كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وإن قيل: إن تعارضهما موجب لإسقاطهما، كانت يمين كل واحد منهما على الإثبات دون النفي؛ فيحلف بالله: لقد ملكتها بالابتياع من فلان؛ لأنه لم يملك بالبينة؛ فصار مالكاً باليمين.
فإن حلفا أو نكلا، كانت العين بينهما، ولا رجوع لواحد منهما بالدرك على بائعه.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، حكم بالجميع للحالف، ولزمه ثمن الجميع لبائعه، ولا يرجع الناكل على بائعه بشيء من الثمن.
فلو أحال المشتريان التحالف على البائعين؛ ليكونا خصمين فيه- ففيه قولان:
إن قلنا بإسقاط البينتين بالتعارض، تحالف البائعان، وكان كل واحد من المشتريين خصماً لبائعه.
وإن قلنا باستعمالهما، لم يتحالف البائعان؛ لبت الحكم عليهما بالبينة، ولا رجوع لواحد منهما بالدرك على بائعه وإن تداعياه، ولهما الرجوع بدركه إن لم يتداعياه.
وإذا لم يرجعا بالدرك، فلا خيار لهما في فسخ البيع.
وإن جعلنا لهما الرجوع بالدرك، كان لهما الخيار في فسخ البيع.
قال: وإن كان في يد زيد دار، فادعى كل واحد منهما: أنه باعها منه بألف، وأقام كل واحد منهما بينة على عقده: فإن كان تأريخهما واحداً- أي: مثل أن قالت كل واحدة من البينتين: إن العقد صدر مع الزوال يوم كذا- تعارضت البينتان؛ لاستحالة كون جميع الدار ملكاً لشخصين في آن واحد.
قال: وفيهما قولان سبق توجيههما:
فإن قلنا بالتساقط، رجع إلى من في يده العين، فإن ادعاها لنفسه، حلف كل واحد منهما، وقضى له، وإن أقر لأحدهما، لزمه الثمن له، ويحلف للآخر قولاً واحداً؛ لأنه لو أقر لغرم له؛ فإنه يقر له بمال في ذمته.
وإن أقر أنه ابتاعه من كل
[واحد] [منهما]، لزمه الثمنان.
وإن أقر أنه ابتاعه منهما فقد أقر لكل واحد بنصف الثمن، وله أن يحلفه على الباقي.
وإن قلنا بالاستعمال، جاء قول القرعة والقسمة، وفي مجيء قول الوقف الخلاف السابق بين الفريقين.
فإن قلنا بقول القرعة، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه القولان، والذي لم تخرج له، [له] أن يحلف المشتري.
وإن قلنا بقول القسمة، لزمه نصف ثمن كل واحد، ولا خيار له؛ لأنه يحصل له تمام المبيع، ولا غرض له في عين البائع؛ وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب.
وعن أبي الحسين بن القطان ثبوته؛ لأنه قد يرضى بمعاملة واحد، ولا يرضى بمعاملة اثنين.
فرع: لو شهد شاهدان: إنه اشترى [من] فلان ساعة كذا، وشهد آخران: إنه كان في تلك الحالة ساكناً- فهل تقبل هذه الشهادة الثانية ويحكم بالتعارض، أو لا تقبل؟ فيه خلاف:
والذي ذهب إليه الأكثرون- كما ذكره الإمام- أنها مردودة؛ لتعلقها بالنفي، ومبنى الشهادة على التعرض للإثبات.
ومقابله: موجه بأن هذا نفي يمكن تقدير العلم فيه.
وقد ادعى الرافعي في الفروع التي ذكرها في آخر كتاب الطلاق: أنه ظاهر المذهب؛ لأنه قال: لو رأى ذهباً، وحلف بالطلاق: إنه الذهب الذي أخذه من فلان، فشهد شاهدان: إنه ليس ذلك الذهب، وإنه حانث- فظاهر المذهب: وقوع الطلاق وإن كانت هذه شهدة على لانفي؛ لأنه نفي يحيط العلم به.
قال: وإن كان تأريخهما مختلفاً- أي: بأن شهدت بينة أحدهما بأن عقده جرى في مضان، وبينة الآخر بأن عقده جرى في شوال- لزمه الثمنان؛ لأنه يمكن الجمع بينهما: بأن يكن قد اشترى من الأول في رمضان، ثم باعه من الثاني، ثم اشتراه منه في شوال؛ وهذا كما قلنا في المرأة إذا ادعت أنه تزوجها يوم الخميس بألف، وأقامت بينة، ثم ادعت أنه تزوجها يوم الجمعة بألف، وأقامت بينة؛ فإنا نوجب لها المهرين.
والفرق بين ذلك وبين ما [إذا] ادعى واحد أنه ابتاع هذه الدار من زيد في شعبان، وآخر أنه اشتراها من زيد في رمضان، حيث قدمنا السابق وإن كان مقتضى ما ذكرناه تقديم الأخير- أن ثم المدعى عين واحدة، فإذا باعها مالكها دفعة واحدة، كان البيع صحيحاً، وإذا باعها بيعة ثانية، كان البيع باطلاً؛ لأن ملكه قد زال عنها، وليس كذلك هنا، فإن المدعى ثمن في الذمة، والذمة تتسع لأثمان كثيرة؛ كذا قاله أبو الطيب، وغيره.
وفي "الشامل": أن الإنسان لا يشتري ملك نفسه؛ فاحتجنا عند شرائه ثانياً إلى تقدير الانتقال عنه قبل ذلك لمن اشترى منه ثانياً، بخلاف البيع؛ فإن الإنسان قد يبيع ملك غيره؛ ولم يكن التقدير محتاجاً إليه؛ فلا جرم حكمنا بالملك في تلك المسألة للأول، وهنا ألزمناه الثمنين.
قال: وإن كانتا مطلقتين، أو إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة- فقد قيل: يلزمه الثمنان؛ لاحتمال أن تكونا في وقتين؛ وهذا ما حكاه الماوردي والإمام [عن الأكثرين]، وهو الأصح عند القاضي الحسين وابن الصباغ والإمام والغزالي والنواوي.
وقيل: يلزمه ثمن واحد؛ لأنه المتيقن وجوبه، ويسقط الآخر؛ لأنا نشك في وجوبه؛ وهذا نقل الشيخ أبي حامد.
وقال في "المهذب" وغيره: يدل هذا الطريق الثاني: أنهما يتعارضان كالمؤرختين بتاريخ واحد؛ لأنه يحتمل ويحتمل، والأصل براءة الذمة.
وأيضاً: فإن المدعيين متفقان على أنه لم يجز إلا بيعة واحدة منهما، وهذا الطريق يحكى عن القاضي أبي حامد وأبي الحسين وغيرهما.
وعلى هذا يكون فيهما قولان:
أحدهما: تسقطان، ويكون الحكم كما تقدم.
والثاني: تستعملان بالقرعة، أو القسمة.
وفي الوقف الخلاف.
فإن قلنا بالقسمة، لزمه نصف كل واحد من الثمنين، وهو المعني بقول الشيخ: وقيل: يلزمه ثمن واحد.
وحكى الإمام على قول الاستعمال وجهاً آخر أبداه تخريجاً: أنا نثبت الثمنين، ولا تنخرج الأقوال الثلاثة فيه.
قال: وحينئذ فينتظم على هذا القول طريقان:
أحدهما: ثبوت الثمنين.
والثاني: إجراء الأقوال الثلاثة.
وفي "الرافعي": أن بعض أصحابنا قال: إن شهدت البينتان بالإقباض مع البيع وجب الثمنان لا محالة.
أما إذا أقام كل واحد منهما بينة على إقرار المدعى [عليه] بما [ادعاه]، قال الرافعي: فالأظهر: أن الحكم كما لو قامتا على البيعين أنفسهما، فينظر: إن قامتا
على الإقرار مطلقاً، أو شهد اثنان على الإقرار بالشراء من زيد في وقت الزوال، واثنان على الإقرار بالشراء من عمرو في ذلك [الوقت]، فيجيء ما ذكرناه.
وقيل: يجب الثمنان وإن كانت الشهادة على الإقرار مطلقاً، بخلاف الشهادة على البيعين مطلقاً؛ لأن الشهادة على الأقرار قد يثبت بها ما لم يثبت بالشهادة على نفس المقر به؛ ألا ترى أنه [لو] قامت بينة على إقراره بالغصب من زيد، وأخرى على إقراره بالغصب من عمرو لزمه قيمتان، ولو قامتا على نفس الغصب من زيد، والغصب من عمرو، تعارضتا، وإذا استعملنهاهما، لم يجب إلا قيمة واحدة.
وهذا الطريق لم يحك البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ سواه، ونقله المزني عن الشافعي، واستشهد به على لزوم الثمنين في المسألة السابقة عند إطلاق البينتين، والأصحاب فرقوا بما ذكرناه.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يقول كل واحد منهما: إن بيع الدار صدر منه وهو مالك، أو لا، [و] يدل عليه أنه قال: "وأقام كل واحد منهما بينة على عقده"، وهو ما حكاه أبو الفياض في "تتمة الجامع الصغير"، لكن لفظ الشافعي في "المختصر"- وعليه أكثر الأصحاب- تصوير المسألة بما إذا قال كل واحد منهما: إنها ملكه حالة البيع.
قال: وإن ادعى رجل ملك عبد، وأقام عليه بينة، وادعى الآخر، أي: المنازع له، أنه باعه منه، أو وقفه، أي: عليه، أو أعتقه، وأقام عليه بينة-[قضى] بالبيع، والوقف، والعتق؛ لأن البينة الشاهدة بذلك معها زيادة علم؛ لأنها شهدت بأمر حادث من المشهود له بالملك أولاً؛ فقدمكت على بينة الملك.
ولو أقام العبد بينة أنه حر، قال في "الإشراف": قال أصحابنا: بينة الحرية أولى.
وقال أبو حامد الإسفراييني: بينة الرق أولى؛ لأنها ناقلة من الأصل، فقد أفادت زيادة علم.
والمنازع في العتق تارة يكون العبد، وتارة [يكون] من ذكرناه في أول هذا الباب.
قال: وإن قال لعبده: إن قتلت فأنت حر، فأقام العبد بينة: [أنه قتل]، وأقام الورثة بينة أنه مات- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، ويرق العبد- أي: بعد حلف الورثة- لأن كل واحد تنفي ما تثبته الأخرى؛ فبينة القتل تثبته وتنفي الموت، وبينة الموت تثبته وتنفي القتل، فسقطتا، وكأن لا بينة؛ فيحلف الوارث على نفي العتق.
والثاني: تقدم بينة القتل؛ لأنها عرفت زيادة لا تعرفها الأخرى، وهي الموت قتلاً.
وأيضاً: [فإن] كل قتيل ميت، وليس كل ميت قتيلاً؛ فعلى هذا يعتق العبد.
وهذا هو الظاهر من القياس على ما ذكره أبو الحسن العبادي، ونقل طريقة قاطعة به، وقد صححه النواوي، واختاره في "المرشد".
وما ذكره الشيخ هو ما حكاه الأصحاب عن الشافعي في آخر كتاب الشهادات من "الأم"؛ لأنه ذكر هذه المسألة والتي تليها ثم.
قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون هذا الخلاف على قوله الجديد: إن البينتين إذا تعارضتا سقطتا، ويجيء على القول القديم الأقوال في الاستعمال.
وقد أورده الرافعي في المسالة فقهاً من غير أن يذكره احتمالاً لأحد، وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين، و"النهاية" و"التهذيب".
وقال الرافعي: إنا إذا قلنا بالقسمة عتق نصفه، وإن قلنا بالقرعة عتق إن خرجت له القرعة، ورق إن خرجت للوارث.
والوقف لا يجيء، وقال الإمام: إن قول الوقف لا يخرج هاهنا؛ فإنه لا منتهى له، وهو يرجع في التحقيق إلى ضبط العبد وتعطيل منفعته.
ولا شك أنه لا يثبت القصاص بقتل السيد إذا ثبتت البينة من قبله؛ لأن الوارث امنكر للقتل.
نعم، لو ادعى الوارث القتل، وأقام المدعي بينة أنه مات حتف أنفه- جرى القولان.
قال: وإن قال: [إن] مت في رمضان فعبدي حر، وإن مت في شوال فجاريتي حرة، ومات، فأقام العبد بينة [أنه مات] في رمضان، والجارية بينة بالموت في شوال- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، ويرقان؛ لتنافيهما.
وفي "النهاية": أنا إذا قلنا بالتساقط فقد عتق أحدهما، وأشكل الأمر، ولو اتفق مثل هذا لم يخف حكمه في أن الرجوع إلى الورثة، وكيف السبيل؟ وهو بمثابة ما لو قال: إن كان هذا الطائر غراباً فغانم حر، وإن لم يكن غراباً فسالم حر، ومر الطائر، وأشكل الأمر.
والثاني: تقدم [بينة] رمضان؛ لجواز علمها بذلك وخفاء الأمر على بينة شوال؛ وهذا ما صححه النواوي، واختاره في "المرشد".
وعن ابن سريج والمزني – كما قال الرافعي- أن بينة شوال أولى؛ لأن معها زيادة علم، وهو استمرار الحياة إلى شوال، وربما أغمي عليه في رمضان؛ فظنت البينة الشاهدة بالموت فيه الموت.
قال الرافعي: ولمن شرطه أن يطرده في نظائر المسألة من قبل ومن بعد.
وفي "التهذيب" أن ما ذكره الشيخ مفرع على القول الصحيح، وهو التساقط، أما إذا قلنا: تستعملان، فتجيء الأقوال الثلاثة.
قال الرافعي: وعلى قول القسمة يعتق من كل واحد منهما نصفه.
فرع: لو حكم الحاكم بشهادة شاهدي الموت في رمضان، ثم شهد على أنه مات في شوال شاهدان- فهل ينقض الحكم على القول الأول، وينزل ذلك منزلة ما لو شهدت البينتان معاً أم لا؟
عن ابن سريج تخريج قولين فيه؛ كما لو بان فسق الشهود بعد الحكم؛
قاله الرافعي والروياني وغيرهما.
وقد يطلب الفرق على مذهب ابن سريج بين هذا وبين ما إذا حضرت بينة صاحب اليد بعد الحكم للخارج بالبينة؛ فإنه قال ثم: ينقض الحكم جزماً.
قال: وإن قال لأحدهما: إن مت [بمرضي هذا] فأنت حر، وقال للآخر: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر، ومات، وأقام كل واحد منهما بينة على ما يوجب عتقه- تعارضت البينتان- أي: قولاً واحد- لأن كل واحدة منهما تكذب الأخرى.
وفي "الرافعي" و"التهذيب" وراء ذلك وجهان:
أحدهما: أن بينة الموت من ذلك المرض أولى؛ لزيادة علمها بالموت، وقد حكاه الموردي قولاً آخر.
والثاني: أن بينة البرء أولى؛ لعلمها بالبرء، ويحكى هذا عن ابن القطان.
والصحيح [ما أورده الشيخ]، وهو المحكي في "الشامل" و"تعليق" البندنيجي عن نص الشافعي، والقاضي الحسين لم يورد سواه.
وعلى هذا قال الشيخ: وسقطتا، ورق العبدان: أي: إذا قلنا بالتساقط؛ كما هو الجديد، ولكل منهما تحليف الورثة.
وي "الحاوي": أنا إذا قلنا بالتساقط فقد انعتق أحدهما، ولم يتعين العتق فيه؛ فيرجع إلى بيان الورثة في ذلك.
فإن بينوا عتق أحدهما، عمل في ذلك على بيانهم، وحكم برق الآخر، وله إحلافهم.
وإن عدم بيان الورثة، أقرع بينهما، وعتق القارع، ورق المقروع.
أما إذا قلنا بالقديم- وهو قول الاستعمال-[فتجيء الأقوال]؛ صرح به الرافعي.
وحكى عن رواية ابن كج عن بعض [الأصحاب]: أنه إذا وجد التعارض في مثل هذا غلبت الحرية، ويجيء ما جزم به الشيخ من [طريقة] التساقط- أيضاً-
على الطريقة التي حكاها الإمام وغيره: أن محل الاستعمال إذا لم تتكاذب البينتان صريحاً، أما إذا تكاذبتا فلا؛ لأن هنا التكاذب صريح، والله أعلم.
قال: وإن شهد شاهدان: إنه أعتق سالماً- أي: في مرض موته- وهو ثلث ماله، وشهد آخران: إنه أعتق غانماً، وهو ثلث ماله، ولم يعلم الأول منهما- أي: وقد تحقق أن أحدهما بعد الآخر- ففيه قولان:
أحدهما: يعتق من كل واحد منهما نصفه؛ لتساويهما، وتعذر القرعة؛ إذ ربما خرج سهم الرق [على الحر] فيصير رقيقاً، وعلى العكس، فإذا أعتقنا من كل واحد نصفه، عتق نصف المقدم، وعتقه مستحق، ورق نصف المتأخر، ورقه مستحق.
وأيضاً: فإنه لو شهد شاهدان: إنه أوصى لهذا بثلثه، وشهد آخران: إنه أوصى لآخر بثلثه- قسم بينهما؛ فكذلك هاهنا؛ وهذا ما نص عليه في "المختصر" في باب الشهادة في الوصية، وهو الذي رجحه الروياني وغيره، وقال البندنيجي: إن أبا إسحاق وابن سريج قطعا به.
والثاني: يقرع بينهما؛ لامتناع الجمع بينهما، وعدم المزية في أحدهما؛ فكان إكمال الحرية في أحدهما أولى من تبعيضها فيهما؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره المزني وآخرون، ومنهم من قطع به، وحمل قول الشافعي في "المختصر" على ما إذا شهدت البينتان بالوصية بالعتق لا بتنجزه.
ومنهم من أجرى القولين في التنجيز والوصية؛ كذا قاله القاضي الحسين وغيره، والقولان في مسألة الكتاب- كما قال جماعة من الأئمة- كالقولين في الجمعتين والنكاحين في مثل هذه الحالة، فإن قلنا ببطلان النكاحين والجمعتين، أقرعنا هاهنا كما لو وقعتا معاً.
وإن توقفنا في النكاحين، وأمرنا الجميع بالظهر- أعتقنا من كل واحد منهما نصفه.
وقد فرع الماوردي وغيره على القولين في الكتاب إذا كانت قيمة أحدهما ثلث
المال، وقيمة الآخر سدسه، فقال: إن قلنا بالقرعة، فإن خرجت للذي قيمته الثلث، عتق جميعه، وإلا عتق جميع الآخر، ونصف هذا.
وإن قلنا بالقسمة يعتق من النفيس ثلثاه، ومن الخسيس ثلثاه؛ كما لو أوصى لزيد بجميع ماله، ولعمرو بثلث ماله، وأجاز الورثة- فإنه يقسم المال بينهما أرباعاً؛ فإن الموصى له بالكل يضارب بثلاثة أمثال ما يضارب به الآخر.
وهذا ما أورده الأكثرون، وتكون المسألة على هذا تصح من ثمانية عشر سهماً.
وفي "الوسيط" وجه آخر: أنه يعتق من النفيس ثلاثة أرباعه، ومن الخسيس نصفه؛ لأن النفيس يقول: إذا أعتقت أولاً فجميعي [حر]، وإن تأخرت فنصفي حر؛ فنصفي مسلم لا خلاف فيه، وإنما النزاع في نصفي الآخر، وقد قدر سدس بيني وبينك؛ فيقسم علينا.
قال: وهذا ينبغي أن يطرد في مسألة الوصية، فيقول الموصى له بالكل: أما الثلثان فهما مسلمان إلي، وإنما التزاحم في الثلث؛ فيقسم علينا؛ فيحصل له بالكل على خمسة أسداس، والآخر على سدس، وقد قطع الإمام بهذا التخريج، وقال: إنه لا فرق بين الصورتين.
أما إذا علم السابق منهما، فهو المعتق.
ولو وقع العتقان معاً، أقرع بينهما جزماً؛ للخبر.
قال القاضي الحسين: وهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه وجهان.
ولو أمكن سبق أحدهما، ووقوعهما معاً، قال القاضي الحسين، وتبعه الإمام، والبغوي: فكذلك يقرع.
وقال الإمام وغيره: احتمال الترتيب أغلب، وأقرب من احتمال المعية، والسابق منهما غير معلوم، وإذا كان كذلك، وتعارضت البينتان، وأطلقتا- علمنا أن أحد العقدين سابق، ولم نعرفه بعينه؛ فيجيء القولان.
قال القاضي الحسين: ولا خلاف أنا إذا علمنا عين السابق، ولكن نسيناه: أنه يعتق من كل واحد منهما نصفه.
وهذا قياس قول من قال: إذا علم السابق من النكاحين والجمعتين، ونسي: أنه يوقف، وهو الظاهر.
وقد حكى البغوي والرافعي في المسألتين طريقين:
أحدهما: هذا، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسي وغيره.
والثاني: طرد القولين.
قال: وإن ادعى عيناً في يد زيد، وأقام بينة بملك متقدم، فإن شهدت البينة: إنها ملكه أمس، لم يحكم له؛ لأنه يدعي ملك العين في الحال، والبينة لا تشهد له بذلك، وإنما تشهد له [بأنها له] بالأمس؛ فصار كما لو ادعى شيئاً، وشهدت له البينة بغيره.
ولأن ثبوت الملك سابقاً إن اقتضى بقاءه، فيد المدعي علي وتصرفه يدل على الانتقال إليه بحق؛ فلا يحصل ظن الملك في الحال.
قال: حتى تشهد البينة: إنه أخذها منه زيد- أي: بما لا يوجب زوال الملك- إما بمباح: [كإجارة] أو عارية، أو بمحظور: من غصب وتغلب؛ لأنه قد بان بالبينة أن اليد الطارئة غير موجبة للملك؛ فثبت بها حكم الملك المتقدم.
وهذا ما نقله المزني، والربيع؛ ولأجل ذلك قال القاضي الحسين والإمام: إنه الجديد، وهو المذهب.
وقيل: فيه قولان:
أصحهما: أنه لا يحكم له؛ لما ذكرناه.
ولأن دعوى الملك السابق لا تسمع [مجردة عن الملك في الحال]؛ فكذلك البينة [عليه].
والثاني: يحكم [له]؛ لأنه قد ثبت بالبينة أن العين كانت له بالأمس، والظاهر بقاء الملك؛ وهذا القول رواه "البويطي"، وقال القاضي الحسين والإمام: إنه القديم.
والطريقان جاريان- كما حكاه المصنف والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام- فيما إذا شهدت البينة بأن العين كانت في يده بالأمس، وأكثرهم
حكوا النصين فيها، وقالوا: لا فرق بين أن تشهد له باليد أمس، أو تشهد له بالملك أمس، ووراء ذلك أمران:
أحدهما: حكى الماوردي الطريقين في الشهادة باليد السابقة، واقتضى إيراده أن البنية إذا شهدت بالملك القديم، سمعت جزماً؛ فإنه قال في توجيه الحكم بالشهادة باليد السابقة: إن اليد دالة على الملك؛ فجرت مجراه، وقد ثبت أن المدعي لو أقام بينة على أن الدار كانت له بالأمس، حكم له بها؛ كذلك إذا أقام بينة أنها كانت في يده بالأمس.
وأشار عند الكلام فيما إذا شهدت البينة: إن هذه الجارية بنت أمته، إلى خلاف في الصورتين، لكن بالترتيب، فإنه قال: مذهب الشافعي المشهور: أنه لا يحكم له باليد إذا شهدوا له بيد متقدمة وإن حكم له بالملك إذا شهدوا له بالملك المتقدم على أحد القولين، وأن "البويطي" وابن سريج كانا يجمعان بين الشهادة بقديم الملك، وقديم اليد في الحكم بها على أحد القولين، وقد ذكرنا من فروق أصحابنا بين قديم الملك وقديم اليد ما يمنع الجمع بينهما، وكأنه يشير إلى أن اليد السابقة لا تدل على الملك إلا ظاهراً، ويجوز أن تكون على غير ملك؛ كما علل به الأصحاب ما حكي عن الشافعي في "الأم" حيث قال: إذا شهد شاهدان: [إن] هذه الدار لفلان منذ سنة، وشهد آخران: إنها في يد آخر منذ سنة- أن بينة الملك أولى من بينة اليد؛ لأن اليد تكون على ملك، وغير ملك، بخلاف الملك.
الأمر الثاني: ادعى الغزالي في "الوسيط"، و"الوجيز": أنه لا خلاف في أن البنية لو شهدت بأنه كان [في] يد المدعي بالأمس- قبل، وجعل المدعي صاحب اليد.
ولعل ذلك محمول على ما إذا شهدت البينة بذلك، وأن المدعى عليه أخذها من يده؛ كما نص على ذلك في "المختصر"، وصرح به الأصحاب.
ومن أجرى لفظه على ظاهره قال: إن الغلط وقع [في] ذلك من جهة أنه لما قدم أن البينة إذا أسندت الملك إلى محسوس بأن قالت: إنه كان في ملكه بالأمس، اشتراه من صاحب اليد: أنه يقبل- قال في الشهادة باليد أمس: إنها مقبولة كذلك.
والمنقول ما ذكرناه، والله أعلم.
ثم طريقة القولين في الصورتين هي المشهورة، وهي في "الشامل"، و"تعليق" البندنيجي منسوبة إلى ابن سريج، وقالا: إنه قال: أصل القولين ما إذا تنازعا داراً في يد غيرهما، وأقام أحدهما بينة: أنها ملكه منذ سنة إلى الآن، والآخر بينة: أنها ملكه في الحال- ما حكمهما؟
فإن قلنا: إنهما سواء، فهاهنا لا تسمع البينة بالملك المتقدم واليد السابقة.
وإن قلنا: بينة الملك القديم أولى، فهاهنا تسمع البينة بالملك المتقدم واليد السابقة.
وفي "الرافعي": أن بعضهم عكس فبنى الخلاف في تلك المسألة على الخلاف في هذه المسألة، وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين.
وسلك الإمام طريقاًآخر، فقال: إن قلنا في المسألة التي جعلها ابن سريج أصلاً لهذه المسألة بالتساوي، فهنا لا نحكم بالبينة بالملك السابق واليد السابقة، وإن قلنا ثم: تترجح بينة الملك المتقدم، فإذ ذاك يجري القولان هاهنا: الجديد، والقديم.
والقائلون بالطريق الأول- ومنهم أبو إسحاق المروزي- قالوا: ما قاله "البويطي" من كيسه، لا من قول الشافعي.
والصحيح- وإن ثبت الخلاف-: عدم السماع عند الاقتصار على الشهادة بالملك المتقدم أو اليد، كما ذكره الشيخ.
أما إذا شهدت بالملك المتقدم، وقالت: إنه ثابت في الحال، أو: لم يزل، أو: لا نعلم له مزيلاً- سمعت؛ كما قاله الإمام والقاضي الحسين والرافعي، وترتب الحكم عليها.
وفي الحالة الأخرى أمران:
أحدهما: نقل ابن المنذر عن الشافعي: أنه يحلف المدعي مع البينة.
قال القاضي أبو سعد: وهو غريب، ووجهه: بأن البينة قامت على خلاف الظاهر، ولم تتعرض لإسقاط ما مع المدعى عليه من الظاهر؛ فأضيف إليها اليمين.
الثاني: قال ابن أبي الدم: إن في السماع وترتب الحكم نظراً؛ لأنها إذا شهدت:
إنه كان ملكه أمس، ولم نقبلها مجردة، فقولها: ولم يزل إلى الآن، نفي محض؛ فلا يقبل.
ثم حكي بعد ذلك أن الشاهد إذا قال: أشهد: إنه كان ملكه بالأمس، ولا أعلم مزيلاً- قال بعض الأصحاب: يكفي هذا.
وأكثرهم قالوا: لا يكفي، بل لابد من الجزم بالشهادة بالملك في الحال، ويجوز للشاهد أن يشهد بالملك في الحال؛ استصحاباً لحكم ما عرفه من قبل: كشراء، أو إرث وغيرهما، وإن كان يجوز زواله.
قال الإمام: ولم أر الأصحاب يشترطون في ذلك خبرة باطنة، معربة باستمرار الزمان يطلع بها الشاهد على ظهور دوام الملك.
نعم، لو صرح في شهادته: أنه اعتمد الاستصجاب فوجهان:
المحكي منهما في "الوسيط"، و"النهاية" عن الأصحاب: عدم القبول؛ كما لا تقبل شهادة الرضاع على امتصاص الثدي وحركة الحلقوم، وقد اختار هذا الشيخ أبو محمد وصاحب "التقريب".
وعن القاضي الحسين: القبول؛ لأنا نعلم أنه لا مستند له سواه، بخلاف الرضاع؛ فإنه يدرك بقرائن لا تدخل في العبادة.
ولو قال: لا أدري أزال ملكه أم لا؟ لم يقبل؛ صرح به القاضي الحسين.
فروع:
لو أقام الداخل بينة بأن العين ملكه بعد أن شدت بيبنة الخارج بأنها ملكه غصبها منه الداخل، كانت بينة الخارج أولى؛ كما حكاه [الشيخ] أبو علي عن ابن سريج.
وقال القاضي الحسين: فيه إشكال.
وعند الأصحاب بينة ذي اليد أولى، وهو المحكي عن الشيخ أبي علي.
والصحيح في "التهذيب"، والذي عليه كل العراقيين أو غالبهم: [الأول].
قال ابن أبي الدم: ولم يحك أحد منهم فيما أعلمه فيه خلافاً.
ولو شهدت البينة: إنه أقر أمس للمدعي بالملك، قبلت الشهادة، واستديم حكم الإقرار وإن [لم] يصرح الشاهد بالملك في الحال.
وحكى الإمام في "النهاية" عن صاحب "التقريب" في المسألة طريقين:
أحدهما: هذا.
والثاني: إلحاق ذلك بالشهادة على الملك المتقدم؛ فيجيء القولان.
قال الإمام: هذا وإن كان منقاساً، فالذي أعتقده فيه أنه خرق لما اتفق عليه الأولون، والقول به مسبوق بالإجماع، وإن اختار القاضي هذه الطريقة فهو بمثابة التمسك بقياس جرى في مصادمة قاعدة كلية.
ولأجل ذلك جزم الغزالي [في "الوجيز"] بالطريق الأول، ووجهه بأنه لولا المؤاخذة به، لبطلت فائدة الأقارير.
ولو قال المدعي عليه: هو ملكي، وكان ملكك أمس- ففيه وجهان:
أظهرهما في "تعليق" القاضي الحسين: أنه ينزع من يده، ويسلم للمدعي بإقراره [له].
والثاني: لا ينزع من يده؛ لثبوت يده عليه، واليد دلالة على الملك.
قال القاضي: وفيه ضعف؛ لأنه لو قال: العين ملكك بالأمس، واليوم ملكي، فلا خلاف أنها تنزع من يده؛ فكذلك إذا تأخر الإقرار بالملك للمدعي.
وكلام الغزالي مصرح بإجراء الخلاف في هذه الصورة أيضاً.
والقائلون بالمؤاخذة فرقوا بين الشهادة والإقرار: بأن المقر لا يقر إلا عن تحقيق: والشاهد قد يتساهل ويبني الأمر على التخمين؛ فإذا لم ينضم إليه الجزم في الحال ضعف.
والذي جزم به ابن الصباغ، وحكاه الماوردي والبندنيجي وأبو الطيب عن ابن سريج فيما إذا أقر له بالملك أمس- المؤاخذة، وحكاية الوجهين فيما إذا أقر بأن العين كانت في يده أمس، وقلنا: لا تسمع الشهادة باليد المتقدمة؛ وعلى هذه الطريقة يطلب الفرق من وجهين:
أحدهما: بين قيام البينة باليد السابقة، والإقرار باليد السابقة، وقد حكى البندنيجي عن ابن سريج: أنه فرق بأن يد المدعى عليه قائمة على الملك في الحال، والظاهر: أنها لم تزل كذلك، والبينة أثبتت للمدعي يداً أمس؛ فتعارض ما سلف وسقط، وبقيت للمدعى عليه يد مشاهدة في الحال، وليس كذلك إذا أقر له باليد أمس؛ [لأن إقراره يمنع أن تكون يده اليوم تدل على إزالة اليد أمس] فيثبت للمقر له يد أمس؛ فلا تزال حتى يعلم سبب زوالها.
وقال ابن الصباغ: يمكن أن يفرق بأن البينة لا تسمع إلا على ما ادعاه، والدعوى يجب أن تكون متعلقة بالحال، والإقرار يصح فيما لا تصح دعواه، وهو المجهول؛ فصح- أيضاً- في الماضي.
والثاني: بين الإقرار بالملك السابق والإقرار باليد السابقة، وقد أشار إليه الأصحاب-[حكاية عن ابن سريج] – فقالوا: اليد قد تكون مستحقة، وقد لا تكون، فإذا كانت قائمة أخذنا بالظاهر فيها والاستصحاب، فإذا زالت ضعفت دلالتها؛ لأن الظاهر من يد الثاني الاستحقاق أيضاً؛ فبطل حكم اليد الأولى، بخلاف الشهادة بالملك السابق؛ فإن الملك إذا ثبت بالأمس، لم يخل عن الملك.
قال ابن الصباغ: وهذا الفرق يبطل بالتسوية بين اليد والملك في البينة.
ولو ادعى على الاخل شيئاً في يده، ولم يسبق من الداخل إقرار مطق للخارج ولا بيع، فقال الداخل في الخصومة: كانت العين ملك هذا المدعي أمس- قال صاحب "التقريب": هل يكون هذا كما لو شهدت بينته أنها كانت في ملك المدعي أمس، أم يكون هذا الإقرار بمثابة إقرار مطلق تشهد به البينة على الداخل: إنه أقر بأنها كانت في ملك المدعي أمس؟ فيه وجهان.
قال الإمام: ولا نهاية للطف هذا التفصيل.
فائدة: إذا شهدت البينة بالملك فمن ضرورتها تقدم الملك على الوقت الذي وقعت فيه الشهادة؛ فإنها لا توجب ثبوت الملك، وإنما تظهره؛ فتعين ارتباط ذلك بمتقدم؛ حتى يتصور انتقال الملك فيه بسبب من الأسباب.
قال الإمام: وهذا التقديم يقع الاكتفاء فيه بلحظة لا تقبل زماناً يتميز في الحس؛ حتى لو ادعى شاة، وأقام على دعواه بينة، وكانت نتجت قبل الإقامة بساعة- فلا يقضي له بالنتاج.
نعم، لو أقام المدعي بينة بملك الشاة وكانت حاملاً، ولم تتعرض البينة لذكر الحمل- ثبت ملكه في الشاة وحملها؛ حتى لو انفصل بعد الشهادة، وقبل تزكية البينة- كان للمدعي.
وما ذكره الأصحاب في كون الحمل يكون للمدعي إذا شهدت البينة بملك الشاة، ولم تتعرض للحمل- قاسوه على ما لو اشتراها وهي حامل؛ فإن الملك يثبت في الحمل وإن لم يذكره حالة العقد.
قال الإمام: وقد يتطرق إليه احتمال على بعد؛ فإن الملك يفرض متبعضاً في البهيمة وحملها بالوصية.
قلت: وفي الهبة، والبيع القهري، والرد بالعيب؛ على أحد القولين، كما حكينا ذلك في باب ما يجوز بيعه، وأن الجديد في الهبة: أنه لا يتبع.
وإذا كان كذلك قال الإمام: فلا يبعد أن يدعي البهيمة ويستثني حملها في دعواه.
وأما استتباع البهيمة للحمل في البيع، فذاك لأمر متعلق بمقتضى العقد؛ لأنه لا يصح بيع البهيمة دون ولدها؛ على المذهب الظاهر، والاستثناء في الدعوى والإقرار جائز.
وقد حكى الرافعي هذا الاحتمال وجهاً، وأنه لا يحكم له بالحمل.
وهذا الذي حكيناه هو المشهور في المذهب.
وفي الرافعي: أن القاضي أبا سعد الهروي ذكر أن الفقيه أبا نصر البلخي- من أصحاب الرأي- حكى عن أصحابنا: أن قيام البينة يقتضي سبق الملك؛ حتى يكون النتاج للمدعي.
قلت: و [على] هذا ينطبق ما حكاه المحاملي في "المجموع" في باب الشرط الذي يفسد البيع، والبندنيجي قبيل باب القافة-: أن ابن سريج قال: إذا كان في يد
الرجل جارية لها ولد، فادعاها رجل، وأقام بينة: أنها له- حكم له بها، وهل يحكم له بالولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن البينة لا تنقل الملك في الحال، وإنما يتبين بها حصول الملك فيما قبل؛ فيحكم بأن الولد حصل [في] ملك من قامت له البينة.
وأصحهما: لا؛ وعلى هذا إشكالان:
أحدهما: [ما] أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام؛ فإنه حكي عنه أنه قال: من شرط سماع الشهادة في حقوق الآدميين تقدم الدعوى الصحيحة عليها، وموافقة الشهادة لها.
وقضية ذلك: أن يحكم بالملك قبيل الدعوى؛ لأن من شرط صحة الدعوى تقدم الملك عليه؛ فإنها [لا] تنشئ الملك، وإلا لكان الحكم مرتباً على دعوى لم يحكم بصحتها، ولا وافقتها [البينة]؛ فإن المدعى عند الزوال من يوم الجمعة تتضمن دعواه وجود الملك في تلك الحالة وقبيلها، فإذا أقام البينة عند الزوال من يوم السبت، ولم يحكم بالملك إلا قبيل الشهادة- كانت شاهدة بما لم تتضمنه الدعوى؛ فينبغي ألا تسمع؛ كما قاله الأصحاب في الشهدة [بالملك] المتقدم.
وقد يجاب بأن ما ذكره الأصحاب سلكوا فيه طريق التحقيق؛ فإنه لا يتحقق تضمن شهادتهم نقل الملك في أكثر من الزمن المذكور، واحتمال تقدم الملك على الدعوى لا ينكر، وهو الكافي [في] سماع الشهادة؛ لأن المعتبر في صحة الدعوى التي يترتب عليها سماع الشهادة انتظامها وإمكانها ظاهراً، لا موافقتها ما في نفس الأمر.
وأيضاً: فإن الشهادة لا تقام إلا بطلب المدعي؛ فيقدر عند طلبه أداء الشهادة كأنه مدع للملك ذلك الوقت أيضاً؛ فلم تقع الشهادة مخالفة للدعوى.
نعم، قد يعكر على هذا ما إذا أقام شاهداً واحداً، ثم أقام آخر [بعد] مدة؛ فإن الحكم يقع عند إقامة الثاني الشهادة.
وقضية ما قاله الأصحاب: أن يكون ما شهد به الأول غير ما شهد به الثاني، وأن لا تلفيق.
وقد صرح في "الزوائد" في كتاب الشهادات بأنه لو حدثت ثمرة بين الشهادتين، كانت للمدعي [عليه]، لكن قد حكينا عن القاضي في باب صفة القضاء عند الكلام في طلب الحبس حتى تزكي البينة ما يدفعه؛ فاطلبه [من] ثم، والله أعلم.
الثاني: قال الأصحاب: من اشترى عيناً من الأعيان، وتمادى الزمان سنين، ثم جاء مدع، وادعاها في يد المشتري، وانتزعها منه ببينة شهدت له بملكها من غير بيان سبب الملك- كان للمشتري أن يرجع على بائعه بالثمن.
قال القاضي الحسين: وهذا مع ما ذكروه لا يجتمع؛ لأن شهادة البينة لا تتضمن إسناد ملك المدعي- كما قالوا- إلى زمان يوصف بأن يشار إليه، بل لا يقتضي إلا ملك الحال وتقديراً في التقدم؛ فكيف يملك المشتري الرجوع على البائع مع إمكان ثبوت ملك المنتزع للعين؛ تلقياً من هذا المشتري؟ وهذا ضمنه الغزالي قوله: "وعجب أن يترك في يده نتاج حصل قبل البينة وبعد الشراء، ثم هو يرجع على البائع! ".
ثم قال القاضي: ويحتمل أن نقول: لا يرجع المشتري بالثمن على البائع- والحالة كما وصفنا- بناء على ذلك، إلا أن تسند البينة الاستحقاق إلى حالة العقد؛ فإذ ذاك يثبت أن البيع صادف مستحقاً.
قال الإمام: وما ذكره القاضي لا دفع له من طريق القياس، لكنه قال: أجمع الأصحاب من عند آخرهم على خلاف ما ذكرته، وقد رأيته في "تعليقه"، والممكن في توجيه ما ذكره الأصحاب: أن يقال: البينة الشاهدة للمدعي بالملك لا يظن بها إلا الصدق، والأصل عدم نقل الملك من المشتري، مع أنه لا يمكنه أن يثبت عدم [تصرف] نفسه؛ فاكتفينا في حقه بعدم تحقق النقل من جهته وإن كان محتملاً؛ لأجل الوثوق بالعهدة، كما أن الشرع صحح ضمان العهدة خارجاً عن القياس؛ لأجل ذلك.
وإذا لوحظ ما ذكرناه لم [يكن لصدق] الشهود محتمل إلا إسناد الاستحقاق إلى ما تقدم؛ فلهذا ثبت له الرجوع.
وزاد الأصحاب عليه فقالوا: لو وهب المشتري العين المشتراة أو باعها، فأقام مدعٍ على من هي في يده البينة بأنها ملكه – رجع المشتري [الأول] على بائعه.
قال الإمام: وهذا لا إشكال فيه بعد تقرير الأصل المذكور.
فرع: المشتري من المشتري إذا استحق الملك في يده، ولم [يظفر ببائعه] – هل له أن يطالب البائع الأول بالثمن؟ في "فتاوى" القاضي الحسين: أن الأصح: أنه لا يطالبه، ويشبه ذلك من مات وعليه دين، وادعى وارثه ديناً على غيره، وأنكر المدعى عليه، ونكل الوارث – هل يحلف الغريم؟
قال: وإن ادعى مملوكاً، وأقام بينة: أنه ولدته أمته في ملكه، أو [ادعى] ثمرة، وأقام بينة أنها أثمرتها نخلته في ملكه – حكم له، وقيل: وهي كالبينة بملك متقدم؛ لأنهما أضافا الملك إلى حالة الولادة، وخروج الثمرة؛ وذلك زمن متقدم؛ فعلى هذا يجيء القولان؛ وهذه طريقة "البويطي" وابن سريج.
والفرق على الطريق الأول – وهو الذي نص عليه الشافعي، واختاره أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وسائر الأصحاب؛ كما قاله أبو الطيب – من وجهين:
أحدهما: أن الشهادة هناك بملك مقصود متبوع غير تابع لغيره؛ فلهذا لم تقبل بملك كان حتى يصل ذلك بحالة التنازع، وها هنا الشهادة بالتبع، والأصل ملك ثابت له في الحال؛ فثبت أنها تبع للأصل.
والثاني: أن النتاج والثمرة لما لم يتقدمه فيهما مالك، صار في تملكهما أصلاً، وقديم الملك لما تقدمه فيه مالك، صار في تملكه فرعاً، وحكم الأصل أقوى من حكم الفرع.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يحدث الولد لغير مالك الأم بالوصية وغيرها مما ذكرناه، فكيف تحكمون بالملك بهذه الشهادة؟
قال الماوردي: قلنا: هذا نادر أخرجته الوصية عن حكم أصله؛ فصار كالاستثناء الذي لا يمنع جوازه من استعماله على العموم قبل وروده.
وهذا ما أورده العراقيون والماوردي.
وسلك الإمام طريقًا آخر، فقال: إن أراد بقوله: ولدته، والولد في ملكي، فقد ادعى ملك الولد، ولكن لم يدعه الآن، وإنما ادعى ملكه حالة الولادة، فإذا أقام على ذلك بينة، ولم تتعرض البينة لملك الحال- فهذا يتخرج على القولين في ملك أمس، ولا فرق.
وإن قال: ولدته جاريتي في ملكي، وفسر ذلك بأن الجارية مملوكة له عند الولادة، فنقول: قد تكون الجارية مملوكة له، ويتصور ذلك بالوصية، وقد يكون الولد حرًّا؛ فليس ما ذكره دعوى ملك في الولد، ولكن ادعى حصول الولد في يده، ثم ادعى يدًا في زمان سابق؛ فيجري فيه القولان في دعوى اليد السابقة.
وقد يخطر في هذا المقام أنه إذا ادعى الملك في أمه – إذ هو ثابت له بلا نزاع – فينبغي أن يلتحق ذلك بما إذا ادعى جارية حاملاً؛ فإنه يكون مدعيّا لحملها – أيضًا- وهذا فقيه، ولكن فيه احتمال من جهة: أنه أفرد الولد بالدعوى في هذه المسألة، وفي تلك وجَّه الدعوى على الأم فتبع الولد.
قلت: وحاصل ما ذكره الإمام يرجع إلى طريقة ابن سريج؛ فإن عنده لا فرق بين الشهادة بالملك السابق أو اليد السابقة، والله أعلم.
قال: وإن ادعى أن هذا العبد كان له، [وأعتقه، وغصبه] فلان، وأقام عليه بينة – فقد قيل: يقضي بها، وقيل: هي كالبينة بملك متقدم.
والفرق على الطريق الأول: أن البينة ها هنا شهدت على وفق الدعوى؛ لأنه لا يدعي الملك لنفسه في الحال، ولا كذلك ثمة.
فإن قيل: قد قلتم من قبل: إن الدعوى بملك سابق لا تسمع، وهو ما حكاه الماوردي عند الكلام فيما إذا شهدت البينة: إن هذه [العين] كانت في يده أمس، وقال الإمام في باب الدعوى في وقت دون وقت: لست أعرف خلافًا في رد دعواه؛
فكيف يستقيم ما ذكرتموه من الفرق؟!
قلت: ذاك فيما إذا كان الملك في الحال مقصودًا متصورًا، وليس كذلك فيما نحن فيه؛ فإن المقصود إثبات العتق، ودفع الغصب، وذكر الملك السابق وقع تبعًا.
قال: وإن ادعى عينًا في يد غيره، وأقام بينة: أنه ابتاعها من رجل – لم يقض له، أي: بتسليم العين؛ لأن الإنسان قد يبيع ما لا يملكه؛ فلا تزول يد صاحب اليد بالاحتمال.
قال: حتى تشهد البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه، أو ابتاعها وتسلمها من يده.
هذا الفصل ينظم مسألتين:
إحداهما: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها منه وهي في ملكه – يقضي له بتسليم العين؛ لأن ملك المشتري إنما حصل من جهة البائع، فإذا ثبت ملك البائع كان ثابتاً للمشتري الآن؛ فصار كما إذا شهدت بأنه يملكها من سنة؛ كذا قاله ابن الصباغ نقلاً وتوجيهاً، ولم يحك غيره من العراقيين والمراوزة- كالإمام والقاضي الحسين والشيخ أبي علي في "شرحه الكبير" – سواه.
نعم، حكى الرافعي في الفروع قبيل كتاب العتق عما جمع من "فتاوى" القفال: أن البينة إذا شهدت بأنه اشترى هذه الدار من فلان وهو يملكها، ولم يقولوا: إنها الآن ملك المدعي، في قبول هذه الشهادة – قولين؛ كما لو شهدوا: إنها كانت ملكه بالأمس.
ويوافق هذا قول القاضي في "فتاويه": إن الشهود إذا شهدوا بأن هذه الدار كانت لفلان إلى أن مات، وخلفها [ميراثاً] لابنه هذا، ولم يقولوا: إنها الآن ملك هذا الابن: إن الحكم كما لو قالوا: هذه الدار كانت لفلان أمس؛ لا يقبل في الجديد.
وعلى الطريقة الأولى إذا شهدت البينة: إنها للمشتري بابتياعها من زيد، قضى له – أيضاً- صرح به ابن الصباغ والرافعي، والبندنيجي وقال: إنها غير منصوصة.
الثانية: إذا شهدت البينة: إنه ابتاعها، وتسلمها من يده – قضى له بها؛ لأن الظاهر
أنها ملك لمن أقبضها؛ فنزل ذلك منزلة الشهادة بالملك حالة البيع؛ وهذا ما صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي، والشيخ أبو علي في "شرحه الكبير" كما قاله ابن أبي الدم، وصاحب "التهذيب"، وتبعهم الرافعي في ذلك، ولم يحك سواه.
ومن طريق الأولى جريان القولين في المسألة السابقة فيها.
وقد قطع القاضي الحسين بأنه لا تقبل البينة إذا لم تقل: إنه اشتراه من فلان وهو يملكه.
وعليه ينطبق قول الماوردي في آخر باب القسمة: لو أقاما البينة بابتياعهما الدار، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد البائع فيها كأيديهما.
وهكذا لو أقاما البينة: أنها صارت إليهما من أبيهما ميراثًا، لم تكن بينة بالملك؛ لأن يد الأب فيها كأيديهما.
وهذا ما اختاره ابن أبي الدم، وقرره بأن يد الداخل حاضرة محسوسة، وهي تدل على الملك، والشهادة بالبيع وتسلم المبيع من يد البائع شهادة تتضمن الابتياع، ويد سابقة للبائع ثم بيد تتعقبها للمشتري، ولا فرق بين هذا وبين قول البينة: نشهد: إنها كانت في يده أمس، ولو شهدت باليد أمس، لم تسمع على الصحيح، وإن سمعت لم تنزع العين من ذي اليد الحاضرة بمجرد الشهادة بها؛ فكذلك ها هنا.
وقد طرد القاضي أبو الطيب والبندنيجي ما قالاه في الوقف، فقالا: إذا شهدت البينة بأنه وقف كذا، [وهو في ملكه، أو: وهو في يده – حكم به.
ولو شهدت بأنه وقف كذا] لا غير، لم يقبلها؛ لأن الإنسان قد يقف ما يملك وما لا يملك.
أما لو ادعى الشراء من صاحب اليد، فقد اتفق الكل على أنه لا يحتاج في هذه الحالة إلى الشهادة بأنه باع ذلك وهو في ملكه، ولا في يده، بل بيعه يقطع سلطانه، ويؤاخذ بحكمه وبموجبه، خلافًا لأبي حنيفة.
قال الماوردي – حكاية عن المذهب-: ولا يقضي للمدعي بها ملكًا وإن قضى له بابتياعها، [بل يكون] له فيها يد إن نوزع فيها، ولا تدفع بينة المنازع، بخلاف ما لو
شهدت البينة بأن البيع صدر والبائع مالك؛ فإنه يحكم له بها ملكًا.
وإن شهدت: إنه باعها وكانت في يده، حكم بها ابتياعاً، وجرى عليه حكم الملك؛ لأن الظاهر من اليد: أنها لمالك؛ حكى ذلك عند الكلام فيما إذا كانت العين في يد شخص، فادعاها اثنان، وأقام أحدهما بينة: أنها ملكه منذ سنة، وأقام الآخر بينة: أنه اشتراها من المدعي الأول منذ خمس سنين.
فرع: إذا أقام بينة على الشراء من شخص، ثم أقام بينة أخرى على ملك ذلك البائع إلى وقت البيع – قال القاضي: يجوز ذلك، ولا فرق بين أن تشهد بينة واحدة على الأمرين، وبين أن تشهد بينتان عليهما.
قال الإمام: وهذا صحيح.
[و] قال الرافعي: وكأن المراد ما إذا أقام شهودًا على أنه اشترى منه وقت كذا، وآخرين على أنه كان يملك إلى وقت كذا، وإلا فمن شهد على أنه مالك إلى أن باع منه، فقد شهد بالبيع والملك.
فرع آخر – قاله القاضي الحسين-: لو أقام رجل [بينة]: أن الدار التي في يد فلان كانت في يد أبيه إلى أن مات، وهذا وارثه، والذي في يده لم يقم بينة على أنها له – فالدار للذي أقام البينة، بخلاف ما لو شهدت البينة: إن أباه مات وكان يسكنها؛ فإنها لا تكون له.
فإن قلت: هذا يناقض ما حكيتموه عنه من أن البينة إذا شهدت بأنه ابتاع كذا من فلان، وتسلمه من يده – لا يقضي له؛ فإن البيع سبب الملك كالإرث.
قلت: لا؛ فإن المشهود به في مسألة البيع مجرد التسليم؛ وذلك لا يدل على الملك، والمشهود به [هاهنا كونها] في يده، ولعل المراد بذلك: ما إذا كانت في يده يتصرف فيها مع امتداد المدة من غير منازع؛ كما حكينا مثل ذلك عن صاحب "الإشراف" في الفروع المذكورة بعد قول الشيخ: "وإن ادعى كل واحد منهما أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه"؛ بل أقول: لو قامت البينة بأنه ابتاع هذه الدار من زيد، وأنها في يد البائع يتصرف فيها مدة مديدة من غير منازع- كانت كالشهادة بأنه باع
وهو مالك؛ لأن الشيخ أبا عاصم قال: لو أقام شخص بينة بأن هذا الشيء ملكه، وأقام آخر بينة: أنه في يده يتصرف فيه تصرف الملاك من غير منازع مدة مديدة – كانت بينة الثاني أولى؛ لأنها شهدت باليد والملك جميعًا، وبينة الداخل مقدمة على بينة الخارج، والله أعلم.
قال: وإن ادعى مملوكًا، وأقام بينة: أنه ولدته جاريته، أو ثمرة، وأقام بينة: أنها أثمرته نخلته- لم يقض له؛ لأن من اشترى جارية قد ولدت أولاداً، أو نخلة قد أثمرت وأُبِّرت ثمرتها – يصدق أن يقال: إن أمته ولدتهم، وإن نخلته أثمرت ذلك.
قال: حتى تشهد: إنها ولدته في ملكه، أو أثمرته في ملكه؛ لأنها إذا قالت ذلك، انتفى [هذا] الاحتمال.
وهذا ذكره تفريعًا على المنصوص في المسألة السابقة، وهو الذي نص عليه الشافعي هاهنا، وهو الجديد في "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية"، وهو مخالف لما نص عليه في اللقيط إذا ادعى [رجل] رقه؛ حيث قال: إنه يكفي أن تشهد البينة: إن أمته ولدته.
وكأن الفرق- والله أعلم-: أن المقصود ثم معرفة الرق من الحرية، والشهادة بأن أمته ولدته تعرف رقه؛ فإن الغالب أن ما تلده الأمة مملوك، وولادتها للحر نادر؛ فلم يعول على ذلك كما قلنا من قبل.
والقصد ها هنا: تعيين المالك؛ لأن الرق متفق عليه؛ إذ المسألة مصورة بما إذا ادعى مملوكًا؛ وذلك لا يحصل بكون أمته ولدته؛ لما ذكرناه.
وقد حكى القاضي الحسين في مسألة المملوك قولاً آخر نسبه إلى القديم: أن البينة تقبل، وقال: إنه يضاهي قبول الشهادة بالملك القديم في الدار، ووجه الشبه: أنا إنما حكمنا [ثم] بالملك؛ للاستدامة؛ فكذلك ها هنا؛ لما أثبت الملك لنفسه في الأم، استديم الملك على الولد.
قال: والأصح الأول، أي: وإن قلنا بسماع الشهادة بالملك القديم؛ لأنهم لم يثبتوا له الملك في الولد هنا قط، وهناك أثبتوا له ملك الدار أمس؛ فاستديم الملك.
والإمام قال: إن القول الذي حكاه القاضي عن القديم في مسألتنا خرجه بعض
الأصحاب من سماع الشهادة بالملك القديم؛ لأن قوله: هذه بنت أمتي، يتضمن إثبات الملك حالة الولادة، وقد تقدمت.
وفي "الإشراف": أنه مخرج من مسألة في الاستيلاد، وهي إذا قال: هذا ولدي من أمتي؛ فإنه إن فسر، وقال: أحبلتها في ملكي، قبل تفسيره، وثبت الاستيلاد، وإن قال: أحبلتها به في النكاح، لم يثبت، وإن أمسك عن التفسير، فهل يثبت؟ فيه وجهان.
فرعان:
لو شهدت البينة: إن هذا المملوك ولدته أمته بعد ملكه، ولم تقل: ولدته في ملكه – لم يحكم له بملكه؛ لأنه يجوز أن يكون قد باعها، فولدت، ثم بعد ذلك ملكها برد بعيب، أو إفلاس، أو غير ذلك.
ولو شهدت البينة: إن ابن أمته، أخذه هذا من يده، كانت شهادة له باليد دون الملك.
قال الماوردي: فيحكم له برده يدًا لا ملكاً.
قال: وإن ادعى طيرًا، أو غزلاً، أو آجرًّا، فأقام بينة أن الطير من بيضه، والغزل من قطنه، والآجر من طينه – قضى له؛ لأن هذه الأشياء عين ماله، وإنما تغيرت صفاتها، وتفارق الثمرة والولد؛ لأن الطير والآجر والغزل لا يتصور أن يكون حاصلاً قبل حصول البينة، والقطن والطير له، والولد والثمرة يتصور حصولهما قبل حصول الملك [له] كما تقدم.
وفي "الإبانة": أن ابن سريج خرج في مسألة القطن وجهاً، وجعله كولد الأمة، أي: فلا يقضي له به بمجرد ذلك.
قال: وإن مات نصراني – أي: من عرف بالنصرانية- وترك ابنًا مسلمًا، وابنًا نصرانيًّا، فأقام المسلم بينة: [أن أباه] مات مسلمًا، وأقام النصراني بينة: أنه مات نصرانيًّا، ولم يؤرخا- قدمت بينة المسلم؛ لأنها شهدت بأمر خفي على الأخرى؛ فصار كما لو مات رجل عن ابن وزوجة، فقال الابن: هذه الدار ميراث بيننا، وقالت الزوجة: هي [لي]، أصدقنيها أبوك، أو باعها مني، وأقام كل منهما بينة على
ما يدعيه- فإن بينتها أولى؛ لما ذكرناه.
قال الإمام: وبينة الاستصحاب لا تصادم البينة الناقلة إلا بالنفي، والشهادة على النفي مردودة.
وهذا ما وقفت عليه في كتب العراقيين والمراوزة، وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يأتي في هذه المسألة قولا التعارض، والاستعمال؛ فإنه [قال]: للبينتين في إقامة هذه الشهادة أربع أحوال:
الحالة الأولى: أن تطلقا الشهادة، فيقول شهود المسلم: إن أباه مسلم، ويقول شهود النصراني: إن أباه نصراني – فيحكم بشهادة الإسلام؛ لأنها أزيد علمًا؛ لأن نصرانيته أصل، وإسلامه حادث؛ فصار كالشهادة بالجرح والتعديل، [يحكم بالجرح على التعديل]، ويجعل المسلم وارثاً.
الحالة الثانية: أن تقيدا الشهادة، فتقول بينة المسلم: إن آخر كلامه عند الموت [الإسلام، وبينة النصراني: إن آخر كلامه عند الموت] التثليث، والحكم كما سيذكره الشيخ.
ثم قال: فلو شهدت بينة المسلم: إن أباه مات مسلمًا، وبينة النصراني: إن أباه مات نصرانياً- فقد اختلف الأصحاب: هل تحمل هذه الشهادة على التقييد؛ لأن كل واحدة منهما شهدت بدينه عند الموت؛ حتى تأتي فيه أقوال التعارض والاستعمال، أو يحمل على الإطلاق؛ لأنهما استصحبا ما تقدم من حاله، ولم يقطعا بدينه عند خروج روحه؛ فلا تعارض، ويكون الميراث للمسلم؟ على وجهين.
الحالة الثالثة: أن [تكون] الشهادة بالإسلام مطلقة، وبالنصرانية مقيدة – فلا تعارض؛ لأنه قد يسلم، ثم يرتد بعد إسلامه إلى النصرانية؛ فتصح الشهادتان، ويحكم بارتداده بعد الإسلام، ولا يرثه واحد من ابنيه، ويكون ماله فيئًا لبيت المال.
الحالة الرابعة: أن تكون الشهادة بالإسلام مقيدة، وبالنصرانية مطلقة – فلا تعارض، ويكون ميراثه للمسلم.
وقد اقتصر الفوراني في التعبير عما ذكرناه من الحكم في الحالتين الأخيرتين، فقال: إذا كانت إحداهما مطلقة، والأخرى مقيدة – فالعمل بالمقيدة أولى.
قال: وإن شهدت بينة المسلم: إن آخر كلامه عند الموت الإسلام، أي: ما يكون به مسلمًا، وهو النطق بالشهادتين، والتبرؤ من كل دين يخالف الإسلام، كما قاله الماوردي وغيره، وشهدت بينة النصراني: إن آخر كلامه [عند الموت] النصرانية، أي: ما يكون به نصرانيًّا، وهو النطق بالتثليث؛ كما قال الماوردي، [أو النطق] بأنه لا إله إلا الله، وأن عيسى رسول الله، وأنه بريء من كل دين سواه؛ [كما] قاله [الشيخ] أبو عاصم العبادي- تعارضت البينتان؛ لأنه يستحيل أن يموت مسلمًا نصرانيًّا.
وفي "الإشراف": أن ما قاله الشيخ أبو عاصم من تصوير النصرانية فيه إشكال؛ لأن المسلمين يثبتون نبوة عيسى – عليه السلام- وإثبات نبوته ليس نفيًا لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند منكري المفهوم.
قلت: وفي هذا النظر نظر؛ لأن من تبرأ من كل دين سوى دين عيسى، فقد تبرأ من دين النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن كج حكاية وجهين في أنه: هل يجب على الشهود أن يثبتوا كلمة الإسلام؛ لأنهم قد يعتقدون ما ليس بإسلام إسلامًا؟
ومقابله هو الذي أورده البندنيجي وغيره.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان [للتكاذب؛] وهذا ما اختاره في "المرشد".
قال: ويحكم بأنه مات نصرانيًّا، أي: بعد حلف الابن النصراني: إنه لا يعلم أنه مات مسلمًا؛ لأن هكذا الحكم لو لم تكن بينة؛ فإن الأصل نصرانيته.
قال: والثاني: تستعملان بالوقف، أو القرعة، أو القسمة؛ لأنه لا مانع من واحد منها، كما في غير هذه الصورة، [وهذه طريقة المزني وطائفة معه، وهم المعتبرون من الأصحاب؛ كما قال الإمام.
وقال البندنيجي: إنها المنصوص عليها في "الأم".
كما أشار إليه ابن الصباغ، ولم يحك البغوي سواها.
وقيل: لا تجيء القسمة وإن جاءت في غير هذه الصورة]؛ لاستحالة أن يشترك مسلم ونصراني في ميراث ميت؛ لأنه إن مات نصرانيًّا ورثه النصراني دون المسلم، وإن مات مسلمًا ورثه المسلم دون النصراني، فإذا قسمنا بينهما علمنا قطعًا: أن أحدهما قد أعطي ما لا يستحقه، ومنع الآخر ما يستحقه، وإن لم يتعين، بخلاف عند الميراث؛ فإنه يجوز أن يكون [الملك] مشتركًا بينهما؛ فيقسم؛ وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وطائفة معه، كما قال الماوردي، وقد قويت بما إذا مات شخص وقد طلق واحدة من نسائه لا بعينها؛ فإن الميراث يوقف ولا يقسم بينهن.
وقال الإمام: إنها غير معتد بها؛ فإن قول القسمة لا يعتمد إلا إمكان الشركة في الجنس المدعى، فأما الجهات فلا نظر إليها؛ فإن القسمة إنما تجري لاستواء المتداعبين في متعلقهما، وليس أحدهما أولى من الآخر، والتعطيل عند هذا القائل لا سبيل إليه.
والشيخ أبو حامد والمصنف وغيرهما ردوا على أبي إسحاق بوجه آخر، فقالوا:
احتمال كون الملك لهما قائم في هذه الصورة – أيضاً – لأنه يجوز أن يكون مات نصرانيًّا قبل إسلام أبيه؛ فيكون ميراثه لهما، إلا أن المسلم ادعى أنه مات مسلمًا؛ ليأخذ كمال الميراث.
قال البندنيجي: وهذا يخرج منه ما إذا عرف إسلام المسلم منهما قبل وفاة أبيه.
ثم على الطريقة الصحيحة – وهي جريان القسمة.
فروع:
أحدها: هل يحلف كل واحد من الاثنين للآخر؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، وهما يؤخذان مما حكيناه عن الإمام والقاضي في أول المسائل، والأصح: المنع.
الثاني: لو كان المتنازع في التركة ابنًا وبنتًا، فعن أبي الطيب بن سلمة: أنه يقسم المال بينهما نصفين.
وعن غيره: أنه يقسم أثلاثاً قسمة الميراث.
قال الرافعي: وليس واحد منهما بقويم؛ بل يجب أن يقال: هما كشخصين يدعي أحدهما جميع العين، والآخر نصفها، أقاما بينتين، وقد مر أن على قول القسمة للأول ثلاثة أرباعها، وللثاني ربعها.
الثالث: لو كان المدعي للإسلام – مثلاً – زوجة الميت وأخاه، والمدعي للنصرانية ابنًا للميت- فالذي أورده الجمهور جريان القول الذي عليه نفرع فيه أيضاً؛ فنقسم.
وعلى هذا فالنصف للزوجة والأخ، وفي كيفية [قسمته] وجهان في "التهذيب":
أحدهما: تأخذ الزوجة ربعه، وكأنه كل التركة، وهو الذي أورده أبو الفرج السرخسي.
والثاني: تأخذ نصفه؛ ليكون لها ربع التركة؛ فإن الأخ معترف به، والأولاد لا يحجبون بقولهما، وهذا ما أورده الإمام ومن تبعه.
وفي "الحاوي": أن الذي عليه الجمهور: أنه لا يصح تخريج قول القسمة هاهنا وإن جاز في المسألة السابقة؛ لأن الاثنين فيما تقدم شريكان، والأخ والابن هاهنا
متدافعان؛ فصح الاشتراك هناك، وبطل هنا.
قال: وإن كان الميت لا يعرف أصل دينه، تعارضت البينتان، أي: سواء كانتا مطلقتين أو مقيدتين.
ووجهه في حالة التقييد ظاهر، وفي حالة الإطلاق – وإن احتمل كونهما صادقتين: الجهل بدينه؛ فإنه يمنع من الحكم بأحدهما؛ فجرى عليهما حكم التعارض في التكاذب.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان، ويرجع إلى من في يده التركة؛ عملاً بمدلول اليد.
وعلى هذا إن كانت في يد غيرهما يدعيها لنفسه، فالقول قوله.
وإن لم يدعها لنفسه، قال البندنيجي: أقرت في يده حتى يزول [الإشكال].
وإن كانت في يدهما كانت بينهما؛ وهذا ما أورده البندنيجي والمصنف وغيرهما، وحكاه ابن الصباغ عن المزني؛ فإن الشيخ أبا حامد قال: إنه يحلف كل واحد منهما على ما في يده، وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين أيضاً.
ثم أبدى ابن الصباغ احتمالاً: أنه لا يحتاج إلى التحالف؛ كما سنذكره عنه.
ولو كان [المدعي] للإسلام أو الكفر أكثر من واحد، فالقسمة- تفريعًا على قول التساقط- على عدد الرءوس، قال الفوراني: لأنها قسمة بحكم اليد.
وإن كانت في يد أحدهما، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد- وهو الذي أورده البندنيجي، والقاضي الحسين: أنها تسلم له.
وقال الإمام بعد حكاية ذلك عن القاضي: إن هذا وهم وزلل من الناقل عنه؛ فإنهما إذا اعترفا بأن المال الذي فيه النزاع تركة، فلا حكم لصورة اليد؛ فإن ما كان تركة فسبيله مع الإشكال تساوي الاثنين فيه؛ ولهذا قال الرافعي: إنه الصحيح، ولم يورد في "الوجيز" سوى قسمته بينهما.
وفي "الحاوي": أنه إذا سقطت البينتان والدين مجهول، ففي التركة ثلاثة أوجه:
أحدها- وهو قول المزني-: أنها تقسم بينهما ملكًا بالتحليف دون البينة؛ لتكافئهما فيها.
والثاني- وهو قول أبي علي بن خيران-: أنها تقسم بينهما يدًا، وتقر معهما أمانة، يمنعان من التصرف فيها حتى يبين مستحقها منهما، أو يصطلحان عليها؛ كالميت عن زوجتين إحداهما مطلقة، وقد أشكلت.
والثالث- ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي-: أنها تقر في يد من كانت في يده قبل التنازع والتحالف، فإن كانت في يدهما، أو في يد أجنبي، أو في يد أحدهما- أقرت على حالها، وكان إقرار يد وأمانة من غير قسمة.
ووهم أبو حامد، فأقرها في يده ملكًا، وهو خطأ؛ لأن سبب استحقاقه متعين بالميراث؛ فلم يجز أن يكون لليد في تملكها تأثير.
ويقرب من ذلك قول ابن الصباغ بعد حكاية قول أبي حامد – كما ذكرناه أولاً-: وهذا فيه نظر؛ لأنه معترف للميت الذي ادعى أنه يرثه، والآخر يدعي مثل ذلك؛ فلا ينبغي أن يكون ليده حكم، بل ينبغي أن يكون موقوفاً، أو مقسومًا عليهما.
قال: والثاني: تستعملان على ما ذكرناه، أي: ويجيء الطريقان في الاستعمال بالقسمة؛ كما صرح به الماوردي وغيره.
وقيل: تقدم بينة المسلم؛ لأنه الظاهر في دار الإسلام؛ وهذا ما حكاه الفوراني عن المزني، وهو بعيد؛ إذ لو كان كذلك لجعل القول قوله حالة عدم البينة.
قال ابن يونس: و [قد] قبل به أيضاً.
قال: ويغسل الميت، ويصلى عليه في المسائل كلها- أي: التي ذكرها- وينوي حالة الصلاة: أنه يصلي عليه إن كان مسلمًا- كما قاله في "المهذب"، و"الشامل"- لأن أمره مشتبه؛ فجرى مجرى جماعة ماتوا وفيهم كافر قد أشكل؛ فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم.
قال الإمام: وهذا الاستشهاد إيناس، لا حاجة إليه، والعمدة في الصلاة إسناد الإسلام إلى بينة، وليس في الصلاة نزاع، ولا يموت ميت فيقطع له بالإيمان في الموافاة، ولست أنكر ترددًا من طريق الاحتمال، سيما إذا كان الرجل معروفًا بالتنصر،
وقد تعارضت بينتان في الكلمة التي بها الاختتام، ولكن النص هذا، ولم أر في الطرق ما يخالفه.
وكما يغسل ويصلى عليه، يدفن في مقابر المسلمين كما يدفن الموتى الذين فيهم كافر.
قال الماوردي: وفي الحالة التي حكم فيها بردته، لا يغسل ولا يصلى عليه.
وأراد: الحالة التي كانت بينة النصراني فيها مقيدة، وبينة الإسلام مطلقة.
فرع: لو ادعى مسلم على شخص في يده دار: أن أباه مات مسلمًا، وترك له هذه الدار إرثاً، وادعى نصراني عليه: أن أباه مات نصرانيًّا، وترك له هذه الدار إرثًا، والأب غير الأب، وأقام كل منهما بينة بما ادعاه- تعارضت البينتان، وفيهما قولان: فإن قلنا بالتساقط، بقيت الدار في يد الثالث، وإن كانت البينتان متفقتين على أنها ليست له؛ لأن كل واحد لم يثبت له ما شهدت به بينته؛ فلم يكن حجة على صاحب اليد، وجرى مجرى بينة تشهد بحق لأحد الرجلين لا بعينه؛ فإنه لا يثبت بها شيء.
والفرق بين هذه [المسألة] والتي قبلها؛ حيث قلنا على الصحيح: إن العين إذا كانت في يد أحدهما، وقلنا بالتساقط، لا يختص بها: أن البينتين شهدتا ثم بأن الملك للميت؛ فلا تعارض فيه، وإنما تعارضتا في دينه؛ فثبت بهما المال، وهنا تعارضتا في ملك المال؛ فلم يثبت.
وإن قلنا بالاستعمال، جاءت الأقوال الثلاثة بلا خلاف.
قال: وإن مات رجل، وخلف ابنين، واتفقا على إسلام الأب، وإسلام أحدهما قبل موت الأب، واختلفا في إسلام الآخر: هل كان قبل موت الأب، [أو بعده]؟ فالقول قول الابن المتفق على إسلامه، أي: مع يمينه: إنه لا يعلم أن أخاه أسلم قبل موت أبيه؛ لأن الأصل بقاء أخيه على الكفر.
وهكذا الحكم لو مات حر، وترك ابنين: أحدهما حر قبل موت أبيه، والآخر مختلف فيه، فادعى تقدم عتقه قبل موت أبيه، وادعى الآخر: أنه عتق بعد موته-
[فالقول قوله مع يمينه بالله: إنه لا يعلم أن أخاه عتق قبل موت أبيه]؛ لأن الأصل بقاء الرق.
نعم، لو أقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، قال القاضي الحسين: فالصحيح – وبه جزم البغوي وغيره-: أن بينة الابن المختلف في إسلامه مقدمة؛ لأنها ناقلة، وبينة الآخر مستصحبة، والناقلة مقدمة على المستصحبة.
وقيل: إنهما متعارضتان؛ وهذا وجه ضعيف.
قال: وإن اتفقا [على] أن أحدهما أسلم في شعبان، والآخر [أسلم] في رمضان، واختلفا في موت الأب: فقال أحدهما: مات قبل إسلام أخي، وقال الآخر: بل مات بعد إسلامنا- فالقول قول الثاني؛ فيشتركان؛ فإن الأصل بقاء الأب إلى حين إسلام الثاني.
ولو أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعاه، قال القاضي الحسين والأصحاب – كما حكاه الإمام-: قدمت بينة الأول؛ لاشتمالها على زيادة علم بالموت في الزمان المتقدم.
ثم قال [الإمام]: وهذا ضعيف؛ لأن البينة التي شهدت في الزمان المتأخر تشهد على موته عن حياة؛ فيحصل التعارض، ويجري القولان.
قلت: وهذا عين القول الأول الذي حكاه الشيخ فيما إذا قال: إن مت في رمضان فعبدي حر، وإن مت في شوال فجاريتي حرة، ومات، وأقام العبد بينة بالموت في رمضان، والجارية بينة بالموت في شوال.
ويظهر مجيء الوجه الذي حكيناه ثم عن المزني وابن سريج في تقديم بينة شوال هاهنا؛ فتقدم بينة المتأخر، ويرثان جميعًا.
فرع: لو اتفقا على أن أحدهما لم يزل مسلمًا، [وقال الآخر: لم أزل- أيضاً- مسلمًا]، ونازعه الأول، وقال: كنت نصرانيًّا، وإنما أسلمت بعد موت الأب- فالقول قوله: إني لم أزل مسلمًا؛ لأن ظاهر الدار يشهد له، وليس مع صاحبه أصل يستصحب.
ولو قال كل واحد منهما: لم أزل مسلمًا، وكان صاحبي نصرانيًّا، أسلم بعد موت الأب- فعن القفال تخريجه على وجهين:
أحدهما: لا يصرف لواحد منهما شيء؛ لأن الأصل عدم الاستحقاق، وبقاؤهما على الكفر؛ فعلى هذا: إن كان له وارث مسلم غيرهما، فله الإرث، وإلا جعل في بيت المال؛ كذا قاله القاضي.
وأصحهما في "الرافعي": [أنه] يحلف كل واحد منهما، ويجعل المال بينهما؛ لأن ظاهر اليد يشهد لكل واحد فيما يقوله في حق نفسه.
قال: وإن مات رجل، وخلف أبوين كافرين، وابنين مسلمين، فقال الأبوان: مات كافراً، وقال الابنان: مات مسلماً- ففيه قولان:
أصحهما: أن القول قول الأبوين – أي: مع أيمانهما- لأن كفره قبل بلوغه معلوم بكفرهما؛ فلم يقبل دعوى الابنين في حدوث إسلامه؛ لأن الأصل استصحاب كفره.
والثاني: أنه يوقف حتى ينكشف، أو يصطلحوا؛ لتساوي الحالين بعد بلوغه في إسلامه وكفره؛ لأن ما قبل بلوغه هو [في إسلامه فيه] تبع لا يتحقق إلا بعد بلوغه.
وهذا الذي ذكرناه عن الشيخ [هو المذكور في توجيه ابن الخل، والشيخ] اقتدى في ذكر القولين بابن سريج؛ فإن القاضي أبا الطيب والحسين والإمام والبغوي وابن الصباغ حكوا أن ابن سريج قال: فيه قولان.
وقال البندنيجي بعد حكاية ذلك عنه: إنه عنى وجهين.
وكذلك قال في "الحاوي": في المسألة وجهان.
وقد نسبهما في "المهذب" إلى تخريج ابن سريج، وحكى عنه أنه قال: الأول أشبه بقول العلماء.
وقد حكى القاضي الحسين عن المراوزة في المسألة وجهين:
أحدهما: مثل الأول.
والثاني: أن القول قول لابنين؛ لأن الظاهر أن الفرع المسلم إنما يتولد من المسلم، ولأن الأصل في دار الإسلام هو الإسلام.
وقال: إنهما مبنيان على أصل، وهو ما [إذا] اجتمع الأصل والظاهر، فأيهما يغلب؟ فيه قولان.
وفي "الإبانة" حكاية القولين هكذا عن ابن سريج، وحينئذٍ فيجتمع في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: أن القول قول الأبوين.
والثاني: أن القول قول الابنين.
والثالث: أنه يوقف إلى أن ينكشف، أو يصطلحوا.
قال الإمام: وليقع فرض المسألة إذا لم يسلم الابنان المسلمان كون الأبوين كافرين أصليين؛ فإن ذلك لو ثبت لم يكن شك في كفر الابن أصلاً؛ إذ لاقى الأصل، وإنما يثبت إسلامه طارئاً بالسبب أو إنشاء الإسلام، وإذا كان كذلك فمستصحب أصل الكفر أولى إذا لم تكن بينة.
وفي "ابن يونس": أن الذي في الكتاب: أصحهما: أن القول قول الابنين، وقد حكاه في "الإشراف" – أيضاً- عن العراقيين، وليكن ذاك إذا لم يعرف تأصل كفر الأبوين؛ كما قاله الإمام.
قال في "المرشد": وما ذكرناه إذا كان الولدان بالغين، ولم تكن أمهما كافرة، [فأما إن كانا صغيرين وأمهما كافرة،] وقامت بينة بإسلامهما، وأقر الجدان بذلك – فإنه يحكم بأنه مات مسلماً، وتكون الدعوى من الناظر في مالهما.
ولو انعكس الحال؛ فكان الأبوان مسلمين، والابنان كافرين-: فإن لم يعلم للأبوين كفر قبل الإسلام، حكم بإسلام ولدهما، ولا يمين عليهما، وكانا أحق بميراثه من ابنيه.
وإن علم كفر الأبوين قبل الإسلام، قال الماوردي: فيجوز أن يولد قبل إسلامهما؛ فيجري عليه حكم الكفر قبل البلوغ، ويجوز أن يولد بعد إسلامهما؛ فيكون مسلماً قبل البلوغ.
فإن كان النزاع في زمان ولادته، فادعى أبواه: أنه ولد بعد إسلامهما، وادعى ابناه: أنه ولد قبل إسلامهما- فالقول قول الأبوين مع يمينهما؛ لأنا على يقين من حدوث ولادتهم، وعلى شك من تقدمها.
وإن كان النزاع في وقت إسلام الأبوين، فادعى أبواه: أنهما أسلما قبل ولادته، وادعى ابناه: أنهما أسلما بعد ولادته – فالقول قول الابنين مع يمينهما؛ لأن الأصل بقاؤهما على الكفر.
فرع: لو مات رجل، [وخلف] امرأة، فقال الورثة: هي كتابية، أو رقيقة – قال الشافعي: القول قولها إذا أنكرت ذلك – أي: مع يمينها- وعلى الورثة البينة.
وقال الربيع: فيه قول آخر: إن في الحرية القول قولها، دون الإسلام.
ووجهه: بأن الأصل في الناس الحرية؛ لأن المشركين يخلقون أحراراً، ثم يطرأ عليهم الرق، فالأصل هو الحرية، بخلاف الدين؛ فإن الناس في الأصل انقسموا إلى الكفار والمسلمين؛ فلم يصح التمسك بالأصل في إنكار الكفر.
ولو ادعى الإسلام، فقيل: القول قول الورثة مع يمينهم؛ لأن الأصل عدم وراثتها؛ كذا قاله أبو عاصم.
قال في "الإشراف": وهذا يؤذن بتخريج قول في الإسلام والحرية جميعاً: أن القول قول سائر الورثة [مع أيمانهم]؛ لأن الأصل عدم وراثتها.
وهذا التخريج صحيح وإن ذهب عن المصنف.
قال: وإن ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها – أي: الذي الابن منه: ماتت أولاً فورثها الابن، ثم مات الابن فورثته، وقال أخوها: بل مات الابن أولاً فورثته [الأم]، ثم ماتت فورثتها- لم يورث ميت من ميت، بل يجعل مال الابن للزوج، ومال المرأة للزوج والأخ؛ لأنه لا يورث إلا من تيقنت حياته عند موت مورثه، وهاهنا لا نعلم حياة واحد من الميتين عند موت مورثه؛ فهما كالغرقى.
فإن قيل: الزوج يدعي أنه يرث من زوجته الربع، فكيف تعطونه النصف؟
قيل: لأنه يدعي إرث جميع مالها، ونحن نعطيه بعضه.
وهذا إذا لم يقم واحد منهما بينة على ما يدعيه، ولا اتفقا على وقت موت أحدهما، فإن أقام كل واحد منهما بينة [بما ادعاه] – تعارضتا، وجاءت أقوال التعارض.
ولو اتفقا على وقت موت أحدهما، فلا يخفى الحكم مما تقدم.
قال: وإن ادعى رجل أن أباه مات عنه وعن أخ له غائب-[أي: ولا وارث له غيرهما] – وله مال عند رجل حاضر، وأقام بينة بذلك- أي: وهي من أهل الخبرة بالميت – سلم إليه نصف المال، وأخذ الحاكم نصيب الغائب ممن هو عنده، وحفظه عليه؛ قضاء لحقهما.
وثبوت الحق للغائب في هذه الصورة وقع بطريق التبع؛ لثبوت حق الحاضر؛ لارتباطهما، وعدم تميز أحدهما عن الآخر، أو لأن الحق يثبت أولاً للميت.
ثم نصيب الغائب إذا أخذه، [أجره] الحاكم- إن أمكن- حفظاً لمنافعه؛ صرح به الماوردي وغيره [هنا]، وقد ذكرته في آخر باب ولاية القضاء.
وقيل: إن كان ديناً لم يؤخذ، بل يترك في ذمة الغريم حتى يقدم؛ لأن الذمة أحفظ له؛ وهذا أظهر عند ابن كج، وحكاه عن النص.
والوجهان يجريان- كما حكاه الإمام في باب اليمين مع الشاهد- في كل من أقر لغائب بدين، هل ينزعه الحاكم منه أم لا؟ وقال: إنه لو أقر له بعين مغصوبة، انتزعها الحاكم.
وفي "الشامل" في باب الخيار في القصاص: أنه ليس له قبض العين المغصوبة من الغائب، بخلاف ما لو كانت لميت، ووارثه غائب، والفرق: أنه له ولاية على الميت؛ ولهذا تنفذ وصاياه منها، وتقضى ديونه، بخلاف الغائب؛ فإنه
لا ولاية [له] عليه.
وقد حكى الغزالي في كتاب الوديعة: أن الغاصب إذا أحضر المغصوب للقاضي، والمالك غائب- هل يجب عليه القبول؟ فيه وجهان جاريان في وجوب قبول دينه أيضاً.
وقال الرافعي: إن أظهر الوجهين في العين منع الإيجاب، وأن محلهما في الدين إذا كان بحيث يجب القبول على الغائب لو كان حاضراً.
فرع: إذا أقام الحاضر شاهداً، وحلف معه- استوفى حقه، ولم يأخذ الحاكم نصيب الغائب؛ لأنه لم تكمل الحجة عليه، ثم إذا قدم الغائب، لم يحتج إلى إعادة الشهادة، ويحلف، ويستحق.
وقيل: يأخذ نصيب الغائب أيضاً، ويوقفه إلى أن يحضر، ويحلف؛ فيسلم إليه؛ بناء على أن المدعي إذا أقام شاهداً، وطلب الحيلولة إلى أن يقيم الشاهد الآخر- أجيب.
والصحيح: الأول، وما ذكرناه تفريعاً عليه فمحله إذا لم يتغير حال الشاهد، فإن تغير فوجهان:
أحدهما – وبه قال القفال-: أن الحكم كذلك؛ لأن الحكم قد اتصل بشهادته؛ فلا أثر للتغير بعده.
والثاني- وهو اختيار الشيخ أبي علي-: أنه لا يحلف؛ لأن الحكم اتصل بشهادته في حق الحالف دون غيره؛ ولهذا لو رجع لم يكن للغائب أن يحلف.
وهذا حكم الوارث إذا ادعى حقاً لمورثه، أما إذا ادعي عليه دين على مورثه، فقد قال القاضي أبو الطيب: شرط سماعها عند تحرير المدعي [به]: أن يدعي أن المورث قد مات، وأنه خلف تركة فيها وفاء بالدين أو بعضه- أي: في يد الوارث- لأنه إذا لم يخلف تركة، لم يلزمه قضاء الدين عنه.
وقال القاضي الحسين في باب موضع اليمين: إنه لا بد أن يقول: إنه خلف في يده تركة مبلغها كذا وكذا؛ حتى لو لم يدع هذا، وادعى التركة مطلقة، لا يقبل.
وحكى عن الأصحاب أنهم قالوا: لا بد وأن يقول: [وأنت] تعلم أن لي عليه كذا، فلو لم يقله، لم تسمع.
قال: ولعل المعنى فيه: أن الوارث إذا لم يكن عالماً بالدين، لا يكون مطالباً مأخوذاً به في الشرع؛ على معنى أنه لا يأثم بالتصرف في التركة، بخلاف ما إذا علم.
وهذا الشرط قد ذكره في "الإشراف" أيضاً.
قال: وإن مات رجل، فادعى رجل أنه وارثه لا وارث له غيره، فشهد شاهدان من أهل الخبرة بحال الميت- أي: على قديم الوقت وحدوثه، في حضره وسفره-: أنه وارثه لا وارث له غيره- أي: في علمنا وبينا جهة الوراثة- سلم إليه الميراث؛ لأن ذلك أقصى الممكن في الباب، ويكفي قول الشاهدين: إنهما خبرا باطن حاله، إن لم يعرف الحاكم ذلك؛ كما اعتمد على قولهما في أصل الواقعة.
وإن عرف الحاكم أنهما من أهل الخبرة، لم يستخبرهما، ولا يحتاج الآخذ في هذه الحالة إلى كفيل؛ لأنه لو طولب [به]، لكان قدحاً في بينته.
وقد ادعى الإمام في ذلك حال كون الوارث الابن، الإجماع.
وما ذكره الشيخ من الاكتفاء بالشاهدين هو المنقول في طريق العراق، وفي "الإبانة": أنه لا بد من ثلاثة؛ وكذا في "الاعتبار": اعتبر الثلاثة؛ للخبر المشهور.
قال الإمام: وهذا لا أصل له، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب، فإن ذكر هذا اشتراطاً فهو خطأ صريح، وإن ذكره احتياطاً، فالأمر أقرب.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن تسليم المال إلى الوارث عند قيام الشهادة بأنه لا وارث له غيره وهم من أهل الخبرة مفروض فيما إذا كان الوارث ابناً، أما إذا كان ابن ابن، أو أخاً، فيسأل القاضي عن حاله في [البلدان التي] سافر إليها؛ كما نقول في الحالة الثانية، فإن لم يظهر له وارث غيره، سلم إليه المال، وهل يأخذ منه كفيلاً؟ فيه وجهان.