كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 161-200
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيوع

صفحات 161-200
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

فروع: بيع الرطب على رءوس النخل أو في الأرض بالرطب على رءوس النخل هل يجوز؟ فيه أربعة أوجه: أحدها – وهو الذي قاله الماورديُّ: "إنه مذهب الشافعي".
وبه قال أبو سعيد الإصطخري -: أنه لا يجوز.
والثاني –وبه قال أبو علي بن خيران -:أنه يجوز، لكن الرطب الذي على رءوس النخل يخرص، والذي على الأرض يكال.
والثاث – وبه قال أبو إسحاق المروزي -: إن اختلف النوعان جاز، وإلاَّ فلا.
وحكى الماوردي وأبو حامد عنه: أنه لا يجوز بيع رطب على رءوس النخل برطب على الأرض، وأما بيع رطب على رءوس النخل: برطب على رؤوس النخل، فإن كانا نوعاً واحداً لم يجز، وإن كانا نوعين جاز.
والرابع – وبه قال أبو علي بن أبي هريرة -: يجوز بيع الرطب على الأرض بالرطب على رءوس النخل، وكذلك يجوز بيعه بما على رءوس النخل [أيضاً] إن كانا من نوعين، ولا يجوز إذا كانا من نوع واحد.
[الفرع] الثاني: إذا جفف الرطب [المبيع،] وظهرت زيادة على قدر الخرص – نظر: إن كان قدر ما يقع بين الكيلين لم يضر، وإن كان أكثر فالعقد باطل.
وفيه وجه: أنه يصح من الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار.
والثالث: إذا باع بأكثر من خمسة أوسق بطل العقد.
قال الماوردي: "فإن قيل: هلا أبطلتموه فيما زاد على الخمسة، وجوزتموه في الخمسة" أي: بناءً على تفريق الصقة؟ قيل: لأنه بالزيادة على الخمسة قد صار مزابنة، والمزابنة كلها فاسدة.
قال: وفيما سوى الرطب والعنب من الثمار".
أي: التي تجفف كالمشمش والخوخ ونحوهما إذا منعنا بيع الرطب منها بالرطب "قولان": أصحهما، وهو الذي ادّعى الماوردي أنه مذهب الشافعي -: أنه لا يجوز؛ لأنها

متفرقة مستورة بالأوراق؛ فلا يتأتي الخرص فيها، وثمرة النخل والكرم متدلية ظاهرة.
والقول الثاني - وهو ما أخذ من قول الشافعي في البيوع [الكبير من "الأم"]: ولو قال قائل: بجواز التحري فيها كان مذهباً -: أنه يجوز بالقياس على الكرم والنخل.
قال الماورديُّ: وامتنع بعضهم من تخريج القولين؛ لمباينتها النخل والكرم بما ذكرناه، ووجوب الزكاة، وحصول الاقتيتات.
قال: "وما حرم فيه الربا لا يباع الجنس الواحد بعضه ببعض، ومع أحد العوضين جنس آخر يخالفه في القيمة كمد عجوة ودرهم [مدَّيْ عجوة].
الأصل في تقرير هذه القاعدة: ما روى مسلم عن فضالة بن عبيد أنه قال: "أُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر بقلادة فيها خرز مغلَّفة بذهب ابتاعها رجل بسبعة دنانير أو بتسعة، فقال - عليه السلام -: "لاَ، حَتَّى يُمَيِّز بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا"، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال عليه السلام: "لاَ، حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا" قال فضالة: فرده حتى ميز بينهما.
وعنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر ديناراً، فيها ذهب وخرز ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لاَ تُبَاعُ حَتَّى

تُفْصَل" زاد الدارقطني: قال: إنما أردت الحجارة، قال: "لاَ حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا".
وفي رواية لأبي داود::"إِنَّمَا أَرَدْتُ التِّجَارَةَ"، وزاد: قال: ردّه حتى ميز بينهما.
وقد ورد حديث فضالة بألفاظ مختلفة، وما ذكرناه أوَّلاً هو عين المسألة.
والمعنى فيه: أن قضية العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على حالين مختلفين وزع ما في الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، يشهد لذلك مسألة: الشقص، والسيف، وتلف أحد العبدين قبل القبض، ورده بالعيب، وبيعه مرابحة، وإذا كان كذلك اقتضى التفاضل أو الجهل بالتماثل، وكل منهما مانع من صحة العقد.
ومثال ذلك: أن المد الذي مع الدراهم إذا كانت قيمته درهمين مثلاً، فيكون ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطرف الآخر؛ فيصير كأنه باع مداً بمد وثلث؛ ولذلك إذا كانت قيمته نصف رهم مثلاً فهو ثلث ما في [هذا] الطرف فيقابله ثلث المدين من الطرف الآخر؛ فيكون كأنه قابل مدًّا بثلثي مُد.
وفي هاتين الصورتين حصلت المفاضلة، وإذا كانت قيمته درهماً فلا مفاضلة؛ لأن مقابله من الطرف الآخر مد، لكن التقويم حدس وتخمين قد يكون صواباً وقد يكون خطأً، وذلك هو الجهل بالمماثلة المعتبرة في مال الربا؛ فإنه راعى فيها اليقين، وهذه الحالة كلام الشيخ يفهم الصحة فيها، ولم أعثر فيه على نقل يوافقه، ثم هذه الطريقة مطردة فيما إذا باع مدًّا ودرهماً بدرهمين، لكن التفاضل أو الجهل بالتماثل يجيء من طرف الدراهم فيما إذا باع صاع حنطة وصاع شعير بصاعين من حنطة أو من شعير، وفيما إذا باع مد عجوة وثوباً بمدي عجوة، وغير ذلك، وفيما إذا باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم؛ فإن قيمة الدين متى كانت متفاوتة حصل التفاضل، ومتى كانت متساوية حصل الجهل بالتماثل على النحو الذي ذكرناه؛ لأن غاية الأمر أن يكون المدان من نخلة واحدة، والدرهمان من صحكة [واحدة، وذلك قد يختلف أيضاً، وذهب بعض أصحابنا إلى أن المدين إذا كانا من نخلة واحدة، والدرهمين من صكة واحدة] أنه يجوز، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وحكى عن القاضي

الحسين أيضاً، وقال الروياني في "البحر": إنه المذهب، وغلط من قال غيره.
وقد أفهم أن عنه احترز الشيخ بقوله: "يخالفه في القيمة"؛ فإن مقتضاه في صورة الكتاب: أن الأمداد إذا كانت من نخلة واحدة أن العقد يصح، وأنت إذا تأملت ما ذكر علمت أنّ هذا ليس مقتضاه.
وحكى المتولي في مسألة الكتاب أن العقد يبطل في المد المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدين، وفي الدرهم وفيما يقابله من المدين قولاً تفريقِ الصفقة، وعلى قياس هذا فيما لو باعهما بدرهمين يبطل العقد في الدرهم وما يقابله من الدرهمين، [وفي المد وما يقابله من الدرهمين] القولان.
فإن قيل في أصل المسألة - ما أبداه الإمام اعتراضاً -: العقد لا يقتضي في وضعه توزيعاً مفصلاً، بل مقتضاه مقابلة الجملة بالجملة، أو مقابلة الجزء الشائع مما في أحد الشقين بمثله مما في الشق الآخر، بأن يقال: ثلث ومدُّ، وثلث درهم يقابل ثلثي المدين، ولا ضرورة إلى تكلف توزيع يؤدي إلى التفاضل، وإنما يصار إلى التوزيع المفصل في مسألة الشفعة لضرورة الشفعة؛ فالوجه التعليل بعدم تحقق المماثلة فإنا تعبدنا بالمماثلة تحقيقاً.
قيل في جوابه: أليس قد ثبت أن التوزيع المفصّل في مسألة الشفعة يثبت للضرورة، ولولا كونه قضية العقد لكان ضم السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة لها؛ فإنها قد تندفع بأسباب وعوارض، وأيضاً فإنه لا ضرورة في مسألة المرابحة، وقد جاز توزيع الثمن عليهما بالقيمة.
تنبيه: العجوة نوع من التمر، قال الجَوْهَرِيُّ: "وهو من أجود تمر المدينة، ونخلها يسمى لِينةً".
قال الأزهري: "والصيحاني الذي يحمل من المدينة من العجوة".
واعلم أن عبارة الغزالي في ضبط هذه القاعدة قد نوقش فيها من حيث إنه قال: "إن الصفقة مهما اشتملت على مال الربا من الجانبين، واختلف الجنس من الجانبين، أو من أحدهما فالعقد باطل"، وليس كذلك؛ فإن الصفقة إذا اشتملت على ذهب

وفضة في جانب، وحنطة وشعير في جانب، أو على حنطة وشعير في جانب، وتمر في جانب، أو تمر وملح – كان ذلك جائزاً.
وطريق الجواب عنه: أنه أراد مال ربا الفضل؛ لقرينة السياق.
قال: ولا يباع نوعان مختلفا القيمة من جنس واحد بنوع واحد منه متفق القيمة كدينار قاساني ودينار سابوري بقاسانيَّيْنِ أو بسابوريَّبْن، وكدينار صحيح ودينار قراضة بدينارين صحيحين أو بدينارين قراضة؛ لما قررناه من مقتضى التوزيع؛ فإنه يفضي في هذين المثالين إلى تحقُّق المفاضلة.
وفي "البيان" و"الإبانة" حكاية وجه عن بعض أصحابنا موافق لمذهب أحمد: أنه يجوز في هذين المثالين، ولا يضر اختلاف النوع والصفة، كما في بيع التبر بالمصوغ، والجيدين بالرديئين، ووافقهما صاحب "التقريب" في بيع الصحاح أو المكسرة بالصحاح أو المكسرة، وجعل صاحب الصحاح مسامحاً بصفة الصحة؛ استدلالاً بأنَّ الناس لم يزالوا يبتاعون الدراهم بالدراهم، والدنانير وبالدنانير، وهي تشتمل على الصحاح والمكسرة، واختلاف الأنواع، ولم يتكلفوا تمييز بعضها عن بعض، وأجرى الفوراني الخلاف فيما إذا باع [ديناراً صحيحاً وديناراً مكسوراً بدينار صحيح وبدينار مكسور، وفيما إذا باع] رديئاًوجيداً برديء وجيد، وفيما إذا باع صيحانيًّا وبرنيًّا بصيحانيين أو برنيين، أبو بصيحاني وبرني، والمذهب الأول.
ومن هذا القبيل مسألة المراطلة، وهي إذا باع مائة دينار عتق ومائة دينار مروانية بمائتي دينار وسط؛ فإنه لا يصح العقد، كما نص عليه الشافعي.
قال الإمام: "وقياسي يقتضي القطع بصحة العقد، ولم أر أحداً من الأئمة يشير إلى خلاف فيها، وهو رأي رأيته، وهو خارج عن مذهب الشافعيّ وأصحابه وصاحب "التقريب"؛ حيث جعل صفة الصحة مسامحاً بها احترز عن هذه المسألة؛ لأن معنى المسامحة لا يتحقق فيها؛ لمقابلة الجيد والرديء بالوسط، وإذا لم يتحقق اقتضى العقد من الشقين طلب المغابنة، وهو يقتضي التوزيع المفضي إلى التفاضل لا محالة، وإلى هذا المعنى أشار الغزالي بقوله: "وكان إمام الحرمين يخالف المذهب في مسألة المراطلة، ويبطل التعليل بالتوزيع – أي فيها وفي غيرها – ويعلل [بالجهل

بالمماثلة]، وذلك يجري عند اختلاف الجنس، أي التعليل بالجهل بالمماثلة، أمَّا في هذه المسألة فلا؛ لأن المماثلة معلومة.
تنبيه: تقييد الشيخ المسألة باختلاف القيمة في النوعين، وكذلك ابن الصباغ – يظهر منه أن النوعين لو اتفقت قيمتهما صح العقد، وقد نظر أنه مستمد مما ذكرناه أولاً عن اختيار أبي الطيب، فإنه جعل وجه الصحة ثمَّ لكونه علم القيمة قبل العقد، وذلك بعينه موجود هنا، وأنه يظهر أن يجيء فيه قول عدم الصحة أيضاً، بل من طريق الأوْلى؛ لأن ثمر النخلة واحدة والصكة واحدة، وهنا النوعان مختلفان، وإن استوت قيمتهما فهي حدس، وفيه ما ذكرته، وتقييده النوع الأخير بكونه متفق القيمة؛ لدفع توهم يعرض من كونه قيد النوعين بالاختلاف، وألا فلا فرق بين أن يكون متفق القيمة أو مختلفها.
آخر: القاساني والسابوري – بسين مهملة فيهما – منسوبان إلى بلدين في العجم، و"قاسان" في لسان العجم "كاسان"، وهو قريب من "سَمَرْقَنْد"، والسابور معروف، ويقال له في لسان العجم:"نيسابور".
القُراضة: - بضم القاف – قطع الذهب والفضة.
وقوله: "قراضة" منصوب.
فروع: لو باع صاعاً من رديءٍ وجيد، وكانا مخلوطين بمثله، أو بجيد، أو رديء – جاز؛ لأن التوزيع إنما يكون عند تمييز أحد العوضين عن الآخر، أمَّا إذا لم يتميز فهو كما لو باع صاعاً وسطاً بجيد أو ردئ، قاله الرافعي: ولو ميز الصغار من الكبار [نوع واحد من التمر، فباع صاعاً من الصغار، وصاعاً من الكبار،] بصاع من الكبار وصاع من الصغار – كان كما لو باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم، والدرهمان من صحكة واحدة، والمدان من نخلة واحدة.
وإذا لم يميز بين الصغار والكبار، ولكن أراد أن يبيع صاعين بصاعين – فلا شك أنه قد اشتمل كل عوض على الصغار والكبار، وقد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: إذا كان بين أحد العوضين تفاوت، فلا يصح العقد، وإن لم يكن

متميزاً، وهذا اختيار القاضي الحسين.
ومنهم من قال: ينظر في ذلك: فإن كانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار؛ بحيث يبين ذلك للناظر من غير تأمل، فلا يصح العقد، وإن لم يكن ظاهراً صح، وصار كما لو باع أرضاً [فيها] معدن ذهب بذهب إن كان المعدن ظاهراً لم يصح، وإن كان غير ظاهر صح.
وتظهر فائدة الاختلاف في الأصل فيما لو باع صاعين بدرهمين، ثم خرج أحد الصاعين مستحقاًّ – أنه لا يستحق درهماً بإزائه، وإنما سترد ما يقابله باعتبار القيمة، كذا حكاه ابن التلمساني في "شرحه".
وفي "التهذيب" حكاية وه فيما إذا ظهر في الأرض معدن ذهب، وقد باعها بالذهب: أنه لا يصح؛ كما لو باع بقرة بلبن بقرة، وكانت البقرة لبوناً؛ فإنه لا يصح إذا باع داراً مموهة بالذهب: فإن تحصل منه شيءٌ بالعرض على النار حرم، وإلاّ فيجوز.
قال: "ولا يجوز بيع اللبن" – أي: لبن شاة، أو ما يعمل منه – "بشاة في ضرعها لبن" أي: مقصود؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل أنه – عليه السلام – أوجب في مقابلته في المصراة عند الرد صاعاً من التمر، وإذا أخذ قسطاً من الثمن كان من صور "مد عجوة".
وفي "الجيلي" حكاية وجه: أنه يجوز، ويمكن أن يكون مأخذه ما حكاه الغزالي في المصراة: أن اللبن في الضرع لا يقابله قسط من الثمن على رأي.
أما إذا كان اللبن لبن بقرة مثلاً، فإن قلنا: إن الألبان جنس واحد، فكذلك الحكم.
وإن قلنا: إنه أجناسٌ، وفرعنا على المذهب – فيتخرج على قوليْ تفريقِ الصفقة في الحكم؛ لأن ما يقابل اللبن الذي في الضرع من اللبن الذي في الإناء يشترط فيه التقابض، [وما يقابل الشاة من اللبن الذي في الإناء لا يشترط فيه التقابض].
ولو باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن لم يصح، خلافاً لأبي الطيب بن سلمة؛ فإنه جوز ذلك، كما في بيع السمسم [بالسمسم] وسلم الحكم في بيع اللبن بالشاة، وشبهه ببيع الدهن بالسمسم.

وفي "الوسيط" نسبة المنع في بيع الشاة وفي ضرعها لبن بمثلها إلى أبي الطيب بن سلمة، والصحيح عنه ما حكيناه، كما هو في "البسيط" و"الشامل" وغيرهما.
ولو باع داراً فيها بئر ماءٍ، وفيه الماء بمثلها، وقلنا: إنه يملك في البئر كما يملك إذا وضع في الإناء – كما ذهب إليه بعض أصحابنا، على ما حكاه الماوردي، وهو المنصوص في القديم، وحرملة، كما حكاه غيره – وأدخلا الماء في العقد، وكان معلوماً لهما، وله قيمة: فإن قلنا: إن الماء غير ربوي، صح العقد.
وإن قلنا يجريان الربا فيه، لم يجز، قال الماوردي: "إلاَّ أن يكون مِلْحاً فيجوز؛ لأن الماء المِلْح غير مشروب، ولا ربا فيه".
وفي "الشامل": حكاية خلاف أبي الطيب بن سلمة فيه، وهو ما جزم به البغوي، وجعله تبعاً للدار، وهذا يدلُّ على أنه يندرج تحت مطلق البيع، وقد صرح به الغزالي وجهاً كالثمار غير المؤبرة، واختاره ابن أبي عصرون.
أمَّا إذا لم يدخلا الماء في العقد فهو باقٍ على ملك البائع إذا كانت له قيمته، قاله الشيخ والمتولي، فعلى هذا لا يصح العقد؛ لاختلاط المبيع بغيره, وإذا قلنا: إنه لا يملك إلاَّ بالأخذ والإجارة، وإنما له حقُّ منع الغير من التصرف فيه، كما ذهب إليه جمهور الأصحاب، وهو ظاهر مذهب الشافعيّ في "الحاوي" – فهذا الحق قد انتقل إلى المشتري، والعقد صحيح.
فرع: لو باع دجاجة فيها بيض بيض، فإن قلنا: إن الحمل لا يقابله قسط من الثمن، لم يصح [البيع]؛ لأن بيع البيض بالبيض لا يجوز على الجديد، قاله الماورديُّ، والموجود في "تعليق" أبي الطيب الجزم بعدم الصحة من غير بناء.
قال: "ولا يجوز بيع اللحم بحيوان مأكول" أي: سواء كان من جنس اللحم، أو لا من جنسه، خلافاً للمزني.

لنا: ما روى أبو داود عن سعيد بن المسيب "أنَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ اللحْمِ بِالْحَيَوَانِ"، وهو عامُّ، يشمل ما هو من جنسه وغير جنسه.
فإن قيل: هذا مرسلٌ؛ فلا حجة فيه.
قيل: قد أسنده الترمذي عن رواية زيد بن سلمة الساعدي، والبزار عن رواية ابن عمر، لكن لفظه: "صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَان بِاللَّحْمِ"، على أنَّ الشافعيَّ رأي في القديم الاستدلال بمراسيله؛ لأنه قيل: إنه لم يرسل حديثاً قط [إلاَّ] يوجد من طريق غيره مسنداً، أو لأن رجاله الذين أخذ عنهم هم أكابر الصحابة، وليس كغيره الذي يأخذ عمن وجد، أو لأنها سُيِّرت فكانت مأخوذة عن أبي هريرة، وكان يرسلها؛ لما قد عرفه الناس من الأنس بينهما والوُصْلة؛ فإن سعيداً كان صهر أبي هريرة على ابنته؛ فصار إرساله كإسناده عن أبي هريرة.
وفي الجديد سوّى بين مراسيله ومراسيل غيره في عدم الاستدلال بها، إلاَّ أن

يوافقها أحد سبعة أشياء: إمَّا قياس، أو قول صحابي، أو فعله، وإمَّا أن يكون قول الأكثرين، وإمَّا أن يُنشر في الناس من غير دفاع له، وإمَّا أن يعمل به أهل العصر، وإمَّا ألاَّ توجد دلالة سِواه، وقد اتصل بهذا الخبر: الأثر، وهو ما روي [عن] ابن عباس أن جزراً نحرت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق، فقال أبو بكر: "لا يصلح هذا"، وكان قول أبي بكر مع انتشاره في الناس، وعدم معارض له.
والقياس؛ فإنه نوع فيه ربا بيع بأصله الذي فيه مثله؛ فوجب ألاَّ يجوز؛ كما إذا باع شيرجا بسمسم، والزيت بالزيتون، والشيرج والزيت مثل ما في السمسم والزيتون، أو أقل منه.
وحكى القاضي أبو الطيب والبندنيجي: أنَّا إذا قلنا: إن اللُّحْمان أجناسٌ، فباع لحم البقر بشاة – جاز على قولن وجعله الإمام أقيس، والصحيح الأول، ووجهه مجلي: بأنه لا خلاف أن الحيوان أجناسٌ، وإنما الخلاف فيما إذا صارت لحماً، وشملها اسم اللحم، وبه جزم البغوي، والمحاملي، والماوردي وحكى في جواز بيع اللحم بالسمك الحيّ وجهين، ووجه الجواز: أن حيَّ السمك في حكم مَيْتته، بخلاف الحيوان، وقال القاضي أبو الطيب: إن قلنا: إن السمك من جنس سائر اللحوم، لم يجز، وإلاَّ فقولان.
قال:"وفي بيعه بحيوان غير مأكول"- أي: كالعَيْر والحمار ونحوهما – قولان: أحدهما – وهو الأصح أيضاً والمنصوص في أكثر الكتب -: أنه لا يجوز؛ لعموم الخبر.
قال الماوردي: وبهذا قال من أصحابنا من زعم أن دليل المسألة اتباع السنة.
والثاني: أنه يجوز، واختاره ابن أبي عصرون؛ لأنه حيوان ليس فيه لحم مأكول حتى يكون من باب بيع الشيء بأصله.
قال الماوردي: وبهذا قال من أصحابنا من زعم أن دليل المسألة اتباع القياس.
وعلى المأخذين يخرج ما لو باع الشحم أو الكلية، أوالطَّحال بالحيوان: فمن راعى اتباع السنة جوّز، ومن راعى القياس منع.
وعلى الوجهين يجوز بيع الحيوان بالجلد والعظم [؛ لأن الجلد والعظم] مما

لا ربا فيه بخلاف اللحم، وكذا بيع البيض بالدجاج، واللبن بالحيوان.
وأجرى الرافعيُّ الخلاف في بيع الجلد بالحيوان إذا لم يكن مدبوغاً.
فروع تتعلق بالباب: إذا كان بين شخصين من مال الربا ما يحرم بيع بعضه ببعضه، وأرادا قسمته – فذاك ينبني على أن القسمة إفراز حق أو بيع؟ فعلى الأول يجوز، وعلى الثاني – وهو المشهور – لا يجوز قسمته، ولكن الطريق في انفصال الشركة: أن يجعلا ذلك حصتين متميزتين، ثم يبيع أحدهما حقه من إحدى الحصتين على شريكه بدينار، ويبتاع حقه من الحصة الأخرى بدينار؛ فيصير لكل منهما حصة كاملة، ولكل منهما على الآخر دينار فيتقاصَّان الدينار بالدينار، ويكون هذا بيعاً يجري عليه جميع أحكام البيوع المشاعة.
وإن كان مما لا يحرم بيع بعضه ببعض.
فإن قلنا: إن القسمة بيع، روعي في ذلك شرائط المبيع، إلا أنه لا يشترط في القبض التحويل.
والفرق: أن المبيع مضمون على بائعه باليد؛ فاعتبر في قبضه التحول لترتفع اليد فيسقط الضمان، وليس في القسمة ضمان يسقط بالقبض، وإنما هي موضوعة للإجارة، وبالكيل يحصل ذلك، ويثبت فيه ما يثبت في البيع إلاَّ خيار المجلس؛ فإنه لا يثبت، ومن طريق الأوْلى خيار الشرط؛ لأن ذلك شرع لدفع الغَبِينة ولا غَبِينة.
وإن قلنا: إنها إفراز حق، جاز لهما أن يقتسما كلَّ جنس بينهما كيف شاءا، كيلاً ووزناً وجزافاً؛ فإن كان ذلك مما يختلف لم يجز لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء بحصته، وإن كان مما تتماثل أجزاؤه كالحبوب والأدهان جاز أن ينفرد أحدهما بأخذ حصته عن إذن شريكه، وهل يجوز من غير إذنه؟ فيه وجهان، وجه الجواز: أنه لو استأذنه لم يكن له أن يمنعه؛ فجاز إذا استوفى قدر حقه ألا يستأذنه، قاله الماوردي.
وفي "الشامل": "أنَّا إذا قلنا: إن القسمة بيع، واقتسم الشريكان بأنفسهما – ثبت فهيا الخياران، وكذا إذا كان فيها ردّ.
وحكى الغزالي في ثبوت خيار المجلس عند عدم الرد وجهين، وأن خيار الشرط لا يثبت – على الأصح – ما يشترط فيه التقابض إذا اشترى أحدهما بما وجب له منه

شيئاً آخر في المجلس قبل قبضه لم يصح، وإن قبض من صاحبه دراهم على وجه القرض ووفاها له في الثمن في المجلس، ففيه خلاف ينبني على أن القرض متى يملك؟ فإن قيل: بالتصرف، فلا يصح هاهنا، ولو قبض كل واحد منهما ما وجب له قبضه، ثم أودعه الآخر قبل التفرق، جاز ولم يبطل العقد، صرح بمثله الرافعي في رأس مال السلم.
ولو أبرأ أحدهما صاحبه مما له عليه قبل التفرق كانت البراءة باطلة؛ لأنه إبراء مما لم يستقر ملكه عليه، قاله الماوردي.
ولو كان العقد ورد على معين فوهبه منه، فإن كان قبل قبضه لم يصح، وإن كان بعده فوجهان.

باب بيع الأصول والثمار

عني بـ"الأصول": الأرضين والأشجار والثمار.
قال الجَوْهَرِيُّ: "واحدة الثِّمَار والثَّمَرِ: ثَمَرة، وجمع الثَّمَرِ: ثمار، كجبل وجبال، وجمع الثمار.
قال الفراء: "ثُمُر؛ ككتاب وكُتُب، وجمع الثُّمُر: أثمار؛ كعُنُق وأعناق".
قال: "إذا باع أرضاً وفيها بناءٌ أو غراس، دخل البناء والغراس في البيع؛ لأنهما من الثابتات فيها التي تراد للبقاء فتلحقها كما تلحق في الشفعة، ولأن البناء يجري مجرى أجزاء الأرض، وهذا نصه هاهنا، وبه قال أبو إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة وجمهور أصحابنا، وصححه أبو الطيب، واختاره ابن أبي عصرون، وقد نصّ في الرهن على أنهما لا يدخلان فيه، فألحق أبو العباس به البيع، وجزم فيهما بعدم الدخول كما لا تدخل الثمرة المؤبرة في البيع، وحمل النص في البيع على ما إذا قال: بعتك الأرض بحقوقها، وهذا ما صححه الإمام والغزالي، وطرده فيما إذا قال: بحقوقها، وهو القياس؛ لأنَّ ذلك إن كان من حقوقها اندرج عند الإطلاق، وإن لم يكن من حقوقها فلا يدخل بذكر الحقوق.
وذهب أبو الطب بن سلمة وأبو حفص بن الوكيل إلى تخريج قول من كل من المسألتين إلى الأخرى، وجعلهما على قولين للوفاء بما ذكرنا من الدليلين، وهذا ما صححه الشاشي في "حليته"، ومن جرى على ظاهر النصين فرق بوجهين: أحدهما: أن عقد البيع يزيل الملك؛ فجاز أن يكون ما اتصل بالمبيع تبعاً له، لقوته، وعقد الرهن يضعف عن إزالة الملك؛ فلم يتبعه ما لم يسمَّ لضعفه، وهذا قد ضعفه ابن أبي عصرون بأن موجب الإطلاقات لا يختلف بقوة العقد وضعفه.
والثاني: أنه لما كان ما يحدث في المبيع للمشتري جاز أن يكون ما اتصل به من قبل [له]، ولما كان ما يحدث من الرهن لا يدخل في الرهن، اقتضى أن يكون ما

تقدم [الرهن] أولى ألاَّ يدخل فيه، وعلى هذا يندرج في البيع أيضاً ما كان متصلاً بالأرض من أساس، سواء كان من آجر، أو حجارة، أو تراب، وكذا تلال التراب التي تسمى بـ"البصرة" حبالاً، والسواقي التي تشرب الأرض منها، (وأنهارها) وعين الماء التي فيها، وهل يملك الماء الذي فيها؟ فيه من الخلاف والتفصيل ما حكيناه في الباب قبله، كذا حكاه الماوردي.
وفي "الرافعي": أنه لا يدخل فيه شرب الأرض من القناة والنهر المملوكين، إلا أن يشترط أو يقول: بحقوقها، وحكى أبو عاصم العبادي وجهاً: أنه لا يكفي ذكر الحقوق، وكذا لا يدخل مسيل الماء في بيع الأرض، وحكم المعدن الجاري حكم الماء.
وقيل: إن الموجود للبائع دون ما يحدثن والمعدن الجامد كمعدن الذهب والفضة مملوك لمالك الأرض، فيندرج في البيع؛ لأنه من أجزائها.
وهل يملك دولاب الماء؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها الماوردي، الثالث: إن كان صغيراً يمكن نقله صحيحاً على حاله من غير مشقة لم يدخل، وإلاَّ دخل.
ولو كان فيها رحا [للماء دخل] في البيع بيت الرحا وبناؤه، وأمَّا أحجاره فيها ثلاثة أوجه حكاها الماوردي، الثالث: يدخل فيه الأسفل دون الأعلى، ولا خلاف في اندراج الأسفل من حجري الرحا إذا كان المبيع باسم الطاحون، وكذا الأعلى على الأظهر.
ولفظ "الساحة" و"العَرْصة" و"البقعة" فيما ذكرناه كلفظ "الأرض".
ولا خلاف في أنه إذا قال: بعتك هذا الباغ أو البستان أو الحائط، دخل فيه الأرض والأشجار والحيطان، ومجاير الماء، وإن كان فيه بناء فعلى الخلاف.

ولو قال: بعتك هذا الكرم، دخل العريش على الأصح.
ولو قال: بعتك هذه القرية، دخل فيه الأبنية والحصن الذي يحوطها، وفيما يحويه من الشجر الخلافُ، واختيار الإمام والغزالي الدخول.
ولا تدخل المزارع، وفي "النهاية": أنها تدخل.
ولو قال: بحقوقها، قال في "المهذب" و"الشامل": دخلت الأشجار دون المزارع.
وحكى ابن كَجٍّ أنها تدخل.
ولو قال: بعتك هذه الدار، دخل فيها الأرض، والبناء، والأبواب المركبة، والحلق، والسلاسل المسمَّرة، والقفل، وكذا المفتاح على الأصح، وفي معناه كل منفصل لا يمكن الانتفاع به إلا بمتصل كالزرائب وغطاء التنُّور، وما لا تستغني السفينة عنه مما هو منفصل إذا بيعت، وتدخل الدرج المبنية وإن كانت من ألواح، وكذا حمام الدار إن كان لا يستقل دون الدار، وإن استقل فهو في بيع الدار كالبناء في بيع الأرض وما فيها من شجر هل يدخل؟ فيه الخلاف السابق في دخوله في بيع الأرض.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً فارقاً بين أن يكثر بحيث يجوز تسمية الدار بستاناً فلا يدخل، وبين ألا يكون كذلك فيدخل وهذا أعدل عند الغزالي.
والساباط المتصل [بالدار] على حائط من حدودها هل يدخل في بيع الدار؟ فيه ثلاثة أوجه.
ثالثها من تخريج أبي الفياض: إن كانت رءوس الأجذاع من الطرفين مطروحة على حائط لهذه الدار، دخل في البيع، وإن كان من أحد الطرفين لم يدخل.
قال: "فإن كان له حمل" أي: للغراس الداخل في البيع كما سنذكره عن النص، ويكون هذا الحكم فيما إذا وقع عليه العقد منفرداً من طريق الأولى.
قال: "فإن كان ثمرة تنشقق كالنخل"، أي: والكرسف الحجازي والبصري الذي

يبقى سنين كثيرة.
قال: أو نَوْراً يتفتح"، كالورد والياسمين، "فإن كان قد ظهر ذلك أو بعضه"، أي: ظهر ما في كون الطلع منه، والورد من كمامه، والياسمين من الشجر؛ إذ لا كمام له.
قال:"فالجميع للبائع، وإن لم يظهر منه شيء فهو للمشتري".
الأصل في كون ثمرة النخل إذا تشققت تكون للبائع، وإن لم تشقق تكون للمشتري ما روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبَّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ".
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وذلك يدلُّ بمنطوقه على أن ما أُبِّر يكون للبائع، وبمفهومه على أن ما لم يؤبر يكون للمشتري، وأيضاً فإن النص على التأبير إمَّا أن يراد به التنبيه على غيره أو التمييز من غيره، ولا جائز أن يراد به التنبيه؛ لأن حكم ما لم يؤبر أخفى من حكم ما قد أبر، والتنبيه ما يقصد به بيان الأخفى؛ ليدلّ على حكم الأزهر؛ فتعين أن المراد به التمييز من غيره، وأن الحكم مختصًّ به.
وذلك يفيد ما ادعيناه، ولأنه نماء مستجن في أصله؛ فوجب إذا لم يظهر أن يكون في البيع تبعاً لأصله؛ كالحمل في البطن واللبن في الضرع.
فإن قيل: التأبير هو التلقيح، والتلقيح أن يشقق طلع الإناث، ويوضع فيه شيء من طلع الفحول؛ ليشتد برائحته ويقوى فلا يلحقه الفساد على ما جرت به العادة، وصحت فيه التجربة، وأنتم لا تعتبرون ذلك، بل اعتبرتم نفس الظهور في وقته سواء كان [ذلك] بنفسه، أو بفعل فاعل.
قلنا: قد يحصل ذلك عند الظهر من الرياح؛ فأغنى عن الوضع فيه، وأيضاً فإن التأبير إنما اعتبر؛ لأن الثمرة تظهر به وبالتشقق، وقد حصل هذا المعنى؛ فقام مقام

التأبير، وأمَّا جعل ما لم يتشقق تابعاً لما يشقق، فالأصل فيه أيضاً الحديث؛ فإنه - عليه السلام - لم يفصل بين أن يكون التأبير في جميعه أو في بعضه، ولأن في اعتبار التأبير في كل نخلة مشقة، وفي تبعيض الثمرة بين البائع والمشتري اختلاف وسوء مشاركة، فجعل ما لم يؤبر تابعاً لما أبر في دخوله في البيع؛ لأنه قد استقر في الشرع أن يكون الباطن تبعاً للظاهر دون العكس، كما في أساس الحائط، ورءوس الأجذاع، فإذا ثبت ذلك في النخل قيس ما في معناه، والورد والياسمين وما في معناهما عليه؛ بجامع ما اشتركوا فيه من الكمون والظهور.
وذكر ابن الصباغ أن الشيخ أبا حامد ذكر أن الورد يكون للبائع وإن لم يتفتح، وأنَّه ظاهر كلام الشافعيّ، ثم قال: "والأول أقيس".
وفي "التهذيب": أن ما لم يظهر من الورد لا يتبع الظاهر، وإن كان على شجرة واحدة؛ لأنه يؤمن فيه المحذور؛ فإنه يجمع أولاً فأولاً.
فرع: لو أُبِّر بعض النخل، وأورد العقد على ما لم يؤبر - نُظر: إن كانا من حائطين لم تكن الثمرة للبائع وإن كانا متجاورين؛ لانتفاء المعنى المشترك وهو المخالطة، وإن كانا من حائط واحد؛ فوجهان حكاهما الماورديّ وغيره، أصحهما: أنه لا يتبع.
وفي "الرافعي" حكاية وجه: "أنه يتبع في الحائطين أيضاً إذا قلنا: إنه يتبع في الحائط الواحد، وهذا كله إذا اتحد مالك المجموع، أمَّا لو اختلف فالخلاف مرتبٌ على ما إذا اتحد المالك وأولى بالبطلان، حكاه الرافعيُّ في "بدو الصلاح".
قال: "وقيل: إن ثمرة الفُحَّال للبائع بكل حالٍ"، أي: سواء تشقق الطلع أوْ لا، قال الماوردي: "وهو الأصح"، والفرق بينه وبين ثمرة الإناث أن طلع الإناث لا يوجد إلاَّ بعد إباره وتناهيه بسراً أو رطباً، وطلع الفحال يوجد قبل إباره، ويكون حال تناهيه طلعاً.
قال: "وهو خلاف النصّ" أي: نص الشافعي.
ووجه النص ما ذكرناه من مفهوم الحديث وغيره، وما ذكر في الفرق - من أن طلع الفحال حال تناهيه أن يكون طلع طلعاً - ممنوع؛ لأن المقصود من طلع الفُحَّالِ الكُشُّ لتلقيح الإناث، وذلك لم يوجد بعد؛ فهو كطلع الإناث.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بأن ما لم يظهر تابعٌ لما ظهر يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين أن يكونا من نوع واحد أو نوعين، كما هو الصحيح في "تعليق" أبي الطيب،

والمذهبُ في "الحلية" و"والتهذيب"، وخصّ أبو علي بن خيران ذلك بما إذا اتحد النوع، وقال عند اختلافه: "كل نوع معتبر بنفسه، وأنه لا فرق بين أن يكون الذي ظهر طلع الإناث، أو طلع الفحال على النص".
أمَّا إذا قلت: إن ثمرة الفحال للبائع بكل حال، فلا أثر لظهوره قبل الإناث، وتكون ثمرة الإناث للمشتري.
قاله القاضي أبو الطيب.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنها أيضاً تكون للبائع، وطرده فيما إذا ظهر طلع الفحال ولم يتشقق وقلنا: إنه للبائع، أي: ثمرة الإناث تكون للبائع وإن لم تشقق، وجعله الإمام كالوجه المذكور في استتباع النوع النوع، والأصح في "الحاوي": الأول، وأنَّه لا فرق بين أن يكون التابع قد طلع قبل العقد أو بعده، كما ذهب إليه الشيخ أبو حامد، متمسكاً بأنه لمَّا كان ما لم يظهر تباً لما قد ظهر حذراً من سوء المشاركة، وجب أن يكون ما لم يطلع تبعاً لما قد أطلع، وهو الذي صححه الرافعيُّ.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: "يشترط في التبعية أن يكون التابع قد طلع".
قال الماوردي: "وهذا أصح".
والفرق: أن ما لم يؤبر يصح عليه العقد، ويلزم فيه الشرط؛ فجاز أن يصير تبعاً لما قد أُبر في العقد، وما لم يطلع لا يصح عليه العقد، ولا يلزم فيه الشرط؛ فلم يجعل تبعاً لما قد استثناه العقد.
آخر: لفظة "أبرت" في الحديث، قال الأزهري: يقال بالتخفيف والتشديد.
وقال الجوهريُّ: بالتخفيف.
النَّور – بفتح النون – قال الأزهري: يطلق على أيّ لون كان.
وقيل: النور ما كان أبيض، والزهر ما كان أصفر.
الفُحَّال – بضم الفاء وتشديد الحاء – ذكر النخل، جمعه: فحاحيل.
قال جمهور أهل اللغة: ولا يُقال: [فَحْل]، وجوَّز جماعة منهم أن يقال في المفرد: "فَحْل" وفي الجمع: "فُحُول"، وكذلك استعمله الشافعيُّ والغزالي، ومما حكاه الجوهريُّ: أنه لا يقال "فُحَّال" في غير الفحل.

فرعان: أحدهما: لو تلف الطلع في يد البائع سقط عن المشتري حصته من الثمن إذا اختار الإمساك على الصحيح من المذهب؛ لأن الطلع موجود حقيقة، ويجوز بيعه على الصحيح، خلافاً لأبي إسحاق.
قال المتولي: ومن أصحابنا من بناه على القولين في أن الحمل هل يقابله قسط من الثمن، وليس بصحيح.
الثاني: لو شقق طلع النخل نظر: إن كان في إبانه فهو كما لو تشقق بنفسه، وإلا لا أثر له، وحيث حكمنا بكون الطلع للبائع لتأبيره فَجِرْم الكِمَام للمشتري؛ فإنه يترك على النخل، حكاه الإمام عن شيخه.
قال: "وإن كان ثمرة بارزة؛ كالتين والعنب، أو في كمام لا يزال [عنه] إلا عند الأكل؛ كالرمان والرانج فهو للبائع" أي: إذا كان موجوداً حال العقد، أمَّا في الأوليين وشبههما فلأنه ظاهر؛ فكان كالطلع المؤبر، وأمَّا في الأخريين وشبههما من الموز؛ فلأن قشر ذلك حافظ لمنفعته، فبقاؤه عليه من مصلحته؛ لأنه إذا تشقق قشره فسد، فكان القشر بمنزلة نفس الثمرة فظهوره بمنزلة ظهور ثمار سائر الأشجار.
كذا قاله المحاملي.
وفيه ما يفهم أن الكلام في الرمان إذا ظهر من الجلنار فهو الذي يقتضيه القياس، ويعضده ان الماوردي والمتولي ألحقاه بالمشمش والخوخ، ولو ظهر بعض ذلك بعد العقد لم يتبع الظاهر، قاله البغوي، وقال المتولي في التين بلا خلاف، ويدل عليه ما سنذكره من كلام الشيخ.
واعلم أن كلام الشيخ مصرح بأن العنب لا نَوْر عليه، وأنه ملتحق بالتين، وهو ظاهر النص الذي سنذكره.
وقال الشيخ أبو حامد: "عندي أن له ورداً ثم ينعقد".
وفي "الحاوي": أنه نوعان: منه ما يُوَرِّد ثم ينعقد، ومنه ما يبدو حبًّا منعقداً، فالثاني ملتحق بالتين، والأول ملتحق بالمشمش، وعلى ذلك ينبغي أن يحمل ظاهر النص،

وكلام الشيخ أبي حامد، وقد ألحق الشيخ في "المهذب" وغيره الرانج بالجوز وما في معناه، وهو مخالف لما ذكره هنا.
قال العمراني وغيره: ووجه الجمع بين قوليه أنه يخرج في قشرين، وقد يتشقق عنه الأعلى؛ فيبقى في قشر واحد، فيكون كالرمان، وإذا لم يتشقق فهو كالجوز.
وهذا الجواب فيه نظرٌ؛ لأن الكلام في هذه الأشياء في حال انعقادها على الأشجار، ولا يمكن أن يكون الرانج في حال انعقاده على قشرين حالهما كذلك، بل الأقرب في الجواب ما حكاه النواوي أنه نوعان: نوع ذو قشر، وعليه يحمل كلام الشيخ هنا، ونوع ذو قشرين، وعليه يحمل كلامه في "المهذب".
تنبيه: الكمام- بكسر الكاف -: أوعية طلع النخل، والمراد به هنا أوعية ما ذكره.
قال الجَوْهَرِيُّ: "وواحد الكمام: كِمّ – بكسر الكاف – وكِمَامة، والجمع كِمَامٌ وأَكِمَّة، وأَكْمَام، وأكاميم".
الرانج – بكسر النون -: الجوز الهندي.
وقال النواوي: ورأيته في نسخة من "المحكم" مضبوطاً بفتح النون، والمشهور كسرها.
قال: "وإن كنا ثمرة في قشرين: كالجوز، واللوز، فهو كالتبن والرمان على المنصوص"، أي: في "الأم"؛ فإنه [قال]: إذا باع أرضاً فيها شجر رمان، وجوز، ولوز، ورانج وغيره مما دونه حائل لا يزال عنه إلاَّ في وقت الحاجة إلى أكله؛ فهو في معنى ما تخرج ثمرته بارزة.
صرح بهذه الحكاية المحاملي، وهذا ما وعدنا بحكايته في أول الباب وبعده.
ووجهه: أن ذلك يخرج من الشجرة كما يخرج التين، وقشره لا يتشقق عما في جوفه فألحق به.
قال: "وقيل: هو كثمرة النخل قبل التأبير" أي: فيكون للمشتري؛ لأنه لا يترك في القشر الأعلى كما لا يترك الثمرة في الطلع.
واعلم أن إطلاق الشيخ حكاية هذا القول قد يفهم منه أن الثمرة تكون للمشتري بكل حال، سواء تشقق عنها القشر الأعلى أو لم يتشقق؛ لكونه ألحقه بالثمرة قبل

التأبير، وليس كذلك، بل محله ما إذا لم يتشقق [عنه] القشر الأعلى، أما إذا تشقق عنه القشر الأعلى، فإنه يكون كثمرة النخل بعد التأبير، وهو ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد ومن في طبقته، وحملوا النص على ما إذا تشقق عنه القشر الأعلى وبقي الأسفل، ويدل عليه أنه قال: "دونه حائل لا يزال عنه إلاَّ في وقت الحاجة إلى أكله" وهذه صفة القشر الأسفل دون الأعلى.
ولم يحك الماوردي في الجوز سوى هذا القول، وألحق اللوز بالمشمش.
وقال القاضي أبو الطيب: غلط في ذلك الشيخ أبو حامد لأن تشقُّق قشر هذا عنه ليس من مصلحته إذا كان على رءوس الشجر؛ لأنه كتشقق الرمان الذي ليس فيه صلاحه، وكلام الشيخ يرشد إلى التصوير بما ذكرناه؛ لأنه قال:"وإن كان ثمرة في قشرين"، وهو بعد التشقق لا يكون في قشرين، بل في قشر واحد.
قال:"وإن كان ثمرة تخرج في نَوْر، ثم يتناثر عنه النَّور كالمشمش والتفاح – فهو كثمرة النخل: إن ظهر ذلك أو بعضه" أي: من نوره "فهو للبائع، وإن لم يظهر منه شيء فهو للمشتري"، [أي]: وإن انعقد؛ لأن استتارها بالنور كاستتارها بقشر الطلع، وتناثر النور عنه كالتشقق في الطلع، وهذا ما نصّ عليه في البويطي، والصرف، واختاره أبو إسحاق والقاضي الروياني وسائر الأصحاب كما حكاه المحاملي.
قال: "وقيل: إنه للبائع في الحالين" أي: حال كون النور عليه، وحال تناثره عنه.
وهذا ما حكاه المحاملي في "المجموع" عن تخريج الشيخ أبي حامد، وأنه الذي يجئ على المذهب، متمسكاً فيه بقول الشافعي: حكم كل ثمرة خرجت بارزة ترى في أول ما تخرج كما ترى في آخره، فهو في معنى ثمرة النخل بارزة من الطلع، وتقريره: أن الثمرة ظاهرة بالخروج، واستتارها بالنور كاستتار ثمرة النخل بعد التأبير بما عليها من القشر الأبيض، واستتار حبات العنب بما يتشقق عنها من النور اللطيف، وذلك لا يجعلها تابعة؛ فكذلك هذا، وقد رجح هذا القول أبو القاسم الكرخي والبغوي، وخَطَّأ الشيخَ أبا حامد القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وقال ابن الصباغ:

"هذه الحكاية ليست بمذكورة في التعليق الأخير عنه".
وقد ألحق أصحابنا العراقيون الفِرْسِكَ وهو الخوخ والكمثرى، والسفرجل بالمشمش والتفاح، صرح بالأول ابن الصباغ، وبما عداه الماوردي، وبالمجموع المحامليُّ في "المجموع"، وفصل الإمام فقال: الأشجار التي تبدو أزهارها منها ما يحتوي مركب الأزهار، وأصلها على الثمار على هيئات خوخات صغار كالمشمش والخوخ وما في مناه، فإذا بيعت هذه الأشجار وعليها أزهارها فالثمار في مطلق البيع للمشتري؛ فإنها مستترة استتار الطلع، وفيها مزيد معنى، وهي أنها لا تعد بعد ثمرة حتى تشت وتتصلب، وذلك بعد انتشار الأزهار وانكشافها عن الخوخات.
ومن الأزهار ما لا يحتوي على الثمار ولكنها تطلع والثمرة دونها كالكمثرى والتفاح، فما كان كذلك فقد اختلف الأصحاب فيه: فالذي مال إليه العراقيون أن الثمار لها حكم الظهور؛ فلا تتبع الأشجار المطلقة في البيع.
ومن أصحابنا من قال: هي للمشتري؛ لأنها غير منعقدة بعد، وإنما انعقادها بعد انتشار الأزهار.
فهذا هوا لذي ذكره الصيدلاني.
وهذا من الإمام يدل على أنَّ الخلاف في هذا النوع قبل انعقاد الثمار، إلاَّ أن يريد تكامل الانعقاد، ويؤيده أن المحكي في الرافعيّ أن المشمش والتفاح والكمثرى إن بيع أصله قبل انعقاد الثمرة فإنها تنعقد على ملك المشتري، وإن كان النور قد خرج، وإن بيع بعد الانعقاد وتناثر النور فهي للبائع، وإن بيع بعد الانعقاد وقبل تناثر النور فوجهان.
تنبيه: المشمش: بكسر الميمين، قاله الجَوْهَرِيُّ.
وحكى أبو عبيدة الفتح.
قال: "وإن كان ورقاً كالتوت"، أي: الذي يقصد لتربية القز، وهو الشامي، "فقد قيل: إنه إن لم يتفتح فهو للمشتري، وإن تفتح فهو للبائع"؛ لأنه مقصود لطعمة دودة القز؛ فهو كالثمرة من غيره.
وهذا ما صححه الجيلي، وجزم به الماوردي، وطرده في كل ما المقصود منه الورق.

"وقيل: هو للمشتري بكل حال"؛ لأنه من جملة الأصل كالأغصان، وهذا ما صححه الرافعيّ والبغوي، واختاره ابن أبي عصرون.
أمَّا غر الشامي الذي يقصد بمنه الثمرة فهو للمشتري بكل حال، ومحل الخلاف في زمن الربيع، أمَّا في زمن الخريف فهو للمشتري وجهاً واحداً.
تنبيه: التوت: بالتاء المثناة في آخره، وبالمثلثة أيضاً، والأشهر الأفصح بالمثناة، وممن ذكر اللغتين ابن الأعرابي.
قال الأَصْمَعِيُّ: العرب تقول بالمثناة، والفرس بالمثلثة، وقد شاع الفرصاد في الناس كلهم.
فرعان: أحدهما: ورق شجر النبق هل يتبع الأصل؟ فيه طريقان في "التتمة": أظهرهما: أنها كأوراق غيرها.
والثاني: أنها كورق التوت؛ لأنها تلتقط لتغسل بها الرءوس، لكن خروجه من الأصل بمنزلة تفتح ورق التوت؛ لأنه يخرج من الأغصان في غير عُقَد يتفتح عنه.
وهذا ما صرح به الماورديُّ.
الثاني: أغصان الأشجار تدخل في البيع، وكذا عروق الأشجار وإن كانت يابسة.
وفي "التهذب": أن الشجر الأخضر إذا كن فيه غصن يابسٌ لم يدخل في البيع؛ لأن العادة فيه القطع، ثم قال: ويحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم.
آخر: إذا باع أشجاراً خضراً، وأطلق العقد هل تدخل المغارس في البيع؟ فيه وجهان.
وقال الإمام وصاحب "التهذيب": قولان أصحهما: لا، فعلى هذا لو انقلعت الشجرة، أو قطعها المالك لم يكن له غرس بدلها، ولو أراد البائع قلعها فهل له ذلك؟ المنقول هاهنا: أنه ليس له، بل عليه التبقية ما دامت.
وحكى الإمام في كتاب "الرهن" وجهاً آخر: أنه لا يمنع من قلعها، ولكن يغرم ما ينقصه القلع؛ كما يغرم المستير في مثل هذه الصورة، وعلى القول بأنه يملك المغرس إذا قلع الشجرة، كان له غرس بدلها، وبيع المغارس، وهل يدخل ما بين المغارس في البيع؟ جزم الماوردي بعدم الدخول، وقال الإمام في كتاب الرهن:

ينظر: فإن كانت بحيث تنفرد بالانتفاع لم تدخل، وإن كانت لا يتأتى انفرادها بالانتفاع إلاَّ على سبيل التبعية للأشجار، ففي دخولها وجهان رواهما شيخي وصاحب "التقريب".
ثم ما ذكرناه من الخلاف في استحقاق البقاء أو ملك المغارس يجري في بيع الأبنية من غير تعرض لأساسها.
حكاه الإمام في "الرهن"، وكذا فيما لو اشترى أرضاً، وشرط البائع لنفسه شجرة فيها: أن المغرس يبقى له ملكاً أو مستحقاً، حكاه الرافعيُّ.
قال: "وإذا باع أرضاً، وفيها زرع لا يحصد في السنة إلاَّ مرة" أي: كالحنطة والشعير، وفي معناهما الجزر والفجل والبصل واللفت والقطن الذي سيتحصد في كل سنة - كما ببغداد وخراسان والبلاد الباردة - قال: "لم يدخل الزرع في البيع"؛ لأنه نماء ظاهر يراد للنقل والتحويل دون البقاء؛ فأشبه الطلع المؤبر والأقمشة في الدار، وألحق الرافعي بهذا النوع السّلْق، وفيه نظرٌ؛ لأنه يستجد؛ فينبغي أن يلتحق بالنوع الثاني، ولا فرق في ذلك بين أن يقول: بعتك الأرض بحقوقها، أو لا، كما حكى عن الشيخ أبي حامد والتميمي في المستعمل، وللبائع تبقية ذلك بغير أجرة إلى أول إمكان حصاده دون نهايته، أو مدة تزيد في ثمنه؛ لاقتضاء العرف ذلك.
نعم، عليه قلع ما يضر بالأرض من عروق الذرة، وأصول القطن، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ الكلام فيه مثل الكلام فيما إذا كان في الدار المبيعة ما لا يسعه بابها، وقد حكى القاضي أبو الطيب فيه أنه يجب نقض الباب حتى يخرج، ويلزم البائع ما نقض من الباب، ثم قال: ويحتمل أن يقال: يلزمه بناؤه؛ كما يلزمه تسوية الأرض، وليس له

إذا قلع ذلك قبل أوانه أن ينتفع بالأرض إلى أن ينتهي إلى أوان قلعه بلا خلاف، ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون المشتري عالماً بالحال أوْ لا.
نعم، يثبت له الخيار إذا لم يعلم، وقيل: يستحق الأجرة إذا كان جاهلاً وأجاز العقد؛ لأن المنفعة متميزة عما قابله الثمن، بخلاف ما إذا كان عالماً؛ فإن مقابل ذلك اندرج في الثمن، وهذا كله تفريع على القول بصحة بيع الأرض المشغولة بالزرع، وهو ما جزم به الماوردي.
وأصح الطريقين ما لو باع داراً مشحونة بأمتعة، قال الرافعي: ولا يتخرج على القولين في بيع المستأجر؛ لأن يد المستأجر حائلة، ولا يلحق بما إذا استثنى المنفعة لنفسه؛ لأن هذا استثناء بالعرف فاحتمل، كما لو زوج أمته، ثم باعها؛ فإنه يصح، ولو باعها واستثنى منفعة بضعها ليزوجها لم يصح.
وفي "الشامل": أنَّ أبا إسحاق خرجه على القولين في المستأجر، وأبدى الإمام احتمالاً في إجرائهما في الدار المشحونة أيضاً.
وقال الجمهور: لو كان في معنى المستأجر لوجب ان يقطع بالفساد؛ لأن مدة بقاء الزرع مجهولة، فعلى هذا هل يحصل النقص بالتخلية بين المشتري وبينها في هذه الحالة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما في الدار المشحونة بالأمتعة.
وأظهرهما: الحصول.
والفرق: أن التشاغل بالتفريع في الدار ممكن في الحال، على أنَّ فيها أيضاً وجهاً، وادعى الإمام أنه ظاهر المذهب، وأنه لا يكاد يتضح بين المسألتين فرق.
فروع: لو باع الأرض وما بها من زرع فهل يصح البيع؟ نظر: إن كان قصيلاً أو شعيراً جاز، وكذا إن كان قمحاً وجوزنا بيعه في سنبله، وإن لم نجوز بطل فيه، وفي الأرض قولاً تفريق الصفقة.

وقيل: يصح فيه تبعاً، وإن منعنا بيع الحنطة في سنبلها.
حكاه الماوردي.
آخر: لو شرط البائع قطع الزرع من الأرض ففي وجوب الوفاء بهذا الشرط تردد حكاه الإمام عن الأصحاب في أواخر كتاب "الصلح".
قال: "وإن كان يجز مرة بعد أخرى كالرَّطْبة" أي: وما في معناهامن الهندباء والكراث والنعنع، "كانت الأصول للمشتري" كما ذكرناه في الأشجار، وهذا تفريع على ما حكاه في دخول الأشجار في بيع الأرض.
أمَّا إذا قلنا: "لا يدخل" فكذلك أصول هذه الأشياء، صرح به الإمام عن العراقيين والصيدلاني.
وقال: "إنه القياس"، وحكى عن الشيخ أبي محمد القطع بدخول هذه الأشياء؛ لأنها لا تراد للنقل، بخلاف الأشجار.
وفي "الوسيط": أنَّ الشيخ أبا محمد قطع بأنه كالزرع، والعقد في هذه الصورة صحيح قولاً واحداً.
قال: "والجزة الأولى للبائع"؛ لأنها في معنى ما ظهر من الثمار، لكن يؤمر البائع بأخذ ما ظهر في الحال، كي لا يختلط بما يحدث على ملك المشتري، ولا فرق بين أن يكون ما ظهر قد بلغ أوان الجز أو لا.
قال في "التتمة": إلا القصب فإنه لا يكلف قطعه، إلا أن يكون ما ظهر قدراً ينتفع به.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجب تبقيتها إلى الوقت الذي جرت العادة فيه بالجز.

وهذا قول من زعم أن ما اطلع من ثمار النخل بعد العقد للبائع تبعاً لما أبر منها، وقد يؤخذ هذا من قول الشيخ، والجزة الأولى للبائع.
ويلتحق بهذا النوع البنفسج والنرجس؛ فتكون أصوله للمشتري وما ظهر منه حالة العقد للبائع، وفيهما وجه حكاه الرافعي: أنهما يلتحقان بالنوع قبله، وألحق الماوردي بصل النرجس والزعفران بشجر الورد، والرافعي أشجار الخلاف التي تقطع من وجه الأرض بهذا النوع.
وقال الإمام: لم يختلف علماؤنا في أن شجرة الخلاف إذا بيعت دخلت أغصانها التي تقطع عادة وتستخلف تحت مطلق البيع، وقد يتخيل بينهما فرق في الصورة.
وبذْرُ كل شيء مما ذكرناه إذا كان في الأرض حالة العقد حكمه حكم أصله فيما ذكرناه إلا في بيعه؛ فإن الأصح أنه لا يجوز، وإن كان مع الأرض.
وحكى المحاملي في كتاب "التفليس" أن ظاهر نصه فيه صحة بيع البذر تبعاً للأرض؛ كبيع الأساس تبعاً للحيطان.
وفي "الحاوي": أن من قال: ينتظر بما ظهر تناهي الجزاز في العادة، جعل ما ينبت من البذر أول جزة للبائع.
فرع: البطيخ والخيار والقثاء وما يؤخذ ثمره مرة بعد أخرى لكن في عام واحد، اختلف أصحابنا إذا بيعت الأرض، فهو فيها على وجهين: أحدهما- وهو قول البغداديين -: أنه يكون في حكم الشجر؛ فيكون للبائع من ثمره ما ظهر، وللمشتري الأصل الباقي وما يظهر.
والثاني – وهو قول البصريين -: أنه يكون في حكم الزرع؛ فيكون للبائع أصله وثمره.
والموز لا يبقى الظاهر منه أكثر من سنة؛ فلا يندرج في بي الأرض، والفرع الذي يستخلف يكون للمشتري.
تنبيه: الرَّطْبة هي القضب الذي يطعم للدواب، يسمونه بالعراق بهذا الاسم.
قال أبو الطيب: ويسمى أيضاً: قتًّا وقُرْطاً.
والرطبة: بفتح الراء، وجمعها: رِطَاب.

قال الجوهري.
والجِزَّة: بكسر الجيم وتشديد الزاي.
قال: "وإذا باع الأصل، وعليه ثمرة للبائع" – أي: حيث قلنا: "لا تدخل في البيع"- لم يكلف نقلها إلى أوان الجداد"، أي جدا مثلها من بسر أو رطب أو ثمرة، ويعتبر في ذلك أول زمان الإمكان، كما قاله الماوردي وأبو الطيب.
ووجهه: أن البائع يؤمر بتفريغ المبيع على حسب العرف، والعادة في الثمار تنقيتها إلى أوان الجداد، ويشهد لهذه القاعدة: أنه لو باع داراً مشحونة لا يكلف أن ينقل ما فيها في ساعة، بل شيئاً فشيئاً، على ما جرت به العادة، وكذا لو باع داراً ليلاً، لم يكلف الانتقال منها حتى يصبح، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشتري علم بأن الثمرة تبقى للبائع أوْ لاَ، نعم إذا لم يعلم بتأبير النخل وظهور الثمرة ثبت له الخيار، ويتصور ذلك بأن يكون قد رأى الأصل قبل ذلك.
والجداد بالفتح والكسر: القطع.
أمَّا إذا كانت بحيث تندرج في البيع، فاستثناها لنفسه بالشرط – فالذي حكاه الماوردي: أنه لا يستحق الإبقاء، بل يقطع في الحال؛ لأنه إنما يصح استثناؤها له بشرط القطع كما نص عليه الشافعي في كتاب الصرف، وهذا يوجب عليه إلزام موجبه.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب "والشامل": أن هذا ليس يقول به أحد من أصحابنا، وأجاب عن النص بأنه خطأ في النقل، وحكى صاحب "الحلية" الخلاف، وجعل أصله الخلاف فيما إذا باع داراً واستثنى سكناها شهراً، ومقتضاه أن يكون الصحيح قول الماوردي، لكنه رجح مقابله، كما هو في الرافعي وغيره.
ثم على قول الاشتراط: لو أطلق العقد، قال الإمام: ظاهر كلام الأئمة أن الاستثناء باطل، والثمرة للمشترين وهذا مشكل؛ فإن صرف الثمرة إليه مع التصريح باستثنائه محال عندي؛ فالوجه أني جعل شرطاً فاسداً، فيفسد العقد في الأشجار أيضاً.
قال: "فإن احتاج إلى سقي" – أي: بحيث إن لم يُسق فسدت الثمرة أو امتصت – "لم يكن للمشتري منعه من سقْيه – أي: بالماء المعد لسقي الأشجار المبيعة، وإن تضررت الأشجار به كما أشار إليه الماوردي؛ لأن ذلك من صلاح هذه الثمرة، فلم

يكن للمشتري المنع منه؛ قياساً على التبقية على الأصول، لكن مؤنة السقي على البائع، بخلاف ما إذا باع الثمرة؛ فإن مؤنة السقي على البائع إلى أوان الجداد؛ لأنه ألزم تبقيتها، والسقي من ضرورة بقائها.
وقيل: إذا تضررت الأشجار بالسقي لم يجبر المشتري عليه، بل يراعى جانبه، حكاه الإمام ومن تابعه.
وحكى عن أبي إسحاق وجهاً آخر: أنه لا يجبر واحد منهما؛ لاستواء الحقين، فإن تراضيا على شيءٍ، وألا فسخَ العقد.
والأول قول [أبي] علي بن أبي هريرة، واختاره ابن أبي عصرون.
والثاني عند الغزالي أصح.
والثالث عند الرافعي أظهر، وقال: إن الثاني لم أر من رجحه إلا الغزالي.
أما إذا كان ترك السقي لا يضر بالثمرة، ولكن يمن تزايدها وتنميتها، قال الغزالي: يحتمل أن يلحق بالحالة الأولى، ويحتمل أن يمتنع وجها ًواحداً.
ولو تضررت الثمار بالسقي والأشجار بتركه، قال الإمام: فتعود الثلاثة أوجه.
قلت: وفي ذلك نظرٌ؛ لأن مقتضى من نظر في المسألة الأولى إلى جانب البائع – وهو ابن أبي هريرة – ألا يجبره هنا، ومن نظر إلى جانب المشتري في الأول، كما حكاه الإمام يجبر البائع، ومذهب أبي إسحاق لا يختلف.
وقد حكى المحاملي والماوردي وغيرهما عن ابن أبي هريرة أنه قال في هذه الصورة: إن البائع يجبر.
فلا يتحرر في هذه الصورة إلاَّ وجهان، إلا أن يكون ابن أبي هريرة ينظر إلى جانب من يتضرر بالسقي كيف كان ويراعيه، والآخر ينظر إلى جانب الآخر كيف كان ويراعيه؛ فينعكس الحال، وتجيء الأوجه، والله أعلم.
ولو كانت الثمرة لا تحتاج إلى السقي، ولو سقيت زادت ونمت، وإن تركت امتصت رطوبة الأشجار، أو نقص حملها في المستقبل نقصاناً كثيراً – فالبائع مجبر على السقي أو القطع، فإن عدم الماء فهل يتغير القطع؟ حكى العراقيون فيه قولين عن "الأم"، وأصحهما عند الكرخي: تعيين القطع.

قال الإمام: "ولم يقع التعرض لاستواء الحقين، ولابد من هذا الوجه" يشير إلى وجه أبي إسحاق.
ولو لحق الثمرة آفة قبل وقت القطع، فهل يتعين عليه القطع؟ فيه قولان، رواهما صاحب "التقريب".
قال: "وإن كانت الشجرة تحمل حملين" – أي: متلاحقين – "فلم يأخذ البائع ثمرته حتى حدثت ثمرة المشتري، واختلطت ولم تتميز – ففيه قولان: أحدهما: ينفسخ البيع"؛ لأن المقصود من الشجرة المثمرة الثمرة، وقد تعذر تسليمها؛ لأن كل واحد منهما لا يلزمه تسليم ما اختلط به من ماله، ولا إجباره على قبول مال صاحبه؛ فوجب أن يبطل العقد لفوات المقصود، كما لو اشترى جوهرة فوقعت في بحر عظيم قبل القبض، أو انقلب العصير خمراً، وهذا ما اختاره ابن أبي عصرون.
فعلى هذا قال المتولي: يسترد المشتري الثمن، وترد الشجرة مع جميع الثمرة، وإلى ذلك أشار المحاملي أيضاً بقوله: تعود الشجرة والثمرة إلى ملك البائع.
وفي كلام البغوي ما يخالفه، كما سنذكره.
وكأن حاصل ما قالوه يرجع إلى أن هذا العقد ينفسخ من أصله أو من حينه: فكلام المتولي والمحاملي يقتضي أنه من أصله، وكلام البغوي يقتضي أنه من حينه.
قال: "والثاني: لا ينفسخ"؛ لأن المبيع وهو الشجرة باقٍ، وكذلك المقصود منها، والتصحيح ممكن بما ذكره، فيقال للبائع: إن سلمت الجميع أُجبر المشتري على قبوله؛ لأنه دفع إليه حقه بزيادة لا تتميز عنه، فأجبر عليها؛ كما لو أسلم في طعام فأتاه بأجود منه.
قال: "فإن امتنع" – أي: البائع – من البدل، قيل للمشتري: "إن سلمت الجميع أجبر البائع على قبوله" لما ذكرناه؛ فلا وجه للحكم بالانفساخ في الحال.
قال: "فإن تشاحا" – أي: تباخلا ولم يرض أحدهما ببدل ما لَهُ- "فسخ العقد"؛ لتعذر الوصول إلى المقصود حينئذ، وهذا الخلاف حكاه المزني وغيره عن "الأم" أيضاً، وبه قال أكثر أصحابنا، على ما حكاه أبو الطيب في "تعليقه" وغيره.

قال: "وقيل: لا ينفسخ قولاً واحداً"؛ لأن المبيع لم يختلط بغيره فلم ينفسخ العقد؛ كما لو اشترى داراً فيها طعام له وللبائع واختلطا، وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب في باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار.
ومن قال بالأول فرق بما أشرنا إليه في علة القول الأول: من أن الثمرة هي المقصودة بالعقد؛ لأنها نماء المبيع وليس الطعام مقصوداً من بيع الدار، لوا هو من نمائها؛ فلذلك لم يؤثر اختلاطه في فساد العقد.
ووجَّه البغوي هذا القول: بأنه لا فائدة في الفسخ؛ فإنه لا يفيد قطع النزاع؛ فإنَّ الثمرة الحادثة لا تعود إلى البائع، وهذا ما أشرنا إليه من قبل، وهذا الطريق قال به أبو علي بن خيران والطبري في "الإفصاح" وقالا: محل القولين اللذين نقلا في "الأم" في مسألة بيع الطعام، والمزني نقلها من "الأم"، والغلط وقع في النقل.
قال الإمام: "وهذا هو القياس الذي لا يسوغ غيره".
وقال الماوردي: الصحيح ما قالاه جواباً وتعليلاً، وإن كان نقل المزني صحيحاً، والإذعان للحق أولى من نصرة ما سواه.
فعلى هذا: إن رضي أحدهما بترك حقه لصاحبه أجبر عليه، وإلاَّ كان القول قول من في يده الثمرة في قدر حق صاحبه، كذا قاله المحاملي والماوردي والبغوي وغيرهم.
وفي "الشامل" "وتعليق أبي الطيب": أنهما إذا تشاحا فسخ، وهو الذي يقتضيه ظاهر كلام الشيخ.
تنبيه: الشجرة التي تحمل حملين، قال المتولي: إنما يتصور في التين؛ لأنه يخرج مرة بعد مرة.
وقوله مستمد مما حكاه عن الشيخ أبي حامد أنه قال: لا أعلم ذلك إلاَّ في التين.
وقد قيل: إن النارنج والأترج والباذنجان كذلك، ومحل الخلاف في المسألة: ما إذا لم يعلم وقوع هذا الاختلاط غالباً، بل وقع لتأخر القطاف، أو كان غالباً، وشرط في حال العقد قطع الثمرة عند خوف الاحتلاط، فلم يتفق حتى حدثت الأخرى، أمَّا إذا كان الاختلاط غالباً، ولم يشترط القطع فالعقد باطل.

قال الرافعيُّ: "ويجيء فيه الخلاف فيما إذا كان المبيع ثمرة، وسنذكره.
قال: "ولا يجوز بيع الثمار" – أي: منفردة على أصولها النامية "حتى يبدو صلاحها، إلاَّ بشرط القطع" – أي: سواء كانت مما تُجَذُّ أو تُقْطَفُ أو تُجْمَعُ كالبِطِّيخ والخيار ونحوه.
والأصل في ذلك: ما روى مسلم عن ابن عمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى البائع (والمبتاع).
وروى الشافعيُّ عن مالك عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ"، قيل: يا رسول الله، ما تزهى؟ قال: "حَتَّى تَحْمَرَّ وَتَصْفَرَّ"، وروى: "تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ" وغير ذلك من الأحاديث المتوافقة في المعنى، وذلك يدل على منع البيع مطلقاً، سواء اشترط بقاؤها إلى أوان الجذاذ أو قطعها، أو أطلق العقد فاستثنى منه ما قام الإجماع على جوازه وهوا لبيع بشرط القطع، وبقي على عمومه فيما عداه.
واختلف أصحابنا في تعليل المنع: فمنهم من علله: بأن العقد عند الإطلاق يقتضي البقاء على الأصل إلى أوان الجذاذ والقطاف؛ لأن تسليم كل شيءٍ على حسب ما جرت العادة به كما قررناه، والعادة جارية في بيع الثمار كذلك، وإذا اقتضى العقد ذلك، أو كان مشروطاً في العقد فلا يوثق بالقدرة على التسليم، التي هي شرط الصحة؛ لأن الثمار قبل بدوٍّ

الصلاح ضعيفة متعرضة للعاهات، وقد أشار – عليه السلام – إلى ذلك بنهيه عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة.
ومنهم من علله بأنها قبل بدو الصلاح تكبر أجزاؤها كِبَراً ظاهراً، وتلك الأجزاء من أجزاء الشجرة بامتصاصها رطوبتها؛ فتعذر الإبقاء لذلك كما يتعذر البيع بشرط أن يأكل العبد المبيع من مال البائع.
ومقتضى ما ذكر من المعنى الألو: أنه إذا باع الثمرة مطلقاً، وكان في موضع جرت العادة فيه بقطعها قبل بدو صلاحها أن يصح وينزل على المعتاد، وقد قال به القفال؛ تنزيلاً للعادة الخاصة منزلة العادة العامة، وامتنع الأكثرون من ذلك، ولم يروا تواطؤ قوم مخصوصين بمثابة العادات العامة، وأجرى هذا الخلاف فيما لو جرت عادة قوم بانتفاع المرتهن بالمرهون حتى تنزل عادتهم على رأي بمنزلة شرط الانتفاع، ويحكم بفساد الرهن، وأشار إمام الحرمين إلى تخريج الخلاف على مسألة السر اولعلانية، وعلى المعنى الثاني يخرج اشتراط القطع فيما إذا باع النخل وعليها ثمرة غير مؤبرة واستثناها، ولا يرد علينا كون الثمرة للبائع إذا وقع العقد بعد التأبير، وإن كان لا يصح البيع في هذه الحالة إلاَّ بشرط القطع نظراً لهذه العلة؛ لانَّ هذا استثناء بالشرع، فلا يسلك به مسلك الاستثناء باللفظ؛ ألا ترى أنه لو باع الجارية المزوجة صحّ، ولو باع جارية واستثنى منفعة الزوج لم يصح؟! ثم حيث صححنا العقد بشرط القطع، فذاك على ما حكاه المتولي فيما يمكن الانتفاع به كاللوز وما في معناه، أما ما لا يمكن الانتفاع به فلا يجوز، وإن شرط القطع، وهذا مأخوذ من القواعد السابقة.
ثم إذا صحّ العقد فيما يشترط فيه القطع بشرطه فللبائع المسامحة بالتبقية إلى بدوّ الصلاح، وله إجباره على قطعه، صرح به الماوردي وغيره، وله إجباره على القطع بعد بدو الصلاح أيضاً ما لم تبلغ الثمرة خمسة أوسق، أمَّا إذا بلغت [ذلك] فقد قال الماوردي في كتاب الزكاة: "إن البائع إن رضي بإبقائها إلى أوان الجذاذ ورضي المشتري بدفع زكاتها، ثَمَّ البيع، وإن امتنع البائع من إبقائها، وتأبىَّ المشتري من دفع الزكاة من ثمرته فالواجب أن يفسخ

البيع، إذا فسخ لم تجب الزكاة على المشتري؛ لأمرين: أحدهما: أنه دخل في ابتياعها على أنه لا زكاة عليه.
والثاني: أن فسخ البائع غير منسوب إليه.
وفي استحقاق زكاتها على البائع وجهان: أصحهما: أنها واجبة عليه؛ لأنَّ امتناعه من الترك سبب لفسخ البيع فلم يجز أن يكون سبباً لإسقاط الزكاة.
ولو رضي المشتري بدفع زكاتها، وامتنع البائع من تركها فسخ البيع، وترد الثمرة على البائع، وتؤخذ منه الزكاة وجهاً واحداً.
ولو رضي البائع بتركها، وتمنَّع المشتري من [أداء زكاتها] فقولان: أحدهما –وهو اختيار المزني -: ينفسخ البيع؛ لأنَّ للبائع الرجوع بعد الرضا يكون المشتري بدفع الزكاة مغرراً.
والثاني: أن البيع لا ينفسخ، وتؤخذ الزكاة من المشتري.
وفي "زوائد" العمراني في كتاب الزكاة: أنه لو لم يتفق القطع حتى بدا صلاحها حكاية قولين: أحدهما –رواه القفال عن الشافعي -: أن البيع يبطل؛ لأن تسليم المبيع قد تعذر بوجوب الزكاة فيه؛ لكما لو اشترى حنطة فانثالت عليها صبرة أخرى، فإن البيع يبطل.
والثاني – ولم يذكر الشيخ أبو حامد سواه -: أنه لا يبطل، فعلى هذا إن طالب البائع المشتري بالقطع فقولان: أحدهما: ينسخ البيع؛ لأن البائع يطالبه بما اشترطه، ويتعذر ذلك لحق المساكين فبطل.
والثاني: لا ينفسخ، والزكاة على المشتري، ويلزمه أن يقطع ويؤخذ منه عشر ثمرته مقطوعاً.
وإن رضي البائع بتركها، وطالب المشتري بقطعها، ففي هذه الحالة أيضاً قولان: أحدهما: ليس له، وهو الصحيح؛ لأن القطع لحق البائع وقد رضي؛ فلا يجوز لأجل المساكين.

والثاني: له؛ لأنه اشتراها بهذا الشرط فلعل له غرضاً.
أمَّا إذا أُبيعت الثمار مع أصولها، فإنه يصح البيع من غير شرط؛ لقوله - عليه السلام -: "مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبْرَتْ فَثَمَرتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتِرطَهَا الْمُبْتَاعُ"، ثبت النخل بالنص، وقيس ما في معناه عليه؛ لأنها أصول يتكرر حكمها، فجاز بيعها كالنخل.
وبيعُ البطيخ والقثاء والباذنجان مع الأصول لا يكفي عند الغزالي وإمامه، وخرج الرافعي وجهاً في الاكتفاء به عن شرط القطع.
ولو باع الثمرة وحدها على أصولها بعد قطع الأصول جاز من غير شرط القطع.
فروع: إذا باع بعض الثمرة مشاعاً على رءوس الأشجار قبل بدوّ الصلاح لم يصح؛ بناءً على امتناع القسمة في ذلك، أمَّا إذا جوزنا القسمة جاز، ولو باع نصفها مع نصف النخل جاز.
ولو كانت الثمرة والشجرة بين شخصين، فباع أحدهما نصيبه من الثمرة لصاحبه بنصيبه من الشجرة - لم يجز مطلقاً، ويجوز بشرط القطع، ومثل هذا [الخلاف] يجري في الأرض المزروعة.
قال الإمام في أواخر كتاب "الصلح": "قال الأصحاب: ولا يتصور شراء نصف زرع بشرط القطع، إلا في صورة واحدة، وهي كما ذكرنا في الثمرة".
ثم قال: "وهذا فيه نظرٌ، وقد منع طائفة من المحققين البيع في هذه الصورة أيضاً؛ فإن تفريغ الأرض من الزرع لا يجب بقطعه كذا، وإذا شرطه لا يجب الوفاء به؛ فيبقى بقدر استحقاق القطع، ثم الذين قالوا بالصحة بناءً على تفريغ الأرض، فلست أري ما قولهم في أن شرط التفريغ هل يجب الوفاء به أم لا؟ هذا محتمل من جهة أن هذا ليس في المعقود عليه من الزرع، وإنما هو في بيع حصته من الأرض".
قلت: وما ذكره في الزرع بعينه يتجه جريانه في الثمرة.
قال: "فإن بدا صلاحها جاز بيعها مطلقاً"، وبشرط القطع، وبشرط التبقية"، أمَّا

إذا باع بشرط القطع فدليل جوازه الإجماع، وأمَّا في الباقي؛ فلأنه – عليه السلام – في حديث ابن عمر جعل غاية النهي بدوّ الصلاح، والحكم بعد الغاية مخالف لما قبلها، فلمَّا امتنع ذلك قبل بدوّ الصلاح [تعين جوازه] بعده.
قال الرافعي: "ولا فرق في ذلك بين أن تكون الأصول للبائع، أو للمشتري، أو لغيرهما".
قلت: وفيما إذا كانت الأصول للمشتري وباع بشرط القطع، نظرٌ يظهر لك فيما إذا باع ما لم يَبْدُ صلاحه من صاحب الأصل.
قال: وبدوّ الصلاح أن يطيب أكله – أي: المعتاد [فيأخذ الناس منه]، فثمرة النخل وإن كان أكلها طلعاً، وبلحاً [واقعاً] فلا عبرة به، [بل لابد من احمرارها واصفرارها، وثمرة الكرم وإن كانت تؤكل حِصْرِماً فلا عبرة به]، بل لابد من تموُّه الأبيض منها بالحلاوة، وشروع ما يسوّد منها أو يحمر في التلون.
والخيار والقثاء ونحوه، وكذا الباذنجان، وإن طاب أكله في حال صغره، فلابد من أن ينتهي إلى حالة يأخذ الناس في أكله.
ولو قيل في حَدّ بدوّ الصلاح: صيرورته إلى الصفة التي تطلب غالباً لكونها على تلك الصفة؛ حتى يدخل فيه ما قاله البغوي: إنَّه لا يجوز بيع ورق التوت قبل تناهيه إلاَّ بشرط القطع – لكان أشمل.
وقد جعل الماوردي بدو الصلاح ثمانية أقسام: أحدها: اللون، وذلك في النخل بالاحمرار والاصفرار، وفي الكرم بالحمرة، أو السواد، أو الصفار والبياض، وفي المشمش بالصفرة، وفي العناب بالحمرة، وفي الإجَّاص بالسواد، وفي التفاح بالبياض، وأمثال ذلك.
الثاني: بالطعم، ومنه ما يكون بالحلاوة كقصب السكر، ومنه ما يكون بالحموضة كالرمان.
الثالث: بالنضج واللبن كالتين والبطيخ.
الرابع: بالقوة والاشتداد كالبر والشعير.
الخامس: بالطول والامتلاء كالعلف والبقول والقصب.

السادس: بالعِظَم والكِبَر كالقثاء والخيار والباذنجان.
السابع: بانشقاق كِمَامِهِ كالقطن والجوز، فإذا تشقق كمام القطن، وسقطت القشرة العليا عن جوز الأكل فقد بدا صلاحه.
الثامن: بانفتاحه، وانتشاره كالورد والنيلوفر وورق التوت بدو صلاحه أن يصير كأرجل البط.
ثم قال: هكذا قال عطاء والنخعي.
والأصل في اعتبار ما أشرنا إليه: ما روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشْقِحَ، قِيلَ: وَمَا تُشْقِح؟ قَالَ: تَحْمَارُّ، وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا".
وما روى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسودّ، وعن بيع الحب حتى يشتد، فأشار - عليه السلام - إلى ذلك في هذه الأنواع؛ لعمومها عندهم في ذلك الوقت، وفيه تنبيه على ما عداها.
قال: وإذا وجد ذلك في بعض الجنس في البستان -أي: ولو في ثمرة واحدة، كما قاله في "المرشد" - "جاز بيع جميع ما في البستان من ذلك الجنس" دفعاً للضرر؛ فإنا لو اعتبرنا بدو صلاح الجميع أدى إلى تلف السابق، ولو شرط بيعه أولاً فأولاً أدى إلى أن يباع رطبه برطبه؛ فإن الله - تعالى - جعل كمال التفكه به عدم طِيبِه جملة واحة.
ثم كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون ما لم يبد صلاحه من نوع ما بدا صلاحه، أو من غير نوعه، اشتمل العقد على الجميع أو على ما بدا صلاحه أو غيره، اتحد مالك البستان أو اختلف، والحكم في ذلك - وفاقاً وخلافاً - كالحكم الذي ذكرناه في التأبير سواءٌ، صرح بذلك الرافعي والماوردي وغيرهما.
لكن حكينا ثَمَّ فيما إذا اختلف النوع أن الصحيح في "تعليق" أبي الطيب: أنه كالنوع الواحد، وحكينا عن ابن خيران أنه كاختلاف الجنس، والمحكي في "تعليق"

أبي الطيب هنا أن المذهب الصحيح – وهو الذي ذكره القاضي أبو حامد في "الجامع"، ونصَّ عليه الشافعيّ في البويطي -: أن بدو الصلاح في نوع لا يكون بدو الصلاح في النوع الآخر، وأن أبا علي بن خيران، والطبري قالا: "إنه يكون بدو الصلاح [في سائر الأنواع]؛ كما يضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة"، ثم نقض [ما عللا به] بأن الشافعي نص على أن بدوَّ الصلاح [في الثمرة الصيفيَّة لا يكون بدوًّا] في الثمرة الشتوية، وإن كانت تضم إليها في الزكاة، ولا يمكن حمل ما قاله القاضي أبو الطيب هنا عن المذهب على ما إذا أفردها بالعقد؛ فإن الصحيح في نظيره من التأبير أنه لا يصح أيضاً؛ لأنه حكى [ذلك] في فصل بعده، وحكى فيه وجهين، وأنَّ أصحهما: أنه لا يجوز أيضاً.
قال: "ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع"؛ لما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نَهَى عَنْ بَيْع النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَامَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ".
وهذا فيه إشارة إلى العلة المجوِّزة لبيعه بشرط القطع؛ فإن معه [قد أمن من العاهة].
أمَّا إذا زالت الخضرة عنه، وبدا صلاحه كما ذكرناه فيجوز بيعه مطلقاً، ويشترط القطع بشرط التبقية إلى أوان الحصاد؛ لِمَا دلَّ عليه خبر أنس أنه – عليه السلام -: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ".
وحكم أصول البطيخ والباذنجان ونحوهما عند الغزالي حكم الزرع؛ فلا يجوز إلا

بشرط القلع إذا بيعت دون الأرض، والذي ذكره العراقيون وغيرهم: أنه يجوز، ولا حاجة إلى شرط القلع إذا لم يخف اختلاط ثماره، على ما حكاه الرافعي.
قال: فإن باع الثمرة قبل بدو الصلاح من صاحب الأصل، أو الزرع الأخضر من صاحب الأرض – جاز من غير شرط القطع؛ كما لو باع الأصل، وعليه الثمرة، أو الأرض بزرعها، وفيه وجهٌ: أنه لا يصح؛ لعموم النهي، وبالقياس على ما لو باع ذلك من غيرهما، وإنما جاز بيعهما جميعاً للتبعية، كما قلنا في عروق الأشجار وأساس الحيطان، ولا تبعية هاهنا، وهذا ما اختاره ابن أبي عصرون، وصححه في النخل القاضي أبو الطيب والمحاملي، والجمهور على ما حكاه الرافعي، وفي الزرع القاضي أبو الطيب في كتاب "الصلح"، وفي شرح ابن التلمساني: [أن] الأكثرين على ترجيح الأول؛ لانتفاء الغَرَرِ وتمام التسليم فيه، وأنهم ضعفوا الثاني بأنه لو شرط القطع لم يجب عليه أن يقطع ثمار نفسه عن أشجاره.
فروع: لو باع نصف الثمرة من نصف الشجرة هل يجوز؟ فيه وجهان ينبنيان على اشتراط القطع، ويلاحظ فيه أيضاً امتناع القسمة.
آخر: لو باع الزرع قَصْلاً بشرط القطع، ثم باع الأرض منه قبل القطع، فهل يسقط عنه القطع؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين في باب "بيع الطعام".
قال: "ولا يجوز بيع الباقلاء الأخضر في قشرته، ولا الجَوْز واللَّوز في قشرته" –أي: رطباً كان أو يابساً – على أصوله أو على الأرض؛ لاستتار المقصود

من ذلك بما ليس من صلاحه، وفي الباقلاء واللوز قولٌ أنه يجوز [بيعهما في قشرهما ما داما رطبين؛ لتعليق الصالح به] من حيث إن القشر الأعلى يصون الأسفل، ويحفظ رطوبة اللب، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القاص والإصطخري، والماورديُّ عن البصريين.
وقد ألحق غيرهم الجوز الأخضر بهما، وأجرى هذا القول فيه، وادعى الإمام أنَّه الأظهر في الباقلاء؛ لأنَّ الشافعيَّ أمر بعض أعوانه بأن يشتري الباقلاء الرطب والعون هو الربيع وكان الثمن كِسْرة على ما حكاه القاضي الحسين، وجزم به في اللَّوز، وجعله المذهب في الباقلاء.
ويجري الخلاف المذكور في الرانج الذي عليه قشران، ولو بيع اللوز في القشرة العليا قبل انعقاد السفلى جاز؛ لأنه مأكول كله كالتفاح، ولا نزاع في جواز بيع الجميع في القشر الأسفل، وكذا كل ما عليه كمام لا يزال إلاَّ عند أكله كالرمان [والموز ونحوهما؛ لأن قشره من مصلحته، وألحق به العلس في قشرته، ولا نزاع في امتناع بيع الجوز واللوز] والباقلاء فيحال الجفاف في قشرته، وحكى القاضي الحسين في "التعليق" في الجوز واللوز قولاً مخرجاً من الحنطة: أنه يجوز، وفي "التتمة" تخريج ذلك على بيع الغائب.
وعلى المذهب، إذا قيل: الجوز واللوز المقصود منهما وهو اللب مستتر بالقشرة السفلى لا يظهر منها، وقد جوزتم البيع، فوجب أن يجوز في القشرين؛ إذ ليس فيه أكثر من المنع من المشاهدة، وما لم تكن رؤيته شرطاً لم يقع الفرق فيه بين أن يكون مستوراً بحائل أو حائلين كالمنكوحة.
فجوابه – ما حكاه الماوردي -: أن القشر الأسفل من مصلحته، وفي رؤيته تنبيهٌ على جودته ورداءته، بخلاف الأعلى فإنه بمنزلة نور حائل.

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل