كتاب البيوع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[قال الماوردي في كتاب الجنايات: إن كانت مسافة الوكيل أبعد من زمان العفو، مثل: أن يكون الوكيل على مسافة عشرة أيام، وعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام – فعفوه باطل؛ كما لو رمى سلاحه على المقتص منه، ثم عفا عنه قبل وصول السلاح إليه؛ [فإنه لا يجب] على الوكيل شيء.
وإن كانت مسافة الوكيل أقصر من زمان العفو، مثل: أن يكون الوكيل على مسافة خمسة أيام، وعفو الموكل قبل القصاص بخمسة أيام؛ ففي وجوب الدية على الوكيل] قولان، وقد بناهما البندنيجي وابن الصباغ على انعزال الوكيل قبل العلم.
قلت: وفي البناء نظر؛ من حيث إن الوكيل ينعزل ضمناً وإن لم يبلغه الخبر وجهاً واحداً؛ كما إذا باع الموكل ما وكل فيه، أو أزال ملكه عنه؛ وهذا منه؛ لأن العزل وقع ضمناً بالعفو عن الحق.
وقد يجاب عن ذلك بأن الخلاف المذكور راجع إلى صحة العفو، وعدم صحته قبل العلم؛ كما صرح به المحاملي في المجموع، فمن لم يصحح العفو قبل العلم؛ لم يوجب الدية، ومن صححه أوجبها، [والله أعلم].
ثم إذا لم تجب الدية، [فهل تجب الكفارة؟ فيه وجهان.
وإن أوجبنا الدية، وجبت الكفارة.
لكن الدية] هل تجب في ما له دية عمد، أو تجب على عاقلته دية عمد الخطأ؟ فيه وجهان:
أولهما: اختيار الشيخ أبي إسحاق.
والثاني: اختيار ابن أبي هريرة
فإن أوجبناها عليه، فهل يرجع [بها] على الموكل؟
[حكى الجيلي عن ابن الصباغ فيه وجهين.
وعن البغوي القطع بعدم الرجوع.
وإن أوجبناها [على العاقلة]، فلا رجوع لهم على الموكل].
عند ابن الصباغ، والبغوي.
وفيه وجه حكاه الجيلي، أيضاً.
ولا نزاع في انه لا يجب عليه القصاص.
وفي الجيلي حكاية وجه [فيه].
ثم اعلم أن [من] المستثنيات – أيضاً – توكيل المرتهن في بيع الرهن؛ فإنه لا يصح البيع منه في غيبة الموكل، ويصح [مع] حضوره؛ على الأصح عند العراقيين؛ كما ذكرناه في باب الرهن، ولم يستثنه الشيخ.
قال: ولا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنها إثبات حق السلطنة والتصرف للوكيل؛ فافتقرت إلى ذلك؛ كسائر التمليكات.
وصيغة الإيجاب أن يقول: "وكلتك"، أو: "أنت وكيلي"، أو: [قد] جعلتك لي وكيلاً في كذا، ويقوم مقام ذلك قوله: "فوضت إليك"، "وأنبتك فيه"، و"أقمتك مقامي فيه"، وكذا قوله: "بعه"، و"وهبه لزيد"، [وما] أشبه ذلك؛ للدلالة على المقصود.
قال: ويجوز القبول فيه بالقول؛ كما في سائر العقود، وصورته أن يقول: "قبلت الوكالة"، ويقوم مقامه قوله: "توكلت".
قال: والفعل – أي: الموكل فيه – لأن الوكالة أمر للوكيل، وقبول الأمر امتثاله، وذلك يحصل بالتصرف؛ كما قلنا في الوديعة والعارية، [أيضاً]، ويخالف هذا سائر العقود من الهبة، والوصية، غيرهما؛ لأنها تتضمن التمليك؛ فافتقرت إلى القبول بالقول؛ كالبيع.
وقد صار إلى هذا أيضاً صاحب التهذيب، وكثيرون.
وحكى – أيضاً – عن القفال، لكنه عبر عنه بأنه [لايحتاج] إلى القبول؛
لأن الاشتغال بالتصرف قبول منه له.
قال الروياني: والأولى العبارة الأولى.
وحكى الإمام وجهاً مع ما حكى عن القفال: أنه لابد من القبول باللفظ.
والذي حكاه القاضي الحسين: أنا لا نشترط القبول باللفظ إذا كان لفظ الموكل صيغة أمر، كقوله: "بع"، ونحوه، وأجرى الخلاف فيما إذا كان على صيغة العقود؛ كقوله: "وكلتك"، و"فوضت إليك".
وعلى ذلك جرى المتولي، لكنه جعل المذهب المشهور حيث أجرى الخلاف: أنه لا يشترط القبول - يعني: باللفظ - كما هو عند غيره، وأن من صار إلى اشتراطه هو الذي [يراعي في العقود ألفاظها لا معانيها.
والذي ذكره القاضي أن اشتراط القبول هو الذي يدل عليه] ظاهر النص، وقد استحسن الإمام هذه الطريقة هاهنا، وقال في أول كتاب الوديعة: الأصح: أنه لا يشترط القبول في الوكالة، على أي وجه فرضت.
وألحق المتولي بقوله مع قوله: أذنت لك في كذا.
قال: ويجوز على الفور؛ كسائر العقود وعلى التراخي؛ لان الوكالة تصح بالمعلوم والمجهول: كالخصومات، وبالموجود وبالمعدوم: كاستيفاء ما وجب له وما سيجب؛ فجاز تراخي القبول فيها؛ كالوصية.
هذه علة الشيخ أبي حامد، وقد يمنع جواز التوكيل فيها بالمجهول - كما صوره [في المخاصمة]- فإن لأصحابنا وجهاً في عدم صحة التوكيل بها.
كذا والذي وجهه به القاضي أبو الطيب: أن التوكيل إذن في التصرف، والإذن قائم ما لم يرجع الآذن، وإذا كان الإذن باقياً، لم يكن فرق بين أن يقبل في الحال، أو يؤخر القبول إلى وقت آخر.
وحكى القاضي الحسين وجهين فيما إذا اشترطنا القبول بالنطق: أنه هل يكتفي
به في [غير] ذلك المجلس؟ وقال: الأصح [عند]: أنه يختص [بذلك في] المجلس.
وقال في التتمة: لا خلاف أنه لا يجب القبول كسائر العقود، والأمر فيه موسع.
وحكى الشيخ والماوردي عن القاضي أبي حامد: أنه اعتبر وقوع القبول على الفور؛ كما في البيع، وخطأه الماوردي.
قال الرافعي: وهذا إذا اشترطنا النطق، أما إذا لم نشترطه، فلا يشترط التعجيل بحال، ولو خرج على أن الأمر [هل] يقتضي الفور؟ لما بعد.
وقد حكى الغزالي ما ذكره الشيخ عن العراقيين، قوال: إنه عين إسقاط القبول، وي إطلاقه نظر؛ من حيث إن القبول يطلق بمعنيين:
أحدهما: اللفظ الدال على الرضا على النحو المعتبر في المعاملات.
والثاني: الرضا، والرغبة فيما فوض إليه، ويقتضيه الرد، فإن أراد المعنى الأول فصحيح، لكن المعتبر عند العراقيين في الوكالات القبول بالمعنى الثاني؛ حتى لو رد، وقال: "لا أقبل، ولا أفعل"، بطلت، ولو ندم، وأراد أن يفعل، احتاج إلى تجديد الإذن.
ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط الفورية مفروض فيما إذا لم يعين زمان العمل الذي وكل فيه.
فإن تعين، وخيف فواته، كان القبول فيها على الفور.
وكذلك لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده صار قبولها على الفور؛ صرح به الماوردي، وتبعه الروياني.
[فرعان]:
على القول [بأنا لا نشترط] القبول؛ كما حكاه الإمام:
أحدهما: لو وكله، والوكيل لا يشعر [به]، هل تثبت وكالته؟
قال في النهاية: فيها وجهان، يقربان من القولين في أن العزل هل ينفذ قبل بلوغ الخبر، فالوكالة أولى بألاَّ تثبت، فن لم نثبتها، فهل يحكم بنفوذها حالة بلوغ الخبر؛ كالعزل أم لا؟
فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي محمد.
إن لم نحكم به، فقد اشترطنا اقتران علم الوكيل بالوكالة.
والأظهر: ثبوت الوكالة وإن لم يعلم، وعلى هذا فلو تصرف الوكيل، وهو غير عالم، ثم تبين الحال، خرج على الخلاف فيما إذا باع مال أبيه على [ظن] أنه حي، فإذا هو ميت.
الثاني: لو كتب إليه بالوكالة، وأرسل إليه، كفى.
وعلى القول "باشتراطه بالنطق"، فالحكم كما لو كتب بالبيع، والذي أجاب به الماوردي، والبندنيجي، والروياني الجواز، وادعى القاضي أبو الطيب في مسألة بلوغ الخبر إجماع المسلمين على الصحة.
[فرع:] تعيين الوكيل شرط في الوكالة؛ حتى لو قال: أذنت لكل من أراد بيع عبدي [هذا]، لم يصح التوكيل؛ صرح به الإمام في الجعالة، ونسبه الغزالي في كتاب الحج إلى القفال.
قال: ولا يجوز عقد الوكالة على شرط مستقبل، أي: مثل إن قال: "إذا جاء رأس الشهر، فقد وكلتك في بيع عبدي"؛ كما صوره في التهذيب، أو:"إذا تزوجت فلانة، فقد وكلتك في تطليقها"، أو: إذا اشتريت عبداً، فقد وكلتك في
بيعه [أو عتقه]؛ كما صوره ابن أبي الدم.
[و] وجهه: أنه عقد يملك به التصرف في حالة الحياة، لم يبن على التغليب والسراية، وتؤثر فيه الجهالة؛ فلم يجز تعليقه على شرط؛ كالبيع، والإجارة، والقراض.
وحكى الشيخ في المهذب [وغيره] وجهاً: أنه يجوز كما في الوصية، والإمارة؛ وكذا حكاه ابن أبي الدم في الصورتين اللتين ذكرهما.
وقال الإمام في آخر باب الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال الإنسان: "إن تزوجت فلانة؛ فقد وكلتك في طلاقها": إن الوجه القطع ببطلان الوكالة؛ فإنه تصرف في الطلاق قبل الملك.
وأيضاً: فإنا [إذا] لم نجوز تعليق الطلاق قبل النكاح مع أنه يقبل التعليق، فكيف تصح الوكالة مع الاختلاف في قبولها [التعليق].
وقال هاهنا: أحسن الطرق عندي تخريج ذلك على الخلاف في [أن] القبول هل يشترط؟ فإن قلنا بعدم اشتراطه، لم يمتنع تعليق الوكالة، وإن شرطناه [فيبعد تصحيح التعليق في الوكالة.
وحكى عن شيخه: أنا إن لم نشترط القبول، جاز التعليق، وإن اشترطناه]، ففي جواز التعليق وجهان.
وإن هذا بعيد، لم نره إلا له، ومقتضى ما قاله هو وشيخه: أن يكون الصحيح صحة التعليق؛ فإن الصحيح عدم اشتراط القبول، والصحيح عند العراقيين ما ذكره الشيخ، [وأجابوا] عن الوصية بأنها تجوز بالمجهول، وما جاز بالمجهول جاز تعليقه؛ لأنهما متقاربان.
وعن الإمارة بأنها تجوز مع الجهالة – أيضاً – فإن عمر – رضي الله عنه – جعلها شورى.
وقد تحصل من مجموع ذلك في كيفية [بناء] الخلاف – ثلاث طرق:
أحدها: وهي طريقة العراقيين: أن القبول بالقول لا يشترط، وفي جواز التعليق وجهان.
والثانية والثالثة طريقة الإمام ووالده.
[فرع: قال في البحر في كتاب القراض: إذا قال: "وكلتك في بيع [هذه السلعة]، وصرف ثمنها في سلعة أخرى" – صح التوكيل بالبيع، وفي التوكيل بالشراء وجهان].
قال: فإن عقد على شرط، ووجد الشرط، فتصرف الوكيل، نفذ تصرفه – أي: وإن فرعنا على المذهب – لوجود الإذن الخالي عن المفسد؛ كما لو وكله في البيع، وشرط له جعلاً فاسداً؛ فإن الوكالة فاسدة، والبيع صحيح بصحة الإذن، لكن التصرف وإن صح فلا يسوغ للوكيل الإقدام عليه؛ لفساد الوكالة، ويستحق أجرة المثل [إذا تصرف]، وقد شرط له جعلاً.
واستبعد ابن الصباغ عدم جواز التصرف مع القول [بصحة الإذن]، وقال: لو لم يستبح التصرف، لم يصح منه فلما صح منه تبين أنه يستبيحه بالإذن وإن فائدة الفساد: أن المسمى لا يثبت، وتجب أجرة المثل.
وعكس الشيخ أبو محمد ذلك، وقال: هو لا يستبيح التصرف؛ فلا ينفذ تصرفه، وقطع به.
قال الإمام: وكشف الغطاء عن ذلك: أن صيغة الإذن الصادر من الموكل إن
كانت [أمراً وجرينا] على أنه لا يقتضي القبول، فيجب القطع بأنها تقبل التعليق.
[وإن كانت توكيلاً، وقضينا بأنها تفتقر إلى قبول، فالتعليق يسد بخروج القبول عن الضبط؛ فكأن لا قبول، وإذا فسد القبول، لم] يستفد الوكيل التصرف.
وقد حكى المتولي ما صار إليه الشيخ أبو محمد وجهاً.
[قال:] وإن وكله في الحال، وعلق التصرف على شرط – جاز.
قال في المهذب: لأنه لم يعلق العقد على شرط، وإنما علق التصرف فيه، فلم يمنع صحة العقد، وصورة [ذلك أن يقول: وكلتك "أن تبيع مالي، أو تطلق زوجتي بعد شهر".
وصور الإمام] ذلك بأن يقول: وكلتك ببيع عبدي، ولا تبعه إلا بعد شهر.
والرافعي بأن يقول: "وكلتك ببيع عبدي الآن، ولا تبعه إلا بعد شهر".
وادعى اتفاق الأصحاب على صحة ذلك.
وقال الإمام: في صحة التوكيل نظر؛ فإنه لا معنى للتوكيل مع امتناع التصرف، والمقصود من الألفاظ معانيها، وحكى أن في كلام العراقيين رمزاً إلى أنه لا فرق بين تعليق الوكالة، وبين تعليق التصرف بالوكالة، وأنه حسن.
وقد ألحق البغوي بما ذكرناه في الصحة ما إذا قال: وكلتك [أن تطلق] كل امرأة أتزوجها، وتعتق كل عبد أشتريه، ثم نكح، وملك.
والمتولي عند الكلام في اشتراط الفورية في القبول [ألحق به] ما إذا قال: وكلتك ببيع ما يثمر نخلي وتنتج مواشيَّ؛ نظراً إلى تنجيز الوكالة في الحال.
وما قالاه قد حكاه الإمام وجهاً عن القاضي في [آخر باب] الطلاق قبل
النكاح فيما إذا قال: وكلتك في بيع [عبد] فلان إذا ملكته، أو: في طلاق فلانة إذا نكحتها، ثم ملك، ونكح.
وحكى عنه وجهاً آخر: أنه لا يصح [ثم قال: والوجه عندي القطع بالفساد؛ فإن الوكالة لا تصح]، لتنجيزها، والتصرف غير ممكن؛ فلا فرق في المعنى بين هذه الصورة وبين ما إذا قال: "إن تزوجت فلانة، فقد وكلتك في طلاقاه".
فروع:
[أحدها:] لو أَقَتَ الوكالة، فقال:"وكلتك إلى شهر، صح؛ كما حكاه الرافعي عن العبادي في الرقم، والقاضي الحسين في كتاب: القراض.
[الثاني:] تعليق العزل على شرط يجز؛ على الأصح؛ [كما] في النهاية، وفيه وجه.
وقد أشار القاضي الحسين والإمام إلى أن الخلاف يترتب على تعليق التوكيل، وأولى بالجواز؛ فإن الطريقة الصحيحة بناء تعليق التوكيل على اشتراط القبول فيها، وهو غير مشترط في العزل.
[الثالث:] تعليق الإباحة على الشرط، مثل أن يقول: إذا جاء رأس الشهر، فقد أبحتك كذا، هل يجوز؟ فيه وجهان في آخر كتاب الوكالة [في البحر].
فرع: إذا جوزنا تعليق الوكالة، فقال الموكل: وكلتك في كذا، وكلما عزلتك، فأنت وكيلي –صحت الوكالة في الحال؛ على الأصح.
وفي تعليق القاضي الحسين وغيره حكاية وجه: أنها لا تصح؛ لاشتمالها على شرط التأبيد، وهو إلزام العقد الجائز.
فإن قلنا بالأول، أو كان قوله: مهما عزلتك، فأنت وكيلي منفصلاً عن الوكالة – إذا عزله، وعلم الوكيل، عاد وكيلاً، وهكذا الحكم فيما إذا لم يعلم،
وقلنا: لا يشترط بلوغ الخبر في العزل، أما إذا اشترطناه؛ فلا يكون [قد] عزل، ثم عاد، بل هو مستمر على الوكالة.
وقد حكى الإمام فيما إذا قلنا: إنه ينعزل وإن لم يشعر به –تردداً عن الأصحاب: [و] أن منهم من الحق عوده وكيلاً بالتوكيل، حيث لا يشعر الوكيل، ول يشترط القبول، وقد ذكرناه.
ومنهم من قال بنفوذ التوكيل هاهنا؛ فإن صورة المسألة تؤمن الوكيل من اطراد العزل عليه.
ثم قال: ولا شك أنا نضطر إلى عود العزل في وقت وإن لطف، ثم نفرض على الترتيب عود الوكالة، فلو صادف تصرف الوكيل ذلك الوقت اللطيف، فهل ينفذ؟ فيه وجهان:
فإن لم ننفذه، [و] وقع الاختلاف فيه، فالأصل استمرار الوكالة، والحكم بنفوذ التصرف.
قال الرافعي: وهذا الفرض والتصوير إنما [يتضح] لو وقع بينهما ترتيب زماني، والترتيب في مثل هذا لا يكون إلا عقليًّا.
وطريق الموكل في عزل الوكيل أن يوكل غيره، فيعزله، فإن كان قد قال: "كلما عزلتك، أو عزلك غيري، فأنت وكيلي" – فطريقه [فيه] كما قال الشيخ أبو محمد: أن يقول: "كلما عدت وكيلي، فأنت معزول" فيلتقي عود الغزل وعود الوكالة، والعزل أغلب، وإلى ذلك أشار الغزالي بقوله: "فيتقاوم العزل والوكالة والأصل منع التصرف".
قال: وإن وكله في خصومة، أو [في] استيفاء حق – لم يفتقر
[إلى] رضا الموكل عليه؛ لأن التوكيل في ذلك رضا الخصم جائز اتفاقاً، وما جاز التوكيل فيه برضا الخصم، جاز التوكيل فيه بدونه، كالتوكيل في قبض الزكاة، والجزية.
ولأنه توكيل لا يعتبر فيه رضا الخصم مع غيبة الموكل، فلم يعتبر فيه [مع] حضوره؛ كتوكيل المريض [والمخدرة، وقد وافق الخصم]- وهو أبو حنيفة - على جواز ذلك.
فرع: لو وكله في مخاصمة كل خصم يحدث له في ففي صحة هذه الوكالة وجهان:
أحدهما - وهو [قول] البصريين - أنها باطلة؛ لما يتضمنها من الجهالة بالموكل فيه، وأنها على غير شيء في الحال.
والثاني - وهو قول البغداديين - أنها صحيحة؛ لأنها من العقود الجائزة؛ فلا تبطل بالجهالة.
فعلى هذا هل يحتاج إلى بيان ما فيه الخصومة من عين، أو دين، أو أرش جناية، أو بدل مال؟ فيه وجهان حكاهما العبادي، كالوجهين في بيان من يخاصم معه.
قال: وإن وكَّله في حق، لم يجز للوكيل أن يجعل ذلك إلى غيره؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه عرفاً؛ فلم يجز له، والأصل في التصرف في مال الغير الحظر.
ولأنه إنما رضي بأمانته؛ فلا يجوز أن يأتمن غيره؛ [كما في الوديعة].
قال: إلا أن يأذن له فيه؛ لزوال المانع، أو كان ذلك مما لا يتولى مثله بنفسه، أي: مثل أن يوكل في البيع والشراء من لا يتولى التصرف في الأسواق، أو من هو جاهل بما وكله فيه.
ووجهه: أن الموكل إذا علم أن الوكيل لا يحصل المقصود بنفسه في العادة، انصرف الإذن فيه إلى ما جرت به العادة من الاستنابة.
قال: أو لا يتمكن منه؛ لكثرته؛ لما ذكرناه، وقاسه في [بحر] المذهب على عامل القراض.
والكثرة: بفتح الكاف، وحكى كسرها.
وحكى المتولي وغيره وجهاً: أنه لا يجوز له التوكيل في هذه الحالة.
وحكى الروياني عن بعض المراوزة: انه صححه، وغلطه فيه، وقد حكى هذا الوجه - أيضاً -فيما إذا كان الوكيل لا يتولى مثل الموكل فيه بنفسه.
وعلى الصحيح هل يملك التوكيل في جميع ما وكل فيه، أو فيما عجز عن التصرف فيه؟ فيه وجهان: أصحهما في الرافعي: الثاني.
ويجيء من مجموع ما ذكرناه ثلاث طرق: إحداها: الجواز يما لا يقدر على التصرف فيه، وفيما يقدر وجهان.
[والثانية: لا يجوز فيما يقدر، وفيما [لا يقدر] عليه وجهان].
والثالثة: إجراء الخلاف في الحالتين.
فرع: [قال ابن سريج:] إذا وكله في تصرف سماه له، [ثم] قال: [قد] أذنت لك أن تصنع ما شئت، فهل يكون ذلك إذناً في التوكيل؟ فيه قولان: في مجموع المحاملي، ووجهان في الشامل وغيره.
قال في البحر: وهو الأصح، والمختار في المرشد منهما المنع.
فرع: إذا وكل بالإذن، فالوكيل الثاني وكيل عمن؟ ينظر:
فإن قال: "وكِّلْ عني"، فهو وكيل عن الموكِّل، لا ينعزل بانعزال الواسطة، ولا عزله.
وإن قال: "عن نسك"، فالذي حكاه العراقيون عن القاضي أبي الطيب،
والماوردي، والشيخ في المهذب، وغيرهم: أنه وكيل عن الوكيل، فله عزله، وينعزل بانعزاله، وللموكل-أيضاً – عزله.
وحكى القاضي الحسين: أنه ينعزل بموته، وجنونه، وهل ينزل بعزله؟ فيه وجهان: أحدهما: [لا]؛ لأنه وكيل في التوكيل دون العزل، والعزل ضده: كالوكيل في البيع، لا يملك الإقالة.
وأن طريق الموكل الأول [في عزل الثاني أني عزل الأول،] فلو عزل الثاني، فهل ينعزل؟ يحتمل وجهين.
وحكى الغزالي مع ما حكيناه عن العراقيين وجهاً آخر: أنه وكيل عن الموكل؛ فعلى هذا يكون حكمه ما ذكرناه أولاً.
وحكى الروياني عنهم [أنه] الأصح، ظاهر مذهب الشافعي.
وفي الوسيط على هذا: إذا مات الواسطة هل ينعزل الأخير؟ فيه وجهان:
فإن قال: "وكل"، وأطلق، فهل [يكون] ذلك كما لو قال: "وكل عني" أو "عن نفسك"؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره، وأصحهما [في الرافعي] الأول، وهو الذي حكاه في البحر.
فرع: حيث جوزنا التوكيل بغير الإذن، فينبغي ان يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه؛ ففيه وجهان [في الرافعي].
تنبيه حيث جوزنا للوكيل التوكيل، فلا يجوز أن يوكل إلا ثقة كافياً فيما يوكِّل فيه، إلا أن يعين له الموكل شخصاً.
وفي البحر في كتاب الوصية [وجه] أنه يجوز أن يوكل الفاسق.
وعلى المذهب: لو وكل عدلاً حيث لا تعيين من جهة الموكل، ففسق، فهل [له] عزله دون إذن موكله؟ فيه وجهان في الحاوي وغيره، والمختار في المرشد الجواز، وخص الغزالي محل الوجهين بما إذا قال: "وكل عني".
واستشكل بعضهم وجه جواز العزل؛ فإنه إذا لم يكن [وكيلاً] عنه، فكيف يقدر على عزله.
قال: وإن وكل اثنين، لم يجز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف؛ لأنه إنما رضي باجتادهما دون اجتهاد أحدهما.
قال: إلا أن يجعل الموكل ذلك إليه؛ لرضاه بتصرف كل [واحد] منهما.
وحكى العراقيون وجهاً فيما إذا وكلهما في حفظ مال: أنه يجوز لأحدهما أن يسلمه إلى الآخر؛: لينفرد بحفظه، ونسبوه إلى ابن سريج.
قال [الإمام]: والفرق بين ذلك وبين ما إذا أِرك بينهما في التصرف؛ أن استحفاظهما مشعر في الظاهر بقيام كل واحد منهما بحق الحفظ لو لم يكن صاحبه حاضراً، فإن اعتقاد اجتماعهما أبداً على الحفظ وهوأمر دائم - بعيد، والألفاظ الملطقة تؤخذ من موجب العرف، والتصرفات تقع في أوقات، فليس يتعذر الاجتماع عليها؛ فلذلك حمل الأمر فيها على الاشتراك، وصدرو التصرف عن رأيهام؛ كذا حكاه قبل باب الرهن والحميل.
وما قاله من الفرق منتفض بتوكيلهما في الخصومة؛ فإنه حكى وجهين في أن أحدهما هل له أن يستبد بها، مع أنها تقع في أوقات [لا يتعذر] فيها الاجتماع.
ثم على وجه الجواز في [مسألة] التوكيل بالحفظ: لو "أرادا" أن يقسما ما وكلا في حفظه، وأمكنت قسمته، جاز؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب في الرهن، ونسبه في المهذب إلى [تخريج] ابن سريج، وحكى الإمام معه في أواخر كتاب الرهن [وجهاً آخر:] أن القسمة لا تجوز.
[و] على وجه الجواز: إذا وقعت القسمة، ثم أراد أحدهما أن يدفع نصيبه إلى صاحبه، هل يجوز؟
قال القاضي أبو الطيب في كتاب الرهن: يحتمل وجهين:
أحدهما: يجوز؛ كما جازت القسمة، وحكى في الشامل هذين الوجهين عن ابن سريج.
والصحيح عند المراوزة؛ كما حكاه الإمام ثَمَّ، وبه جزم أكثر العراقيين هنا – ما دل عليه كلام الشيخ: [أنه] لا يجوز لأحدهما ان ينفرد بالحفظ، وإذا مات أحدهما، لم يقُم غيره مقامه؛ بخلاف الوصيين إذا مات أحدهما.
ولو غاب أحد الوكيلين، فأقام الحاضر بينة على وكالتهما، سمعت، وثبتت في حق الغائب تبعاً، فإذا حضر تصرفا جمنيعاً؛ قاله القاضي أبو الطيب وغيره.
قال: وإن وكله في البيع، لم يجز أن يبيع من نفسه؛ لأن إطلاق الأمر له لا يقتضي دخوله فيه؛ فلا يملكه.
ولأن البائع عن الغير مأمور بطلب الاستقصاء في الثمن، والمشتري لنفسه طبعه يحثه على أن يسترخص، ويقلل الثمن، وهما متنافيان.
وحكى ابن كج أن القاضي أبا حامد حكى عن الإصطخري وجهاً: أن للوكيل أن يبيع من نفسه [عند] حصول الثمن الذي لو باع [به] من غيره؛ لصح.
قال: وقيل: إن نص له على ذلك – جاز؛ نظراً للعلة الأولى، وصيغته أن يقول: [إن] اخترت أن تشتريه لنفسك من نسك، فافعل، وهذا قول أبي إسحاق.
وحكى الماوردي أنه من تخريج ابن سريج، قال: وليس بشيء؛ لما في ذلك من اتحاد الموجب والقابل، وإذن الموكل لا ينفي ما ذكرناه من تضاد
الغرضين؛ فإن غاية الأمر أن يشتريه لنفسه بثمن المثل، وهو متهم بالتساهل في طلب زيادة عليه.
نعم: لو قال [له] "بعه من نفسك بكذا" جزماً اتجه تصحيح البيع [لأن النظر إلى اتحاد الموجب والقابل إنما كان لما يلحقه من التهمة المفضية] إلى تضاد الغرضين، ولذلك لما فقدت التهمة في حق الأب والجد، لم يكن الاتحاد مانعاً من الصحة، وهاهنا قد انتفت التهمة بالنص على البيع من نسه بشيء معلوم؛ فإنه لو نص على البيع من الأجنبي بشيء لا يجوز البيع من غيره مع وجود الزيادة عليه، وقد وجد هذا هاهنا.
وللقائل بعدم الصحة أن ينظر إلى الغالب.
والخلاف المذكور يجري - كما حكاه المتولي -فيما لو وكله في أن يبيع من ولده الصغير.
[و] قال صاحب التهذيب: وجب أن يصح؛ لأنه رضي بالنظر للطفل، وترك الاستقصاء، وتولي الطرفين في حق الولد معهود في الجملة، بخلاف ما لو باع من نفسه.
[ويجري - أيضاً - الخلاف فيما لو وكله بالهبة، وأذن له أن يهب من نفسه، أو في أن يستوي من نفسه] ما له عليه من دين، أو قصاص.
وعلى قول المنع: إذا استوفى - سقط الضمان.
قال المحاملي: لأنه يسقط بالشبهة.
وأجري - أيضاً -فيما لو وكل الإمام السارق في قطع يده، أو الزاني ليجلد نفسه، واستبعده الإمام في الزاني؛ لأنه متهم بترك الإيلام، بخلاف القطع.
وأجري - أيضاً - فيما لو وكل السيد عبده في أن يكاتب نفسه على نجمين.
وظاهر المذهب في الكل: المنع.
ولو وكله في أن يبرئ نفسه، فطريقان:
إحداهما: حكاية الخلاف فيه.
والثانية: القطع بالجواز، وذلك مبني على أنه هل يفتقر إلى القول أم لا؟
فإن افتقر، خرج على الوجهين.
وإن لم يفتقر [جاز]، كما يجوز أن يوكله في أن يعفو عن القصاص الواجب عليه، وأن يوكل العبد في عتق نسه، والزوجة في طلاقها.
قال في البحر: وإذا صح توكيله في إبراء نفسه، احتاج أن يبرئ في الحال، وإن أخره، لم يصح.
وإنه لا فرق في ذلك بين أن يقول: أمرتك أن تبرئ نفسك، أو: وكلتك في أن تبرئ غرمائي، وتبرئ نفسك إن شئت.
ولو وكله في أن يصالح من نفسه، ففيه وجهان في البحر؛ إذا عين له ما يصالح عنه، فلو أطلق لا يجوز أن يصالح إلا على شيء تبلغ قيمته قدر الدين.
ولو قال: [صالح على ما شئت]، يجوز له أن يصالح على كل وجه.
فروع:
[أحدها:] لو وكل الولد أباه في البيع، هل يجوز له [أن يبيع] من نفسه؛ كما لو استفاد البيع بالولاية أم لا؟
فيه وجهان [في الحاوي]، والمختار منهما في بحر المذهب: المنع.
الثاني: ولو وكل إنسان إنساناً في البيع، ووكله آخر في شراء ذلك، فهل يجوز أن يتولى الإيجاب والقبول؟
فيه وجهان في تعليق القاضي أبي الطيب وغيره، والمذكور منهما في الحاوي والمهذب: المنع، وهو الذي حكى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد الجزم به، وقال: إن الطريق الأول أصح؛ فإنه لا يتقاعد عن بيعه من نفسه، وقد حكى فيه الوجهين.
[وقال الماوردي: إن الوكيل لو أراد أن يقيم على وكالته الثانية من بيع أو
شراء، ويلغي الأولى، هل يجوز؟ يحتمل وجهين].
وقد حكى الإمام في باب الرهن والحميل ما يقتضي عكس ذلك؛ فإنه قال: [إذا قال] من عليه الدين لشخصين، وقد وكلا وكيلاً في قبضه: خذ هذا وادفعه إلى فلان أحد الموكلين، فقد [اختلف] أصحابنا في هذه المسألة:
منهم من قال: ينعزل الوكيل بالقبض عن حكم ذلك الموكل، وصار وكيلاً للمؤدى.
ومنه من قال: [لا ينعلز عن التوكيل بالقبض وإن قبل الوكيل.
ثم قال: و] الأفقه الوجه الأول، ولا يشترط فيه تصيرح الوكيل بالقبول لا قال من عليه الدين: "ادفع إلى موكلك"، [بل] مجرد قوله: "ادفع" يتضمن: أني لا اقنع ببدل على حسب ما وكلك صاحبك.
[الثالث:] لو وكل المتداعيان في المخاصمة شخصاً واحداً، هل يجوز؟ فيه وجهان، أصحهما المنع.
قال: ويجوز أن يبيع من ابنه – أي: البالغ – ومكاتبه؛ لان الملك يقع لغيره، والقابل غيره؛ [فهو] كما لو باع من أجنبي؛ وهذا قول الإصطخري والصح في الرافعي وغيره.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه متهم في حقهما؛ لما له من الشفقة على ولده، والاحتياط له، وتوقع عود المكاتب إليه؛ ولهذا لا تسمع شهادته لهما؛ كما لا تسمع شهادته لنسه؛ وهذا قول أبي إسحاق، واختاره في المرشد.
وحكى في البحر: أنه اختيار القاضي أبي الطيب.
وقد أجرى هذا الخلاف في البيع من الزوج والزوجة؛ إذا لم تسمع شهادة أحدهما للآخر.
قال في الشامل، والتتمة، والبحر: ولو أذن له [في] أن يبيع من ولده – جاز بلا خلاف.
ولو عين الموكل الثمن للوكيل عند إطلاق الإذن، ففي جواز البيع من الابن البالغ، ونحوه وجهان مرتبان على ما إذا لم يعين، وأولى بالجواز؛ صرح به القاضي الحسين.
قال: وإن وكل عبداً لغيره – [أي: بإذنه] – في شراء نفسه له من مولاه، فقد قيل: يجوز؛ كما لو وكله في شراء شيء من غير مولاه بإذنه؛ وهذا هو الأقيس في الشامل، والذي ذكره المراوزةن وجعله الرافعي الأظهر.
قال: وقيل: [لا] يجوز؛ لأن يد العبد كيد سيده، فكذا قبوله، وإذا كان كذلك، صار السيد كأنه الموجب والقابل، وذلك لا يصح؛ على الأصح.
وهذا الوجه قال الماوردي: إنه مذهب الشافعي.
وحكى البغوي الوجهين في مداينة العبيد، قوال: [إن ظاهر المذهب منهما: الصحة، لأنه] لا يحتاج إلى إذن السيد قبل الشراء؛ لأن بيعه لنفسه منه إذن له بالشراء.
وقال القاض الحسين في باب بيع المكاتب: إن كانت الوكالة بإذن السيد – جاز قولاً واحداً، وإن كانت بدون إذنه، فوجهان.
والوجهان – [أيضاً] – يجريان فيمالو وكله في أن يشتري له من سيده شيئاً غيره، وفيما لو وكل السيد عبده في بيع نفسه؛ كما حكاه الإمام في آخر النهاية، لكنه جعل الأصح فيهما الصحة؛ فإن مأخذ المنع الاتحاد، وهو منتف هاهنا.
[ثم] حيث صححنا توكيل العبد في شراء نفسه من سيده، فصيغة العقد أن يقول: "اشتريت نفسي لموكلي".
فلو أطلق العبد، ونوى موكله، قال ابن الصباغ: إن صدقه السيد على ذلك، وكان له مطالبة الموكل.
وإن قال: ما اشتريت إلا لنفسي، فالقول قول السيد مع يمينه، يحلف: أنه لا يعلم أنه اشتراه لغيرهن ويطالبه، ولم يتعرض لعتقه.
وكلام الإمام يقتضي: أنه يعتق عند إطلاق العقد؛ فإنه [قال:] إذا أطلق العقد، وقع عن نسه دون موكله، وإن نواه؛ لأن قوله: "اشتريت لنفسي صريح في اقتضاء العتق، فإذا أطلقه، ثم أراد أن يرد الظاهر الدال على العتق، لم يقبل، وعلى ذلك جرى الغزالي.
قال: ولا يجوز للوكيل – أي: في البيع [المطلق] – أني بيع بدون ثمن المثل – أي: بما لا يتغابن بمثله – لأنه توكيل بعقد معاوضة، فوجب أن يقتضي إطلاقه عوض المثل؛ كما لو وكله بالشراء.
وقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – على أنه لا يلزم الموكل فيها إلا ثمن المثل [إذا عقد به.
ولأن البيع بدون ثمن المثل] محاباة، وهي بمنزلة الهبة، ولهذا تعتبر إذا وجدت في المرض من الثلث؛ كما تعتبر الهبة، ثم الوكيل لا يملك هبة جزء من المال، فلذلك لا يجوز محاباته.
أما إذا نقص عنه ما يتغابن بمثله، فلا يضر؛ لجريان العادة بالمسامحة به؛ على أنه لو قيل: نقص ما جرت العادة به، لا يخرجه عن أن يكون ثمن المثل – لم يبعد، ولايحتاج كلام الشيخ إلى تقييد.
ثم المرجع في ذلك إلى العرف.
قال الروياني: وهو يختلف باختلاف أجناس الأموال من الثياب، والعبيد، وغيرها.
ولا فرق في بطلان البيع بدون ثمن المثل على الجديد [بين] أن يرضى الموكل بصحة البيع به أم لا.
وعلى القديم – وهو جواز وقف العقود-يكون الموكل بالخيار، وعليه يحمل ما حكاه القاضي أبو حامد [في جامعه] عن الشافعي: أنه قال: "إذا باع بما لا يتغابن الناس بمثله، كان [له] أن يرد البيع"، [كما] حكاه القاضي أبو الطيب [في تعليقه].
وهكذا الحمك فيما لو وكله بالشراء، فاشترى بأكثر من ثمن المثل، لا يقع العقد للموكل وإن رضي.
وقال الإمام عند الكلام في الكفارة: وقد رأيت لبعض الأصحاب وجهاً في أنه إن رضي [به]، جاز على شرط الخيار، ثم قال: "ولست واثقاً بهذا الوجه"؛ وهذا قد حاكه الماوردي عن ابن سريج هاهنا، وأنه لم يطرده في البيع.
ثم على [كل] حال إذا لم نصحح بيع الوكيل عند بيعه ما يساوي عشرة بثمانية، وفرض أن القدر الذي يتغابن به [درهم] [من عشرة دراهم]، وقد سلم المبيع – فإن كان باقياً، استرده الموكل؛ إن اعترف المشتري بأن البائع وكيل، أو قامت عليه بينة، وألا فهو كام لو تلف؛ فيكون الوكيل ضامناً، وماذا يضمنه؟ فيه ثلاثة أوجه [حكاها في المهذب أقوالاً]:
أحدها: تمام القيمة
والثاني: القدر الذي لو باع به ابتداء لصح، وهو تسعة، ويأخذ من المشتري درهماً.
وقد حكى المتولي هذين الوجهين قولين منصوصين، [نص] عليهما في اللطيف، وكذلك ابن الصباغ في كتاب الرهن، وقال: إن الأصح، وبه قال أبو إسحاق: الأول، وجعله البندنيجي المذهب، وهو الذي اختاره في المرشد.
وما قاله الثاني من انه لو باع بما يتغابن [بمثله]، لصح؛ فلا يغرم إلا ذلك، يلزمه في حق المشتري – أيضاً –فإن البيع لو وقع كذلك، لم يلزمه إلا ذلك القدر، وقد وافق على أنه يلزمه جميع القيمة، وقد قرب الخلاف [من الخلاف] فيما إذا صرف جميع السهم في الزكاة أو الوصية إلى اثنين، هل يغرم للثالث أدنى جزء، أو الثلث؟
والوجه الثالث: [الذي] يضمنه درهم؛ لأنه لم يفرط إلا فيه، ويرجع على المشتري بتسعة؛ وهذا إذا أراد الموكل الرجوع على الوكيل، فلو أراد الرجوع على المشتري – رجع عليه بالقيمة وجهاً واحداً، وأي قيمة تعتبر؟ قد تقدم بيانها في باب: ما يجوز بيعه.
تنبيه: محل جواز بيع الوكيل بثمن المثل: إذا لم يجد من يبذل زيادة عليه، أما إذا وجد، فهو كما لو باع بدون ثمن المثل.
وحكى الروياني عن والده في ضمن فرع احتمالاً في هذه الصورة.
ولو باع بثمن المثل، ثم حصل من يزيد، فإن كان بعد اللزوم، فلا أثر لذلك، وإن كان قبل اللزوم، فقد حكى ابن الصباغ وغيره عن الشافعي في كتاب الرهن: أنه قال: "لزمه أن يفسخ العقد، ويبيع بالزيادة، فإن لم يفعل، كان البيع مردوداً"، ["وأن من] الأصحاب" من أجرى النص على ظاهره، ووجهه بأنه مأمور بالاحتياط، وحالة الخيار بمنزلة حالة العقد.
قال المحاملي: ومنهم من قال: [لا يلزمه ذلك]، ولكن الأولى أن يفعل، فإن لم يفعل، لم يبطل الأول؛ لأنه لا يتحقق حصول هذه الزيادة.
والصحيح الأول.
والذي حكاه في الوسيط في كتاب الرهن: أن البيع ينفسخ بمجرد الزيادة من غير أن يجعله مرتباً على امتناع الوكيل من الفسخ؛ وهي طريقة الإمام.
وحكى في كتاب الوكالة: أن في وجوب الفسخ وجهين، فصلناهما في كتاب الرهن.
وحكى الإمام عن شيخه شيئاً يحتاج فهمه إلى ذكر مسألة تجدد العهد بها، وهي إذا باع البائع المبيع في زمن الخيار، فهل يصح، يكون متضمناً لفسخ الأول، أو لا يصح، ولا يكون فسخاً [للأول]؟ فيه ثلاثة أوجه.
[قال]: فإن قلنا: يصح الثاني، فإن فعله الوكيل، لم يحكم بانفساخ العقد، وإن لم يفعله، أو قلنا: إن الثاني لا يصح، [و] لابد لصحته من ارتفاع العقد الأول – فلا سبيل إلى الحكم بوجوب إنشاء الفسخ، بل ينفسخ بنفسه.
ثم على الصحيح إذا لم يفسخ الوكيل، ثم بدا للراغب في الشراء، نظر: إن [كان] قبل التمكن من البيع منه، تبينا ان الأول لم ينفسخ وإن كان بعده فكذلك عند الصيدلاني؛ كما لو بذل الابن الطاعة للأب، ثم رجع قبل أوان الحج، فإنانتبين أن لا حج على الأب؛ وهذا ما جعله في الوسيط الأصح.
وعند غير الصيدلاني: أن البيع الأول قد انفسخ [فلابد من تجديد العقد].
قال الإمام: وهذا أوجه وقياسه بين؛ فعلى هذا: هل يتمكن الوكيل من البيع ثانياً: إما من الأول، او من غيره؟ فيه وجهان:
وجه الجواز: حمل الوكالة على بيع يحصل به المقصود، والأول لم يحصل ذلك؛ فكأنه لم يكن.
وقد اجرى الإمام مثل هذا الخلاف قبل كتاب السلم فيما إذا وكله ببيع [عبد] فباعه، ثم رد عليه بالعيب، هل له بيعه [ثانياً وكذالو أذن له في البيع بشرط الخيار للمشتري، فباعه كذلك، ففسخ العقد، هل يجوز للوكيل بيعه].
ثانياً: فيه وجهان، وإن القفال قربهما من القولين في أن البيع بشرط الخيار هل ينقل الملك؟ فإن نقله، فالأشبه أن الوكيل لا يبيع مرة أخرى، وإن لم ينقله، جاز للوكيل البيع ثانياً.
قال الإمام: والمسألة متحملة على القولين.
والذي جزم به الرافعي ها هنا المنع في الصورتين، حكى في ضمن فرع حكاه قبل النظر الثالث في حكم العقد قبل القبض في مسألة الخيار:
أنا إن قلنا: الملك للبائع – جاز له البيع ثانياً، وإن قلنا: [إنه] للمشتري، فوجهان؛ كما في الرد بالعيب.
قال: ولا بثمن مؤجل – أي: وإن كان قدر ثمن المثل مؤجلاً – لأن الإطلاق يقتضي النقد؛ لأنه البيع المعتاد في الغالب، وغنما يباع الشيء نسيئة؛ لعلة فساد، أو كساد، ويؤيد ذلك أنه لو قال: "بعتك بكذا"، اقتضى ذلك البيع حالاًّ.
قال: ولا بغير نقد البلد؛ [لأن نقد البلد] هو الذي يقتضيه الإطلاق في البيع، فكذلك في التوكيل.
ولنا: أن نقيس عدم الصحة في الصور الثلاث التي ذكرها الشيخ على الوصي؛ فإنه لا يصح بيعه في حالة منها؛ بجامع ما اشتركا فيه من النيابة، بل نيابة الوصي أقوى؛ بدليل جواز توكيله فيما يقدر عليه عند الجمهور.
وقد ظهر من كلام الشيخ: أن للوكيل أن يبيع بثمن المثل، وبالحال، وبنقد البلد، وإلا لم يكن لتخصيص المنع بهذه الأحوال فائدة.
ولو كان في البلد نقدان، باع بالغالب منهما، فإن استويا في البيع، باع بما شاء منهما، قال في التتمة: على المذهب؛ ما لو قال: بع بأيهما شئت.
ولو [باع] بهما جميعاً، فالأصح من الخلاف في النهاية: الصحة.
وقال في التهذيب بعد حكاية جواز البيع بأحد النقدين [عند الاستواء:]
وجب ألاَّ يصح التوكيل إذا لم يبين؛ كما لو باع بدراهم وفي البلد نقدان متساويان.
قال الرافعي: وقد رأيت في كلام [الشيخ] أبي حامد مثل ما ذكره، وهو ما أشار إليه المتولي.
قال: إلا أن ينص له على ذلك كله – [أي:] فيجوز – لأن المنع كان لحقه؛ فزال بإذنه.
ومحل الجواز في البيع مؤجلاً إذا عين له قدر الأجل، أما إذا أطلق، فالمذكور في التهذيب: أنه لا يصح التوكيل.
وحكى في المهذب وغيره مع ذلك وجهاً آخر: أنه يصح، واختاره في المرشد، [وكذلك] صححه الرافعي وغيره.
[فعلى هذا يرجع في قدره إلى العرف؛ على أصح الوجوه، فإن لم يكن [ثم] عرف، باع بأنفع ما يقدر عليه].
وقيل: له أن يؤجل ما شاء.
وقيل: لا يزيد [في] الأجل علىسنة؛ فإنه الأجل المعتبر شرعاً في الزكاة والجزية.
ويجب علىلوكيل إذا باع مؤجلاً بيان الأجل؛ حتى لا يكون مضيعا لحقه، فإن امتنع كان متعدياً.
وهل يجب عليه الإشهاد ظاهر كلام [الشيخ و] صاحب البحر قبيل كتاب [قسم الفيء] يدل على خلاف فيه؛ فإنه قال: إذا دفع إلى رجل ثوباً؛ ليبيعه إلى مدة، فباعه، وقلنا: يجب عليه الإشهاد، فلم يشهد، ولكنه أخذ الخط على ما جرت به العادة، وقاضي البلد ممن يرى العمل بالخط، فهل يضمن؟ يحتمل وجهين.
وهذا تخريج بعيد [عندي] والمذهب أنه يضمن، ولا يجوز الحكم بالخط بحال.
انتهى.
فرع: لو وكله في السلم مطلقاً، فإن أسلم الوكيل مؤجلاً، فهل يصح؟ فيه وجهان.
وكذا لو أسلم حالاًّ.
والخلاف مبني على ما لو قال: "أسلمت إليك هذا في كذا" مطلقاً، هل يبطل [العقد]، أم يصح حالاًّ؟ وفيه وجهان؛ كذا قاله القاضي الحسين.
تنبيه: ثمن المثل [ما] تنتهي إليه رغبات المشترين على الصحيح من المذهب.
وحكى ابن أبي الدم في أدب القضاء له وجهاً: أن القيمة صفة قائمة بالمتقوم ذاتية، فإن الرغبة تنقص تارة، وتزيد أخرى.
فروع:
[أحدها:] لو قال: "بع بما شئت"، حكى الإمام في كتاب النكاح في أثناء فصول المولى عليها: أن للوكيل أن يبيع بما عز وهان.
وكلام المتولي في النكاح يوافقه؛ حيث قال: لو قالت: "زوجتي بما شئت من المهر"، فزوجها بأقل من مهر المثل – صح، كما لو [قال]: "بع بما شئت".
وةكذلك حكاه في البحر في كتاب الشركة، وقال [فيما] إذا [قال] "بع بما ترى"، أو: "تصرف بما ترى": إنه يجوز أن يبيع بما يتغابن الناس بمثله.
وفرق بأنه إذا قال: "بع بما شئت" ظاهره الرضا بمشيئته، وإذا قال: "بع بما ترى" فقد وكله إلى الرأي، والرأي: الاجتهاد.
ثم قال: على أنه إذا قال: "بع بما شئت"، فالحال يدل على ان مراده بما شئت
من نقد، أو عرض، وليس المراد: بالغبن، والمحاباة، فإن لم تدل قرينة الحال ومقدمة اللفظ على ذلك، فظاهر اللفظ: أنه خيره من جميع الوجوه.
وجزم الرافعي بأنه لايجوز له في هذه الحالةأن يبيع بالعين، ولا بالنسيئة، ويجوز أن يبيع بغير نقد البلد، وهو ما حكاه المتولي هاهنا، والقاضي الحسين.
ولو قال: "بع بكم شئت" يجوز بالعين ولا يجوز بالنسيئة، وغير نقد البلد.
[ولو قال: "كيف شئت"، فله البيع بالنسيئة، ولا يجوز بالعين، وغير نقد البلد].
وعن القاضي الحسين –كما حكاه الرافعي: أنه يجوز الكل.
ولو قال: "بع بما عز وهان" فهو كما لو قال: "بع كيف شئت" [وبكم شئت].
وقال العبادي "إنه يجوز بالعين، والعرض،" ولا يجوز بالنسيئة.
قال الرافعي: وهو الأولى.
[و] في تعليق القاضي: أنه يجوز أن يبيع بأقل من ثمن المثل.
قال: وإن قال: "بع بألف درهم"، فابع بألف دينار، لم يصح؛ لأن الإذن في جنس لا يتناول غيره، فكان كالمتصرف من غير إذن.
وأبدى في الوجيز في صحة البيع احتمالاً.
قال الرافعي: وقد أورد القاضي ابن كج نحواً منه.
ولا يجوز للوكيل أن يبيع بأقل من ألأف، ولو بقيراط؛ كما صرح به المارودي.
قال: [وإن قال: "بع بألف" – أي: ولم يعين من يبيع منه – فباع بألفين، صح؛ لان من رضي بألف، فرضاه بألفين أولى.
قال:] إلا أن ينهاه
-[أي:] فلا يصح – لأن النطق أبطل حكم العرف.
وحكى العبادي أن بعض البصريين من أصحابنا لم يجوِّز البيع بما فوق الألف [وإن لم ينهه؛ لأنه لم يرض بعهدة ما فوق الألف].
حكى الإمام عن صاحب التقريب رواية وجه: أن البيع يصح بالزيادة [مع [التصريح بالنهي] عنها؛ إذا كانت الزيادة] من الجنس.
وحمله الإمام على ما إذا ظهر أن مراد الموكل: أن الوكيل لا يكد نفسه، أما إذا صدر من الموكل نص لا يقبل التأويل في منع الزيادة على الألف – فالوجه القطع بأن البيع لا ينفذ.
والمشهور ما في الكتاب، وعليه يطلب الفرق بينه وبين ما إذا وكله في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما ديناراً؛ فإن الشراء لا يصح [للموكل؛ على قول] في الشاتين؛ كما سيأتي.
وقد يفرق بينهما بأن الأثمان مرغوب في تحصيل الزيادة فيها عرفاً وعادة فالاقتصار في الإذن على شيء معين منها، يفهم أن القصد به عدم النقص عنه، فإذا زاد عليه، فقد حصل ما هو المقصود عرفاً وعادة، وليس العرف والعادة يشهد بأن من يرغب في شراء شاة يرغب في شاتين؛ حتى يستند التصرف إليهما؛ فوجب الاقتصار على ما دل عليه اللفظ.
وأيضاً: فإن الوكيل بالشراء بائع للثمن، وقد تقرر: أن الوكيل في البيع لا يجوز له أن يبيع بغير نقد البلد، فضلاً عن العروض؛ لأن العرف لا يقتضيه، فلو صححنا شراء الشاة الزائدة على ما أذن فيه، لخالفنا موجب اللفظ، وهو الاقتصار على واحدة، وموجب العرف، وهو بغير نقد البلد.
ومما يؤيد ذلك: أن القاضي الحسين حكى القولين المذكروين في الشاتين فيما
إذا وكله في البيع [سلعة، فباع] بسلعة وحمار، وجزم بالصحة فيما إذا باع بسلعة ومائةدرهم من نقد البلدز
فرع: هل يجوز للوكيل – والحالة هذه – البيع بالألف مع وجود من يرغب بزيادة؟ فيه جهان في التتمةوغيرها، والذي يظهر ترجيح المنع.
وفي بحر المذهب: أنه لو قال: "بع بثمن مثله"، وكان ثمن المثل ألفاً، فباع به مع وجود من يرغب بألفين: أنه يصح، ولم يحك سواه؛ وهذا نظير وجه الجواز فيما نحن فيه.
أما إذا أذن له في البيع بألف من شخص، لاي جوز أن يبيع منه [بزيادة عليها؛ لأنه قد يقصد محاباته؛ فلا يفوت عليه ذلك].
فإن قيل: لو قال: "شارت هذا العبد من فلان بمائة"، جاز أن يشتريه منه بما دونها؛ كما صرح به المتولي وإن كان ما ذكرتموه موجوداً فيه.
قلت: قد فرق الماوردي بينهما، بأن الوكيل في البيع غير موكل في قبض القدر الزائد [على الألف] فلذلك امتنع البيع بالزيادة، والوكيل في الشراء مأمور بدع الزيادة، ودفع الوكيل البعض جائز؛ فلذصلك جاز شراؤه بأقل مما عين.
وما قاله يبطل بما إذا كان وكيلاً في البيع دون قبض الثمن؛ فإنه لا يجوز أن يبيع بأكثر من المائة مع انتفاء ما ذكره، وبما لو قال: "بع بمائة" ولم يعين المبيع منه؛ فإنه يجوز له قبض الزيادة إذا جاز له قبض الثمن.
والذي يظهر من الفرق أن البيع لما كان [ممكناً من المعين] ومن غيره،
كان في التنصيص عليه دليل على مراعاته؛ فلذلك امتنعت الزيادة، ولما لم يمكن شراء العبد المعين من غير المذكور، ضعف أن يكون التخصيص بالذكر دالاًّ على مراعاته؛ فإنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون لأجل التعريف.
وبالجملة: فالذي يظهر لي في مسألة التوكل في الشراء تفصيل استنبطته من كلام الأصحاب في مسألة سأذكرها في أواخر باب الوصية، وهو أن يقال: إن كان [ما] قدره الموكل قدر [ثمن المثل]، أو أقل، فيجوز أن يشتريه بأقل من ذلك؛ لأن القرينة دلت على عدم مراعاة المحاباة.
وإن كان أكثر من ثمن المثل، فقصده المحاباة ظاهر، فلايجوز تفويته.
ومثل هذا متجه في مسألة التوكيل في البيع، فيقال: إن كان ما قدره الموكل قدر ثمن المثل، فيجوز أني بيع منه [بأكثر منه]، ومن طريق الأولى إذا كان لامقدر أكثر من ثمن المثل، وإن كان أقل من ثمن المثل، فلا [تجوز الزيادة] عليه.
فرع: لو قال: "بع بمائة، ولاتبع بمائة وخمسين"، فله البيع بما فوق المائة [و] دون "المائة والخمسين"، ولا يبيع بمائة وخمسيننوفيما فوقها وجهان:
أصحهما: المنع.
قال: وإن قال: "بع بألف"، فباع بألف وثوب، فقد قيل: يجوز؛ كما لو باع بألف وزيادة من ذلك الجنس؛ فإنه زاده خيراً؛ وهذا هو الأصح في الجيلي.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأن الدراهم والثوب تتقسط على المبيع فما قابل الثوب [مبيع، وهو خلاف إذنه؛ وعلى هذا يبطل العقد فيما يقابل الثوب]، وهل يبطل فيما يقابل الدراهم؟ فيه قولا تفريق الصفقة، فإذا صح: لا يثبت للبائع
خيار؛ لأنه رضي ببيع جميعه بالألف، فأولى إذا حصل بيع بعضه بها، ويثبت للمشتري الخيار.
وفي الشامل والتتمة: أن أبا العباس حكى فيه وجهاً آخر: أنه لا خيار له إذا علم بأنه للموكل؛ لأنه دخل على ذلك.
قال ابن الصباغ: وليس بشيء؛ لأن الاعتبار بمقتضىلعقد، والعقد قاتضى أن يكون [العقد] صفقة واحدة.
وحكى البندنيجي والمحاملي عن ابن سريج وجهاً ثالثاً: أن المشتري إن قال: علمت أنه لموكله، غير أني اعتمدت أن لي الخيار، أو: قلت: إن بيع وكيله ينفذ عليه – فله الخيار؛ لأنه دخل على هذا، وإن لم يكن كذلك، لم يكن له الخيار.
فرع: [لو قال: "بع بألف" "فـ] باع بألف" ودينار، قال ابن الصباغ: صح.
ولم يحك فيه خلافاً وإن كان حكاه في مسألة الكتاب.
والقياس يقتضي طرده، وهو ما حكاه المتولي عن ابن سريج.
وحكى البندنيجي عن ابن سريج أنه صحح البيع فيها؛ تفريعاً على القول الصحيح فيما إذا وكله في شراء شاة بدينار، فاشترى شاتين تساوي كل واحدة منهما ديناراً: أن الشاتين للموكل.
وأنه حكى فيما إذا باع بألف وثوب، أو بألف وعبد: أن في صحة البيع يما يقابل الثوب والعبد قولين:
أحدهما: يصح، كما لو باع بألف ودينار؛ لأنه امتثل الإذن لفظاً في الألف، والعرف في الزيادة.
والثاني: [يبطل] لأن الثوب ليس من الأثمان في [العادة، والدينار] ثمن في العادة.
ومن هذا يظهر أن محل هذا إذا كان الدينار من نقد البلد، أما إذا لم يكن، فهو كالعرض، وقد صرح بذلك القاضي الحسين في تعليقه.
قال: وإن قال: "بع بألف مؤجل" – أي: وعين المدة، او لم يعينها، وصححنا ذلك – فباع بألف حال، جاز؛ لأنه زاد خيراً.
قال: إلا أن ينهاه – أي: فلا يجوز – [لما مضى]، أو كان [الثمن مما يستضر بحفظه في الحال – أي: مثل أن كان في وقت لا يؤمن فيه النهب والسرقة أو] كان لحفظه مؤنة في الحال.
ووجهه: ما في ذلك من الإضرار بالموكل المنفي بالشرع.
وقيل: لا يجوز البيع بثمن حال وإن انتفى ما ذكرناه.
قال الماوردي: وهذا غير صحيح.
وقال المتولي: إن أصل المسألة إذا كان عليه دين مؤجل فجاء به قبل محله، هل يلزمه قبوله أم لا؟ وهذا الخلاف [يجري] فيما لو قال: "بع بألف إلى شهرين"، فباع به إلى شهر.
ولا يخفى مما تقدم: أن محل هذا إذا لم يعين [له] من يبيع منه، أما لو قال: "بع من زيد بألف إلى شهر"، فباع منه بألف حال، فإن لم نجوز البيع عند الإطلاق لذلك فهاهنا أولى؛ وإن جوزناه، فقياس ما تقدم: أنه لا يجوز أيضاً.
وقد حكى الإمام في الصحة وجهين.
قال: وإن قال: "اشتر بألف حال".
أي: شيئاً عينه له، فاشترى بألف مؤجل، جاز؛ لأنه زاده خيراً.
قال: إلا أن ينهاه، [أي:] فلا يجوز؛ لما ذكرناه.
وفي معنى النهي ان يكون [الثمن] حاضراً ولا يأمن عليه إذا لم يسلمه؛ كما صرح به أبو الطيب.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه ربما يخاف هلاك المال، وبقاء الدين في ذمته.
قال ابن الصباغ: وقول المنع عند عدم النهي وغيره لا يتصور إلا في الأشياء التي لا يجبر صاحبها إذا كانت [مؤجلة] على أخذها في الحال.
وهكذا الحكم فيما لو أذن له في الشراء مطلقاً، فاشترى [نسيئة ماي ساوي حالاًّ، أو أذن في الشراء إلى شهر، فاشترى] إلى شهرين؛ كما صرح به الماوردي.
فائدة: الصورة المتفق عليها في شراء الوكيل لموكله بصيغة السفارة: أن يقول: "اشتريت منك هذا لموكلي"، فيقول: "بعتك".
فلو قال ابتداء: "بعتك هذا بكذا"، فقال: "اشتريت لموكلي"، وسماه – ففي صحة العقد للموكل وجهان منقولان في التهذيب، والتتمة، قدمت حكايتهما في باب ما يجوز بيعه ند الكلام في شراء الكافر العبد المسلم.
ووجه المنع: [أنه] ما أوجب له.
ولو قال: "بعتك لنفسك، وإن كنت تشتريه لغيرك، فلا أبيعه لك"، فاشتراه للغير – لم يصح.
ولو وجد هذا الشرط قبل العقد، ثم قال له: "بعتك"، فقبل، ونوى موكله – صح على الأصح.
وفيه وجه حكاه في البحر؛ بناء على [أن] الشرط السابق كالمقارن.
ولو قال: [بعت موكلك]، فقال الوكيل: "قبلت له" –لم يصح عند الشيخ أبي بكر، والقاضي الحسين؛ [كما] حكاه في التعليق، وهو الذي اختاره الإمام، وجعله الرافعي ظاهر المذهب.
وحكى الشيخ أبو محمد [فيه] وجهين، وأيَّد وجه الصحة بالنكاح.
والفرق بينهما ستقف عليه في أول كتاب النكاح من هذا الشرح.
ولو قال: "بعتُك"، فقال: "اشتريت"، ونوى موكله، صح؛ بخلاف ما لو قال: "وهبت منك"، فقال: "قبلت"، ونوى موكله؛ فإن الهبة تقع للوكيل، ولا تنصرف إلى الموكل؛ لأن الواهب قد يقصد بالتبرع عينه، وما كل أحد يسمح بالتبرع عليه،
ويخالف الشراء؛ لأن المقصود منه حصول العوض.
فإن أراد أن يقبل لموكله، يُسميه في العقد؛ كذا حكاه الرافعي عن فتاوى القفال.
ثم إذا صح البيع للموكل، نُظِر:
إن كان مع التصريح بالسفارة، فالمذهب أن الملك يقع للموكل ابتداء.
[وإلَّم يصرح، ولكن نواه، فهل يقع الملك للوكيل ابتداء، ثم ينتقل إلى الموكل، أو يقع للموكل ابتداء؟ فيه وجهان؛ كذا رتبه القاضي الحسين في تعليقه.
وغيره أسند الوجهين إلى ابن سريج.
والصحيح والمشهور في كتب العراقيين: أن الملك يقع للموكل ابتداء؛ كما لو اشترى الأب شيئاً لطفله.
ولأنه لوثبت الملك فيه للوكيل، لعتق عليه قريبه إذا اشتراه بالوكالة.
قال: وإن قال: اشتر عبداً بمائة، فاشترى عبداً يساوي مائة بما دون المائة – جاز؛ لأنه زاده خيراً.
وحكى صاحب البحر وجهاً في هذه الحالة: أن الموكل بالخيار في قبول هذا الشراء ورده، قوال: إنه ليس بمشهور.
ثم محل الجواز على المشهور إذا لم ينهه، أما إذا نهاه عن النقص، فقد حكى الإمام في نفوذ الشراء للموكل الوجهين اللذين ذكرناهما فيما إذا باع الوكيل بأكثر مما أذن له في البيع به، وقد نهاه عن الزيادة عليه، ونسبهما الماوردي في كتاب الوديعة إلى أبي إسحاق المروزي، وستقف على أصلهما فيه.
ولو قال: "اشتر بمائة، ولا تشتر بخمسين"، [جاز أن يشتري بمائة وبما بين خمسين ومائة، ولا يجوز أن يشتري بخمسين]، وهل يجوز أن يشتري بما دونها؟ فيه وجهان في الطريقين، وقد تقدم مثلهما في طرق البيع.
قال: وإن قال: اشتر عبداً بمائة، فاشترى عبداً بمائتين، وهو يساوي المائتين –
لم يجز؛ لمخالفته الإذن والعرف، وهكذا الحكم فيما لو اشترى عبداً بما دون المائة، وهو لا يساوي المائة.
وفي المهذب وغيره فيما إذا اشترى الوكيل بزيادة على ما أذن [له] فيه الموكل، عن ابن سريج: أن الشراء يصح للموكل بالقدر المأذون فيه، والوكيل ضامن للزيادة من ماله، وعليه غرمها للبائع؛ لأنه يصير بمجاوزته القدر المعين متطوعاً بها.
قال الماوردي: وهو خطأ؛ لأن الزيادة من جملة الثمن الذي [لزم بالعقد]، فلم يجز أن ينتقض حكمه، ولو جاز أن تكون الزيادة بقدر المغابنة في البيع مضمونة على [الوكيل مع صحة الشراء للموكل، لكان النقصان بقدر المغابنة في البيع مضموناً على الوكيل] مع لزوم البيع للموكل، وهذا مما لا يرتكبه أبو العباس في البيع؛ فبطل مذهبه في الشراء.
وأيضاً: فإنه وافق على أنه لو قال: "اشتر [لي] سالماً"، فاشتراه بأكثر من ثمن المثل بما لا يتغابن به أن البيع باطل.
وقد فرق – عن ابن سريج – بين الشراء والبيع بأنه إذا اشترى بأكثر مما أذن [له] فيه، فقد وافق العقد المأذون فيه مع زيادة التزمها الوكيل بقوله: "اشتريت"، فإن من اشترى بمائة وخمسين – [مثلاً] – فقد اشترى بمائة؛ [حتى قال] بعض أصحابنا: لا يكون كاذباً فيما إذا أخبر أنه اشترى بمائة؛ كما ذكرناه في المرابحة، ومن باع بتسعين، لم يبع بمائة أصلاً، ولا في لفظه ما يتضمن التزام القدر الزائد؛ فلذلك لم يصح بيعه.
قال: وإن دفع إليه ألفاً، وقال: ابتع بعينها عبداً، فابتاع في ذمته – لم يصح؛ لأن في ذلك إلزام ذمة الموكل ما لم يأذن فيه، وهل يقع العقد للوكيل؟
نظر: إن لم يصرح بالسفارة، وقع له، وإن صرح فوجهان، أظهرهما الوقوع.
قال: وإن قال: "ابتع في ذمتك، وانقد الألف فيه"، فابتاع بعينها، قد قيل يصح؛ لأن ذلك أقل غرراً، فقد زاده خيراً؛ وهذا قول أبي علي في إفصاحه، وهو الصحيح في بحر المذهب.
[قال]: وقيل: لا يصح – أي: للموكل؛ [للمخالفة؛ لأنه] أمره بعقد [يلزمه] مع بقاء [المدفوع] وتلفه، فعقد عقداً يلزم مع بقاء المدفوع دون تلفه؛ وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، وهو الصحيح في النهاية وغيرها، والمذكور في المرشد.
وكما لا يصح للموكل لا يصح للوكيل؛ لأنه وقع بعين ماله.
نعم: لو كذبه البائع في أنه اشترى لغيره، فسنذكر حكمه فيما إذا قال: "أذنت لك في الشراء بعشرة"، فقال: "بل بعشرين".
ولو دفع إليه الألف، وقال: "اشتر بهذا الثمن عبداً"، ولم يقل: "بعينه"، و"لا في الذمة" – فوجهان:
أحدهما –وهو قول أبي علي الطبري -: أن مقتضاه الشراء بعينها، [وقد تقدم حكمه.
والثاني: [أنه] يجوز أن يشتري بعينها]، وفي الذمة، وينقد الألف، وهو ما اختاره في المرشد، ورجحه الرافعي.
فرع: لو اشترى في الذمة، ثم تلف [الألف] قبل أن يقبضه البائع؛ ففيه وجهان [حكاهما] في التتمة:
أحدهما: أن العقد ينقلب إلى الوكيل.
والثاني: أنه يبقى على ما كان، ويطالب المشتري بالثمن، وهكذا الحكم في صحة العقد للموكل أو للوكيل إذا تلف الألف قبل العقد؛ كما صرح به القاضي الحسين.
فرع: إذا قال لوكيله: "ابتع لي من مالك عشرة أقفزة حنطة بمائة درهم"، جاز، ثم لأصحابنا وجهان، حكاهما الصيمري:
أحدهما: أن ذلك قرض فيه وكالة؛ فعلى هذا لو لم يعين الثمن –لم يصح؛ لأن قرض المجهول لا يصح.
والثاني: أنه عقد وكالة فيه قرض؛ فعلى هذا لو لم ينص على قدر الثمن – جاز؛ كذا حكاه الماوردي، وبنى على الوجهين ما إذا قال [لغيره: قد] أقرضتك ألفاً على [أن] ما رزق الله من ربح فهو بيننا نصفان: فعلى الأول، يكون ضامناً للمال إذا قبضه، وله الربح دون المقرض.
وعلى الثاني يكون مضاربة فاسدة؛ فلا يكنو عليه ضمان، والربح لرب المال، وللعامل أجرة المثل.
وفي [بحر] المذهب حكاية عن القاضي أبي حامد: أن العقد لا يصح
للموكل.
وإن صرح بلفظ الطلب والإقراض، وقد حكاه في الوسيط في تكاب القراض وجهاً.
فائدة: الوكيل بالشراء هل يطالب بالثمن، أو الموكل، أو هما؟ ينظر [فيه]: فإن كان الشراء بثمن معين، وهو في يد الوكيل – طولب به، وإلا فلا.
وإن كان بثمن في الذمة، [نُظِر]: فإن سلم إلى الوكيل، وأذن له في صرفه إلى الثمن – كما حكاه الشيخ- فالوكيل مطالب به، وهل يطالب به الموكل؟ حكى الإمام في باب العبد المأذون عن الأصحاب طريقين:
أحدهما: أن فيه خلافاً؛ كما في مطالبة [المقارض.
والثاني: القطع بالمطالبة، وادعى أن القياس الأول.
وإن لم يسلم الثمن إلى الوكيل، ولم يصدقه] البائع في دعوى الوكالة – فالقول قوله، ويتعين مطالبة الوكيل، وإن صدقه في نية الشراء لموكله، أو كان قد صرح بالسفارة؛ ففي مجموع المحاملي والشامل: أن الثمن يثبت في ذمة الموكل، والوكيل ضامن له، ولم يحك لقاضي أبو الطيب عند تصريح الوكيل بالسفارة سواه، واختاره في المرشد.
وحكى ابن الصباغ والمحاملي عن ابن سريج في صورة التصريح والنية: أنه قال: يحتمل وجهين آخرين:
أحدهما: أن الثمن يكون في ذمة [الوكيل، ولا يثبت [في ذمة] [الموكل شيء منهن ويجري ذلك مجرى الحوالة على من لا دَين عليه، وإذا دفعه الوكيل] ثبت له الرجوع على الموكل.
والثاني: أنه يثبت للوكيل في ذمة الموكل.
قال الرافعي: وهذا بناء على أن العقد يقع للوكيل، ثم ينتقل إلى الموكل، فعلى [الثاني] [للبائع] مطالبة الوكيل والموكل] وعلى الأول لا يطالب
إلا الوكيل، وليس للوكيل مطالبة الموكل قبل الغرم.
قال الرافعي: وهو الأصح؛ كما قلنا في المحال عليه؛ وهذا ما جزم به [ابن] الصباغ، والمحاملي.
وإذا غرم رجع على الموكل، وليس له حبس المبيع عن الموكل إلى أن يقبض الثمن منه على المذهب.
وفي التتمة حكاية وجه: أن له حق الحبس؛ بناء على أن الملك يقع للوكيل ابتداء، ثم ينتقل [إلى الموكل].
ولو أبرأ البائع الوكيل من الثمن –فاز الموكل بالمبيع بلا غرم على هذا الوجه الذي عليه نفرع.
قال ابن الصباغ والمحاملي: وعلى هذا الوجه قال ابن سريج: لو قال: "بع فلاناً عيناً بألف في ذمتي، وعليَّ"، فإذا باعه، ثبت في ذمة "القابل" دون المشتري، فإذا غرم، لم يرجع؛ إن دفع بغير إذنه؛ لأنه متطوع؛ قاله المحاملي.
وعلى الثالث لا يملك البائع مطالبة الموكل، ويملكها الوكيل، وإن لم يغرم بعد؛ كما صرح به في المهذب.
وكذلك لو أبرئ منه؛ كما صرح به الماوردي؛ هذا [هو] المشهور في طريقة العراق، وإطلاقهم جواز رجوع الوكيل على الموكل بالغرم على الوجه الثاني؛ تفريعاً منهم على أن الإذن في الشراء إذن في الأداء والرجوع؛ كما حكيته عنهم في باب الضمان، وقد حكوا ثَمَّ مع هذا شيئاً آخر، فليطلب منه.
وقد حكى المتولي هاهنا: أن المذهب القطع بالرجوع، وإلا خرج المبيع عن أن يكون مملوكاً للموكل بالعوض، وفي ذلك تغيير لوضع العقد، وهذا بعينه حكاه الإمام هاهنا، وفي كتاب الخلع والرهن.
وحاصل ماذكرناه: أن الوكيل مطالب من هجة البائع على الأوجه الثلاثة،
والموكل معه على الأول منها.
والذي حكاه الماوردي: أن الوكيل إن صرح بالسفارة، كان الثمن في ذمة الموكل، وهل [يكون] الوكيل ضامناً له؟ فيه وجهان حكاهما ابن سريج.
[وإن لم يصرح، بل نوى موكله، فالوكيل ضامن للثمن وهل يصير الثمن واجباً على الموكل بالعقد؟ فيه وجهان حكاهما ابن سريج].
فإن قلنا: لا يجب عليه، فهل يستحق الوكيل على الموكل الثمن قبل أدائه عنه؟ فيه وجهان.
ومما قاله يحصل وجه رابع مضاف إلى الأوجه الثلاثة: أن الوكيل إذا صرح بالسفارة لا يطالب، وقد حكاه المتولي، وصححه.
والذي حكاه الإمام هاهنا عن ابن سريج فما إذا لم يصرح بالسفارة ثلاثة أوجه:
أحدها –وهو الذي رجحه -، وكذلك البغوي: أن للبائع مطالبة من شاء منهما.
والثاني: أنه لا يطالب إلا الوكيل، وهو المرجح في الوجيز، وفي الرافعي عند الكلام في خلع الأجنبي: أنه الأظهر.
والثالث: لا يطالب إلا الموكل، وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن المراوزة، وإذا انضاف إلى ما ذكرناه، صار وجهاً خامساً.
وقد قال الإمام في كتاب الرهن: إن الموكل مطالب، ولم يختلف فيه أصحابنا، وكذا قال في [فصل: اختلاع] الأمة.
وقال في باب تعجيل الصدقة: إن الوكل إذا أضاف العقد إلى موكله – لم يتعلق به الضمان أصلاً من جهة أنه لم يضف العقد إلى نفسه، وهو الملتزم؛ فلم يتضمن اللفظ إلزام شيء، وهذا يوافقه قوله في باب العبد المأذون:
واختلف الأصحاب في أن الوكيل [بالشراء]، هل يطالب بالثمن إذا