كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 316-355
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الأقضية

صفحات 316-355
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

ولأنها لو كانت بيعاً لما دخلها الجبر، ولما تعين حق كل واحد منهما بالقرعة، ولثبتت فيها الشفعة للثالث من الشركاء إذا تقاسم شريكاه حصتهما، وتركا حصة شائعة معهما برضاه؛ إذ يظهر جواز هذه القسمة كما سنذكره.
وهذا ما اختاره في "المرشد"، وقال الجيلي: إنه المختار في "حلية" الروياني، وأشار إليه في "المحرر"، وقال ابن أبي الدم: إنه الأصح عند العراقيين.
وعلى هذا قال: فما أمكن فيه القسمة، جازت قسمته، أي: وإن لم يجز بيعه؛ إذ لا مانع منها.
ويجوز أن يتفرقا في قسمة الربويات من غير قبض.
ويقسم بالكيل، والوزن؛ على حسب اختيارهما، وهل يجوز أن يقسم بالخرص [في نخلة وشجرة؟ فيه قولان في "الحاوي" قال: وأصح هذين القولين: أنه يمنع بالخرص] في قسمة الإجبار [لأن المقصود بها التحقيق المعلوم في الخرص، ويجاز بالخرص في قسمة الاختيار]؛ لأنها محمولة على التراضي.
وحكى ابن الصباغ القولين في باب زكاة الثمار في جواز قسمة ثمر النخل خاصة.
وفي "المهذب" و"الرافعي": أن ثمرة الكرم والنخل تجوز قسمتها خرصاً.
كما يجوز خرصها للفقراء، وأن ثمرة غيرهما لا تقسم خرصاً؛ لأن الخرص لا يدخلها؛ وهذا يكون وجهاً ثالثاً.
قال: وما لم يمكن فيه القسمة: كالأرض مع البذور، والأرض مع السنابل – لا تجوز قسمته، [أي]: إذا أريدت قسمة المجموع، للجهالة بالمقصود، وكذا لو أريدت قسمة البذر وحده، والسنابل وحدها، لم يجز أيضاً؛ للجهالة.
نعم، لو طلب أحدهما قسمة الأرض دون البذر، والسنابل، أجبر الآخر.
ولو كان البذر قد طلع، ولم يسنبل، بل هو يعد حشيشاً، جازت قسمة المجموع؛

كما صرح به أبو الطيب؛ وكذا قسمة الحشيش وحده على هذا القول الذي عليه نفرع، لكن هل يجبر الممتنع إذا أريدت قسمة الأرض والحشيش؟ قال في "البحر": قال بعض أصحابنا: لا يجبر؛ لأن الإجبار على ما يبقى ويدخر.
والصحيح: أنه يجبر، والله أعلم.
والقول الثاني: أنه بيع، أي: لنصيب أحدهما في الجانب الأيمن بنصيب الآخر في الجانب الأيسر؛ لأن كل جزء مشترك [بينهما]، فإذا [أخذ] أحدهما أحد الجزأين، فقد ابتاع حق صاحبه منه بحقه من الجزء الآخر؛ وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، و"الكافي"، وآخرين، ومنهم- كما قال ابن أبي الدم-: الإمام والشيخ أبو علي.
وقال الماوردي في باب الربا: إنه المشهور.
ونقل ابن الصباغ في باب زكاة الثمار عن المزني: أنه قال: القسمة بيع عنده.
والقائلون به أجابوا عن الإجبار، وعن دخول القرعة: بأن ذلك جوز للحاجة؛ ألا ترى أن للحاكم بيع مال المديون جبراً؛ لأجل الحاجة، ولا يخرجه ذلك عن أن يكون بيعاً؟ [وعلى هذا] قال: فما جاز بيع بعضه ببعض، جازت قسمته: كالأراضي، والحبوب، والأدهان، وغيرها، ويعتبر [في] الربويات منها التقابض قبل التفرق، وأن تقع القسمة بمعيار الشرع.
[وقد ذكرت] في آخر باب الربا: أنه لا يثبت فيها خيار الشرط، وكذا خيار المجلس مع فوائد أخر؛ فلتطلب منه.
قال: وما لا يجوز بيع بعضه ببعض: كالعسل الذي عقد أجزاؤه [على النار]، وخل التمر- لا تجوز قسمته؛ حذراً من الربا، وكذا لا تجوز قسمة الثمار الرطبة.

قال القاضي أبو الطيب: وكذا الزرع الأخضر الذي في الأرض لا يقسم منفرداً عنها؛ على هذا القول؛ لأن بيعه لا يجوز إلا بشرط القطع، والقسمة لا تكون بشرط القطع، بل لا تكون إلا مطلقة، والبيع مطلقاً لا يجوز.
أما نصيب من حصل له الجانب الأيمن من الجانب [الأيمن]، وكذا نصيب من حصل له الجانب الأيسر من الجانب الأيسر- فالقسمة فيه إفراز؛ على هذا القول أيضاً؛ كما نبه عليه الرافعي.
والقاضي حسين قال في "التعليق" بعد حكاية القولين: والأصح أن يقال: القسمة تمييز، وإفراز [على هذا] بتعويض؛ لأنه ما من جزء إلا وهو مشترك بينهما، فإذا اقتسما، فما وقع في نصيب أحدهما بعضه يكون عوضاً عما له في نصيب صاحبه، وبعضه يعين ما كان له عند الشيوع.
وهذا الذي ذكره الشيخ من كون قسمة الرد بيعاً، وفيما عداها القولان- هو المنقول من طريقة العراقيين؛ لأن القسمة عندهم- كما ذكرنا- نوعان لا غير.
وقد يفهم من كلام البندنيجي حكاية القولين في أن القسمة بيع أو تمييز للحقين في قسمة الرد أيضاً؛ فإنه قال: اختلف قول الشافعي في القسمة على قولين، ثم قال: والقسمة ضربان: قسمة لا رد فيها، وقسمة فيها رد: فالتي لا رد فيها هي قسمة الإجبار، وصورتها: ما أمكن تعديل السهام بالأجزاء، أو بالقيمة من غير رد.
وأما التي فيها رد، فهي قسمة التراضي، وصورتها: ما لا يمكن تعديل الأنصباء فيها بالأجزاء، ولا بالقيمة؛ حتى يرد أحدهما على صاحبه بدل الفاضل مما يحصل في يده.
وسنذكر من كلام الشيخ في هذا الباب ما يقوي هذا الإفهام.
وأما المراوزة فلما جعلوا القسمة ثلاثة أنواع، قالوا: قسمة الرد بيع؛ كما قاله العراقيون، وما لا رد فيها إن لم يحتج فيها إلى تقويم: كقسمة ذوات الأمثال، والبراح

من الأرض المتساوي القيمة- ففيه القولان.
والأصح منهما عند الغزالي [في "الوجيز"] في كتاب الرهن، وتبعه النواوي- الأول.
وقال الرافعي: إنه الذي يوافقه جواب الأصحاب في مسائل متفرقة [تتفرع] على القولين.
وذكر في "العدة": أن الفتوى عليه.
واختلفوا في محل القولين- كما حكاه البغوي، وتبعه في "الكافي"- على طريقين: أحدهما: أن محلهما إذا جرت القسمة بالإجبار، أما إذا جرت بالاختيار، كانت بيعاً وجهاً واحداً.
والثاني: أنهما جاريان في الحالين، وهي التي صححاها، وقد حكاهما الرافعي عن رواية المحاملي أيضاً.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الظاره الطريق الأول، ولم يحك سواه.
وإن احتاج القاسم في القسمة إلى تقويم: كالعبدين، والدارين، ونحو ذلك- ففي كونها بيعاً أو إفرازاً طريقان- على قولنا: يجري الإجبار فيها؛ كما هو الأصح عند الإمام، وعند الشيخ أبي حامد-: إحداهما: القطع بأنها بيع: لانفصال العين عن العين، وتمييز المشترك عن المشترك؛ وهذا أصح عند الغزالي.
والثانية: إجراء القولين فيها أيضاً؛ اعتماداً على الإجبار على القسمة، وهي قضية إيراد صاحب "التهذيب"، وأبي الحسن العبادي.
أما إذا قلنا: لابد فيها من التراضي، قال الإمام: فالمذهب الذي يجب القطع به: أنها بيع.
وأبعد بعض أصحابنا فأجرى القولين في ذلك، وقد يجريهما ويقول في

أحدهما: إفراز مشروط بالتراضي؛ كما يقول في القسمة الجبرية: بيع جاز جبراً من غير تراض.
وقال الرافعي: يشبه أن يكون الطريقان في الصورة الأولى مبنيين على أن هذه القسمة هل يجبر عليها؟ إن قلنا: نعم، ففيها القولان، وإن قلنا: لا، فهي بيع لا محالة.
وهذا منه دليل على أنه لم يقف على تصوير الإمام محل إجرائهما بقولنا بالإجبار عليها.
وقد اعترض الإمام على الأصحاب في إطلاقهم القول بأن القسمة التي فيها رد- بيع، وقال: الوجه الذي نراه – بناء هذا على الإجبار على القسمة.
وقد قال الأصحاب: لا سبيل إلى الإجبار على بذل العوض أصلاً.
وهل يجري الإجبار على القدر الذي لا حاجة فيه إلى الرد، بأن يجعل العبد المساوي ستمائة سهماً، ويجعل ستمائة من العبد المساوي ألفاً سهماً، ويبقى الشيوع في مقدار أربعمائة؟ فيه خلاف، فإذا تحرر ذلك، قلنا: القدر الذي يقابل العوض لا شك أنه مبيع، وما يجري فيه- بيع، ومن سمى هذا القدر.
قسمة، فهو متجوز أو غافل.
وما لا يقابله العوض، فإن قلنا: يجري الإجبار فيه؛ ففي ذلك القدر قولاَ الإفراز والبيع مذهباً واحداً.
وإن قلنا: لا يجري الإجبار فيما وراء ذلك، ففي القسمة المفتقرة إلى التراضي طريقان، سبقا؛ فليجريا هاهنا.
وقد بطل إطلاق القول بالقطع بأن القسمة المشتملة على الرد بيع، وبأن هذا التفصيل لا بد منه، ولم نذكره إلا بعد أن رأينا في كلام الأئمة ما يدل عليه.
ولما رأى الغزالي ما فيه اقتصر على إيراده في "الوسيط".
قلت: وفيما قاله الإمام من التخريج نظر؛ من حيث إن هذه القسمة اعتمدت التقويم والتعديل، فإنا نجعل أربعة أخماس النفيس في مقابلة جملة الخسيس [وذلك تقويم وتعديل، وقد حكينا عنه من قبل]، فيما إذا احتاجت القسمة إلى تقويم، وقلنا بالإجبار- رواية طريقين: أحدهما: القطع بأنها بيع، وهي التي صححها الغزالي.
والثاني: إجراء القولين.

وإن قلنا بعدم الإجبار، فالمذهب أنها بيع.
وقضية ذلك: أن ينعكس ما أبداه من التخريج، ويقال: إن قلنا بعدم الإجبار فالوجه القطع بأنها بيع؛ بناء على المذهب.
وإن قلنا بالإجبار ففيها الطريقان، والله أعلم.
واعلم أن للقولين في أن القسمة بيع أو إفراز، فوائد أخر: منها: إذا وقف على قوم بعض دار، فأرادوا قسمتها، فإن كان باقيها طلقاً، قال المراوزة: إن قلنا: إنها بيع، لم تجز، وإلا جازت.

قال الرافعي- حكاية عن الروياني-: وهو الاختيار.
وقال في "الحاوي" هاهنا: إن قلنا: إنها إفراز، جازت هاهنا جبراً، وإن قلنا: إنها بيع؛ ففي جواز القسمة قولان: أحدهما: لا تجوز جبراً ولا اختياراً؛ تغليباً للوقف.
والثاني: تجوز جبراً واختياراً؛ تغليباً للملك.
وقال في "المهذب"- وتبعه في "المرشد"-: إن قلنا: إن القسمة بيع، لم تصح، وإن قلنا: إنها تمييز للحقين، نظرت: فإن لم يكن فيها رد صحت، وإن كان فيها رد: فإن كان من أهل الوقف جاز؛ لأنهم يبتاعون الطلق، وإن كان من أهل الطلق، لم يجز؛ لأنهم يبتاعون بجواز الوقف.
وفي هذا نظر من جهة أنه يقتضي أن القولين في أن القسمة تمييز للحقين أو بيع، جاريان في قسمة الرد أيضاً؛ كما قلنا: إن كلام البندنيجي يفهمه، وأن قسمة الرد تكون بيعاً في شيء دون شيء، وقد قدمنا عن العراقيين وغيرهم أن القسمة التي فيها الرد بيع.
نعم، هو موافق لما قاله الإمام تفقهاً واستنباطاً من كلام الأصحاب.
[و] إن كان باقي الدار وقفاً- أيضاً- فإن كان على جهة أخرى، فقد قال الماوردي في كتاب الوقف: إن قلنا: إن القسمة بيع، لم تجز، وإلا جازت إذا لم يكن ثم رد، وتلزم القسمة في الحال، وفيما بعد.
وإن كان على تلك الجهة بعينها، قال في "الوسيط": لم تجز قسمتها، وإن قلنا: إن القسمة إفراز؛ لأنه كالتغيير لشرط الواقف؛ وبهذا جزم القاضي الحسين والبغوي.
والماوردي هاهنا قال: وفيه وجه: أنه يجوز؛ لأنه قد يشرف على الانهدام؛ فيحتاج إلى القسمة؛ وهذا قول الشيخ أبي محمد.
[و] قال الإمام في كتاب الرهن: إن ما يمتنع البيع فيه، ففي إجراء القسمة فيه قولان مبنيان على أن القسمة إفراز أو بيع.
وقد يطرأ على قول البيع في بعض الصور قول في جواز القسمة؛ وذلك لمكان الضرورة؛ كما سنذكره في قسمة

الوقف؛ فإنه على التأبيد، والشركة القائمة قد تجر عسراً عظيماً.
فإذا لم تعرض ضرورة ظاهرة، انطبق جواز القسمة ومنعها على القولين في أن القسمة بيع أو ليست بيعاً.
وهذا منه [يفهم أن] الخلاف في جواز قسمة الوقف بعضه من بعض، يأتي وإن قلنا: إن القسمة بيع، ويقوي هذا أنه ألحقه في باب القسمة بالخلاف في [أن] قسمة الرطب في الزكاة إذا احتاج واقتضى القطاف قبل الأوان، وإن منعنا قسمة الرطب؛ للضرورة، وإذا كان كذلك اتجه أن يجري الخلاف المذكور في قسمة الوقف بالطلق؛ تفريعاً على قولنا: إن القسمة بيع.
وقد حكى الماوردي الخلاف الذي ذكره الغزالي في كتاب الوقف، لكنه قيده بحالة قولنا: إن القسمة إفراز، وقال: إن وجه المنع مبني على القول بأن رقبة الوقف لا تملك، وإن وجه الجواز مبني على القول بأن رقبة الوقف تملك، وأنها على هذا تكون لازمة للمتقاسمين من أربابه غير لازمة لمن بعدهم من البطون.
ومنها: أن المتقاسمين لو تقايلا، هل ينفذ؟ قال صاحب "التهذيب" و"الكافي" وغيرهما: إن قلنا: إنها بيع، صحت، وعاد الملك شائعاً كما كان، وإلا فلا يصح.
وأطلق في "البحر" القول بأنهما إذا تقايلا عادت الإشاعة، حكاه في الفروع المذكورة قبيل كتاب الشهادات.
وقد اتفقوا على أن أحدهما لو وجد بما صار إليه عيباً: أن له فسخ القسمة؛ صرح به البغوي والماوردي وغيرهما.
ومنها: لو أرادوا قسمة المستأجر، فإن قلنا: إن بيع، خرجت على القولين.
وإن قلنا: إنها إفراز، فإن لم يتضرر بها المستأجر، جازت، وإلا فلا؛ قاله في "البحر".
قال: لو قال: والله، لا بعت شيئاً يقاسم- فإن قلنا: إنها بيع، ففي حنثه وجهان في "البحر" واقتضى إيراده ترجيح عدم الحنث.

قال: ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم، ويجوز أن ينصبوا من يقسم بينهم، أي: يجعلوه حكماً في القسمة، ويجوز أن يترافعوا إلى الحاكم؛ لينصب من يقسم بينهم؛ لأن المقصود يحصل [بكل ذلك].
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب حكاية قول: أنه لا يجوز أن يحكموا رجلاً في القسمة، فيجعلوه حكماً في القسمة.
قال: فإن ترافعوا إليه- أي: إلى الحاكم – في قسمة ملك من غير بينة، أي: وهو في أيديهم، [بلا] منازعة بينهم فيه، ولا بينهم وبين غيرهم في ملكه- ففيه قولان: أحدهما: لا يقسم عليهم؛ لأنه قد يكون الملك لغيرهم، فإذا قسمه بينهم كان متصرفاً في ملك الغير قبل ثبوت موجبه.
وأيضاً: فربما يتعلقون بالقسمة، ويعدونها حجة في ثبوت الملك، وهم مبطلون مطلوبون، ولا حاجة إلى هذا.
وهذا هو الصحيح عند الشيخ أبي حامد وطبقته؛ كما قاله الرافعي، وقد وافقه النواوي، والمنصوص عليه للشافعي باتفاق الأصحاب، وقد حكاه ابن أبي الدم وجهاً.
والثاني: يقسم بينهم؛ [لأن الحجة على الملك كالبينة، ولو أقاموا بينة بالملك لقسم] فكذلك هاهنا.
قال: إلا أنه يكتب: أنه قسم بينهم بدعواهم؛ لينتفي الاحتمال الذي ذكرناه.
قال الإمام: واحتمال كون الملك للغير؛ فيكون متصرفاً فيه قبل ثبوت موجبه- مندفع بجواز دخول القاضي تلك الدار لعبادة ونحوها، وما زال الأتقياء الأبرار يعتادون مثل ذلك، ويبنون الأمر على ظاهر اليد، وإن لم تقم عندهم حجج في الأملاك، ولا نعرف خلافاً في أن من باع داراً في يده، وأشهد على البيع القاضي- أثبت القاضي إقراره، ولم يطالبه بتثبيت الملك قبل البيع.

وهذا القول صححه البندنيجي والإمام، وتبعه الغزالي وابن أبي الدم، [و] إليه ميل [القاضي] أبي الطيب وابن الصباغ.
وعلى هذا [القول] قال الماوردي والروياني: يستظهر القاضي أمرين: أحدهما: أن ينادي: هل من منازع؟ والثاني: يحلفهم: [إنه] لا حق فيه لغيرهم، لكن هذه اليمين واجبة أو مستحبة؟ فيه وجهان.
وعلى الأول لا تجوز له القسمة قبل التحليف.
وقد حكى الرافعي أن في كتاب أبي الفرج السرخسي وجهاً: أنه لا يحتاج القاضي إلى أن يكتب أنه قسم بينهم بدعواهم، وهذه الطريقة التي حكاها الشيخ لم يورد القاضي الحسين غيرها، وحكاها الماوردي عن الأكثرين، وقال الرافعي: إنها أظهر الطريقين.
والثانية حكاها القاضي أبو الطيب [وابن الصباغ والماوردي، وغيرهم يقطع بالقول الأول، وبهذا قال أبو الطيب] بن سلمة، وأن القول الثاني حكاية لمذهب الغير؛ فإنه قال في "المختصر" بعد حكاية القول الأول: وقد قيل: يقسم، ويشهد أنه قسمها على إقرارهم، ولا يعجبني ذلك.
قال في "البحر": وهذه الطريقة أصح.
وقد فهم مما ذكرناه أنهم لو أقاموا بينة بالملك لقسم بينهم قولاً واحداً، وهو المنصوص.
واعترض ابن سريج فقال: إنما تقام البينة وتسمع على خصم، ولا خصم هاهنا.
وأجاب ابن أبي هريرة بأن القسمة تتضمن الحكم لهم بالملك، وقد يكون لهم خصم غائب؛ فتسمع البينة ليحكم لهم عليه.
وفي هذا الجواب نظر.
ويكفي في البينة شاهد وامرأتان، قال ابن كج: ولا يكفي شاهد ويمين؛ لأن اليمين إنما تشرع حيث يكون هناك خصم ترد عليه إن فرض نكول.

وعن ابن أبي هريرة أنه يكفي.
قلت: وهو موافق لجوابه السابق.
والإمام أعرض عن ذلك، وقال: إن ثبت عند القاضي ملكهم بطريق من الطرق أجابهم.
ثم ليعلم أن الخلاف في جواز إقدام القاضي على القسمة في مسألة الكتاب إذا جاءوا إليه راضين بها، أما وجوبها عليه فلا خلاف في عدمه؛ كما قاله القاضي الحسين، والفوراني، وصاحب "البحر".
وعكس الإمام فقال: وليس ينقدح عند الامتناع من القسمة وجه.
نعم، يجوز القطع بجواز القسمة، وأما وجوبها ولم يثبت بعد عند القاضي الملك، فهذا فيه تردد من جهة أن الوجوب يجوز أن يستدعي موجباً، فأما الجواز فيكتفي فيه بظاهر الحال.
وحكى في [حالة] مجيء واحد منهم طالباً وامتناع الباقين، طريقين: إحداهما: يجيب في هذه الحالة؛ ليقطع الخصومة.
والثانية: طرد القولين.
أما إذا كان ثم منازع في الملك، ففي "الحاوي": أنه لا يجوز للحاكم إذا حكم لهم به بأيديهم أن يقسمه بينهم مع ظهور المنازع إلا ببينة تشهد به لهم، وهذا مما لا يختلف فيه قوله؛ لأن قسمة الحاكم إثبات لملكهم، واليد توجب إثبات التصرف، ولا توجب إثبات الملك.
وكذا قال فيما لو تنازعوا هم في ذلك، فادعى كل واحد ملك الجميع؛ فإن الحاكم يجعله في أيديهم، ولا يجوز أن يقسمه بينهم إن سألوه؛ لأن في تنازعهم إقراراً بسقوط القسمة.
نعم، لو تقاسموا بأنفسهم لم يمنعهم، وادعى في "البحر" أنه لا خلاف فيه.
تنبيه: قول الشيخ: "في ملك"، يشمل ما إذا كان التنازع في عقار أو غيره من

المنقولات، ولا شك في جريان ما قلناه في العقار، وأما المنقولات فقد حكى ابن كج فيها طريقين: أظهرهما في "الرافعي"- وبه جزم البندنيجي، والبغوي، وغيرهما-: أنه كالعقار.
[والثاني: القطع بأنه يقسم وإن لم تكن بينة؛ لأن العقار] يتأبد ضرره، فيكون أجدر بالاحتياط؛ ولذلك خص بإثبات الشفعة.
قال: فإن كان في القسمة رد، اعتبر التراضي في ابتداء القرعة؛ لأنه لا إجبار فيها- كما تقدم- وما لا إجبار فيه يعتبر فيه التراضي؛ كالبيع.
قال: وبعد الفراغ منها على المذهب؛ لأن القسمة المشتملة على الرد بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة؛ فافتقر إلى الرضا عند خروجها، ويتعين المبيع.
وإلى هذا أشار الشافعي بقوله في "المختصر": "وإن كان في القسمة رد، لم يجز حتى يعلم كل واحد منهم موضع سهمه، وما يلزمه ويسقط عنه، فإذا علم كما يعلم البيوع التي تجوز أخذ به لا بالقرعة".
تنبيه: [وقيل:] لا يعتبر التراضي بعد خروج القرعة، أي: فيلزم من خرج له الأكثر بذل ما يقابل الزائد؛ قياساً على قسمة الإجبار؛ فإن القرعة فيها ملزمة.
وهذا قول الإصطخري، وضعفه الأصحاب، وفرقوا بأن هذه القسمة يعتبر التراضي في ابتدائها، بخلاف قسمة الإجبار.
تنبيه: ظاهر قول الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: إجراء القرعة في قسمة الاختيار، وهو الذي جزم به البندنيجي وغيره.
وفي "الحاوي": أنهم لو تراضوا بإخراج القرعة ففي جواز الإقراع وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه بيع، وليس في البيع قرعة.
والثاني: يجوز؛ تغليباً لحكم القسمة، واعتباراً بالمراضاة.
الثاني: حيث يجوز الإقراع فلا فرق في اعتبار التراضي بين أن يكون المخرج

لها قاسماً من جهة الحاكم أو غيره.
وفي "الحاوي": أن المخرج لها إن كان قاسماً من جهة الحاكم فلا خيار لهم بعد القرعة، وإن كان من قبلهم ثبت لهم الخيار بعد القرعة، وهل هو خيار عيب، فيكون على الفور، أو خيار مجلس؛ فيكون على التراخي إلى أن يتفرقا؟ فيه وجهان.
الثالث: أنه يكفي فيه التراضي دون الإتيان بلفظ البيع أو التمليك، وهو ما ادعى الرافعي: أنه الظاهر، ولم يذكر الماوردي سواه؛ فإنه قال: وتتم القسمة بينهم بالمراضاة بعد التلفظ بالتراضي؛ لأن البيع لا يصح إلا باللفظ؛ فيكون تلفظهم بالتراضي جارياً مجرى البذل والقبول، والصيغة- كما قاله غيره- أن يقولا- إن كانا اثنين-: رضينا بهذه القسمة، أو: بما أخرجته القرعة، أو: بما جرى.
وفي "التهذيب"، و"الكافي": أنه لا بد من لفظ "البيع" أو "التمليك" في هذه القسمة، وطرداه في كل قسمة تفتقر إلى التراضي، والله أعلم.
قال: فإن لم يكن فيها رد، فإن تقاسموا بأنفسهم، لزم [ذلك] بإخراج القرعة؛ لحصول مقصودهما بفعلهما، وهذا لم أر له ذكراً هكذا في غير هذا الكتاب، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي: أنه [لا يلزم إلا] بالتراضي حتى [بعد] خروج القرعة، قولاً واحداً.
وفي "النهاية" ما يقرب منه؛ فإنه قال: لا بد في هذه الصورة من الرضا بعد القسمة؛ إذ لا متوسط بينهما حتى تكون قسمة مستندة لرضاهما.
ثم قال: هذا هو الظاهر، وفيه احتمال؛ فإنه لو توسطهما قاسم، لكان التعويل على قسمته، لا على عينه.
وفي "تعليق" البندنيجي في موضع آخر من الباب: أن كل قسمة يشترط التراضي في ابتدائهما، فهل تفتقر إلى التراضي في انتهائها وهو بعد القرعة؟ فيه وجهان، سواء كان فيها رد أو لم يكن.

قال: وإن نصبوا من يقسم بينهم- أي: حَكَمًا – اعتبر التراضي بعد خروج القرعة على المنصوص؛ لأن هذه قسمة لا بد في ابتدائها من التراضي؛ فكذلك في الانتهاء كقسمة الرد؛ وهذا ما قطع به المراوزة كما قاله الإمام، وبه أجاب الشيخ أبو حامد كما قال الرافعي، وقال: إن إليه مال المعتبرون.
وعلى هذا: فهل يكفي أن يقول كل واحد بعد خروج القرعة: رضيت بهذه، وما في معناه، من غير اشتراط ذكر القسمة؛ إذ كان صدر القسمة قد صار عن تراض أم لا بد أن يقول: رضيت بهذه القسمة، [أو: قاسمتك، أو يذكر عبارة عن مقصود القسمة] من التمييز، والتفاضل، وما أشبههما؟ فيه وجهان حكاهما الإمام عن العراقيين، وأشار في "الوسيط" إلى أنهما مبنيان على قولنا: إن القسمة بيع.
وحكى الإمام عن العراقيين وجهاً آخر: أن الشركاء إذا استمروا على الرضا حتى خرجت القرعة، لزم حكمها لهم؛ كما لو أحدثوا التراضي بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة.
وبين العبارتين فرق بين.
ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة؛ وهذا ما عبر عنه الغزالي بقوله: إنه يكفي عند العراقيين السكوت بعد خروج القرعة.
وبين العبارتين فرق بين.
ولم يحك الإمام خلافاً في عدم اشتراط الإتيان بلفظ "البيع" أو "التمليك" إذا أنشئوا الرضا بعد القرعة.
وقال في "الوسيط": إن العراقيين أجمعوا على ذلك وإن قلنا: إن القسمة بيع.
وفي "التهذيب" و"الكافي" حكاية وجهين في اشتراط ذلك؛ بناء على قولنا: [إن] القسمة بيع.

وإيراد البغوي يقتضي ترجيح الاشتراط.
[وقيل فيه] قول مخرج من التحكيم: أنه لا يعتبر التراضي؛ لأن القاسم مجتهد في تعديل السهام والإقراع؛ فلزم الرضا بعد قرعته؛ كالحاكم، وهذا مفرع على القول الصحيح الذي جزم به المعظم في جواز التحكيم في الإقراع.
أما إذا كانوا قد نصبوا من يقسم بينهم وكيلاً [عنهم]، فلا تلزم قسمته إلا بالتراضي بعد إخراج القرعة جزماً؛ صرح به القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ، وسنذكره ثانياً؛ لغرض فيه.
قال: وإن ترافعوا إلى الحاكم، فنصب من يقسم [بينهم]- أي: قسمة هو مجبر فيها- لزم ذلك بإخراج القرعة؛ لأن به يحصل مقصود الإجبار، ولأنه لما لم يعتبر التراضي في ابتدائها، لم يعتبر في انتهائها.
ولأن قرعة القاسم من جهة الحاكم كحكم الحاكم الصادر عن الاجتهاد، ومن هذا الوجه ألحق الشافعي القاسم بالحاكم حيث قال: "القسام حكام"؛ كما قاله القاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ.
والبندنيجي قال: إنه أراد تشبيهه بالحاكم من هذا الوجه وفي اشتراط العدالة، لا في جميع الصفات.
وفي "الحاوي" أنه إنما قال: "إنهم حكام"؛ لأمرين: أحدهما: أنهم يوقعون القسمة جبراً؛ كما يجبر الحاكم في الأحكام.
وهو راجع إلى ما قاله الأولون.
والثاني: أنهم يستوفون الحقوق لأربابها كاستيفاء الحاكم.
وفي "النهاية" أنا إذا قلنا: [إن] القسمة الجبرية بيع؛ فلا يبعد أن يجبر كل واحد على أن يقول: بعت مالي في نصيبك بمالك في نصيبي.
ثم قال: وهذا لم يشترطه أحد من الأصحاب.
قال: ولا يجوز للحاكم أن ينصب للقسمة إلا حراً- أي: كامل الحرية- بالغاً،

عاقلاً، عدلاً- لأن هذه ولاية من جهته، ومن لم يتصف بذلك فليس بأهل للولايات- عالماً بالقسمة، [أي: لمعرفته بالحساب والمساحة؛ لأنهما آلة القسمة] كما أن الفقه آلة القضاء.
واعتبر الماوردي والبغوي في هذا الباب وراء ذلك: أن يكون قليل الطمع نزيه النفس؛ حتى لا يرتشي فيما يلي ويخون.
وقال الماوردي وغيره عند الكلام في صفة كاتب القاضي: إن الشافعي قال: والقاسم في صفة الكاتب، عالم بالحساب، لا يخدع.
ثم قال: وهذا صحيح؛ لأن القاسم أمين الحاكم؛ فوجب أن يكون على صفات الكاتب في من العدالة، والأمانة، واستكمال الأوصاف الأربعة، أي: المذكورة ثم.
ونزيد عليها: أن يكون عارفاً بالحساب والمساحة، وأن يكون عارفاً بالقيم؛ فإن خفيت عليه القيمة؛ لاختلاف الأجناس المقومة، لم يكن ذلك تقصيراً في صنعته، ورجع الحاكم في التقويم إلى غيره.
والقاضي أبو الطيب والبندنيجي قالا: يستحب أن يكون عارفاً بذلك، جاز، ويسأل مقومين عدلين عن قيمة ما يقسمه إذا أراد أن يقسم.
وتبعهما في ذلك ابن الصباغ.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين في احتياج القاسم إلى معرفة ذلك، حكاهما الرافعي عن رواية أبي الفرج الزاز.
وقد استغنى الشيخ وغيره عن التصريح باشتراط الذكورة وإن كانت معتبرة- كما صرح به الرافعي- بإطلاق ما ذكروه؛ [فإن المفهوم منه الذكورة]؛ على أن في بعض النسخ ذكرها.
أما الشركاء إذا أرادوا أن ينصبوا من يقسم بينهم: فإن لم يجعلوه حكماً في ذلك، بل وكيلاً، جاز أن يكون عبداً، وفاسقاً؛ كما صرح به البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وأفهمه كلام الماوردي.

ووجهه القاضي بأنه نائب عنهم في القسمة، ووكيل لهم فيها، ولو اقتسموا هم جاز ذلك على أي حال كانوا؛ فكذلك إذا وكلوا رجلاً عنهم في القسمة، جاز على أي حال كان، قال: غير أنه إذا قسم وأقرع بينهم، لم تلزم القسمة حتى يقع التراضي بها بين الشركاء بعد الإقراع، وعلى هذه الحالة يحمل كلام الشيخ في "المهذب".
وفي "الرافعي": أنه ينبغي أن يكون توكيل العبد في القسمة على الخلاف في توكيله في البيع والشراء.
وإن كانوا قد جعلوه حكماً يحكم بينهم في القسمة، فقد أطلق البندنيجي، والقاضي أبو الطيب، وصاحب "المرشد" القول باعتبار صفات القاسم المنصوب من جهة الحاكم فيه.
وقال ابن الصباغ بعد حكاية ذلك- أيضاً-: ينبغي إذا قلنا: لا تلزمهم- أي: قسمته- إلا بتراضيهم، ألا يشترط في الابتداء الحرية والعدالة.
[قلت]: وفيما قاله نظر: بل لا ينبغي جواز ذلك وإن قلنا: لابد من التراضي بعد القرعة؛ لأن القائل بهذا يجعل تمام التحكيم موقوفاً على هذا الرضا؛ كما قال بمثله في التحكيم في الأموال، وإذا كان [كذلك فالقسمة] الواقعة من المحكم إذا رضي بها الشركاء بعد الإقراع- قسمة من حاكم؛ فاعتبرت فيه صفات الحاكم؛ كما أنا نعتبرها في المحكم في الأموال وإن لم يلزم حكمه إلا بالرضا بعده، والله أعلم.
قال: وإن لم يكن في القسمة تقويم- أي: وقد أمر بها الحاكم جبراً- جاز قاسم واحد؛ لأن قسمته تلزم بنفس قوله كحكم الحاكم؛ فاكتفى فيها بالواحد؛ كالحكم؛ وهذا ما أورده القاضيان: أبو الطيب والحسين، والبندنيجي، والمعظم؛ كما قال الرافعي، وبه قطع قاطعون؛ تمسكاً بقول الشافعي: "القاسم حاكم".
وفي "الحاوي": أنه قال في موضع آخر: إذا لم يكن في القسمة تعديل ولا تقويم، أمر الحاكم الشركاء أن يجتمعوا على قاسمين.
وظاهر هذا أنه لا يجزئ قاسم واحد؛ ولأجل ذلك قال [أكثر] الأصحاب: في المسألة قولان: أحدهما: يجزئ قاسم واحد؛ كما يجوز كيال واحد، [ووزان واحد].

والثاني: لا يجوز أقل من قاسمين؛ كما لا يجزئ أقل من مقومين، وكما لا يجزئ في جزاء الصيد أقل من مجتهدين، ولا يمتنع إذا كان القاسم كالحاكم أن يجمع فيه بين اثنين؛ كما قال- تعالى-: ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35].
والغزالي حكى القولين، [وقال: إن] مأخذهما أن منصبه منصب الحاكم، أو منصب الشاهد؟ وحكى الماوردي عن بعضهم: أنه منع الخلاف في المسألة، ونزل النصين على حالين؛ فقال: إن كان في الشركاء طفل أو غائب لا يجيب عن نفسه لم يجزئ أقل من قاسمين، وإن كانوا حضوراً يجيبون عن أنفسهم، أجزأ قاسم واحد.
وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" قال: إن كان في الشركاء طفل، أو مجنون، فلا بد من قاسمين، وإن لم يكونا فعلى قولين.
ثم قال: و [هذا] ليس فقهاً متيناً؛ فإن ما يدعى من العدد في البينات لا يختلف بأمثال [ما] ذكره.
وبهذه الطريقة يتحصل في المسألة أربعة طرق.
قال: ون كان [فيها] تقويم، لم يجز إلا قاسمان، لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين؛ [وهذا ما] حكاه الماوردي، والبندنيجي، وصاحب "التهذيب"، و"الكافي"، و"البحر"، وقضيته: أن الحاكم لو فوض للقاسم سماع البينة بالتقويم، وأن يقسم وحده بعد ثبوت ذلك عنده- أنه [لا] يكتفي بذلك، وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، وعليه ينطبق ما حكيناه عن القاضي أبي الطيب وغيره عند الكلام في صفة القاسم.
[ثم قد ينقدح] على ما قاله الشيخ وغيره [سؤال وجواب] يتحرك بهما فوائد، فيقال: فلو فوض الحاكم إلى مقوم أن يحكم بالتقويم باجتهاده، لم يكف؛ كما رآه الإمام، ولم يحك سواه، وتبعه الغزالي في ذلك.
وإذا كان كذلك فينبغي إذا كان القاسمان هما المقومان- كما هي صورة الكتاب-

ألا يجوز أيضاً؛ بناء على هذا؛ لأن الذي امتازت به هذه الصورة عما ذكرناه- إن كان الحاكم قد فوض أمر التقويم إليهما- موافقة أحدهما للآخر في الاجتهاد، وذلك لا يوجب ثبوت القيمة التي يترتب عليها القسمة، وإنما قلنا: إنها لا توجب ثبوت القيمة؛ لأن كل واحد منهما في نفسه قد قلنا: إنه لا يجوز أن يعتمد في حكمه بالقيمة على اجتهاده خاصة، وصاحبه إن شهد عنده بشرط الشهادة فلا تثبت القيمة به وحده؛ فإنه لا خلاف على المذهب: أنها لا تثبت بأقل من اثنين؛ فلم يوجد ما يقتضي الثبوت.
ولا يقال- أيضاً-: بتخريج الحكم في مثل هذه الصورة بالقيمة، على خلاف سبق ذكره في أنا إذا قلنا: لا يقتضي القاضي بعلمه، فشهد شاهد عنده بما علمه، هل يقضي إذ ذاك أم لا؟ لأن المستند ثم العلم، وهاهنا هو ظن.
ولا خلاف عندهم: أن القاضي لا يقضي بظنه المستند إلى [غير] قول شاهدين، أو شاهد ويمين، ونحوهما، إلا في التعديل- على رأي قطع به بعضهم – لاتساع النظر في التعديل والجرح، وخروجهما عن الضبط، وليس التقويم كذلك؛ فإنه أمر قريب من الضبط، والرجوع فيه إلى معرفة قيم الأمثال مع تداني الصفات.
وطريق الجواب: أن يقال: ما ذكره الإمام وغيره من منع تفويض الحكم في التقويم إلى شخص باجتهاده، مفروض فيما إذا فوض إليه التقويم خاصة؛ ليخبر به القاسم أو الحاكم، أما إذا كان هو القاسم فقد يمنع ذلك؛ فإن ثبوت القيمة يقع تبعاً، والتابع قد لا يشترط فيه ما يشترط في المقصود، ويستأنس لذلك بأن الإمام جزم القول بأن القاضي لو فوض إلى شخص التزكية، لا يجوز أن يحكم فيها باجتهاده؛ لأن حاصل ذلك يرجع إلى رد شهادة مزكيين إلى واحد، وذلك غير محتمل فيما يشترط فيه العدد، وجزم هو وغيره بأن للقاضي أن يحكم في التعديل باجتهاده؛ ففرق بين أن تقع التزكية مقصودة، وبين أن تقع تابعة لغيرها، فكذلك نقول هاهنا.
فإن قلت: باب التقويم مغاير لذلك؛ فإن الأصحاب سووا فيه بين من فوض إليه التقويم وبين القاضي في كون كل واحد منهما لا يقضي [فيه] باجتهاده، وإذا

كان كذلك لم يحسن ما قلته.
قلت: قد حكى الإمام عن الأصحاب في أن القاضي هل يقضي في التقويم باجتهاده- طريقين: إحداهما: القطع بالمنع؛ لأن القاضي ليس له أن يقضي بما لا يتحققه ويعلمه ببصيرة نفسه، وهذا منه.
والثانية: طرد القولين في القضاء بالعلم، فإن قلنا بالجواز اندفع السؤال من أصله، وإن قلنا بالمنع فجوابه: أنا ذكرنا ذلك على سبيل الاستئناس، لا أنه دليل الحكم، وإذ قد بطل كونه مستأنساً، لم يضرنا ذلك في الجواب، والله أعلم.
وقد جمع في "الذخائر" بين هذه المسألة والتي قبلها، وقال: في اعتبار العدد لأصحابنا أربع طرق: إحداها- وهي طريقة العراقيين-: ما ذكره الشيخ.
والثانية: إن كان فيها تقويم فلا بد من اثنين، وإن لم يكن فيها تقويم فقولان.
والثالثة: أن المسألة على قولين من غير تفصيل: أحدهما: يكتفي بواحد؛ كالقاضي.
والثاني: لا بد من اثنين.
والرابعة- قالها صاحب "التقريب"- إن تعلقت القسمة بصبي أو مجنون، فلا بد من العدد، وإلا فلا.
وهذا الذي ذكره يفهم: أن القسمة إذا كان فيها تقويم يجيء فيها الطريقة الثالثة والرابعة، ولم أرهما في غيره.
قال: وإن كان فيها خرص، ففيه قولان: أحدهما: يجوز واحد؛ لما روت عائشة- رضي الله عنها- "أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ خَارِصاً؛ فَكَانَ يُخَيِّرُ اليَهُوْدَ، فَيَقُولُ: إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي".
ولأن الخارص لا يخلو عن نوع مجازفة، فلو فرضنا خارصين، لبعد اتفاقهما،

وفيه تعطيل التعويل على الخرص.
والثاني: لا يجوز إلا اثنان؛ إلحاقاً له بالتقويم؛ لشبهه به.
قال الإمام: وهو القياس؛ فليس يتجه بين المقوم والخارص فرق؛ فإن كل واحد منهما يبني قوله على التخمين والحدس مع الاستمساك ببصره عنده.
والقائلون بالأول- وهو الصحيح عند النواوي وغيره- فرقوا بأن الخارص يجتهد، ويعمل باجتهاده، فكان كالحاكم، والمقوم يخبر بقيمة الشيء، فهو بمنزلة الشاهد؛ فاحتيج إلى اثنين.
أما إذا لم تكن القسمة [بأمر] الحاكم، بل المفوض لها الشركاء- ففي "الحاوي"، و"البحر": أنهم يحملون في العدد على ما اتفقوا عليه من واحد أو اثنين؛ كما حملوا فيه على اختيارهم القاسم وإن لم يكن مختاراً.
قالا: ولا يقبل الحاكم قول هذا القاسم؛ لأنه ليس بنائب عنه، ولا يسمع شهادته؛ لأنه شاهد على فعل نفسه.
وسيأتي الكلام في هذا، إن شاء الله تعالى.
فرع: حيث قلنا: يكفي قاسم واحد، يقبل الحاكم قوله وحده؛ لاستنابته له؛ كما يقبل قول خلفائه.
وحيث قلنا: لابد من اثنين، لم يقبل قول الواحد، وقبل قول الاثنين؛ قاله في "الحاوي"، و"البحر".
ثم قال الروياني: ولا يفتقر القاسم إلى لفظ الشهادة، وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان، وليس بشيء.
وكأنه- والله أعلم- يشير إلى الفوراني؛ لأن الوجهين في "الإبانة".
قال: وأجرة القاسم- أي: المنصوب من قبل القاضي- من بيت المال- أي: من سهم المصالح- لأن نصيبه من المصالح.
قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: وللإمام أن يستأجره بأجرة مقدرة، أو يجعل له رزقاً راتباً؛ لأنه بمنزلة الحاكم، وقد كان لعلي- كرم الله وجهه-

قاسم هو عبد الله بن يحيى، وكان يعطيه [رزقه] من بيت المال.
وفصل الماوردي فقال: إن كثرت القسمة والطلب، فرض أرزاقهم مشاهرة من سهم المصالح، وإن قلت أعطوا منه أجرة كل قسمة.
وعن "شرح مختصر" الجويني حكاية وجه عن أبي إسحاق: أنه لا يرزق القاسم من بيت المال؛ لأنه لا يحتاج إلى تفريغ النفس والعمل، بخلاف القاضي.
قال: فإن لم يكن، فعلى الشركاء- أي: إن لم يجدوا متبرعاً- لأنه يعمل لهم.
قال الماوردي: ولا تمنع نيابة القسام [عن القضاة] أن يعتاضوا عن القسمة، بخلاف القضاة الممنوعين من الاعتياض على الأحكام من الخصوم؛ لوقوع الفرق من وجهين: أحدهما: أن في القضاء حقاً لله- تعالى- فمنع به القضاة من الاعتياض عنه، والقسم من حقوق الآدميين المحضة؛ فجاز للقسم الاعتياض عنها.
والثاني: أن للقاسم عملاً يباشره بنفسه؛ فصار كصانع الأعمال في جواز الاعتياض عنها، والقضاة مقصورون على الأوامر والنواهي التي لا يصح الاعتياض عنها.
وفي "البحر" فرق آخر، وهو أن القضاة يعملون للشرع، وينوبون عن كافة المسلمين؛ فإن الحكم من فرائض الكفايات، [والقسمة لا تفرض على الأعيان ولا على الكفاية].
قال: ويقسم عليهم على قدر أملاكهم؛ لأنها مؤنة لزمت الملك المشترك؛ فوجب أن تقسط على قدر الأنصباء؛ كنفقة العبد المشترك، والبهيمة؛ وهذا ما حكاه العراقيون والماوردي، وهو المنصوص في "المختصر".
وحكى المراوزة مع هذه الطريقة طريقة أخرى، وهي إجراء قولين في المسألة: أحدهما: أنها على الأنصباء.
والثاني: أنها على عدد الرؤوس؛ [على ما قاله القاضي الحسين].

وهما مبنيان على أن الشفعة تقسم على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس؟ وفيه قولان سبقا.
قلت: وقد حكيت عنه في باب الشفعة: أن القولين في أن [الشفعة [تقسم] على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس-[مبنيان] على القولين في أن] مؤنة القسمة تكون على قدر الأنصباء، أو على عدد الرؤوس؟ وهذا متناقض، فليت شعري ما الصحيح من البناءين؟ وقد تمسك بعضهم في جعل مؤنة القسمة على عدد الرؤوس بأن العمل في النصيب اليسير كالعمل في النصيب الكثير؛ لأنه لا يتميز أحدهما من الآخر؛ فالعمل في الجميع، وإذا كان العمل فيهما واحداً، استووا في الأجرة.
وبعضهم قال: العمل في اليسير أكثر منه في الكثير؛ لأن الحساب في الجزء اليسير أغمض، ولأن القسمة تقع بحسب أقل الأجزاء، فإن لم يجب على من قل نصيبه زيادة، فلا أقل من التساوي.
والأصح باتفاق الأصحاب: الطريق الأول؛ لأنه قد يقل سهم أحد الشريكين حتى يكون سهماً من مائة سهم؛ فلو ألزم نصف الأجرة، لجاز أن يستوعب قيمة ملكه؛ فيؤدي إجازة ملكه بالقسمة إلى إزالة ملكه بها، وهذا مدفوع في المعقول، والقائلون به فرقوا بينه وبين الشفعة بشيء يحصل به الجواب عما ذكره من انتصر للقول الثاني بما ذكرناه أولاً، وهو أن الشفعة شرعت لإزالة الضرر، وقطع ضرر الدخيل، وضرر صاحب اليسير كضرر صاحب الكثير؛ فاستويا في قدر الشفعة، وأجرة القاسم تستحق بالعمل، والعمل لصاحب الكثير أكثر؛ فإنه يكيل لصاحب العشر مرة، ولصاحب الباقي تسع مرات.
وإن كان ذلك في أرض، فإنه إذا فرغ من العمل والتمييز، يعلم أن العمل الذي [وقع] في أكثرهما أكثر؛ فإنه إذا ذرع ذراعاً كان سدسه لصاحب السدس، وخمسة أسداسه لصاحب الباقي؛ فوجب أن يختلف الأجر

باختلاف الأنصباء، وإن كان العمل لا يتميز؛ ألا ترى أن الشريكين إذا استأجرا راعياً؛ ليرعى لهما مائة شاة بينهما، ولأحدهما عشرها- فإن الأجرة تكون على الأنصباء، وإن كان حفظ العشر منها لا يحصل إلا بحفظ الجميع ومراعاته؟ كذا قاله أبو الطيب.
وليعلم أن المسألة مصورة بصورتين: إحداهما: أن يكون الحاكم قد أمر بالقسمة، ولم يسم للقاسم شيئاً؛ فإن أجرة المثل- كما قال الماوردي، وصاحب "البحر"- واجبة [له] عليهم، وفي هذه الحالة لو تولى القسمة اثنان، استحق كل منهما أجرة مثله.
وفي معنى هذه الصورة: ما إذا دعا الشركاء القاسم إلى القسمة، ولم يسموا [له] أجراً، وقلنا باستحقاقه الأجرة إما على وجه مطلقاً، أو على وجه إن كان القاسم ممن يأخذ الأجرة، دون ما إذا كان لا يأخذها؛ كما حكاه الماوردي.
الثانية: أن يستأجره الشركاء بعقد واحد بأجرة مطلقة، فيستحقها عليهم، وهذه الصورة أوردها العراقيون والمراوزة.
ولو كان المستأجر فيها على القسمة اثنين استحقا المسمى لا غير، وفي كيفية اقتسامهما إياه وجهان في "الحاوي".
أحدهما: [أنه] يقسم نصفين؛ اعتباراً بالعدد.
والثاني: أنه يقسم على قدر أجرة مثليهما؛ اعتباراً بالعمل.
ولو استأجر كل واحد منهم القاسم في حقه خاصة دون شركائه، قال الماوردي، والبندنيجي، وابن الصباغ، وغيرهم: فهذا جائز، ويختص كل واحد منهم بإلزام ما سماه، ولا فرق بين أن يتساووا أو يتفاضلوا، وهذا مما لا خلاف فيه عندنا، وعليه نص الشافعي.
وفي "النهاية" أن هذا ظاهر فيما إذا فرض اجتماعهم على الاستئجار؛ قال الرافعي: بأن [قالوا:] استأجرناك؛ لتقسم بيننا كذا بدينار على فلان، ودينارين على فلان،

أو وكلوا وكيلاً فعقد لهم كذلك.
والصورة الأولى هي التي يقتضيها كلام أبي الطيب.
قال الإمام: أما إذا فرضت عقود مترتبة؛ بأن استأجر صاحب النصف القاسم على تمييز حصته، ثم استأجره صاحب الثلث على تمييز حصته، ثم استأجره صاحب السدس على تمييز حصته- ففيه سؤال أبداه القاضي الحسين في صحة إجارة الأجير؛ لأن الأولين [لما] استأجراه لإفراز نصيبهما [صار إفراز نصيبه مستحقاً- أيضاً- عليه؛ إذ لا يمكن إفراز نصيبهما] إلا بإفراز نصيبه، فإذا استأجره صادفت الإجارة عملاً مستحقاً عليه لغيره؛ فأشبه الإجارة على الإجارة.
وأجاب عنه بأن إفراز النصيبين من غير عمل في نصيب الثالث بالمساحة والتخطي لأجلها، وإدخال اسمه في البنادق والقرعة- مما لا يتأتى، وهذه الأعمال غير مستحقة عليه بإجارة شريكيه؛ فيقع استئجار الثالث عليها.
قال الإمام: وهذا لا يدرأ الإشكال، وسبيل الجواب: أن استئجار الأولين لا يتم الغرض منه ما لم يستأجر الثالث؛ فإن هذا مفروض في غير الإجبار، وكيف يتأتى التمييز إلا بالتصرف في جهة الثالث، ولامتناع التصرف في ملك الغير إلا برضاه، ولو فرضت الكلام في حالة الإجبار من جهة السلطان فهو ينزل المؤنة عليهم على اجتماع- كما تقدم- فليس مما نحن فيه.
نعم، المشكل في غير صورة الإجبار- أن كل واحد من استئجار الأول والثاني بعيد عن التصرف؛ فإن القسمة من ضرورتها بسط العمل على الحصص؛ فكما أن الملك قبل القسمة غير متميز فعمل القسام غير متميز، وحينئذ فانفراد بعض الشركاء بالاستئجار على تمييز حصته باطل.
ولو أراد أن يستأجر؛ ليغرم تمام الأجرة عن الكل: فإن لم يرضوا فكذلك؛ لما ذكرناه.
وإن رضوا فهو متبرع عليهم، موكل عنهم في الاستئجار، فيصح؛ كما لو وكل الجميع وكيلاً في الاستئجار عنهم بتفاوت في الأجرة، ففعل ذلك في عقد واحد؛ فإن عمله استحق دفعة واحدة لهم، وغايته تخيل شيوع في

العمل [المستحق].
ولخص في "الوسيط" ذلك، فقال: ليس لواحد أن ينفرد بالاستئجار بغير إذن الشريك؛ لأن تردده في الملك المشترك ممنوع [بدون الإذن؛ فيكون العمل ممنوعاً]، والإجارة فاسدة، بل يعقد واحد بإذن الباقين، أو الوكيل [بإذن الجميع].
وفي "البحر": أنه لو قال: أجرت نفسي منك؛ فأفرز نصيبك، وهو النصف من هذه الدار على كذا- صح إن رضي الباقون بالقسمة، أو كان بحيث لا يحتاج إلى رضاهم.
فأما حيث يحتاج إلى الرضا ولم يرضوا [بعد] فعقده فاسد في نصيب هذا، والله أعلم.
أما إذا عدل الشركاء عن القاسم المنصوب من جهة القاضي إلى قاسم ارتضوه، فأجرته عليهم وإن كان في بيت المال فضل، وتجب على جميعهم إن كان الطالب أحدهم، وأجبروا عليها؛ كما صرح به البندنيجي، والروياني، وغيرهما.
وعن ابن كج رواية وجه عن ابن القطان: أنها على الطالب خاصة.
والمشهور: الأول.
وعلى هذا: فلا فرق بين أن يكون على الممتنع ضرر أو لا، وسواء كان يتيماً أم لا.
وفي "الحاوي" وغيره: أنه إذا كان شريك الطالب يتيماً [وعليه] ضرر في القسمة، قال الشافعي: "ففي نفسي من أن أحمل عليه شيئاً، وهو مما لا يرضى له- شيء"، وأن الأصحاب اختلفوا في: ماذا أشار إليه: فقال بعضهم: أشار إلى أصل القسمة، فخرجها على وجهين: أحدهما: يمنع الطالب.
والثاني: يجاب، وهو الذي أورده الفوراني والإمام؛ قياساً على رد الشيء عليه بالعيب.

وقال آخرون: أشار إلى أجرة القسمة، لأن القسمة لا تمنع لحق الصغير إذا أجبرنا الكبير؛ لأن الصغر لا يمنع الحقوق؛ فيكون في لزوم الأجرة له وجهان: أحدهما: يلزمه الحاكم قسطه منها مع عدم حظه.
والثاني: يقول الحاكم للطالب: إن أردت القسمة التزم المؤنة.
وهذا ما أجاب به في "العدة"، وقال الفوراني: إنه أصح القولين.
وإلى ذلك أشار في "البحر" بقوله: إن هذا اختيار أكثر أصحابنا بخراسان، وإلا فالإمام قال بعد حكايته عن رواية صاحب "التقريب"، والقاضي: إنه ضعيف، لا أصل له، وإن من العاملين به من طرده وإن لم يكن في القسمة ضرر على الطفل، وطلب من وليه القسمة، وهذا في نهاية الضعف.
قلت: وهذا راجع إلى الوجه المحكي عن ابن القطان.
قال: وإن طلب القسمة أحد الشريكين، وامتنع الآخر، نظر: فإن لم يكن على واحد منهما ضرر: كالحبوب، والأدهان، والثياب الغليظة- أي: التي لا تنقص قيمتها بالقطع- والأراضي، والدور- أجبر الممتنع؛ لأن الطالب يطلب الانتفاع بماله على الكمال، والخلاص من سوء المشاركة، فأجيب إليه؛ لإمكانه من غير إضرار بشريكه؛ كما لو اختلط له درهم بعشرة دراهم؛ كذا قاله أبو الطيب.
وهذه القسمة تسمى: قسمة الإفراز والإجبار، وتتناول كل متساوي الأجزاء؛ حتى قال القاضي الحسين: إنها تجري في اللبن المسبوك في قالب واحد، بخلاف ما لو تفاوتت أشكاله لتفاوت القوالب؛ فإنه يكون كالعرض.
ولا فرق فيها بين أن يتساوى الشريكان في الملك، أو تختلف حصتهما.
وعن ابن كج حكاية وجه عن ابن [أبي] هريرة: أنه لا إجبار عند تفاوت الأنصباء؛ لأنه لا يمكن أن يدفع إلى صاحب السدس الجزء الثاني، ولا الجزء الخامس، وإنما يحسن الإجبار إذا استوى الشريكان في احتمال أخذ كل واحد من الأجزاء.

وهذا التعليل ينفي إجراء هذا الوجه فيما إذا لم يكن في الملك سوى شريكين وإن اختلفت حصتهما، والمذهب: أنه لا فرق بين أن يكون في الملك شريكان أو شركاء؛ وعلى هذا: لو كان الشركاء في مثل هذه الأموال ستة على التساوي، والممتنع خمسة- قال في "الحاوي": قسم أسداساً، وأفرد للطالب سدسه، وكان خمسة أسداسه مشتركاً بين الباقين.
ولو كان الطالب منهم اثنين؛ ليحوزا سهميهما مجتمعين، قسمت أثلاثاً، وأفرد لطالبي القسمة ثلثها مشتركاً بينهما، وكان الثلثان مشتركين بين الباقين.
وإن طلبها ثلاثة؛ ليحوزوا سهامهم مجتمعة، قسمت نصفين، وأفرد أحد النصفين للطالبين، والنصف الآخر للممتنعين.
[ثم] على هذا الاعتبار فيما زاد، ونقص، واجتمع، وافترق.
واعلم أن ما ذكرناه مصور بما إذا كان التنازع في قسمة كل ثوب من الثياب المذكورة، أو أرض أو دار، [كما صرح به الأصحاب، وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره في الأرض والدار] والثوب بين أن تتساوى أجزاء ذلك، أو تختلف وتعدل بالقيمة، وهو ما أورده البندنيجي وغيره.
وفي "الحاوي": أن الثوب الواحد إذا اختلفت قيمته لاختلاف نقوشه وألوانه، قسم اختياراً لا إجباراً، [وإن تماثل، ولم يختلف، ولم تنقص قيمته بقطعه- ففي قسمته إجباراً] وجهان، وقد حكاهما الفوراني، وبناهما على جواز بيع ذراع من ذلك.
وفي "البحر": أن قيمته إن انتقصت بالقطع، لم يجبر الممتنع، وإن لم تنقص فوجهان، ونسب هذا إلى الخراسانيين، وقال: [إن] ابن سلمة من أصحابنا قال: إنه يجوز بكل حال؛ لأن الثياب لا تنقسم بنفسها، بخلاف الدور.

وقال الإمام: الأصحاب أطلقوا قسمة الدور، وأجروا فيها الإجبار كإجرائهم ذلك في العرصات، وهذا فيه نظر؛ فإن الدور تشتمل على أبنية وسقوف وبيوت وأروقة، وهي ذوات أشكال مختلفة، والأغراض في السكن تتفاوت تفاوتاً بيناً، وهذا زائد على الأغراض التي تفرض في العبيد، وقد أجري الخلاف في الإجبار على قسمتها؛ فكيف يطلق الوفاق في الإجبار على قسمة الدور مع ما وصفناه؟ فالوجه أن يقال: إن استوت الأبنية، وكان في شرقي الدار صفة بيت، وكذلك في غربها، ويتأتى التعديل بتبعيض العرصة؛ [فتشتمل كل حصة على ما تشتمل عليه الأخرى] من الأبنية- فيجوز أن يقال: يجري الإجبار على مثل هذه القسمة.
فأما إذا اختلفت أشكال الأبنية؛ فيتعين عندي قطعاً تخريج الخلاف- أي: المذكور في قسمة النقل والتعديل- في إجراء القسمة فيها؛ لما أشرت إليه من تفاوت الأغراض، واختلاف المنافع؛ وهذا ما أورده في "الوسيط" و"الوجيز".
وحكى عن الأصحاب أنهم قالوا: [إذا اختلفت قيمة جوانب العرصة؛ لقرب بعضها من الماء، بحيث يكون] الثلث بالمساحة نصفاً بالقيمة-: إنه يجبر على قسمتها كذلك، وأنهم لم يخرجوه على الخلاف.
وفي "المهذب"، و"الحاوي"، و"البحر" حكاية قولين في الإجبار على هذه القسمة إذا لم يمكن قسمة الأكثر قيمة والأقل قيمة، والأصح منهما في "التهذيب": عدم الإجبار، وقال القاضي الحسين: إنه [المذهب.
و] المذكور في "تعليق" البندنيجي، وهو اختيار الشيخ أبي حامد: مقابله.
قالوا: وعلى هذا فأجرة القاسم توزع بحسب الشركة في الأصل، أم بحسب المأخوذ قلة وكثرة؟ فيه وجهان، أقربهما في "الرافعي": الثاني، وهو المختار في "المرشد".
أما إذا أمكن قسمة الأكثر قيمة والأقل قيمة؛ كما إذا كان الجيد في مقدمها،

والرديء في مؤخرها، وإذا قسمت بينهما نصفين، صار لكل واحد منهما من الجيد والرديء مثل ما لصاحبه من الجيد والرديء- فهذه تدخلها قسمة الإجبار كالمتساوية الأجزاء.
وحكم الأرض التي يسقى بعضها بالنضح، وبعضها يسقى بالنهر- حكم ما ذكرناه.
وكذلك قال البغوي فيما إذا كان [في] بعض الأرض شجر أو بناء، وبعضها خال، أو كانت الدار بعضها مبني بالآجر، وبعضها [مبني] بالخشب والطين.
قال: وإن كان عليهما ضرر: كالجواهر، والثياب المرتفعة- أي: [التي] تنقص قيمتها بالقطع- والرحى، والبئر، والحمام الصغير- لم يجبر الممتنع.
أما [في] الجواهر وما في معناها، فقد وافق الخصم- وهو الإمام مالك- عليه.
وأما في الباقي؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الإِسْلَامِ".
ولأن في ذلك إضاعة للمال، وَقَدْ نَهَى صلى الله عليه وسلم عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ.
وبالقياس على الجواهر.
ثم بماذا يعتبر دخول الضرر؟ فيه أوجه ذكرناها في باب الشفعة.
تنبيه: كلام الشيخ مصرح في الصورة المذكورة بامتناع الإجبار، ومفهومه: الجواز عند التراضي، والحديث قد يأباه، والمنقول في "الحاوي" امتناع قسمة الجوهرة وما يتلف بها وإن وجد التراضي؛ للنهي عن إضاعة المال؛ فإنه سفه يستحق به الحجر، والجواز في الحمام، والسفينة، والسيف، والثوب، وفي الأرض- من طريق الأولى، وقد صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
وفي "الرافعي": أنهم إذا التمسوا قسمة ما فيه ضرر من القاضي، فإن كانت المنفعة تتعطل بالكلية: كالسيف يكسر، فلا يجيبهم في أصح الوجهين، لكن

[لا] يمنعهم من أن يقسموا بأنفسهم.
قال في "البحر": وهذا اختيار القاضي الطبري، وهو ظاهر المذهب.
قال: وإن كان على أحدهما ضرر [دون الآخر- أي:] مثل أن يكون لأحدهما [عشر] أرض، وللآخر باقيها، وإذا قسمت أمكن صاحب الأعشار الانتفاع بها؛ إما لاتساع ما يحصل له، أو لضيقه ومجاورته لملك آخر له، إذا أضيف إليه انتفع بهما؛ كما قاله البغوي؛ أخذاً مما سنذكره من كلام الشافعي عند قسمة عرصة الجدار، ولم يوجد مثل ذلك لصاحب العشر.
قال: فإن كان على الطالب، لم يجبر الممتنع؛ لأنه متعنت وسفيه يطلب ما يضره.
قال في "البحر": وهذا قول أبي إسحاق، وهو الصحيح المشهور من المذهب.
قال: وإن كان على الممتنع، فقد قيل: لا يجبر؛ لأن فيها ضرراً؛ فهو كالضرر عليهما، وقد روى نصر مولى معاوية: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ قِسْمَةِ الضِّرَارِ.
وقيل: يجبر، وهو الأصح؛ لأنه يطلب حقاً له ينتفع به، فوجب إجابته وإن أضر بالمطلوب منه؛ كما يطالب الغريم بدينه وإن كان لا يملك إلا قدره.
و [أما] الخبر فقد قال في "البحر": إنه مرسل.
وهذان الوجهان نسبهما العبادي إلى ابن سريج، وقال في "البحر": إن الثاني هو المنصوص عليه، والأول قال به أبو ثور.
قال ابن يونس: واعلم أن ما ذكره الشيخ هو الترتيب المنقول عن الخراسانيين، وأما المشهور عن العراقيين، فهو: أن الضرر إن كان على الطالب فوجهان في الإجبار، أصحهما: المنع.
وإن كان على الممتنع، أجبر قولاً واحداً.
وما ذكره عن العراقيين هو الذي رأيته في ["تعليق" البندنيجي، وأبي الطيب،

و"الشامل"، وكذا في "الحاوي"، و"المهذب"، وقالوا: إن المنع من] الإجبار في حالة ضرر الطالب هو المذهب، وما ذكره عن الخراسانيين صحيح أيضاً، ولم يورد الفوراني والبغوي سواه، لكن في "النهاية": أن العراقيين والقاضي قالوا: من أصحابنا من جعل في كل واحدة من الصورتين وجهين إذا طلبت القسمة: أما إجراء الوجهين في حق صاحب الكثير فعلى ما ذكرناه، وأما إجراؤهما في حق صاحب القليل فمن جهة أنه يقول: لي أن أبطل حق نفسي، وأنت لا تتضرر تضرراً معتبراً فما عليك؟ فأجبني، ولا تشقق علي، فإني مطلق التصرف في حصتي.
قال الإمام: وهذه الطريقة لا بأس بها، والأشهر: الأولى، وهي ما في الكتاب.
وقد فرعوا في حالة كونا لضرر على الممتنع: أن أربعة لو كان بينهم أرض: لواحد نصفها، ولكل من الباقين السدس، ولا ضرر في قسمتها نصفين، وفي قسمتها أسداساً ضرر لصاحب السدس، فطلب صاحب النصف القسمة- قالوا: الثلاثة بالخيار بين أن يفرز النصف لهم مشاعاً، وبين أن يفرز كل واحد [منهم] سهمه؛ فهذا معنى قول الشافعي: "وأقول لمن كره القسمة لقلة حصصهم: إن شئتم جمعنا حقوقكم، وكانت مشاعة بينكم؛ لتنتفعوا بها".
وإذا رضوا بقسمتها نصفين، ثم أراد واحد من الثلاثة إفراز نصيبه- لم يجب إليه؛ لأن هذه القسمة الضرر فيها يلحق الجميع.
ولو طلب الثلاثة من صاحب النصف أن يقاسمهم، فيترك لهم النصف، ويأخذ النصف، وامتنع- أجبر عليه، قاله الروياني، والإمام.
قال: وإن كان بينهما دور، ودكاكين، أو أرض في بعضها شجر، وبعضها بياض، فطلب أحدهما أن تقسم بينهما أعياناً بالقيمة، أي: بأن تجعل دار في مقابلة دار، ودكان في مقابلة دكان، وأرض في مقابلة أرض؛ ليتساوى ذلك في القيمة.
قال: وطلب [الآخر] قسمة كل عين- أي: جزأين، وذلك ممكن من غير

ضرر- قسمت كل عين؛ لأن كل واحد منهما له حق في الجميع؛ فجاز أن يطالب به، ولا يجاب الآخر؛ لأن القسمة تمييز الحقين في العين؛ وهذا نقل ملك من عين إلى عين أخرى؛ فهو معاوضة، ولا إجبار عليها.
قال الإمام: وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
وفي "الرافعي": أن في "الرقم" للعبادي حكاية وجه: أنه يجبر على قسمتها أعياناً بالقيمة من غير فرق بين التجاور والتباعد، لكنه ذكر هذا الوجه فيما إذا طلب أحدهما أن تقسم [بينهما] أعياناً بالقيمة، وسكت عن حال الآخر.
وفي "الإبانة" ما يقتضي هذا الوجه- أيضاً- فإنه قال: لو كان بينهما قطعتا أرض في قريتين، أو بستانان في موضعين مختلفين، فدعا أحدهما إلى القسمة- فهل يقسمان جبراً بالقرعة أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لاتفاق الجنس، والمنفعة، والثاني: لا؛ لاختلاف المحل والغرض.
والمذهب الأول، ويخالف ما لو كان بينهما قرية ذات مساكن، فدعا أحدهما إلى قسمة جميع القرية، ودعا الآخر إلى قسمة كل مسكن منها- فإنه يجاب الأول، ويقسم لكل واحد منهما نصفها بما اشتمل عليه من مساكنه، كما حكاه الماوردي؛ لأن القرية شاملة لمسااكنها كالدار الجامعة لبيوتها، ولا يجوز أن يقع الإجبار في قسمة الدار على [قسمة كل] بيت منها، كذلك القرية.
ثم لا فرق- كما قاله القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ- بين أن تكون الدور والحوانيت متجاورة أو متفرقة، ولا بين أن يكون أحدهما كبيراً والآخر صغيراً ينفذ إلى الدار ولا ينفذ حجره لها أو لا.
وأما الأراضي: فإن كانت متفرقة: كأراضي الضياع، فالحكم فيها كذلك، وإن كانت متجاورة متلاصقة، وكل أرض تنسب إلى ضيعة من ضياع القرية- قال أبو إسحاق: هي في حكم الأرض الواحدة؛ فيضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار، على أن يكون لأحدهما قراح، وللآخر قراح آخر، سواء اختلفت الطرق

واختلف المشرب أو لم يختلف.
وقال غيره من أصحابنا: الحكم كذلك في حال المجاورة، واتحاد الطريق والمشرب، فإن اختلف الطريق والمشرب فهي في حكم الأراضي المتفرقة؛ فلا يضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار.
قال القاضي أبو الطيب، والبندنيجي: وهذا ظاهر قول الشافعي.
وقال ابن الصباغ: إنه أشبه بكلام الشافعي؛ لأنه قال: "ولا عنب مع نخل"، وأراد به: إذا كان بينهما مراحان في أحدهما نخل، وفي الآخر كرم؛ لأنه لو كان النخل والكرم في مراح واحد، ضم بعضه إلى بعض.
وفي "الحاوي" في حالة التجاور: إن تماثلت في الثمن والمنفعة والمؤنة، فيضم بعضها إلى بعض، وتقع قسمة الإجبار على جميعها؛ كضياع القرية التي يتصل جميعها] ولا يتميز شيء منها، وإن اختلفت أسماؤها.
وفي حال التجاور: واختلاف المنفعة؛ بأن يكون بعضها مزروعاً، وفي بعضها شجر، وفي بعضها كرم، و [في] بعضها نخل؛ أو تختلف في الثمن؛ لنفاسة بعضها على بعض- فإن مذهب الشافعي: أن قسمة الإجبار واقعة على كل أرض منها، ولا يضم بعضها إلى بعض في قسمة الإجبار مع اختلافها.
وعلى كل حال: لا فرق – كما قاله القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ- في الإجبار على قسمة كل مراح من الأرض بين أن يكون فارغاً، أو ما فيه من الأشجار من نوع واحد، أو مختلف الأجناس: كالنخل، والكرم، وغير ذلك؛ فيضم بعض ذلك إلى بعض، ويعدل، ويكون بمنزلة البيوت والأبواب والسقوف المختلفة في دار واحدة.
وفي "الرافعي": أن الخلاف الآتي في قسمة التعديل يجري فيما إذا كان البستان الواحد بعضه نخل، وبعضه كرم، وأن صاحب "التهذيب" رجح من القولين منع

الإجبار، والعراقيون من أصحابنا وغيرهم رجحوا الإجبار.
قال: ويشبه أن يكون الخلاف المذكور مختصاً بما إذا لم يمكن قسمة كل نوع، فإن أمكن، فلا جبر على قسمة التعديل؛ كما لو كانا شريكين في أرض يمكن قسمة كل جيد ورديء منها [بالآخر أو] بالأجزاء، لا يجري الإجبار على التعديل.
فرع: لو كان بينهما أرض واحدة، وفيها بناء أو شجر، فأراد أحدهما قسمة الأرض دون البناء والشجر- قال في "الحاوي" و"البحر": لا يقع في هذه القسمة إجبار.
نعم، لو تراضيا على هذه القسمة، دخل في الأرض قسمة الإجبار ما داما مقيمين على هذا الاتفاق، وقسمت بينهما جبراً بالقرعة، وإن رجع أحدهما عن الاتفاق، زالت قسمة الإجبار.
قال: وإن كان بينهما عضائد، أي: دكاكين، صغار، لا تقبل كل عضادة القسمة؛ كما قاله البندنيجي وأبو الطيب وابن الصباغ وأكثر الناقلين- متلاصقة، فطلب أحدهما قسمتها أعياناً بالقيمة، وامتنع الآخر- فقد قيل: يجبر؛ لأنها إذا كانت صفاً واحداً، كانت بمنزلة بيوت في دار واحدة، أو خان واحد وقد تقدم أنه يجبر على ذلك؛ إذا تساوت قيمة الأجزاء على المذهب؛ فكذلك هاهنا.
قال الرافعي: وهذا أصح على ما ذكره القاضي الروياني [وغيره]، وتبعهم النواوي.
وقيل: لا يجبر؛ لأن كل عضادة مسكن منفرد؛ فأشبهت الدور والدكاكين الكبار المتجاورة.
قال البندنيجي: وهذا هو المذهب.
وفي "الجيلي": أن هذا إذا لم تنقص القيمة بالقسمة، أما إذا نقصت فلا يجبر على القسمة وجهاً واحداً.
أما إذا كان كل عضادة تقبل القسمة، فقد قدم ذكرها بقوله: "ودكاكين"، والشيخ في "المهذب" عبر عن الدكاكين بالعضائد، وأجرى الوجهين في حالة قبولها القسمة.
قال: وإن كان بينهما عبيد، أو ماشية، أو ثياب، أو أخشاب أي: تنقص بالقطع-

فطلب [أحدهما] قسمتها أعياناً، أي: لتساوي ذلك في القيمة والنوع، وامتنع الآخر، فالمذهب: أنه يجبر الممتنع؛ لأنه لا يمكن قسمتها من غير ضرر إلا كذلك؛ فوجب كالدار الواحدة.
وقد وافق الشيخ في هذا اللفظ البغوي.
وقال البندنيجي: إن هذا القول هو الذي نص عليه، وعليه أكثر أصحابنا: كابن سريج، وأبي إسحاق، ولم يحك الفوراني سواه.
وقيل: لا يجبر؛ لأنها أعيان منفردة؛ فأشبهت الدور المتفرقة، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة، وابن خيران.
وقد حكى الخلاف في الرقيق وغيره- كما حكاه الشيخ- الماوردي، والبندنيجي، والإمام.
وقال ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب: الخلاف في غير الرقيق، فأما الرقيق فيجبر الممتنع فيه قولاً واحداً عند أصحابنا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الستة الذين أعتقهم الرجل في مرض موته ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم، ولأن الرقيق لما وجب تكميل الحرية فيه، دخلته قسمة الإجبار بالقيمة، بخلاف غيره، وعلى هذا جرى في "المرشد"، وهو الذي حكاه في "البحر" عن نص الشافعي في كتاب العتق.
وفي "تعليق" البندنيجي: [أن ابن] خيران قال: إنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لمزية الحرية، وفي مسألتنا لا مزية.
والأواني من الرصاص والنحاس والحديد، إن اختلفت وتفاضلت لم تقسم إجباراً، وإن تشابهت وتماثلت ففي قسمتها إجباراً وجهان؛ كالحيوان والثياب.
فإن قيل: ذكرتم في علة القول المنصوص: أنه لا يمكن قسمة هذه الأشياء من غير ضرر إلا كذلك؛ فوجب كالدار الواحدة، وهذه العلة تقتضي أنه لو كان بين شريكين حمامان أو طاحونان لا يمكن قسمة كل واحد منهما على الانفراد – أن يقسما كذلك.
قال الماوردي: قد كان بعض أصحابنا يخرج إجبار قسمة الحمامين بين الشريكين على وجهين؛ كالحيوان والثياب، وهذا الطريق في "النهاية" – أيضاً- وقال: إن من

أصحابنا من قال: لا إجبار في الأبنية والبقاع على التصوير الذي ذكرناه، بخلاف العبيد؛ لأن تفاوت الأغراض في البقاع أوضح.
وفي "البحر": أن ابن القاص ذكر عن ابن سريج أنه كان يفرق، ويقول: الأصل البقاع والرحى، والحمام بقعة، وإنما لا يتهيأ قسمتها؛ للحجارة ونحو ذلك.
فإذا كان كذلك كان معناه معنى القسمة التي فيها الرد، فلم تجز إلا بالتراضي، وليس كذلك الحيوان؛ لأن كل واحد منهما لا ينقسم، وهو أصل بنفسه، وبنا ضرورة إلى إفراز حقوقهم؛ فجاز إذا كثروا أن يقتسموا إجباراً، وهو كالوجهين في الدكاكين الضيقة.
أما لو اختف النوع والقيمة كالضأن والمعز، فهو كاختلاف الجنس من الحرير والقطن والكتان؛ فلا يجبر الممتنع جزماً عند العراقيين، وكذا الجمهور؛ كما قال الرافعي.
[و] في "النهاية": أنه لو كان بين الشركاء عبد وطاحون وحمام، وأمكن التعديل بجعل كل صنف سهماً- ففي الإجبار وجهان مرتبان على ما إذا لم تختلف الأصناف، وهذه الصورة أبعد من الإجبار، وقد نسب الرافعي مثل هذا الطريق في مختلف النوع إلى أبي الفرج السرخسي، وقال: إن الصحيح الأول.
ولو اختلف النوع، واتحدت القيمة، فهل يكون كاختلاف الجنس واتحاد النوع؟ فيه وجهان في "الحاوي".
ولو اتحد النوع، واختلفت القيمة، مثل: أن كان المشترك بينهما ثلاثة أعبد، قيمة واحد مائتان، وكل من الآخرين مائة- فإن قلنا في مسألة الكتاب: لا إجبار، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، لظهور التفاوت في العدد؛ كذا قاله الإمام.
وأثبت الرافعي الخلاف قولين، ثم قال: وهما كالقولين في الأرض المختلفة الأجزاء؛ لإلحاقنا الأعيان المتماثلة كالأرض المتساوية الأجزاء.
قلت: إن أراد في أصل إجراء الخلاف فنعم، وإن أراد أنه كهو من كل وجه، فلا؛

لأن الصحيح عند العراقيين- وبه جزم أكثرهم- الإجبار ثم، والمنع منه هاهنا.
ولو اختلفت قيمة النوع، بأن كان المشترك بينهما حمامين: صغيراً، وكبيراً، وكان السهمان لا يعتدلان إلا بأن يجعل الحمام الصغير مع ثلث الحمام الكبير سهماً، ويجعل [ثلثا] الحمام الكبير سهماً- فالأصح: أنه لا إجبار على هذا النوع؛ فإن القسمة على ذلك لا تميز ولا تفصل، بل تبقى اشتراكاً.
وبعضهم- أيضاً- خرجه على الخلاف.
قال الإمام: وهو بعيد.
قلت: هذه الطريقة هي التي يظهر صحتها؛ لأن الفوراني وصاحب "البحر" حكيا فيما إذا كان بينهما عبدان: قيمة أحدهما مائة، والآخر مائتين، وأراد أحدهما القسمة بأن يجعل [كل] الخسيس وربع النفيس سهماً، وثلاثة أرباع النفيس سهماً- عن الشافعي قولين في هذه الصورة، ولا فرق بينها وبين التي قبلها في التعليل المذكور، وقد حكى الرافعي فيها طريقة جازمة بالإجبار.
فرع: قسمة الكلاب هل يجري فيها الإجبار؟ فيه طريقان في "الحاوي": إحداهما: نعم؛ لأن الشافعي أجاز قسمة الكلاب مع الغنم كما أجاز الوصية بها، وأنها بخروجها من القسمة تجري مجرى ذوات الأمثال.
[و] الثانية: تخريجها على الوجهين، وجعل هذا النص دليلاً على أنها أصحهما.
قال: وإن كان بينهما دار، وطلب أحدهما أن تقسم، فيجعل العلو لأحدهما، والسفل للآخر، وامتنع شريكه- لم يجبر الممتنع.
قال الشافعي في "الأم": لأن أصل الحكم أن من ملك السفل ملك ما تحته، وما

فوقه من الهواء، فإذا أعطى هذا سفلاً لا هواء له، وهذا علواً لا سفل له- فقد أعطي كل واحد منهما على غير أصل ما يملك الناس؛ أي: ووضع القسمة التمييز.
ولأن العلو والسفل بمنزلة الدارين، وقد تقدم أنه لا يجبر على قسمتهما بحيث ينفرد كل واحد منهما بدار؛ فكذلك هنا.
ولأن العلو تبع للسفل؛ بدليل أنه إذا بيع له السفل والعلو تثبت الشفعة فيهما، وإذا بيع العلو وحده، لم تثبت فيه، وفي هذه الصورة جعل التابع متبوعاً، وذلك يجوز.
نعم، لو تراضيا على هذه القسمة جاز، ولو طلب أحدهما أن يقسم العلو والسفل نصفين، وكان ينقسم، أجبر الآخر؛ لأن البناء في الأرض بمنزلة الغراس فيها.
ولو طلب أن يقسم العلو في دفعة، والسفل في دفعة أخرى- فلا يجبر الآخر، لأنه ربما خرج لأحدهما بالإقراع من السفل النصيب الذي حصل على حصة صاحبه من العلو؛ [فالمشاركة] واختلاط الأيدي بعد باقية، والقصد من القسمة إزالة ذلك.
نعم، لو رضيا بذلك جاز؛ قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
ومن هاهنا يظهر لك أن أحدهما لو طلب قسمة العلو، وبقاء السفل مشتركاً- لا يجبر الآخر عليه؛ لاحتمال أن يطلب أحدهما قسمة السفل بعد ذلك؛ فيقع المحذور المذكور.
[وعلى هذه الحالة يحمل قول الروياني في "البحر" وغيره في دليل مسألة الكتاب]: ألا ترى أنه لو كان بينهما غرفة، فطلب أحدهما القسمة، لم يجبر الآخر عليها؟ وفي "الرافعي": أنه لو طلب أحدهما قسمة السفل، وترك العلو على الإشاعة، لم يجبر الآخر؛ لما ذكرناه من العلة.
والروياني في "البحر" ذكر الحكم، ولم يعلله.
قلت: ولو قيل في هذه الصورة بالإجبار لم يبعد، ونقول: إذا طلب أحدهما بعد ذلك قسمة العلو يقسم- يعني: بلا] قرعة- ويجعل لكل واحد منهما النصيب الذي هو علو ما حصل له من السفل؛ كما نقول فيما إذا أجبرنا على قسمة

العرصة بين الملكين عرضاً في كمال الطول: إنه لا إقراع فيها، ونجعل لكل واحد ما يلي ملكه من الجوار، ويخالف ما إذا طلب أحدهما قسمة العلو، وترك السفل على الإشاعة؛ حيث قلنا: لا يجبر الآخر، ولم نبد فيه هذا الاحتمال؛ لأنا لو قلنا بهذا ثم، لجعلنا السفل الذي هو أصل تابعاً للعلو الذي هو تابع، وذلك لا يجوز، والله أعلم.
قال: وإن كان بين ملكيهما عرصة حائط، فأراد أحدهما أن تقسم؛ فيحصل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال العرض، أي: على هذا الشكل: ??????? ??????? ??????? وامتنع الآخر- أجبر عليه؛ لأنه ملك مشترك يمكن انتفاعهما به بعد القسمة من غير ضرر.
قال: وإن أراد أن تقسم عرضاً، فيجعل لكل واحد منهما نصف العرض في كمال الطول- أي: على الشكل: ????????? ????????? ????????? وامتنع الآخر- فقد قيل: يجبر؛ لأنه ملك مشترك يمكن كل واحد منهما أن ينتفع بحصته [إذا قسم فأجبر على القسمة- كما في المسألة قبلها، وهذا قول ابن أبي هريرة].
وقيل: لا يجبر؛ لامتناع القرعة؛ فإنه ربما خرجت القرعة لكل واحد منهما مما يلي ملك الآخر؛ فلا ينتفع به، وكل قسمة لا تدخلها القرعة، لا يجبر عليها كالتي فيها الرد، وهذا قول أبي إسحاق، وبه جزم في "التهذيب"، و"الكافي".
وقال الرافعي: الصحيح عند العراقيين وغيرهم: الأول، وهو كذلك في "تعليق" البندنيجي، وأبي الطيب، و"المهذب"، وبه جزم في "الوجيز".

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل