كتاب الأقضية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وأسباب الأنساب لازمة، لا تحول ولا تزول؛ فغلظت هذه، وخففت تلك.
والثاني: أن الأنساب محصورة متعينة، والعداوة منتشرة [مستبهمة] يفضي ترك الحكم معها إلى امتناع كل مطلوب بما يدعيه من العداوة.
والوجه الثالث: يجوز بولاية التحكيم؛ لانعقادها عن اختياره [، ولا يجوز بولاية القضاء؛ لانعقادها بغير اختياره].
تنبيه: مراد الشيخ بالحكم لعبده وأمته فيما ليس بمال إذا كان فيئاً كالقصاص في الأطراف على رأيه الذي حكيناه عنه في باب العفو والقصاص، والتعزير على رأيه ورأي غيره، وكذا [في] المال إذا كان العبد هو المتصرف فيه بأن كان مكاتباً، والكاف في قوله: "حكم فيها بعض خلفائه" مخففة.
فرع: وصي اليتيم إذا ولي القضاء فلا يقضي له؛ لأنه خصم في حقه كما في حق نفسه وولده، وهذا ما اختاره ابن الحداد.
وقال القاضي: يقضي؛ لأن كل قاض فهو ولي الأيتام.
قال [في] "الوسيط"- وتبعه صاحب "الأشراف" والرافعي-: وهو الصحيح.
ولأجل ذلك قال ابن أبي [الدم: إنه] الصحيح عند متأخري الأصحاب، وعليه العمل في الأمصار.
قال: ومن تعين عليه القضاء وهو مستغن [عنه،] لم يجز أن يأخذ [عليه الرزق من بيت المال؛ لأنه فرض تعين عليه؛ فلم يجز أن يأخذ]؛ لإسقاطه بدلاً؛ كما لا يجوز أن تعتق الرقبة الواجبة [في الكفارة بعوض عليها، ولا تخرج الزكاة بعوض يشترطه على المسكين والفقير].
وفي "الرافعي": أن صاحب "التقريب" قال: يجوز أخذ الرزق [في هذه الحالة] كصاحب الطعام في المخمصة، وهذا ما حكاه في "الإشراف" عن أصحابنا بالعراق،
والأول عن أصحابنا بخراسان؛ ولأجله قال الشيخ أبو علي: المعروف لأصحابنا أنه لا يجوز.
كما حكاه عنه ابن أبي الدم.
قال: وإن كان محتاجاً جاز [له]؛ لأنه لا يلزمه تضييع أمر نفسه لمراعاة حق غيره.
قال البندنيجي: ولأنه إذا أخذ الرزق في [هذه] الحالة قام بفريضتين: فريضة القضاء، وفريضة الإنفاق على نفسه وعياله، والحاجة تتحقق بأن يكون لا مال له ولا كسب، أو له كسب لكن يتعطل [عنه] بسبب القضاء.
ثم المأخوذ في هذه الحالة ما يحتاج إليه لنفسه ولخادمه من غير إسراف ولا تقتير؛ كما قاله الماوردي.
قال في "التهذيب" و"الكافي": ويعتبر في الكسوة ما يليق بحاله في زمانه، ولا يستحق ذلك إلا من حين وصوله لعمله ونظره فيه، [أو تصديه] للنظر وإن لم ينظر؛ كالأجير في العمل إذا سلم نفسه لمستأجره فلم يستعمله، ولو لم يتصد للنظر فلا رزق له، قاله الماوردي قبل الكلام في العزل.
قال: ومن لم يتعين عليه جاز أن يأخذ [ما يحتاج إليه] لنفسه وخادمه؛ لما روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقاً، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ"، وَلِأَنَّ عُمَرَ- رَضِي الله عنه- اسْتَقْضَى شُرَيْحاً وَجَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، [فَلَمَّا أَفْضَتِ الخِلَافَةُ إِلَى عَلِيٍّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ]، وَقَدْ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى القَضَاءِ رِزْقاً، ولأن الله- تعالى- جعل للعاملين على الصدقات جزءاً منها، والقضاة بذلك
أولى؛ لأن النفع بهم أهم [وأعم]، ولأن ما لا يتعين فرضه يجوز أخذ الرزق عليه؛ كغسل الميت وحمله ودفنه.
قال الماوردي: ويكون هذا الرزق جعالة ولا يكون أجرة؛ لأن الأجرة مستحقة بعقد لازم، والجعالة مستحقة بعقد جائز، والقضاء من العقود الجائزة؛ فلذلك كان الرزق عليه جعلاً، وما ذكره من الحكم ينطبق عليه قول ابن الصباغ: لا يجوز عقد الإجارة على القضاء.
ووجَّهه بأنه عمل غير معلوم، والشيخ أبو حامد وجَّهه بأنه عمل لا يعمل الغير عن الغير، وإنما يقع عن نفسه ويعود نفعه على الغير.
وقال البندنيجي: ومن أصحابنا من سها، فقال: يجوز أخذ الأجرة على القضاء.
وعن "فتاوى" القاضي الحسين إلحاق ذلك بالأذان حتى تجوز الإجارة عليه على رأي؛ لأن كل واحد منهما يعود نفعه إلى عامة المسلمين.
قال: وللقرطاس الذي يكتب فيه المحاضر؛ لأن الحاكم لا يستغني عن إثبات الحجج والمحاكمات وكتب المحاضر والسجلات؛ خشية من النسيان، وذلك من عموم المصالح، فكان بيت المال أحق بها.
وفي معنى [ذلك] أرزاق أعوانه من كاتب وحاجب ونائب وقاسم وسجان، وأجرة سجن أو ثمنه وأجير يحضر الخصوم.
قال البندنيجي: وقد بين الشافعي من يأخذ الجعل على عمل الخير فقال: ولو أن القاضي والقاسم وكاتب القاضي وصاحب الديوان وصاحب بيت المال والمؤذنين لم يأخذوا جعلاً وعملوا محتسبين، كان أحب إليَّ، وإن أخذوا جعلاً لم يحرم عليهم عندي، وبعضهم أعذر في أخذ الجعل من بعض، وما منهم من أحد كان أحب إليَّ أن يترك الجعل من المؤذنين، ولا بأس أن يأخذ الأجرة على الحج إذا كان قد حج عن نفسه، ويأخذ الجعل على أن يكتال [للناس، ويزن لهم ويعلمهم القرآن والنحو، وما يتأدبون به من شعر ليس بمكروه ونحوه].
قال: وإن احتسب ولم يأخذ، أي: لنفسه وخادمه- فهو أفضل؛ ليقع أجره على الله- تعالى-[مع] أنه أبعد عن التهمة.
وحكى ابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي أنه يكره له الأخذ والحالة هذه.
ومحل الجواز إذا لم يجد متطوعاً بالقضاء، فإن وجده وهو صالح، فلا يجوز أن يعطى من بيت المال، صرح به الماوردي وصاحب "البيان"، وأشار إليه البندنيجي وابن الصباغ حيث قالا: ولا يولي من يطلب على القضاء رزقاً، فإن لم يجد كان له أن يولي من يعطيه رزقاً على نظره.
فرع: إذا تعذر الأخذ من بيت المال، فأمر ما يأخذه القاضي من الخصوم وغيرهم قد تقدم، وأما القرطاس ونحوه فقد قال الشافعي- رضي الله عنه-: إنه يقول للطالب: إن شئت فَاتِ بصحيفة تكتب فيها شهادة شاهديك وكتاب خصومتك، ولا أُكرهك، ولا أقبل أن يشهد لك شاهد بلا كتاب.
فأنسأ شهادته، واختلف الأصحاب في مراده بقوله: ولا أقبل أن يشهد لك .. إلى آخره، على وجوه ليس هذا الكتاب موضوعاً لمثلها، وإن كنت قد ذكرتها في المبيضة.
وما ذكره الشيخ [من تحريم أخذ الرزق وجوازه، قال ابن الصباغ والبندنيجي:] وهو جارٍ في تحمل الشهادة وأدائها وإقامة الصلاة والأذان، وكذا العون يكون على من أرسله في طلب خصمه، وكذا كراء السجان على صاحب الحق؛ لأنه كالأجير له يحفظ مديونه، صرح [به] الزبيلي، بخلاف أجرة السجن؛ فإنها على المحبوس.
فرع: إذا جعل الإمام على القضاء رزقاً، فإن سماه للأصل اختص به، وإن سمي القضاء وأطلق شاركه فيه خلفاؤه بحسب كفاياتهم في النظر وكثرة العمل، فإن عزل من استخلفه وقام بعمله، جاز أن يأخذ رزقه، وإن لم يقم به لم يجز أن يأخذه، قاله في "البحر" عند الكلام في الاستخلاف.
قال: ويحضر الولائم أي: عند من ليس له حكومة ولم يعملا له بخصوصه؛ لأن الإجابة إلى الوليمة فرض على الأعيان [على قول بعض أصحابنا، وعلى قول آخرين.
فرض على الكفاية].
وحضور غيرها من الدعوات مستحب، والجمع بين الفرضين، فرض الحكم [وفرض الإجابة، أو بين فرض الحكم] واستحباب الإجابة- أولى من انفراد أحدهما، هكذا أورده القاضي أبو الطيب، وكلامه في "المهذب" يميل إليه، ومختصر ما حكاه الماوردي ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإجابة فرض عليه؛ كما هي فرض على غيره؛ فيأثم بالترك.
والثاني: لا تجب الإجابة عليه وإن وجبت على غيره على وجه، بل هي مستحبة.
قال في "البحر": وأخذ هذا من قول الشافعي- رضي الله عنه-: ولا أحب أن يترك الوليمة، إما أن يجيب كُلاًّ أو يترك كُلاًّ.
فلم يجعلها واجبة بل جعلها مستحبة، وهذا قول [أبي علي] بن أبي هريرة، ولم يورد ابن الصباغ سواه، وهو الذي صححه في "البحر"، فعلى هذا يكره تركها.
والثالث: إن كان مرتزقاً لم يحضر؛ لأنه أجير المسلمين [فلم يجز أن يفوت [عليهم] حقوقهم [من ذلك الزمان]، وإن كان متطوعاً غير مرتزق [حضر]، وكان كغيره من الناس.
وهكذا حكم الأئمة، ثم على كل حال إذا حضر المرتزق، فإن قل زمان حضوره كاليوم وما قاربه لم يلزمه رد شيء من رزقه، وإن طال- وأقل [زمان طوله] ثلاثة أيام- ردَّ من رزقه بقسط ما أخل من نظره، ذكره في "الحاوي".
أما إذا كان لصاحب الوليمة محاكمة، [أو لا وعملت] للقاضي بخصوصه- فهي كالهدية.
وفي "التهذيب": أنه يكره أن يجيب [إلى] دعوة خص بها القاضي أو الأغنياء، فإن دعا جيرانه وهو فيهم، أو دعا العلماء والقاضي منهم- لم تكره [له] الإجابة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إن دعي مع العامة لا تكره له الإجابة، وكذلك إذا دعاه مع جيرانه، وإن دعاه مع السادة والمشايخ تكره له الإجابة؛ لأن الداعي [ربما] [يظن أنه] يتخذ عنده يداً بجمعه بينه وبينهم؛ فيطمع أن يميل فيما يرفعه إليه من خصوماته.
قلت: وما أطلقه من ذكر العامة لعله محمول على من ليس بسفلة منهم، ولا من أراذلهم، فأما المتصفين بذلك فقد ذكرنا في باب الوليمة أن أظهر الوجهين: أنه لا تجب الإجابة في هذه الحالة ولا تستحب، وإذا كان كذلك فقد حضر إلى ما ليس بمطلوب للشارع؛ فينبغي أن يمتنع [من الحضور].
قال: ويشهد مقدم الغائب؛ لأن هذه قربة يندب إليها جميع الناس، فكان الولاة فيها كغيرهم؛ لأن المقصود بها طاعة الله- تعالى- وطلب ثوابه.
ومقدم الغائب- بفتح الميم والدال-: قدومه.
قال: ويسوي بين الناس في ذلك؛ تطييباً لقلوبهم وتحاشياً عن الميل.
قال: فإن كثرت عليه وقطعته عن الحكم امتنع [في حق] الكل؛ لأن القضاء لا يقوم فيه غيره مقامه، وفي حضوره عند الجميع قطع له عنه، وفي حضوره عند قوم دون آخرين ترجيح يورث ضغانة في النفوس.
قال الشافعي- رضي الله عنه-: ويعتذر إلى [الذي يدعوه ويعرفه اشتغاله] بالحكم، ويسأله أن يحلله.
قال في "البحر": والأولى في زماننا هذا ألا يجيب أحداً؛ لأن السرائر قد خبثت، والظنون قد تغيرت، ولكنه يعتذر إليهم، ويسألهم التحلل.
وألحق في "الإبانة" بحالة الكثرة ما إذا وجد من طبعه [أنه لا] يجيب غير الداعي إذا دعاه، وقال: إن محل [جواز] الإجابة ما إذا كان يجد من طبعه أنه يجيب غيره.
ثم ظاهر ما حكيناه من تعليل القاضي أبي الطيب بجواز حضوره الولائم، يقتضي استحباب الإجابة في وليمة العرس وغيرها، وعليه ينطبق قول البغوي: ولا يستحب للقاضي التخلف عن الولائم إذا دعي إليها، خصوصاً وليمة العرس والختان.
قال: ويعود المرضى ويشهد الجنائز؛ لما في ذلك من وافر الأجر، وكامل الثواب، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عَائِدُ المَرِيضِ فِي مَخْرَفٍ مِنْ مَخَارِفِ الجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ".
والمخرف: البستان، وقيل: الطريق، قاله القلعي.
وَعَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَابِراً وَسَعْداً فِي مَرَضِهِمَا، وَعَادَ غُلَاماً يَهُوْدِيّاً فِي جِوَارِهِ، وَعَرَضَ عَليْهِ الإِسْلَامَ فَأَجَابَ.
قال: فإن كثرت عليه، أتى من ذلك ما لا يقطعه عن الحكم.
قال الماوردي: والفرق بين هذين وحضور الولائم من وجهين:
أحدهما: أن الولائم من حقوق الداعي؛ فاستوى [جميع] الدعاة في استحقاق الإجابة والعيادة، وحضور الجنائز من حقوقه؛ لأنه يقصد [به] الثواب؛ فجاز أن يخص.
والثاني: أن [في] الولائم ظنة ليست في العيادة والجنازة؛ فكان العموم فيها مزيلاً للظنة.
قال القاضي أبو الطيب- وهو في "البحر" [أيضاً]-: ولأن [في] عيادة المرضى والجنائز كثرة، وفي حضورها كلها مشقة شديدة وانقطاعه عما عليه من النظر، وفي ترك البعض تفويت للأجر بالكلية، ولأن ما لا يمكن استيعابه لا يكون تخصيص البعض دون البعض [فيه]، ميلاً وتفضيلاً.
قال [القاضي] أبو الطيب: ألا ترى أنه لو أصلح [هو] دعوة، كان له أن يدعو البعض [ويدع البعض]؛ لعدم إمكان الاستيعاب، وهذا بخلاف الولائم، فإنها قليلة في العادة، والاستيعاب لا يقطعه.
قال في "الشامل": ويقدم [فيها] الأقرب فالأقرب.
وقد ألحق الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي والبغوي والمصنف في "المهذب" مقدم الغائب بالعيادة؛ نظراً إلى الكثرة.
وحكى في "البحر" أن ابن المرزبان قال: سمعت القاضي أبا حامد يقول: الصحيح أن يعود الكل أو يترك الكل، وكذلك في الجنازة ومقدم الغائب.
قال الروياني: وهذا بخلاف ما قاله [سائر أصحابنا]، والشافعي ذكر ذلك في إجابة الوليمة دون غيرها؛ فلا يصح هذا القول.
قلت: وإذا عرفت ذلك علمت أن الشيخ في هذا الكتاب أخذ بقول القاضي أبي حامد في مقدم الغائب؛ لقربه من حضور الولائم في الظنة [به] وإمكان تصنعه، وبقول باقي الأصحاب في عيادة المرضى وشهادة الجنائز، والله أعلم.
قال: ولا يقضي وهو غضبان ولا جائع، أي: جوعاً شديداً، ولا عطشان، أي كذلك، ولا مهموم، أي: [همّاً] كبيراً، ولا فرحان، أي: كذلك، ولا يقضي والنعاس يغلبه، ولا يقضي والمرض يقلقه، ولا يقضي وهو حاقن، أي: يدافع البول، ولا حاقب، أي: يدافع الغائط، ولا في حر مزعج، ولا برد مؤلم.
والأصل في ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَقْضِي الحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ" كما أخرجه البخاري ومسلم، ورواية الشافعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ".
قال الأصحاب: ومعلوم أنه ما أراد الغضب نفسه، وإنما أراد [الاضطراب الذي يحصل بالغضب.
وهذا أخذوه من قول الشافعي- رضي الله عنه-: ومعقول في قوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ- أَوْ: لَا يَقْضِي القَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ- وَهُوَ غَضْبَانُ"، أنه أراد] أن يكون القاضي حين يحكم في حال لا يتغير فيها عقله [ولا خلقه، وإذا كان كذلك فهذه الأحوال يتغير فيها عقله]؛ فالنهي عن الحكم فيها مأخوذ من النص، ويؤيده أنه جاء في رواية عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه- وهو راوي حديث مسلم والبخاري السابق- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَقْضِي [القَاضِي] وَهُوَ غَضْبَانُ وَلَا مَهْمُوْمٌ وَلَا مُصَابٌ،"، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَقْضِي الحَاكِمُ [إِلَّا] وَهُوَ شَبْعَانُ
رَيَّانُ"، وما ذكرناه من أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري: إياك والضجر والقلق والتأذي بالناس، والتنكر عند الخصومة- والمعنى فيه: أنه في هذه الأحوال لا يتوفر على الاجتهاد؛ لشغل قلبه.
وهذا المنع على وجه الكراهة، صرح به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وصاحب "الكافي"، وكلام الماوردي يقتضي أن الأولى عدم الحكم في هذه الأحوال.
قال: فإن حكم في هذه الأحوال نفذ حكمه.
استدل الأصحاب لهذا بما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ مِنْهَا، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرَّ، فَأَبَى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ"؛ فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى [يَرْجِعَ إِلَى] الجَدْرِ"، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَوَاللهِ إِنِّي لَأَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
وفي "الحاوي" في أوائل كتاب الأقضية: أنه قيل: إن خصم الزبير حاطب بن أبي بلتعة.
قال الأصحاب: ووجه الدلالة من هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم في حال غضبه.
قلت: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الإمام وصاحب "التهذيب" وجماعة- كما قال الرافعي- قالوا: إن الغضب المنهي عن الحكم معه هو الواقع لغير الله- تعالى- أما الواقع لله- تعالى- في الحكم فلا يكون منهيّاً عنه، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة لله تعالى؛ فلا [يستدل بحكمه فيه على نفوذه] في غيره، وهذا فيه بعد؛ لأن المحذور من الحكم في هذه الحالة ونحوها- كما ذكرنا- عدم توفره على الاجتهاد، و [ذلك] لا يختلف بين أن يكون لله- تعالى- أو لغيره، وكذلك قال صاحب "البحر" بعد أن [حكاه عن بعض الأصحاب بخراسان، وهو غريب.
الثاني: [أنا] إذا] قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم إلا عن وحي، فالمعنى الذي لأجله [نهى] عن الحكم بسببه منتفٍ في حقه؛ فلا يستدل بفعله الذي لم تشاركه أمته في سببه، على فعل غيره، وإن قلنا بما عليه جمهور أهل العلم، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، كما قاله الماوردي في كتاب الأقضية: إن له ولغيره من الأنبياء- عليهم السلام- أن يجتهدوا، فقد اختلف أصحاب الشافعي في أنهم في اجتهادهم معصومون من الخطأ أم لا، على وجهين:
أحدهما: أنهم معصومون؛ لتسكن النفس إلى [التزام] أوامرهم بانتفاء الخطأ عن أخبارهم، وعلى هذا لا يحسن التمسك به أيضاً.
نعم، إن قلنا بالثاني، وهو أنهم غير معصومين من الخطأ؛ لوجوده منهم، لكنهم لا يقرهم الله- تعالى- عليه؛ ليزول الارتياب- فقد يحتج به، والله أعلم.
تنبيه: شراج الحرة: بكسر [الشين] المعجمة، واحدها: شرجة-[بفتح الشين-: مسيل الماء من الحِرار إلى السهل، والحَرَّة: كل أرض] ذات حجارة سود؛ وذلك لشدة حرها ووهج الشمس فيها.
والجدر- بفتح الجيم وسكون الدال المهملة-: الجدار، وقيل المراد به- ها هنا-
أصل الحائط، وقيل: أصل الشجر، وقيل: جذور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل.
قال: والمستحب أن يجلس للقضاء في موضع [فسيح]، أي: كالرحبة والقضاء؛ كي لا يتأذى بضيقه الخصوم، ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز، ولا يحصل فيه ملل، فقد قيل: خير المجالس ما سافر فيه البصر.
قال: بارز، أي: يعرفه الخاص والعام، ويصل إليه كل أحد، أي: من غريب ومستوطن وقوي وضعيف؛ ليصل كل أحد على طلب حقه ودفع الظلم عن نفسه.
وهذا فيه إشارة إلى أنه لا يكون له حاجب في حال جلوسه للقضاء؛ كما تقدم.
قال الأصحاب: ويستحب أن يكون مجلس حكمه [في الصيف] ظليلاً متصلاً بمهاب الريح، وفي الشتاء كنيناً، وأن يكون في الزمنين بعيداً عن دخان يتأذى به أو رائحة منتنة.
واستحب أبو عبيد [بن] حربويه من أصحابنا وغيره أن يكون موضع جلوسه مشرفاً: كدكة ونحوها؛ ليسهل عليه النظر للناس، و [تسهل] عليهم المطالبة.
قال [الرافعي]: وحسن أن توطَّأ له الفرش وتوضع الوسائد؛ ليعرفه كل داخل، وليكون أهيب عند الخصوم، وأرفق به فلا يمل.
وكذلك حكى بسط البساط ونحوه ابن الصباغ وغيره.
قال الماوردي: وليكن مع ذلك جلوسه في صدر مجلسه؛ ليعرفه الداخل ببديهة النظر.
ولو خالف [الناس]، وجلس للقضاء في بيته كان مكروهاً [كما] صرح به صاحب "المرشد" وغيره، ولو جلس فيه لغير الحكم، فحضره خصمان لم يكره أن
يحكم بينهما؛ لأنه- عليه السلام- فَعَلَ ذَلِكَ، وَتَحَاكَمَ عُمَرُ مَعَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِلَى زَيْدِ ابْنِ ثَابِتٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ عُمَرُ: فِي بَيْتِهِ يُؤْتى الحكم.
نَعَمْ، لَوْ كَثُرَتِ المُحَاكَمَاتُ خَرَجَ إِلَى مَجْلِسِ حُكْمِهِ.
قال: [ولا يحتجب] إلا لعذر كما تقدم.
وظاهر هذا الكلام من الشيخ أن القاضي يصرف أوقاته كلها في الانتصاب لفصل القضاء، إذا لم يكن ثم عذر، وعليه ينطبق قول القاضي الحسين: إنه يكره للقاضي أن يعين يوماً أو يومين في الأسبوع للقضاء، بل ينبغي أن يكون مرصداً للقضاء في جميع الأوقات إلا في أوقات الاستراحة والأكل والشرب.
وفي "الحاوي": أنه يجعل زمان نظره معيناً من الأيام؛ ليتأهب الناس للتحاكم إليه، فإن كثرت المحاكمات ولم يتسع لها بعض الأيام لزمه النظر في كل يوم، ويكون وقت نظره من اليوم معروفاً؛ ليكون باقيه مخصوصاً في [أمور] نفسه ولراحته ودعته، وإن قلت المحاكمات واتسع لها بعض الأيام جعل يوم نظره في الأسبوع مخصوصاً بحسب الحاجة من يوم أو يومين أو ثلاثة، ويختار أن تكون [أيام نظره من الأسبوع: السبت والاثنين والخميس، فإن تجدد في غير] يوم النظر ما لا يمكن تأخيره، نظر فيه ولم يؤخره.
قال في "التهذيب": إنه لا يجوز أن يؤخر النظر إذا وقعت لإنسان خصومة، إلا أن يكون مشتغلاً بصلاة أو أكل أو مُهِمٍّ؛ فلا بأس بالتأخير إلى الفراغ [منه، والله أعلم].
قال: ولا يجلس للقضاء في المسجد؛ [لِمَا رَوَى] [ابْنُ] بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "لَا وَجَدْتَهَا؛ إِنَّمَا بُنِيَتِ المَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللهِ- تَعَالَى- وَالصَّلَاةِ"؛ فدل على كراهة ما عداهما فيه.
وروى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانكُمْ وَمَجَانِيْنَكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَخُصُوْمَاتِكُمْ، وَحُدُودَكُمْ، وَسَلَّ سُيُوْفِكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ".
وقد نهى عمر القضاة أن يقضوا في المساجد.
والمعنى فيه: أن حضور الخصوم لا يخلو [غالباً] من لغط، وربما تعدى إلى سب ومشاتمة، والمساجد تصان عن هذا؛ ولأنه ربما كان في القوم جنب [أو حائض أو كافر].
قال: فإن اتفق جلوسه فيه، أي: لاعتكاف أو لانتظار صلاة فيه، فحضره خصمان- لم يكره أن يحكم بينهما؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد على هذا الوجه، وقال الحسن: دخلت المسجد فرأيت عثمان- رضي الله عنه- وقد ألقي رداءه على كومة حطاب، ونام عليه، فتاه سَقَّاءٌ بقربته ومعه خصم، فجلس عثمان وقضى بينهما، ولم ينكره أحد، وَعَلَى [مِثْلِ] هَذِهِ الحَالَةِ حَمَلَ أَصْحَابُنَا قَضَاءَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بَيْنَ النَّاسِ فِي المَسْجِدِ.
ثم في قول الشيخ: لم يكره أن يحكم بينهما، ما يعرفك أن الحكم [فيه] في غير هذه الحالة مكروه، وهو ما أورده الفوراني.
وفي "الرافعي" و"التهذيب" [حكاية وجه]: أنه لا يكره اتخاذ المسجد مجلساً للحكم [على وجه]، كمذهب مالك وأحمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتعليم القرآن والعلم، وهذا أخذ من نص الشافعي- رضي الله عنه- في موضع آخر [على] أنه لا يستحب جلوسه للقضاء في المسجد، وإلى ذلك أشار في "الوسيط".
وكلام المزني مشير إلى أن اتخاذه مجلساً لا يكره، لكن الأولى تركه، والصحيح: الكراهة، وهي كراهة تنزيه؛ كما صرح به في "البحر" [وغيره].
وعلى هذا لو خالف وحكم [فيه] جاز.
قاله ابن شداد.
قال: ويستحب أن يجلس مستقبل القبلة؛ لما روى عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لِكُلٍّ شَرَف، وَإِنَّ أَشْرَفَ المَجَالِسِ مَا استُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَهُ"، ولأن الجلوس للحكم بين الناس قربة وطاعة؛ فاستحب [له] فيه استقبال القبلة؛ كالصلاة والأذان.
وحكى ابن شداد عن ابن القاص أنه قال [في أدب القضاء]: ويجلس مستدبر القبلة، ووجهه مقابل لأهل المجلس، وهم مستقبلون القبلة؛ كمقابلة الخطيب للناس يوم الجمعة.
وقد حكاه ابن أبي الدم عن رواية الشيخ أبي علي أيضاً.
قال: ويجلس وعليه السكينة والوقار؛ لأنه أعظم لهيبته وأدعى لطاعته.
قال الماوردي: وليكن أيضاً غاضَّ الطرف كثير الصمت، قليل الكلام، يقتصر من كلامه على سؤال [أو جواب]، ولا يرفع بكلامه صوتاً إلا زجراً من تأديب، وليقلل الحركة والإشارة، والذي ذكره [القاضي] أبو الطيب قلة الكلام؛ لأن كثرته تذهب الهيبة.
قال: من غير جبرية ولا استكبار؛ [كي لا يهابه] الخصوم وأصحاب الحقوق.
والجبرية- بفتح الجيم، والباء ثانية الحروف-: الكبر والتعاظم والارتفاع والقهر.
ويقال: جَبَرُوةٌ- بالواو- وحُبُّورةٌ: بفتح الجيم وضم الباء المشددة، والاستكبار والكبر: أصله الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يليق به مد رجليه في المجلس، ولا الاتكاء.
ويحكى عن ابن أبي أحمد: الكراهية في الاتكاء؛ لما روي أنه- عليه السلام- أَبْصَرَ رَجُلاً جَالِساً وَقَدِ اتَّكَأَ عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى، فَقَالَ: "هَذِهِ جِلْسَةُ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ"، فأنكر الاتكاء.
قال الأصحاب: ويستحب أن يدعو عقيب جلوسه بالتوفيق والعصمة والتسديد، والأولى فيه ما روته أم سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من بيته يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ [أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَضِلَّ] أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ".
وروي أن الشعبي كان يقولهن، ويزيد عليهن: أَوْ أَعْتَدِي أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي بِالعِلْمِ، وَزَيِّنِّي بِالْحِلْمِ، وَأَكْرِمْنِي بِالتَّقْوَى حَتَّى لَا أَنْطِقَ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا أَقْضِي إِلَّا بِالْعَدْلِ.
قال في "الحاوي" و"البحر": ويستحب أن يكون جلوسه عقيب صلاة ركعتين، فإن كان جلوسه في المسجد كانت الصلاة تحية، وإن كانت في غير المسجد فلا [يصليها في أوقات الكراهة].
ولم يذكر ابن الصباغ الصلاة فيما إذا كان في غير المسجد، [وقال: إنه يصلي إذا كان في المسجد].
وكذلك البندنيجي قال ذلك، وصوره بما إذا اتخذه لعذر من مطر أو غيره، وقال فيما إذا كان في غير المسجد: وهو مخير: إن شاء صلى، وإن شاء ترك، إذا لم
يكن في وقت الكراهة.
ويستحب عند خروجه للحكم أن يخرج على الهيئة التي يجيء عليها إما راكباً إن كان له مركوب، أو ماشياً؛ كذا قاله أبو الطيب وابن الصباغ.
وفي "الرافعي": أنه يستحب أن يكون راكباً، ويسلم على كل من يلقاه يميناً وشمالاً؛ لما روي أنه- عليه السلام- قال: "لِيُسَلِّم الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، [وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِير"، وفي رواية أخرى: "يُسَلِّم المَاشِي عَلَى القَائِمِ، وَالقَائِمُ عَلَى القَاعِدِ"]، وهذا السلام أدب؛ كما قاله الماوردي في السير.
[ثم] إذا دخل مجلسه سلم على الخصوم المجتمعين فيه، ويردون عليه السلام أو بعضهم، وينادي من على رأسه.
هل من خصم؟ وكان اللائق أن يذكر هذا قبل الجلوس، لكن ترتيبات الكتاب اقتضى تأخيره.
قال: ويترك بين يديه القمطر مختوماً، ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر ونحوها.
والقمطر- بكسر القاف وفتح الميم وتسكين الطاء-: ما تصان فيه الكتب، وجمعه: قماطر، ويقال فيه: قمطرة، بالهاء.
وفي "ابن يونس": أن أصل [القمطر: دفاتر] الحساب وغيرها، تصر وتجمع في مكان واحد، وتُعبَّأ وتُشد، يقال: قمطرت الحساب قمطرة، إذا عبَّأته وشددته.
قال: ويجلس الكاتب بقربه؛ ليشاهد
-[أي: القاضي]-
ما يكتبه، أي: من إقرار [أو سماع] بينة أو تنفيذ حكم، وذكر سببه مع ذكر المحكوم له و [المحكوم] عليه، وكذا حِلاهما عند الجهالة، [والمحكوم به]،
و [المعنى] في ذلك: انتفاء التهمة عن الكاتب وصيانته من غلط [يقع] فيه إن اتفق.
قال الماوردي: والقاضي فيما يكتبه الكاتب من ذلك بين أمرين: إما أن يلقيه عليه حتى يكتبه من لفظه، أو يكتب الكاتب بألفاظه، والقاضي ينظر إليه أو يقرؤه بعد كتابته، ويعلم فيه القاضي بخطه، ويشهد [به] على نفسه؛ ليكون حجة للمتحاكمين، ويكتب الكاتب [ذلك] نسختين، تكون إحداهما في ديوان القاضي، والأخرى بيد المحكوم له.
فإن قصر القاضي فيما وصفناه كان مفرِّطاً في حقوق ولايته وحقوق الخصوم، ثم الجهة التي يجلس فيها الكاتب جهة اليسار؛ كما ذكره الماوردي وغيره.
وفي "الشامل" و"الرافعي": أنها بين يديه، وكذلك حكاه البندنيجي وقال: لا يجلسه يميناً ولا شمالاً.
قال القاضي أبو الطيب- وتبعه ابن الصباغ-: ولو أبعد الكاتب بناحية جاز، وفي هذه الحالة إذا ترافع إليه خصمان، فأقر أحدهما للآخر- لم يبعث بهما للكاتب ليكتب ما جرى، إلا بعد أن يشهد على المقر بحضرته، [أو يثبت اسم المقر] والمقر له، ويرفع في نسبه حتى يتميز المقر ويتعين؛ لأنه ربما جحد الإقرار وادعى أنه المقر له؛ حكى أبو بكر الصيرفي أن رجلين اختصما عند حاكم، فأقر أحدهما للآخر [بمال]، فبعث بهما إلى الكاتب، فرجع المقر عن إقراره، وادعى أن صاحبه هو الذي أقر له؛ فاشتبه الأمر على الحاكم؛ فذهب الإقرار وسقط؛ ولذلك قلنا: إنه يشهد على المقر أو يكتب اسمه ونسبه؛ حتى لا يتفق مثل ذلك.
قال: ويستحب ألا يحكم، أي: لا ينتصب للحكم، إلا بمشهد من الشهود؛ احتياطاً
للحق؛ فإنه قد يتفق بعد الحكم أمر يحتاج فيه إلى البينة.
قال ابن الصباغ والبندنيجي قبيل الكلام في النظر في المحبَّسين: ثم إن كان الحاكم ممن يحكم بعلمه أجلسهم بالبعد منه، حتى إذا احتاج إلى شهادتهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك، وإن كان ممن لا يحكم بعلمه أجلسهم بالقرب منه؛ حتى يسمعوا كلام المتخاصمين، ويحفظوا على المقر إقراره؛ كي لا ينكر [بعد ذلك] ويجحد.
قال البندنيجي: فإن جحد شهدوا عليه بذلك، وحكم الحاكم عليه، وعلى هذا جرى في البحر، وفي هذا كلام سنذكره.
قال الماوردي: ويكون مقعدهم في مجلسه متميزاً عن غيره، ولا يساويه واحد منهم في مقعده، ولا فيما يختص به من سواد وقلنسوة، وينبغي أن يختص الشهود في ملابسهم بما يتميزون به، ويسلموا على القاضي بلفظ الرياسة، ويرد عليهم مجيباً أو مبتدئاً على تماثل وتفاضل، ويقدم بعضهم على بعض في المجلس والخطاب؛ لما يتميزون به من علم وفضل، وقد يستدل لذلك بما رواه أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ".
ثم يمينه [من] مجلسه أولى من ميسرته، فإن افترقوا في الميمنة والميسرة جاز، وإن كان اجتماعهم أولى.
ويكف القاضي عن محادثة الشهود، ويكفوا عن محادثته، ويكون كلام القاضي مقصوراً على الإذن في الشهادة، وكلامهم له مقصوراً على أداء الشهادة، ويغضوا عنه أبصارهم، وإذا حضروا في غير مجلس الحكم جلسوا في مقاعدهم المعروفة في مجلسه، ورتبهم فيه على اختياره، وقطع تنافسهم
فيه؛ فإن التنافس يوهن العدالة، ويحادثهم ويحادثونه، [ويؤانسهم] ويؤانسونه بما لا تتخرق به الحشمة، ولا تزول به الصيانة.
قال: وبمحضر من الفقهاء، [أي]: الذين يحل لهم الفتوى، ويصح أن يتولوا القضاء [كما] قاله البندنيجي، والمعنى في حضورهم ما سيذكره الشيخ.
ثم المفتي: من اتصف بالعدالة المعتبرة في الرواية، وأهلية الاجتهاد في الأحكام الشرعية؛ كما تقدم.
فالرجل والمرأة، والحر والعبد، والبصير والأعمى أهل للفتوى إذا اتصفوا بالعدالة؛ لأن روايتهم صحيحة؛ لكن لا يحضر النسوة مجلس الحكم، وتجوز مشاورتهم في غيره؛ كما قاله الماوردي.
ولو اتصف العالم بالفسق لم يجز [له] قبول فتواه؛ لأنه لا يوثق بقوله.
نعم، عليه أن يعمل لنفسه باجتهاده، وفي جواز مباحثته وجهان في "الحاوي"، وجه المنع: خشية ما يستحدثه بمباحثته من شبهة فاسدة.
ولو كان عدلاً لم يبلغ رتبة الاجتهاد مطلقاً، لكنه بلغ ذلك في مذهب إمام- فقد حكى الفوراني وغيره في قبول فتواه وجهين، اختيار القفال منهما الجواز، قالوا: وأصل الوجهين أن المستفتي له مقلد له أو للميت صاحب المذهب، وفيه وجهان، فإن قلنا بالأول لم يجز، وإن قلنا بالثاني جاز، وهذا تفريع على جواز تقليد الميت؛ كما هو الصحيح؛ لأنه لو بطل قول القائل بموته، لبطل الإجماع بموت المجمعين، ولصارت المسألة اجتهادية، وقد منع [منه] بعضهم؛ فعلى هذا يرتفع الخلاف في المسألة، وهذا عند وجود المجتهد المطلق، فأما عند الفقد كما في [زماننا وقبله] فلا وجه إلا استفتاء الذين بلغوا رتبة الاجتهاد في مذاهب الأئمة، وهم الذين يستحب إحضارهم مجلس الحكم في هذا الزمان أيضاً، والأولى أن
يكونوا من الموافقين للقاضي في المذهب والمخالفين له؛ كما أشار إليه الغزالي بقوله: الأدب السادس: ألا يخرج حتى يجتمع [علماء الفريقين].
قال: فإن اتفق أمر مشكل شاورهم فيه؛ لما بيناه في الإمامة، ولأن أحداً من أهل العلم لا يمكنه الإحاطة بجميع السنن والآثار؛ فربما حضر بعضهم من ذلك ما لم يحضر البعض الآخر، فإذا استشار بان له ذلك بالمذاكرة، ولأن المشاورة أبعد من التهمة وأطيب لنفوس الخصوم، وإذا شاورهم ذكر كل واحد مذهبه ودليله، وتأمله القاضي، وليس لهم قبل المشاورة الاعتراض عليه، والرد إذا حكم [إلا حكم] بحكم يسوغ نقضه؛ كما سنذكره، وإن كان قد أساء بترك المشاورة؛ كما قاله الماوردي.
ثم بعد المشاورة قال: [الشيخ]: فإن اتضح له الحق حكم به؛ لحصول المقصود.
قال الأصحاب: ويستحب له إذا أراد أن يحكم أن [يجلس] المحكوم عليه، ويقول له: قد قامت البنية عليك بكذا، ورأيت الحكم عليك بكذا؛ ليكون أطيب لقلبه وأبعد [عن التهمة].
وعن نصه في "الأم": أنه يندبهما إلى الصلح بعد ظهور وجه الحكم، ويؤخر الحكم [اليوم واليومين] إذا سألهما فجعلاه في حل من التأخير، فإن لم يجتمعا على التحليل لم يؤخره؛ لأن الحكم إذا بان وجهه كان على الفور، وتأخيره ظلم.
قال: وإن لم يتضح، أخره إلى أن يتضح، [ولا] يقلد غيره في الحكم، أي: وإن كان أعلم منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، وهذا ينفي جواز التقليد، وكذا حديث معاذ المشهور، وهو قوله
- عليه السلام-[له]: بِمَ تحكم .. " إلى آخره، ولأنه من أهل الاجتهاد؛ فلم يجز أن يقلد غيره؛ كما لو أراد أن يقلد من هو مثله في الفروع، ومن هو أعلم منه [بأصول الديانات]، وهذا قول أبي إسحاق المروزي؛ كما حكاه الماوردي.
وقيل: إن حضره ما يفوته كالحكم بين المسافرين، وهم على الخروج- جاز أني قلد غيره، ويحكم؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] وهذا لا يعلم، ولأنه لا يمكنه إذا فرضه باجتهاده؛ فجاز له التقليد للضرورة قياساً على العامي، وهذا قول ابن سريج.
قال: وليس بشيء؛ لأن الاجتهاد شرط في صحة فرضه؛ فلا يسقط بخوف الفوت، كسائر الشروط، مثل: الطهارة والستارة بالنسبة إلى الصلاة، وما ذكر من الآية فالخطاب فيها لغير أهل الذكر الذين لا يعلمون البينات والزبر- وهي الحجج- بسؤال أهل [الذكر، والعالم عالم بالبينات والزبر، ثم لا نسلم تحقق الضرورة]؛ فإنه يمكنه أن يفوض الحكم إلى ذلك الغير فيحكم، وعلى تقدير التسليم؛ فالفرق بين العالم والعامي: أن العامي عاجز عن الاجتهاد، والعالم متمكن من الاجتهاد؛ فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر؛ كما لا يجوز اعتبار من لم يجد الماء والسترة بمن يقدر عليهما، ولكنه يخاف فوت الوقت إن استعملهما.
قال: وإن حضره خصوم بدأ بالأول فالأول؛ لأن الأسبق أحق بالتقديم إلى حق هو له؛ كالسابق إلى مكان مباح، والاعتبار بحضور المدعي دون المدعى عليه، كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ والفوراني وغيرهم، فلو اتفق أن المدعي والمدعى عليه حضرا في وقت واحد، وانتهت خصومة المدعي، فأراد المدعى عليه أن يدعي على المدعي بحق له- ففي "الحاوي" حكاية وجهين في تقدمه على غيره: أحدهما: يقدم؛ لهذا السبق.
والثاني: لا يسمعها إلا في مجلس آخر أو بعد انقضاء خصومات الحضور.
قال: وهو الذي أراه صواباً؛ لأن اسمه لم يثبت في هذا التقديم لنفسه، وإنما ثبت لحق غيره.
قلت: ويظهر على هذا أن يقال: لو حضرا معاً، ومراد كل واحد منهما الدعوى على صاحبه بحقه- أن يسمع بلا خلاف.
فرع: قال الأصحاب: المستحب للقاضي أن يقدم كل يوم ثقة؛ حتى يثبت [كل] أسامي الخصوم ويكتبها أولاً فأولاً، والأسبق فالأسبق، فإذا جلس للحكم تقدم إليه من سبق على الترتيب، فلو ضاق ذلك المجلس عن استيعابهم، بدأ في المجلس الثاني بالذين تأخروا في المجلس [الأول على ترتيبهم في السبق، ويقدمون على من حضر المجلس] الثاني قبلهم، وهكذا يفعل في المجلس الثالث والرابع.
قال: فإن كان فيهم مسافرون، أي: لو تأخر الحكم بينهم لتخلفوا عن القافلة؛ كما قاله الإمام والبغوي- قدمهم، أي: وإن كانوا متأخرين في الحضور؛ دفعاً [لضرر الإقامة] عنهم، ولأن الله- تعالى- خفف [عنهم أمر] العبادة بالفطر والقصر؛ فجاز أن يسامح لهم في باب الخصومة- أيضاً فيقدموا على غيرهم، ولا فرق على هذا بين أن يرضي المقيمون بذلك أو يكرهوا، وحكم المسافرين بعضهم مع بعض حكم المقيمين في الترتيب والقرعة.
قال: إلا أن يكثروا، [أي] مثل أن يكونوا قدر المقيمين أو أكثر؛ كالحجيج إذا نزلوا بمكة والمدينة، فلا يقدمهم؛ دفعاً للضرر عن المقيمين.
وفي "الحاوي" و"النهاية" و"المهذب" وجه أنهم لا يقدمون وإن قلوا إلا برضا المقيمين.
وظاهر النص الأول، وهو الصحيح، وبه جزم أكثرهم، [وما ذكره الشيخ] في المسافرين في حالة القلة والكثرة حكى مثله الإمام والبغوي في [اجتماع] النساء [مع الرجال، وحكى الإمام الوجه الآخر فيهن عن الأصحاب، على أنهم قالوا: الأولى للقاضي ألا يشرك بين النساء والرجال] في محل النظر، ويجعل للنساء وقتاً، وللرجال وقتاً.
قال فإن استوى جماعة في الحضور، أو أشكل السابق منهم، أقرع بينهم، فمن خرجت القرعة [له] قدم؛ لأنه لما انتقى المرجح تعينت القرعة؛ كما في المسافرة ببعض النساء.
وفي "الإشراف": أن القاضي يقدم من يشاء منهم إن شاء بالقرعة، وإن شاء باجتهاده، فلو آثر بعضهم بعضاً بالتقديم جاز.
ثم إن هذا إذا كان الخصوم يمكن أن يقرع بينهم؛ فلو كثروا، قال ابن الصباغ وغيره: كتب أسماءهم وجعلها بين يديه، [يمد يده] فيأخذ رقعة، ويقدم صاحبها [حسب ما] يتفق.
قال: ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة؛ دفعاً للضرر عن الباقين، فإنا لو قدمناه في أكثر منها لاستوعب المجلس بدعاويه، فعلى هذا يقال له: الحق لغيرك، فإن أردت فاجلس حتى تسمع من الخصمو دعاويهم، ثم أنظر بعد ذلك في خصومتك [الثانية] إن بقي وقت، [ولم أضجر].
وهذا إذا كانت الخصومة الثانية مع غير المدعى عليه أولاً، [أما إذا] كانت معه أيضاً، ففي "الحاوي" حكاية وجهين في السماع، وحكاه الإمام في الخصومتين
والثلاث لا غير، ثم قال: وهذا بعيد مع فتح الباب؛ فعدم الزيادة على الثلاث لا أصل له؛ فالوجه ألا يزيد على خصومة واحدة.
ورأيت فيما وقفت عليه من "الإشراف" أن [القاضي] أبا سعيد الإصطخري يجوز الدعاوى على رجال ولا يجوزها على رجل واحد، وهذا إن صح كان وجهاً [ثالثاً].
فرع: دخيل في هذا الباب: إذا استبق طلبة العلم، ينظر: فإن كان [ذلك] العلم مما لا يجب تعلمه، فالخيار إلى المعلم، وإن كان مما يجب تعلمه، فلو خصص أقواماً منهم، فهل يجوز له ذلك؟ فيه وجهان.
قال الإمام: والأولى المنع من التخصيص؛ فإنه لا يدري من المفلح، ومن المتحرج، فليقصد التعميم، فإن كان لا يتأتى الجمع في التعليم فعند ذلك يتبع السبق أو القرعة.
قال: ويسوي بين الخصمين، أي: وإن اختلفا في الشرف وغيره، والرق والحرية، في الدخول، أي: لا يدخل أحدهما قبل الآخر، والمجلس، أي: فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الآخر، والإقبال عليهما، أي: فلا يبش في وجه أحدهما ولا يقطب، ولا يقوم لأحدهما ويترك الآخر، [بل] إما أن يقوم لهما أو يترك- كما قاله الشيخ أبو علي- والإنصات غليهما، أي: فلا يصغي لكلام أحدهما دون الآخر.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء: 135].
قال أبو عبيد في "أدب القضاء"- كما حكاه أبو الطيب-: نزلت هذه الآية في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، فيلوي عن أحدهما، ويعرض للآخر، وروى عطاء عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِالقَضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا
يَرْفَعُهُ عَلَى الآخَرِ".
وقد ذكرنا أن عمر كتب إلى أبي موسى: "آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِكَ وَوَجْهِكَ وَقَضَائِكَ"، وروي أَنَّ عُمَرَ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ انْطَلَقَا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي خُصُومَةٍ فِي نَخْلٍ، فَلَمَّا بَلَغَا البَابَ، قَالَ عُمَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ زَيْدٌ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ- يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ- وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا أَوَّلُ جَوْرِكَ، فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ زَيْدٌ: هَا هُنَا يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، فَقَالَ عُمَرُ.
وَهَذَهِ مَعَ هَذِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ أَجْلِسُ مَعَ خَصْمِي.
ثُمَّ إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ادَّعَى عَلَيْهِ النَّخْلَ، فَقَالَ عُمَرُ: نَخْلِي وَفِي يَدِي.
فَقَالَ زَيْدٌ لأِبَيِّ: هَلْ لَكَ [مِنْ] بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: لَا.
فَقَالَ: [إِذَنْ] اعْفُ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ عَنِ اليَمِيْنِ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا زِلْتَ جَائِراً مُنْذُ دَخَلْنَا [بِقَوْلِكَ]: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، [وَقَوْلُكَ:] هَا هُنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَاعْفُ أَمِيرَ المُؤْمِنِيْنَ، وَلَوْ عَرَفْتَ لِي حَقّاً أَخَذْتُهُ بِيَمِينٍ، ثُمَّ حَلَفَ فَقَالَ: إِيْ وَاللهِ إِنَّكَ لَصَدُوْقٌ، وَمَا حَلَفْتَ إِلَّا عَلَى حَقٍّ.
[فَقَالَ عُمَرُ:] وَهِيَ لَكَ.
ولأن الحاكم إذا فضل أحد الخصمين انكسر قلب الآخر، ولحقه الضرر في استيفاء حجته والقيام بها؛ فلهذا قلنا بالتسوية بينهما.
وقد أبدى ابن أبي الدم [هنا] لنفسه احتمالاً في منع القيام لهما جميعاً؛ [لأنه قد يكون أحدهما شريفاً والآخر وضيعاً،] فإذا قام لهما علم الشريف [أنه] إنما قام له، و [علم] الوضيع [أنه لم يقم له]؛ فترك القيام لهما أقرب
إلى العدل وأنفى للتهمة، وعلى هذا سير الحكام الماضين: وَرُوِيَ أَنَّ الَمْهِديَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ مُحَمَّدَ بْنَ المَنْصُوْرِ تَقَدَّمَ مَعَ خُصُومٍ لَهُ- وَهُوَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ- إِلَى قَاضِي البَصْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ القَاضِي مُقْبِلاً أَطْرَقَ إِلَى الأَرْضِ حَتَّى جَلَسَ المَهْدِيُّ مَعَ خُصُوْمِهِ مَجْلِسَ المُتَحَاكِمِيْنَ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الحُكُومَةُ بَيْنَهُمْ قَامَ القَاضِي فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ المَهْدِيُّ: وَاللهِ، لَوْ قُمْتَ حِيْنَ دَخَلْتُ عَلَيْكَ لَعَزَلْتُكَ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ حِيْنَ [انْقَضَى الحُكْمُ] لَعَزَلْتُكَ.
والمهدي [أخذ هذا] عن أبيه؛ فإن أباه فعل هكذا بالمدينة عند قاضيها.
ثم ما ذكرناه من التسوية مستحب أو واجب؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل" و"المرشد": الأول، وفي "تعليق" البندنيجي ,"التهذيب": الثاني، وهو الذي حكاه ابن شداد عن الشيخ أبي حامد، والرافعي عن الأكثرين.
فرع: لو سلم الخصمان على القاضي رد عليهما، وإن سلم عليه أحدهما ففي فرض رده ثلاثة أوجه مجموعة في "ابن يونس"، وهي مأخوذة من كلام مجلي:
أحدها: يرد عليه [في الحال].
والثاني: يرد عليه بعد الحكم.
والثالث: يرد عليهما، والذي أورده القاضي الحسين، وبه أجاب في
"التهذيب": أنه إما أن يسكت، أو يقول للآخر: سلم أنت أيضاً، فإن سلم ردها [جواب سلامهما].
واعترض الرافعي [على ذلك] بعد حكايته عن الأصحاب لا غير، فقال: في قوله للآخر: سلم أنت أيضاً، اشتغال [منه] بغير الجواب، ومثله يقطع الجواب، ثم قال: وكأنهم احتملوا ذلك كي لا يبطل معنى التسوية.
وقال الإمام: ما ذكره القاضي من امتناع الرد عندي سرف؛ فإن رد السلام محمول على ابتداء أحدهما بالسلام، وهذا مما لا يخفي ولا يظهر ميلاً.
قال: وإن كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، أي: محقون الدم- قدم المسلم على الكافر في الدخول، ورفعه عليه في المجلس؛ لما روى إبراهيم التيمي قال: رأى عليُّ بن أبي طالب درعاً على يهودي، [فقال] [علي]: درعي سقطت يوم كذا، فقال اليهودي: لا أدري ما تقول، درعي وفي يدي، وفي ذلك بيني وبينك قاضي المسلمين، فارتفعا إلى شريح وهو نائب عن علي- رضي الله عنه- فلما رآه قام عن مجلسه، قال بعضهم: فقال له عليّ: هذا أول جورك، ثم أسند ظهره إلى الجدار، وبعضهم قال: إنه لما قام عن مجلسه أجلسه موضعه وجلس مع اليهودي بين يديه، فقال علي- كرم الله وجهه-: إن خصمي لو كان مسلماً لجلست معه بين يديك والذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لَا تُسَاوُوْهُمْ فِي المَجَالِسِ، وَلَا تَعُوْدُوْا مَرْضَاهُمْ، وَلَا تُشَيِّعُوا جَنَائِزَهُمْ، وَاضْطَرُّوْهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ".
وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والروياني والغزالي في المجلس خاصة، وحكاه البندنيجي عن بعض الأصحاب ولم يحك سواه.
وفي "المهذب" و"الحاوي" حكاية وجهين في التسوية بينهما في المجلس:
أحدهما: ما ذكره الشيخ هنا وغيره، وهو المختار في المرشد والمذهب
في "تعليق" القاضي الحسين.
والثاني: يسوي بينهما [كما يسوي بينهما] في المدخل والكلام.
وهذا التعليل منهما يدل على أنه لا خلاف في التسوية في الدخول.
وقال الرافعي: يمكن أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام، وقد صرح بذلك الفوراني قبله.
فرع: قال ابن الصباغ: الحاكم يجلس الخصمين بين يديه؛ لأن ذلك أمكن للحاكم في الإقبال عليهما والنظر في خصومتهما، وذلك على وجه الاستحباب، صرح به [في] "المهذب"، واستدل له بما روى عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكم.
وقد خرجه أبو داود، لكن في رجاله مصعب بن ثابت المديني، ولا يحتج بحديثه.
نعم، قد يستدل له بالخبر الذي ذكرناه عن علي- كرم الله وجهه- عند الكلام في كتاب العهد والتوصية بتقوى الله تعالى.
وقد أشار الشيخ إلى هذه الهيئة بقوله في الباب الثاني: إذا جلس بين يدي القاضي خصمان، [قال الأصحاب: وإذا كان الخصمان] شريفين فلا بأس أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، لكن الأولى الجلوس بين يديه؛ تأدباً مع الشرع، وتواضعاً لله تعالى.
قال الماوردي: ولا يسمع الدعوى بينهما وهما قائمان، حتى يجلسا بين يديه تجاه وجهه، ومن عادة جلوس الخصوم أن يجلسوا في التحاكم بروكاً على الركب؛ لأنه عادة العرب في التنازع، وعرف الحكام في الأحكام، لكن إذا كان التخاصم بين نسوة جلسن متربعات؛ لأنه أستر لهن، وإن كان بين رجل وامرأة برك الرجل وتربعت المرأة.
قال: وإذا جلس الخصمان تقاربا، إلا أن يكون أحدهما رجلاً والآخر امرأة غير محرم له؛ فيتباعدا ولا يتلاصقا.
وينبغي أن يكون مجلس الخصوم عند القاضي أبعد من مجالس غيرهم؛ ليتميز به الخصوم من غيرهم، وأبعد ما يكون [الخصمان أن يسمع كلامهما، وكذا أبعد ما يكون] بينهما: أن يسمع كل منهما كلام الآخر، ولو تقدم أحد الخصمين في الجلوس وتأخر الآخر، [فالأولى أن ينظر القاضي: فإن كان المتقدم قد جلس في مجلس الخصوم [وتأخر عنه الآخر] قدمه إليه، وإن كان المتأخر قد جلس في مجلس الخصوم] وتقدم الآخر أخره إليه، ولو رد المتقدم وقدم المتأخر كيف كان، جاز، قاله الماوردي.
ولو كان الخصم وكيلاً وحضر موكِّله مجلس المخاصمة، حكى الزبيلي في "أدب القضاء" له: [أنه] يجب أن يكون الوكيل والموكل والخصم مستوين، فلا يجوز أن يكون الموكل بجنب القاضي، [ويقول: وكيلي جالس مع الخصم.
وإذا دخل خصم دون خصم، فقام له القاضي]: إما ظناً منه بأنه لم يأته محاكماً، أو جهل ذلك، أو ارتكب المحذور فيه- قال ابن أبي الدم: فإما أن يقوم لخصمه كقيامه له؛ جبراً لما فعله؛ أو يعتذر إليه بأنه قام له ولم يشعر بمجيئه محاكماً.
قال: ولا يضيف أحدهما؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُضِفْ أَحَدَ الخَصْمَينِ إِلَّا وَمَعَهُ خَصْمُهُ"، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا ادعي عنده على شريف حجبه حتى يقضي بينه [وبين خصمه]؛ ولأنه إذا أضاف أحد الخصمين [انكسر قلب صاحبه.
وحكى ابن أبي الدم عن أبي القاسم الداركي أنه قال: هذا إذا كانت دار الخصم
بعيدة عن دار القاضي، أما إذا كان [أحد الخصمين]] جاراً للحامك أو من أقاربه، جاز للقاضي أن يدعوه إلى [داره وضيافته]؛ لأن فيه قضاء حق الجوار والقرابة؛ فلا تهمة.
وقال: هذا عندي على العكس؛ فإن التهمة تتمكن من الجار والقريب أكثر من البعيد؛ لقربهما من قلب الحاكم ومودته؛ ولذلك منع الحكم للفروع والأصول، والزوج والزوجة على رأي، ثم يلزم على ذلك جواز قبول هدية أحدهما إذا كان جاراً أو قريباً، ولا قائل به مع قيام الخصومة.
قال: ولا يشاوره ولا يلقن أحداً دعوى ولا حجة، أي: مثل أن يقول: قل كذا؛ لما في ذلك من إظهار الميل المؤثر كسر قلب الآخر، وقد يفضي ذلك إلى تعطيل حجته.
قال القاضي أبو الطيب: وضابطه: ألا يلقن أحدهما ما فيه ضرر على الآخر، ولا يهديه إليه، مثل أن يقصد [الإقرار فيلقنه [الإنكار، ويقصد] النكول فيجرِّئه على اليمين، أو يقصد] اليمين، فيلقنه النكول، وكذا إذا توقف الشاهد في أداء الشهادة لا يجرِّئه عليها، وإذا أقدم عليها لا يوقفه عنها، إلا في الحدود التي تدرأ بالشبهات؛ لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، [وذلك لا يجوز، وكذا] لا يجوز أن يتعنت الشاهد، كما نص عليه الشافعي، رضي الله عنه.
وعنت الشاهد قد يكون من ثلاثة أوجه؛ كما قال الماوردي:
إظهار المنكر عليه والاسترابة، وهو ظاهر الستر، موفور العقل، وهذا ما أورده أبو الطيب وابن الصباغ.
والثاني: أن يسأله من أين علمت ما شهدت به؟ وكيف تحملت؟ ولعلك سهوت؟ وهذا عندي داخل في الأول؛ لأن هذا إنما يفعل مع المستراب.
والثالث: أن يتتبعه في ألفاظه ويعارضه إلى ما جرى مجرى ما ذكرناه؛ لأن عنت الشاهد قدح فيه، وميل على المشهود له، ومفض إلى ترك الشهادة عنده.
وكذا لا يجوز أن يصرخ على الشاهد، ولا ينتهزه لأن ذلك عنت.
قال: ولا يعلمه كيف يدعي؛ لأن [في] ذلك إعانة له على خصمه.
وقيل: يجوز أن يعلمه؛ إذ لا يستضر الآخر [بصحة دعواه]؛ فإن الحق لا يثبت بقوله، وهذا قول الإصطخري، ولم يحك في "الإشراف" سواه.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وهو الذي عليه سائر الأصحاب كما قاله أبو الطيب، وعلى هذا يقول [له]: إن حققت دعواك سمعتها، وإلا صرفتك حتى تتحقق [لك].
ولا بأس على الوجهين بالاستفسار، مثل أن يدعي دراهم، فيقول: أهي صحاح أم مكسرة؟ أو قتلاً، فيقول: عمداً أو خطأ؟ ونحو ذلك، صرح به القاضي الحسين والبغوي [والرافعي] وغيرهم.
وحكى الإمام في كتاب قاض إلى قاض الخلاف فيه أيضاً، لكنه ادعى أن ظاهر النص- يميل إلى الجواز، ولو قال له: استعن بمن ينوب عنك، قال الماوردي: فإن أشار بذلك إلى الاستعانة [في الاحتجاج عنه لم يجز، وإن أشار به إلى الاستعانة] في تحقيق الدعوى [جاز.
ولا يعين له من يستعين به.
والخلاف المذكور في الكتاب في تعليم الدعوى] جارٍ في تعليم الشاهد كيفية أداء الشهادة، كما صرح به [في] "الحاوي" وغيره.
وقال في "العدة": الأصح الجواز [فيها]، وظاهر النص: المنع.
أما إذا لقنه ما يشهد به لم يجز.
قال: وله أن يزن عن أحدهما ما لزمه؛ لأن في ذلك نفعاً لهما، وله أن يشفع [له] إلى خصمه؛ لأن إجابة شفاعته إلى خيرة المشفوع إليه، ولأن الشفاعة إنما تكون بعد وجوب الحق، وحينئذ انتفى الميل، ولا يجوز أن ينهر الخصمين
فضلاً عن أحدهما، لأنه إذا فعل ذلك، لحقه الحصر والقصور عن القيام لحجته.
قال: وأول ما ينظر فيه أمر المحبسين؛ لأن الحبس عذاب، وإدامة العذاب من غير ثبت لا سبيل إليه، وليس هذا من تعقب أحكام القاضي الأول حتى يقال: لابد فيه من استعداء- كما سنذكره- بل لأنه قد يكون في الحبس مظلومٌ، و [هو] لا يتمكن من التظلم كما قاله في "الحاوي" و"البحر"، وقد يكون [فيه] من حبس تأديباً وفيما مضى من الحبس كفاية.
قال الإمام: وتقديم هذا حتم، وليس من الآداب حتى قال الأصحاب: لا ينبعث في خصومة ترفع إلى مجلسه [ما لم] يتفرغ قلبه من هذا الشغل، ويستخلف فيها إن جوزنا الاستخلاف، وكذا فيما نذكره من بعد من المهمات.
وكيفية النظر فيما نحن فيه- كما قاله في "البحر"-: أن يرسل أولاً رجلين من أمنائه يكتبان اسم كل من في الحبس، واسم من حبس له، وبأي شيء حبس، وقال بعض أصحابنا- يعني الماوردي؛ لأنه مذكور في "الحاوي"-: [ينفذ إلى الحبس] ثقة أميناً ومعه شاهدا عدل، وقيل: [يبعث ثقة] ولا يعتبر العدد.
وهذا ما أورده البندنيجي.
ثم قال الروياني: وعندي الاحتياط في العدد، ويجوز أن يقتصر على واحد؛ لأن طريقه الخبر.
وإذا أراد الأمين أن يكتب [أسماءهم، قال في "الحاوي" و"البحر": أقرع [بينه]، فمن خرجت قرعته قدم اسمه.
وقد نسب الرافعي ذلك إلى "أمالي" أبي الفرج السرخسي.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه يكتب] اسم كل واحد في قرعة.
وكلام الماوردي وصاحب "البحر" يقتضي أن يكون اسمهم في مكتوب واحد؛
لأنهما قالا بعد ذلك: فإذا حمل المكتوب إلى القاضي نادى في الناس ثلاثة أيام إن كان البلد كبيراً، [ويوماً] واحداً إن كان [البلد] صغيراً: إن القاضي بدأ بالنظر في أمور المحبَّسين؛ فمن كان له محبوس على حق فليحضر في يوم كذا.
قال الماوردي والبندنيجي: وليكن اليوم الرابع من [يوم] ندائه.
قال في "البحر": و [قيل]: ينادي هكذا أولاً، ثم يبعث الثقة فيكتب أسماء المحبوسين.
وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي والرافعي.
قال الروياني: ولا بأس به عندي، فإذا كان ذلك [اليوم] واجتمعوا، أقرع بين المحبوسين؛ لأجل التقديم.
قال في "الحاوي": ولا يقتصر على القرعة الأولى؛ فمن خرجت قرعته أخرج من الحبس، ولا يحتاج فيه إلى إذن خصمه؛ لأنه يخرج في حقه لا في حق حابسه.
كذا قاله في "البحر" أيضاً.
وينادي بإحضار خصمه، وقيل: إذا تبين خصم المحبوس الذي خرجت عليه القرعة وجهه القاضي مع أمينه إلى الحبس؛ حتى يأخذ بيد خصمه ويأتي به [إلى] مجلس الحكم.
وهذا ما أورده أبو الطيب وابن الصباغ.
وإذا حضر فلا يسأل [خصم المحبوس]- كما قاله في "الحاوي" و"البحر" وغيرهما- بل يقول للمحبوس: لم حبست؟ ولا يكتفي بالسؤال [الأول] الذي وقع في الحبس، فإذا قال شيئاً، عارض الأول بالثاني، وعمل بأغلظهما [عند الاختلاف]، ولو ثبت في ديوان الحكم سبب حبسه، قابله بما قال في الأول والثاني، وعمل بأغلظ الثلاثة، ثم إذا انفصل أمره أخرج من وقعت عليه القرعة ثانياً وهكذا.
وهذا إذا كان الحبس قريباً بحيث لا يتعطل على القاضي زمان إذا انتظر إخراج
محبوس منه بعد محبوس، فلو كان بعيداً أخرج بالقرعة جميع من يقدر على النظر بينهم في مجلسه قبل شروعه في النظر.
وفي "تعليق" البندنيجي و"الشامل" و"الرافعي" و"المرشد": أنه إذا أراد أن ينظر، ترك الرقاع التي فيها أسماء المحبوسين بين يديه، ومد يده إليها؛ فما وقع في يده منها نظر فيه.
ولعل هذا إذا كثر المحبوسون، وتعذرت القرعة؛ كما ذكرنا مثله في حضور الخصوم للتحاكم.
قال: فمن حبس بحق رده إلى الحبس؛ لأنه يستحقه لو أنشئت المحاكمة عند هذا القاضي؛ فاستمراره أولى.
وهذه المسألة مصورة في كلام الأصحاب- كما قال الإمام والبغوي- بما إذا أقر المحبوس أنه حبس بحق، وبما إذا أقر أنه حبس [بدين وهو قادر عليه؛ كما قاله في "الشامل" و"المرشد" وغيرهما، أو أن الدين الذي حبس] فيه ثمن مبيع، أو قرض، أو عن غصب، ولم تقم بينة بتلفه، ولم يصدقه الخصم على ذلك، أو أقر بأن الدين صداق أو أرش جناية أو بدل متلف ونحوه، وأنه معسر، فأقام الخصم بينة على أنه كان له مال؛ كما قاله أبو الطيب، [أو] أقر بأن ما حبس عليه ثمن خمر أو خنزير [لذمي] أو قيمته عنهما، والقاضي الأول والثاني يريان ذلك.
وقد يفهم من كلام الشيخ أنه إذا حبس تعزيراً لأجل لَدَدٍ صدر منه ونحوه: أنه يعاد، وقد قال الغزالي: إن من حبس تعزيراً لا يعاد.
وقال الرافعي: إن معظم الكتب ساكتة عن ذلك، ولعل وجه ما ذكره: أن التعزير يتعلق بنظر الحاكم الذي بانت عنده الجناية، ولا يدري هل كان الحاكم المصروف يديم حبسه أم لا؟ ولكن لو بانت جنايته عند الثاني ورأى إدامة حبسه، فالقياس جواز العود.
وفي "الحاوي" و"البحر": أن التعزير قد استوفي بعزل الأول، وإن لم يستكمل
مدة حبسه، مع بقاء نظر الثاني؛ لأن القاضي الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره، لكنه لا يطلقه حتى ينادي عليه- كما سنذكره- لاحتمال أن يكون قد حبس لخصم وأنكره، ويحلفه: إنه ما حبس بحق لخصم؛ كما قاله ابن أبي الدم.
قال: ومن حبس بغير حق خلاه؛ لأن استمراره معصية.
وهذه المسألة مصورة في كلام الأصحاب بما إذا صدق الخصم المحبوس على ما ادعى أنه حبس عليه، وكان ذلك لا يقتضي الحبس، وله صور:
منها: أن يصدقه على [أن] ما ابتاعه منه وحبس فيه قد تلف، أو قامت بينة بذلك ولم يعهد له مال غيره.
ومنها: إذا كان الدين عن صداق أو إتلاف أو ضمان، وقد ادعى المحبوس الإعسار، وصدقه فيه الخصم، أو كذبه في دعوى الإعسار، وحلف المحبوس؛ قال القاضي أبو الطيب: لأن الأصل أن لا مال له.
وهذا بناءً على أن من [لم] يعرف له مال إذا لزمه دين لا بمعاوضة محضة، القول في الإعسار قوله، كما حكيناه في باب التفليس عن العراقيين، وقد وافقهم القاضي الحسين هنا، أما إذا قلنا بما نقله المراوزة فلا يخفى تفريعه.
ومنها: إذا ادعى أنه حبس في قيمة خمر أتلفه [على] ذمي أو خنزير ونحوه، وكان الحاكم الأول لا يرى ذلك، [وكذلك الثاني، أو كان الخصم مسلماً.
نعم، لو كان الخصم ذميّاً، والحاكم الأول لا يرى ذلك كالشافعي]، [والثاني يراه كالحنفي- كان حكم الأول باطلاً، والثاني إن حكم بمذهبه حبسه.
ولو انعكس الحال فكان الأول حنفيّاً، والثاني شافعيّاً- لم ينقضه باتفاق الأصحاب]، ولكن هل يلزمه إمضاؤه أم لا؟ فيه قولان:
فإن قلنا بالأول وهو ما اختاره في "المرشد"، وصححه الرافعي- أعاده إلى الحبس.
وإن قلنا بالثاني، قال في "الحاوي" و"البحر": فيعيده إلى الحبس من غير أن يلزمه القضاء؛ لأنه [لا] يراه، ولا يطلقه؛ لأنه لا ينقض الحكم به، وأقره حتى يصطلحا.
وفي "الكافي": أنه على هذا القول لا يرده إلى الحبس؛ لأن في اجتهاده أنه لا شيء عليه، ولا يمكنه نقض ما حكم به الحاكم الأول بالاجتهاد؛ فالطريق فيه: أن يوقف الأمر بينه وبين المدعي حتى يصطلحا.
وهذا أقرب إلى كلام ابن الصباغ والبندنيجي حيث قالا: [لا] يمضيه، ويتوقف في بابه حتى يصطلحوا.
وأطلق القاضي أبو الطيب القول بأنه إذا حبس في ثمن نخمر أو خنزير: أنه يرده إلى الحبس؛ لأنها مسألة مختلف فيها، فإذا حكم الحاكم فيها لم ينقض حكمه؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ثم إطلاق المحبوس في الصور التي ذكرناها منوط عند الروياني والبندنيجي وابن الصباغ بالنداء عليه ثلاثاً: ألا إن فلان بن فلان قد فرغ من حكومته بينه وبين خصمه، فإن كان لأحد عليه حق فليتقدم فإن القاضي يريد إطلاقه، ووجه ذلك: أنه يحتمل أن يكون له خصم آخر فأنكره.
والقاضي أبو الطيب أطلق القول بالإطلاق من غير تقييد بذلك، وقال في "المرشد": عندي أن النداء الثاني لا يحتاج إليه؛ لأن في النداء الأول غنية عنه، ولأن الخصم الآخر إن لم يكن محبوساً [له] فلا يجوز حبسه انتظاراً لخصم لم يتعين ولم يثبت له حق، وإن [كان] قد حبس له فقد عرف حقه.
فرع: لو أقر المحبوس أن خصمه أقام بينة عليه بحق ولم تُعدَّل، وأنه [قد] حبس لأجل استزكائها- فهل يلحق ذلك بالقسم الأول حتى يعاد إلى الحبس، أو بالثاني حتى يخلى سبيله؟ فيه وجهان مبنيان على أنه يحبس لأجل الاستزكاء أم لا،
وفيه خلاف بين أبي إسحاق والإصطخري كما حكاه البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما.
قال القاضي أبو الطيب: فعلى قول [أبي إسحاق يرده] إلى الحبس؛ لأن الحبس عنده بحق؛ لأن الأصل العدالة، وإنما السؤال عن الجرح الذي يسقط الشهادة، وهذا ما اختاره في "المرشد".
وعلى قول الإصطخري يخلى؛ لأن الحبس عنده بغير حق؛ لأن البحث عنده والسؤال عن الشهود إنما هو لإثبات الشهادة.
قال البندنيجي: ومحل التخلية إذا لم يكن المعزول قد حكم بوجوب الحبس عليه.
وقد أوضح ذلك الماوردي، فقال بعد حكاية الوجهين: ثم إن قلنا: إنه لا يجوز حبسه، وكان القاضي قد قال: حكمت بحبسه- لزم حبسه باجتهاده، ولا يجوز إطلاقه، وإن لم يقل: حكمت، وجب إطلاقه، ولكن لا يعجل بإطلاقه حتى ينادى عليه ثلاثة أيام، كما سنذكره.
قال ابن أبي الدم: وفيما قاله نظران:
أحدهما: أنه قال: وإن قلنا: لا يجوز حبسه.
وفصَّل كما تراه، وكان من حقه أن يقول: إذا قلنا: لا يجوز حبسه للأول، فهذا إذا لم ير ذلك رأياً ومذهباً، وإلا فلو رأى الأول حبسه، جاز له ذلك قولاً واحداً؛ لأنها مسألة مجتهد فيها.
ثم [إذا] رأى القاضي الأول حبسه وحبسه، فالقاضي الثاني إن رأى حبسه سائغاً بذلك فله استدامة حبسه قولاً واحداً، وإن لم ير جواز حبسه، والتفريع على أن القاضي الأول رأى جواز حبسه وحبسه- فهل يديم الثاني حبسه بطلب الخصم؛ [إمضاء لفعل [الحاكم] الأول]، أو يطلقه؟ فيه وجهان.
الثاني: أنه [قال]: [إن] قال الأول: حكمت بحبسه، لزم الثاني حبسه، وإلا أطلقه.
وفي هذا إشارة إلى أن فعل الحاكم أو أمره بالفعل ليس بحكم، إنما الحكم قوله لفظاً: حكمت بكذا، أو لفظ آخر يقوم مقامه، وفي هذا تردد ظاهر.
ثم إنه قد
ناقض قوله هذا؛ فإنه قال متصلاً بما ذكره: أما إذا [قال]: حبسني تعدياً بغير حق [ولغير خصم]، فدعواه تخالف الظاهر من أحوال القضاة، وحبسه حكم؛ فلا ينقض إلا بيقين الفساد.
فقوله: "وحبسه حكم"، دليل على ما ذكرناه قطعاً.
قلت: وكأن الجواب عما ادعاه من المناقضة: أن الحبس حكم بالحق لا [حكم] بالحبس، والكلام ها هنا في الحبس لا في الحق.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه إذا قال: حبسني بشهود غير عدول، لم يقبل، ولكن يسأل عن عدالتهم: فإن كانوا عدولاً حبسه، وهل يحبسه في المدة التي يتعرف فيها أحوال الشهود؟ [فيه وجهان].
قال: ومن ادعى أنه حبس بغير خصم، أي: في [غير] حق، نادى عليه، أي: ينادي ثلاثة أيام- كما قال في "البحر"-: ألا من كان له عند فلان [بن فلان] حق فليحضر في يوم كذا؛ فإن القاضي عازم على إطلاقه من السجن.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن بعضهم قال: ينادي عليه ساعة أو ساعتين، فإن كان له خصم وإلا خلي سبيله، وقال [بعضهم]: ينادى عليه حتى يشتهر في البلد، ووجه النداء [أنه]: يحتمل أن يكون له خصم قد كتمه؛ فيظهر بالنداء.
قال: [ثم يحلفه]، أي: إن لم يحضر خصم، ولا بينة تخالف دعواه [ولا توافقها؛ لأن دعواه] مخالفة للظاهر، فحلف معها، بخلاف المسألة قبلها؛ حيث قلنا: يخلى بغير يمين؛ لأن له خصماً [حاضراً]، وكان الظاهر معه، والأصل عدم خصم آخر.
وكيفية اليمين: أن يحلف بالله إنه حبس بغير حق؛ كما قاله أبو الطيب، وقد فهمت مما حكاه القاضي عن بعضهم: أنه لا يحتاج في الإطلاق إلى يمين.
قال: ويخليه؛ لأن تخليد الحبس عليه بعد ذلك إضرار به لا إلى غاية، مع أنه لو كان له خصم لظهر بذلك.
قال الإمام- وتبعه الغزالي-: وهو في مدة النداء لا يحبس ولا يخلى، بل ينصب من يراقبه، وهل [يأخذ منه كفيلا] ببدنه [احتياطاً]؟ فيه وجهان ذكرهما صاحب "التقريب":
أحدهما: [نعم؛ فعلى هذا: إذا امتنع من القيام بكفيل رددناه إلى الحبس.
والثاني: ليس على ذلك]، وهو الصحيح الذي قطع به الأئمة، كما قال الإمام.
وفي "الإبانة" إطلاق القول بأن المحبوس إذا قال: حبست بظلم، لا يقبل قوله، واقتصر على ذلك.
وفي "الحاوي": أن دعواه [مخالفة للظاهر] من أحوال القضاة، وحبسه حكم؛ فلا ينقض إلا بيقين الفساد، ويطلب منه البينة: فإن شهدت أنه حبس بحق عزر [في جرحه] لحابسه، وإن شهدت أنه حبس ظلماً نادى عليه ثلاثاً كما ذكرنا، ثم يطلق إن لم يحضر خصم، وإن لم تقم بينة بأحد الأمرين أعاده إلى الحبس، ويكشف عن حاله حتى ييأس بعد الكشف من ظهور حق عليه، ويطالبه بكفيل بنفسه؛ لأن الحبس واجب عليه، فإن عدم كفيلاً استظهر في بقاء حبسه على [طلب الكفيل]، ثم يطلقه عند إعوازه، وهذا غاية ما يقدر عليه القاضي.
وحكى الإمام: أن في كلام القاضي ما يدل على أنه يخلى سبيله بمجرد قوله: حبست ظلماً، ولا يتشبث به، فإن ادعى عليه مدع، استعدى عليه؛ فإنا لا ندري أن