كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قال: فإن أقام المدعي بينة، قضى له، أي: ولو بعد حلف المدعى عليه.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم البينة على اليمين مع أن كلاً منهما حجة؟
قيل: لأن اليمين حجة من جهة الخصم، وهي قول واحد، والبينة حجة من غير جهة الخصم، وهي قول اثنين؛ فكانت أبعد من التهمة.
ولأن البينة مستقلة بنفسها، واليمين لا تستقل بنفسها [وتحتاج] إلى سبب آخر، وهو براءة الذمة في مسألتنا، واليد عند دعوى العين.
قال: وإن [كان] المدعى عيناً، ولا بينة له، فإن كان في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه؛ لما روى أبو داود عن علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي عن أبيه، قال: "جَاءَ رَجُلُ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلُ مِنْ كِنْدَةَ إِلَىِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ، فَلَكَ يَمِينُهُ، فَقَالَ: يَا َرسُوْلَ اللهِ، إِنَّهُ فَاجِرُ، لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ، لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ، فَقَالَ: لَيْسَ [لَكَ] إِلَّا ذَلِكَ"، أخرجه مسلم وغيره.
وروى أبو داود عن الأشعث- وهو ابن قيس- قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضُ، فَجَحَدَنِي، فَقَدِمْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ لِلْيَهُوْدِيِّ: احْلِفْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَنْ يَحْلِفُ، وَيَذْهَبُ بِمَالِي؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: 77].
وقد أخرجه مسلم بنحوه، والبخاري أتم منه.
فرع: لو أراد المدعى [عليه] في هذه الحالة أن يقيم بينة على أن الملك له؛ ليتوقى عن اليمين، فهل تسمع؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على أنه لو أراد إقامة البينة على أن الملك له قبل أن يدعى عليه، هل تسمع؟ وفيها خلاف، حكاه الماوردي
والبندنيجي وجهين على السواء، والأظهر عند الإمام وغيره: المنع، وبعضهم قال: إنه المذهب.
فإن قلنا به، فهل تسمع هاهنا؟ وجهان، وظاهر المذهب منهما في "النهاية" والرافعي: لا- أيضاً- فإنا في فصل الخصومات نستمسك بأقرب الطرق وأهونها، والتحليف أقرب من البينة المحوجة إلى رد النظر على الجرح والتعديل والقواعد المرعية في الشهادات.
وعن ابن سريج تخريج قول أنها تسمع؛ كالمودع إذا ادعى التلف أو الرد؛ فإن القول قوله [مع] يمينه.
ولو أراد أن يقيم البينة على ذلك؛ ليسقط اليمين عن نفسه، جاز مع أن الحالف يعرض نفسه للتهمة [وقد يتطرق إليه الطاعن، والبينة العادلة تقطع التهمة].
وعلى الأول فالفرق بينه وبين المودع: أن مقام صاحب اليد في الخصومة الإنكار والنفي، وذلك لا يمكن إقامة البينة عليه، ودعوى الملك لا حاجة به إليها، وهو صاحب اليد، والمستقل بما تحويه يده والمودع في مقام المدعيين- كما ذكرنا- غير أن مقامه في الائتمان صدقه فيما هو مودع فيه، واليمين [يليق] بحال المدعيين.
تنبيه: قول الشيخ: "فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه"، فيه ما يفهم أن دعوى الشخص تسمع بما في يده، وأنه يحلف على ذلك، وإلا لكان قوله: "وإن كان في يد المدعى عليه فالقول قوله مع يمينه" أولى وأحسن.
وقد قال الأصحاب: العين إذا كانت في يد المدعي لا تصح دعواه بها، إلا أن يتعلق [له] بها حق على المدعى عليه من أجرة عنها، أو قيمة ما استهلك منها.
وكذا لو قال: نازعني فيها، لم يصح أيضاً.
قال الماوردي: في باب "ما على القاضي في الخصوم": لأن المنازعة دعوى تكون من غيره، لا منه.
نعم، لو قال: قد عارضني فيها بغير حق، فقد اختلف أصحابنا في صحة الدعوى:
فقال أبو حامد: تصح الدعوى، ويسأل الخصم عنها؛ لأن في المعارضة رفع يد مستحقه.
وقال بعضهم: لا تصح هذه الدعوى حتى يصف المعارضة بما يصف الدعوى.
فعلى هذه الحالة ينبغي أن يحمل كلام الشيخ، والله – عز وجل- أعلم.
قال: فإن كان في يديهما، أو لم يكن في يد [واحد منهما] – حلفا، وجعل بينهما.
أما في الأولى فوجهه ما روى أبو داود بسنده عن أبي موسى الأشعري أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيراً أَوْ دَابَّةً إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةُ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمَا.
وأخرجه النسائي وابن ماجه.
وهذا الجعل يظهر أن يكون بعد حلفهما؛ لأن أبا داود روى بسنده عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في متاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِين مَا كَانَ، أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا".
وفي رواية قال: "فِي دَابَّةٍ وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنَةُ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِيْنِ"، أي: يقرعا على من يبدأ بيمينه.
ولأن في يد كل واحد منهما النصف؛ فكان القول قوله فيه؛ كالعين الكاملة.
وأما في الثانية؛ فلأن نسبة العين [إليهما] فيها نسبة واحدة، فألحقت بما
إذا كانت في يديهما.
وهذه المسألة مصورة بما إذا ادعى واحد منهما على صاحبه: أن هذه العين ملكي، وهو يمنعني منها بغير حق؛ فإن الدعوى تسمع.
كذلك إذا لم تكن العين في يد واحد منهما، وقد صرح بذلك ابن الصباغ في باب "ما على القاضي في الخصوم" حيث قال: وإن ادعى أن هذه الدار لي، وهو يمنعني منها- صحت الدعوى، وإن لم يقل: إنها في يده؛ لأنه يجوز أن ينازعه ويمنعه وإن لم تكن في يده.
وكذلك العبادي- كما حكاه الرافعي قبيل باب دعوى النسب- حيث قال: من أراد أن يدعي، ويقيم البينة من غير أن يعترف للمدعى [عليه] باليد، فطريقه أن يقول: الموضع الفلاني [في] ملكي، [وهذا] يمنعني منه؛ تعدياً، فمره يمكني منه.
وكذلك الماوردي في هذا الباب حيث قال: والضرب الثاني من الدعوى الصحيحة: دعوى الاعتراض، وهي على ضربين:
أحدهما: أن يتوجه إلى ما في يده.
والثاني: أن يتوجه إلى ما يتعلق بذمته.
فأما [ما كان في] يده فلا يصح إلا بعد معارضته، فإن كانت المعارضة بما لا يستضر به المدعي، لم تصح منه الدعوى، وإن [كانت] بما يستضر به المدعي: إما بمد اليد إلى ملكه، وإما بمنعه عن التصرف فيه، وإما بملازمته عليه، أو بقطعه عن أشغاله- صحت دعواه بخمسة شروط:
أن يصف الملك بما يصير به متعيناً من منقول، وغير منقول.
وأن يذكر أن له، وفي ملكه.
وأن يذكر أنه عارضه فيه بغير حق؛ لأنه ربما استحق المعارضة برهن أو إجارة؛ حتى لا يبقى في دعواه ما يحتاج الحاكم أن يسأل عنه؛ ليعدل بسؤاله إلى المدعى عليه.
وأما توجه الدعوى إلى ما يتعلق بذمته؛ لأنه قد طولب بما لا يستحق عليه، فإن لم
يلحقه بالمطالبة ضرر، لم تصح [منه] الدعوى.
وإن لحق بها ضرر: إما بنفسه، أو بملازمته، أو في جاهه بالشناعة، وإما في ماله بالمعارضة- صحت منه الدعوى؛ ليدفع بها الضرر، وصحتها بثلاثة شروط:
أن يذكر ما طولب به: إما مفسراً، أو مجملاً؛ لأن المقصود بالدعوى ما سواه.
وأن يذكر أنه غير مستحق عليه.
وأن يذكر ما استضر به؛ لأن مقصوده الدعوى؛ ليكون الكف عنه متوجهاً إليه.
ولك أن تقول: كلام الماوردي لا يوافق كلام الشيخ؛ فإنه قال: وله في الجواب عن دعوى هذه المعارضة ثلاث أحوال:
أن يعترف بجميع ما تضمنها؛ فيمنعه الحاكم من معارضته.
أو ينكر المعارضة؛ فيخلي سبيله، ولا يمين عليه؛ لأنه لا يتعلق بالمعارضة استحقاق غرمه.
والثالثة: أن يذكر أنه يعارضه فيه بحق يصفه؛ فيصير مدعياً بعد أن كان مدعى عليه، ويصير المدعي مدعى عليه بعد أن كان مدعياً.
وكلام الشيخ يقتضي التحليف عند الإنكار.
نعم، يوافق ما ذكرناه ما حكاه الإمام في كتاب النكاح عن أبي بكر الصيدلاني فيما إذا عقد اثنان على امرأة عقد نكاح، وعلم سبق أحد العقدين، لكن لم يعلم عينه، وادعى كل واحد منهما: أن السابق عقده- أن دعواه تسمع على الآخر.
والمحكي عن غيره: أنها لا تسمع؛ فإن وضع الدعوى في الشريعة يقتضي ارتباطاً بالمستحق عليه، ثم يصدر من المستحق عليه إقرار أو إنكار، وليس واحد من المتزوجين مدعياً استحقاقاً على صاحبه، وليس في يد واحد منهما ما يدعيه صاحبه، وهذا منقدح حسن على قياس الدعاوى.
قلت: وهذا إن صح لا يمنع ما ذكرناه؛ لأن الإمام قال: والذي نراه: أنهما إذا كانا يدعيان علم المرأة بالأسبق، وكان الرجوع إليه ممكناً- فلا يسغ تحالفهما من غير مراجعة.
فأما إذا اعترفا بأن الأمر مشكل عليها، فالمرأة في هذه الحالة كالشيء المدعى الذي لا يقر ولا ينكر؛ وفي هذه الحالة يجوز أن يقال: يحلفها القاضي؛
خشية من تعطيل الحق، ويجوز أن يقال: لا يحلفها؛ فإنه لا مرتبط لدعواهما بمن يجب ربط الدعوى به.
وهذا منه يدل على أن مأخذ المنع إمكان الدعوى عليها، وهو منتف فيما نحن فيه، على أن الذي يظهر صحته ما قاله الصيدلاني وإن كان ضعفه؛ لأن الزوجية قد تحققت لأحدهما، والمانع من التسليم لأحدهما منازعة الآخر، ولهذا لو أقر أحدهما بسبق عقد صاحبه، سلمت [المرأة] إليه؛ كما قاله الإمام فيما إذا سمعنا دعوى أحدهما على الآخر، فأنكر ونكل، وحلف المدعي؛ فإنا نقضي له بالزوجية.
وإذا كان كذلك، فالتحليف يستخرج به الإقرار، وهو متوقف على الدعوى، على أنه لو خرج الخلاف [في ذلك على الخلاف] في أن الدعوى بما ليس بنفس الحق، ولكنه ينفع في الحق، هل تسمع- لم يبعد، وكان [يجب طرده] في دعوى المعارضات كلها.
والأولى تصوير المسألة الثانية بصورة ذكرها الشيخ وغيره في كتاب الإقرار، وهي ما إذا أقر من في يده عين بأنها لأحد شخصين، ولا يعرفه، وصدقاه؛ فإنها تنزع منه، ويكونان خصمين فيها وإن لم تكن في يد واحد منهما، كما سنذكر المسألة بفروعها ثم إن شاء الله تعالى.
واعلم: أن في كيفية حلفهما هاهنا اختلافاً للأصحاب؛ لأن الشافعي نص في الكبير- أي: "الأم"- على أنه يحلف كل واحد [منهما] على النفي، ولا يجمع في يمينه بين النفي والإثبات، [ونص في البيع على أن المتبايعين إذا اختلفا، وتحالفا، يجمع كل واحد في يمينه بين النفي والإثبات].
فمنهم من قال: في المسألتين قولان بالنقل والتخريج:
أحدهما: يجمع في يمينه [بين النفي والإثبات؛ لأن كل واحد منهم مدع ومدعى عليه.
والثاني: يحلف على النفي]؛ لأن اليمين حجة للنفي.
ومنهم من أقر النصين على ظاهرهما، وفرق بأن في البيع مثبته في ضمن منفيه ضرورة؛ لاتفاقهما على أن العقد واحد، فإذا أثبته بألف، نفاه بخمسمائة، وهنا منفيه ليس في ضمن مثبته ضرورة؛ لأنه إذا نفى ما في يده عن صاحبه، لم يصر به مثبتاً ما في يد صاحبه لنفسه؛ وهذا أصح عند الإمام والرافعي، وقد تقدم ذكره في باب التحالف، وأعدته؛ لبعد العهد به.
وعلى كل حال فمن المبدوء به في التحليف؟ فيه وجهان، صرح بهما المحاملي في كتاب الصلح في المسألة التي سنذكرها في هذا الباب، والإمام أشار إليهما هاهنا:
أحدهما: من يختاره الحاكم من غير قرعة.
والثاني: من تخرج له القرعة.
وقد صرح بمثلهما الإمام في كتاب الوديعة؛ حيث قال: إذا ادعى رجلان على شخص وديعة في يده، فقال: هي لأحدكما، ولست أعرف عينه، وامتنع عن اليمين- فإنهما يحلفان، وفيمن يبدأ به الوجهان.
قال الرافعي: ويجوز أن يقال: كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فينظر إلى السبق، فمن سبق دعواه بدئ بتحليف صاحبه.
وفي قدر ما يحلف عليه كل واحد منهما وجهان، حكاهما الماوردي في كتاب الصلح:
أحدهما- وهو قول البغداديين-: أنه يحلف على نصفه، وهذا ما اقتضى إيراده هنا ترجيحه، ولم يحك سواه في اليمين عند التنازع في متاع البيت، وبه جزم القاضي أبو الطيب، وقال: إنه لا يجوز أن يستحلف على الكل، ومن صار إلى أنه يحلف على الكل فقد أخطأ.
والثاني: أنه يحلف على جميعه، وهذا قول جمهور أصحابنا، يعني: البصريين.
وفي "النهاية": أنه يحلف على النصف الذي في يده يمين النفي، وعلى النصف الذي في يد صاحبه يمين الإثبات عند توجهها عليه.
ولو قال: والله إن جميع هذه الدار لي، وليس لصاحبي فيها حق ولا ملك- لم
يضر؛ فإن اللفظ على هذا الوجه أجمع وأحوى للغرض، لكنه يحلف يمين الرد، وهي يمين الإثبات من غير طلب خصمه، ويمين النفي عما في يده لا سبيل إلى عرضها عليه ما لم يطلبها الخصم.
التفريع:
إن قلنا بالقول المخرج هنا، وعرضنا اليمين على النفي والإثبات على أحدهما، فحلف، ونكل الثاني- لم نحتج إلى يمين الإثبات ثانياً.
وإن قلنا بالمنصوص، فعرضنا على أحدهما يمين النفي: فإن حلف، عرضنا على الآخر يمين النفي، فإن حلف انقطعت الخصومة، وبقي المدعي في يدهما كما كان، ولو نكل حلف الأول على الإثبات، وثبت المدعى له، فلو أقام الناكل بينة بالملك، فهل تسمع؟ قال الأصحاب: إن قلنا: [يمين الرد] مع النكول كإقرار الخصم، لم تسمع، وإلا سمعت.
وفي "التهذيب": أن الأصح السماع، لأن جعل ذلك كالإقرار حكماً، لا أنه حقيقة إقرار.
ولو نكل الأول عن يمين النفي، حلف الثاني يميناً واحدة، يجمع فيها بين النفي والإثبات؛ كما حكاه القاضي الحسين، ولم يحك سواه، وكذلك أبو الفرج الزاز.
وقيل: لا بد من يمين، وهو الأقيس عند الإمام؛ لتعدد المقصود، وتغايرهما.
قال: وإن كان في يد ثالث، أي: وقد ادعى كل واحد من المتنازعين عليه: أن جميع ذلك ملكه- رجع إليه؛ لأنه محكوم له به في الظاهر.
قال: فإن ادعاه لنفسه، فالقول قوله مع يمينه؛ لما ذكرناه فيما إذا كان المدعي عليه واحداً، قال الأصحاب: ويحلف لكل منهما يميناً عند طلبه.
قال: وإن أقر به لغيره، وصدقه المقر له- انتقلت الخصومة إليه؛ لأن اليد صارت له، والخصومة إنما تدور بين متنازعين.
قال: وهل يحلف، أي: المقر، [عند طلب] المدعي؟ فيه قولان.
[و] القولان في هذه الصورة مبنيان على القولين فيما إذا قال: هذه الدار لزيد
[بل] لعمرو، هل يغرم لعمرو؟ فيه قولان يأتيان.
فإن قلنا: يغرم له، حلف هاهنا، وهو الأصح عند النواوي وغيره؛ لأن الأصح الغرم في المسألة المبني عليها.
وفي كيفية يمينه وجهان في "الحاوي" و"البحر".
أحدهما: أن الدار- مثلاً- لفلان؛ لتكون يمينه موافقة لإقراره.
والثاني: أنه لا حق لهذا المدعي فيها؛ لتكون يمينه معارضة للدعوى.
وقال بعض الخراسانيين: إنه لا يلزمني قيمة الدار إليك؛ لأن العين قد فاتت بالإقرار الأول، وإنما الكلام في القيمة.
وهذا كلام الفوراني.
فلو نكل عن اليمين، حلف المدعي، واستحق القيمة.
وقيل: إذا قلنا: إن يمين الرد كالبينة، ينزع المدعى [به] من المقر له، ويسلم للحالف؛ كما لو أقام بينة؛ حكاه الإمام.
وإن قلنا: لو أقر لا يغرم شيئاً، قال ابن الصباغ وأبو الطيب والبندنيجي والقاضي الحسين والروياني والغزالي: لا يحلف.
وفيه شيء سأذكره.
وفي "الإشراف": أنه إذا ادعى رجلان وديعة في يد رجل، فاعترف لأحدهما بها، هل للثاني تحليفه؟ فيه قولان:
فإن نكل عن اليمين، وحلف الثاني، ففي المسألة أربعة أوجه:
أحدها: أن الوديعة تقسم بينهما؛ لأن الأول تعلق بالإقرار، والثاني تعلق بالنكول، واليمين مردودة.
وأصله: قول القسمة في مسألة تعارض البينتين.
والثاني: توقف [في يده]؛ لأنه أمين إلى أن يظهر مالكها.
والثالث: ينتزعها الحاكم من يد المستودع، ويضعها في يد أمين عدل إلى أن يظهر مالكها.
وأصلهما: قول الوقف في تعارض البينتين.
والرابع: أنها تسلم للأول، والمودع يغرم قيمتها للثاني.
وأصله: قول من جعل يمين الرد كالإقرار، وهذا ما قال في "الشامل" في كتاب الوديعة: إنه المذهب.
وحكى معه الوجه [الأول والثاني]، ونسب الكل إلى تخريج ابن سريج.
والقولان المذكوران في الكتاب في التحليف جاريان- كما ذكره الإمام وغيره في كتاب النكاح- فيما إذا [ادعى] شخص زوجية امرأة، فأقرت له، وقبلنا إقرارها، ثم ادعى شخص آخر عليها الزوجية، وطلب يمينها، فإن قلنا: إنها لو أقرت غرمت، حلفت؛ كما نص عليه في "الإملاء"، فإن نكلت، حلف وغرمها.
وماذا تغرم؟ قال الإمام: هو كمقدار ما يغرمه الشهود على الطلاق إذا رجعوا.
وعن الصيدلاني حكاية قولين فيه:
أحدهما- وهو مخرج على قياس الجديد؛ كما قاله الإمام، وليس منصوصاً عليه-: أنها تغرم كما ذكرناه.
والثاني- وهو محكي عن القديم-: أن نكاح الأول ينفسخ، ويثبت الثاني؛ بناء على أن يمين الرد كالبينة.
وهذا ما حكاه في "المهذب"، و"الشامل"، وحكيا وجهاً نسبه ابن الصباغ إلى أبي إسحاق- تفريعاً على قولنا: إن يمين الرد كالإقرار-: أنه يحكم ببطلان النكاحين؛ لأن مع الأول إقراراً، ومع الثاني ما يقوم مقام الإقرار؛ فصارت كما لو أقرت لهما في وقت واحد.
والصحيح عند الصيدلاني وغيره: الأول؛ فإنا وإن جعلنا يمين الرد كالبينة فذاك في حق الناكل، والحالف لا يعدوهما، فأما تنزيلها كالبينة في حق ثالث سواهما فلا سبيل إليه، ويحققه أن سبب حلف الثاني نكولها، فلو قضينا بيمين الرد على المقر له، لكان ذلك قضاء عليه بسبب قول المقر، ولا نأمن أن تواطئه، فيحلف، وتنكل، ولا يلزمها من النكول شيء.
وإن قلنا: لا يغرم لو أقرت، فلا يحلف؛ كما نص عليه الشافعي في تحريم الجمع من "الأم".
وقال الإمام وابن الصباغ: إنه ينقدح تحليفها.
وإن قلنا: لو أقرت لا تغرم إذا فرعنا على القديم، وحكمنا بأن نكاح الأول ينتفي، ويثبت [نكاح] الثاني إذا نكلت، وحلف الثاني- فإنا نبغي بالتحليف فائدة ثبوت النكاح في حق الثاني إذا كان ممكناً، وهو أظهر في الفائدة من تقدير غرم؛ فكأن إقرارها الأول لا يستقر ما لم يحلف الثاني؛ وهذا ما حكاه الغزالي عن القديم، ثم قال: وهو بعيد؛ إذ نكولها كيف يرد إقرارها ويزاحمه؟
وقد صرح القاضي الحسين بما يقرب من ذلك في باب الدعوى على كتاب أبي حنيفة، حيث قال: إذا قلنا: لو أقرت لم تغرم، انبنى تحليفها على أن النكول ورد اليمين بمنزلة الإقرار أو بمنزلة البينة؟ إن قلنا: بمنزلة الإقرار، لم تحلف، وإن قلنا: بمنزلة البينة، تحلف.
لكنه قال: إنها إذا عرضت عليها اليمين على هذا، فنكلت- يحلف المدعي، وينفسخ نكاح الأول، ولا تصير زوجة للثاني؛ لأن المرأة لا تتحول من شخص إلى شخص؛ فلا تقبل نقل الملك، بخلاف الأعيان.
وأبعد منه ما حكاه الإمام هنا حيث قال: إذا ادعى على امرأة يحسبها خلية نكاحاً، وأنكرت، ورددنا اليمين على الخصم، فحلف، وسلمناها له، فجاء مدع وادعى نكاحها، وأقام [على ذلك] شاهدين عدلين- فقد قال الشيخ في "الشرح": إن قلنا: يمين الرد كالبينة، كان سبيلها كسبيل بينتين تعارضتا: فإن حكمنا بالتساقط فهما على مجرد الدعوى منهما، وإن حكمنا بالاستعمال فلا يجيء هنا إلا القرعة؛ وهذا على نهاية البعد؛ فإن فيه تقديم قول المدعي ويمينه على شهادة شاهدين عدلين يقيمهما آخر، وهذا لا يحتمل.
قلت: وما ذكرناه من التفاريع يظهر مجيئه في غير نكاح.
فرع: إذا قلنا: يسترد المدعى من المقر له عند حلف المدعي بعد نكول المدعى عليه؛ تفريعاً على قولنا: إن يمين الرد كالبينة- فهل يغرم المقر للمقر له القيمة؛ بناء
على أن الحيلولة القولية توجب الغرم؟ فيه وجهان:
أصحهما في "النهاية" هنا: [لا]؛ لأنه يقول: لا يلزمني أن أحلف لك، وعلي ألا أقر لغيرك إذا رأيتك مستحقاً.
والثاني: يلزمه الغرم؛ فإن الدار انتزعت منه بسبب نكوله، والسبب يوجب الضمان كالمباشرة.
وحكى في كتاب الإقرار في المسألة طريقين:
أحدهما: القطع بأنه لا يغرم له شيئاً.
والثاني: إجراء قولين في الغرم؛ كما إذا أقر بعين لفلان، ثم أقر بها لآخر.
وهذا خبط عظيم، وتخليط مجاوز للحد.
قال: وإن كذبه المقر له، أخذه الحاكم، وحفظه إلى أن يجيء صاحبه؛ لأن من في يده ذلك قد اعترف بأنه ليس له، والذي أقر له به قد رده، فأخذه الحاكم حتى يثبت مستحقه؛ فيسلمه إليه؛ كالمال الضال؛ وهذا قول ابن سريج، وهو الأصح عند المتولي وابن أبي الدم، والمختار في "المرشد".
وقيل: يسلم [إلى المدعي] – أي: بيمينه- لأن صاحب اليد لا يدعيه، والمقر له ينكره؛ فلم يكن للمدعي منازع فيه؛ فوجب تسليمه إليه؛ وهذا محكي عن أبي إسحاق؛ وهذا أضعف الوجوه، لأن تسليم ذلك إليه من غير بينة، ولا إقرار، ولا ظاهر يد- محال؛ وهذا التعليل الذي ذكر في توجيه قول أبي إسحاق ظاهر فيما إذا كان المنازع واحداً، أما إذا كان المنازع اثنين- مكا اقتضاه كلام الشيخ من أول المسألة- فيظهر أن يقال على هذا الوجه: يكون بينهما، وتبقى الخصومة بينهما، ويؤيد ذلك أن الماوردي قال تفريعاً على هذا الوجه: لو كان المنازع واحداً، وحضر مدع له بعد التسليم إلى الأول بيمينه، ونازعه فيه، هل يكون منازعاً فيها لذي يد، أو لغير ذي يد؟ فيه وجهان:
أحدهما: يكون منازعاً لذي يد؛ لتقدم الحكم بها، فصارت يداً؛ فيكون القول قوله فيه مع يمينه.
والثاني: يكون منازعاً لغير ذي يد؛ لأنه دفع إليه بيمين من غير يد؛ فيحلفان، ويكون بينهما؛ كالمتداعيين لما ليس في أيديهما.
وفي "الشامل"، و"تعليق" البندنيجي في أصل المسألة وجه ثالث: أنه يقال للمقر: من أقررت له قد رد إقرارك؛ فإما أن تدعيه لنفسك؛ فتكون الخصم فيه، أو تقر به لمن يصدقك؛ فيكون الخصم، وإذا لم تفعل ذلك جعلناك ناكلاً، وحلفنا المدعي، وسلمناه إليه.
وهذا معنى قول الغزالي هنا والمصنف في باب الإقرار، وغيرهما: إنه يقر في يد صاحب اليد؛ لأن إقراره قد بطل بالرد؛ فصار كأنه لم يقر؛ فتأمله.
وقد صحح القاضي الحسين هذا الوجه، وقال: إنه طريقة القفال.
وقال الإمام في كتاب الإقرار: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون.
وسأذكر بعد ذلك عن البندنيجي وغيره ما يقتضي: أنه الصحيح، وسنذكر في الإقرار وجهاً آخر: أنه يجبر المقر له على أخذه؛ لأنه ثبت الملك له بالإقرار ظاهراً، والإنكار لا يسقط الحق، وقد حكاه ابن يونس هاهنا.
قلت: وهو يتركب من أمور:
أحدها: أن المقر لا يغرم لو رجع [عن إقراره.
والثاني: أن العين تنزع من يد المقر، ولا يسمع إقراره بها.
والثالث: لو رجع] المقر له وادعاها لسلمت له- كما سنذكره- لأنه إذا فرع على ذلك، انسد على المدعي باب الوصول إلى حقه؛ فتعين فتحه بإجبار المقر له على أخذه.
وقد قاس القاضي أبو الطيب الوجه المعزي إلى اختيار القفال في كتاب الصلح، على ما إذا قال لرجل: [لك] عندي ألف درهم، فقال: ما لي عندك شيء- فإنه لا يصح هذا الإقرار، ولا يلزمه شيء؛ فكذلك هاهنا؛ وهذا من القاضي تفريع على الصحيح، وإلا فقد حكى الرافعي في كتاب الرهن: أن الإنسان لو أقر بأنه جنى على
المرهون، وكذبه الراهن، وصدقه المرتهن [وأخذ منه الأرش، ثم حصلت البراءة من الدين- فيما يفعل بما أخذ من الأرش وجهين:
أصحهما:] أنه يرد إلى المقر، وبه جزم في "الحاوي"، و"الاستقصاء".
والثاني: يجعل في بيت المال.
فرع: إذا رجع المقر له بعد التكذيب، وقال: تذكرت واستبنت صدق المقر فيما أقر لي به، فهل يسلم إليه؟ قال الإمام هاهنا: فيه وجهان:
أحدهما: لا، حتى يجدد المقر إقراراً آخر؛ لأن الأول ارتد، وبطل بالتكذيب؛ كالقبول في الوكالة إذا ردها الوكيل، لا بد من توكيل آخر [إن أراد الوكيل القبول؛ وهذا ما ذكره القاضي.
والثاني: أنه مهما صدقه زال أثر التكذيب، واستقر الإقرار، ولا يحتاج إلى تجديد إقرار آخر؛ وهذا ما] جزم به في كتاب الإقرار، ثم ادعى أنه لا خلاف فيه، ويخالف
الوكالة؛ فإنها إنشاء بتسليط، فإذا حكم ببطلانها فلا بد من استفتاح التسليط، والإقرار إجبار؛ فإذا صدر من المقر، وتمادى فيه المقر [له]، ثم وافق- جرينا على استمرار الإقرار.
وبنى المتولي وغيره الخلاف في هذه المسألة على الخلاف السابق، فقال: إن قلنا: يترك في يد المقر، فهو حكم منا بإبطال ذلك الإقرار؛ فلا يصرف إلى المقر له إلا بإقرار جديد.
وإن قلنا: ينزعه القاضي ويحفظه؛ فكذلك لا يسلم إليه- أيضاً- بل لو أراد إقامة البينة على أنه ملكه، لم تسمع.
وإن قلنا: إنه يجبر المقر له على القبول، والقبض- كما هو وجه بعيد في المذهب- سلم له.
وهذا البناء يقتضي أن الظاهر أنه لا يسلم إليه.
ولو لم يرجع المقر [له] عما ذكره من الجحود، لكن رجع المقر، وقال: غلطت فيما أقررت به، وإنما هو ملكي أو ملك لفلان- فهل يسمع منه؟
قال الماوردي: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يقبل بحال؛ لأن إقراره الأول أكذب الثاني؛ فعلى هذا يكون الحكم كما لو أقام على إقراره الأول.
قلت: إلا في قولنا [له: إما أن] تدعيه لنفسك، أو تقر به لغيرك، أو نجعلك ناكلاً؛ لأن هذا القول مع رد اعترافه لا يجتمعان.
والثاني: يقبل.
والثالث: إن ادعاه لنفسه لم يقبل، وإن نسبه لغيره، قبل؛ لأنه متهم في ادعائه لنفسه، وغير متهم في الإقرار به لغيره.
وقال الإمام في كتاب الإقرار: إن قلنا: إنه ينزع من يده، [فلا تقبل دعواه؛ وعلى هذا- أيضاً- لا تسمع الدعوى عليه بها؛ صرح به هو والقاضي الحسين أيضاً.
وإن قلنا: نقره في يده، فظاهر المذهب: أنه لا تقبل دعواه أيضاً.
وأبعد بعض أصحابنا، فقبل تكذيبه نفسه، ونفذ تصرفه؛ على شرط أن يصر المقر
على الإنكار والجحد، وهذا بعيد لا أصل له.
وقال هاهنا: إذا لم ننزعه من يده، ولم نقبل رجوع المقر له عن الجحد، لكنه مصر عليه- ففي قبول رجوع المقر التردد الذي ذكرنا، فإن قبلنا رجوعه، فرجع المقر له- أيضاً- عن الجحد، وصدقه في الإقرار، وكذبه في دعوى الرجوع]، ولم نقبل رجوع المقر له عن الجحد- فكذلك لا نقبل دعوى المقر الغلط، وإن قبلنا رجوع المقر له عن الجحد وصدقه في الإقرار، كذبه في دعوى الرجوع- ففيه تردد.
وظاهر قول القاضي: أنه لا مبالاة بقول المقر له، وكلامه في الإقرار الذي حكيناه يقتضي أن المقر له إذا رجع بعد رجوع المقر يسلم إليه.
نعم، لو رجع المقر له، وقد تصرف المقر بعد رجوعه تصرفاً لازماً في وضعه، وقبلناه- قال: فقد يتجه أن يقال: إنا لا نحكم بنقض التصرف؛ لتعلق حق ثالث بمحل التصرف.
فرع آخر: إذا كان المدعى به عبداً، وقد أقر من هو في يده: أنه لغير المدعي، وكذبه المقر له- فهل يكون الحكم فيه كالحكم في غيره؟ لم أر في هذه المسألة نقلاً.
نعم، في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب، و"مجموع" المحاملي في كتاب الإقرار فيما إذا أقر شخص لعبد في يده لعمرو، وأقر العبد بأنه ملك لزيد، ورد عمرو الإقرار وجهان:
أحدهما: [أنه] يعتق؛ لأن الذي هو في يده قد اعترف أنه ليس له، والذي أقر له به رد الإقرار وأبطله، وإقرار العبد بأنه ملك لزيد لا يسمع في هذه الصورة؛ فلم يبق إلا أن يكون حراً؛ كما قلنا في اللقيط إذا اعترف بالرق لمن كذبه؛ فإنه يحكم بعتقه.
ومنهم من قال: يبقى على الرق؛ لأن الأصل رقه وملك المقر، فإذا أقر به لغيره فرد، كان باقياً على رقه، ويخالف اللقيط؛ لأن الأصل في الدار الحرية، فإذا أقر لمن
لا يقبل، حكم بحريته بالأصل.
وعلى هذا قال ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب وغيرهما: فماذا يصنع به؟ فيه الأوجه الثلاثة التي ذكرناها في كتاب الصلح.
وعنوا ما حكيناه من قبل، لكن من جملتها وجه: أنه يسلم للمدعي، وقضية ذلك: أن يسلم في هذه الصورة لمن أقر له العبد بالرق فرد إقراره؛ إذا كان يدعيه؛ وهذه الأوجه يمكن أن يقال بمثلها فيما نحن فيه- أيضاً- والله أعلم.
قال: وإن أقر به لغائب- أي: معروف- انتقلت الخصومة إليه؛ لأن من في يده العين نفى أن تكون مملوكة له؛ فلا خصومة بين المدعي وبينه؛ وهذا ما أجاب به أكثرهم، ونسبه الإمام إلى العراقيين، وقال: إنه القياس الذي لا يجوز غيره.
وقيل: لا تنقطع الخصومة بالإضافة إلى الغائب؛ لأن فتح ذلك يؤدي إلى الإضرار بالمدعين؛ فإنه لا يعجز كل مدعي عليه عن دفع الخصومة عنه بإضافة العين إلى غائب لا يرجى وصوله؛ وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه وبعض المصنفين، ولم يورد البغوي وصاحب "الرقم" سواه، قال الرافعي: وهو ظاهر لفظ "المختصر".
ولا فرق في جريان الخلاف- كما أطلقه الجمهور- بين أن يكون صاحب اليد قد أسند يده إلى إجارة، أو إعارة، أو وديعة، أو اقتصر على قوله: ليس لي، وإنما هو لفلان.
وعن أبي عاصم العبادي- كما حكاه في "الإشراف"، وغيره-: أن محل الخلاف إذا بين جهة اليد بما ذكرناه، أما إذا اقتصر على قوله: ليس لي، وإنما هو لفلان- لم تنتقل الخصومة إليه بحال.
التفريع:
إن قلنا بعدم انصرافها عن الحاضر بمجرد إقراره، فللمدعي طلب يمين صاحب اليد: إنه لا يلزمه تسليمه إليه، فإن نكل حلف المدعي، وأخذ المال من يده، ثم إذا عاد الغائب، وصدق المقر، كانت العين مردودة إليه بلا حجة؛ لأن اليد له بإقرار صاحب اليد، والمدعي يستأنف الخصومة معه.
وإن قلنا بانصراف الخصومة عن الحاضر، وقف الأمر إلى حضور الغائب إن لم يكن للمدعي بينة؛ لما تقدم أن الدعوى على الغائب لا تفيد عند عدم البينة، لكن هل للمدعي طلب يمين صاحب اليد؛ لأجل الرجوع عليه بالغرم إذا أقر، أو نكل وحلف هو؟ فيه القولان السابقان بفروعهما.
فإن قلنا بالصحيح- وهو [جواز] طلب التحليف- فلو أراد صاحب اليد أن يقيم بينة بأن الملك الغائب؛ ليسقط عنه اليمين، فهل تسمع؟
قال المراوزة: فيه ثلاثة أوجه:
[أحدها:] وهو قول الشيخ أبي محمد-: لا تسمع إلا أن يثبت وكالة نفسه؛ لأنه ليس بمالك، ولا نائب عن المالك؛ فإقامة البينة فضول منه؛ وهذا ما صححه في "الوجيز".
وعلى هذا يكون الحكم كما لو لم يقم بينة.
والثاني: أن البينة تسمع لا لإثبات الملك للغائب، ولكن ليدفع الخصومة والتحليف عن نفسه؛ فإنه لا طريق لمن في يده ملك غيره إلى صرف الخصومة عن نفسه إلا هذا؛ فإنه ليس من الممكن أن يقيم بينة على أن العين ليست له؛ وهذا ما اختاره المحققون؛ كما قاله الإمام، وأورده العراقيون: كالبندنيجي، وابن الصباغ، وغيرهما.
وعلى هذا يندفع عنه التحليف جزماً وهو من فوائد السماع التي سنذكرها.
فإن قلت: قد ذكرتم ما إذا ادعى على شخص عيناً في يده، وطلب يمينه، فأراد أن يقيم بينة على أنها ملكه؛ ليدفع عن نفسه اليمين- أن المذهب عدم السماع؛ لأنه قادر على فصل الخصومة باليمين؛ فلا يعدل إلى فصلها بالبينة المتوقفة على النظر في عقبات، وهذا موجود هنا.
قلت: قد يعذر الإنسان في الامتناع عن الحلف على إثبات الملك لغيره؛ لعدم علمه بأسباب الملك، ولا كذلك في حق نفسه؛ لقدرته على الاطلاع على السبب المملك؛ فلذلك سمعت البينة هنا، ولم تسمع ثم، والله أعلم.
والثالث: [أنه] إن ادعى لنفسه علقة من وديعة، أو عارية، وشهدت له البينة بذلك- سمعت، [و] إلا فلا.
قال الإمام: وهذا اختيار القاضي، وليس يليق هذا بمنصبه؛ فإن السر المتبع ما ذكرناه من انصراف الخصومة عنه، وقطع العلائق، والوديعة لا تثبت للمودع حق المخاصمة؛ فلا معنى لاشتراط ادعائها.
وهذا كله إذا لم يكن للمدعي بينة، أما إذا كانت له بينة بالملك، ولم يقم صاحب اليد بينته بالملك للغائب- فلا شك أنا نقضي للمدعي بموجب بينته، لكن [هل] هذا قضاء على الغائب حتى يحتاج فيه إلى اليمين، [أو قضاء على حاضر- وهو صاحب اليد- حتى لا يحتاج فيه إلى اليمين]؟ فيه وجهان في كتب العراقيين، و"التهذيب".
والمنصوص منهما في "الأم"- كما قال البندنيجي-: الاحتياج إلى اليمين؛ لأنه قال: "من رأى القضاء على الغائب أحلفه مع يمينه"، وهو الذي صححه في "الإشراف".
وقال الإمام: هو الذي يوافق مذهب العراقيين، وليس لقولهم: هذا قضاء على الحاضر، وجه.
ومقابله منسوب إلى أبي إسحاق، وتمسك فيه بأن المزني قال: قضى بها على الذي هي في يده.
ولأن الظاهر أنها ملكه.
قال الإمام: وبهذا قطع شيخي ومن وافقه- يعني: في عدم انقطاع الخصومة عن الحاضر بمجرد إقراره- وهو مستقيم على طريقهم.
وقال الرافعي: [أنه] الذي رجحه العراقيون والروياني.
وفي "البحر": أنه المنصوص عليه في "الأم"، لأنه قال: يقال لهذا المدعي: أقم البينة على دعواك، وللذي في يده: ادفع عنه، فإن أقام المدعي البينة، قضى بها على
الذي هي في يده، وكتب في القضاء: إني إنما قبلت بينة فلان المدعي بعد إقرار الذي في يده الدار بأن هذه الدار لفلان، ولم يكن فلان المقر له، ولا وكيل له- حاضراً؛ فقبلت البينة لفلان المدعي على هذا الدار- ويحكي شهادة الشهود- وقضيت بها على فلان الذي هي في يده، وجعلت فلاناً المقر له بها على حجته يستأنفها، فإذا حضر أو وكيل له، استأنف الحكم بينه وبين المقضي له.
ولو أقام صاحب اليد – أيضاً- بينة بأن العين للغائب، قال الشافعي- كما حكاه في "البحر"-: حكمت ببينة المدعي، وسلمت الدار إليه، ولا حكم لبينة الغائب.
ومشى العراقيون على هذا؛ بناء على جزمهم في الحالة السابقة بالوجه الثاني، لكن فيما إذا كان صاحب اليد قد أسند يده إلى إيداع أو عارية.
ووجهوه بأن هذه بينة مقامة من غير طلب [صاحب] الحق ولا وكيله؛ فلم يثبت بها الملك؛ كما إذا حجر الحاكم على شخص بالفلس، وأراد قسمة ماله بين غرمائه، فشهد شاهدان: أن هذه العين ملك فلان الغائب- لا يلتفت إلى تلك الشهادة، ولا تؤخر القسمة من أجلها، بل تقسم العين بين الغرماء.
نعم، لو كان صاحب اليد قد أسند يده إلى رهن أو إجارة، وأقام بينة على الغائب بذلك، وله بالملك- فوجهان:
أحدهما: لا يقضي له بذلك؛ كما لو كانت وديعة؛ [وهذا ما اختاره أبو إسحاق؛ كما حكاه في "الحاوي".
والثاني: يقضي له بالإجارة أو الرهن، وللغائب بالملك]؛ لأنه قد تعلق به حق لهذا الحاضر؛ فأشبه ما لو كان المقر له حاضراً، وأقام بينة بالملك.
قلت: وهذا يمكن بناؤه على أن للمستأجر والمرتهن حق المخاصمة عند غصب العين، وهو الذي اختاره القفال؛ كما حكاه الرافعي في آخر هذا الكتاب، وقد نسب الإمام هذا الوجه إلى رواية العراقيين عن أبي إسحاق، وفي "المهذب" و"الإشراف"، و"البحر": أن أبا إسحاق رواه عن بعض الأصحاب، وليس بشيء بالاتفاق.
والمراوزة ذكروا الوجهين الآخرين في المسألة السابقة هاهنا – أيضاً- وجزم الأصحاب بعدم القضاء بالملك للغائب في حالة إسناد اليد إلى الوديعة، وفيه نظر؛ لأن الإمام في كتاب الوديعة حكى وجهين في أن المودع هل له حق المخاصمة إذا غصب الوديعة من يده أم لا؟ فإذا أثبتناه له يظهر أن يقال: إن الملك ثبت للغائب في هذه الصورة؛ كما لو كان من بيده العين وكيلاً عن الغائب، فإنه لا خلاف في الحكم للغائب بالملك، ولا يسلم للمدعي؛ كما صرح به الإمام وغيره.
وإذا صح ذلك انبنت مسألة المستأجر والمرتهن على الوديعة:
فإن قلنا: يثبت الملك للغائب بدعوى المودع، فثبوته بدعوى المستأجر والمرتهن أولى، وإلا ففيه الوجهان، والله أعلم.
قال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: فإن قيل: إذا سلم الملك بالبينة للمدعي عند إقامة صاحب اليد البينة بالملك للغائب، فما فائدة سماع البينة بالملك للغائب؟
قلنا: فائدتها عدم وجوب اليمين على صاحب اليد، وانتفاء التهمة عنه- كما تقدم- وأن الحكم في هذه الحالة إذا وقع بالبينة يكون قضاء على الغائب جزماً حتى تتوجه اليمين على المدعي إذا طلب الحكم، وعلى التحليف نص في "الأم"؛ فيحلف: إن ما شهد شهوده به حق، ولم يخرج من ملكه بوجه من الوجوه؛ كما قاله في "البحر".
وما ذكره من عدم وجوب اليمين على صاحب اليد كلام الفوراني منازع فيه؛ فإنه قال: الصحيح: أنه يقضي على ذلك الغائب؛ فيحلف المدعي مع البينة، وقيل: يقضي على الحاضر؛ لأن الشيء في يده حتى لا يحلف المدعي، ثم إذا حضر الغائب، فإن أعاد البينة التي شهدت له في الغيبة، قضى له؛ لأنه صاحب اليد؛ وهذا مما لا خلاف فيه؛ كما قاله الإمام، وإن أجري خلاف فيما إذا ادعى على شخص حاضر بدار، وأقام بينة، وقضى له بالبينة، وأزيلت يد المدعي عليه، ثم وجد بينة- في أن الدار هل ترد إلى يده ونقدره صاحب يد أو لا؟ والفرق: أن الغائب معذور؛ لغيبته، بخلاف الحاضر.
ومثل هذا ما ذكرناه فيما إذا حضر الغائب، وأقام بينة على جرح الشهود وقت
الحكم- ينقضي قولاً واحداً، وإن جرى في نقضه لو كان الحكم على حاضر خلاف؛ لما أشرنا إليه من الفرق.
فإن قيل: قد حكى الغزالي وغيره- كما سنذكره- فيما إذا كانت العين في يد ثالث، وأقام كل واحد منهما بينة [بالملك]، فهل يكون إقرار الثالث لأحدهما بالملك مرجحاً له- وجهين، ولا يظهر بينهما فرق.
قلت: محل الوجهين ثم إذا وجد الإقرار بعد تمام البينتين والحكم بعدم الملك لصاحب اليد- ظاهراً، وشرط الإقرار المقبول أن يكون [للمقر على] المقر به يد تدل على الملك؛ فلا جرم لم يؤثر ثم، وأثر هاهنا؛ لأنه صدر للغائب، واليد تدل على الملك ظاهراً، ثم إذا حضر الغائب، وانتزع العين بالبينة، ورام المدعي تحليف صاحب اليد؛ ليحلف عند نكوله، ويلزمه الغرم- لم يجد إلى ذلك سبيلاً قولاً واحداً؛ فإن الملك استقر للمقر له بالبينة؛ فخرج إقرار المقر عن كونه مقتضياً حيلولة.
قال الإمام: ولا مبالاة باقتضاء الإقرار له ما يرجح بينته إذا كانت الإحالة على البينة.
قال: وإن أقر [به] لمجهول، أي: مثل أن قال: هو لرجل لا أعرفه، وقد نسيت اسمه، وعينه- قيل له: إما أن تقر [به] لمعروف، أو نجعلك ناكلاً.
أصل هذه المسألة: أن الإقرار للمجهول غير صحيح على المشهور؛ لعدم تعيين الطالب.
وقضية ذلك: أنه إذا أقر لمن في هذه الدار، ولم نعلم عينه: أن يصح؛ لانحصار المقر له، وإمكان الاطلاع عليه؛ كما إذا أقر للحمل.
لكن قد صرح الماوردي عند الكلام في الوصية للحمل بعدم الصحة.
وفي "الإشراف": أن صاحب "الإفصاح" قال: يسمع الإقرار للمجهول؛ لأنه
قد يجب الإقرار للمجهول؛ كما في اللقطة يلتقطها فيقر بها الملتقط لصاحبها، وصاحبها مجهول.
فإذا تقرر ذلك عدنا إلى قول الشيخ: قيل له: إما أن تقر به لمعروف، أو نجعلك ناكلاً، أي: فيحلف [المدعي] وتسلم إليه العين؛ لأنه يريد أن يصرف بذلك الخصومة عن نفسه بأمر لا يمكن تداركه بالرجوع إلى من أسند الملك إليه؛ فلم يقبل منه؛ لما فيه من الإضرار؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
وقيل: يقال له: إما أن تقر به لمروف، أو [تدعيه] لنفسك، أو نجعلك ناكلاً؛ لأن الإقرار للمجهول لما لم يصح، صار وجوده كعدمه، وهو لو لم يقر، كان له أن يدعيه لنفسه، أو يقر به لغيره، فإن لم يفعل، كان ناكلاً.
وعلى الوجه الأول: لو ادعاه لنفسه، لم يقبل؛ لأن إقراره بأنه ملك للغير صريح [في] نفي الملك عن نفسه فآخذناه به.
وهذان الوجهان محكيان عن ابن سريج، وهما جميعاً متوافقان على عدم انصراف الخصومة عنه.
قلت: وهما شبيهان بما ذكرناه من الخلاف في أن التصرف المردود، هل يكون حكمه حكم الصحيح بالنسبة إلى قطع الحق أم لا، كما حكيناه في البيع وغيره؟
وفي "النهاية" وغيرها حكاية وجه: أن القاضي ينتزع العين من يده إذا أقر بها لمجهول؛ كما قلنا فيما إذا أقر بها لمعين، وكذبه؛ وحينئذ تأتي التفاريع السالفة.
ولو أقر لمجهول، ولم يكن ثم مدع، مثل أن قال: هذه العين غصب، ولم أعرف غصبتها ممن:
قال البندنيجي وغيره في كتاب دعوى الدم: يقال له: الملك لك في الظاهر، تصرف فيها كيف شئت حتى يعرف مالكها.
وقال الرافعي ثم: إن في مثل هذا خلافاً مشهوراً، وقد حكاه الإمام قبل باب القافة بأربع ورقات- أو أكثر- وجهين:
أحدهما: [أنه] لا حكم لإقراره.
والثاني: يؤخذ منه، ويحفظ؛ كالمال الضائع.
وجميع ما ذكرناه يأتي فيما إذا قال: هذه الدار ليست لي، مقتصراً على ذلك، أو قال: هي لرجل لا أسميه.
لكن جريان الوجه بانتزاع العين من يده في الصورة السالفة- كما قال الإمام- أوجه من جريانه في هاتين الصورتين، مع أن الصحيح في الكل: عدم الانتزاع.
لكن قد حكى القاضي الحسين [فيما] إذا قال: هذه الدار ليست لي ولا لك، ولا أعرف لمن هي، ولا يلزمني تسليمها إليك- ثلاثة أوجه:
أصحها: أنها تنزع من يده.
والثاني: تسلم للمدعي.
وسكت عن الثالث، ويظهر أنه: يقال [له]: إما أن تدعيها لنفسك، أو تقر بها لمعروف، أو نجعلك ناكلا؛ لما سنذكره من كلام البندنيجي وغيره.
وقضية ذلك: أن يكون الحكم فيما ذكرناه كذلك، لكن إيراد البندنيجي والرافعي موافق للإمام؛ لأنهما قالا في كتاب الصلح: إذا أقر شخص لشخص بدار، وقد ادعى نصفها، [وأخوه نصفها]، فقال المقر له: لا أملك فيها إلا النصف، ولا أعرف النصف الآخر لمن- فيما يفعل بالنصف ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه يقر في يد المقر.
والثاني: ينتزعه الحاكم من يده، ويحفظه إلى أن يجيء صاحبه.
والثالث: يسلمه للمدعي عليه.
وقد حكى الأوجه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والإمام ثم، والمصنف هنا، واختار في "المرشد" الثاني منها.
فروع:
إذا قال من في يده العين: هي لكما، سلمت لهما، ولكل واحد منهما أن يحلف صاحبه.
قال البندنيجي: وهل له أن يحلف المقر؛ لأجل الغرم؟ فيه القولان.
ولو قال بمن في يده العين]: هذه الدار لهذا الصبي أو المجنون- قال في "الإبانة": لا تنصرف الخصومة عنه.
وغيره قال: هو كما لو قال: هي لهذا البالغ العاقل.
وتكون المخاصمة مع وليه، ولا سبيل إلى تحليفه؛ كذا قاله الغزالي وأبو الفرج الزاز.
وكذا لو قال: هي وقف على الفقراء، انقطعت الخصومة عنه، وهل للمدعي تحليفه؛ لأجل التغريم؟ فيه الخلاف السابق.
وكذا لو قال للمدعي عليه: هي وقف على ولدي الصغير، أو: على مسجد، أو: رباط، أو: على نفسي؛ كما قاله القاضي الحسين.
ولو قال المدعي: هي وقف على، وقال من هي في يده: هي وقف علي- قال القاضي الحسين: فلا خلاف أنه ليس للمدعي طلب تحليفه لأجل الغرم؛ لأنه إنما يحلف على ما يدعي أنه فوت عليه ما تقوم قيمته مقام ذلك الشيء الذي فوت عليه، وهاهنا قيمة الدار لو أخذناها لا تقوم مقام الوقف، لكن له أن يجيء كل شهر، ويدعي عليه أجرة ذلك؛ وهذا ما أورده في "التهذيب".
قال الرافعي: وكان لا يبعد طلب القيمة؛ لأن الوقف مضمون عند الإتلاف، [والحيلولة في الحال كالإتلاف].
قال: وإن تداعيا حائطاً- أي: بين ملكيهما- فإن كان مبنياً على تربيع إحدى الدارين- أي: مساوياً لها في السمك، والحد، والارتفاع- مثل أن يكون طول الحائط عشرين ذراعاً، وعرصة أحدهما عشرون ذراعاً طولاً، وعرصة الآخر عشرة أذرع طولاً، وهكذا مثاله:
قال: أو متصلاً بإحداهما اتصالاً، لا يمكن إحداثه- أي: بعد البناء – قال الإمام والقاضي: وإنما يظهر ذلك في الزوايا بأن يكون ممتداً بين الملكين، ومتصلا أحد طرفيه بجدار هو ملك لمالك إحدى الدارين، وانعطف أحد الجدارين عن الثاني، وظهر في المنعطف زاوية على هيئة التداخل والرصغ.
قال: فالقول قول صاحب الدار- أي: التي بنيانها ما ذكرناه مع يمينه؛ لأن الظاره: أنه مبني لداره؛ فكان الظاهر معه.
وقيل في الصورة الأولى: إنهما يستويان في القدر الذي بين عرصتيهما من الحائط بعد تحالفهما؛ حكاه الماوردي.
فرع: لو كان الجدار المتنازع فيه مبنياً على خشبة طويلة، وكان طرف من الخشبة والجاً في ملك أحدهما دون الآخر- فقد حكى الإمام: أن العراقيين قالوا: [الخشبة] لمن يكون طرفها في ملكه، والجدار المبني عليها تحت يده؛ فإن الظاهر: أن جدار غيره لا ينبني على ملكه.
وهذا ما حكاه في "الشامل" عن بعض الأصحاب، ولم يحك غيره، ثم قال الإمام: ولم أجد هذا في طرقنا وليست المسألة خالية عن احتمال في الخشبة والجدار.
قال: وإن كان بين ملكيهما- أي: ولا مرجح لأحدهما- مثل أن كان مبنياً على تربيعهما، أو متصلاً بهما اتصالاً [لا] يمكن إحداثه، أو كان مطلقاً وهو الذي لا يراد منه إلا السترة.
قال: تحالفا، وجعل بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر.
وكيفية التحالف قد سبقت، وهاهنا حكى الماوردي الوجهين في أن الحاكم يقرع لأجل المبتدأ به في اليمين، أو يقدم من شاء منهما؟
قال: وإن كان لأحدهما عليه أزج، فالقول قول صاحب الأزج- أي: مع يمينه- لأن الظاهر أنه بني للأزج.
قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: وكذا لو كان لأحدهما عليه قبة، فالقول قوله مع يمينه.
وإنما أحلفناه؛ لأنه يحتمل أن يكونا قد اشتركا في بنائه، أو أمر أحدهما صاحبه في
أن يبني عليه الأزج أو القبة، أو صالحه من ذلك على شيء أخذه منه؛ وهذا من القاضي وابن الصباغ يقتضي أن ما ذكراه يجري وإن كان الأزج والقبة يمكن إحداثهما بعد بناء الحائط.
وقد خص الماوردي والإمام محل ذلك بما إذا كان الحائط [قد] بني من أساسه معوجاً على ما جرت به عادة بعض الآزاج والقباب؛ لأن هذا التعويج لا يمكن إحداث مثله بعد كمال البناء.
أما إذا كان الحائط غير معوج، فإمكان إحداث الأزج والقبة على الحائط بعد كمال البناء ممكن، فهو كالأجذاع.
وعلى هذا ينطبق قول القاضي الحسين: إنه إذا كان لأحدهما عليه بناء يمكن إحداثه بعد كمال البناء، [فلا يرجح به، وإن كان لا يمكن إحداثه بعد كمال البناء]، مثل: الأزج الذي يبنى من أصل الجدار وقرب الأرض، فيبني جداراً منحنياً، فيعقد الأزج عليه جزءاً فجزءاً إلى أن [يتم؛ فيحكم] به لصاحب الأزج.
لكن في حالة عدم الاعوجاج قال الماوردي: ما كان من أعلى الحائط معوجاً كتعويج الأزج والقبة، فهو لصاحب الأزج والقبة، وما انحدر عنه من انتصاب الحائط في حكم المنفصل غير المتصل.
تنبيه: الأزج- بفتح الهمزة، والزاي، والجيم-: سقف معقود كسقوف أواوين مدارسنا.
قال الجوهري: جمعه: آزاج وآزج.
قال: وإن كان لأحدهما عليه جذوع، لم يقدم صاحب الجذوع؛ لجواز أن يكون [قد] وضعها بإذنه، أو بقضاء قاض يرى ذلك؛ فلا نزيل ما تيقناه بأمر محتمل.
[و] لأن وضع الجذوع معنى حادث في الحائط بعد تمامه؛ فلم يرجح به: كالتجصيص، والتزويق.
والجذع: الواحد.
وهكذا لا نظر إلى من إليه الخوارج والدواخل، ولا أنصاف اللبن، ولا معاقد القمط- كما قال الشافعي- لأنه [ليس] في شيء منها دلالة.
وأراد بالخوارج- كما قال الماوردي-: ظهور الحيطان، وبالدواخل: وجوه الحيطان.
وقال القاضي الحسين، وتبعه الإمام: إنه أراد بالدواخل، والخوارج: الكتابة بالجحص والآجر، والتزويقات على الجدار المخرجة منه، والطاقات التي تدخل فيه.
وأراد بأنصاف اللبن: إذا كان أحد جانبي الحائط مبنياً بأنصاف اللبن، والآخر بالشك والمدر؛ كما قاله ابن أبي هريرة، ولم يورد القاضي أبو الطيب سواه.
وقال غيره: إنه إفريز يخرجه البناء في أعلى الحائط نحو نصف لبنة؛ ليكون وقاية للحائط من المطر وغيره.
وقال القاضي الحسين، وتبعه الإمام: المراد به: الجدار المتخذ من اللبنات المنصفة التي جعل وجه الصحيح إلى جانب، ووجه المكسر إلى الجانب الآخر.
وأراد بمعاقد القمط: عقد الخيوط التي يربط بها الجص على الخشبة المعرضة بين السطحين؛ كما قاله الماوردي، وسميت الخيوط: قمطاً؛ لأنه يقمط بها القصب.
فلا يرجح من إلى جانبه وجه الحائط، ولا من إلى جانبه أنصاف اللبن، ولا معاقد القمط عند التنازع في الجص المتخذ ستراً بين السطحين الذي نسميه درباً.
قال: وإن تداعيا عرصة- أي: بين ملكيهما- لأحدهما فيها بناء، أو شجر- فإن كان قد ثبت البناء والشجر له بالبينة، فالقول قوله في العرصة مع يمينه؛ لأن البينة أثبتت له الملك في البناء والشجر؛ فاقتضى أن تكون يده ثابتة على الأساس والمغرس؛ لانفراده بالانتفاع [بهما كما إذا كان له متاع في دار ينفرد بالانتفاع] بها، وإذا كان كذلك كان القول قوله مع يمينه؛ لما تقدم.
فإن قيل: الجدار على أساسه والأشجار على مغارسها، بمثابة الجذوع على الجدار، وقد تقدم أن الجذوع إذا كانت لأحدهما لا تدل على اختصاص صاحبها
بالجدار، فكذلك هاهنا- قال الإمام والقاضي أبو الطيب وغيرهما: قلنا: الجدار بين الملكين في أيدي مالكهما؛ من حيث إنه جزء من كل دار؛ فكان هذا التمسك بالجزئية أولى من التعلق بوضع الجذع، والعرصة هاهنا في يد صاحب البناء والشجر؛ فلذلك كان القول قوله.
ونظير ذلك: أن الدار إذا كانت مشحونة بأمتعة إنسان، وكان لا يسكنها أحد- فالدار تحت يد صاحب الأمتعة.
ولو كان يسكنها رجلان، ولأحدهما أمتعة- فلا نظر إلى الأمتعة مع سكونهما.
وأيضاً: فإن من العلماء من يرى إيجاب وضع الجذوع على حائط الغير، ولم ير أحد منهم [إيجاب] بناء حائط في ملك الغير، ولا غرس شجرة فيه، وذلك يدل على الفرق بينهما.
قال: وإن ثبت له ذلك بالإقرار- أي: بإقرار المنازع- فقد قيل: القول قوله؛ كما لو قامت له بينة به؛ وهذا أصح عند النواوي وغيره.
وقيل: هو بينهما.
قال المحاملي في "المجموع": لأن الإقرار يثبت له ملك البناء والغراس؛ فلا ينقل ملك غيره.
ومعنى هذا: أنه لولا الإقرار، لكان البناء وأساسه، والغراس ومغرسه بينهما عند التنازع فيه، فالإقرار بالبناء والشجر أخرجهما من ذلك الحكم؛ فبقي ما عداهما على حكمه.
فإن قيل: هذا موجود في حال قيام البينة؛ فكان ينبغي أن يكون الحكم كذلك؟
قلنا: الفرق بينهما: أن ثبوت الملك بالبينة لا يدل على [أن] ما شهدت به [البينة] في يد المشهود عليه؛ لما تقدم أنها تسمع عند قيام المنازعة، وإذا لم تدل على ما ذكرناه، كان ثبوت البناء الشجر له بالبينة مرجحاً لجانبه بالمعنى الذي ذكرناه فقوي؛ فلذلك كان القول قوله.
وثبوت الملك بالإقرار يقتضي أن يكون المقر به في يد المقر بحيث لو ادعى أنه
ملكه، لقبل منه؛ كما يأتي في بابه- إن شاء الله تعالى- ومقتضاه: ثبوت اليد للمقر على الأساس والمغرس أيضاً، وقد ادعاهما لنفسه، وهو أعرف بما أقر به؛ فكان القياس: أن يجعل القول قوله فيهما، لكن اليد التي أثبتت له في هذا المقام حتى صح إقراره للمقر له- أيضاً- مثلها على الأساس والمغرس؛ فلا جرم قسم بينهما.
وهذا الذي أورده الشيخ قد حكاه الإمام عن العراقيين، ثم قال: إنهم قالوا: إن مأخذ الوجهين في حالة ثبوت الملك بالإقرار: أن من أقر لشخص بجدار أو شجرة، هل يكون مقراً بالأساس والمغرس؟ وفيه قولان مأخوذان من أن بيعهما هل يتناول أصلهما؟ وفيه قولان.
والماوردي قال: إذا تنازعا عرصة حائط هو لأحدهما، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لصاحب الحائط.
والثاني: أنهما فيه سواء.
وهذان الوجهان من اختلاف أصحابنا فيمن أقر لرجل بحائط، فهل يدخل قراره في إقراره، أو باع حائطاً، هل يدخل قراره في بيعه؟ على وجهين، والذي حكاه منهما في كتاب الإقرار: عدم الدخول.
ثم قال الإمام: فإن قيل: إذا كان لفظ المقر مع اختصاصه بالجدار يتعدى إلى أصهل حتى يجعل إقراراً به على أحد القولين، مع أن مبنى الإقرار على الأقل الممكن- فإذا شهد عدلان [لإنسان] بملك جدار فقولوا: لفظ الشهادة يتضمن الملك في أصل الجدار على أحد القولين؛ قياساً على الإقرار.
قلنا: هكذا نقول، ولا فرق- والعلم عند الله تعالى- بناء على أن سماع الشهادة بالبيع مطلقة من غير بحث [عن] شرائط الصحة؛ كما هو المذهب الظاهر، ويحمل البيع المشهود به على الصحة.
تنبيه: إذا قلنا: القول قول صاحب البناء والشجر في العرصة عند إقرار المنازع له- كما ذكره الرافعي- فهل يحتاج إلى اليمين؟ لم أقف في هذا على نقل.
وقضية الاحتياج إليها عند [ثبوت ذلك بالبينة: أن يحتاج إليها عند] الثبوت
بالإقرار أولى، لكن قضية البناء على الأصل المذكور أنه لا يحتاج إلى اليمين؛ فإن ثبوت العرصة حينئذ يكون بالإقرار، ومن أقر له خصمه بحق، لم يحلفه عليه، وكذلك نقول إن صح هذا في مسألة ثبوت ملك البناء والشجر بالبينة؛ إن فرعنا على ما خرجه الإمام؛ لن الثبوت حينئذ يكون بالبينة، ومن ثبت حقه بالبينة [لم تتوجه عليه اليمين بلا خلاف؛ لأن ما في التحليف قد جاء في البينة]، اللهم إلا أن ينشئ دعوى صحيحة: كدعوى بيع، أو إبراء صدر بعد ذلك، وأمكن صدوره؛ كما قاله في "التهذيب" في باب الامتناع من اليمين، أو يقول: الشاهد اعتمد ظاهر اليد، وهو يعلم سراً أن هذا لي- فإن في تحليفه في هذه الصورة خلافاً؛ حكاه الغزالي في آخر الحجة الثالثة للسرقة؛ وعلى هذا يكون تخريج الإمام أفاد أمرين:
أحدهما: إجراء الخلاف في المسألتين، وهو ما اقتضاه [إطلاق المحاملي] في "المقنع"، وكذا القاضي الحسين في "التعليق"؛ حيث قال: إذا تنازعا أرضاً، ولأحدهما فيها بناء أو شجر- فالمذهب: أنه يرجح بالبناء والشجر؛ لأن العادة [ما جرت] بأن الناس يعيرون الأرض للبناء والغراس، وهو الذي أورده البغوي في باب اختلاف الزوجين في متاع البيت، ولم يفرقوا بين أن يكون [قد ثبت ذلك] بالبينة أو بالإقرار.
ثم قال القاضي: نعم، في الزرع خلاف، والذي [حكاه في "التهذيب" منه]: أنه يرجح به؛ كالبناء والشجر.
والثاني: أنا إذا قلنا: القول قوله في العرصة عند إقامة البينة بالبناء والشجر؛ لا يحتاج إلى اليمين، إلا أن يقال: عدم تحليف المدعي عند قيام البينة- كما ذكره الأصحاب، ونص عليه الشافعي- مفروض فيما إذا وقعت الشهادة [بما شملته] اللفظة لغة وعرفاً؛ كما إذا ادعى عيناً، وأقام بينة على أنها ملكه؛ لأن التحليف في هذه الحالة على أنها ملكه، يتضمن تكذيب الشهود قطعاً.
أما إذا وقعت بشيء لم [يشمله اللفظ لغة، وإنما شمله] من حيث العرف؛ كما
في المغرس، والأساس- فإن اسم الشجرة والجدار لا يتناولهما لغة؛ كما قاله الإمام في كتاب الإقرار، وإذا كان كذلك لم يبعد التحليف؛ لأن للاحتمال مجالاً فيه، ويؤيد ذلك ما سنذكره عن نص الشافعي فيما إذا شهدت البينة بملك قديم، وقالت: لا أعلم مزيلاً له، وسمعنا ذلك: أنه يحلف المدعى عليه مع البينة، وإذا صح ما ذكرناه عند قيام البينة بالبناء والشجر؛ فكذلك عند الإقرار بهما، والله أعلم.
فرع: حيث قلنا: إن القول في العرصة قول صاحب البناء والشجر؛ إذا ثبت له ذلك بالإقرار؛ بناء على الأصل المذكور- فينبغي أن يكون الحكم فيما عدا المغرس والأساس من العرصة، كالحكم الذي ذكرته في اندراجه في البيع.
فرع آخر: إذا تنازعا في جدار والعرصة فيه لأحدهما، فالقول قول صاحب العرصة؛ وهكذا لو تنازعا على حائط سفله لأحدهما، كان القول قول صاحب السفل مع يمينه؛ قاله الماوردي.
قال: وإن كان السفل لأحدهما، والعلو للآخر، وتنازعا [في] السقف- أي: الذي يمكن إحداثه؛ كما قال الإمام؛ تبعاً للقاضي الحسين- حلفا، وجعل بينهما؛ لأنه حاجز توسط [بين] ملكيهما، ينتفعان به، وهو غير متصل ببناء أحدهما اتصال البنيان؛ فكان بينهما كالحائط المطلق بين الدارين.
وهكذا الحكم فيما إذا تنازعا الحائط بين السفل والعلو الذي في خلال أجذاع السقف، يكون بينهما؛ لأنه تبع للسقف المشترك.
أما لو تنازعا في حائط السفل، فهو لصاحب السفل إلى منتهى موضع الجذوع، مع يمينه.
وكذا إذا تنازعا في حائط العلو، فهو لصاحب العلو إلى ما فوق أجذاع السقف مع يمينه.
ثم كيفية إمكان الإحداث- كما قال الإمام- أن يفرض سقف عال، ثم يفرض سقف دونه؛ بأن تدرج رؤوس الأجذاع في وسط الحائط، وينظم عليها السقف.
أما إذا كان لا يمكن تقدير سقف السفل على وسط الجدار بعد امتداده إلى منتهى العلو كالأزج، فإنه لا يمكن إحداثه على وسط الجدار، فإذا كان كذلك علمنا أن سقف السفل بني أولاً، واستحدث بعده جدار العلو وسقفه؛ فالسقف في هذه الصورة في يد صاحب السفل.
فرع: إذا جعلناه بينهما، فلصاحب العلو الانتفاع به- كما كان قبل المنازعة- بالجلوس عليه، ووضع متاعه المعتاد من غير مجاوزة.
وكذلك ينتفع به صاحب السفل- كما كان- بالاستظلال.
قال الإمام: واتفق الأصحاب على أنه لا يمنع من "تعليق" شيء فيه؛ طلباً للتسوية بينه وبين صاحب العلو؛ فإن ثقله عليه.
ثم قال: وهذا هو المذهب الظاهر.
ومن أصحابنا من لم يجوز لصاحب السفل "تعليق" شيء في السقف، واستكفى بالاستظلال؛ وهذا ما أورده الماوردي، ثم قال: ولا وجه لما أجازه بعض أصحابنا من "تعليق" زنبيل عليه، ووضع خطاف فيه.
وحكى الإمام وجهاً ثالثاً: أنه إن أمكن "تعليق" شيء فيه من غير إثبات وتد في جرم السقف، [جاز مع] اجتناب السرف، ولزوم الاقتصاد.
فأما إثبات الوتد في جرم السقف فيمتنع؛ وعلى هذا قال الشيخ أبو محمد: لا يجوز لصاحب العلو ضرب وتد فيه أيضاً.
وعلى وجه تجويز ضرب الوتد لصاحب السفل، هل يجوز- أيضاً- لصاحب العلو؟ فيه وجهان.
ثم محل الخلاف في جواز "التعليق" إذا كان لذلك قدر له تأثير، أما ما لا تأثير له في السقف على طول الدهر: كالثوب، ونحوه، فلا منع منه؛ إذ هو بمثابة الاستناد إلى الجدار المشترك.
قال: وإن تداعيا سلماً منصوباً- أي: موضع الرقي للعلو- حلف صاحب العلو، وقضى له؛ لأنه مختص بالانتفاع به في الصعود؛ فكان الظاهر معه.
ولا فرق في ذلك بين أن [يكون] السلم مسمراً، أو غير مسمر لكنه منصوب في موضع الرقي.
وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل إذا لم يكن مسمراً.
قال الرافعي: وهذا هو الوجه؛ كسائر منقولات الدار.
لكن الذي عليه الأكثرون- كما حكاه ابن كج-: الأول؛ وعلى هذا فليخرج وجه في اندراج السلم الذي لم يسمر تحت بيع الدار.
تنبيه: السلم معروف، وجمعه: سلالم، وسلاليم، وهو مذكر على المشهور، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 34].
وحكى أبو حاتم السختياني وصاحب "المحكم" فيه التذكير والتأنيث.
قال الهروي: سمي: سلماً؛ تفاؤلاً بالسلامة.
قال: وإن تداعيا درجة- أي: معقودة- كالأزج، فإن كان تحتها مسكن- أي: لصاحب السفل- حلفا، وجعل بينهما؛ لأن كل واحد منهما ينتفع بها: أما صاحب السفل فبالسكون تحتها، وأما صاحب العلو فبالصعود عليها، فكانت كالسقف بين السفل والعلو.
ولا فرق بين أن يكون المسكن بيتاً، أو خزانة تصلح للسكن وإحراز المال.
قال: وإن كان تحتها موضع حب، وما أشبهه: كموضع الجرار، والكيزان، والحطب، والرف، فهي لصاحب العلو- أي: مع يمينه- لأن الدرجة لا يقصد منها هاهنا إلا الصعود عليها، ولا يقصد أحد عمل بيت حب بفعله درجة، وتخالف المسألة قبلها؛ لأن السقف يقصد ببنائه الستر للسكن، دون عمل غرفة عليه، وقد يقصد به عمل غرفة عليه دون ستر البيت؛ فلذلك كان بينهما.
وقيل: هو بينهما كالمسألة قبلها؛ وهذا قول أبي إسحاق وابن أبي هريرة.
والصحيح في "الرافعي" وغيره: الأول، وهو قول الشيخ أبي حامد، وبه جزم في "الوسيط".
وهذا التفصيل الذي حكاه الشيخ اتبع فيه الماوردي؛ فإنه هكذا فصل، وهو
- أيضاً- كذلك في "التهذيب"، و"تعليق" القاضي الحسين.
والقاضي أبو الطيب حكى فيما إذا كان تحتها موضع ينتفع به كالخزانة وجهين: أحدهما: أنها بينهما.
والثاني: أنها لصاحب العلو.
قال: [وهو الأصح]، والذي نص عليه الشافعي هاهنا، ولم يفصل.
قال [في] "الشامل": وهذه الطريقة أشبه.
وحكم الدرجة إذا كانت صماء حكم السلم المنصوب؛ فتكون لصاحب العلو جزماً؛ صرح به أبو الطيب وغيره.
قال: وإن تنازعا عرصة الدار، ولصاحب العلو ممر في بعضها دون بعض- أي: مثل [أن يكون] سلم العلو منصوباً في وسط العرصة- فالقول قولهما فيما يشتركان فيه من الممر- أي: وهو من أول العرصة إلى موضع السلم- لأن لكل واحد منهما يداً عليه؛ فيحلفان، ويجعل بينهما.
ومما لا ممر فيه لصاحب العلو- أي: وهو ما وراء موضع السلم إلى آخر العرصة- فالقول قول صاحب السفل مع يمينه؛ لأنه المتفرد بالانتفاع؛ فكان في يده؛ وهذا أصح في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الحاوي" و"النهاية" و"التهذيب"، وبه جزم القاضي الحسين.
[وقيل: هو بينهما]؛ لأنها بعض السفل، ويدهما على السفل؛ كذا قاله أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ.
وقال الإمام: [إنه] يمكن أن يقال: العلو محتف بالعرصة احتفاف السفل، والهواء محتوش بالسفل والعلو؛ فلا يبعد- والحالة هذه- أن تضاف العرصة إليهما؛ فإنه يقال: صحن الدار، وعرصة الدار، والعلو والسفل من الدار.
وقالوا: إن الوجهين يجريان فيما إذا كان السلم منصوباً في دهليز الدار، وقد اختلفا في باقي أرضها.
قال الإمام: والصورة الأولى على حال أولى بأن تثبت اليد فيها لصاحب العلو على ما لا مشي له فيه من العرصة من هذه الصورة، وقد حكى الخلاف [القاضي الحسين في هذه الصورة، وهو من العجائب أن يجزم في الصورة الأولى بأن باقي العرصة لصاحب السفل، ويحكي الخلاف] في الصورة الثانية، ولو عكس لكان أولى.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: ومثل هذا إذا كان زقاق لا ينفذ، وفيه بابان لرجلين: أحدهما في وسطه، والآخر في صدره، فمن أوله إلى باب الأول بينهما، وما جاوزه إذا تنازعاه فعلى الوجهين.
وعلى هذا ينطبق قول الماوردي: إن من هذين الوجهين مضى تخريج الوجهين في عرصة الزقاق المرفوع.
والإمام قال: إن هذا الخلاف [قربه الأصحاب من الخلاف] المذكور في الدرب الغير نافذ إذا أراد من [في] أسفل الدرب أن يشرع جناحاً، فهل لمن في أعلاه حق الاعتراض، ولا ممر له في أصل السكة؟
وخص الماوردي محل الوجهين في مسألة الكتاب بما إذا لم يكن دون الممر وباقي العرصة حائل، أما إذا كان؛ بأن كان محولاً عن ممره وموضع استطراقه بباب أو بناء كدواخل البيوت، فيكون ذلك لصاحب السفل لا يختلف فيه؛ لأنه تفرد بالتصرف فيه؛ فصار متفرداً باليد عليه، أما لو كان السلم منصوباً في صدر الدار بحيث يخرق الماشي إليه العرصة، فجميع العرصة بينهما؛ لأنها في يدهما وتصرفهما.
قال الإمام: وهذا أجمع عليه الأصحاب.
لكنا قدمنا: أن حق الممر يجوز أن يشتري على حياله؛ فكان لا يبعد في طريق المعنى ألا يثبت لصاحب العلو إلا حق المرور، فأما الملك في رقة العرصة فلا.
قال: وإن تنازع المكري والمكتري في الرفوف المنفصلة- أي: الموضوعة على
الأوتاد- حلفا، وجعلت بينهما؛ كذا نص عليه في "الأم".
ووجهه بأن العادة مضطربة فيها: فتارة تكون للمكري، وتارة للمكتري، فلما اضطربت لم يكن أحدهما بها أولى من الآخر؛ فجعلت بينهما.
وهكذا الحكم فيما لو تنازعا في السلاليم المنفصلة، وأغلاق الأبواب، وأطباق التنانير، والغرف فيه متقابلة، واليد فيه مشتركة؛ صرح به الماوردي.
أما لو كانت الرفوف مسمرة، فالقول قول المكري.
قال: وإن تداعى رجلان مسناة بين أرض أحدهما ونهر الآخر، حلفا، وجعلت بينهما؛ لأن فيها منفعة لصاحب النهر بجمع مائه، ولصاحب الأرض بمنعها الماء أن يخرج من أرضه.
والمسناة- كما قاله النواوي-: صخرة تجعل في جانب النهر؛ لتمنعه من الأرض، وهي بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد النون.
وفي "تعليق" البندنيجي في كتاب المساقاة: [أن المسناة:] الأحواض التي يجمع فيها لماء تحت النخل.
قال: وإن تداعيا بعيراً، لأحدهما عليه حمل- فالقول قول صاحب الحمل مع يمينه؛ لانفراده بالانتفاع به.
قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: وهذا يخالف ما لو تداعيا عبداً لأحدهما عليه قميص وسراويل، فإنه لا يحكم به له.
والفرق: أن كون حمله على الجمل تصرف في الجمل بالانتفاع به، ومن انفرد بالانتفاع كانت اليد له، وليس كذلك العبد؛ فإن المنفعة هناك تعود إلى العبد؛ فلم تجعل يداً.
قال ابن الصباغ: ولأن الحمل لا يجوز أن يحمله على الجمل إلا بحق، ويجوز أن يجبر العبد على لبس قميص مالكه وغيره إذا كان عرياناً، وبذله له.
فرع: لو تداعيا عبداً، أو جارية، أو دابة حاملاً، واتفقا على أن الحمل لأحدهما- قال في "التهذيب": فهي لصاحب الحمل.
قال: وإن تداعيا دابة، وأحدهما راكبها، والآخر سائقها- فالقول قول الراكب مع يمين؛ لانفراده بالانتفاع بها.
وقيل: هي بينهما [مع يمينهما]؛ لأن كل واحد منهما لو انفرد كانت له؛ فوجب إذا اجتمعا أن تكون بينهما؛ وهذا قول أبي إسحاق.
والصحيح: الأول، وهو المذهب في "النهاية"، و"تعليق" القاضي الحسين.
والفرق بينه وبين ما إذا تنازعا جداراً لأحدهما عليه جذوع: أن الانتفاع بالجدار مشترك، وإن امتازع صاحب الجذوع بزيادة، فلم يكن بها مرجحاً؛ كما نقول إذا كانا في دار، ولأحدهما فيها متاع، وليس للآخر فيها شيء وتنازعاها؛ فإنها بينهما.
وفي مسألة الدابة الراكب منفرد بالانتفاع؛ فانفرد باليد.
والخلاف جار- كما حكاه الإمام وغيره- فيما لو كان أحدهما راكبها، والآخر آخذ بلجامها؛ أو كان التنازع في ثوب، وأحدهما لابسه، والآخر متعلق به يجاذبه.
وعزى القاضي الحسين قول الاشتراك فيها إلى أبي إسحاق [أيضاً].
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب في باب اختلاف الزوجين في متاع البيت: أن بعض أصحابنا قال عند [أخذ] أحدهما باللجام، وركوب الآخر: إن مذهب الشافعي يقتضي أنهما سواء.
وقد اتفقوا على أنهما لو تنازعا سفينة وأحدهما راكب فيها، والآخر ممسكها أنها تكون في يد الراكب دون الممسك؛ لأن الراكب متصرف.
وكذا لو كان أحدهما ممسكاً برباط السفينة، والآخر ممسك بجنبها- كانت في يد ممسك الجنب؛ لأن الخشبة من السفينة، والرباط ليس منها.
ولو تنازعا دابة في إصطبل أحدهما، ويدهما عليها: فإن كان في الإصطبل دواب لغير مالكه، استويا في اليد عليها، وإلا كانت اليد لصاحب الإصطبل خاصة.
ولو تداعيا عمامة، وفي يد أحدهما عشرها، وفي يد الآخر باقيها، ولا بينة- حلفا، وجعلت بينهما؛ كما لو تداعيا داراً: أحدهما في صحنها، والآخر في دهليزها- فإنها بينهما.
وكذا لو تنازعا داراً وأحدهما على سطحها، والآخر في صحنها، سواء كان السطح محجراً أو لا، وسواء كان على السطح ممرق أو لا؛ كما قاله الماوردي.
قال: ولو تنازعا متاعاً في ظرف، ويد أحدهما على الظرف، ويد الآخر على المتاع- اختص كل واحد بما في يده، ولا تكون اليد على الظرف مشاركة لليد على المتاع، ولا اليد على المتاع مشاركة لليد على الظرف؛ لانفصال أحدهما عن الآخر، وهذا بخلاف ما لو تنازعا عبداً، ويد أحدهما على ثوبه، ويد الآخر على العبد- فإن اليد التي على العبد [تكون على الثوب] أيضاً، دون الآخر؛ لأن يد العبد على الثوب أقوى؛ فصارت اليد على العبد وعلى ما في يده، كذا قاله الماوردي.
قلت: ويتجه جريان وجه أبي إسحاق السالف في قسمة الثوب.
قال: وإن كان في يدهما صبي لا يعقل- أي: ولم يعرف سبب يدهما، وهو مجهول الحرية، فادعى كل واحد منهما: أنه مملوكه- حلفا، وجعل بينهما؛ لأنه لو انفردت يد أحدهما على من هذا حاله، وادعى رقه- ثبت ملكه [عليه]؛ لأنه كالبهيمة والثوب في عدم التعبير عن نفسه، فإذا اجتمعت يدهما [عليه] حلفا وجعل بينهما؛ كالبهيمة والثوب.
أما إذا عرف سبب اليد [فيه]؛ كالالتقاط، فقد تقدم في باب اللقيط: أن الأصح أنه لا يقبل قوله إلا ببينة.
قال: وإن كان بالغاً، فالقول قوله، أي: في الحرية والرق لأحدهما، مع يمينه:
أما إذا ادعى الحرية؛ فلأنها الأصل، والرق طارئ معترض عليها.
وأما إذا عين الرق لأحدهما؛ فلأنه إنما حكم عليه بالرق باعترافه، فكان مملوكاً لمن اعترف له؛ كما لو كان في يده وحده.
وقولنا: إنما حكم عليه بالرق باعترافه، احترزنا به عما إذا أقام كل واحد منهما بينة على ملكه، فأقر هو لأحدهما؛ فإنه لا تترجح بينة المقر له بهذا الإقرار؛ لأن البينة أسقطت قوله؛ لكونها حجة عليه.
فإنقلت: قد قال الأصحاب في كتاب الإقرار: إنه إذا أقر رجل بعبد في يده لرجل، فقال العبد: ملكي لرجل آخر- لا يقبل إقرار العبد، وكان للذي أقر [له] به السيد؛ لأن العبد في يد المقر، وليس في يد نفسه.
ولأ، الإقرار بالرق إقرار بالمال، والعبد لا يقبل إقراره بالمال المتعلق برقبته؛ وهذا موجود في إقراره لأحد المتنازعين في رقه.
قلت: لعل ما قاله الأصحاب في الإقرار محمول على ما إذا سبق ثبوت الرق على العبد قبل إقراره، وفي مسألتنا لم يسبق ثبوت رق على الإقرار، بل وقع ممتزجاً به؛ فلذلك اعتبر.
ويدل على ما ذكرته: أن ابن الصباغ وجه [عدم قبول] قول العبد بأن من هو في يده لو أقر به لشخص، ولم يقر له العبد ولا لغيره- قبل إقرار السيد.
قال: ولو كان يقبل فيه إقرار العبد، لم يقبل فيه إقرار السيد؛ كجناية العبد؛ وهذا يدل على أن الرق سابق على الإقرار، وإلا لما قبل إقرار من هو في يده أيضاً، والله أعلم.
وما ذكرناه من قبول قول البالغ عند دعواه الحرية، وقد تنازع فيه اثنان- جار فيما لو لم يدع رقه إلا واحد.
ولا فرق فيه بين أن يكون في يده وهو يستخدمه، ويستصغره استصغار العبيد، أو لا؛ ولا بين أن تتداوله الأيدي، ويجري عليه البيع والشراء مراراً، وهو ساكت، وجوزناه، أم لا.
وهذا مما لم يختلف الأصحاب فيه؛ لأن التصرف مع استمرار ظاهر اليد وإن أفاد دلالة ظاهرة على الملك في غير ما نحن فيه، فإنما يدل على تعين الملك إذا كان الشيء مملوكاً؛ فيظهر من اختصاص الإنسان باليد والتصرف وعدم النكير عليه تعينه