كتاب الأيمان
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الزهري: وهذا القول أكثر، وبه] قال الأزهري.
وقال الجوهري: هي مشتقة من "السِّر" وهو: الجماع، أو من "السر" وهو الإخفاء؛ لأنه يخفيها من زوجته، ويسرها – أيضاً- من ابتذال غيرها من الإماء.
وقيل: هي مشتقة من" السَّراة" وهو: الظهر.
وقيل من السري، وهو الرفيع النفيس.
ويقال: تسررت جارية، وتسريت؛ كما قالوا: تظننت وتظنيت من "الظن".
والتحصين: أن يمنعها من الخروج والتبذل والانكشاف الذي تفعله غير السرية.
إذا فهم ذلك فالخلاف المذكور مأخذه الاختلاف في أن ذلك مشتق من ماذا؟ فالقول الأول، وهو الذي نص عليه الشافعي في "الإملاء": مأخذه قول من قال: إن ذلك مشتق من "السرور"، وهو لا يحصل إلا بما ذكرناه، واستدل له ابن الصباغ بأنها تسمى: سرية بما ذكرناه بالإجماع؛ فمن ادعى ثبوت الاسم لها قبل ذلك احتاج إلى الدليل.
والوجه الثاني مأخذه قول من قال: إنه مشتق من "السَّريِّ"؛ فكأنه حلف: ألا يجعلها أسرى الجواري، وهذا لا يحصل إلا بالتحصين والوطء.
والوجه الثالث مأخذه قول من قال: إنه مشتق من "السر" أو من "السراة"؛ فكأنه حلف لا يتخذها ظهراً، والجارية لا تتخذ ظهراً إلا بالوطء.
ومن الأصحاب من حكى وجهاً آخر في أنه يحنث بالوطء والإنزال؛ لأن التسري في العرف اتخذا الجارية؛ لابتغاء الولد، وذلك موقوف على الوطء والإنزال.
ويشبه أن يكون مأخذه قول القائل بأنه مشتق من "السرور"؛ لأن السرور يحصل بذلك، وقد قيل: إن هذا الوجه هو المنصوص.
قال: وإن قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى القاضي فلان، ولم ينو أنه يرفع إليه وهو قاض، فعزل – أي بعد التمكن من الرفع إليه، ثم رفع إليه، أي: ومات ولم يولَّ، فقد قيل: يحنث؛ لأنه علق اليمين بعين موصوفة بصفة وتمكن من الإتيان بالمحلوف عليه، فلم يفعله حتى زالت الصفة؛ فيحنث؛ كما لو حلف: ليأكلن هذه
الحنطة، فأكلها بعد طحنها.
قال: وقيل: لايحنث؛ لأنه علق اليمين على العين، وذكر "القاضي" [تعرضاً] لاشرطاً؛ فأشبه ما لو قال: لا دخلت دار زيد هذه، فدخلها بعدما باعها؛ فإن يمينه تنحل؛ فكذلك هاهنا.
وشبه ابن الصباغ والمتولي هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا حلف: لا يكلم هذا الصبي، فصار شاباً.
لكن الراجح هاهنا – على ما اختاره القاضي الروياني والعمراني – القول الثاني، والراجح في مسألة الصبى عدم الحنث؛ على ما دل عليه كلام الأصحاب، ومقتضاه عدم حصول البر في مسألتنا.
أما إذا لم يتمكن في حال ولايته من الرفع إليه؛ بأن حبس أو مرض، ولم يقدر على الإرسال إليه، أو جاء إلى باب القاضي، فحجب عنه – فإن قلنا: عند التمكن [لا يحنث، فهاهنا أولى، وإن قلنا بحنثه عند التمكن] فالعزل قائم مقام الموت في هذا الغرض.
ولو مات القاضي، والحالة هذه، كان في الحنث القولان في حنث المكره.
ولو لم يرفع إليه، لكنه بادر عند الرؤية إلى الرفع إليه، فمات القاضي قبل الوصول إليه – ففي الحنث طريقان:
أحدهما عن الشيخ أبي حامد: طرد القولين، وطردهما المحاملي – أيضاً – فيما إذا مات الحالف [قبل الوصول إليه.
والمذكور في "التتمة" و"التهذيب": الجزم] بعد الحنث.
ولو نوى أنه يرفع إليه وهو قاض؛ فالحكم كما ذكرناه تفريعاً على الوجه الأول.
قال: وإن قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى القاضي، حمل على قاضي ذلك البلد من كان؛ لان التعريف بالألف واللام يرجع إليه.
ومن الأصحاب من جعل الألف واللام للجنس، ولم يخص يمينه بقاضي البلد.
وعلى الأول هل يتعين قاضي البلد في الحال فإنه المعهود، أو من ينصب بعده في البلد يقوم مقامه؟ فيه وجهان، ويقال: قولان، أشبههما – وينسب إلى أبي حامد، وهو الذي أورده البغوي، ويقتضيه إيراد الشيخ -: الثاني، حتى لو عزل من كان قاضياً وولى غيره بر بالرفع إليه، ولا يبر بالرفع إلى الأول.
وعلى الأول: هل الاعتبار بحال اليمين أو بحال رؤية المنكر؟ فيه وجهان محكيان في "التتمة".
ولو قال: لا رأيت منكراً إلا رفعته إلى قاضٍ، بر برفعه إلى أي قاض كان.
فروع:
لو كان في البلد قاضيان، وجوزناه، فرفع إلى أحدهما – بر.
ولو رأى المنكر بحضرة القاضي المرفوع إليه، قال في "الوسيط": لا معنى للرفع إليه.
ولو رآه بعد اطلاع القاضي عليه ففيه وجهان:
أحدهما: أنه كان البر بغير اختياره كما لو رآه معه؛ فيكون على القولين.
والثاني: أنه يبر بالإخبار وصورة الرفع، وهذا أظهرن وبه أجاب صاحب "التهذيب"، وهو الذي أورده المتولي فيما إذا رأى المنكر والقاضي يشاهده.
تنبيه: لا يشترط في الرفع إلى القاضي المبادرة عند الرؤية، بل له مهلة مدة عمره وعمر القاضي.
ولا يشترط فيه أن يذهب إليه مع صاحب المنكر، بل يكفي أن يحضر عند القاضي وحده ويخبره، أو يكتب إليه بذلك، أو يرسل رسولاً فيخبره.
قال: وإن حلف: لا يكلم فلاناً حيناً أو دهراً أو حقباً أو زماناً، بر بأدنى زمان؛ لأن "الحين" مبهم ينطلق على القليل والكثير، عند الشافعي، وأقل ما قاله غيره: أنه يوم، على ما حكاه صاحب "التهذيب".
واستدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى آخرها [الروم: 17، 18] وأراد: أقل من يوم، وقال
تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] يعني: يوم القيامة، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:1] يعني: تسعة أشهر من مدة الحمل.
وقيل: هي أربعون سنة، إشارة إلى آدم – عليه السلام – أنه صور من حمأ مسنون وطين لازب، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة.
وإذا اختلف المراد في هذه المواضع نزل على القدر المشترك وهو مطلق الزمان.
وإنما بر فيما عدا الحين مما ذكرناه بأدنى زمان.
وكذلك إذا قال: أحقاباً؛ لأنها أسماء مبهمة تطلق على قليل الزمان وكثيره، ولم يرد فيها نص فيتبع، والقياس لا مجال له فيها؛ فبر بما ينطلق عليه الاسم.
ولو حلف: لا يكلمه مدة قريبة أو بعيدة بر بأدنى زمان.
ولو حلف: ليقضين حقه إلى أيام، قال جماعة من جملتهم المحاملي: إن ذلك بمنزلة ما لو حلف: ليقضين حقه إلى حين؛ فيبسط على مدة العمر.
وفي "المجرد" للقاضي أبي الطيب: أن في مسألة الأيام يحمل على ثلاثة أيام؛ لأنه لفظ جمع، وعلى هذا جرى الصيدلاني وصاحب "التهذيب".
تنبيه: الحقب – بضم الحاء، وضم القاف وسكونها -: هو الدهر، وجمعه: أحقاب؛ كذا قاله أهل اللغة.
قال: وإن حلف: لا يستخدم فلاناً، فخدمه وهو ساكت – لم يحنث؛ لأن الاستخدام: طلب الخدمة، ولم يوجد.
قال: وإن حلف لا يتزوج، أو لا يطلق، فوكل فيه غيره حتى فعله- لم يحنث؛ لأنه حلف على نفسه، ولم يتحقق.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون ممن جرت عادته بالتوكيل في ذلك أو لا.
ويلتحق بهاتين الصورتين ما لو حلف: لا يعتق؛ فوكل غيره فيه، ففعله.
وحكى المتولي في مسألة التزويج وجهين في الحنث، والمذكور منهما في "التهذيب" الحنث.
وفي "الحاوي": أنه إن كان ممن جرت عادته بالتوكيل كالسلطان، فإذا حلف: ألا ينكح أو لا يطلق، أو لا يعتق، فوكل به – فهل يعتبر حكم عادته؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يعتبر؛ لأنه إذا باشر ذلك لم تستنكره النفوس ولا تستقبحه له.
والثاني: أنه يعتبر؛ لما سنذكره في البيع.
فعلى هذا: لا يحنث قولاً واحداً، وعلى الأول: في حنثه ما سنذكره من الخلاف في البيع.
فرع: لو حلف: لا يتزوج، فتوكل من غيره في التزويج – قال الرافعي: قضية الوجه الصائر [إلى حنثه فيما إذا حلف لا يتزوج، فوكل من قبل له: ألا يحنث، وقضية الوجه الصائر إلى] عدم الحنث: أن يحنث، والأول هو الذي أجاب به الإمام، وحكى قطع الأصحاب به في الطرق، ثم قال: وذكر الصيدلاني ما يخالف هذا صريحاً، وهو أنه قال: لو قال: لا أكلم امرأة تزوجها زيد، فقبل له زيد نكاح امرأة، فكلمها الحالف – حنث.
ثم خطأه فيه.
قال: وإن حلف: لا يبيع، أو: لا يصرف، فوكل فيه غيره حتى فعل – لم يحنث في أظهر القولين، وهو المنصوص عليه في "المختصر"،وعليه الأكثر؛ لما قلناه في التزويج.
قال: وفيه قول آخر: أنه إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه، أي: كالسلطان ومن
قاربه في رتبته، حنث؛ حملاً لليمين على العرف؛ كما حملت على العرف في الحلف على أكل الرءوس.
وهذا ما رواه الربيع، وهو مطرد – على ما حكاه المتولي – فيما إذا حلف: لا يزوج ابنته، وهو من ذوي المروءات.
ومن قال بالأول أجاب عن مسألة الرءوس بأن العرف فيها عام؛ فكان حقيقة عرفية نزلت اليمين عليها، والعرف في مسألتنا خاص بالحالف، ومثل ذلك لا تنصرف اليمين إليه؛ ألا ترى أن الملك لو حلف؛ لا يأكل الخبز، لا يلبس الثوب، فأكل خبز الذرة، ولبس عباءة –حنث، وإن لم يكن ذلك عادته؟!
فروع:
قال في "التهذيب": لو حلف: ألا يبيع ولا يشتري، فاشترى لغيره شيئاً بالوكالة- حنث.
ووافقه المتولي فيما إذا حلف [لا يبيع] شيئاً، فباع للغير بالوكالة أو الولاية أنه يحنث.
وقال الغزالي: إن أضاف العقد إلى موكله، لم يحنث، وإن لم يضفه ونوى – حنث؛ على أظهر الوجهين.
ولو حلف: لا يحلق رأسه، فأمر غيره فحلقه – فقد قيل: في حنثه القولان، وقيل: يحنث قولاً واحداً، وبه أجاب الماوردي، وطرده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر، دون المباشرة من جميع الناس: كقوله: والله لا احتجمت، أو: افتصدت، أو: لا بنيت داري.
وفي "الرافعي": إلحاق الحلف على البناء بالحلف على الضرب، وهو الأشبه؛ لأن ذلك [لا] يختلف باختلاف الناس.
ولو حلف: لا يحلق عانته، فأمر من يحلقها – لم يحنث؛ لأنه لم تجر العادة بأن يفعله الغير.
ولو حلف: لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً، لم يحنث، وكذا لو حلف: لا يبيع بيعاً فاسداً، لم يحنث، حكاه الفوراني في كتاب العتق، وحكى خلاف المزني فيه، وعزي الرافعي عدم الحنث إلى الصيدلاني والروياني.
وفي "النهاية" هاهنا: أنه لا وجه عندنا إلا القطع بأنه يحنث كصورة البيع.
وحكى فيما إذا حلف: لا يبيع الخمر، وجهاً: أنه يحنث، وكذلك فيما إذا حلف: لا يبيع مال فلان بغير إذنه، أو: لا يبيع مال زوجته، فباع بغير الإذن، والمذهب: أنه لا يحنث فيهما.
فائدة: قال في "التتمة": إذا حلف: لا يشتري، فأسلم في شيء أو قبل التولية أو التشريك – حنث، بخلاف ما لو صالح من الدين على عين؛ لأن لفظ "الصلح" غير موضوع للتمليك، وإنما هو موضوع للإسقاط والرضا بترك الحق، والتولية والتشريك موضوعان لنقل الملك؛ فأشبها البيع، والذي اختاره –في الصلح – حكاه الإمام عن الصيدلاني واختار خلافه، وقال: لو أخذ طعاماً عن أجرة دار فلست أراه مشترياً، وحكى إن الإقالة وإن قلنا: إنها بيع، لا تندرج تحت اسم "البيع"؛ لأن ذلك من طريق الحكم، وكذلك في القسمة إذا قلنا: إنها بيع.
قال: وإن حلف: ليضربن عبده مائة سوط، فشد مائة سوط، وضربه بها ضربة واحدة، وتحقق أن الجميع أصابه-بر؛ لأن الله تعالى – قال لأيوب – على نبينا وعليه السلام – وقد حلف: ليضربن امرأته مائة خشبة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾
، ولأن الضرب بالمائة قد حصل؛ فوجب أن يبر في يمينه؛ كما لو فرقه.
ثم المراد بتحقق إصابة الجميع: أن يتحقق وصول ألم الجميع إليه، وإن كان البعض حائلاً بين بدنه وبين البعض الآخر؛ كما لو حال بين بدنه وبين السياط الثوب، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ [ص: 44] والغالب أن قضبان الضغث لا تنبسط، وذلك يدل دلالة ظاهرة على أن المماسة بالجميع ليست بشرط.
وفيه وجه: أنه لابد من ملاقاة الجميع بدنه أو ملبوسه، ولا يكفي التحامل ووصول الألم.
فرع: لو ضربه بعثكال فيه مائة شمراخ، ظاهر كلام البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي: أنه يبر.
وفي "الوسيط" وغيره: أن ذلك لا يكفي على الصحيح؛ لأنها من جنس الأخشاب، لا من جس السياط.
قال: وإن لم يتحقق – بر؛ لقوله – تعالى-: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44] فأثبت الضرب ونفي الحنث من غير اشتراط [أمر آخر]، ولأن عدم الإصابة وعدم حصول البر أصلان متقابلان، لا مزية لأحدهما على الآخر؛ فترجح حصول البر بأن الظاهر الإصابة.
وحكى المراوزة قولاً مخرجاً من نصه فيما إذا حلف: لا يدخل الدار إلا أن يشاء زيد، فمات زيد، ولم يدر هل شاء أم لا، ودخل؛ فإنه يحنث، وهذا ما صار إليه المزني على ما حكاه في "المهذب" وغيره، وقال الجيلي: إن الروياني اختاره.
واعلم أن عدم التحقق يصدق مع وجود الظن بالإصابة ومع الشك فيها، وقد حكى ابن يونس: أن كلام الشيخ شامل لهما، وجعل محل خلاف المزني حالة الشك، وحكى البندنيجي وابن الصباغ النص بعدم الحنث فيما إذا غلب على ظنه حصول الإصابة.
وألحق البندنيجي حالة الشك بما إذا تحقق عدم الإصابة، والحكم فيها: أنه لا يبر.
وصور في "المهذب" و"التهذيب" والرافعي والغزالي المسألة بحالة الشك، وسكتوا عن حالة الظن، ولعل مرادهم: الاصطلاح المتقدم من أن الشك هو التردد، لا على السوية.
واعلم أن النواوي تكلم في هذه المسألة، وقال: إنها مما اضطربت فيها النسخ، والصواب فيها: أن قول الشيخ: "وإن لم يتحقق لم يبر"، وهو الذي ضبطناه عن نسخة المصنف، وحققناه على المتقنين، وكونه لا يبر هو مذهب المزني، ونص الشافعي: أنه يبر، ولا يضر كون المصنف اختار القول المخرج، وترك المنصوص؛ فقد يفعل الأصحاب مثل هذا.
وأما قوله: والورع أن يكفر، فمعناه: الأولى ألا يضربه ليبر، بل يكفر عن يمينه.
هذا آخر كلامه.
قلت: إن صح ما ذكره عن نسخة المصنف فالوجه أن يحمل قوله: "وإن لم يتحقق"، على حالة الشك؛ فإنه لا يبر فيها عند العراقيين كما حكيناه عنهم، وهو أهون من مخالفة المذهب.
وأيضاً: فإن محل خلاف المزني – على ما حكاه ابن يونس، والشيخ في "المهذب"، والرافعي، والغزالي – حالة الشك، وإن كان ابن الصباغ حكاه في حالة غلبة الظن بالإصابة، والله أعلم.
قال: والورع أن يكفر؛ لاحتمال عدم الإصابة.
قال الجيلي: وهذا لم يتعرض له الشيخ في كتاب "المهذب"، ولا أحد سوى صاحب "الحلية"، ولعل وجهه أن يقال: إن إعادة الضرب زيادة في التعذيب.
وفي "التهذيب" حكاية عن النص: أن الورع أن يحنث نفسه.
قال: وإن حلف: ليضربنه مائة ضربة، فضربه بالمائة المشدودة دفعة واحدة، أي: وتحقق أن الجميع أصابه – فقد قيل: يبر؛ لأنه حصل بكل سوط ضربة؛ بدليل أنه يجزئ في حد الزنى، وإذا كان كذلك فقد تحقق البر.
قال: وقيل: لا يبر؛ لأن الكل يسمى ضربة واحدة؛ بدليل ما لو رمى في الجمار سبع حصيات دفعة واحدة؛ فإنه لا يحتسب له سبع حصيات، وصار هذا كما لو قال: مائة مرة؛ فإنه لا يبر ما لم يضربه مائة ضربة، وهذا هو الأظهر، وهو الذي أورده الصيدلاني، والفرق عند قائله بين هذه وبين المسألة الأولى: أنه ثم جعل العدد للأسواط وهي متعددة، وهاهنا جعل العدد للضربات؛ فلابد من تعددها.
وعنده – أيضاً -: أنه لابد من تواليها حتى تقع الضربة بعد الضربة حتى تتنجز الضربات المذكورة، قاله الإمام وغيره.
قال: وإن حلف: لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر كثير، فأكله إلا تمرة – ولم يعرف أنها المحلوف عليها – لم يحنث؛ لاحتمال أنها غير المحلوف عليها والأصل فراغ ذمته من الكفارة.
قال: والورع أن يكفر؛ لاحتمال أنها المحلوف عليها.
وهذا الحكم ثابت فيما لو ضاع من الجميع تمرة، ولم يعرف أنها المحلوف عليها.
قال: وإن حلف: لا أكلت رغيفين، فأكلهما إلا لقمة – لم يحنث؛ لأن اليمين تعلقت بالجميع؛ فلم يحنث بالبعض.
وهكذا الحكم فيما لو حلف: لا يأكل خبز الكوفة، فأكل بعضه، لم يحنث؛ على ما حكاه القاضي أبو الطيب في "المجرد".
واعلم أن تقييد الشيخ الترك بلقمة يحترز به عن الفتات الذي لا يمكن جمعه؛ فإنه يحنث به.
وقد أطلق القاضي الحسين القول بأنه إذا أكل الرغيف إلا فتاتاً: فإنه لا يحنث، وحمله الإمام على ما إذا تفتت قطعة تُحَس ويحصل لها موضع.
قال: وربما ضبط ذلك بأن تسمى قطعة خبز، فأما ما يَدِقُّ مدركه فلا نظر له في بر ولا حنث.
وهذا مقوع به عندي في حكم العرف، وقد حكى ذلك الرافعي في فروع الطلاق.
فرع: لو قال: لا آكل اليوم إلا رغيفاً، ثم فاكهة-حنث.
وكذا لو قال: لا أكلت أكثر من رغيف، فأكل خبزاً بأدم – حنث، حكاه الرافعي في الفروع أيضاً.
قال: وإن حلف: [لا أكلت] هذه الرمانة، فأكلها إلا حبة- لم يحنث؛ لما ذكرناه.
قال الإمام: وقد يقول القائل في العرف: أكلت رمانة، وإن فاتته حبة، لكن من قال: إنه لم يأكل رمانة، لا يعد حائداً عن ظاهر الكلام، فإذن العرف متردد والوضع يقتضي عدم الحنث؛ فلا وجه للحكم بالحنث.
قال: وإن حلف: لا يشرب ماء الكوز، فشربه إلا جرعة- لم يحنث؛ لما ذكرناه.
والحكم في الحلف على شرب ماء الصهريج الكبير وما في معناه مما يمكن شربه مع طول الزمان، كالحكم في الحلف على شرب ماء الكوز.
فإن قيل: لو حلف: لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل بعضه- حنث] على أحد الوجهين؛ فهلا جرى مثله هاهنا؟
قلنا: الفرق بينهما ما حكاه الماوردي: أن الماء في الكوز أو الحب مقدار ينطلق على جميعه، ولا ينطلق على بعضه [؛ فلذلك لم يحنث بشرب بعضه]، وشراء زيد الطعام صفة تنطلق على بعضه كما تنطلق على جميعه؛ فلذلك حنث بأكل بعضه.
ثم تصوير الشيخ المسألة بترك الجرعة يحترز به عن البلل الباقي الذي لا يمكن شربه؛ فإنه يحنث وإن بقي.
تنبيه: الجرعة: بكسر الجيم وفتحها؛ قاله ابن السكيت.
ويقال: جرعت الماء، بكسر الراء على المشهور.
وحكى الجوهري أيضاً فتحها.
فرع حكاه الماوردي: لو شك: هل ذهب من الكوز قطرة ماء بعد حلفه أم لا، وشرب الموجود – فهل يحكم بحنثه؟ فيه وجهان.
قال: وإن حلف: لا يشرب ماء النهر، لم يحنث، أي: وإن شرب منه، وهو قول أكثر الأصحاب، ومنهم أبو إسحاق؛ لأن يمينه توجهت إلى شرب جميعه؛ لأنه عقدها على ماء النهر، ولم يطلق؛ فصار النهر مقداراً له كالإداوة.
قال القاضي أبو الطيب: وعلى هذا ينبغي أن يقال: لا تنعقد يمينه؛ كما لو حلف: لا يصعد السماء.
وقد حكى ابن يونس هذه المقالة عن القاضي الحسين، وفي هذا القياس نظر؛ لأنا قد حكينا أنها تنعقد على الأصح.
قال: وقيل: يحنث بشرب بعضه، وهو ما ذهب إليه ابن سريج وابن أبي هريرة؛ لأنه لما استحال شرب جميعه صارت اليمين معقودة على ما لا يستحيل؛ لأن تغير اليمين بعد العقد لا نراه؛ ألا تراه لو قال: والله لا شربت الماء، حنث بشرب ما قل منه، وإن كان دخول الألف واللام يقتضي استيعاب جميعه؛ لأنه لما كان شرب جميعه؛ لأنه لما كان شرب جميعه من المستحيل حمل على شرب ما لا يستحيل، كذلك ماء النهر.
وهذا أصل مطرد عبر عنه الإمام في كتاب الطلاق عند الكلام في الحيض بأن اللفظ إذا تردد على وجه يحتمل الاستحالة ويحتمل إمكاناً، فمن الأصحاب من لا يبعد الحمل على الاستحالة، ومنهم من يوجب الحمل على الإمكان، فمن الأصحاب من لا يبعد الحمل على الاستحالة، ومنهم من يوجب الحمل على الإمكان؛ حتى لا يلغو اللفظ؛ فإن التعرض للاستحالات يكاد أن يكون كالهزل.
ومن هذا الأصل ما إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالق.
وأجاب من خالفهما عن ذلك بأن الألف واللام تستعمل لاستيعاب الجنس تارة، وللمعهود أخرى، وهو حقيقة فيهما، فإذا استحال استيعاب الجنس حمل على المعهود، وهو حقيقة فيه، [وفارق] "ماء النهر": [لأن] الاسم حقيقة في جميعه ومجاز في بعضه، ولا يصار إلى المجاز في الأيمان عند استحالة الحقيقة؛ ألا تراه لو حلف: لأصعدن السماء، وهو مستحيل – لم يحمل على صعود السقف، وقد يسمى: سماء؛ لأنه غير مستحيل، ووجب حمل اليمين في الصعود على الحقيقة دون المجاز؟!
كذلك في شرب ماء النهر.
فروع:
لو قال: لأشربن ماء هذا النهر، فشرب منه – بر عند ابن سريج وابن أبي هريرة، وعلى الأظهر: لا يبر، وهو حانث؛ لعجزه عن شرب الجميع، وعلى هذا: فيلزمه الكفارة على الأصح، لكن في الحال أو قبل الموت؟ فيه وجهان، أشبههما، وبه أجاب الغزالي والروياني: الأول.
لو حلف: لا يكلم الناس، حكى ابن الصباغ وغيره: أنه يحنث بكلام الواحد، [ولو حلف: لا يكلم بني آدم، فقياس ما حكاه ابن الصباغ: أنه يحنث بكلام الاوحد] منهم، وقد صرح به ابن يونس فيما إذا حلف: لا يكلم بني فلان.
وحكى الرافعي في فروع الطلاق: أن القياس أنه لا يحنث بكلام الواحد والاثنين إلا إذا أعطيناهما حكم الجمع.
ولو قال لرجلين: والله لا أكلم أحدكما، هل يحنث بكلام أحدهما؟ فيه وجهان في "الرافعي" في الإيلاء.
ولو حلف: لا يأكل هذا الرغيف وهذا الرغيف – لم يحنث إلا بأكلهما؛ كما لو قال: لا كلمت زيداً وعمراً لا يحنث إلا بكلامهما.
وفي "التتمة" فيما إذا قال: لا ألبس هذا الثوب وهذا الثوب – أنهما يمينان؛ لوجود حرف العطف؛ فلكل واحدة حكمها، ومقتضى ذلك أن يحنث إذا أكل احد الرغيفين.
وأبدى الرافعي في مسألة الثوبين توقاً، وقال: لو أوب العطف كونهما يمينين لأوجب في قوله: لا أكلم زيداً وعمراً، ولا آكل اللحم والعنب – كونهما يمينين.
قال: وإن حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، فأكل مما اشتراه زيد وعمرو، أي على الإشاعة، لم يحنث؛ لأنه ما من جزء يشار إليه فيقال: إنه اشتراه زيد دون عمرو، إلا ويقال في مقابله: لا، بل اشتراه عمرو؛ فلم يوجد في شيء منه المحلوف عليه، كذا وجهه المحاملي في "المجموع" ووجهه الماوردي بأن كل جزء من الطعام لم يختص الحالف بشرائه وإن قل، فوجب ألا يقع به الحنث؛ كما لو حلف: لا دخل دار
زيد، فدخل داراً بين زيد وعمرو- لم يحنث، بوفاق أبي حنيفة.
وفي "الإبانة" حكاية وجهين آخرين:
أحدهما: أنه يحنث.
قال الإمام: ولست أنكر دخوله تحت الإمكان في مسائل البر والحنث في الأيمان، ولكنه ليس مذهباً للشافعي.
وفي "الرافعي": أن القاضي أبا الطيب اختار هذا الوجه، ويقاربه ما حكاه في فروع الطلاق فيما إذا حلف: لا سرق ذهباً، فسرق ذهباً مغشوشاً – فإنه يحنث على المذهب.
والثاني: إن أكل أكثر من النصف حنث، وإلا فلا.
قال الإمام: وهو سخيف.
وحكى في "التهذيب" الوجوه الثلاثة لكن فيما إذا حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، إلا أن ينوي أنه لا يأكل طعام زيد أو من طعامه.
واعلم أن قضية كلام الماوردي [أن] المسألة مصورة بما إذا عقدا على طعامٍ صفقة واحدة، أما إذا عقدا عليه في صفقتين على الإشاعة، فأكل منه – حنث؛ فإنه أجاب عن [استدلال] أبي حنيفة بالشِّرَى في صفقتين مشاعاً: بأن كل جزء من أجزاء الطعام قد اشترى زيد نصفه بعقد تام؛ فوجد شرط الحنث [، وإذا كان بعقد واحد فهو مشترك؛ فلم يكمل شرط الحنث] فافترقا.
وهذا منه يدل على تسليم الحكم فيما استدل به أبو حنيفة.
قال: وإن اشترى كل واحد منهما شيئاً، فخلطاه فأكل منه –فقد قيل: لا يحنث حتى يأكل أكثر من النصف، أي: إن كان ما اشترياه متساوياً؛ لأن بما دونه لا يتحقق أنه أكل ما اشتراه زيد؛ فإذا أكل أكثر من النصف فقد تحقق أنه أكل ما اشتراه، وهذا ما ذهب إليه أبو سعيد الإصطخري؛ على ما حكاه ابن الصباغ والمحاملي والبندنيجي والرافعي وغيرهم، ولم يذكر البغوي سواه، وحكى ابن الصباغ أن القاضي أبا الطيب اختاره، وقال الإمام: هذا إشارة إلى أن الاستيقان يحصل عند ذلك، ولا ينبغي أن تستجيز عدَّ هذا من المذهب مع تحقق اليقين دونه.
أما إذا كان متفاضلاً فيعتبر على هذا الوجه أن يزيد ما أكله على المقدار الذي لغير المحلوف عليه، [ثلثاً كان أو ربعاً]، أو غير ذلك من الأجزاء.
قال: وقيل: إن أكل حبة أو عشرين حبة لم يحنث؛ لأن ما من حبة يأكلها إلا ويجوز أن تكون مما اشتراه، كما يجوز أن تكون مما لم يشتره، والأصل فراغ ذمته من الكفارة.
قال: وإن أكل كفاًّ، أي: وكان المشتري من حنطة أو نحوها- حنث؛ لأنا نتحقق أنه أكل من الطعامين؛ فإنه إذا خلط لم يتميز منه الكف، وهذا ما ذهب إليه أبو إسحاق، وهو الأصح عند ابن الصباغ والرافعي.
وقد يؤخذ مما ذكرناه من التقييد [بجريان هذا الوجه] الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة التمر.
وحكى عن ابن أبي هريرة أنه قال: لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لأنه [لا] يمكن أن يشار إلى شيء منه أنه مما اشتراه زيد؛ فأشبه ما إذا اشترياه مشاعاً.
قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنا نتحقق أنه قد أكل ما انفرد المحلوف عليه بشرائه متميزاً، وإنما لم نعرفه، بخلاف المسألة قبلها.
وفي "ابن يونس": أن القاضي أبا الطيب اختاره، وفي "الوسيط": أنه إن أكل من المختلط حنث، ولم يحك سواه؛ فإن حمل على ظاهره كان وجهاً رابعاً.
والذي يظهر: أنه محمول على ما إذا أكل منه ما يتيقن به أنه أكل مما اشتراه زيد.
وقال البصريون من أصحابنا: إن كان المأكول مائعاً حنث بأكل القليل منه، وكذا إن كان دقيقاً، وإن كان متميزاً كالتمر، فأكل أكثر من النصف حنث، وإلا فلا.
قلت: وقد يتجه جيران خلاف في المائع أيضاً؛ كما أجرى فيما إذا خلط ما لا يكفيه لوضوئه بمائع؛ فإنا لا نجوز له على رأي أن يستعمل الجميع، بل يبقى قدر المائع، وسيأتي قريب من ذلك في كتاب الرضاع.
تنبيه: قد يظهر لك من كلام الشيخ أنه لو حلف: لا يأكل طعاماً اشتراه زيد، فأكل بعضه-حنث؛ لأنه على القول الأول يحنث إذا أكل أكثر من النصف، ومعلوم
أنا لا نتحقق بذلك أكل جميع ما اشتراه زيد؛ وكذلك على الوجه الثاني، وهذا ما حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة.
وقد حكيت في هذه المسألة من قبل وجهاً عن رواية الماوردي: أنه لا يحنث بأكله، فعلى هذا: لا يجيء الوجه الأول والثاني، وإنما يحنث بأكل الجميع، وقد تحصَّلَ بذلك في المسألة خمس مقالات.
فائدة: تقدم فيما إذا حلف: لا يأكل سمناً، فأكله مع الخبز - أنه لا يحنث عند الإصطخري، وقاسه على ما إذا حلف: لا يأكل ما اشتراه زيد، فأكل ما شاتراه زيد وعمرو؛ فكيف يحسن منه الحكم بالحنث عند أكله أكثر من النصف في مسألتنا؟! وفي ذلك مخالفة لما ذكره ثَمَّ من وجهين:
أحدهما: أنه لم يحنثه في مسألة السمن؛ لأجل أنه لم يأكله منفرداً، ومقتضاه: ألا يحنثه هاهنا؛ للاشتراك.
الثاني: أنه جعل هذه المسألة أصلاً لما ذكره في مسألة السمن، وخالف فيه.
ويمكن أن يجاب عن الثاني على مقتضى هذا النقل: بأن ما قاله ثَمَّ محمول على ما إذا اشتريا على الإشاعة، ولم ينقل عن الإصطخري فيها خلاف، لكن إلحاق مسألة السمن بالمسألة الثانية أشبه؛ من حيث إن السمن متميز عن الخبز، كما أن ما اشتراه زيد متميز عما اشتراه عمرو في نفس الأمر؛ فالقياس عليها أمَسُّ، والذي يظهر أن يكون الصحيح في النقل عن الإصطخري في هذه المسألة ما حكاه الماوردي عنه: أنه لا يحنث وإن أكل الجميع؛ لموافقة ما ذكره ثَمَّ، وقد نسب ما نسب إلى الإصطخري إلى أبي إسحاق، ولم يحك القول الذاهب إلى أنه: إن أكل حبة أو كفًّا، وحكى بدله ما حكيناه عن البصريين، ثم قال: ويشبه أن يكون قول أبي علي بن أبي هريرة، والله أعلم.
فرع: لو اشترى زيد طعاماً، ثم باع بعضه وخلط؛ فأكل منه - حنث، وكذا لو باع بعضه مشاعاً، فأكل منه.
قال: وإن حلف: لا يدخل [هذه] الدار، فدخلها ناسياً، أي: لليمين، أو جاهلاً، أي: بأنها المحلوف عليها - ففيه قولان:
أحدهما- وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي، والأصح في "المهذب" و"المجموع" للمحاملي و"تعليق" القاضي أبي الطيب، وكلام ابن الصباغ يدل على ترجيحه -: أنه لا يحنث؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]؛ فكان رفع الخطأ موجباً لإسقاط الكفارة عن الخاطئ، ولما روى ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمتي عن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"؛ فكان حكم الأيمان داخلاً في عموم هذا التجاوز.
والثاني: أنه يحنث، وبه كان يفتي بعض علماء عصرنا في الناسي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]؛ فكان عقدها موجباً للمؤاخذة بالكفارة على عموم الأحوال: من عمد وخطا، وعلم وجهل.
ولأن الكفارة تطهير؛ فأشبهت طهارة الحدث؛ فإذا استوى حكم الحدث في العمد والخطأ والنسيان والذكر وجب أن يستوي حكم الحنث في ذلك.
والقائلون بالأول قالوا: في الآية إضمار، وهو: إذا عقدتم الأيمان وحنثتم، ولا يسلم الحنث.
وفي "الرافعي" حكاية طريقة في الناسي: أنه يحنث، وأن الجاهل قد يرتب على الناسي عند إجراء الخلاف فيه، وأولى بأن يحنث؛ لأن الجاهل الغالط في غروب الشمس يفطر، والناسي لا يفطرن وهذا ما ذهب إليه الإمام.
وحكى الماوردي أن شيخه أبا القاسم الصيمري قال له: ما أفتيت في يمين الناسي بشيء قط.
وحكى عن شيخه أبي الفياض أنه لم يفت فيها بشيء قط، وأنه اقتدى بها، ولا السلف، ولم يفت بها بشيء، لأن استعمال التوقي أحوط من فرطات الإقدام.
ولا فرق في جريان القولين بين اليمين بالله – تعالى – وبين اليمين بالطلاق وغيرهن وقد حكينا في كتاب الطلاق خلاف القفال في ذلك.
قال: وإن أُدخل على ظهر إنسان باختياره حنث؛ كما لو دخل على دابة.
فإن قيل: لو حلف: لا باع، ولا ضرب؛ فأمر غيره بالبيع والضرب – لم يحنث، فهلا كان في الأمر بالدخول كذلك؟
قيل: لأن البيع والضرب وإن كان عن أمره فالفعل موجود من غيره؛ فكان مثال من حلف على دخول الدار، فأمر غيره بالدخول؛ فإنه لا يحنث.
قال: وإن أكره حتى دخل بنفسه، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحنث؛ لأن ما تعلقت الكفارة به [إذا وجد بالاختيار تعلقت به] إذا وجد لا بالاختيار؛ كقتل الصيد.
وأصحهما-على ما اختاره أبو حامد القاضي والشيخ وابن كج والروياني وغيرهم -: أنه لا يحنث، ولا تلزمه الكفارة؛ للحديث السابق، وأيضاً: فإنه لو حلف مكرهاً لا تنعقد يمينه؛ فكذلك المعنى الذي يتعلق به الحنث إذا وجد على وجه الإكراه ينبغي أن يلغو، والجامع: أنه أحد سببي وجوب الكفارة، وعن أبي الطيب بن سلمة: القطع به.
قال: وإن حمل مكرهاً لم يحنث؛ لأنه لم يوجد الفعل منه، ولا الاختيار القائم مقام الفعل.
قال: وقيل: على قولين؛ لأنه لما كان دخوله بنفسه ودخوله باختياره واحداً، وجب أن يكون دخوله مكرهاً بنفسه ومحمولاً واحداً.
ولو حمل بغير إذنه، لكنه كان قادراً على الامتناع، ولم يمتنع – قال الرافعي: فالظاهر: أنه لا يحنث، وهو قضية كلام الماوردي؛ فإنه قال فيما إذا حلف وأدخل بغير أمره: إنه لا يحنث، استصعب أو تراخَى.
ومنهم من جعل سكوته بمثابة الإذن في الدخول، وهذا ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
فروع:
إذا قلنا بعدم الحنث فهل تنحل اليمين؟ ينظر: إن كان في صورة لم يتعاطَ الفعل بنفسه؟ لا تنحل وجهاً واحداً، وإن كان في صورة تعاطاه بنفسه، فالأشبه – وعليه يدل
كلام الماوردي -: أنها لا تنحل، وهو ما أجاب به الصيدلاني.
إذا نام، وتدحرج، فدخل الدار – لم يحنث، قاله البغوي، وكذا لو كان المحلوف عليه القراءة، فقرأ وهو نائم، قاله البندنيجي، وحكى أنه لو دخل مجنوناً لم يحنث.
إذا حلف: لا يبيع زيد له متاعاً، فوكَّل في بيعه، وأذن له في أن يوكل، فوكل الوكيل زيداً، فباعه – حنث، سواء علم زيد أنه متاع الحالف أو لم يعلم حكاه العمراني في "الزوائد" عن الطبري.
والظاهر: أن ما قاله محمول على ما إذا قصد التعليق، لا المنع من المخالفة، ويرشد إليه كلام الإمام، وقد تقدم نظيره في كتاب الطلاق، وسنذكر عن صاحب "التهذيب" – وغيره حكاية طريقة تدل على إجراء الكلام على ظاهره.
ولو حلف: ليطؤها الليلة، فوجدها حائضاً أو مُحْرِمة – فعن المزني أنه حكى في التعاور عن مالك: أنه لا حنث عليه، وأن النعمان والشافعي ساعداه.
واعترض بأنه ليس التحليل والتحريم من الأيمان في شيء، ومن حلف على أن يعصي، فلم يعص – حنث وإن عصى.
وقيل: إن المذهب ما قاله المزني، وهو اختيار القفال.
وقيل: هو على الخلاف في فوات البر بالإكراه، حكاه الرافعي في الفروع آخر كتاب الطلاق.
قال: وإن حلف: ليأكلن هذا الرغيف غداً، فأكله، أي: أو بعضه في يومه، حنث؛ لأن البر مقيد بزمان؛ فوجب أن يكون شرطاً فيه كالمقيد بالمكان، وإذا كان شرطاً، وقد فوته باختياره، حنث، ومتى يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو ما جعله الإمام المذهب -: بأكل شيء من الرغيف.
والثاني: في الغد، وهو ما حكاه الماوردي.
فعلى هذا: في أي وقت يحكم بحنثه؟ فيه وجهان:
أحدهما: إذا مضى منه وقت إمكان الأكل، وهو الأصح في "التهذيب".
والثاني: قبيل الغروب.
وتظهر ثمرة الخلاف – على ما حكاه الإمام – في أن الاعتبار بحالة الحنث في
صفة الكفارة، أو بحالة الأداء؟ ولو صام وقد حكمنا بالحنث أجزأه، ولو لم نحكم بالحنث لم يجزئه؛ فإن الصوم لا يقدَّم على وجوبه.
فإن قيل: إذا أخرتم الحنث إلى الغد فلا يعتبر، والأكل في اليوم وإن كان اختياراً فإنه اختيار في غير الوقت المعتبر، ونظير هذا ما لو صب الماء قبل دخول وقت الصلاة، لا يتعلق بصبه حكم، بخلاف بعد الوقت.
قال الإمام: حق هذا السؤال أن يستمسك به في تضعيف ذلك الوجه.
ولو أخر أكله إلى بعد الغد: فإن كان عامداً حنث، وإن كان ناسياً أو مكرهاً ففي حنثه القولان في نظائرها.
فإن قلنا: لا يحنث، قال في "الحاوي": لا يلزمه فعل المحلوف عليه بعد فوات وقته.
قال: وإن تلف في يومه، أي: أو في بعضه، فعلى القولين في المكره؛ لأنه [فات] بغير اختياره.
المنصوص من القولين هاهنا – على ما حكاه في "التهذيب" – والأصح في "النهاية": أنه لا يحنث.
وإذا قلنا بالحنث فمتى يحنث؟ فيه الخلاف السابق.
ولو أتلفه أجنبي فحكمه كما لو تلف.
وألحق الغزالي بذلك موت الحالف قبل الغد، وهو موافق لما حكيناه عن المحاملي فيما إذا حلف: لا يرى منكراً إلا رفعه إلى القاضي فلان، ومات الحالف قبل وصوله إليه، ولإيراد البندنيجي فيما إذا حلف ليقضينه حقه غداً، فماتا أو أحدهما في اليوم، في الحنث قولين، والذي يقتضيه إيراد الماوردي والبغوي وابن كج وغيرهم: القطع بأنه لا يحنث؛ لأنه لم يبلغ زمان البر والحنث.
قال الرافعي: وقضية هذا أن يفرق بين موته وبين تلف الطعام بعد مجيء الغد وقبلا لتمكن من الأكل، ووفى بهذه القضية صاحب "التتمة".
لكن في "التهذيب" وغيره إلحاق موت الحالف بعد مجيء الغد بتلف الطعام.
قال: وإن تلف من الغد أي: بعد تمكنه من أكله، [فقد قيل: يحنث؛ كما لو قال:
لآكلن هذا الرغيف، ولم يقيِّده بمدة، فتلف بعد تمكنه من أكله؛] فإنه يحنث.
قال: وقيل: على قولين، وهو الأشبه، هذا ما ذهب إليه ابن سريج؛ لأن جميع اليوم وقت للأكل، ولم يكن التفويت بفعله، ويفارق المطلق؛ لأنه لم يتعين وقته.
قال الغزالي: وهذا الخلاف يلتفت على أن من مات في أثناء وقت الصلاة، هل يعصي بترك المبادرة؟ والصحيح: أنه لا يعصي؛ لأن الوقت فُسْحة للتأخير.
وهذا يوافق قول الشيخ: إن الطريقة الثانية أشبه؛ كما ذهب إليه المحاملي والروياني أيضاً.
لكن الأظهر وإن ثبت الخلاف: أنه يحنث، وإليه مال الأكثرون، وهو الجواب في "التهذيب".
وإذا قلنا بالحنث، فهل هو في الحال أو قبل الغروب؟ فيه الخلاف السابق.
قال: وإن قال: لا فارقت غريمي؛ أي: حتى يوفيني حقي، فهرب منه، أي: قبل وفاء الحق – لم يحنث؛ لأنه حل على فعل نفسه، ولم يوجد منه.
قال في "الحاوي": ووهم ابن أبي هريرة؛ فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناسي، وهو خطأ، وهذا يقتضي أن يكون التخريج من ابن أبي هريرة.
وحكى الرافعي عن أبوي علي بن أبي هريرة والطبري: أن بعض الأصحاب خرجه على قولي الإكراه، وهذا مخالف لذلك، ولا فرق على المذهب بين أن يتمكن الحالف من التعليق به فلم يفعل، أو لم يتمكن؛ لما ذكرناه من العلة؛ ولأجلها جزم ابن الصباغ بأنه لا يحنث إذا فارقه بإذنه.
وخالف ابن كج في ذلك وقال: إذا فارقه بالإذن كان حانثاً، وعليه يدل كلام الشيخ والماوردي؛ حيث قيدا المسألة بالهرب، ويمكن أن يجاب عن ذلك بما ذكره الإمام: أن الشافعي إنما صور المسألة بالفرار؛ بناء على العادة؛ فإن من يبغي ملازمة غريمه إنما تقع المفارقة منه على هيئة الفرار.
وزاد الصيدلاني فقال: إن أمكنه منعه من الذهاب فلم يفعل حنث.
ويقرب منه ما حكاه في "التهذيب" عن شيخه، والإمام عن صاحب "التقريب"،
وبعض المصنفين: أنه إن أمكنه متابعته حنث؛ [لأنه بالمقام] مفارق.
وهذا كله إذا كانا واقفين، فلو كانا يتماشيان، فمشى الغريم، ووقف الحالف لم يحنث؛ على الأصح، وقال القاضي الحسين: إنه يحنث.
ثم المفارقة المعتبرة هاهنا هي المفارقة التي ينقطع بها خيار المجلس مع بقاء الروح، وهي المذكورة في البيع.
ومما يتعلق بهذه المسألة ما إذا حلف: لا فارقني غريمي حتى يوفيني حقي، فإن فارقه الغريم باختياره حنث، سواء أذن في ذلك أو هرب منه.
وعن صاحب "التقريب": أنه إن فر منه خرج على القولين [في المكره، وإن كان ناسياً أو مكرهاً خرج على القولين فيهما].
وحكى صاحب "التهذيب" طريقة؛ قاطعة بأنه يحنث، والاختيار يعتبر في فعل الحالف، لا في فعل غيره.
ونسب الماوردي هذه الطريقة إلى قول البصريين، وهي الطريقة التي وعدنا بذكرها من قبل.
وإن فارقه الحالف لم يحنث؛ على ما حكاه ابن الصباغ، وينبغي أن يجيء فيه ما ذكرناه من قبل، وقد أشار إليه الرافعي.
ولو قال: والله لا افترقت أنا وأنت حتى توفيني حقي، فأيهما فارق صاحبه باختياره حنث الحالف، ولو فر من عليه الحق حنث الحالف قولاً واحداً، قاله البندنيجي وغيره.
ولو قال: لا افترقنا حتى استوفى حقي، أو: لا نفترق، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يحنث حتى يفارق كل واحد منهما صاحبه؛ فيذهب هذا إلى كذا، ويذهب هذا إلى كذا.
والثاني- وهو الأظهر-: أن الحكم كالحكم في المسألة قبلها.
فرع على أصل المسألة: لو أعطاه عن حقه عوضاً، أو أبرأه عنه، أو أحاله على
غيره، ثم فارقه - حنث، وفي "الإبانة" حكاية وجه في الحوالة: أنه لا يحنث؛ بناء على أنها استيفاء.
ولو استوفى حقه في الظاهر، ثم وجده من غير جنسه، أو وجد به عيباً يخرج به من انطلاق الاسم عليه، كما إذا كان حقه دنانير مغربية، فأعطاه دنانير مشرقية، أو لم يخرج به من انطلاق اسم الحق عليه، لكن كان أرش العيب كثيراً لا يسمح بمثله - فإن علم بذلك قبل التفرق حنث، وإن علمه بعد التفرق خرج على القولين في المكره، ولو كان الأرش مما يتسامح به لقلته بَرَّ.
فإن قيل: نقصان القدر موجب للحنث فيما قل وكثر؛ فهلا كان نقصان الأرش بمثابته في وقوع الحنث بما قل وكثر؟
قيل: لأن نقصان القدر متحقق يمنع من التماثل في الربا، ونقصان الأرش مظنون لا يمنع من التماثل في الربا؛ فلذلك لم يحنث.
فإن قيل: قد قلتم بالحنث فيما إذا كان أرش العيب كثيراً، وإن كان ما ذكرتموه موجوداً.
قيل: لأن الظن في كثيره أقوى، وفي قليله أضعف فافترقا في بر اليمين وإن استويا في تماثل الربا، كذا قاله الماوردي.
آخر: لو أفلس قبل أن يفارقه، ثم فارقه؛ لأجل الفلس:
فإن كان قبل أن يحكم الحاكم عليه بالمفارقة حنث، وإن كانت المفارقة واجبة؛ لأن أحكام الشرع إذا خالفت عقد اليمين لم تمنع من الحنث؛ كمن غصب مالاً، وحلف: لا يرده على صاحبه، حنث برده عليه، وإن كان رده بالشرع واجباً؛ لأنه رده عليه مختاراً.
وإن كان بعد حكم الحاكم عليه بالمفارقة فهو مكره؛ فيكون في حنثه قولان، كذا حكاه الماوردي.
وفي البندنيجي: أنه إن فارقه قبل ثبوت فلسه، وحجر الحاكم عليه - حنث، وإن كان بعده فقد لزم الحالف أن يفارقه شرعاً، فإذا فارقه فهل يحنث أم لا؟ على قولين: لأنه مكره على فراقه.
قال: وإن حلف – أي: على أمر مستقبل، نفياً كان أو إثباتاً – فقال: إن شاء الله، متصلاً باليمين، أي: ونوى رفع اليمين بها من أول لفظه – لم يحنث؛ لما روى طاوس عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ حَلَفَ علََى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ – لَمْ يَحْنَثْ"، ولأنه علق الفعل على مشيئة الله – تعالى – وهي غير معلومة.
وهكذا الحكم فيما لو قال: إن أراد الله، أو: إن أحب الله، او: إن اختاره الله، أو: بمشيئة الله تعالى، أو: بإرادة الله، أو: باختيار الله، على ما حكاه الماوردي.
وهل نقول: انعقدت اليمين مع الاستثناء؟
منهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة؛ فلا يحكم بالحنث، وهذا ما نقله المحاملي والروياني.
ومنهم من يطلق القول بأنها غير منعقدة، وهكذا فعل صاحب "التهذيب".
ومعنى الاتصال وما يمنعه مذكور في كتاب الطلاق.
واعلم أن قول الشيخ: فقال: إن شاء الله – فيه إشارة إلى أنه لو لم يقل ذلك ولكن نواه بقلبه، لا يحصل المقصود من الاستثناء، وقد صرح بذلك المحاملي والبندنيجي والماوردي وغيرهم.
ووجهه البندنيجي: بان الاستثناء كالنسخ؛ فلهذا لم يصح بالنية، بخلاف ما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم قال: نويت شهراً، أو قال لعبده: أنت حر، ثم قال: أردت: إن دخلت الدار – فإنه يُدَيَّن؛ لأنه تخصيص، والتخصيص يجوز بالنية.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يؤخر الاستثناء كما ذكره الشيخ، أو يقدمه فيقول: إن شاء الله، والله لأفعلن كذا، أو: لا فعلت كذا، [أو يوسطه فيقول: والله – إن شاء الله – لا فعلت كذا] أو: لأفعلنه، صرح به الماوردي وغيره.
ولو قال: والله لا فعلت كذا، إلا [إن شاء الله أو: إلا] أن يشاء الله – ففيه خلاف قدمناه في كتاب الطلاق، والأصح عند ابن كج في الأولى: أنه استثناء.
قال: وإن جرى الاستثناء على لسانه – على عادته – ولم يقصد به رفع اليمين، لم يصح الاستثناء؛ لأن ذلك لغو الاستثناء، ولما لم ينعقد لغو اليمين لم ينعقد لغو الاستثناء قياساً عليه.
فإن قيل: حكى صاحب "البيان" فيما إذا نوى صوم غد من شهر رمضان، وقال: إن شاء الله – خلافاً في انعقاد نيته عند عدم قصد التعليق؛ فهلا جرى مثله هاهنا؟ فالجواب: أنا أخذنا بالأحوط في الموضعين.
واعلم أن قول الشيخ: ولم يقصد به رفع اليمين، يفهم أنه إذا قصد به رفع اليمين أنها لا تنعقد.
وفي "الشامل" والصورة هذه: أنها تنعقد، وفي ذلك نظر.
قال: فإن عقد اليمين، ثم عَنَّ له الاستثناء، أي: عرض له بعد استكمال اليمين؛ فأتى به – لم يصح الاستثناء؛ لأن عقد اليمين بعد تمامه يثبت حكمه؛ فلا يرفع بعد ثبوته؛ كما لو عَنَّ له ذلك بعد طول الزمان.
وفي "الحاوي" وغيره حكاية وجه: أنه يصح، وقضية كلام ابن الصباغ ترجيحه؛ فإنه قال: حكى عن أبي الحسين بن القطان أنه قال: لا يصح الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء اليمين.
وأكثر أصحابنا قالوا: لا يحتاج على ذلك.
ووجهه بأن لفظ الاستثناء أقوى، نيته، ثم يكون عقيب اليمين، كذلك نيته.
قال: وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين، فقد قيل: يصح؛ لأنه تحققت النية متصلة باللفظ قبل الاستثناء؛ فأشبه ما لو كانت النية من ابتداء اليمين، وهذا ما يقتضي كلام ابن الصباغ: أنه ظاهر المذهب، وأنه الصحيح، وإليه ذهب الداركي، والقاضيان أبو الطيب والروياني.
قال: وقيل: لا يصح؛ لأن الموجب جميع اللفظ؛ فاشترط اقتران النية بجميعه.
ونقل ابن الصباغ عن ابن القطان توجيهه بأنه قاسه على نية الجمع بين الصلاتين، وفرق بأن النية تجعل الصلاتين كالصلاة الواحدة، والاستثناء يخالف اليمين، وهذا ما صححه القاضي ابن كج وابن المرزبان.
قال: وإن قال: لا سلمت على فلان، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه – لم يحنث؛ لأنه سلم بلفظ عام يحتمل أن يريد به [الكل، ويحتمل أن يردي به] البعض؛ فإذا نوى أحد محتمليه وقع بحسبه.
وفي "الشامل" عند الكلام فيما إذا حلف: لا يدخل على فلان بيتاً، حكاية قولين في الحنث، وكذلك حكاهما البندنيجي، وهما في طريق الخراسانيين أيضاً.
قال: وإن لم ينو شيئاً، أي: لم ينو السلام على فلان، ولا استثناه من السلام – ففيه قولان:
أحدهما – وهو رواية المزني، والأصح في "الجيلي" -: لا يحنث؛ لأن اللف يصح للجميع وللبعض؛ فلا يحنث بالشك، وقد يوَجَّه بأنه لم يسلم عليه خاصة، وهو المفهوم من مطلق لفظه، وهذه مادة ما حكيناه عن الإصطخري في مسألة السمن، وقضية ذلك: ألا يحنث وإن قصد السلام عليه، وقد أبداه صاحب "البيان" احتمالاً.
والثاني: أنه يحنث، وهو رواية الربيع، والأظهر عند الشيخ أبي حامد والرافعي؛ نظراً إلى عموم اللفظ.
ومحل الخلاف إذا علم أنه فيهم، أما لو لم يعلم، أو سلم عليه في ظلمة، وقلنا: إنه يحنث – عند العلم – ففي حنثه القولان في الجاهل.
فرع: لو كان الحالف إماماً في الصلاة، والمحلوف عليه من جملة المأمومين، وسلم عليهم – قال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب: أن الحكم ما لو سلم على جماعة وهو فيهم، وصرح به الرافعي نقلاً.
قال: وإن قال: لا دخلت على فلان، فدخل على قوم هو فيهم، واستثناه بقلبه – فقد قيل: يحنث؛ لوجود صورة الدخول، وهذا هو الأصح.
قال: وقيل: لا يحنث؛ كالمسألة قبلها، وهذا ما ذكره البغوي، وعلى هذه الطريقة: يجيء في الحنث القول الآخر، وقد صرح به البندنيجي وابن الصباغ.
والفرق على الطريقة الأولى بين هذه المسألة والتي قبلها: أن الاستثناء لا يصح في الأفعال؛ ألا ترى أنه لو دخل على جماعة فيهم زيد، فقال: دخلت عليكم إلا زيداً – لم يكن صحيحاً، والاستثناء في السلام صحيح؛ ألا ترى أنه لو سلم على قوم، فقال: سلمت عليكم إلا زيداً، صح، وهذا إذا كان الداخل عالماً بأنه في الموضع، أما لو دخل الموضع الذي فيه فلان ولم يعلم، ففيه قولا الجاهلِ دخل لحاجة، ولم يعلم بأنه فيه، فهذه الصورة أولى بعدم الحنث؛ [لانضمام قصد الشغل إلى الجهل، ونقل الإمام أن الشافعي نص في هذه الصورة على عدم الحنث].
ولو كان الحالف في بيت، فدخل عليه فلان: فإن خرج الحالف في الحال لم
يحنث، وإن أقام فطريقان:
أحدهما: أن في حنثه قولين ينبنيان على أن الإقامة تنزل منزلة الدخول أم لا؟ فإن قلنا: نعم، حنث، وإلا فلا.
والطريق الثاني: القطع بأنه لا يحنث.
ووجهه ابن الصباغ بأنا إذا جعلنا استدامة الدخول كابتدائه كانا داخلين معاً؛ فلا يكون أحدهما داخلاً على الآخر.
فروع:
لو حلف: لا يلبس ثوباً من غزلها، فرقع برقعة كرباس من غزلها - حنث، وعن أبي عاصم العبادي: أنه لا يحنث، وتلك الرقعة تتبع الثوب.
ولو تكوَّر بعمامة من غزلها حنث، إن حلف بالعربية، وإن حلف بالفارسية فلا.
لو حلف: لا يأكل المطبوخ، يحنث بما يطبخ بالنار، أو يغلى، ولا يحنث بالمشوي، والطَّبَاهِجَةِ مشوية.
قال الرافعي: ويحتمل غيره.
لو حلف: لا يأكل المرق حنث بأكل مرق أيِّ لحم كان، وهل يحنث بما يطبخ بالكرش والبطن والشحم؟ فيه وجهان.
لو حلف: لا يأكل من طبيخ زيد، فأكل مما أوقد عليه إلى الإدراك، أو وضع القدر في التنور بعد التسخين -حنث، سواء وجد نصب القدر في الأولى، وتقطيع اللحم، وصب الماء عليه وجميع التوابل، وتسخين التنور في الثانية منه أو من غيره.
ولو أوقد فلان تحت القدر، أو وضعه في التنور مع آخر- لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد بالطبخ.
وكذا لو أوقد هذا ساعة وهذا ساعة.
ولو جلس الحاذق بالطبخ على القرب، وكان يستخدم صبيًّا في الإيقاد، ويستقل ويستكثر - فهذا فيه تردد؛ إذ يعزى الطبخ والحالة هذه إلى الأستاذ.
ولو قال: لا آكل مما خبزه فلان، فالاعتبار فيه بالإلصاق بالتنور، دون العجن، وتسخين التنور، وتقطيع الرغفان وبسطها، والله أعلم.
كفاية النبيه شرح التنبيه
الجزء الخامس عشر المحتوى: تتمة كتاب الأيمان - كتاب النفقات - كتاب الجنايات
بسم الله الرحمن الرحيم
باب كفارة اليمين
سميت الكفارة: كفارة؛ لأنها تكفر الذنب، أي تستره، ومنه قيل للأكار: كافر؛ لأنه يكفر البذر، أي: يغطيه، وسمى الكافر: كافراً؛ لأنه يغطي نعم الله تعالى.
وما الذنب الذي تكفره؟
قال في "الحاوي": إن كان عقد اليمين طاعة وحلها معصية، كقوله: والله لا أشرب الخمر، فإذا حنث وشرب الخمر- كانت الكفارة تكفر مأثم الحنث.
وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة: كقوله: والله لا صليت- فإذا صلى كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين بعد الحنث.
وإن كان عقدها مباحاً وحلها مباحاً، كقوله: والله لا لبست هذا الثوب- فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق؛ [لاستقرار وجوبها به].
قال- رحمه الله:- إذا حلف وحنث، لزمته الكفارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] أي: وحنثتم؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] أي: فأفطرتم.
وسبب وجوبها عند الأكثرين: اليمين والحنث جميعاً.
وحكى الروياني والطبري وجهاً أن سبب وجوبها: اليمين، إلا أنها لا تجب إلا بالحنث؛ كما يوجب ملك النصاب الزكاة، عند حولان الحول، وكأن من قال به جعل الحنث شرطاً، واحتج له بأن الكفارة منسوبة إلى اليمين، وهذا ما حكاه الغزالي.
وقال في "الحاوي": إن الظاهر من مذهب الشافعي: أنها تجب بالحنث وحده.
وحكى الوجه الأول أيضاً.
ثم قال: والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين: أن يعتبر حال اليمين: فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية، وجبت الكفارة بالحنث وحده، وإن كان عقدها معصية وحلها طاعة وجبت باليمين والحنث؛ لأن التكفير بالمعصية أخص.
ثم هذا التردد في اليمين على المستقبل، أما اليمين على الماضي، فقد قال الماوردي: إن سبب الكفارة فيها عند الكذب الحلف وحده.
وقال المحاملي: والبندنيجي: إنما تجب باليمين والحنث، وهما متعاقبان فيها، بخلاف المستقبل؛ فإنهما متراخيان، والله أعلم.
وهل تتعدد الكفارة عند تعدد اليمين واتحاد المحلوف عليه؟
ينظر: إن قصد التأكيد لم تتعدد، وإن قصد الاستئناف فوجهان والأصح: عدم التعدد.
وإن أطلق فعلى أيهما يحمل؟ فيه وجهان.
وسوى ابن كج بين حالة الإطلاق وحالة إرادة الاستئناف في جريان الخلاف، وقد يستدل لقول بالتعدد بقوله – تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] أي: كررتموها على شيء واحد، وإن كان الماوردي في أول هذا الكتاب قد استدل به على عدم التعدد.
وهل إذا حلف يميناً واحدة منع نفسه بها من فعلين أو أكثر، كما إذا قال لجماعة: والله لا كملت واحداً منكم، وكلم واحداً- تبقى اليمين منعقدة في حق من بقي، حتى إذا كلمه تب عليه كفارة أخرى، أم لا؟ فيه خلاف تقدم مثله في كتاب الإيلاء؛ فليطلب منه.
والظاهر من كلام الشافعي- على ما حكاه ابن الصباغ، وهو الصحيح عنده: أنها لا تبقى.
فرع: إذا حلف: لا يأكل الخبز، وحلف: لا يأكل لزيد طعاماً، فأكل خبزه- وجبت عليه كفارة واحدة على أحد الوجهين؛ قاله الرافعي في كتاب الإيلاء.
آخر: هل يجب إخراج الكفارة على الفور؟
قال: في "التتمة": ينظر: إن كان عاصياً بالحنث فلا يباح له تأخير التكفير وإن كان الحنث طاعة أو مباحاً، فالأولى أن تبرأ الذمة؛ فلو أخر لا حرج عليه.
وقال الغزالي عند الكلام في قضاء الحج: الكارة إذا لزمت بسبب محظور كان في وجوبها على الفور خلاف، أما ما لا عدوان في سببه فلا تضييق في واجبه.
وهل يجوز للإمام المطالبة بها؟
حكى الرافعي في كتاب الإيلاء عن المتولي فيه وجهين، وحكاهما ابن التلمساني في "شرح التنبيه" في قسم الصدقات، وأجراهما في النذر، وعلل وجه عدم المطالبة بأن ذلك لا يجب على الفور، وقرر ما ذكرناه، وهذا هو المذكور في "الشامل" عند الكلام فيما إذا قال: أقسم بالله، أو: أقسمت بالله.
قتال: فإن كان يكفر بالصوم لم يجز حتى يحنث؛ لأنها عبادة بدنية لا حاجة له إلى تقديمها [على وقت الوجوب؛ فلم يجز تقديمها] كصوم رمضان.
وفي قولنا: لا حاجة إلى تقديمها، الاحتراز عن الجمع بين الصلاتين.
وأيضاً فإن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب.
وفيه وجه: أنه يجوز التكفير به قبل الحنث أيضاً؛ كسائر الخصال.
وفي "شرح مختصر الجويني": أن أبا زيد حكاه قولاً عن القديم.
قال: وإن كان يكفر بالمال فالأولى ألا يكفر [حتى يحنث؛ ليخرج من خلاف] أبي حنيفة.
قال: فإن كفر قبل الحنث؛ أي: وبعد اليمين- جاز؛ لما روي عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ" خرجه أبو داود.
ولما روى مسلم والبخاري والترمذي والنسائي: أنه- عليه السلام- قال في حديث طويل: "وأنا- إِنْ شَاءَ اللهُ- لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، ثم أرى خَيْراً
مِنْهَا- إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيتُ الذِي هُوَ خَيْرُ".
فإن قيل: فقد روي أنه- عليه السلام- قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً منها، فَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ".
قلنا: قد ورد فيه تقديم الكفارة على الفعل، وأيضاً: فما ذهبنا إليه فيه استعمال للروايتين معاً؛ فإنا نحمل الأول على الوجوب، والثاني على الجواز؛ فكان أولى.
ولأنه حق مالي يجب بسببين يختصان به؛ فجاز تقديمه على أحدهما كتعجيل الزكاة.
فإن قيل: لا نسلم أن لوجوبها سببين، بل له سبب واحد، وهو الحنث؛ لأن الحنث ضد اليمين؛ لأن اليمين تمنع من الحنث، والضدان لا يشتركان في معنى الوجوب؛ لتنافيهما.
قيل في الجواب عنه: إن اليمين [عقد والحنث حل، والحل] لا يكون إلا بعد عقد؛ فلم يتضادا وإن اختلفا؛ كما أن قوله: لا إله، كفر، وقوله: إلا الله إيمان، والإيمان بهما منعقد، ولم يتنافيا بالمضادة.
ولو أراد أن يكفر قبل انعقاد اليمين لم يجز وجهاً واحداً.
نعم، لو علق انعقاد اليمين على فعل، ولم يوجد بعد: فهل يجوز له أن يكفر قبل انعقاد اليمين وبعد التعليق؟ فيه وجهان مذكوران في "التتمة" وغيرها في كتاب الإيلاء، وصورة ذلك: أن يقول: إن دخلت الدار، فوالله لا كلمتك.
قال: وقي: إن كان الحلف بمعصية لم يجز أن يكفر قبل الحنث؛ كي لا يتوصل به إلى المعصية، ولأن تقديم الكفارة رخصة، والرخص لا تستباح بها
المعاصي، وهذا ما رجحه البغوي، وهو اختيار ابن القاص.
قال: وليس بشيء؛ لأن الكفارة لا يتعلق بها تحريم ولا تحليل؛ فإن المحلوف عليه على حاله، وهذا ما [صار] إليه معظم الأصحاب.
فرعان:
أحدهما: لو قال: أعتقت هذا العبد عن كفارة يميني إذا حنثت، عتق العبد عن الكفارة إذا حنث، بخلاف ما إذا قال: أعتقته عن الكفارة إذا حلفت، لا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه قدم التعليق على الحلف.
الثاني: لو قال: أعتقته عن كفارة يميني إن كنت قد حنثت، فإن بان أنه حنث عتتق، وأجزأ، وإلا فلا يعتق، بخلاف ما لو قال: أعتقته عن كفارة يميني إن كنت حلفت، فبان أنه حلف؛ فإن صاحب "التهذيب" قال: وجب ألا يجوز؛ لأنه شاك في اليمين، وفي الصورة الأولى هو شاك في الحنث، والتكفير قبل الحنث جائز.
تنبيه: يشترط في إجزاء العتق المعجل عن الكفارة أن يبقى العبد حياً إلى الحنث، وكذا على الإسلام؛ فلو مات قبل الحنث أو ارتد لم يجزئه؛ كما في الزكاة المعجلة، كذا صرح به الرافعي.
ومقتضاه: أن يعتبر بقاء سائر الأوصاف، وكذا بقاء من صرف إليه الطعام أو الكسوة على صفة الاستحقاق إلى الحنث.
وأبدى صاحب "التهذيب" احتمالاً فيما إذا مات العبد [أو ارتد] في أنه يجزئ؛ كما لو ماتت الشاة المعجلة.
قال: والكفارة: أن يعتق رقبة، أو يطعم عشرة مساكين، أو يكسوهم، والخيار
في ذلك إليه؛ لقوله- تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89].
ولا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة، قال ابن الصباغ: كما لا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويطعم خمسة؛ لأن الله تعالى خيره بين ثلاثة أشياء، ولو جوزنا إخراج جنسين لأثبتنا تخييراً رابعاً؛ فلا يجوز لذلك.
قال: فإن أراد العتق أعتق رقبة؛ كما ذكرنا في الظهار، وإن أراد الإطعام أطعم كل مسكين رطلاً وثلثاً؛ كما ذكرنا في الظهار؛ بجامع ما اشتركا فيه من التكفير.
وذكر الماوردي أن في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ دليلاً على اعتبار المد؛ لأن الأوسط محمول على الجنس والقدر، وأوسط القدر فيما يأكله إنسان رطلان من الخبز، والمد: رطل وثلث من حب إذا خبز كان رطلين من خبز، وذلك أوسط الكفارة.
وقد جمع الشيخ بقوله: كما ذكرنا في الظهار، ما يجزئ من الأجناس وما لا يجزئ، وكيفية النية ووقتها، وما يتعلق بذلك، وقد ذكر في "الحاوي" هاهنا وجهاً: أن الاعتبار في جنس الطعام بقوت المكفر؛ لظاهر الآية.
ولم يحك مثله في كفارة الظهار.
قال: وإن أراد الكسوة دفع إلى كل مسكين ما يقع عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو منديل أو مئزر، أي: وغير ذلك كالعمامة، والجبة، والقباء، والطيلسان، والمقنعة، والخمار، والإزار؛ لأن الشرع ورد بالكسوة مطلقاً، ولا عرف له فيها.
ولم يختلف العلماء في أنا لا نوجب لكل مسكين دست ثوب؛ فحمل على ما ينطلق عليه الاسم، ويخالف واجب الطعام؛ حيث قدر بالمد؛ فإن، فيه سداد الرغيب، وكفاية المقتصد، ونهاية الزهيد، والكسوة لا سبيل إلى ضبطها، هذا هو الجديد.
وقد حكى عن القديم قولاً موافقاً لمذهب مالك، وحكاه البويطي أيضاً: أنه
يشترط أن يكون المعطى ساتراً للعورة، بحيث تصح الصلاة فيه؛ فيختلف بذكورة الآخذ وأنوثته، حتى يجزئ الإزار الواحد إن كان الآخذ ذكراً، ولا يجزئ إن كان أنثى.
وضعف الأصحاب ذلك بوجهين:
أحدهما: خروجه عن اعتبار الاسم وهو أصل، وعن اعتبار الكفاية وهي عرف.
الثاني: أنه لو أعطي من رقيق الثياب ما يعم العورة ولا يسترها لرقته أجزأه، وإن لم يجز فيه الصلاة؛ كذا قاله الماوردي.
وعلى الجديد: هل يشترط أن يكون المدفوع يتمكن المدفوع إليه من لبسه، أو لا يشترط ذلك كما إذا دفع ثوب صغير إلى كبير؟ فيه وجهان:
اختيار الشيخ أبي محمد: الاشتراط؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فأضاف الكسوة إلى من يكسى.
وأظهرهما: عدم الاشتراط، وإجزاء ذلك، وبه قال القاضي الحسين، وهو الذي دل عليه كلام الشيخ هاهنا؛ حيث قال: "ما يقع عليه اسم الكسوة" ولم يقل: كسوة المدفوع إليه.
ويؤيده: أنه يجوز أن يدفع للرجل من الكسوة ما يصلح للمرأة، وكذلك يجوز أن يدفع للمرأة ما يصلح للرجل، ولا يشترط أن تكون الكسوة مخيطة.
فرع: لو أعطى عشرة مساكين ثوباً طويلاً، قال الماوردي: إن دفعه إليهم بعد قطعه أجزأه؛ لأنه قد صار كل قطعة منه كسوة، وإن دفعه إليهم صحيحاً، لم يجزئه؛ لأنه ثوب واحد.
تنبيه: الكسوة: بكسر الكاف وضمها.
والمنديل: مشتق- على ما حكاه ابن الأعرابي وابن فارس- من الندل، وهو النقل؛ لأنه ينقل من واحد إلى واحد.
وقيل: من الندل؛ وهو: الوسخ؛ لأنه يندل به.
ويقال: تندلت بالمنديل، وتمندلت، وتمدلت: وهو أنكرها.
والمئزر: بكسر الميم، مهموز، ويجوز ترك همزه، وهو الإزار؛ كقولهم: ملحف
ولحاف، ومقرم وقرام.
قال: فإن أعطاهم قلنسوة قلنسوة، فقد قيل: يجوز؛ لما روي أن عمران بن الحصين سئل عن قوله- تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فقال: إذا قدم وفد على الأمير، فأعطاهم قلنسوة قلنسوة- يقال: قد كساهم.
قال: وقيل: لا يجوز؛ لأنه لا يقع عليها اسم الكسوة، وحكى الماوردي عن أبي الفياض البصري: أنها إن كانت صغيرة تغطي قحف الرأس لم تجزئ، وإن كانت كبيرة تعم الرأس، وتغطي الأذنين والقفا-[أجزأت، والمشهور الخلاف الأول، وهو جار في إجزاء الخف على ما حكاه البندنيجي]، وأجراه غيره في الشمشق، وهو المكعب، وفي النعل، وفي الدرع، وفي التبان: وهو سراويل صغير لا يبلغ الركبة، والظاهر في الجميع المنع.
وجعل المحاملي قول المنع في القلنسوة المذهب، وقطع في الخف والنعل بعدم الإجزاء، ووافقه الماوردي على ذلك؛ كما لا تجزئ المنطقة والكمران والتكة، وفي "جمع الجوامع" أجراه في التكة.
ولا يجزئ دفع الغزل قبل النسج، وكذا لا تجزئ البسط والأنطاع؛ لخروجها عن اسم "الكسوة"، وتجزئ الأكسية؛ لأنها تلبس دثاراً وإن لم [تلبس شعاراً، وهل يجزئ ما يلبس من الجلود واللبود والفراء؟ ينظر: إن كان في بلد] يلبس أهله ذلك أجزأه، وإن كان [في بلد لا يلبسه] أهله فوجهان حكاهما الماوردي، وأنهما مخرجان من اختلاف قوليه في أجناس الحبوب في الإطعام: هل يكون مخيراً، أو يعتبر بالغالب منها؟ وفي "الجيلي": أن محلهما ما إذا كانا في بلد يلبس فيه ولو نادراً.
تنبيه: القلنسوة: بفتح القاف واللام، وضم السين، وفي جمعها لغات: قلانس، وقلاس، وقلاسي مشتقة من "قلس": إذا غطى، والنون زائدة.
قال: [ولا يجزئ] الخلق؛ لأنه يشبه الطعام المسوس والعبد الزمن، وكذا لا
يجوز المرقع؛ لأجل البلى، ويجوز المرقع في الابتداء، وما عدا ذلك مما يعد عيباً في البيع لا يمنع من الإجزاء؛ كما قلنا في عيب الرقبة.
ولو كان الثوب رقيقاً مهلهل النسج، غير بال في جنسه، لكن يبليه أدنى لبس، ولا يدومم إلا بقدر ما يدوم الثوب البالي- فقد قال الإمام في ذلك: الذي يظهر أنه لا يجزئ.
تنبيه: الخلق- بفتح الخاء واللام- الثوب البالي، وجمعه: خلقان، وقد خلق الثوب، بضم اللام وفتحها وكسرها، وأخلق: أربع لغات.
قال: ويجزئ ما غسل دفعة أو دفعتين كالطعام العتيق، والعبد المعيب بعيب لا يضر بالعمل.
واعلم أن سكوت الشيخ- رحمه الله- عن ذكر الجنس يعرفك أنه لا فرق في ذلك بين جنس وجنس، فيجزئ الثوب من القز والإبريسم أو القطن أو الكتان أو الصوف أو الشعر، لكن يشترط أن يكون طاهر العين، فإن كان نجس العين لم يجزئه، وإن كان متنجساً أجزأه، وعليه أن يعلمهم بنجاسته.
وفي الحرير وجه: أنه يجزئ إذا دفعه إلى [امرأة أو صبي]، ولا يجزئ إذا دفعه إلى رجل، وهو يناظر ما حكيناه من أنه لا يجزئ الثوب الصغير إذا دفعه للكبير؛ اعتباراً بحال المدفوع إليه، وأنه لا فرق بين الجيد من النوع والمتوسط منه والرديء في الإجزاء، ومأخذه اتباع الاسم.
وعن القاضي الحسين: أنه لو قيل باعتبار الكسوة الغالبة في أهل البلد كالطعام لم يبعد.
قال الإمام: وهو متجه، وهو قريب- أيضاً- مما حكيناه عن رواية "الحاوي" في الفراء والجلود.
قال: وإن كان معسراً لا يقد على المال، أي: الذي يصرفه في الكفارة، أي: بأن كان كسوباً وكسبه قدر كفايته، أو له من المال قدر كفايته بغير زائد عليه.
قال: كفر بالصوم؛ للآية.
ثم ما المراد بقدر الكفاية؟ هل كفاية وقته، أو على الأبد؟
الذي صرح به من العراقيين البندنيجي والمحاملي الثاني، وعليه ينطبق إيراد ابن الصباغ؛ حيث قال: إن من له أن يأخذ من الزكاة من سهم الفقراء والمساكين أو من الكفارة، جاز له أن يكفر بالصوم، ولا يلزمه التكفير بالمال، وأورد عليه أن من يملك نصاباً لا يحصل به الكفاية تجب عليه زكاة المال، وإن كان ممن يجوز له أخذها.
وأجاب: بأنا لو أسقطنا الزكاة لخلا لانصاب عنها، وهاهنا لا يسقط، وإنما ينتقل إلى بدلها وهو الصيام، وهذا ما حكاه الرافعي، ودل عليه ظاهر كلام الشافعي؛ حيث قال: ومن له أن يأخذ من الكفارة والزكاة، فله أن يصوم.
وفي "الحاوي": أن التكفير بالمال قد يجب على من تحل له الزكاة والكفارة، وهو من وجدها فاضلة عن قوته وقوت عياله، ولا يصير بفضلها غنياً؛ فيجب عليه التكفير بالمال دون الصيام؛ لوجودها في ملكه، فاضلة عن كفاية وقته، ويحل له أن يأخذ من الزكوات والكفاراة؛ لدخوله في حكم الفقر والمسكنة.
وأجاب عن نص الشافعي بأنه أشار إلى الأغلب من أحوال الناس، والأغلب ما قاله.
قلت: وقد انتظم من مجموع النقلين خلاف، وهو مشابه للوجهين اللذين حكاهما ابن الصباغ في الحج في أن المعتبر أن يفضل ما يحتاج إليه في الحج عن الكفاية على الدوام.
ويتجه أن يجيء فيما نحن فيه مذهب ثالث، أبداه الرافعي احتمالاً في كتاب الظهار: أن المعتبر أن يكون فاضلاً عن كفاية سنة.
قال: وإن كان له مال غائب لم يجز أن يكفر بالصوم؛ لأنه قادر على التكفير بالمال من غير ضرر؛ فلم يتحقق الشرط.