كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
من بين الناس، وليس هاهنا مع من يدعي الملك فيه أصل يعتضد به.
قال الإمام: فإن قيل: أليس ينفذ تصرفه في البالغ وإن لم يبد منه إقرار بالرق ولا إنكار؟ قلنا: ذهب بعض أصحابنا إلى اشتراط الإقرار بالملك، وكان شيخي يميل إليه في الفتوى.
ومن أصحابنا من لم يشترط ذلك وإن كان لو أظهر الحرية فدعواه مقبولة كما ينفذ تصرفه في الثوب الذي بيده؛ وهذا في شخص لم نعهده صغيراً في يده، فأما إذا عهد صغيراً في يده، وكان يدعي رقه ويستعبده إلى أن بلغ، فادعى رقه، وأنكره، وادعى أنه حر الأصل- فالذي جزم به العراقيون: أن القول قول المدعي؛ لأنا حكمنا بأنه ملكه، واستقر ذلك؛ فلا نزيله بقوله، ولكن له استحلافه.
وحكى القاضي الحسين هنا، والفوراني والإمام في كتاب الإقرار وجهاً آخر: أن القول قول المدعي عليه مع يمينه، وعلى المدعي البينة، وجعله الإمام الأظهر، ثم صححه.
نعم، حكاه ابن الصباغ فيما إذا كان في يده يستسخره في حال صغره، ولم يدع رقه، ولا تصرف فيه تصرفاً يقتضي الملك إلى أن بلغ، فادعاه، وكذبه الصغير، وادعى الحرية، ونسبه إلى رواية القاضي في شرح الفروع [وأنه] قال: إن قائله أخذه من اللقيط إذا حكمنا بإسلامه بظاهر الدار، ثم بلغ ووصفه الكفر- فإنه لا يحكم بردته؛ على أحد الوجهين.
قال: والأصح أن القول قول المدعي في هذه الصورة أيضاً، وهو الذي جزم به القاضي في "التعليق"؛ وكذلك البندنيجي.
وحكى الإمام طريقة قاطعة بقبول قول الصبي بعد البلوغ، وقال: [إنها تتجه]، وبها يتحصل في المسألة ثلاث طرق: القطع بقبول [قول المدعي، القطع بقبول] قول المدعي عليه، إجراء وجهين في المسألة.
وقد ادعى القاضي الحسين أن الوجهين في الحالة الأولى مبنيان على ما لو قال الصغير في حال صغره: أنا حر الأصل، وادعى من هو في يده رقه، فهل يقبل قوله؟
وفيه خلاف: فإن قبلنا قول الصغير قبل قوله بعد البلوغ أيضاً، وإلا فلا يقبل.
والغزالي والإمام هاهنا قالا: لو ادعى في حال الصغر الحرية، فإن لم نقبل قوله، فعاد وادعاها بعد البلوغ؛ ففي القبول وجهان.
قال الإمام: والقياس القبول، وقد حكى ذلك القاضي- أيضاً- في موضع آخر.
قال: وإن كان مميزاً يعقل، فهو كالصغير؛ لأنه لا حكم لقوله؛ وهذا ما جزم به ابن الصباغ والبندنيجي، وصححه القاضي أبو الطيب؛ فعلى هذا: يحلفان، ويجعل بينهما؛ إذا لم يصدر من الصبي إنكار ولا اعتراف.
وقيل: هو كالبالغ؛ لأنه يقدر أن يعبر عن نفسه؛ فعلى هذا يكون الحكم برقه وحريته موقوفاً على إقراره: فإن اعترف بالرق، حكم لمن هو في يده بعبوديته، ويقسم بينهما.
وإن أنكر الرق، حكم له بالحرية، ولا يحلف ىىل إنكاره إلا بعد البلوغ؛ هكذا قاله الماوردي، وأبو الطيب ادعى أنه ظاهر المذهب، وكذلك البندنيجي.
ثم قال الماوردي: ويشبه أن يكون هذان الوجهان من اختلافهم في صحة إسلامه بعد مراهقته وقبل بلوغه.
والبندنيجي وابن الصباغ والمصنف في "المهذب" حكوا الوجهين فيما إذا أنكر الصغير المميز الرق، وادعى الحرية في حال صباه، فهل يقبل قول مدعي رقه أم لا؟ كما حكاهما المراوزة، وقالوا: إن ظاهر لفظ "المختصر" مع الثاني؛ لأنه قال: ولو كان في يده صبي صغير يقول: هو عبدي، فهو كالثوب، إذا كان لا يتكلم.
[وعلى هذا يحلف الصبي بعد البلوغ، وإن الصحيح الأول.
وقول الشافعي: "لا يتكلم"]، عنى به: أنه ليس لكلامه حكم؛ وبهذا يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه:
أحدها: يحكم برقه بمجرد الدعوى، سواء أقر أو أنكر.
والثاني: لا يحكم به، سواء أقر، أو أنكر.
والثالث: إن أقر به حكم به، وإلا فلا، ويحلف بعد البلوغ؛ فلو أقر بعد البلوغ
بالرق وقد حكمنا بالحرية في حال صباه؛ لأجل دعواه- فمقتضى إطباقهم على التحليف: قبول قوله وإن لم يكن له فائدة؛ فإنه لا يمكن التغريم؛ لاعتراف المدعي برقه.
وقد حكى القاضي الحسين في قبول إقراره بالرق وجهين:
أحدهما: لا يقبل؛ لأنا حكمنا بحريته؛ فلا نبطلها؛ كما نقول في البالغ العاقل إذا أقر بأنه حر الأصل، ثم أقر بأنه عبد فلان: فلا يقبل قوله على ظاهر المذهب.
والثاني: يقبل، والفرق: أن هاهنا لم يكن لقول المراهق حكم، وهناك لقول البالغ حكم.
هكذا قال.
ومقابل ظاهر المذهب فيما إذا أقر البالغ بالرق بعد الاعتراف بالحرية وجه حكاه عن الأصحاب في باب اللقيط: أنه يقبل قوله فيه؛ لأنه أقر بحق عليه، وقد ذكرت هذا الفرع مرة أخرى في باب اللقيط، وذكرت فيه شيئاً لم أذكره هنا؛ فليطلب منه.
فرع: إذا قبلنا قول العبد في الحرية، وكان من هو في يده قد اشتراه من غيره فهل يرجع عليه بالغرم؟
الذي أطلقه ابن الحداد، وهو الذي أورده القاضي في "شرح الفروع"، والقاضي الحسين قبل باب الإقرار للوارث: لا، لأنه كان من حقه حالة ما يشتريه أن يسأله: هل أنت عبد له أم لا؟ ففرط في ذلك.
وفصل أكثرهم، إن لم يصرح في منازعته بأنه رقيق رجع؛ كما لو أقام بينة على الحرية؛ لأنه لم يوجد منه ما يعطل الرجوع.
وإن صرح بذلك، فعلى الوجهين فيما إذا اشترى عيناً، وقال في حال المنازعة: هي ملكي وملك من اشتريت منه؛ جرياً على رسم الخصومة، واعتماداً على الظاهر.
وأصحهما- كما حكاه الرافعي والغزالي هنا وفي كتاب الضمان-: أنه يرجع، وقال الإمام في كتاب الضمان: إن معظم الأئمة حكوا الوفاق فيه.
وأجرى الرافعي، والإمام الخلاف المذكور فيما إذا تقدم الإقرار للبالغ بالملك قبل الشراء؛ اعتماداً على ظاهر اليد، وطريقة الجزم جارية فيه، وهي التي حكاها البندنيجي في كتاب الرهن عند الاختلاف في القبض.
وقد قطع الشيخ أبو علي بأنه لا يرجع في مسألتنا، وفرق بينها وبين ما لو قامت البينة بالحرية- بقوة البينة، وبينها وبين شراء الأعيان بأن ثم المتاع مملوك قطعاً؛ فترتب دلالة اليد عليه، بخلاف الرقيق، فلو ثبتت حرية العبد بيمينه مع نكول المشتري؛ فيظهر أن ييقال: لا يرجع، [وإن قلنا: يرجع] في الحال السابقة؛ قياساً على ما إذا اشترى عيناً، فادعاها شخص، ونكل هو عن اليمين، فحلف المدعي- فإنه لا يرجع وجهاً واحداً؛ كما قاله الشيخ أبو علي والماوردي في أثناء الكلام في مسألة ما إذا ادعى شخص أنه يشتري هذه الدار من زيد، وادعى الآخر: أنه اشتراها من عمرو؛ لتقصيره بالنكول.
وقد قال الرافعي فيما قسنا عليه: إنه يجوز أن يفرض فيهخ خلاف؛ بناء على أنه كالبينة.
قال: وإن قطع ملفوفاً، فادعى الولي أنه قتله، وادعى الضارب أنه كان ميتاً ففيه قولان:
أصحهما: أن القول قول الضارب؛ لأن الأصل براءة الذمة، وهذا ما نص عليه في "الأم" في باب دعوى الدم، ورجحه الشيخ أبو محمد والقاضي الروياني وأبو الطيب وغيرهم.
ومقابله: أن القول قول الولي؛ لأن الأصل بقاء الحياة؛ وهذا أظهر عند الرافعي، وحكاه القاضي أبو الطيب عن القديم، وقال الماوردي: إن الربيع تفرد بنقله.
وقد اختلف الأصحاب في محل القولين على ثلاثة طرق:
أحدها- عن أبي إسحاق-: أنه ينظر إلى الدم السائل: إن قال أهل البصر: إنه دم حي، [فالمصدق] الولي؛ وإن قالوا: إنه دم ميت، فالمصدق الجاني، وإن اشتبه؛ ففيه القولان.
والثاني- عن أبي الحسن الطبسي-: أنه إن كان ملفوفاً في ثياب الأحياء
فالمصدق الولي؛ وإن كان في الكفن فالمصدق الجاني؛ وإن كان مشتبهاً ففيه القولان؛ وهذا حكاه الإمام والفوراني في باب الشهادة على الجناية، [واستضعفاه]، [فيطلب منه، إن شاء الله تعالى].
والثالث- وهو الأظهر-: إطلاقهما: فإن صدقنا الجاني، فحلف [برئ، وإن صدقنا الولي فحلف] فله الدية.
قال الشيخ أبو حامد: ويستحق [به] القصاص؛ كما تتعلق به الدية؛ لأن الخلاف في العمد الموجب للقصاص، فإذا صدقناه فيه رتبنا عليه موجبه.
وبهذا قال القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
وقال الرافعي: إنه بالغ فيه حين سأله أبو بكر الدقاق، وراجعه فيه.
وفي "الشامل": أنه لا يجب الصاص؛ لأنه يسقط بالشبهة، وأن أبا الطيب قال: يحتمل قولاً آخر: أنه يجب القصاص؛ كما قلنا في القسامة.
قال ابن الصباغ: ويمكن عندي أن يفرق بينهما: بأن في القسامة يتكرر اليمين، وفي مسألتنا يمين واحدة.
والقولان جاريان- كما حكاه القاضي الحسين وأبو الطيب- فيما إذا هدم بيتاً على جماعة، وقال ورثتهم: إنهم كانوا أحياء، وقال الهادم: بل كانوا أمواتاً.
قال القاضي الحسين: ويجوز للشاهد أن يشهد بحياته في مسألة الكتاب إذا رآه يلتف في الثوب الذي قطع فيه، وفي مسألة هدم البيت يجوز له أن يشهد بحياتهم إذا رآهم دخلوا البيت.
وقال الإمام: يجوز [أن نقول: ليس] له أن يشهد؛ فإن الموت بعد التلفيف ممكن، والاطلاع على الحياة بعد التلفيف ممكن، وليس كالأملاك؛ فإنه لا مستند فيها إلا الظواهر.
وعلى الأول؛ فلا يصرح بذلك، وإن صرح به عند القاضي بطلت شهادته.
قال: وإن تداعيا عيناً ولأحدهما بينة؛ قضي له؛ للأحاديث السالفة، وسواء [في ذلك] ما إذا كانت العين في يد أحدهما، والمقيم للبينة غيره، أو في يدهما، أو في يد غيرهما، أو لا يد لأحدهما عليها، وهما متنازعان فيها، وتسمع في الحالة الثانية شهادة البينة بأن كل الدار لأحدهما وإن كان داخلاً في النصف، وقلنا: لا تسمع بينة الداخل قبل قيام بينة الخارج؛ كما هو المذهب؛ لأن السماع هاهنا يقع تابعاً للنصف الآخر الذي هو خارجي فيه، وإنما ينقدح رد بينة الداخل إذا أنشأها مع الاستغناء عنها، وهاهنا هو محتاج إليها؛ لأجل النصف.
قال الإمام بعد حكاية ذلك عن رواية القاضي عن الأصحاب: ولعل الحاجة المذكورة: أن عبارة الشهود تضطرب لو خصصنا شهادتهم بأحد النصفين مع التمييز، مع تحقي الشروع، وفي المسألة احتمال لائح.
ثم على المنقول: لو أقام الثاني بينة، قال الغزالي: فقد قيل: الآن يجب على الأول إعادة بينته؛ لتقع بعد بينة الخارج، ولا يبعد التساهل فيها أيضا.
ولك أن تقول: قد تقدم فيما إذا لم يكن لهما بينة، والعين في يدهما – في كيفية حلفهما وجهان:
أحدهما: على نصفها؛ وهذا وزان كونه يقيم البينة على ما في يد صاحبه هاهنا.
والثاني: [أنه] يحلف على جميعها؛ وعلى هذا ينبغي أن يقيم البينة على الجميع أيضاً، وإلا فأي فرق بينهما؟
قال: وإن كان لكل واحد منهما بينة، فإن كانت في يد أحدهما، قضي بها لصاحب اليد؛ لِمَا رَوَى جَابِرُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُوْلِ الله صلى الله عليه وسلم فِي دَابَّةٍ- أَوْ بَعِيْرٍ- وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ [عَلَى] أَنَّهَا لَهُ نَتَجهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم
لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ.
ولأنهما استويا في إقامة البينة، وترجحت بينته بيده؛ فقدمت كالخبرين إذا كان مع أحدهما قياس، والجامع: كون كل واحد منهما حجة.
وقيل: لا يقضي له إلا أن يحلف؛ لأن بينة صاحب اليد عارضتها بينة الآخر؛ فسقطتا، وبقيت اليد، واليد لا يقضي بها من غير يمين.
وقد رجع حاصل ما ذكرناه إلى أن المقضي به في [هذه] الحالة: [البينة، أو اليد] وفيه قولان يأتيان- إن شاء الله تعالى- بناء على أن البينتين إذا تعارضتا هل [تسقطان، أو] تستعملان؟ فإن قلنا بالتساقط، كان القضاء باليد؛ فلا بد من اليمين.
وإن قلنا بالاستعمال، كان القضاء بالبينة؛ فلا نحتاج إلى اليمين، وقد أشار إلى ذلك البندنيجي وابن الصباغ والفوراني والبغوي وغيرهم.
لكن قضية هذا البناء أن يكون الصحيح وجوب اليمين لأن الصحيح- كما سنذكره- قول التساقط، وقد قال الشيخ:
والمنصوص هو الأول- يعني: في القديم- كما صرح به الرافعي، وصاحب "البحر"، وقال: إنه المذهب، واختاره في "المرشد"، وقد تقدم توجيهه.
وكلام الإمام والقاضي الحسين مصرح بإجراء خلاف في اليمين- وإن قلنا: إن القضاء بالبينة- لأنهما قالا: إذا تعارضت بينتان، والدعوى على ثالث، فهل تتهاتر البينتان، أو تستعملان؟ فيه قولان.
فإن قلنا بالتهاتر، فهل نقول به هاهنا؟ [فيه وجهان: فإن قلنا به، فلا بد من اليمين.
وإن قلنا بالاستعمال، قلنأ: في الاستعمال فيما إذا كانت العين في يد ثالث، ثلاثة أقولا، لا يجيء شيء منها هاهنا] وهذا لفظ الإمام خاصة.
نعم، من جملة الأقوال ثم قول القرعة، فإذا قلنا به، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه وجهان.
وعلى هذا اختصاص الداخل باليد، هل يكون كخروج القرعة؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم؛ فيجيء الوجهان.
والثاني: القطع بعدم التخصيص؛ فإن هذا اختصاص ثابت، والقرعة وفاق، ولو أديرت لما ميزت ظالماً من مظلوم.
ثم قال: إذا حلفناه على قول التهاتر، حلفناه على النفي، وإذا حلفنا على قول الاستعمال، حلف على إثبات الملك؛ كما يحلف من خرجت له القرعة.
ولا فرق في القضاء لصاحب اليد عند قيام البينتين بين أن تكون كل بينة قد أطلقت الشهادة بالملك، وقلنا: يجوز لك بالنسبة إلى صاحب اليد- كما سنذكره- أو بينت سبب الملك، وكان السبب واحداً أو مختلفاً.
ولا [فرق] بين أن يسند الملك إلى شخص واحد، بأن يقول: هذا اشتريته من زيد، وهذا مثل ذلك، أو تقول المرأة- وهي أحد المتنازعين-: أصدقنيه زوجي، ويقول خصمها: اشتريته من زوجك- وبين أن يسند أحدهما ملكه إلى شخص، والآخر ملكه إلى شخص آخر، أو يقيم الخارج بينة: أنه اشتراها من الداخل، والداخل: أنه اشتراها من الخارج؛ كما حكاه القاضي الحسين.
وهكذا الحكم فيما إذا بينت بينة الخارج سبب الملك من بيع أو اتهاب ونحوهما، وأطلقت بينة الداخل الشهادة بالملك؛ نص عليه الشافعي.
وعند ابن سريج بينة الخارج أولى؛ لأن معها زيادة علم؛ كذا قاله ابن أبي الدم.
وما ذكرناه في حالة إسنادهما انتقال الملك إلى [جهة] شخص واحد، هو ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وحكى الفوراني وجهاً آخر: أنهما يستويان؛ لأنهما اتفقا على أن اليد كانت لثالث، وكل واحد منهما يزعم الانتقال إليه منه.
وقد حكى الماوردي الوجهين فيما إذا كانت دعواهما انتقال ذلك إليهما منه بالبيع، واقتضى إيراده أن يكون الثاني هو الصحيح منهما؛ لأنه قال: إنهما مبنيان على الخلاف فيما لو كانت العين- والحالة هذه- في يد من ادعيا انتقال الملك إليهما [منه]، وصدق أحدهما على تقدم انتقال الملك له، هل يترجح من صدقه ويحكم له بالعين، أم لا؟ وسنذكره، فإن [قلنا: يترجح] عند التصديق، فكذلك هاهنا، وإلا فلا.
ويجيء القولان في التعارض والاستعمال، والقول الذي سنذكره عن رواية الربيع فيما إذا كانت العين-[و] الصورة كما ذكرنا- في يد ثالث.
وقال: إنا إذا رجحنا أحدهما بيده، جاز أن يكون الآخر خصماً له، ويحلفه إذا أنكره؛ فإنه لو صدقه على أن عقده سابق، سلم العين بإقراره بالثمن الذي شهدت به بينته إن كان مثل الثمن في ابتياع نفسه، وإن كان أقل لم يكن له أن يرجع بالباقي؛ لأنه مقر أنه لا يستحق [على الثاني.
وإن كان أكثر لم يكن له أن يأخذ الزيادة؛ لأنه مقر أنه لا يستحق] أكثر من الثمن الذي دفع، ويكون درك الثاني على الأول دون البائع، [ولا يكون على البائع] درك الأول ولا الثاني، لأن الثاني ملكها عن الأول، والأول قد أقر أنه لم يملكها عن البائع.
واعلم أن محل [سماع] بينة صاحب اليد- وهو المسمى بالداخل- بالاتفاق: ما إذا أقام من ليست العين في يده- وهو المسمى بالخارج- البينة بأنها ملكه، وعدلت، ولم يبق إلا الحكم.
أما إذا أقامها قبل أن يدعي عليه، أو بعد الدعوى عليه، وطلب اليمين- فقد تقدم أن المذهب عدم السماع.
وإذا أقامها بعد إقامة الخارج البينة، وقبل أن تعدل ففي السماع خلاف [مرتب على] الخلاف في إقامتها بعد الدعوى وطلب اليمين:
فإن قلنا بالسماع ثم، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: لا تسمع- أيضاً- لأنه مستغن عنها بعد.
وأصحهما: السماع؛ لأن يده بعد إقامة البينة مشرفة على الزوال، فتمس الحاجة إلى تأكدها، ودفع الطاعن فيها.
وفي كل حال من الأحوال الأربعة المذكورة هل يكفي إطلاق الشهادة بالملك، أم لا بد من بيان سببه من شراء، أو إرث، ونحوهما؟ فيه وجهان في كتب المراوزة، وقولان في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي:
أحدهما: لا بد من البيان؛ لأن البينة قد تعتمد في الشهادة بالملك ظاهر اليد، فكأنها لا تدل على أكثر مما تدل عليه اليد.
وهذا ما نسبه الماوردي والبندنيجي إلى القديم، والإمام إلى بعض الضعفة، وقال: إنه ليس بشيء.
وأصحهما في "تعليق" القاضي الحسين، و"الرافعي"، وغيرهما، وهو الجديد في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي: أنه يكفي الإطلاق؛ كما في بينة الخارج؛ فإنها تقبل مطلقة مع احتمال أن الشهود اعتمدوا يداً سابقة.
وهذا ما فرعنا عليه من قبل.
ولو أقام الداخل البينة بالملك بعد الحكم للخارج، وتسلمه العين- فقد أطلق في "المهذب" القول بأنها تسلم للذي كان داخلاً، وانتزعت منه؛ وكذلك قاله الماوردي، وأبو الطيب، وادعى فيه الإجماع، وهو ما يقتضيه كلام ابن سريج في الفرع الذي سنذكره.
وحكى الإمام في سماع بينته وجهين عن القاضي:
أحدهما: السماع إذا أسندت الملك إلى حال قيام يده، ثم أدامته إلى حالة الدعوى؛ كما كان يقضي له لو أقام البينة ويده بعد قائمة.
وأظهرهما عند القاضي: عدم السماع؛ لأنا نقضنا يده، وأجرينا القضاء، فلو قبلنا بينته، لكان ذلك نقضاً للقضاء السابق.
نعم، إن أقام بينة على تملك من جهة الذي هو صاحب اليد الآن، سمعت.
قال الإمام: وهذا الوجه يحتاج إلى شرح؛ لأنه قال: ينبغي أن يقيم بينة على [تلقي] الملك من سبب آخر، ويجب قبول بينته، وإنما لا تقبل بينته إذا لم يذكر سبباً أصلاً، واقتصر على ادعاء الملك المطلق؛ فلا معنى لاشتراط التلقي من هذا المدعي.
قال: وحاصل هذا الوجه: أن البينة المطلقة كانت تسمع من هذا الشخص في حال دوام يده على المذهب الظاهر، وإذا أزيلت يده فلا تسمع.
وقد سلك الغزالي في التعبير عن الحكم في هذه المسألة طريقاً آخر، وتبعه فيه الرافعي، فقال: إن لم يسند الملك إلى الأول، فهو الآن مدع [خارج.
وإن ادعى ملكاً] مستنداً إلى ما قبل إزالة اليد، واعتذر بغيبة الشهود، ونحوها- فهل تسمع بينته، وهل تقدم باليد المزالة بالقضاء؟ فيه وجهان:
أحدهما: المنع؛ لأن تلك اليد مقضي بزوالها؛ فلا ينقض القضاء.
وأصحهما: أن بينته مسموعة حتى يقيمها بعد ما قضى القاضي للمدعي، وينقض القضاء الأول؛ لأنه إنما أزيلت؛ لعدم الحجة، وقد قامت [الحجة] الآن.
وحاصل ما ذكر يرجع إلى ذكر خلاف في سماع البينة مطلقة في الحالتين- أعني: حالة ما إذا أسند الملك إلى ما قبل إزالة اليد، أو لم يسنده:
أما إذا أسنده، فالخلاف ظاهر قد ذكرته.
وأما إذا لم يسنده، فقد قال: إنه الآن مدع خارج، وعني به: مدع خارج قد انتزعنا العين منه بالبينة.
ولهم فيما إذا انتزعت العين من شخص بالبينة، وعاد، وادعى ملكها- هل تسمع دعواه من غير ذكر تلقي الملك من صاحب اليد، أم تكفيه دعوى الملك مطلقاً؟ وجهان:
وجه الأول: القياس على الأجنبي؛ فإنه لا خلاف أن دعواه تسمع مطلقة، وإذا أقام بينة مطلقة على الملك سمعت، وقضي له بها؛ [كما] قاله القاضي الحسين وغيره؛ وهذا ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
ووجه الثاني- وهو ما ادعى الرافعي أن بعض أصحاب الإمام قال: إنه الذي ذكره الأكثرون-: القياس على ما لو انتزعت العين من يده بإقراره، فإنه يحتاج إلى ذكر التلقي؛ كما حكاه الرافعي، ولم يحك سواه، وإن كان ابن أبي الدم قد حكى عن القاضي الحسين: أنه يكفيه دعوى الملك مطلقاً، وأنه مخالف لجميع الأصحاب.
والقائلون بالأول فرقوا بين ما إذا انتزعت العين من يده بالإقرار، أو بالبينة- بأن المقر مؤاخذ بحكم قوله في نفسه في المستقبل؛ ألا ترى أن من أقر أمس يطالب به اليوم، ولولا ذلك لم يكن في الإقرار كثير فائدة.
وإذا كان كذلك فيستصحب ما أقر به إلى أن يثبت الانتقال، بخلاف البينة؛ فإنا لم تشهد إلا على الملك في الحال؛ فلم يتسلط أثرها على الاستقبال.
وقد مال الرافعي إلى تصحيح الوجه الأول، وقال: إنه الذي يقتضي كلام الأصحاب ترجيحه؛ لأنا قد حكينا عنهم فيما إذا أقام الداخل بينة بالملك بعد ما انتزعت العين بالبينة، هل تسمع بينته، وهل يقضى له بها؟ خلافاً، وأن الأصح السماع والقضاء.
وذلك الاختلاف مفروض فيما إذا أطلق دعوى الملك، ولم يذكر التلقي، فأما إذا ادعى التلقي؛ فلا بد أن تسمع دعواه، وقد صرح به أبو الحسن العبادي.
وإذا كان الاختلاف في إطلاق الدعوى، ورجحنا وجه السماع- لزم أن يكون الراجح هاهنا: أنه لا حاجة إلى ذكر التلقي.
قلت: وهذا التخريج فيه نظر؛ لأن محل السماع [ثم] إذا أسند الملك إلى ما قبل إزالة اليد، مكتفياً بالدعوى السالفة معتذراً لتأخير إقامة البينة عن محلها بغيبتها؛ فكأنه أقامها قبل الحكم عليه، ودافعاً لما شهدت به بينة الخارج من أصله؛ فلذلك ينقض الحكم على هذا الوجه، ونقدره كأن لم يكن، وليس كذلك هاهنا؛ لأن هذه دعوى مبتكرة، وبينة مستأنفة؛ فلا يحسن إلحاقها بتلك البينة، والله أعلم.
ولو أقام الداخل بينة بعد القضاء عليه، وقبل إزالة يده- فإن قلنا عند إزالة يده: تسمع بينته، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: بقاء اليد [حسا؛] هكذا أورده الرافعي، وغيره.
وعكس القاضي الحسين في "التعليق" ذلك، فقال: إذا قضى القاضي بالملك للخارج، ولم تنزع العين من يد الداخل، فهل تسمع بينته إذ ذاك؟ فيه وجهان، أصحهما: أنها لا تسمع.
ولو أقام الداخل البينة بعد الحكم وزوال اليد، فإن قلنا في المسألة السابقة: لا تسمع، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان.
وقد حكى القاضي أبو سعد الهروي عنه أنه قال: أشكلت علي هذه المسألة نيفاً وعشرين سنة؛ لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد؛ فتردد جوابي فيها؛ فذكرت: أنه إن أزالها الحاكم بالتسليم، لم ينقض؛ وإن لم يزلها، فوجهان، ثم استقر رأيي على أنه لا ينقض، سواء كان قبل التسليم أو بعده.
فرع- حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب وغيرهما-: إذا كان في يد عمرو شاة، فادعاها زيد، وأقام بينة: أن الشاة ملكه، وأقام عمرو بينة أن حاكماً حكم له بها، وسلمها إليه قال أبو العباس بن سريج: إن كان الحاكم قد حكم بها لعمرو ببينة أقامها عمرو، قضى لزيد بها؛ لأنه قد ظهر أن لزيد بينة ويداً، ولعمرو بينة بلا يد.
وإن [كان] قضى بها لعمرو؛ لأن بينة زيد كانت غير عادلة [وبينة عمرو كانت عادلة]- أقرها في يد عمرو؛ لأن البينة الفاسقة إذا ردت، ثم أعادت الشهادة، لا تقبل.
وإن كان قضى بها لعمرو؛ لأنه كان خارجياً، ومن مذهب الحاكم القضاء ببينة
الخارج- أقرها في يد عمرو.
وفي "الحاوي" وجه: أنه ينقض حكمه، وتسلم لزيد؛ لأن هذا الاختلاف وإن لم يكن فيه نص، فالقياس فيه جلي، والاجتهاد فيه قوي؛ فلذلك نقض حكمه.
وإن لم يعلم الحاكم الثاني على أي وجه وقع حكم الأول، وأشكل [الحال] ففيه وجهان:
أحدهما: ينقض الحكم بها لعمرو.
والثاني- وهو الأصح-: لا ينقض، بل يقرها في يد عمرو؛ قاله البندنيجي.
قال: وإن كانت في يدهما، أو [في] يد غيرهما- أي: ولم ينسبها إلى أحدهما قبل قيام البينتين، ولا بعدها- أو لا يد لأحد عليها – فقد تعارضت البينتان؛ لتنافي شهادتهما، ففي أحد القولين تسقطان؛ لأنهما قد تكاذبتا في الشهادة، ولأن البينة: ما بان بها الحكم، فإذا لم يكن فيها بيان، ردت؛ كما لو شهدت لأحد الرجلين.
وبالقياس على النصين إذا تعارضا.
وهذا ما حكاه في "البحر" عن القديم، وهو اختيار المزني، والأصح في "المهذب"، و"التهذيب"، و"البحر"، و"الرافعي"، وغيرها، وقال ابن الصباغ: إنه الذي نص عليه الشافعي هنا، وفي موضع آخر قال: إنه الجديد.
والبندنيجي قال: إنه المنصوص عليه في "الأم"، و"البويطي".
وعلى هذا قال الشيخ: فيكونان كالمتداعيين بلا بينة، وقد سبق حكم ذلك.
[قال: والثاني- وهو ما سنذكره-: تستعملان؛ صيانة لهما عن الإسقاط والإبطال بقدر الإمكان]، وسنذكر من الحديث ما يدل عليه؛ وهذا قد عزاه ابن الصباغ في موضع إلى القديم، وهو عند المراوزة مخصوص بما إذا لم تتكاذبا صريحاً؛ [كما إذا شهدتا بالملك، فإنا نقول: لعل كل واحدة منهما سمعت وصية
له، أو وصبراً وغيره.
فأما إذا تكاذبتا صريحاً] كما إذا شهدت إحداهما بأنه قتل في وقت كذا، وشهدت الأخرى على الحياة في ذلك الوقت، لم يجر قول الاستعمال.
وطريقة العراقيين: أنه لا فرق، بل قال البندنيجي: إن تعارض البينتين: أن تشهد كل واحدة منهما بضد ما تشهد به الأخرى على صفة لا تقبل من التكاذب؛ كما إذا شهدت إحداهما: أنه باع من زيد عبده مع الزوال، والأخرى أنه باعه من عمرو مع الزوال، أو شهدت إحداهما بأن عمراً قتل زيداً بالبصرة، والأخرى أنه قتله ببغداد.
واختار القاضي الحسين في باب الدعوى في الميراث قول التساقط في كل مسألة يقطع فيها بكذب إحدى البينتين، بأن تكون الدعوى في السفاح، أو في الثوب الذي لا ينسج إلا مرة، أو في النكاح، وغيره، ولم يمنع مجيء القول الآخر فيها، واختار قول الاستعمال في كل مسألة يحتمل فيها صدق البينتين، ولم يمنع مجيء قول التساقط فيها.
وقد حكى الغزالي ما حكيناه عن العراقيين طريقة أخرى، وقال: إنه بعيد.
وحكى الفوراني الطريقين على [غير] هذا النحو، وتبعه صاحب "البحر"، فقالا في حكاية إحدى الطريقين: إن القولين فيما إذا لم يمكن الجمع، فإن أمكن قسم بينهما لا محالة.
والطريق الثاني: طرد القولين في الحالين؛ وحينئذ فيحصل من النقلين ثلاث طرق:
القطع بالتساقط؛ إذا لم يمكن الجمع.
القطع بالاستعمال؛ إذا أمكن الجمع.
طرد القولين في الحالين، قال الرافعي: وهو الأشهر.
ثم قال: وإيراد أبي الحسن العبادي ينساق إلى طريقة أخرى تنفي الخلاف، وتقطع بالتساقط عند استيقان الكذب في إحداهما، وبالاستعمال عند إمكان صدقهما؛ [كما] في الوصية.
قال: وفي الاستعمال ثلاثة أقوال:
أحدها: يوقف إلى أن ينكشف، أو يصطلحا؛ لأن إحداهما صادقة، والأخرى كاذبة؛ فكان كالمرأة إذا زوجها وليان: أحدهما بعد الآخر، ونسي السابق.
وهذا ما خرجه البغداديون للشافعي، وقال الإمام: إنه أعدل الأقوال في الاستعمال.
وهو في ذلك متبع للقاضي الحسين؛ [فإنه كذا قال] في باب الدعوى في الميراث، وقد امتنع البصريون- كما قال الماوردي- من تخريجه، وهو الأشبه؛ لأن وقف البينة على البيان يوجب الحكم بالبيان دون البينة.
والرافعي نسب هذا القول إلى رواية أبي الفياض.
والثاني: يقسم بينهما، أي: إذا كان قابلاً للقسمة، بمعنى: أنه لا استحالة فيه، لا بمعنى الانقسام في الحس والعيان.
ووجهه: ما روى سَعِيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا عِنْدَ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعِيْراً- أَوْ دَابَّةً- وَشَهِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ، فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وقد خرجه أبو داود بإسناد كلهم ثقات.
ولأن البينة أقوى من اليد، وقد ثبت أنهما إذا تساويا في اليد جعل بينهما؛ فوجب إذا تساويا في البينة أولى أن يكون بينهما.
قال الإمام: وهذا ما نقله المزني عن اختيار الشافعي، [وليس مساعداً عليه؛ فإن الإمام الشافعي] أبطله في مواضع، وقال: من قال بالقسمة، دخلت عليه شناعة؛ فإنه ليس قاضياً بواحدة من البينتين.
قال في "البحر": وإذا قلنا: يقسم، وكان الشيء في أيديهما – هل يحلف كل واحد منهما لصاحبه في النصف الذي أصابه؟ فيه وجهان؛ كما لو كان الكل في يد أحدهما.
فإن قلت: الوجهان في الأصل الذي قاس عليه مبنيان على قول التساقط والاستعمال: فإن قلنا بالتساقط حلف، وإلا فلا، وقول القسمة هاهنا مفرع على قول
الاستعمال، فكيف يجيء الوجهان؟
قلت: قد حكينا عن الإمام الوجهين في الأصل، وإن قلنا بالاستعمال فهما هذان الوجهان والله أعلم.
والثالث: يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة، قضي له؛ لما روى الشافعي في القديم مرفوعاً إلى سعيد بن المسيب: أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، وأقام كل واحد شهوداً، فأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [بينهما] وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ تَقْضِي بَيْنَهُمَا".
ولأن اشتباه الحقوق المتساوية يوجب تميزها بالقرعة؛ كدخولها في القسمة في السفر بإحدى نسائه، وفي عتق عبيده إذا استوعبوا التركة؛ [و] هذا اللاقول محكي في الدعاوىمن القديم؛ كما حكاه البندنيجي.
قال: وهل يحلف مع القرعة؟ فيه قولان:
وجه الوجوب: أن القرعة قد تخطئ، وتصيب؛ فيحلف؛ لقطع التهمة ورفع الإشكال؛ مبالغة في الاحتياط.
ووجه مقابله: أن القرعة سيقت للترجيح؛ فاكتفي بها؛ هكذا وجهها القاضي الحسين في موضع من "تعليقه".
وقال ابن الصباغ: إنهما ينبنيان على أن الحكم عند خروج القرعة يقع بالبينة، [أو بدعواه مع القرعة؟ وفي ذلك قولان:
فإن قلنا: يقع بالبينة]، فلا يحلف، وهو ما اختاره ابن أبي عصرون؛ كما حكاه ابن أبي الدم.
وإن قلنا: يرجح بالقرعة، حلف، وهو ما حكاه في "البحر" عن النص، وقال: إن عليه عامة أصحابنا.
ثم قال ابن الصباغ: وينبغي أن يكون [الترجيح] بالبينة المعارضة لمزيتها بخروج القرعة لها؛ لأن القرعة لو انفردت عن البينة، لم ترجح بها الدعوى؛ ولهذا قال الشافعي: إنه يحلف: إن بينتي لصادقة فيما شهدت [لي به].
وقال الماوردي: إن القولين في التحليف مأخوذان من اختلاف قولي الشافعي في أن القرعة هل دخلت ترجيحاً للدعوى أو للبينة؟
فأحد القولين: أنها دخلت ترجيحاً للبينة؛ فعلى هذا لا يجب على من قرعت بينته؛ لأن الحكم بالبينة، ولا يمين مع البينة.
والقول الثاني: أنها دخلت ترجيحاً للدعوى؛ [فيجب إحلاف المدعي؛ وعلى هذا يكون فيما يثبت به الحكم وجهان:
أحدهما: اليمين مع البينة] ويكون يمينه بالله: إن ما شهدت به بينته حق، وقد نص عليه الشافعي، أي: في الدعاوى والبينات؛ كما حكاه في "البحر".
والثاني: أن الحكم يثبت بيمينه؛ ترجيحاً بالبينة؛ وهذه الطريقة هي المشهورة على قول الاستعمال.
وعن القاضي ابن كج: أنه حكى عن القاضي أبي حامد: أن الأقوال الثلاثة لا تجمع؛ بل موضع قول القسمة: ما إذا أمكن الجمع، وموضع قول القرعة: ما إذا لم يمكن.
أما إذا أقر الثالث الذي في يده العين بها لأحدهما بعد قيام البينتين، فإن قلنا بالتساقط، رجع إليه، وإن قلنا بالاستعمال فهل يرجح به؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه يصير صاحب اليد.
والثاني: لا؛ لأن يد الثالث بعد قيام البينتين واستعمالهما مستحقة الإزالة بالاتفاق فلا تأثير لها، ولا اعتبار بإقرار صاحبها.
وقد أجاب القائلون بالقول الصحيح في أصل المسألة- وهو قول التساقط- عن القياس على نسيان السابق من النكاحين-: أنه يمكن التذكر فيه، وهاهنا لا يرجى زوال ذلك بالتذكر.
وعن حديث أبي موسى [الأشعري]: بأنه يحتمل أن يكون المدعى به في أيديهما؛ فأبطل البينتين، وقسم بينهما، على أنه روي عنه أنه قال: "ولا بينة لهما".
وعن حديث سعيد بن المسيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك الشيء عتقاً أو قسمة؛ كذا قاله ابن الصباغ: وقد يأتي في بعض الصور الجزم بالقول الصحيح، وبيانه: ما إذا تعارضت البينتان في نكاح امرأة تنازعه رجلان؛ فإن الأصحاب قالوا: لا شك أن قول القسمة لا يجري، وكذلك قول الوقف؛ فإن الاصطلاح في النكاح غير ممكن؛ فلا معنى لحبس المرأة أبداً.
فأما القرعة فقد تردد فيها الأصحاب:
فمنهم من قال بجريانها، وهذا ضعيف في "تعليق" القاضي الحسين وغيره.
ومنهم من ذهب إلى المنع، وهو الأصح، وبه جزم في "التهذيب"؛ وعلى هذا يلزم القطع بالتساقط؛ كذا قاله الإمام.
واعلم أن الشيخ جعل العين إذا كانت في يدهما، وأقام كل [واحد] منهما بينة- كما لو كانت العين في يد غيرهما، وهو ما اختاره في "المرشد".
والشيخ أبو حامد قال: إنها تكون بينهما، وهل يحتاج كل واحد منهما أن يحلف على النصف الذي في يده؟ فيه قولان؛ لأن لكل واحد منهما بينة ويداً على النصف؛ فهو كما لو أقام كل واحد منهما بينة، والعين في يد أحدهما؛ فإنه يقضي بها لصاحب اليد، وهل يحتاج إلى اليمين؟ فيه قولان.
وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن "الأم"، ولم يورد البغوي سواه؛ وكذلك الماوردي في باب الدعاوى في وقت دون وقت، وطرده فيما إذا شهدت بينة أحدهما بأنه اشتراها من زيد، وهي ملكه، وبينة الآخر: أنه اشتراها من زيد- أيضاً- وهي ملكه، وكان التاريخ واحداً، ولم يعلم السابق منهما.
ووجهه البغوي: بأن بينة كل واحد منهما ترجحت في النصف الذي بيده؛ فقضي له به.
وبيانه: أن من أقام البينة منهما أولاً، فإنه يقيمها على ملك النصف الذي في يد صاحبه، والثاني يقيمها على ملكه للكل، وتسمع منه؛ لأنه في النصف الذي في يد صاحبه خارجي، وفي النصف الذي في يده داخلي، فقد قامت عليه البنية بما في يده، ويحتاج من أقام البينة على النصف أولاً أن يقيمها ثانياً على ملكه لما كان في يده.
قال الرافعي: وكأن هؤلاء امتنعوا من إجراء الأقوال، وقالوا: موضع الأقوال ما إذا خلت البينتان عن الترجيح، واليد من أسباب الترجيح.
والحاصل للفتوى على الطريقين معاً: إبقاء المال في يديهما كما كان، ومحلهما: إذا شهد شهود كل واحد منهما له بجميع المال- كما ذكرناه- فأما إذا شهد شهود كل واحد منهما بالنصف الذي في يد صاحبه، فالبينتان لم تتواردا على شيء واحد حتى يقال بالتعارض، ولا يد للمدعي في المشهود به حتى [يترجح] جانبه، ولكن يحكم القاضي لزيد بما في يد عمرو، ولعمرو بما في يد زيد، ويكون المال في يدهما- أيضاً- كما كان، ولكن بجهة التساقط، لا بجهة الترجيح باليد.
وفي "الإبانة" في هذه الحالة- أعني: حالة إقامة كل منهما [البينة] على ملك جميع الدار-: أنه يجيء قول القسمة، ولا يجيء قول الوقف؛ إذ لا معنى للتوقف مع ثبوت اليد، وهل تجيء القرعة؟ فيه وجهان.
وكلام الإمام الذي حكيناه من قبل عند الكلام فيما إذا كانت العين في يد أحدهما، يأبى ذلك، ويقتضي موافقة الشيخ أبي حامد، وقد صرح به في موضع آخر؛ حيث قال: إن كل واحد منهما إذا أقام بينة، والعين في يديهما، لم تؤثر البينتان في تغيير ما كانا عليه قبل الخصام، بل كل واحد على نصف الدار، غير أنهما كانا على ظاهر اليد، وقد ثبت الملك لكل واحد منهما في النصف.
قال: وإن كانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر شاهداً ويميناً- ففيه قولان:
أحدهما: [أنه] يقضي به لصاحب الشاهدين؛ لأنها بينة مجمع عليها،
وبينة الآخر مختلف فيها.
وأيضاً: فإن التهمة متوجهة في اليمين، وغير متوجهة في الشهادة؛ وهذا أصح في "الحاوي"، و"النهاية" وعند الغزالي، وصاحب "المرشد"، والنواوي، وغيرهم.
وقال في "البحر": إنه ليس بشيء.
والثاني: أنهما سواء؛ لأنهم استويا في إثبات الملك عند الانفراد؛ فأشبه ما لو كانت بينة أحدهما شاهدين، وبينة الآخر شاهداً وامرأتين؛ فإنه لا تترجح إحداهما على الأخرى؛ على المشهور.
وادعى الإمام فيه اتفاق الأصحاب؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين قبيل كتاب الدعاوى من الجديد.
وعلى هذا قال: فتتعارضان، وفيهما قولان، وقد سبق توجيههما.
وعن الماسرجسي رواية قول آخر حكاه الفوراني- أيضاً-: أن الرجلين يترجحان على رجل وامرأتين؛ لزيادة الوثوق بقولهما؛ وكذلك يثبت بقول رجلين ما لا يثبت بقول رجل وامرأتين، وقد أبدى الإمام هذا احتمالاً لنفسه؛ تفريعاً على ما سنذكره عن القديم وأيده: بأن من أقام رجلاً شاهداً، وأراد أن يحلف معه في المال، أمكنه ذلك، ولو أقام امرأتين، وأراد أن يحلف معهما، لم يجز.
قلت: ولو بني الخلاف في تعارض الشاهدين، والشاهد واليمين على أن الحكم عند وجود الشاهد واليمين يقع [باليمين، أو بالشاهد]، أو بهما- لم يبعد، ويقال: إن قلنا: إنه يقع باليمين، أو بهما- فلا تعارض؛ لما تقدم أن البينة أقوى من اليمين.
وإن قلنا: يقع بالشاهد فقط، فيجيء التعارض؛ لأن الحكم إذا وقع بالشهادة، لم ينظر إلى عدد الشهود؛ ألا ترى أنه إذا أقام أحدهما شاهدين، والآخر عشرة- وقع التعارض؟
على أن الماوردي والقاضي الحسين وغيرهم قد حكوا عن القديم قولاً: أن البينة المشتملة على زيادة عدد أولى، والحكم بها أحق، وطردوه فيما إذا كانت إحدى البينتين أظهر في العدالة من الأخرى؛ كما هو مذهب الإمام مالك فيهما.
والأكثرون نفوا عن الشافعي هذا القول، وجزموا بعدم الترجيح في هاتين
الصورتين، وحملوا ما حكي عنه على حكاية مذهب الغير.
والطريقان جاريان فيما إذا خصت إحدى البينتين بزيادة فقه.
قال في "الوسيط": أو كان في إحدى الجانبين شهادة أحد الخلفاء الأربعة.
والصحيح- وإن ثبت الخلاف- عدم الترجيح بما ذكرناه؛ وهذا بخلاف الرواية حيث رجحوا بهذه الأمور؛ لأن الشهادة نصاب مقدر؛ فيتبع، وليس للرواية ضبط؛ فيعمل بما غلب على الظنون.
ومنهم من ألحق الرواية بالشهادة.
فرع: إذا قلنا بالقديم، وكان من جانب [صاحب] اليد شاهد ويمين، ومن جانب الخارج شاهدان- ففي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين:
أحدهما: تترجح بينة صاحب اليد.
والثاني: تترجح بينة الخارجي.
ولو كان من جانب عشرة من أوساط العدول، ومن جانب عدلان، وهما على المنصب الأعلى في الثقة والتثبت- قال الإمام: فيجب على القاضي أن ينظر بينهما نظر المجتهدين في حرين يرويان خبراً.
قال: ولو شهدت بينة أحدهما بالملك من سنة، و [شهدت] بينة الآخر بالملك من شهر- أي: مع شهادتهما بالملك في الحال، والعين في يد ثالث- ففيه قولان:
أحدهما: تتعارضان، وفيهما قولان؛ إذ المقصود إثبات الملك في الحال؛ فلا تأثير للسبق؛ فإنه غير متنازع فيه، ولأن الشهادة بحديث الملك، لم تنف تقدم الملك، وإن أثبتته الأخرى؛ فصارتا متكافئتين.
وهذا ما حكاه "البويطي"، والمزني [في "المختصر"]؛ ولأجله قال القاضي الحسين: إنه الجديد.
وصححه ابن كج وشرذمة، وعن ابن سريج، [والشيخ أبي علي،] وابن سلمة، وابن الوكيل: القطع به.
والثاني- وهو الصحيح-: أن التي شهدت بالملك القديم أولى؛ لأنها انفردت بإثبات الملك في زمان لا تعارضها فيه الأخرى؛ فوجب وقف التعارض وأمضي ما ليس فيه تعارض.
ولأن ثبوت ملك المقدم يمنع أن يملكه المتأخر إلا عنه، ولم تتضمنه الشهادة له؛ فلم يحكم بها.
وهذا ما رواه الربيع، واختاره المزني والأكثرون، ومنهم الشيخ أبو حامد وسالكو طريقه، والماوردي، والبغوي، وقال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب.
وقال القاضي الحسين والشيخ أبو علي: إنه القديم.
ويجري القولان- كما قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي- فيما إذا أقام أحدهما بينة: أنه ملكه من سنة إلى الآن، وأقام الآخر بينة [على أنه] ملكه الآن.
وفي بينة الزوجين على الزوجية إذا سبق التاريخ؛ كما قال الغزالي.
وكذا فيما إذا تعارضتا مع اختلاف التاريخ بسبب الملك؛ كما إذا أقام أحدهما بينة أنه اشتراه من زيد منذ سنة، والآخر [بينة] أنه اشتراه من عمرو منذ شهر.
وكذا فيما إذا تنازعا أرضاً مزروعة، وأقام أحدهما بينة: أنها أرضه زرعها، والآخر بينة أنها ملكه مطلقاً؛ لأن البينة التي شهدت بالزرع تثبت الملك في وقت الزراعة؛ هكذا ذكره صاحب "التهذيب"؛ تصويراً وتوجيهاً.
قال الرافعي: وفيه ما يبين أن سبق التاريخ لا يشترط أن يكون بزمان معلوم؛ حتى لو قامت بينة: أنه ملكه منذ سنة، وأخرى على أنه ملكه أكثر من سنة- كان موضع الخلاف.
قال: فعلى هذا إن كان مع أحدهما بينة بالملك القديم، أي: بالملك من سنة، ومع الآخر، أي: الذي شهدت له البينة بالملك من شهر، [يد] فقد قيل: صاحب اليد أولى؛ لأن [اليد أولى من] الشهادة بالملك القديم؛ كما سنذكره.
وهذا ما نص عليه
الشافعي، وتابعه عليه جمهور أصحابه؛ كما قاله الماوردي، وصححه الرافعي، واختاره في "المرشد".
وقيل: صاحب البينة بالملك القديم أولى؛ لأن الترجيح من جهة البينة أولى من الترجيح من جهة اليد؛ [كما أن البينة أولى من اليد].
وهذا طريق ابن سريج؛ كما حكاه في "المهذب"، وأبي إسحاق؛ كما حكاه ابن الصباغ؛ وكذا الماوردي، وخطأه فيه، وطريقهما- كما حكاه القاضي أبو الطيب، وكلام القاضي الحسين- يقتضي أنه الضعيف؛ لأنه جعله بمنزلة من اشتملت بينته على زيادة في العدد، أو الورع، و [قد] قال ابن يونس: إنه الصحيح.
وفي "الوسيط" وجه [آخر]: أنهما تتعارضان.
وعلى قول الترجيح بالملك القديم في حال كون العين في يد ثالث فرع آخر، وهو: أن نماء العين وأجرتها يكون لمن شهدت له البينة بالملك القديم.
وعلى مقابله إذا قلنا بالتساقط فلا، وإن قلنا بالاستعمال فيكون له في الزمن الذي لم يقع فيه التعارض، وهو أحد عشر شهراً، وما حصل في الشهر الآخر تأتي فيه الأقوال؛ كذا أشار إليه الماوردي والرافعي.
وكلام ابن الصباغ يقتضي أن النماء له على كل حال؛ لأنه قال في توجيه القول بأن التي شهدت بالملك القديم أولى: ولهذا له المطالبة بالنماء في ذلك الزمان.
وعلى القولين فرع آخر بناه ابن سريج، وهو: إذا كان في يد رجل دار، فادعاها رجل، وأقام شاهدين: أنها ملكه، فحكم له بها، ثم جاء آخر، وأقام شاهدين: أنها ملكه- هل يحتاج الأول إلى إعادة بينته؛ ليحصل التعارض؟ قال: إن قلنا: إن بينة الأقدم مسموعة، وإنها أولى من بينة الأحدث- فلا يحتاج، ويقع التعارض.
وإن قلنا: إن بينة الأقدم والأحدث سواء، ففي الاحتياج إلى إعادة البينة الأولى وجهان، والصحيح: أنها تعاد؛ لأنها غير موجودة الآن حتى يقع التعارض؛ حكاه أبو الطيب وابن الصباغ.
قال: وإن شهدت بينة أحدهما بالملك والنتاج في ملكه، وبينة الآخر بالملك
وحده- فقد قيل: بينة النتاج أولى- أي: وإن قلنا: إن البينة بالملك المتقدم لا يرجح بها- لأنها تنفي أن يتقدم عليه ملك لغيره، والشهادة بقديم الملك لا تنفي ذلك.
وأيضاً: فإن بينة الأقدم شهدت بالملك دون سببه؛ فساوت بينة الأحدث، وبينة النتاج شهدت بالملك وسببه؛ فكانت أولى؛ ألا ترى أنه لو شهد شاهدان أن هذا الولد ابن فلان، وشهد آخران أنه ابن هذا ولد على فرشه- كانت بينة الفراش أولى؛ لأنها شهدت بالنسب وسببه؟
وهذه طريقة أبي إسحاق وجمهور الأصحاب؛ كما قاله الماوردي، [وبها جزم القاضي أبو الطيب في كتاب العاقلة]، وفي "الشامل": أن هذا ضعيف.
والقائلون بهذه الطريقة قصدوا بما ذكروه من الفرق الرد على المزني؛ فإنه استشهد لما اختاره في المسألة السابقة بنص الشافعي على أن بينة النتاج- كما ذكرنا-[أولى].
قال: وقيل: على قولين؛ كالمسألة قبلها؛ لأنه ليس في بينة النتاج أكثر من الشهادة بملك متقدم، فلتكن على القولين.
وهذه طريقة ابن سريج وأكثر الأصحاب؛ كما [قاله الرافعي، وجميع الأصحاب؛ كما] قاله الإمام.
وحكى الماوردي عن ابن خيران: [أن] ابن سريج كان يقول: الشهادة بالنتاج ليستمن منصوصات الشافعي، وإنما أوردها المزني من تلقاء نفسه.
ثم الطريقان في مسألة النتاج يجريان- كما قال الماوردي- فيما لو تنتازعا ثوباً، وأقام أحدهما البينة على أنه له، نسجه في ملكه، و [أقام] الآخر البينة على أنه له.
ومن طريق الأولى: إذا تنازعا تمرة أو حنطة، فشهدت بينة أحدهما بأنها حدثت في ملكه من شجرته أو بذره؛ كما صرح به الرافعي.
قال الماوردي: ولا تجري طريقة القطع فيما إذا شهدت بينة أحدهما بسبب الملك من الابتياع أو الميراث، وشهدت الأخرى بالملك من غير ذكر سببه، بل هذه المسألة ملحقة بتقديم الملك.
وهذا استنبطه الرافعي من الفرق الذي ذكره الأصحاب بين
مسألة النتاج ومسألة تقديم الملك.
وفي "تعليق" البندنيجي حكاية الطريقين في الكل، وألحق الغنيمة بالابتياع، وجعل الضابط في جريانهما: أن تشهد إحدى البينتين بالملك وسببه، وتشهد الأخرى بالملك المطلق.
قال: وإن ادعى كل واحد منهما: أنه ابتاع هذه الدار من زيد، وهي ملكه، أي: ملك زيد حالة العقد، وهي الآن في يد زيد، وأقام كل واحد منهما بينة على ما يدعيه- فإن كان تاريهما مختلفاً، أي: بأن كان تاريخ إحداهما في رمضان، وتاريخ ابلخرى في شوال، أو تاريخ إحداهما في يوم السبت، والأخرى في يوم الأحد.
قال: فهي للسابق منهما؛ لأنه ابتاعها وهي ملك للبائع، والآخر ابتاعها وقد زال ملكه؛ فلم يحكم له به.
قال القاضي أبو الطيب: ونحن وإن كنا نجوز أن يكون قد اشتراها ثم باعها، إلا أن الظاهر أنه ما اشتراها، فإذا ادعى أنه عاد واشتراها فعليه [البينة].
قلت: ويتجه تخريج وجه في تقديم المتأخر مما سنذكره فيما إذا كان في يد شخص عبد، وادعى العبد أنه أعتقه وهو ملكه، وادعى آخر: أنه اشتراه وهو ملكه، وأقام كل واحد منهما بينة بما ادعاه، وكان تاريخ العتق متأخراً، والمنقول أنها للأول.
وهكذا الحكم فيما لو كانت إحدى البينتين مطلقة، والأخرى مؤرخة، وقلنا بتقديم المؤرخة على المطلقة؛ كما هو أحد الوجهين؛ فيقضي لمن أرخت بينته؛ كذا صرح به أبو الفرج الزاز، ولمن قامت بينته بالابتياع المتأخر أن يرجع على البائع بما دفعه له من الثمن؛ إن شهدت بينته بقبضه.
قلت: وهذا من الأصحاب جواب على الأصح في [أن من قال في] حال المنازعة: هذا ملكي، وملك من اشتريت منه؛ فخرج مستحقا: أنه يرجع بالثمن.
أما إذا قلنا: إنه لا يرجع بالثمن فيما إذا قال: ملكي وملك من اشتريت منه- كما
قدمت حكايته في الباب وجهاً- فلا يرجع بالثمن هاهنا؛ لأن ذلك عين المسألة والله أعلم.
قال: وإن كان تاريخهما واحداً، [أو لم يعلم] السابق منهما- أي: إما لكونهما مطلقتين، أو لكون إحداهما مطلقة، والأخرى مؤرخة، ولم ينظر إلى تقديم المؤرخة؛ كما هو الصحيح.
قال: تعارضت البينتان، أي: في الملك دون العقد فيما عدا الأولى، وفيهما في الأولى؛ للمنافاة الحاصلة بينهما.
قال: وفيهما قولان:
أحدهما: تسقطان؛ لما تقدم.
وحكى الإمام وجهاً آخر: أنهما لا تسقطان في الصورة الثانية، وإن قلنا بالتساقط في الأولى؛ فإن صدق البينتين ممكن، فلعل أحدهما اشترى ثم عادت الدار إلى ملك المدعي عليه، فاشتراها الثاني.
وهذا حكاه الفوراني؛ بناء على الطريقة التي حكاها في أن التعارض إنما يصار إليه عند تحقق التكاذب، ولا وجه لهذا؛ فإنه لا نفع في تقدير صدقهما مع تعذر إمضائهما؛ فعلى هذا- أعني: قول التساقط- يرجع إلى البائع، فإن كذبهما حلف لكل واحد منهما، وغرم [له] ما شهدت [له] به بينته من الثمن الذي دفعه؛ لأن تعارض البينتين في البيع لا في دفع الثمن؛ كذا قاله في "الحاوي" هنا.
وفي "الإبانة" و"النهاية": أنه هل يرجع كل واحد منهما بما شهدت له به بينته من الثمن؟ فيه وجهان.
وقد حكى الماوردي فيما إذا شهدت بينة على شخص بعتق عبده، وشهدت بينة أخرى عليه بأنه باعه: أنا إذا قلنا بالتساقط لا يلزمه رد الثمن بالبينة، لأنها قد أسقطت في كل [ما شهدت به.
ومن] اختلاف نقليه يجتمع الوجهان، وقد صرح بهما عند الكلام فيما إذا ادعى أحدهما أنه اشترى هذها لدار من زيد وهي ملكه، وادعى
الآخر: أنه اشتراها من عمرو وهي ملكه، وقال: إنهما ينبنيان على القولين في أن الشهادة إذا ردت في بعضها، هل ترد في الباقي؟
والصحيح في "الرافعي" وغيره: الرجوع.
وقال الإمام: إنه يرجع حاصله إلى تهاتر من وجه، واستعمال من وجه، وهو فقه لا ينقدح عند المحصل غيره؛ وهذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن تعرضت له، فلا رجوع بالثمن؛ إذ العقد قد استقر بالقبض.
وإن صدق أحدهما، وكذب الآخر، كانت الدار مبيعة من المصدق دون المكذب، فإن طلب المكذب إحلاف البائع بعد ذلك، قال القاضي الحسين: ذلك ينبني على أنه لو أقر هل يغرم؟ فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا انبنى على أن يمين الرد كالبينة أو كالإقرار؟ فإن قلنا: كالإقرار، لم يحلف، وإلا حلف.
فإذا حلف فنكل، وحلف المدعي فماذا يرجع به؟ فيه وجهان:
أحدهما: قيمة العين؛ لأنه ليس ببينة حقيقة.
والثاني: بالعين، وتنزع من يد المقر له؛ كما لو أقام بينة.
وقال البندنيجي والفوراني: طلب اليمين ينبني على أنه لو عاد وأقر للثاني، هل يغرم له؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يغرم، حلف، وإلا فلا.
وهكذا حكى ابن الصباغ عن الشيخ أبي حامد، ثم قال: وينبغي عندي أن يجب عليه [رد] الثمن قولاً واحداً؛ لأنه اعترف بقبضه، وتعذر عليه تسليم المبيع، وإن لم يعترف فللثاني تحليفه؛ لما ذكرته.
قلت: وهذا منه يدل على أمرين:
أحدهما: أن المسألة مصورة بما قبل القبض، وأن الذي اختلف في الرجوع به الثمن إذا لم تكن البينة قد قامت بقبضه.
وقد قال القاضي الحسين بعد حكاية القولين في التغريم والتحليف- كما ذكرنا عن الشيخ أبي حامد وغيره-: إن هذا إنما يتصور إذا كان المبيع قد قبضه مدعي الدار ثم عادت إلى يد البائع، فجحده؛ ليحلفه على تغريم قيمة العين.
أما إذا لم يكن
قد قبض المبيع، فأقر لأحدهما، للثاني تحليفه على تغريم الثمن؛ لأنه قد فات المبيع بإقراره، فهو كما لو غصبه أو غيبه.
وهذا منهما بناء على أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كالآفة السماوية في انفساخ العقد، ولو نظرا إلى أنه كجناية الأجنبي، ولم يقولا بانفساخ العقد بمجرد الإتلاف، بل بثبوت الخيار- لقالا: إنه يثبت له الخيار، فإن فسخ كان له الثمن، وإلا فهل له طلب القيمة؟ ينبني [على] أن الحيلولة القولية التي لم ييأس معها [من] الرد، هل توجب الغرم؟ وفيه خلاف يأتي، ويدل على ذلك أن القاضي قال بعد ذلك: إذا لم يكن لهما بينة وادعيا عليه الدار- كما ذكرنا- فأقر لأحدهما، [فماذا يدعي عليه الآخر؟] ذلك ينبني على أصل، وهو أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كآفة سماوية، أو كجناية أجنبي؟ إن قلنا: كآفة سماوية، فإنه يدعي عليه الثمن، وإن قلنا: كجناية أجنبي، انبنى على ما إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، لا بل من عمرو، هل يغرم القيمة أم لا؟
فإن قلنا: يغرم [ثم] فهاهنا يدعى عليه القيمة.
وإن قلنا: لا يغرم ثم انبنى على أن النكول ورد اليمين يكون كالإقرار أو كالبينة؟
وساق [مثل] ما حكيناه عنه من قبل.
وأما الماوردي فإنه قال فيما إذا اعترف لأحدهما، وطلب الآخر يمينه: إنه ينظر:
فإن كان قد سبق بالدعوى عليه قبل أن يصدق الآخر، كان له إحلافه؛ لأنه قد استحق اليمين بإنكاره قبل دعوى الآخر؛ فلم يسقط حقه منها بتصديقه لغيره.
وإن كانت دعواه بعد تصديق الآخر، فلا يمين عليه إن كانت قيمة الدار قدر ما بذله من الثمن، [وإن كانت أكثر من الثمن] فتحليفه ينبني على أنه لو عاد وصدقه، هل يغرم له الزائد من القيمة على الثمن [أم لا]؟ وفيه قولان: فإن قلنا: لا يغرم له، لم يحلف، وإلا حلف.
وهذا [قاله- والله أعلم]- بناء على ما حكيناه عنه أولاً في المسألة السالفة: أنه يرجع بما شهدت به بينته من قبض الثمن.
ولو صدقهما البائع، جعلت الدار بينهما، ويكون نصفها مبيعاً على كل واحد منهما بنصف الثمن الذي أقر به البائع؛ إن صدقه المشتريان على قدره، وإن كذباه حلفاه، وبطل البيع.
قال: والثاني: تستعملان: إما بالقرعة، أي: على قول من رآها؛ إذ لا مانع منها.
وقال الشيخ أبو محمد: إنها لا تجري فيما عدا الصورة الأولى.
وهو ضعيف.
وعلى الأول هل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه القولان.
قال: أو بالقسمة [أي]: على قول من رآها؛ لما ذكرناه.
وعلى هذا قال العراقيون والقاضي الحسين: يثبت لكل [واحد] منهما الخيار في فسخ العقد وإمضائه بنصف الثمن الذي شهدت به بينته؛ لتبعيض الصفقة عليه.
ويجيء وجه في أنه إذا أجاز يجيز بكل الثمن كما ذكرناه في البيوع.
فإن اختارا الإمضاء كانا شريكين في الدار، ويرجع كل واحد منهما عليه بنصف ثمنه؛ بناء على أن الإجازة بالقسط لا بالكل.
وإن اختارا الفسخ، فإن فعلا ذلك في وقت واحد، انفسخ العقدان.
وإن فعل [أحدهما ذلك] قبل الآخر، فقد فسخ الأول دون الثاني.
قال الماوردي: لأن بفسخ الأول يكمل المبيع للثاني؛ فسقط خياره.
وإن اختار أحدهما الإمضاء، والآخر الفسخ، فالفاسخ يزول ملكه، والمجيز ينظر فيه:
فإن أجاز بعد فسخ الأول، كملت له الدار بجميع الثمن.
وفيه وجه حكاه القاضي الحسين وغيره: أنه لا يكمل له؛ كما سنذكره في الحالة الثانية.
وإن أجاز قبل فسخ الآخر، لم يكن له إلا نصف الدار بنصف الثمن؛ لأن سهم الفاسخ لم يعد إلا بعد استقرار العقد في ابتياع النصف.
قال الإمام: والذي نراه [أن] الترتيب على عكس هذا، فإن فسخ من بدأنا به، سلمنا الدار إلى المجيز وجهاً واحداً؛ لأن القسمة ليست معينة لعينها، وإنما هي للاستواء في الطلب والحجة وقيام النزاع؛ فإذا زال وجب التسليم [إلى] المطالب.
وإن رضي من بدأنا به بالبقاء، وفسخ الثاني، ففي رد النصف إلى الثاني وجهان؛ فإن الأول إنما رضي بالنصف لتقدير نزاع الثاني، فإذا زال فطلبه قائم.
وفي "الإبانة": أنه إذا فسخ أحدهما فيما يخصه، فهل على المدعي [عليه] تسليم ذلك إلى الآخر؟ فيه وجهان من غير تفصيل.
وهذا كله إذا لم تكن البينة قد تعرضت لقبض المبيع ولا جرى ذكره في الدعوى، أما إذا وجد ذلك، فلا خيار؛ لأن ما يحدث بعد القبض ليس على البائع عهدته.
قال: ولا يجيء الوقف- أي: عند من رآه في غير هذه الصورة- لأن المعقود عليه لا يوقف.
قال ابن الصباغ: فإن قيل: العقد [أيضاً لا ينقسم، وقد قلتم بالقسمة- قال: قلنا: إنما يقسم المعقود عليه، دون العقد] ولو قلنا: يوقف هاهنا، لأوقفنا العين والعقد.
على أني رأيت في "الحاوي"، و"البحر"، و"الشامل" في أوائل كتاب الدعاوى عند الكلام في التنازع في كراء الدار: أنهما إذا اختلفا في عقد، وكان لهما بينة، فإن قلنا بالاستعمال فلا يجيء قول الوقف؛ لأن العقود لا توقف، والقسمة لا تجيء أيضاً؛ لأنهما يتنازعان عقداً، ولا يمكن قسمة العقد؛ فلم يبق إلا القرعة؛ فيقرع بينهما، فإذا خرج السهم لأحدهما حكم له ببينته، لكنهم قالوا: ذلك فيما إذا اختلفا: هل وقع عقد الإجارة على الدار كلها، أو [عليها إلا بيتاً فيها]، وقد يظهر فرق بين هذه المسألة وبين مسألتنا.
وقد قال القاضي الحسين في مسألتنا: إن قول الوقف يجري، وإذا قلنا به أخذنا من البائع كلا الثمنين، ويعدلان- أيضاً- وهذا ما حكاه الإمام عند الكلام في هذه
المسألة، وقال قبل ذلك: إن من أصحابنا من قال: لا يوقف البيع.
وهو غفلة ظاهرة؛ فإن الوقف الذي نمنعه في العقد إنما هو [وقف] العقد على وجود شرط قد تخلف عنه، أما التوقف في الخصومات فلا يمنع فرضه في البيع.
والذي أورده الشيخ هو ما حكاه العراقيون: كأبي الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ، ولم يحك الفوراني سواه.
وقد حكى الربيع قولاً ثالثاً في أصل المسألة: أن تعارض البينتين يوجب إبطال العقدين؛ فيكون كل واحد من البيعين باطلاً: كالمتداعيين نكاح امرأة يقيم كل واحد منهما البينة على أنه تزوجها من ولي، ولم يعلم أي العقدين سبق؛ فإنه يبطل النكاحان بتعارضهما.
قال الماوردي: وقد أنكر أصحابنا هذا القول، ونسبوه إلى تخريج الربيع، ومنعوا من اعتباره بالنكاح؛ لأن نكاح المرأة لا يجوز أن يكون بين زوجين، وشراء الدار يجوز أن يكون بين مشتريين؛ فبطل النكاحان لامتناع الشركة، ولم يبطل البيعان مع جواز الشركة.
وهذا كله إذا كانت العين في يد البائع، وكان منكراً أو ساكتاً، فلو صدق أحد المشتريين، فهل يوجب تصديقه ترجيح من صدقه على الآخر؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره:
أحدهما- وهو قول المزني، وابن سريج-: نعم؛ لأنه أصل ذو يد؛ فعلى هذا يرجع إلى بيانه في أي العقدين تقدم، ولا يرجع إلى بيانه: أيهما باع؛ لأنه قد ثبت عليه البيعان بالبينة، فإذا بين أحدهما بالتقدم كان له البيع.
وقد استدل لهذا الوجه بأن الشافعي قال في كتاب الرهن: إذا كان لرجلين على رجل دين، وادعى كل واحد منهما أنه رهن عنده هذه الدار قبل صاحبه، وأقام على ذلك بينة، فأقر الراهن لأحدهما- أن بينة المقر له أولى.
كذلك في مسألتنا، ولا فرق بين الرهن والبائع.
[والوجه الثاني-] وهو قول أبي علي ابن خيران، وعامة أصحابنا؛ كما قال
الماوردي، وأبو الطيب-: أن تصديق البائع لأجل يده غير مقبول في ترجيح بينة أحدهما؛ لاتفاق البينتين على زوال ملكه؛ فبطل بهما حكم ملكه، وإنما يرجع إلى يد يجوز أن تكون مالكة.
وما ذكره الأولون من الاستشهاد بمسألة الرهن غير دال لهم؛ لأن فيها قولين:
فإن قلنا: لا يقبل، سقط السؤال.
وإن قلنا: يقبل، فالفرق: أن الراهن ما زال ملكه عن الرهن؛ فقبل إقراره، وليس كذلك في مسألتنا.
فعلى هذا يجري القولان في التعارض، ويكون الحكم كما سبق.
وعلى الأول قال الماوردي: يجوز لكل واحد منهما أن يدعي عليه العلم بالأسبق، ويحلفه يميناً تخصه؛ لأنه لو بين بعد إنكاره قبل منه، فلو جمع بين المشتريين في البيان، لم يكن فيه بيان؛ لأن بيانه في التقديم، ويستحيل أن يكون [كل واحد منهما مقدماً] على الآخر في حالة واحدة.
وقال الشيخ أبو حامد: يكون بينهما بتصديقهما.
وهذا ما أورده البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وقال: إن كل واحد منهما هل له تحليفه؛ لأجل النصف الذي لم يقر في يده؟ فيه قولان.
ثم قال الماوردي بعد حكاية قول أبي حامد: وهذا وهم إن كان قال هذا وهو يرى أن بيان البائع مقصور على التقدم بالعقد؛ لاستحالة اجتماعهما في التقدم، وإن قاله؛ لأنه يرى أنه يرجع إلى بيان البائع لأيهما باع- فهو ارتكاب مذهب لا يقتضيه المذهب.
ولو كانت الدار في يد أحد المشتريين، فقد قدمت ما قيل فيها، وكذلك إذا كانت في يديهما.
فروع:
لو شهدت إحدى البينتين في حال عدم التأريخ بأن الدار [ملك البائع] وقت البيع، أو كونها [ملكاً] للمشتري اليوم- كانت مقدمة.
قال الشيخ أبو عاصم: وكذا إذا كان في إحدى البينتين [أنها] في يد المشتري.
قال في "الإشراف": ولم يرد به مجرد اليد، بل أراد به اليد مع امتداد المدة على التصرف، ومع عدم المنازع.
وكذا لو كان في إحدى البينتين ذكر نقد الثمن دون الأخرى كانت مقدمة على الأرخى.
قال الشيخ أبو عاصم: سواء كانت سابقة أو مسبوقة؛ لأن التي تتعرض لنقد الثمن توجب التسليم، والأخرى لا توجبه؛ لبقاء حق حبس البائع؛ فلا تكفي المطالبة بالتسليم.
قال القاضي أبو سعد: وهذا غريب، لم أصادفه في كتب أصحابنا.
وفي "الحاوي" عند الكلام في الفرع الذي سنذكره بعده: أنه إذا شهدت بينة أحدهما بأنه ابتاعه منه، وقبضه، وشهدت بينة الأخرى: أنه ابتاعه منه، ولم يقولوا: إنه قبضه- فهل تترجح بينة من شهد له بالقبض؟ [فيه وجهان، والذي نص عليه الشافعي: الترجيح بالقبض؛ لأن البيع بالقبض] منبرم، وقبل القبض متردد بين سلامة المبيع فينبرم، أو تلفه فيبطل.
فرع: إذا كان في يد شخص عبد، وادعى عليه آخر: أنه باعه منه بكذا، أو أقام عليه بينة، وادعى العبد أنه أعتقه، وأقام عليه بينة- فإن [كان] تأريخ البينتين [مختلفاً]، قضى بأسبقهما.
وفي "الإشراف": أن هذا إذا لم يكن في البينتين إثبات الملك في يوم التصرف، فإن كان والإعتاق سابق تعارضت البينتان، قال: ويمكن أن يخرج قول أن السابق أولى مما سنذكره.
ولو كان البيع سابقاً، ففيه قولان:
أحدهما: السابق أولى.
والثاني: أن البينة الأخيرة أولى؛ إذ فيه تصديق البينتين؛ فإنه يحتمل أنه باعه منه، ثم اشتراه، ثم أعتقه.
وإن كان تأريخ البينتين واحداً، أو كان مطلقاً، أو كان أحدهما مطلقاً، والآخر مقيداً- فإن كان في يد المشتري فهل تترجح بينته بيده؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وعليهما بنى الوجهين في الفرع قبله؛ كما ذكرنا، والذي جزم به القاضي أبو الطيب: الترجيح.
ولو كان العبد في يد البائع، فهل تترجح بينة أحدهما بتصديقه؟ فيه الخلاف السابق:
فإن رجحنا به: فإن صدق مدعي الشراء، لم يرجع عليه العبد بشيء، وإن صدق العبد، حكم بعتقه، وسقطت بينة بيعه، وهل لمشتريه أن يرجع [عليه] بالثمن ببينة؟ فيه قولان في "الحاوي"؛ بناء على أن الرد في البعض هل يوجب الرد في الكل؟
وإن قلنا: لا تأثير لتصديقه، فعن المزني تخريج قول للشافعي: أن تقديم بينة العبد أولى؛ لأن العبد في يد نفسه، وبينة صاحب اليد مقدمة.
وضعفه الأصحاب، وامتنعوا من إثباته قولاً، وقالوا: إنما يكون في يد نفسه أن لو كان حراً؛ على أن الحر هل يثبت له يد على نفسه؟ الذي حكاه الأكثرون- كما هو في "الحاوي"-[لا]؛ خلافاً لأبي إسحاق المروزي.
ثم على الصحيح في عدم ترجيح بينة العبد، ينظر: إن كان التاريخ واحداً تعارضت البينتان، وإن كانت البينتان مطلقتين، أو إحداهما مطلقة، والأخرى مؤقتة- ففي التعارض الطريقان:
منهم من قال: لا تعارض؛ لأن التكاذب لا يتحقق وجوده.
ومنهم من قطع بالتعارض؛ وعلى هذا ففي المسألة قولان:
فإن قلنا بالتهاتر، فالحكم كما لو لم تقم بينة؛ كذا قاله الرافعي، وقال: إن الحكم فيما إذا لم تقم بينة: أن للعبد ومدعي الشراء تحليف من هو في يده، ويحلف لكل منهما يميناً، فإن أقر بالعتق يثبت، ولم يكن للمشتري تحليفه إن قلنا: إن
إتلاف البائع كالآفة السماوية.
نعم، لو ادعى تسليم الثمن، حلفه له.
وإن أقر بالبيع قضى له، ولم يكن للعبد تحليفه.
وإن قلنا بالاستعمال، ففي مجيء قول الوقف الخلاف السابق.
وإن قلنا بالقرعة، قضى لمن خرجت له.
وعن ابن سريج: أنه قال: يقوى في هذه الصورة قول القرعة؛ لاشتمال الخصومة على دعوى العتق.
وكذا قاله الماوردي.
فإن قرعت بينة الشراء، حكم له بابتياعه، وهل يحلف؟ فيه قولان.
وإن قرعت بينة العبد حكم بعتقه، ولزمه رد الثمن على المشتري؛ لأن بينته لم تسقط، وإنما ترجح غيرها، فوقفت.
وغن قلنا بالقسمة عتق نصفه، وثبت نصفه لمدعي الشراء بنصف الثمن، وله الخيار:
فإن فسخ، فالمشهور- وهو الذي أورده الماوردي وأبو الطيب-: أنه يعتق النصف الآخر أيضاً، وفيه وجه: أنه لا يعتق، وإيراد البغوي يشعر بترجيحه.
وإن أجاز المشتري، وكان المدعى عليه معسراً، لم يسر العتق، وإن كان موسراً ففي السراية وجهان أو قولان:
أصحهما عند القاضي أبي الطيب: السريان.
وعند الغزالي مقابله.
وقال البندنيجي: إنه المذهب، وإن الأول ليس بشيء.
ونقل أبو الفياض وجهاً: أن قول القسمة لا يجري هاهنا؛ تحرزاً من تبعيض العتق.
وقد حكاه الماوردي أيضاً.
قال: وإن ادعى أحدهما: أنه اشتراها من زيد، وهي ملكه، وادعى الآخر: أنه اشتراها من عمرو، وهي ملكه، أي: والعين في يد ثالث، وأقام كل [واحد] منهما بينة على ما يدعيه - تعارضت البينتان؛ لأن كل واحدة شهدت بالملك لواحد، وبيعه من واحد، ولا يجوز أن تكون الدار كلها [ملكاً] لاثنين يبيعها كل واحد من واحد.
قال: وفيهما قولان سبق توجيههما.
وفي "الإبانة" حكاية قول آخر: أن بينة السابق أولى.
وعلى الأول- وهو الذي أورده القاضي الحسين وغيره- إن قلنا بالتساقط، فكأن لا بينة، وسألنا من العين في يده: فإن اعترف بها لأحدهما، قضى له، وهل يحلف للآخر؟ فيه قولان.
وإن اعترف بها لهما، قضى بها لهما، وهل يحلف لكل منهما على نصف ما اعترف به؟ فيه قولان.
وإن قلنا بالاستعمال زال ملك من هي في يده عنها، ويجيء قول القرعة، والقسمة، وفي قول الوقف ما ذكرناه من اختلاف الطريقين.
فإن قلنا: يقرع، فهل يحلف من خرجت له القرعة؟ فيه قولان.
وإن قلنا: يقسم، كان لكل منهما نصفها بنصف الثمن الذي ادعاه، ويرجع على بائعه بنصف الثمن.
وهذا إذا لم يكن قد اعترف بقبض المبيع، ولا قامت [عليه] به بينة، ولكل منهما الخيار:
فإن اختار أحدهما الرد، والآخر الإمساك، رجع الراد بجميع الثمن على بائعه، ورجع من أمسك بنصف العين بنصف الثمن، ولا يكون له كل العين، سواء تقدم اختيار إمساكه على رد الراد أو تأخر.
قال البندنيجي: ولا فصل بين هذه المسألة والتي قبلها إذا كان البائع واحداً والمشتري اثنين إلا في هذا الفصل فقط؛ لأنه يؤدي الأخذ لو قيل به إلى أن يأخذ من غير بائعه، وإلا فالفقه فيهما سواء حرفاً بحرف.
ولو كان قد أقر بقبض المبيع، أو قامت به بينة، لم يرجع بشيء من الثمن، ولا خيار له في فسخ العقد كما تقدم، وهذا ما أورده الجمهور.
وفي "الحاوي": أن الثالث إذا ادعى العين ملكاً لنفسه، فدعواه مردودة بكل واحدة
من البينتين، لكن لا تنزع من يده قبل بت الحكم من المتنازعين، وقد تعارضت البنيتان فيه ملكاً في حق البائعين، ومبيعاً في حق المشترين، فإن قلنا بإسقاط البينتين، كان [كل] واحد من البائعين خصماً للآخر في ملكه، وكل [واحد] من المشترين خصماً لبائعه في ابتياعه؛ فيتحالف البيعان على ملكه: فإن حلفا حكم لهما، وإن نكلا جعل بينهما، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، فهل ترد يمين النكول على مدعي ابتياعه؟ على قولين من اختلاف قوليه في غرماء المفلس: فإن قلنا: إنها ترد عليهم، ردت على المشتري منه، وإلا فلا.
ثم إن حكم بالعين للبائعين، صار كل واحد من المشتريين مدعياً على بائعه بابتياعه جميع العين، ودفع ثمنه، فإن صدقه مبتاعه على دعواه، صح البيع في النصف الذي صار إليه، وبطل في نصفه الذي كان في ملك غيره، وثبت للمشتري الخيار، وإن أكذبه بائعه في ابتياعه، حلف له، ولا بيع بينهما، وهل يستحق عليه الرجوع بثمنه الذي شهدت به بينته؟ فيه قولان من اختلاف قوليه في أن الشهادة إذا ردت في بعض ما شهدت به، هل يوجب ردها في باقيه.
وإن حكم بالعين لأحد البائعين، كان الحكم بينه وبين المشتري منه في الكل كما ذكرناه في النصف، إلا أنه لا خيار له إذا صح البيع هاهنا، والمشتري الآخر هل يرجع بالثمن الذي بذله على بائعه بمقتضى بينته؟ فيه القولان.
وإن قلنا بالاستعمال بالقرعة، فأيهما خرجت له القرعة، حكم له، وفي إحلافه قولان، وردت البينة المقروعة في ملك الآخر وبيعه، ولم ترد فيما شهدت به من دفع الثمن قولاً واحداً؛ لأنه لم يكن ردها إسقاطاً، وإنما كان ترجيحاً.
وإن قلنا بالاستعمال بالقسمة، قسمنا العين بين المشتريين نصفين، ولكل واحد منهما الخيار في إمضاء البيع في نصفه بنصف الثمن، واسترجاعه باقيه، أو فسخ البيع واسترجاع جميع ثمنه، والله أعلم.
أما إذا كانت العين في يد أحد البائعين، فقد قال الشيخ في "المهذب"، والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: إن الحكم كما إذا كانت في يد ثالث؛ كما
ذكرناه؛ بناء على الصحيح في أنه لا ترجيح بقوله.
أما إذا قلنا بقول المزني وابن سريج: أن من صدقه البائع تترجح بينته، رجع إل البائع الذي في يده العين.
وفي "الحاوي": الجزم بهذا؛ لأنها بينة داخل تندفع بها بينة الخارج؛ وهذا بناه على أصله في أن البائع خصم في هذه الحالة؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: فيؤخذ بتسليم العين إلى مشتريها منه، ويبطل بيع الآخر، ويؤخذ بائعه برد الثمن، ولا يمين للبائع الآخر، ولا للمشتري على من ترجحت بينته من البائع والمشتري؛ لأن الحكم ثبت لهما بالبينة ترجيحاً باليد، ولا يمين مع البينة.
وقال فيما إذا كانت العين في يد البائعين: إنه لا تخاصم بين المشتريين فيه، وخصمه فيه هو بائعه؛ ليسلم إليه ما باعه عليه.
ثم إن تنازع البيعان، وادعى كل واحد: أنه مالك لجميع العين، وبينة كل واحد من المشتريين في البيع هي بينة لكل واحد من البائعين في الملك، ولكل واحد منهما بينة داخل في النصف الذي بيده، وبينة خارج في النصف الذي في يد صاحبه، وهل لواحد منهما أن يحلف صاحبه؟ فيه القولان، فإن قلنا بالتحليف، حلفه: إنه لا حق له فيما في يده، لا أنه مالك لما في يده؛ لأنه يحلف على الإنكار، لا على الإثبات، ويصير كل واحد مالكاً لنصفها، وبائعاً لجميعها؛ فيكون كل واحد من المشتريين بالخيار بين إمضاء البيع في نصفها والرجوع بنصف ثمنه، وبين فسخ البيع في جميعها والرجوع بجميع ثمنه.
وإن تصادق البائعان على أن كل واحد منهما مالك لنصف العين، فينقطع التحاكم بينهما بالتصاقد.
وفي انقطاع خصومة المشتريين بانقطاعها بين البائعين وجهان، فإن قلنا بالانقطاع، كان الحكم كما تقدم؛ وإلا فلكل واحد من المشتريين المخاصمة مع من في يده العين؛ لأنه يدعي ملك جميع العين، وقد صار إلى نصفها مع بقائه في حق غيره.
ولو كانت العين- والحالة لهذه – باقية بعد في يد البائعين وقت الخصومة بين
المشتريين، كان لكل واحد [منهما] مطالبة بائعه بتسليم ما ابتاعه منه، وهو لا يقدر إلا على تسليم النصف الذي في يده، فإذا قبض كل واحد منهما نصفه، تحاكم فيه المشتريا،، وكان حكمهما كما سنذكره.
ولو كان البائعان قد سلماها للمشتريين، كان كل واحد منهما خصماً لصاحبه فيما في يده، ويتحالفان، ولا تستعمل بينتاهما لأنها لا تفيدهما أكثر من قسمته بينهما: فإن حلفا أو نكلا، كانت بينهما.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، حكم بجميعها للحالف، ولم يلزمه لبائعه- إن لم يكن قد أقبضه الثمن- إلا نصف الثمن وإن صار مالكاً لجميعه؛ لأن البائع مقر أنه لا يملك إلا نصفه.
وإن كان قد أقبض جميع الثمن، فليس له المطالبة بشيء منه؛ لأنه مقر باستحقاقه عليه، وليس للمشتري الناكل رجوع بدركه على بائعه؛ لأنه مستحق من يده بنكوله، ولو حلف لكان مقراً في يده.
ولو كانت العين في يد أحد المشتريين- أي: في ابتداء الخصومة- ولا تصديق من البائعين، ترجحت بينته بيده وجهاً واحداً، صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وكذا الماوردي، وقال: إن هذا بخلاف ما لو كان في يده والبائع عليهما واحد على أحد الوجهين.
وفي هذه الحالة يلزم من [العين] في يده جميع الثمن، ويرجع الآخر على صاحبه بجميع الثمن، وليس له مخاصمة صاحبه في الشراء؛ لأنه قد استقر ابتياعه لجميع العين بحكم بات، وينقطع التنزع بين البائعين كانقطاعه بين المشتريين؛ لتفرد الحكم بالبينة واليد للبائع والمشتري منه، على البائع الآخر والمشتري منه.
ولو كانت في يد المشتريين، جعلت بينهما نصفين، ولكل واحد منهما إحلاف صاحبه قولاً واحداً.
وفي كيفية يمينه قولان من اختلاف قوليه في تعارض البنتين:
فإن قيل باستعمالهما، كانت يمين كل واحد منهما على النفي دون الإثبات؛ لأنه قد ملك بالبينة؛ فلا يمين مع البينة.