب الجمال في الإنفاق وجدناه ثم اختلف الجمال والمستأجر في قدر المنفق، فمن القول قوله؟ فيه ثلاثة أوجه يتجه مثل جريان مثلها هاهنا، ولو أنفق المستأجر

عند اشتراط الإنفاق في أصل العقد بشرط الرجوع رجع عليه، وإن فسد العقد [لإذنه، فإن اختلفا] في قدر المنفق ذكر القاضي في تعليقه أن القول قول المنفق؛ لأنه ائتمنه على ذلك.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لم يأتمنه وإنما شرط عليه أن تكون النفقة عليه، وذلك لا يقتضي الأمانة.
تنبيه: الطعمة بضم الطاء: الإطعام.
والكسوة: بكسر الكاف وضمها جميعاً، كسي، وكسوته [ثوباً] فاكتسى وهو كاس، وهم كساة ونسوة كاسيات.
قال: ... وإن عقد على مال جزاف؛ أي: والعقد على منفعة عين معينة جاز؛ لأن المنافع في حكم الأعيان المقبوضة بدليل جواز التصرف فيها؛ فجاز أن يكون ما يقابلها جزافاً؛ كالثمن في البيع، وهذا هو المذهب.
وقيل فيه قولان؛ كرأس مال السلم، والجامع: أنهما عقدان على منتظر يخشى انفساخ العقد فيه بتعذره.
والقائل الأول: فرق بأن السلم معقود إلى أجل فهو غرر فلا ينضاف غرر إلى غرر، والإجارة معقودة على منفعة حالة وإنما تستوفي شيئاً فشيئاً فشابه الطعام إذا اشتراه وقبضه [كيلاً] قليلاً قليلاً، والأجل املذكور فيها ليس بأجل في الحقيقة وإنما يضرب لتقدير المنفعة فإن الأجل: ما يحل الحق عند انقضائه، وهذه المدة تعني الحق عند انقضائها، أما إذا كانت الإجارة على منفعة في الذمة؛ قال ابن يونس: فهي كالسلم بلا خلاف، وهذا إن قاله وقد عقد بلفظ السلم فهو ظاهر، وإن قاله وقد عقد بلفظ الإجارة ونحوها ولم يسلك به مسلك السلم فلا اتجاه له.
قال: وإن أجر منفعة بمنفعة جاز؛ لأنهما منفعتان يجوز أن يعقد على كل منهما فجاز العقد على إحداهما بالأخرى عند اتفاق الجنس؛ كما لو كانتا مختلفتي الجنس، ومن منع الصحة عند اتفاق الجنس- وهو أبو حنيفة- اتبع في ذلك أصله، وفي تحريم الربا في كل جنس واحد، وقد بينا في باب الربا: أنه لا يجري إلا في المطعوم والنقدين.

قال: وتجب الأجرة بنفس العقد؛ لأنه عقد لو شرط فيه تعجيل العوض أو تأجيله تبع في ذلك بالاتفاق، فإذا أطلق وجب أن يحمل على التعجيل؛ كالثمن في البيع وأيضاً: فإن المستأجر قد ملك المنفعة وصح تصرفه فيها فوجب أن يملك الآجر مقابلها وهو الأجرة عملاً بتساوي المتعاقدين.
قال: إلا أن يشرط فيها الأجل فتجب في محله [كالثمن]، وهذا إذا كانت الإجارة واردة على العين أما إذا وردت على الذمة فسيأتي.
واعلم إنا وإن أوجبنا الأجرة بنفس العقد فلا يوجب تسليمها ما لم تسلم العين المؤجرة إلى المستأجر، كذا صرح به الماوردي، وكان يتجه أن يكون فيه الخلاف المذكور في البيع إذا كانت الإجارة على عمل، وقلنا: إن الصنعة كالعين، وإن قلنا: إنها أثر فتكون كالنكاح؛ لأن المنفعة تفوت بالتسليم كما تفوت منافع البضع بالوطء، خصوصاً إذا كانت المنفعة حراسة أو رعياً أو نحوهما، وقد صرح المتولي بإلحاق الآجر والمستأجر عند التنازع بالبائع والمشتري، وإذا تسلم الآجر الأجرة فهل ملكها ملكاً مستقراً أو ملكها ملكاً مراعى؟ فيه قولان صرح بهما الماوردي وغيره.
ومعنى الملك المستقر كما حكاه الإمام في كتاب الزكاة: أن الإجارة لو انفسخت في أثناء المدة انتقص ملك الآجر عما يخص الذي انفسخ العقد فيه [من حينه.
ومعنى الملك المراعى: أنها إذا انفسخت في أثناء المدة تبينا أنه لم يملك ما يقابل ما انفسخ العقد فيه].
فرع: إذا وقع العقد بأجرة مؤجلة والنقد على صفة ثم صار عند الحلول على غيرها، فالواجب النقد الموجود حالة العقد بخلاف ما لو كان النقد حال [عقد] الجعالة على صفة ثم تغير حال تمام العمل فإن المعتبر فيه النقد الموجود حال الفراغ على وجه؛ لأن به استحق الأجرة والصحيح أنه كالإجارة.
قال: وإن كان العقد على مدة أي مثل [إن استأجر شيئاً شهراً من حين العقد فتسلم العين ومضت المدة، أو على عمل معين، أي: مثل] إن استأجر عبداً

ليخيط له ثوباً أو يبنى له حائطاً ونحو ذلك، [أو استاجر دابة ليركبها إلى موضع كذا، أو يحمل عليها شيئاً إلى موضع كذا ونحو ذلك].
فسلم العين ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء استقرت الأجرة أي سواء استوفى المنفعة أو لا، وسواء كان عدم الاستيفاء لعذر قام به أو بالطريق أو لا لعذر؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يد متملكه فاستقر عليه بدله؛ كالمبيع إذا تلف تحت يد المشتري.
وفي الحاوي: أن هذا فيما إذا كان العذر المانع من استيفاء المنفعة قائماً بالمستأجر كالمرض ونحوه أما إذا كان قائماً بالعين المستأجرة؛ كمرض الدابة فلا أجرة على المستأجر لكن إن كانت الإجارة على مدة فقد انفسخت وإن كانت إلى مسافة معلومة فهي بحالها.
وألحق العذر القائم بالطريق من خوف أو حذر بالعذر القائم بالعين المستأجرة لكون المنع في الحالتين من غير المستأجر فصار ممنوعاً من استيفاء حقه، والأصحاب استشعروا ذلك وأجابوا عنه: بأن المستأجر متمكن من استيفاء المنفعة في طريق آخر إلى مثل الموضع المعين؛ إذ لا يتعين السير إلى الموضع الذي عينه عندنا فصار كما لو لم يكن في الطريق خوف.
وليس للمستأجر عند تعذر [استيفاء] المنفعة عليه لا بسبب من جهة المؤجر فسخ الإجارة ولا أن ييلزم المكرى استرداد الدابة في الصورة الأخيرة من صور الكتاب إلى أن يقدر على استيفاء المنفعة، وقد ألحق بالتسليم فيما ذكرناه عرض الآجر العين المستأجرة على المستأجر وامتناعه من تسلمها إلى انقضاء المدة والزمان صرح به في المهذب وغيره فحينئذ [تستقر الأجرة] فيما إذا كانت الإجارة على منفعة عين معينة بأحد ثلاثة أشياء: كما صرح به في الذخائر- استيفاء المنافع، والتمكين من الاستيفاء بأن يسلم إليه العين وتمضي المدة وهي في يده، وأن تعرض عليه العين ويتمكن من قبضها فيتركها اختياراً حتى تمضي المدة.
قلت: والجزم بالاستقرار في الصورة الأخيرة فيه نظر؛ لأن الأصحاب شبهوا

منفعة العين المعينة بالمبيع المعين، وقد تقدم حكاية وجه فيما إذا وضع البائع [العين المبيعة] في بيت المشتري أو حجره، أو بين يديه بغير إذنه ورضاه أنه لا يكون إقباضاً ما لم ينقله فيشبه أن يجيء مثله هاهنا.
قال: ويجب رد العين أي: بعد مضي المدة والزمان؛ لأن ذلك قضية الملك، وهذا جواب على أن المستأجر يجب عليه [رد العين] بعد المدة كما سيأتي.
فرع: إذا وقع العقد على منفعة حر فسلم نفسه ولم يستعمله المستأجر حتى مضت المدة أو مضت مدة يمكن فيها العمل المستأجر عليه، فهل تستقر الأجرة؟ قال الرافعي: الذي ذهب إليه الأكثرون الاستقرار، والذي ذهب إليه القفال عدمه؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد فلا تحصل منافعه في ضمان المستاجر إلا عند وجودها، وهذا ما قاله الشيخ أبو علي عند الكلام فيما إذا تلف الثوب الذي وقعت الإجارة على خياطته، وإيراد القاضي أبي الطيب، والماوردي وغيرهما موافق لما حكاه عن الأكثرين فإنهم قالوا فيما إذا استأجره على قلع ضرس وجيع ثم امتنع المستأجر من تمكين الأجير من القلع مع بقاء الألم حتى مضت مدة يمكن قلعه فيها: إنه لا يجبر على ذلك وتجب الأجرة عليه ويستقر.
كذا حكوه عند الكلام في أن المستأجر ليس له فسخ الإجارة بعذره.
وحكى ابن الصباغ: أن القاضي أبا الطيب قال في المجرد: وعندي أنها لا تستقر حتى إن هذا السن لو انقلع انفسخت الإجارة ووجب رد الأجرة كما قلنا في النكاح: إذا مكنت الزوجة من نفسها ولم يطأها الزوج، ويفارق هذا إذا حبس الدابة مدة المسافة أنه تستقر عليه الأجرة؛ لأن المنافع تلفت تحت يده بخلاف مسألتنا.
وهذا التعليل يؤيد ما أوردته عن الأصحاب في الجزم باستقرار الأجرة بالعوض.
قال: ... وإن كانت الإجارة فاسدة استقرت أجرة المثل ... أي سواء انتفع بالعين [بعد تسليمها أم لا]؛ لأن الإجارة كالبيع، والمنفعة كالعين، ثم البيع الفاسد كالصحيح في الضمان بالقبض فكذلك الإجارة.

قال: وما يحتاج إليه في التمكين من الانفاع كمفتاح الدار، وزمام الجمل والحزام والقتب، فهو على المكري؛ أي عند إطلاق العقد؛ لأن التمكين من الانتفاع واجب على الآجر، وهو متوقف على ذلك؛ [فوجب عليه] وفي معنى القتب الإكاف والبرذعة والثفر وبرة البعير: وهي التي تكون في أنفه من خشب أو غيره، واللجام، والسرج إذا كان المستأجر فرساً للركوب صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
وحكى أبو الحسن العبادي في الرقم: أن مكري الدابة لا يلزمه تسليمها إلا عارية، والآلات كلها على الراكب؛ كما لو شرط ذلك عليه.
وفي التهذيب: أن ما ذكرناه يجب على المؤجر؛ إذا كانت الإجارة واردة على الذمة، أما إذا كانت واردة على عين الدابة والبرة، والخطام، ولجام الفرس، وكل ما يحتاج إليه للتمكين يجب عليه أيضاً، والسرج والإكاف على المستأجر، وكذا الوعاء إذا كان الكراء لحمل متاع.
فلو سلم إليه الدابة عارية، فركبها أو حمل عليها بلا إكاف ولا سرج ضمن؛ لأنه يرق ظهر الدابة إلا أن تكون المسافة قريبة.
وذهب ابن كج إلى أن السرج لا يجب إلا إذا كانت العادة جارية بالركوب عليه، وجعله الرافعي وجهاً ثالثاً، وهذا يدل على الخلاف في إيجابه وإن لم تجر العادة بالركوب عليه.
ولو كانت الدار مما يقفل عليها قفل حديد، فلا يجب على المؤجر.
والفرق بينه وبين المفتاح: أن المفتاح منفعة تابعة للضبة وهي من الثوابت، بخلاف القفل؛ فإنه منقول غير تابع.
تنبيه: جمع المفتاح مفاتيح ومفاتح، كالأماني، والأماني، [و] الزمام بكسر الزاي: أصله الخيط الذي يشد في [البرة] بضم الباء وتخفيف الراء، وقد يسمى المقود بكسر الميم وهو الرسن، [وهو مراد المصنف] الحزام بكسر الحاء جمعه حزم، والفعل حزمت الدابة أحزمها حزماً.
القتب: بفتح القاف والتاء جمعه أقتاب، قال: و [ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع: كالدلو والحبل، أي عند كراء شخص للاستقاء والمحمل والغطاء؛ أي عند

الكراء للركوب بهما كما تقدم- فهو على المستأجر؛ لأنه لا يتوقف الاستيفاء عليه بل كماله.
ومن هاهنا يؤخذ أنه لا يجب على الآجر ما يشد به أحد المحملين إلى الآخر من طريق الأولى، وفي المهذب حكاية وجه: أنه يجب عليه وهو بعيد مع القطع في نفس المحمل وسائر توابعه المذكورة أنها على المكتري.
قال الرافعي: والأقوم ما في تعليق الشيخ أبي حامد وغيره، وهو رد الوجهين إلى أن شد أحد المحملين إلى الآخر على من يجب؟ فعلى وجه: يجب على الآجر؛ كما يجب عليه الشيل والحمل؛ [لأنه يراد للتمكين من الركوب].
وفي الثاني: على المكتري؛ لأنه إصلاح ملكه [فهو كتأليف المحمل].
واعلم أن محل وجوب الحبل والدلو على المستأجر إذا كانت الإجارة واردة على العين، أما إذا كانت واردة على الذمة، فهي كالوعاء في الاستئجار على نقل الغلة في الذمة، فتكون على المكتري.
وعن القاضي الحسين أن الرجل إن كان معروفاً بالاستيفاء بآلة نفسه؛ لزمه الإتيان بها.
قال الرافعي: وهذا يجب طرده في الوعاء.
تنبيه: الدلو قال ابن السكيت: الغالب عليها التأنيث، وقد يذكر، وتصغيرها: دلية، وجمع القلة أدل وفي الكثرة دلاء ودلى بضم الدال وكسر اللام وتشديد الياء، وأدليت الدلو أرسلتها في البئر، ودلوتها نزعتها منه، وأيضاً أرسلتها.
والغطاء- بكسر الغين والمد-: جمعه أغطية، وهو ما يغطي الشيء، يقالك غطيته بتشديد الطاء تغطية، وحكى الجوهري أيضاً: غطيته غطيا بالتخفيف، ومنه قولهم: غطا الليل يغطو ويغطي أي أظلم.
قال: وفي كسح البئر أي بئر الحش وتنقية البالوعة أي إذا امتلئ ذلك في أثناء المدة بعد تسليمه فارغاً، وجهان: وجه إيجابه على المكري: أنه من مقتضى التمكين من الاستيفاء؛ فوجب كما يجب تسليم ذلك في الابتداء فارغاً حتى إذا لم يفعله، ثبت للمستأجر الخيار؛

وهذا ما اختاره الروياني، ولم يحك الماوردي عن الأصحاب سواه.
ووجه ثبوته على المستأجر: أنه تسلم ذلك فارغاً، وإنما حصل الامتء بفعله؛ فكان عليه، كتنظيف الدار عن الكناسة والأتون عن الرماد، وهذا ما صححه الرافعي، واختاره الماوردي لنفسه، وبه أجاب القاضي أبو الطيب، والبندنيجي وابن الصباغ، والمتولي.
فعلى هذا: إذا لم يفعله المستأجر لا يثبت له خيار.
وفيه وجه: أنه يثبت له.
وفي الحاوي: أنه يجبر على ذلك.
وهذا كله في خلال المدة، أما إذا انتهت المدة، فهل يجب على المستأجر تنظيف ما تسلمه فارغاً؛ ليسلمه كما تسلمه أم لا؟ قال الأصحاب: إن كان الموجود القمامات المجتمعة في زمن إجارته، وجب عليه إزالتها؛ وكذا الرماد عند الإمام.
وفي التهذيب: أنه لا يجب؛ لأن طرح الرماد من ضرورة استيفاء المنفعة.
وأما كسح البئر وتنقية البالوعة، فلا خلاف في عدم وجوب ذلك.
ومستنقع الحمام- وهو الذي يجتمع فيه الماء الوسخ- حكهم حكم البالوعة عند بعضهم في الدوام والانتهاء.
وحكى في البحر: أن القاضي في الجامع حكى عن بعض أصحابنا: أن كسحه على المكري أبدا، وهو المذهب؛ لأن التمكين من الانتفاع لا يكون إلا به ولا يشبه الحش في الدار؛ لأن معظم الانتفاع لا يكون به بخلاف الحمام.
ثم القمامات التي وقع [فيها] الكلام القشور وما يسقط من الطعام ونحوه، أما التراب الذي حصل من هبوب الرياح، فلا يجب على المستأجر؛ لأنه حصل بغير فعله.
قال الرافعي: لكن قد قيل: إن الثلج إذا وقع في العرصة وجف ولم يمنع الانتفاع كان ملحقاً بكنس الدار وكذا إن كثف على الظاهر، ومنه من ألحقه بتنقية البالوعة، وإن كان قد حصل لا بفعله، [فيجب أن يكون التراب أيضاً كالنكاسات في أثناء الإجارة وإن حصل لا بفعله].

تنبيه: الكسح: الكنس.
والبئر مؤنثة مهموزة وتخفف بتركه، وجمع القلة: أبؤر؛ كأفلس وأبار بإسكان الباء وبعدها همزة، ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار بمد أوله وفتح الباء [والكثرة بئار] بكسر الباء وبعدها همزة.
البالوعة، والبلوعة: ثقب في وسط الدار تنصرف فيه الأوساخ.
قال: وعلى المكري الإشالة والحط، أي إشالة الحمل وحطه، وإركاب الشيخ، أي بأن يمسك بيده، أو يضع له ركبته؛ ليركب عليها على العادة، وإبراك الجمل للمرأة؛ لاقتضاء العرف، وفي معنى المرأة: الرجل الضعيف؛ بسبب مرض أو نحافة، وكذا من جاوز الحد في السمن؛ كما صرح به الماوردي.
والاعتبار في القوة والضعف بحالة الركوب، لا بحالة الإجارة؛ صرح به أبو الطيب وغيره.
ولو كان المستأجر بغلاً أو حماراً؛ وجب عليه تقريبه من المرأة ومن في معناها؛ ليسهل الركوب.
ويجب عليه بعد الإركاب سوق الدابة وتعهدها، وإعانة الراكب في النزول على العادة.
وعليه إنزال الراكب؛ لقضاء الحاجة، والطهارة وصلاة الفرض؛ إذا طلب المستأجر ذلك ولو في أول وقت الصلاة، وإذا نزل انتظره، ولا يلزم المستأجر المبالغة في التخفيف ولا الاقصر، ولا الجمع، وليس له الإبطاء والتطويل، فإن كانت التطويل طبعاً فيه وعادة؛ كان عيباً فيه، وللجمال الخيار في فسخ الإجارة، والصبر عليه، وهكذا لو كان عسر الركوب إلا أن يستبدل الراكب بنفسه غيره صرح به الماوردي، ولا يجب إنزال المستأجر لصلاة النفل والأكل والشرب؛ ليأتيها على الراحلة.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب ما ذكرناه على المكرين بين أن تكون الإجارة واردة على العين أو على الذمة، وهو ما صرح به الماوردي.
وقال الرافعي: إن محله إذا وردت على الذمة، أما إذا وردت على عين الدابة، فالذي يجب على الآجر التخلية بينها وبين المستأجر، وليس عليه أن يعينه في

الركوب ولا في الحمل وإن هذا ما يوجد للأكثرين في نوعي الإجارة، وإن الإمام حكى وراءه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفترق في إجارة الذمة بين أن يقع العقد على التبليغ مثل أن يقول: ألزمت ذمتك تبليغي إلى موضع كذا على الدابة صفتها كذا فتقع الدابة تبعاً فتلزم الإعانة، وبين أنه تقع على الدابة بأن يقول: ألزمت ذمتك منفعة دابة صفتها كذا؛ لأركبها إلى موضع كذا فلا يجب.
والثاني: أنه يجب الإعانة على الركوب في إجارة العين أيضاً.
والثالث: أنها تجب في الحمل سواء كانت الإجارة في الذمة أو على العين لاطراد العادة بالإعانة على الحط والحمل وإن اختلفت في الركوب، وهذا ما اختاره في الوسيط ووضع الحط وحمله؛ كالحمل.
فرع: أجرة الدليل والسائق والقائد ينظر فيه، فإن اكترى بهيمة بعينها فليس على الآجر غيرها وإن اكترى منه الركوب أو الحمولة في الذمة كان ذلك على الآجر قاله في البحر.
تنبيه: الإشالة: الرفع يقول: أشلته، بضم الهمزة، إشالة [بكسرها] كأقمته أقيمه إقامة، وانشال هو، قال الجوهري: ويقال شُلْتُه أَشُوله شَوْلاً أي: رفعته.
إبراك الجمل، قال أهل اللغة: يقال: برك البعير يبرك- بضم الراء- أي: استناخ، وأبركته أنا فبرك.
قال ابن فارس: هو مشتق من البرك بفتح الباء وإسكان الراء وهو الصدر؛ لأنه يقع صدره على الأرض.
وأصل هذه الكلمة من الثبوت قال: وللمكتري أن يستوفي المنفعة بالمعروف؛ لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف؛ فألحق بالمشروط؛ وهذا اللفظ من جوامع الكلم؛ لأنه ينظم مسائل كثيرة صرح بها الأصحاب.
فمنها: أن من استأجر ثوباً للبس كان له أن يلبسه بالنهار وفي الليل إلى وقت النوم، وليس له أن ينام فيه ليلاً، وكذا في وقت القيلولة على وجه، وبه جزم في الوجيز.
والصحيح: وهو الذي أورده الأكثرون- الجواز، ومحله في القميص الأسفل، أما الأعلى، فيلزمه نزعه في سائر [أوقات] الخلوة؛ لأنه إنما يلبس

عادة في وقت الخروج إلى الطريق ودخول الناس عليه.
ولا يجوز له الاتزار بالقميص المستأجر للبس؛ لأنه أضر من اللبس، وهو غير متعارف في لبس القميص، وفي الارتداء به وجهان حكاهما شيوخ الطريقين.
وأظهرهما: الجواز؛ لأن ضرر الارتداء دون ضرر اللبس ومن هذا يظهر: أنه لو صرح بالاستئجار للارتداء، لا يجوز له الاتزار به؛ كما صرح به في التتمة.
ويجوز له أن يتعمم به؛ لأنه أخف ضرراً.
ومنها: إذا استأجر داراً للسكنى كان له أن ينقل الأمتعة إليها، وهل له أن يضع فيها ما يسرع إليه الفأر وينقب بسببه الحيطان؟ فيه وجهان: أصحهما: الجواز؛ لأنه معتاد ولا يجوز له أن يضع التراب والرماد في أصل حيطانها ولا ربط الدواب فيها، ولا أن يسكنها حداداً ولا قصاراً؛ لإضرار ذلك بجدرانها.
قال في البحر: فإن قيل: أليس قلتم: إذا استأجر أرضاً للزراعة، يجوز له أن يزرع أضر زرع، فهلا قلتم في السكنى مثله؟ قيل: الفرق: أن السكنى لا تتضمن الإضرار بالدار، فإذا أسكنها ما يضر بها لم يجز، والزرع متضمن الإضرار بالأرض، فإذا أطلق، فقد رضي بأكثر الضرر.
وهذا جواب عما أورده الرافعي سؤالاً على جواز إطلاق الإجارة للسكنى.
ومنها: من استأجر راحلة للركوب، كان له النوم عليها في الوقت المعتاد بالنوم فيه، وليس له ذلك في غير وقته؛ لأن النائم يثقل.
وله استنهاض الدابة بالضرب، وكبح اللجام، وركض الرجل على العادة؛ روى جابر قال: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيراً، وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَسُوقُهُ وَأَنَا رَاكِبُهُ، وَإِنَّهُ لَيَضْرِبُهُ بِالْعَصَا".

ومنها: للمستأجر للركوب وضع الرجل والجلوس على الدابة على الوسط المعتاد، وليس لأحد المتآجرين أن يضع الرجل مكبوباً ولا مستلقياً والمكبوب: أن يجعل مقدم الجمل أو الزاملة أوسع من المؤخر، وهذا أنفع للدابة وأضر للراكب، والمستلقى عكسه كما قاله أبو إسحاق، وقيلك المكبوب: أن يضيق المقدم والمؤخر، والمستلقي: أن يوسعهما جميعاً، وهو قول أبي علي الطبري.
وقيل: المكبوب تقديم المحمل إلى مقدم البعير، وهو أوطى للركوب، والمستلقيك تأخير المحمل إلى مؤخرة البعير، وهو أسهل على البعير، وهذا قول ابن أبي هريرة.
ومنها: إذا كان في الطريق مراحل معلومة، جرت العادة بقطعها في كل يوم مرحلة، فليس للمستأجر أن يزيد عليها عند إطلاق العقد، وكذا ليس للأجير تكليفه ذلك.
وهكذا الحكم في النزول في البلد أو في ظاهرها.
وفي السير في الليل والنهار يتبع فيه العادة، فإن لم تكن ثم عادة في المراحل، ولا في السير في وقت مخصوص، ولم يقع في ذلك شرط في حال العقد، فسد.
وإن وقع شرط بأن يسير في كل يوم قدراً معلوماً، جاز.
قال أبو إسحاق: وقد جرت العادة في قطع البادية إلى مكة في أيام الحج بما لا تطيقه الحمولة؛ فلا يجوز الإطلاق في ذلك؛ لأن الإطلاق لا يمكن حمله عليه؛ لما فيه من حمل الحمولة على ما لا تطيق.
ومنها: إذا كانت العادة به جارية بأن ينزل الراكب ويمشي في الرواح، فإن شرط مع ذلك النزول، اتبع الشرط.
قال الإمام: ويعترض في شرط النزول إشكال لقطع المسافة ويقع في إكراء

العقب لكن الأصحاب احتملوه بناء على التساهل، وإن شرط بألا ينزل اتبع الشرط، وإن أطلق العقد، فإن كان الراكب امرأة أو مريضاً فلا يجب النزول، [وإن كان رجلاً قوياً فوجهان؛ لتعارض اللفظ والعادة، وكذل كحكم النزول] على العقاب الصعبة، والأقيس في تعليق القاضي الحسين: أن له الركوب.
قال: وإن اكترى أرضاً، ليزرع الحنطة؛ زرع مثلها؛ لأن المعقود عليه منفعة الأرض، والزرع طريق في الاستيفاء، فلا يتعين؛ كما إذا كان له حق على غيره، فإنه مخير بين أن يستوفيه بنفسه أو بغيره؛ ومن طريق الأولى، يجوز له أن يزرع ما دونها؛ كالشعير والقرظ.
ولا يجوز أن يزرع ما فوقها، كالأرز، والذرة؛ لما في ذلك من الإضرار بالآجر؛ فإن الأرز يحتاج إلى السقي الدائم؛ فيذهب قوة الأرض، والذرة تنشر عروقها في الأرض؛ فتستوفي قوتها.
وعن البويطي: أنه لا يجوز العدول إلى غير الزرع المعين، فمن الأصحاب من قال: أنه قول للشافعي رواه، ومنهم من قال: إنه رآه، والمذهب الأول، فعلى هذا لو قال: أكريتك لتزرع الحنطة ولا تزرع غيرها، ففي المسألة ثلاثة أوجه حكاه ابن أبي هريرة: أحدها: أن العقد فاسد، وهو ما ذكره ابن كج، وذكر الروياني أنه المذهب.
والثاني: أن العقد صحيح والشرط فاسد، وهذا ما اختاره الإمام، ولم يحك أبو الطيب غير هذين الوجهين.
والثالث: صحة العقد والشرط؛ لأن المستأجر ملك المنفعة من جهة المؤجر فملك بحسب التمليك، وهذه الأوجه شبيهة بالأوجه المذكورة فيما إذا نوى بوضوئه استباحة صلاة بعينها ونفى غيرها، ومحل ما ذكرناه: إذا لم يعين الحنطة للمستأجر على زراعتها، أما لو عينها بأن قال: أجرتك لتزرع هذه الحنطة، فإن قال: ولا تزرع غيرها، ففي التهذيب: الجزم بالفساد، وإن لم يتعرض للنفي، فعن ابن القطان حكاية وجهين: أحدهما: أن العقد فاسد؛ لأن تلك الحنطة قد تتلف فتتعذر الزراعة.
والثاني: وهو اختيار القاضي ابن كج: أنه كتعيين الجنس، وهو ما حكاه

الماوردي مستشهداً به على داود في أصل المسألة.
فرع: لو زرع [الذرة أو الأرز، والإجارة واقعة على زراعة القمح؛ فللآجر إجباره على القلع؛ لتعديه، وهل يكون ضامناص لرقبة الأرض حتى يضمن قيمتها إذا غصبت أو تلفت بسيل [مثلاً؟] فيه وجهان: أحدهما: وهو قول الشيخ أبي حامد أنه يضمنها.
والثاني: وهو الأصح في الحاوي لا؛ لأن تعديه في المنفعة، لا في الرقبة، ثم إذا قلع الزرع، نظر: فإن أمكن زراعة الحنطة زرعها، وإلا لم تزرع، وعليه [الإجارة] لجميع المدة؛ لأنه المفوت للعقد على نفسه.
ثم إن لم تمض مدة لمثلها أجرة فذاك، وإن مضت فما المستحق؟ الحكم فيه كما لو لم يتفق القلع حتى مضت المدة، وحصلت الذرة، وحاصل ما قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: وهو ما نص عليه في المختصر، وبه قطع أبو علي الطبري، والقاضي أبو حامد، وكذا ابن سريج؛ كما حكاه ابن كج والماوردي: أن المالك بالخيار بين أن يأخذ المسمى في مقابله زرع القمح وأجرة المثل فيما زاد على ذلك، وبين أن يأخذ أجرة المثل [في زراعة] الذرة؛ لأنه أخذ شبها من أصلين: من الغصب؛ لأنه ابتدأ بالزرع وهو غير مأذون له فيه، ومن استئجار البهيمة إلى موضع فيجاوزه، فلما أخذ شبهاً منهما خير بينهما.
والثاني: وهو اختيار المزني والقاضي الحسين أن الواجب المسمى وأجرة المثل للزائد، كما سنذكره فيما إذا اكترى دابة إلى موضع، فجاوزه؛ وهذان القولان لم يحك ابن القطان سواهما.
والثالث: أن الواجب أجرة المثل، وهو الذي صححه الروياني، وهو مع الذي قبله أثبتهما المزني وأبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة، وحملا تخيير [الشافعي عليهما]، وهي الطريقة التي جعلها الرافعي أظهر، وحكاها الشيخ أبو حامد ومن تابعه، والقاضي الحسين عن ابن سريج أيضاً.
وقد بنى الشيخ أبو محمد في السلسلة قول الرجوع بأجرة المثل: على أن

البائع إذا أتلف المبيع قبل القبض ينفسخ العقد، ويقدر كأن العقد لم يكن، وقول التخيير: على أن البيع لا ينفسخ، ويثبت للمشتري الخيار.
قال الرافعي: وهذا البناء ليس بواضح؛ لأن المكري هو الذي يقع في رتبة البائع، ولم يوجد منه إتلاف، وإنما المكتري هو الذي فوت المنفعة على نفسه فكان بإتلاف المشتري أشبه.
وهذا الخلاف بعينه يجري فيما إذا استأجر داراً، فأسكنها الحدادين والقصارين، أو دابة ليحمل عليها قطناً فحمل حديداً، أو ليقطع بها مسافة إلى ناحية فقطع بها مسافة أخرى أطول من تلك، كما حكاه القاضي أبو الطيب وفيه نظر، وفيما إذا اكترى غرفة ليضع فيها مائة من من الحنطة فأبدلها الحديد، وفي كل صورة لا يتميز فيها المستحق عما زاد.
ولو استأجر للزراعة فغرس أو بنى، فالواجب أجرة المثل ومنهم من طرد الخلاف فيه.
قال: وإن استأجر دابة ليركبها أركبها مثله أي: في الطول والقصر والضخامة والنحافة كما يجوز أن يؤجرها من غيره، وعن المزني أنه لا يجوز وبنى عليه ما تقدم ومن طريق الأولى: جواز إركابه دونه، ولا يجوز أن يركبها [من] هو فوقه؛ وهذا الحكم لا يختص بمسألة الدابة، بل هو جار في كل مستوفى؛ حتى إذا اكترى ثوباً للبس يجوز أن يلبسه من هو مثله؛ وإذا استأجر دابة لحمل القطن كان له حمل الصوف والوبر والتبن وبالعكس، ولو استأجر لحمل الحديد كان له حمل الرصاص والنحاس، ولو استأجر لحمل القمح؛ كان له حمل قدره من الشعير؛ إن كان التقدير بالكيل؛ لأنه دون حقه.
وإن كان التقدير بالوزن، فلا؛ لأن الشعير ينتفش، فهو كالقطن مع الحديد لا يجوز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.
ولو استأجر دابة، ليركبها بإكاف، كان له أن يركبها بالسرج؛ [لأنه أخف، ولو عكس لم يجز؛ قاله القاضي الحسين.
ولو اكتراها لحمل متاع، فأبد السرج] بالإكاف، قال القفال: يجوز إذا لم يكن أثقل من السرج، ولو عكس لم يجز، قال الروياني: وفيه نظر عندي.

ولو استأجر للحمل، فأراد أن يركب من لا يزيد وزنه على وزن المحمول، فقد أطلق الماوردي القول بالمنع.
وقال في التتمة: يرجع إلى أهل الصنعة؛ فإن قالوا: لا يتفاوت الضرران جاز، وإلا فلا.
ولو استأجر للركوب؛ فأراد أن يحمل، قال القاضي الحسين: له ذلك، إذا كان مثل ضرر الركوب أو دونه.
وقال الرافعي: الأظهر المنع في الطرفين، وهو قضية ما في التهذيب.
وكما يجوز أن يركب مثله يجوز له إذا اكترى إلى بلد أن يركب إلى مثل تلك المسافة من ناحية أخرى إذا كان مثلها في السهولة والحزونة والأمن.
وفي الرافعي حكاية عن "شرح المفتاح" منع ذلك؛ لأنه قد يكون للمكري غرض في ذلك الموضع، وهو ما جزم به القاضي الحسين في ضمن فرع أوله: إذا اكترى دابة [ليركب فرسخين- لم يجز حتى يبين الجهة].
قال: وإن أكل بعض الزاد [أي] الذي قدره ووصفه حالة العقد كما هو المعتبر فيه.
[قال:] وقيمته تختلف في المنازل جاز أن يبدله؛ لأن له فيه غرضاً [صحيحاً]، قال: وإن لم تختلف ففيه قولان: أحدهما: يبدله كما يبدل ما سرق منه أو تلف بغير الأكل أو أكل الجميع وكالحمل بدل الماء الذي شربه وهذا ما اختاره المزني، وهو الأصح في تعليق القاضي الحسين.
والثاني: لا يبدله اعتباراً بالعرف المعهود فيه، وهو أن الزاد إذا فني بالأكل لا يبدل، وهذا الخلاف نازع إلى تعارض العرف واللفظ؛ فإن العقد تناول حمل كذا من موضع كذا إلى موضع كذا وهو شبيه بالخلاف المذكور في المشي في وقت الرواح.

وفي [البحر] أنه قيل: [إن] الوجهين في النزول في وقت الرواح مأخوذان من هذين القولين، وهذه الطريقة هي الصحيحة.
وفي المهذب، والحاوي: ما يفهم إجراء الخلاف في الإبدال مطلقاً؛ فإنه قال: إذا أكل بعض الزاد فهل له إبداله؟ فيه قولان.
وقال أبو إسحاق: إن كانت أسعار الزاد في المنازل متساوية في الرخص والغلاء وكان انقطاعه مأموناص لم يكن له الإبدال، وإن كان ينتقل إلى منازل يغلو فيها أثمان الزاد؛ فيبدل ولا يختلف القول فيه؛ لأن العرف [جار] فيه.
قال: [وإن اكترى دابة إلى مكان، فجاوزه، لزمه المسمى في المكان؛ لأنه استوفى المنفعة المقابلة له]؛ فاستقر عليه، كما لو اشترى طعاماً فقبضه وزيادة على وجه التعدي.
قال: وأجرة المثل لما زاد؛ لأنه تعدى بها فكان كالغاصب، ويخالف ما إذا اكترى لزراعة القمح فزرع الذرة حيث تجب أجرة مثل الجميع على قول؛ لأن ثم فعل المستحق لا يتميز عن الذي تعدى به؛ فلم يمكن إفراده بحكم، بخلاف ما نحن فيه.
وأيضاً: فإن ابتداء فعله ثم عدوان؛ فوجب أجرة المثل، والتعدي هنا إنما وجب بعد قطع المسافة؛ فكانت أجرة المثل واجبة إذ ذاك ولا خلاف أنه لا يضمن الدابة قبل المجاوزة، وأما بعدها، فيضمنها إن لم يكن صاحبها معها، وإن كان وتلفت في حال العلف والاستراحة فلا ضمان، وإن تلفت في حال الحمل فينظر: إن كان بسبب وقوع في بئر أو غيره ضمن جميع القيمة، وإن لم يحدث سبب ظاهر فكذلك على وجه في الرافعي في آخر الباب، والأصح: أنه لا يضمن الكل لكن هل يضمن النصف أو القسط؟ فيه خلاف سيأتي، وهذا إذا لم يشمل الكراء العود إلى الموضع الذي اكترى منه، أما إذا شمله كما إذا اكترى من مكة إلى مر الظهرن وليرجع إلى مكة فجاوزها إلى عسفان نظر فإن كان قد شرط عليه تسليمها بمكة فالحكم كما تقدم، صرح به الماوردي وفي صحة العقد مع هذا الشرط شيء سيظهر لك من بعد، وإن لم يشترط فإن كان الطريق بين مر

وعسفان، كالطريق بين مر ومكة في السهولة والأمن والقدر ولم يقم [بمر] أكثر من المدة التي قدراها عند العقد [أو ما جرت] العادة به عند الإطلاق لم يضمن بالخروج من مر، فإذا مضى القدر الذي [لو] رجع إلى مكة [فيه] لوصل إليها، انقضى زمان استحقاقه ووجب عليه تسليم الدابة إلى المالك أو وكيله إن وجده ثم، وإلا فإلى الحاكم كما سنذكره، فإن تعدى ذلك ضمن.
فروع: إذا اكترى دابة إلى بلد فبلغ عمارتها فللمكتري استرداد الدابة ولا يلزمه تبليغه داره كذا أطلقه بعضهم.
وقال الماوردي مثل ذلك فيما إذا كان البلد واسعاً أما إذا كان صغيراً تتقارب أقطاره جاز أن يركب إلى منزله.
قلت: ويتجه أن يتخرج على القولين فيما إذا استاجر حمالاً يحمل وقراً إلى داره، وهي ضيقة الباب هل عليه إدخاله الدار [أم لا؟].
ووجه الثبوت: النظر إلى العرف، ثم على الأول: إذا لم يكن صاحب الدار

معها عليه أن يسلمها إلى وكيله إن كان له وكيل هناك، وإلا فإلى الحاكم فإن لم يكن [هناك] حاكم فإلى أمين فإن لم يجد أميناً ردها أو استصحبها إلى حيث يذهب كالمودع يسافر بالوديعة للضرورة.
إذا اكترى دابة إلى مكة لم يكن له الحج عليها، وإن اكتراها ليحج عليها ركبها إلى منى [ثم إلى عرفات ثم إلى المزدلفة ثم إلى منى ثم إلى مكة للطواف، وهل يركبها من مكة إلى منى] لأجل الرمي؟ فيه وجهان: قال: وإن حمل عليها أكثر مما شرط أي: مما لا يقع التفاوت به بين الكيلين فتلفت وهي في يده أي: بسبب ذلك ضمان قيمتها؛ لأنه صار غاصباً، وأبدى القاضي ابن كج احتمالاً في أنه لا يضمن الكل.
قال: وإن كان صاحبها معها ضمن نصف القيمة في أحد القولين؛ لأن تلفها بمضمون وغيره فقسمت القيمة عليهما نصفين؛ كما لو جرحه واحد جراحة وآخر جراحات، وهذا ما صححه الشيخ أبو محمد في السلسلة.
والقسط في الآخر مؤاخذة له بقدر الجناية، [وهذا ما رجحه الإمام وغيره، وحكى القاضي الحسين عن بعضهم القطع به.
فعلى هذا: إذا استأجر على حمل أربعين رطلاً فحمل عليها خمسين؛ ضمن خمس قيمتها، ويخالف الجراحة؛ لأن هنا التوزيع متيسر، بخلاف الجراحات، فإن مكانتها لا تنضبط، ولا معنى لرعاية مجرد العدد.
وأصل هذا الخلاف: ما إذا أمر الإمام الجلاد أن يضرب الشارب ثمانين فضربه إحدى وثمانين، فمات [المجلود] كم يضمن [الجلاد] وفيه الخلاف المشهور، وفي شرح المختصر حكاية قول ثالث: أنه يضمن جميع القيمة؛ كما لو انفرد باليد وبعضهم حكاه وجهاً.
أما إذا كانت الزيادة مما يقع التسامح بها كالمكوك والمكوكين، فلا ضمان عليه بسببه ولا أجرة؛ قاله البندنيجي وغيره.
ولو تلفت الدابة بسبب غير الحمل، فإن تلفت في يده ضمنها، وإلا فلا

ضمان؛ لأنا حيث ضمناه في المسألة قبلها، ضمناه بالجناية، ولا جناية.
وعلى كل حال فما الواجب عليه من الأجرة؟ حاصل ما قيل فيه أربعة أقوال: ثلاثة منها ذكرناها فيما إذا استأجر [لزراعة القمح] فزرع الذرة.
ورابعها: أنه يخير المالك بين أخذ المسمى وما نقص من الدابة بسبب الزيادة، وبين أن يأخذ أجرة المثل والمشهور أن عليه أجرة المثل لما زاد.
فرعان: أحدهما: إذا لم يحمل المستأجر على الدابة شيئاً بنفسه، ولكن سلم ذلك إلى الآجر حتى حمله على البهيمة نظر: إن كان الآجر جاهلاً بالحال بأن لبس عليه وقال: إنه القدر المستأجر عليه، وهو كاذب، ففيه طريقان: أحدهما: أن الحكم كما لو حمله المستأجر بنفسه.
والثاني: وهو ما حكاه القاضي الحسين أن المسألة على قولين في تعارض المباشرة والغرور، فإن اعتبرنا الغرور فهو كما لو حمله المستأجر أيضاً وهذا هو الظاهر، وبه أجاب الغزالي، وإن اعتبرنا المباشرة فلا ضمان ولا أجرة للزائد، وإن كان المكري عالماً بالزيادة نظر: إن لم يقل المكتري شيئاً ولكن حمله المكري فلا ضمان ولا أجرة، ولا فرق بين أن يضعه على الأرض فيحمله المكري على البهيمة أو بين أن يضعه على ظهر الدابة وهي واقفة فيسيرها المكري.
وإن قال المستأجر للآجر: احمل هذه الزيادة فأجابه، قال في التتمة: فهو مستعير للدابة في الزيادة فلا أجرة، ويجب الضمان، وفي كلام الأئمة ما ينازع فيه.
الثاني: إذا كال المكري وحمل على البهيمة؛ فلا أجرة له لما زاد؛ سواء كان غالطاً أو عامداً وسواء كان المكتري جاهلاً بالزيادة أو عالماً فسكت، ولا يجب عليه ضمان البهيمة.
وللمستأجر مطالبة المكري بردها إلى الموضع المنقول منه، وليس للمكري ردها بدون رضى المستأجر، ولو لم يعلم المكتري حتى عاد إلى البلد المنقول منه، فله أن يطالب المكري بردها.

وأصح الوجهين، أو القولين: أن له المطالبة ببدلها في الحال؛ كما لو أبق العبد المغصوب من يد الغاصب، كذا حكاه الرافعي والبندنيجي.
وحكى الماوردي الخلاف على غير هذا النحو فقال: لو دعا المالك إلى المطالبة برد العين ودعا الجمال إلى رد مثلها في الحال؛ ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق، وابن أبي هريرة: أن القول قول رب المال، وله أن يأخذ الجمال بالرد؛ كالغاصب.
والثاني: أن القول قول الجمال؛ لأن الزيادة لما اتصلت فارقت حكم الغصب وصارت كالمستأجر عليها، وهذا إذا كان المحمول مما له مثل، أما إذا كان لا مثل له كالدقيق والسويق؛ لزم الجمال رد الزيادة بعينها على الوجهين معاً.
قال: وللمكتري أن يكري ما اكتراه بعد قبض العين: أي من الآجر وغيره؛ لقوة حاله بقبض المعقود عليه، ولا يجوز أن يكري قبل القبض من غير المكري في أصح الوجهين؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يقبض، والإجارة بيع؛ ولأنه ملك المنافع بعقد معاوضة؛ فلم يكن له أن يعقد عليها عقد معاوضة قبل القبض كالمبيع وهذا ما صححه الإمام هنا أيضاً، وادعى عند الكلام في التصرفات في المبيع قبل القبض نفي خلافه.
والوجه الثاني: أنه يجوز؛ لأن المعقود عليه المنافع، والمنافع لا تصير مقبوضة بقبض العين فلم يؤثر فيها القبض، وهذا قول ابن سريج.
وأجاب القاضي أبو الطيب عما ذكره [أبو العباس] بأن قبض المكتري يتعلق به الضمان؛ بدليل أن المدة إذا انقضت في يد الآجر، كانت من ضمانه، ولم تستقر له الأجرة، وإذا انقضت المدة والعين في يد المستأجر استقرت عليه الأجرة، ولزمه ضمان المنافع؛ فثبت بهذا أن القبض ينقل الضمان؛ فصار بمنزلة قبض الأعيان.
وقد بنى الماوردي الوجهين على الخلاف السابق في أن مورد عقد الإجارة ماذا؟ فإن قلنا: موردها العين؛ لم يصح، وإلا صحت.
وهذا البناء يقتضي أن يكون الصحيح الصحة؛ فإن الأصح عنده وعند غيره: أن مورد الإجارة المنفعة.

قال: ويجوز من المكري أي: قبل القبض في أصح الوجهين؛ لأن المعقود [عليه] في قبضه [وهذا قول ابن سريج.
والوجه الثاني: لا يصح كما لا يصح بيع المبيع من بائعه قبل قبضه على الأصح]، وهذا ما صححه في "البيان".
وقال أبو الطيب: إنه المذهب المشهور.
وفي تعليق للبندنيجي أنا إذا جوزنا الإجارة من الأجنبي فمنه أولى، وإلا فوجهان، كما قلنا إن بيع المبيع قبل القبض من الأجنبي لا يصح، وفي صحته من البائع وجهان، وعند الاختصار يكون في صحة الإجارة قبل القبض من الأجنبي والآجر ثلاثة أوجه: ثالثها: يصح من الآجر دون الأجنبي، وهكذا فعل في المهذب.
ولا فرق فيما إذا أجرها من الآجر أو من غيره بين أن يكون بقدر الأجرة الأولى أو أكثر منها أو أنقص، و [قد ذكرت في البيع: أنه إذا باع المبيع من البائع قبل القبض بقدر الثمن الأول: أنا إن جوزناه بغير جنس الأول وقدره، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان؛ لأن ذلك في معنى الإقالة.
ويظهر جريان مثل هذا هنا.
واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن استئجار الآجر ما أجره من مكتريه بعد القبض جائز، وإنما الخلاف فيما قبل القبض وهو ما أورده القاضي أبو الطيب والجمهور.
وقد حكى الماوردي وطائفة من المراوزة في صحة ذلك بعد القبض وجهين – أيضاً- لكن الماوردي بناهما على اختلاف بين أصحابنا في أن المنافع تحدث على ملك الآجر أو على ملك المستأجر؟ فإن قلنا بالأول صح، وإلا فلا.
وغيره بنى ذلك على خلاف سيأتي في أن المستأجر إذا ابتاع العين المستأجرة، هل تنفسخ الإجارة أم لا؟ فإن قلنا بانفساخها لأجل أن ملك الرقبة وملك المنفعة بالإجارة لا يمكن امتنع الاستئجار هنا؛ لأن الملك إذا قطع الدوام فمنعه الابتداء أولى.
وإن قلنا: لا تنفسخ الإجارة لم يمتنع الاستئجار هنا؛ لأنه قد عقل أن يجتمع الملك في الرقبة والملك في المنفعة بالإجارة.
ومنهم من علل وجه المنع بأنه: لو صح لأدى إلى أن يكون الشيء مضموناً له

وعليه؛ لأن الضمان لم ينتقل بالقبض عنه إلى المستأجر، وذلك لا يجوز.
وقد نسب بعضهم وجه المنع إلى ابن سريج، ووجه الجواز إلى ابن الحداد، وعد ذلك من مناقضاته؛ لأنه حاكم بانفساخ الإجارة إذا اشترى المستأجر ما استأجره؛ لامتناع اجتماع الملك والإجارة.
وذكر عن الشيخ أبي علي أنه قال: فإن قال من يضره الاستئجار السابق لم يمنع صحة الملك اللاحق كذلك الملك السابق، وجب ألا يمنع صحة الاستئجار اللاحق لكن تنفسخ الإجارة إذا [اجتمع الأمران] كما انفسخت هناك.
فالجواب: أن ما ينفسخ إذا كان سابقاً وجب ألا يصح [إذا كان طارئاً على الملك].
قلت: وقد يظهر في دفع ما قدر ابتداؤه انتصاراً لابن الحداد أمراً آخر، وهو أن ابن الحداد لا يقول مع القول بصحة الإجارة بانفساخها ولو قال به لكان ملازماً للانعقاد، وحينئذ فلا يكون للقول بصحتها؛ معنى لأنها إذا انفسخت عادت المنفعة إلى الذي أجره وهو المستأجر، وكل ما لا يترتب عليه ما هو المطلوب منه فهو باطل.
فرع: إذا أجر الحر نفسه، ومكن المستأجر من منافعه، فهل يجوز له أن يؤجره، بناء على منع الإجارة قبل التسليم؟ فيه وجهان، أصلهما: أن الحر إذا سلم نفسه إلى المستأجر، فلم يستعمله، هل يستحق الأجرة بمضي المدة أم لا؟ فإن قلنا: تستقر الأجرة، فقد جعلناه قابضاً للمنافع؛ فيعقد عليها.
وإن قلنا: لا تستقر؛ فلم نجعله قابضاً للمنافع؛ فلا يعقد عليها.
والذي صار إليه الأكثرون: أن له الإيجار ولو كانت الإجارة على عمل في الذمة، ففي جواز نقلها للغير كلام نذكره في أواخر الباب.
قال: وإن تلفت العين المستأجرة، أي: مثل إن كانت أرضاً فغرقها السيل أو حيواناً فمات أو ثوباً فاحترق بعد القبض في أثناء المدة.
قال: انفسخت الإجارة فيما بقي، لفوات المعقود عليه- وهو المنفعة- قبل

قبضها؛ لأنها إنما تحدث شيئاً فشيئاً، وما سبق من القبض، فأثره في جواز التصرف [وجواز التصرف] لا ينافي الفسخ؛ كما يجوز للبائع التصرف في الثمن قبل القبض [ويملك الفسخ بسبب الإفلاس به.
وذهب أبو ثور إلى أن العقد لا ينفسخ؛ لأنه تلف بعد القبض] المستحق بالعقد؛ فأشبه تلف المبيع بعد القبض، حكى عنه ذلك القاضي أبو الطيب وغيره، وحكى عنه القاضي الحسين أن المنفعة تدخل في ضمان المستاجر بنفس العقد كما أن مذهبه دخول المبيع في ضمان المشتري بمجرد العقد.
قال: دون ما مضى أي: إذا كان لمثله أجرة؛ لاستقراره بالقبض وهذا ما دل عليه أكثر الأصحاب، وهو الأصح في البحر وغيره.
قال: وقيل فيما مضى قولان: وجه الامتناع ما ذكرناه.
ووجه مقابله: أن العقد واحد، فلا سبيل إلى فسخه في شيء دون شيء، وقد انفسخ في شيء، فوجب أن ينفسخ في الباقي]، وهذا الخلاف أصله ما إذا باع عبدين فتلف أحدهما قبل القبض فإن العقد ينفسخ فيه وهل ينفسخ في الباقي؟ على طريقين، أما إذا لم يكن لما مضى أجرة، انفسخ في جميع المدة.
ولا فرق في جريان الخلاف بين أن يكون التلف بآفة سماوية، أو بإتلاف المستأجر.
وعن ابن أبي هريرة: أنها إذا تلفت بفعل المستأجر، استقرت عليه الأجرة؛ كما يستقر الثمن على المشتري بإتلافه المبيع.
والمذهب الأول؛ لأن البيع ورد على العين؛ فجعل إتلافها قبضاً، والإجارة وردت على المنافع، ومنافع الزمان المستقبل معدومة لا يتصور ورود الإتلاف عليها.
التفريع: إن قلنا: ينفسخ العقد فيما مضى، فالواجب على المستأجر أجرة المثل، وله استرداد ما دفعه، فإن كان من نوع أجرة المثل، جاءت فيه أقوال التقاص.
وإن قلنا: لا ينفسخ، فهل يثبت للمستأجر الخيار؟

قال في البحر: إن كانت الأجرة عرضاً، فنعم؛ لتضرره بالتبعيض.
وإن كانت نقداً، فلا؛ إذ [لا تبعيض].
ومنهم من خرجه على وجهين.
والماوردي وغيره حكوا الوجهين مطلقاً، وصحح الإمام والبغوي منهما المنع؛ لأن المنافع قد صارت مستوفاة مستهلكة.
والذي أجاب به ابن الصباغ والبندنيجي وآخرون- الثبوت، وإيراد القاضي الحسين يقتضي ترجيحه في موضع، وجزم به عند الكلام في حصول السيل على الأرض في بعض المدة؛ لأن جميع المعقود عليه لم يسلم له.
فعلى هذا: إن فسخ، فالحكم كما تقدم.
وإن أجاز، أو قلنا: لا خيار له.
قال الرافعي: وجب قسط ما مضى من المسمى والتوزيع يكون على قيمة منفعة المدتين، لا على قدر المدتين، فإذا كانت الإجارة على سنة، و [قد] مضت أربعة أشهر في يد المستأجر، وأجرة مثلها مائة، وأجرة باقي السنة خمسون استقر عليه ثلثا الأجرة.
والاعتبار في حالة التقويم بحالة العقد دون ما يطرأ من بعد، كما صرح به القاضي الحسين وغيره.
وفي الحاوي والبحر حكاية قول مخرج: أنه إذا أجاز، فليجز بكل الأجرة، أو يفسخ، كما قيل في البيع.
واعلم أنه يلتحق بتلف العين المستأجرة في انفساخ الإجارة طرآن الحيض على من استؤجرت عينها لكنس المسجد في أثناء المدة أو ابتدائها، دون ما إذا ألزمت ذمتها كنسه؛ لإمكان تفويضها الكنس إلى غيرها، وأن تكنس بعد الاغتسال.
وكان بعض مشايخنا يقول: ينبغي في الصورة الأولى أن يخرج الانفساخ على الخلاف الآتي فيما إذا تلف الثوب المستأجر على خياطته حتى يقال: على وجه لا ينفسخ، وتكنس قذر المسجد.
قلت: وقد يجاب عن ذلك بأن كلام الأصحاب محمول على ما إذا وقع الاستئجار بالريع المرصد لذلك أو هو الغالب وإذا كان كذلك فكنس غيره غير

ممكن فلذلك جزم فيه بالانفساخ، ثم على تقدير أن تكون الإجارة قد وقعت من آحاد الناس بماله فيشبه أن يكون القول بصحتها كالقول في الاستئجار على الآذان، فإن صح فقد ملك المسلمون تلك المنفعة، وفي استعمال المرأة في كنس [غير] المسجد تفويت لتلك المنفعة على مستحقها وذلك لا يجوز.
قال: فإن وجد به عيباً أو حدث فيه عيب؛ أي: والعقد على عينه ثبت له خيار الفسخ؛ لتضرره بالبقاء، كذا أطلقه الجمهور.
قال الرافعي: والوجه ما قاله المتولي، وهو أنه إن أراد أن يفسخ في جميع المدة، فهو كما لو اشترى عبدين، فتلف أحدهما، ثم وجد بالقائم عيباً، وأراد الفسخ فيهما.
وإن أراد الفسخ فيما بقي من المدة، فهو كما لو أراد الفسخ في العبد القائم وحده، وحكمهما مذكور في البيع.
ومهما امتنع الفسخ، فله الأرش.
ثم هذا الخيار، هل هو على الفور أو على التراخي؟ قال في الحاوي: إنه على التراخي؛ لأنه يتجدد بمرور الأوقات لحدوث النقص فيها، فلو أجاز [العقد] ثم أراد أن يفسخ، قال الرافعي في أواخر الباب: ينظر: إن كان ذلك العيب لا يرجى زواله- كما إذا انقطع الماء، ولم يتوقع عوده- فليس له الفسخ؛ لأنه عيب واحد وقد رضي به.
وإن كان بحيث يرجى زواله، فله الفسخ ما لم يزل؛ لأنه يقدر [كل ساعة] زواله فيتجدد الضرر، وهذا كما قلنا في زوجة المولى إذا تركت المطالبة بعد انقضاء مدة الإيلاء، وكما لو استأجر عبداً، فأبق قبل القبض، وأجاز، ثم أراد الفسخ فإن له ذلك ما لم يعد، فلو زال العيب قبل علم المستأجر بزواله؛ كما إذا تشعثت الدار، فلم [يختر المستأجر] الفسخ حتى عمرها المؤجر ففي بقاء الخيار وجهان في البحر.
قال: ... فإن فسخ لزمه أجرة ما مضى أي إذا كان لمثله أجرة؛ لأنه مضمون بالعقد، أما إذا لم يكن لمثله أجرة فلا شيء عليه واسترجع الأجرة إن كان قد

دفعها، ثم المرجوع به إذا كان لمثل ما مضى أجرة ماذا؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على أن الفسخ في هذه الحالة يرفع العقد من حينه أو أصله، وفيه الطريقان السابقان، فإن رفعه من أصله كان اللازم أجرة المثل، وإن رفعه من حينه فاللازم ما يقابل المدة من المسمى على النعت الذي تقدم وعلى هذا ينبغي ملاحظة ما قاله المتولي، ولو أجاز المستأجر العقد استحق عليه جميع المسمى.
وفي ابن يونس: أنه قيل: تقوم المنفعة سليمة من العيب [وتقوم وبها] ذلك العيب، ثم تقسم الأجرة على القيمتين، فيجب عليه من الأجرة بقدر ما يخصها من العيب وتسقط الزيادة على ذلك، وهذا لم [أره لغيره] فيما وقفت عليه على هذا النحو بل المذكور في المهذب: أنه إذا اكترى داراً فتشعثت فبادر المكري إلى إصلاحها لم يكن للمستأجر ردها فإن لم يبادر ثبت له الفسخ؛ لأنه يلحقه ضرر بنقصان المنفعة وإن رضي بسكناها ولم يطالب بالإصلاح فهل يلزمه جميع الأجرة فيه وجهان: وجه عدم اللزوم: أنه لم يستوف جميع ما استحق من المنفعة فلم تلزمه جميع الأجرة كما لو اكترى داراً سنة فسكنها بعض سنة ثم غصبت، فإن كان الشيخ عني بالتشعث ما يفهم في العرف من تكسير البلاط وزوال بعض البياض وانكسار جزع ونحو ذلك، فكلام ابن يونس موافق لكن يشكل على ذلك الفرق بين ذلك وبين [ما إذا اطلع] المشتري على عيب بالمبيع وأجاز فإنه لا يرجع بالأرش، وإن كان الشيخ قد عنى بالتشعث زوال سقف الدار [ونحوه فالخلاف الذي ذكره يشبه أن يكون مبنياً على أن إحراق سقف الدار] هل ينزل بمنزلة تلف أحد العبدين أو منزلة اليد من العبد؟ وفيه خلاف مذكور فيما تقدم، فمن قال: يخير بالقسط بناه على أنه كأحد العبدين، ومن قال: يخير بجميع المسمى بناه على أنه كاليد من العبد، وعلى هذا فالحكم في البيع والإجارة واحد ولا يكون كلام ابن يونس منطبقاً على هذا، واعلم أن العيب الذي يثبت الخيار في الإجارة، هو ما يؤثر في المنفعة تأثيراً يظهر به [تفاوت الأجرة، لا ما يظهر به] تفاوت قيمة الرقبة، فإن مورد العقد المنفعة، وذلك مثل: مرض العبد، وضعف

بصره، والجذام، والبرص في المستأجر للخدمة دون المستأجر لرعي المواشي والبناء، وكون لبن المرضعة لا يستمرئ الطفل [به] لعلة في اللبن؛ كما صرح به الماوردي، وكون الطفل لا يقبل لبن المرضعة، على أحد الوجهين في تعليق القاضي الحسين.
وحكى الرافعي في هذه الصورة وجهين: أحدهما: ينفسخ.
والثاني: يبدل الصبي بغيره.
وكذا كون الأجير كافراً والمستأجر عليه بناء مسجد أو نحر أضاحي، ووقع العقد على عينه وإن وقع على ذمته، قيل له: إن استَنَبْتَ مسلماً؛ فلا خيار للمستأجر، وإن أردت أن تفعل بنفسك، كان للمستأجر الخيار؛ قاله الماوردي.
ومرض الدابة وعرجها بحيث تتأخر عن القافلة عيب، وكذا [لو كان] البعير المستأجر للركوب صعب الظهر أو خشن السير.
و [كذا] انهدام حائط في الدار، وانكسار جذع فيها- عيب؛ ولكن لو بادر الآجر إلى الإصلاح؛ فلا خيار.
وتغير ماء البئر في الدار المستأجرة بحيث يمنع الشرب- إن كانت العادة بالشرب من الآبار- عيب.
وكذا إن لم تكن العادة جارية بالشرب منها ومنع تغيره الطهارة.
ولو قال ماء البئر، فإن كان مععهوداً في وقته، فلا خيار.
وإن كان غير معهود في ذلك الوقت فإن كان مع نقصانه كافياً لما يحتاج إليه المستأجر من شرب أو طهارة- فلا خيار، وإن قصر عن ذلك، فله الخيار، وتغير ماء الرحا لا يثبت الخيار وكذا نقصه في الوقت المعتاد ويثبت إذا نقص في غير وقته وعدم دخول الناس الحمام؛ لفتنة حادثة أو خراب الناحية- عيب؛ صرح به في البحر.
وفي الحاوي: أن خراب ما حول الدار المستأجرة، وبطلان السوق الذي فيه الحانوت المستأجر- لا يثبت الخيار؛ لأنه عيب حدث في غير المعقود عليه ولا فرق في ثبوت الخيار بالعيب على المذهب بين أن يكون قد حصل بآفة سماوية أو بفعل المستأجر.

وقال الإمام: قد يختلج في الصدر خلاف، وذلك إذا حصل بفعل المستأجر؛ لتضمن الرضا بالعيب.
قال: فإن كانت داراً فانهدمت أو أرضاً فانقطع ماؤها، ففيه قولان: أحدهما: تنفسخ، لأن المقصود السكنى والزراعة وقد فات ذلك فأشبه موت العبد المستأجر، فعلى هذا يكون الحكم في الانفساخ وغيره كما تقدم.
والثاني: يثبت له الخيار لأن بعض المعقود عليه موجود والانتفاع به على الجملة ممكن [فأشبه العيب وهذه الطريقة هي المشهورة.
وقيل: في الانهدام تنفسخ؛ لأنها لا تبقى داراً وفي انقطاع الماء لا تنفسخ؛ لأن مسمى الأرض باقٍ [والزرع ممكن] بالأمطار، وسوق ماء آخر إليها، وهذا ظاهر النص في الصورتين، وهو الأصح حيث يثبت الخلاف.
ثم إذا قلنا بثبوت الخيار، فينظر: فإن كان الانهدام أو الانقطاع طرأ قبل مضي مدة لمثلها أجرة، كان بالخيار بين أن يخير بكل الأجرة أو يفسخ.
وقيل: إن اختار الإجارة، كانت بالحصة؛ وفي هذا نظر.
وإن كان بعد مضي مدة لمثلها أجرة؛ فله الخيار في المستقبل، وهل له الخيار في الماضي؟ فيه وجهان في الحاوي.
فإن أثبتنا له الخيار في الماضي والمستقبل، فاختار الإجازة في الماضي والفسخ في المستقبل لزمه حصة الماضي من المسمى.
قال الماوردي: وقد خرج قول آخر: أنه إن أقام على الماضي بكل الأجرة وإلا فينفسخ.
ومحل ثبوت الخيار في الأرض إذا امتنعت الزراعة، أما لو قال الآجر: أنا أسوق إليها الماء من موضع آخر، وساقه سقط الخيار؛ كما لو بادر إلى إصلاح الجدار.
قال: وإن غصبت العين حتى انقضت المدة فهو كالمبيع إذا تلف قبل القبض وقد بيناه في البيع، استغنى الشيخ- رضي الله عنه- بما ذكره في البيع عن الإعادة هنا فلا بدل من تجدد العهد به فنقول: إذا غصب العين المستأجرة أجنبي

حتى انقضت المدة فهل تنفسخ الإجارة؟ فيه طريقان: أحدهما: حكاية قولين فيه كما هي طريقة الشيخ في البيع فالصحيح منهما: الانفساخ كما حكاه الماوردي، وهو نظير ما حكيناه في البيع عن أبي الطيب والمتولي، وقد حكى الرافعي أنه هاهنا منصوص عليه للشافعي وبه أجاب أكثر الأصحاب.
والقول الثاني: لا تنفسخ بل يثبت للمستأجر الخيار، وقد حكينا عن القاضي الحسين والإمام وغيرهما أنهم صححوه في نظير المسألة من البيع، وكان مقتضى التشبيه أن يكون هو الصحيح عندهم هنا أيضاً كما صار إليه الروياني لكنهم رجحوا الأول هاهنا.
وقال الإمام في باب الوصية: إنه المذهب الصحيح.
وفرق القاضي الحسين في آخر باب التحالف بأن المعقود عليه في باب البيع المال وما وجب على الجاني مال والمال قابل للعقد ابتداء؛ فلهذا تعدى العقد من العين إلى بدلها بخلاف الإجارة فإن المعقود عليه المنفعة، وما وجب على المتلف للمنفعة مال والمال لا يقبل عقد الإجارة ابتداء؛ فلهذا لم يتعد العقد من المعقود عليه إلى بدله؛ لأنه غير قابل لجنس العقد الذي ورد على أصله، وبهذا الفرق فرق المتولي أيضاًز والطريق الثاني: لا تنفسخ قولاً واحداً كما حكاه [الروياني] وهو نظير الطريق الذي حكاها صاحب العدة عن أبي العباس في نظير المسألة في البيع.
وإن كان الغاصب الآجر بعد أن سلمها أو منعها ابتداء ولم يسلمها حيث وجب عليه التسليم ففيه طريقان: أحدهما: القطع بانفساخ الإجارة.
والثاني: طرد القولين اللذين في غصب الأجنبي، صرح بهما الماوردي والمتولي، وإن كان الغاصب المستأجر استقرت عليه الأجرة كما تستقر عليه إذا أتلف المبيع.
وصورة غصبه: أن يأخذ العين من الآجر من غير إذنه قبل إقباضه الأجرة الحالة.

تنبيه: في قول الشيخ: حتى انقضت المدة، ما يفهمك أن الخلاف المذكور في الانفساخ لا يطرد فيما إذا كان العقد على عمل معين؛ مثل: أن يستأجر بعيراً ليركبه إلى موضع كذا فيغصب وتمضي مدة يمكن المضي فيها إلى ذلك الموضع كما صرح به في المهذب، وكلام الماوردي، والروياني في البحر يفهم أن الخلاف يطرد في هذه الحالة أيضاً فإنهما قالا بعد حكاية الخلاف في الانفساخ: إذا كان الغاصب أجنبياً.
والأصح: أنه لا يبطل فعلى هذا إن كان الركوب مقدراً بمدة يخير بين شيئين: أحدهما: المقام على الإجارة والرجوع على الغاصب.
والثاني: فسخ الإجارة، وإن كان الركوب مقدراً بالمسافة كان خياره بين ثلاثة أشياء:

  • الفسخ والرجوع بالمسمى.
  • الإجازة والرجوع على الغاصب.
  • الإجازة وركوب البعير إلى المسافة.
    وفي النهاية عند الكلام في موت الرضيع: حكاية خلاف عن العراقيين يعضد إجراء الخلاف الذي يفهمه كلام الماوردي [وسنذكره، وكذلك فيها، وفي الوسيط ما يقتضيه]؛ فإنهما حكيا- فيما إذا حبس المكري الدابة ولم يسلم ولم يكن قد عين مدة وجهين: أحدهما: ينفسخ، واختاره الإمام بعد أن نسبه إلى المراوزة؛ لأن المدة وإن ذكرت فليست معينة، وإنما المطلوب المنفعة فيها فليكن الاعتبار بمضي زمان إمكان الانتفاع؛ ولأن المكتري لو حبسها هذه المدة استقرت عليه الأجرة كما لو حبسها المدة المسماة، فإذا سوينا بين نوعي الإجارة في حق المكتري؛ وجب أن نسوي بينهما في حق المكري.
    والثاني: وهو الذي أجاب به العراقيون- أنها لا تنفسخ.
    قال في الوسيط: لكن يقال: قد تأخر حقه فله الخيار إن شاء؛ لأن الوقت
فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل