الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقهصفحات 232-254

3043 -

ما يكره من الشعر وما لا يكره

قال إسحاق بن منصور: قلت: ما يكره من الشعر؟ قال: الهجاءُ والرقيق الذي يشبب بالنساءِ، وأما الكلام الجاهلي فما أنفعه، قال رسول اللَّه: "إن من الشعر لحكمة" 1. قال إسحاق: أو كما قال.
"مسائل الكوسج" (3274)

قال إسحاق بن منصور: قلت: قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا" 2. فتلكأ، فذكرت له قول النضر بن شميل -يعني: أجوافنا لم تمتلئ شعرًا؛ فيها القرآن، والعلم، والذكر، هذا لأولئك الأعراب الذين لا يحسنون إلا الشعر.
فقال: ما أحسن ما قال.
قال إسحاق: أجاد.
"مسائل الكوسج" (3275)

قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان تذاكروا -أي: بيتًا من الشعر- فقال رجل: قول أبي طالب: شق له من اسمه ليجله... فذو العرش محمود وهذا محمد "العلل" رواية عبد اللَّه (1032)

قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عمر بن أبي

زائدة، عن الشعبي قال: كان أبو بكر شاعرًا، وكان عمر شاعرًا، وكان على يقول الشعر، وكان أشعرهم.
"العلل" رواية عبد اللَّه (2125)

قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا أيوب عن ابن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: كان آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت مجلسا تناشدنا فيه الشعر.
"العلل" رواية عبد اللَّه (2743)

قال عبد اللَّه: حدثني أبي قال: حدثنا علي بن ثابت قال: قال سعيد بن أبي عروبة: كان قتادة ربما حدثني بالحديث فينشد بعده بيت شعر أو بيتين.
"العلل" رواية عبد اللَّه (5372)

قال عبد اللَّه: حدثني أبي، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني سليمان، عن مسلم قال: سئل مسروق عن بيت شعر؟ قال: ما أحب أن أجد في صحيفتي شعرا.
"الزهد" ص 419

قال الخلال: أخبرني محمد بن علي قال: حدثنا صالح أنه سأل أباه عما يروى: "من روى هجاءً فهو أحد الهاجين" 1.

فقال: لا يعجبني أن يروى الهجاءُ.
"الأمر بالمعروف" للخلال (235)

3044 -

في ذكر ما أنشده الإمام أحمد من الشعر أو نسب إليه

قال أحمد بن يحيى ثعلب: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل، فصرت إليه، فلما دخلت عليه، قال لي: فيم تنظر؟ فقلت في النحو والعربية، فأنشدني أحمد بن حنبل 1 إذا ما خلوت الدهرَ يوما فلا تقل... خَلَوْتُ، ولكن قل: عليَّ رقيبُ ولا تحسبن اللَّه يغفل ساعةً... ولا أن ما نخفي عليه يغيبُ لَهَونَا عن الأيام حتى تتابعتْ... ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ فيا ليت أن اللَّه يَغْفر ما مضى... ويأذن في توباتنا فنتوبُ وقال في موضع آخر: دخلت على أحمد بن حنبل فرأيت رجلًا كأن النار تُوقد بين عينيه، فسلمت عليه فردّ وقال: من الرجل؟ فقلت: ثعلب.
= صحح الألباني صدره: "أربى إلربا شتم الأعراض" في "صحيح الجامع" (872)، وضعف عجزه الباقي في "ضعيف الجامع" (745).

فقال: ما الذي تطلب من العلم؟ قلت: القوافي والشعر، ووددت أني قلت له غير ذلك.
فقال: اكتب، ثم أملى عليّ 1: إذا ما خَلَوْتَ الدهرَ يوما فلا تَقُلْ... خَلَوْتُ، ولكن قل عليَّ رقيبُ ولا تحسبن اللَّهَ يغفل ساعةً... ولا أنَّ ما نُخفي عليه يغيبُ لَهَوْنَا عن الأعمال حتى تتابعتْ... ذنوبٌ على آثارهن ذنوبُ فيا ليت أن اللَّه يَغْفِر ما مَضَى... ويأذَنُ في تَوْبَاتنا فَنَتوبُ إذا ما مَضَى القَرْنُ الذي أنت فيهمُ... وخُلّفْتَ في قرنٍ فأَنت غريبُ وقال علي بن خَشْرَم أنه سمع أحمد بن حنبل يقول (1): تَفْنَى اللَّذَاذَةُ ممن نال صَفْوَتَهَا... من الحرام، ويَبْقَى الإِثمُ والعارُ تبقى عواقبُ سوء من مَغَبَّتِهَا... لَا خَيْرَ في لَذَّةٍ من بعدها النَّارُ وقال أبو عبد اللَّه الخيطَ: أنشدت لأحمد بن حنبل من قوله في علي بن المديني 2.

يا ابن المدينيِّ الذي عَرَضَتْ له... دُنْيَا، فجادَ بدينهِ لينالَهَا مَاذَا دَعَاكَ إلى انتحال مقالةٍ... قد كنتَ تَزْعُمُ كافرًا مَنْ قالهَا؟ أَمْرٌ بَدَا لَكَ رُشْدَهُ فتبعتَهُ... أَم زهرة الدنيا أَردْتَ نوالَهَا؟ ولقد عهدتُكَ مَرَّةً متشدِّدًا... صَعْبَ المقالة للتي تُدْعَى لها إِن المرزَّأَ مَنْ يُصاب بدينِهِ... لا مَنْ يرزَّأَ ناقَة وفِصَالَها "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص 265 - 266

فصل: ما جاء في الصور

3045 -

وجوب طمس الصور وأنها محرمة

قال أبو الفضل صالح: وسألت أبي عن قوم يرخصون في الصور ويقولون: كان نقش خاتم سليمان فيه صورة وغيره؟ فقال أبي: إنما هذِه الخواتيم كانت نقشت في الجاهلية، والصور لا ينبغي لبسها؛ لما روي فيه عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ، وعذب" 1، وقد قال إبراهيم: أصاب أصحابنا خمائص فيها صلب، فجعلوا يضربونها بالسوك، يمحونها بذلك.
وفي حديث أبي طلحة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة" 2. "مسائل صالح" (144)

قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: الصورة الرأس.
حَدَّثَنَا محمد بن محبوب قال: حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: الصورة الرأس، فإذا قطع الرأَس فليس هي صورة.
"مسائل أبي داود" (1676)

قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: فالرجل يُدعى، فيرى سترًا عليه تصاوير؟

قال: لا ينظر إليه.
قلت: قد نظرت إليه كيف أصنع، أهتكه؟ قال: تخرق شيء الناس؟ ولكن إن أمكنك خلعه خلعته.
"الورع" (453)

قال المروذي: قلت: فالرجل يكتري البيت يرى فيه تصاوير ترى أن يحكه؟ قال: نعم.
"الورع" (455)

ونقل المروذي عنه: عن خالد بن سعيد قال: دُعي أبو مسعود إلى طعام فقالوا له: في البيت صورة، فأبي أن يأتيهم حتى ذهب إنسان فكسرها.
وقال: حدثني عيسى بن المنذر الراسبي قال: سمعت الحسن وقال له عُقبة الراسبي: في مسجدنا ساجة فيها تصاوير؟ فقال الحسن: انجروها.
عن الزهري، عن سالم قال: عرستُ في عهد أبي، فآذن الناس، وكان فيمن آذن أبو أيوب، وقد ستروا بيتي بجُناديٍّ أخضر، فجاء أبو أيوب، فطأطأ رأسه، فإذا البيت مستور بجنُاديِّ أخضر.
فقال: أتسترون الجدر؟ ! فقال أبي، واستحيا: غلبنا النساء يا أبا أيوب.
فقال: من خشيت أن يغلبنه النساء، فلن أخشى أن يغلبنك.
لا أطعم لكم طعامًا ولا أدخل لكم بيتًا، فخرج.
عن مجاهد، عن أبي هريرة: أن جبرائيل جاء فسلم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فعرف رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صورته، فقال: "ادخل"، فقال: "إن في البيت سترًا في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رءوسها، واجعلوا بساطًا

أو وسائد فأوطئوه؛ فإنا لا ندخل بيتًا فيه تماثيل" 1. عن أبي مسلم الخولاني: أنه انصرف إلى منزله، فإذا هو بالبيت قد سُتِر.
فقال: إن بيتكم هذا ليجد القرَّ فأدفئوه، وإلا فلا أبرح حتى تنزعوه، فنزعوا الستر، ثم دخل.
عن عائشة -رضي اللَّه عنها-: أنها كان لها ثوب فيه تصاوير، ممدود إلى سهوة، فكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي إليه، فقال: "أخريه عني"، قال فأخذته فجعلتها وسادة 2. عن بُسر بن سعد، عن زيد بن خالد الكهني، عن أبي طلحة صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة".
قال بُسر: ثم اشتكى، فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد اللَّه الخولاني -ربيب ميمونة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: ألم يخبرنا ويذكر لنا الصورة يوم الأول؟ فقال عُبيد اللَّه: ألم تسمعه حين قال: "إلا رقمًا في ثوب؟ " 3. "الورع" (459 - 465)

3046 -

الصور إذا كانت في لعب الأطفال

قال المروذي: قيل لأبي عبد اللَّه: ترى للرجل الوصي تسأله الصبية أن يشتري لها لعبة؟ فقال: إن كانت صورة فلا، وذكر فيه شيئا قلت: الصورة أليس إذا كان لها يد أو رجل؟ فقال: عكرمة يقول: كل شيء له رأس فهو صورة.
قال أبو عبد اللَّه: فقد يصيرون لها صدرًا، وعينًا وأنفًا وأسنانًا.
قلت: فأحب أليك أن يجتنب شراءها؟ قال: نعم قلت: أفليس عائشة تقول: كنت ألعب بالبنات 1؟ قال: نعم، هذا محمد بن إبراهيم يرفعه، وأما هشام فلا أراه يذكر فيه كلاما، في حديث محمد بن إبراهيم، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يسرحهن إلي 2. قال المروذي: وألقيت على أبي عبد اللَّه: عن أسامة، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عائشة: أهديت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعي لعبي 3. فاستغربه، وقال: هو غريب ما أعرفه.
قال المروذي: قلت: حدثنا محمود بن غيلان، عن ابن عمر، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "الذين يصنعون الصور يوم القيام يقال لهم: أحيوا ما خلقتم".

عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: كان لنا سترٌ فيه تمثال طائر، فكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يا عائشة، حَوِّلِي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا".
قالت: وكانت لنا قطيفة لها أعلام.
حدثنا سفيان، عن الزهري، عن القاسم، عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه وقد سترت بقرام فيه تمثال، فلما رآه تلون وجهه -وقال سفيان مرة: تغير وجهه- وهتكه بيده وقال: "إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اللَّه ويشبهون".
قال سفيان: سواء.
عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأي الصور في البيت -يعني: الكعبة- فلم يدخل، وأمر بها فمحيت، ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم اللَّه، واللَّه ما استقسما بالأزلام قط" 1. عن عائشة أنها قالت: كان لنا ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سهوة، فكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي إليه.
فقال: "أخريه عني".
قالت: فأخرته فجعلته وسادة.
حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من سفر، وقد سترت سهوةً لي بستر فيه تصاوير.
قالت: فلما رآه هتكه وقال: "أتسترين الجُدُرَ بستر فيه تصاوير"؟ ! قال: فجعلنا منه منتبذتين، فرأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- متكئًا على أحداهما 2.

حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من سفر، وقد علَّقت على بابي سترًا فيه الخيل أولات الأجنحة، فلما رآها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "انزعيه" (1). عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- "أتاني جبريل عليه السلام، فقال: إني أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كانت في البيت تمثال رجل، وكان في البيت قِرَام ستر فيه تماثيل، فأمر برأس التمثال الذي في البيت أن يُقطع فيصير كهيئة الشجرة، فأمر بالستر يُقطع، فيُعمل منه وسادتين مننبذتين يوطئان، وأمر بالكلب أّن يُخرج، ففعلت" (2). "الورع" (466 - 475)

سأله بكر بن محمد النسائي عن حديث عائشة: كنت ألعب بالبنات.
قال: لا بأس بلعب اللعب إذا لم يكن فيه صورة، فإذا كان فيه صورة فلا.
"الأحكام السلطانية" ص 294

3047 -

الصور إذا كانت في أساس المنزل

قال إسحاق بن منصور: قلت: ما يكره من الصور؟ قال: ما يوطأ أرجو ألا يكون به بأس.
قلت: ويصلى عليه إذا وطئ؟12

قال: ويصلى عليه.
قال إسحاق: كما قال.
"مسائل الكوسج" (3315)

قال أبو الفضل صالح: حدثني أبي، قال: حَدَّثنَا أبو حفص المعيطي، قال: حَدَّثنَا هشام بن عروة قال: كان لأبي حجلة فيها الصورة.
"مسائل صالح" (864)

قال ابن هانئ: سألته عن الجلوس على ما فيه التماثيل؟ النوم على الخز وعلى الحرير؟ فقال: التماثيل إذا كان متوطئًا فلا بأس بالجلوس عليه، والخز لبسه أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يفترش الحرير.
"مسائل ابن هانئ" (1829)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا (معتمر) 1 بن سليمان قال: أخبرنا ليث قال: دخلت على سالم بن عبد اللَّه وهو متكئ على وسادة فيها تصاوير وحش أو سباع فقلت: أما تكره هذا، قال: يكره للذي يصورها، ثم قال سالم: سمعت أبي يحدث أن نبي اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من صور شيئًا كلف أن يحييه يوم القيامة" 2. وسمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "الفتنة ههنا" 3 وأشار بيده نحو المشرق.
قال: قلت له: بما جهزك

أبوك؟ قال: بتابوتين من خشب، وحجلة من صوف، ونبد وسائد، وزربية، وسرير عليه حشية قال: قلت إلى من أرسل؟ قال: أرسل إلى أبي أيوب صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دعو لنا بالبركة، فلما رأى ما في البيت أبى أن يدخل وقال: ما كنت أرى أن تدعوني إلى مثل هذا.
أو كما قال.
"مسائل حرب" ص 340

رابعًا: الاحتساب فصل: ما جاء في مراتب الاحتساب

3048 -

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد

قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: نحن نرجو إن أنكر بقلبه فقد سلم وإن أنكر بيده فهو أفضل.
"مسائل أبي داود" (1799)

قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: باليد، وباللسان، وبالقلب وهو أضعف.
قلت: كيف باليد؟ قال: تفرق بينهم.
ورأيت أبا عبد اللَّه مر على صبيان الكتاب يقتتلون، ففرّق بينهم.
"الورع" (499)

قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار، حدثني فلان أن عامر بن عبد اللَّه مر بالرحبة، وإذا ذمي يظلم قال: فألقى عامر رداءه، قال: ثم قال: لا أرى ذمة اللَّه تخفر وأنا حي! ثم استنقذه.
"الزهد" ص 278

قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي قال: حدثنا صالح أن أباه قال: التغيير باليد، ليس بالسيف والسلاح.
وقال: وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا المهنَّا قال: سألت أحمد عن الأمر بالمعروف يستقيم باليد يكون ضربًا باليد إذا أمر بالمعروف؟ قال: الرفق.

وقال: وأخبرنا محمد بن علي السمسار، حدثنا مهنَّا، قال: سئل أبو عبد اللَّه عن الرجل يأمر بالمعروف بيده؟ فقال: إن قوي على ذلك فلا بأس به.
فقلت: أليس قد جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس للمؤمن أن يذل نفسه" 1. أن يعرضها من البلاء ما لا طاقة له به؟ قال: ليس هذا من ذلك.
"الأمر بالمعروف" (28 - 30)

قال صالح، قال أبي: يقتل الخنزير، ويفسد الخمر، ويكسر الصليب.
"الطرق الحكمية" ص 359

قال المروذي: بعثني أبو عبد اللَّه إلى رجل بشيء، فدخلت عليه، فأتي بمكحلة رأسها مفضض، فقطعتها، فأعجبه ذلك، وتبسم وأنكر على صاحبها.
"الطرق الحكمية" ص 362، "الآداب الشرعية" 1/ 189، 3/ 479

3049 -

الاستعداء ورفع الأمر إلى الحاكم، وما قيل في كراهة ذلك

قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن رجل يتهم بغلامه، فأراد بعض الناس أن يرفعه إلى الإمام فدبر غلامه؟ فقال: هذا يحال بينه وبينه إذا كان فاجرًا معلنًا.
"مسائل أبي داود" (1803)

قال ابن هانئ: قلت له: إن بعض الصيادين يصطادون بالفأر والضفادع؟ قال: ويفعلون هذا! ؟ مرهم وانههم.
قيل له: فإن لم يقبلوا مني، أستعدي عليهم السلطان؟ قال: إن قدرت فاستعدِ عليهم، لعلهم ينتهون.
"مسائل ابن هانئ" (1958)

قال الخلال: أخبرني إبراهيم بن الخليل، أن أحمد بن نصر أبا حامد حدثهم، أن أبا عبد اللَّه سئل عن الرجل يُرى منه الفسق والدعارة، ويُنهى فلا ينتهي، يرفعه إلى السلطان؟ قال: إن علمت أنه يقيم عليه الحدَّ فارفعه.
وقال: كان لنا جار فرفع إلى السلطان، كان قد تأذى منه جيرانه فرفعوه، فضربوه ثلاثين درَّة فمات.
وقال: أخبرني أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: يستعان على من يعمل بالمنكر بالسلطان؟ قال: لا، يأخذون منه الشيء ويستتيبونه.

ثم قال: جار لنا حبس ذلك الرجل فمات في السجن 1. ثم قال: كيف حكى أبو بكر بن خلَّاد؟ فذكرت له قصة ابن عيينة.
وقال: فأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا بكر بن خلاد يقول: كنا عند ابن عيينة، فجاء الفضل فوقف عليه، فقال لنا: لا تجالسوه، حبس رجلًا في السجن، ما يؤمنك أن يقع السجن عليه، قم فأخرجه.
وقال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال، أنه قال لأبي عبد اللَّه: يكون لنا الجار يضرب بالطنبور والطبل.
قال: انهه.
قلت: أذهب به إلى السلطان؟ قال: لا.
قلت: فلم ينته، يُجزئني نهي له؟ قال: نعم، إنما يكفيك أن تنهاه.
وقال: أخبرني جعفر بن محمد، أن يعقوب بن بختان حدثهم، أنه سأل أبا عبد اللَّه عن القوم يؤذونه بالغناءِ؟ فقال: تقدَّم إليهم وانههم واجمع عليهم.
قلت: السلطان؟ قال: لا.
قلت: فأدع الصلاة؟ قال: لا تضيّع المسجد.
وقال: وأخبرني زكريا بن يحيى الناقد أن أبا طالب حدثهم: سئل أبو عبد اللَّه: إذا أمرتُ بالمعروف فلم ينته، ما أصنع؟ قال: فدعه، قد أمرته، وقد أنكرت عليه بلسانك وجوارحك، لا تخرُج إلى غيره، ولا ترفعه للسلطان يتعدى عليه، كان أصحاب عبد اللَّه إذا تلاحى قوم قالوا: مهلًا بارك اللَّه فيكم، مهلًا بارك اللَّه فيكم.
وقال: وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث

حدثهم قال: سألت أبا عبد اللَّه قلت: الرجل يأمر بالمعروف فلا يُقبل منه، فترى إذا رأى منكرًا وهو يعلم أنه لا يُقبل منه أن يسكت ولا يتكلم؟ قال: إذا رأى المنكر فليغيِّر بما أمكنه.
قلت له: فإن أمره ونهاه وتقدَّم إليه في ذلك فلم يقبل منه، ترى أنه يستعين عليه بالسلطان؟ قال: أما السلطان فما أرى ذلك.
قال: وسألته مرة أُخرى قلت: يا أبا عبد اللَّه، إن بعض إخوانك له جيران يؤذونه بشرب الأنبذة وضرب العيدان، وارتكاب المحارم، وبينت له أمر النساءِ، وهو يريد أن يرفعهم إلى السلطان.
فقال أبو عبد اللَّه: يعظهم وينهاهم.
قلت له: قد فعل فلم ينتهوا.
فقال: أما السلطان فلا، إذا رفعهم إلى السلطان خرج الأمر من يده، أما علمت قصة عقبة بن عامر؟ 1 وقال: أخبرني أحمد بن بشر بن سعيد الكندي قال: حدثني عبد اللَّه بن الطِّيب قال: كان لي جار يؤذيني يضرب الطنابير والعيدان، فأتيت أحمد بن حنبل، فقال لي: انهه.
فقلت: قد نهيته.
فقال لي: انهه.

فقلت: قد نهيته فعاد.
فقال: هذا عليك.
فقلت: السلطان؟ قال: لا، إنما عليك أن تنهاه.
وقال: أخبرني أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن صالحًا ابنك يريد أن يدخل هو وأبو يوسف إلى السلطان فيخبروه بقصة شمخصة أنه شتمك، وقد أشهدوا عليه، وكان قد شهد عليه أبو بكر بن حماد المقرئ.
فقال أبو عبد اللَّه: قل لهم: لا تعرضوا له، وأنكر أن يذهبوا إلى السلطان.
وبلغ أبا عبد اللَّه أن قرابة له حبس رجلًا في السجن، فأمر أن يُخرج.
فقال لي أبو عبد اللَّه: رأيت هذِه المرأة، قد رقَّ لها قلبي، أو قال: رققت لها.
قالت: ابني حُبس بسببك، حبسه شمخصة وأصحابه.
قال: لو تكلمتم في أمره؟ قلت: قد سألوا أصحابنا أن أذهب إلى فلان.
قال: فلا تذهب، تكلِّمُ من يُكلِّمُه على شرط ألا يحبس منهم أحدًا.
"الأمر بالمعروف" (50 - 60)

قال مثنى الأنباري: قلت لأبي عبد اللَّه: ما تقول إذا ضرب رجل رجلًا بحضرتي أو شتمه فأرادني أن أشهد له عند السلطان؟ قال: إن خاف أن يتعدى عليه لم يشهد، وإن لم يخف شهد.
"الآداب الشرعية" 1/ 216

قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه سئل عمن يعمل المسكر ويبيعه، ترى أن يحول من الجوار؟ قال: أرى أن يوعظ في ذلك ويقال له، فإن انتهى

وإلا أنمي أمره إلى السلطان حتَّى يمتنع من ذلك.
"الآداب الشرعية" 1/ 218

3050 -

إنكار المنكر بالقلب إن لم يستطع له تغييًرا

قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه قلت: رجل تكلم بكلام سوءٍ يجب عليّ أن أُغيّره في ذلك الوقت، فلا أقدر على تغييره، وليس لي أعوان يعينونني عليه؟ قال: إذا علم اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من قلبك أنك منكر لذلك، فأرجو ألا يكون عليك شيء.
"مسائل ابن هانئ" (1948)

قال ابن هانئ: قلت: متى يجب على الرجل الأمر والنهي؟ قال: ليس هذا زمان نهي، إذا غيرت بلسانك، فإن لم تستطع فبقلبك، فهو أضعف الإيمان.
وقال لي: لا تتعرض للسلطان فإن سيفه مسلول وعصاه.
"مسائل ابن هانئ" (1956)

قال المروذي: وشكوت إلى أبي عبد اللَّه جارًا لنا يؤذينا بالمنكر، فقال: مره بينك وبينه.
قلت: قد تقدمت إليه مرارًا، فكأنه تمحل.
قال: أي شيء عليك؟ إنما هو على نفسه، أنكر بقلبك ودعه.
قلت لأبي عبد اللَّه: فيستعان بالسلطان عليه؟ قال: لا، ربما يأخذ الشيء ويترك.
"الورع" (500)

قال الخلال: أخبرني محمد بن الحسين أن الفضل حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه وقال له رجل: لي جار يشرب ويعتدي، ترى لي أن أنهاه عن ذلك؟ قال: ما أحسن ما تفعل.
قال له الرجل: فإن لم أفعل؟ قال: ما أحسن ما تفعل.
قال له الرجل: فإن لم أفعل؟ قال: تخافه؟ قال: نعم.
قال: أنْكِرْ بقلبك، وليعلم اللَّه ذلك منك، رُويَ ذلك عن عبد اللَّه بن مسعود 1. "الأمر بالمعروف" للخلال (12)

قال الخلال: أخبرني أبو بكر المروذي أن أبا بكر الأثرم قال: قيل لأبي عبد اللَّه: رجل رأى منكرًا أيجب عليه تغييره؟ قال: غير بقلبه فأرجو، ثم قال: إن منهم من يخاف منه، فإذن يغير بقلبه.
"الأمر بالمعروف" للخلال (14)

قال الخلال: وأخبرني الحسين بن محمد ببيْت المقدس قال: كتبْت من مسائل أبي علي الدينوري، من مسائل ابن مزاحم أن أَبا عبد اللَّه قيل له: رجل رأى منكرًا، أيجب عليه تغييره؟

قال: إذا غير بقلبه فأرجو.
"الأمر بالمعروف" للخلال (16)

قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون، ثنا مُثنى قال: سلمت على أحمد، ووضعت عنده قرطاسًا وقلت: انظر فيها واكتب لي جوابها، وفيها ما تقول إن رأى الرجل الطنبور تباع في سوق من أسواق المسلمين مكشوفة، فأيهما أحب إليك: ذهابه إلى السلطان فيها، أو يأمر بكسرها، أو يكون منه فيها بعض التغيير، أو جلوسه عن الذهاب إلى السلطان وهو يأمر بلسانه وينكر بقلبه؟ فكتب: يغير ذلك إذا لم يخف، فإن خاف أنكر بقلبه، وأرجو أن يسلم على إنكاره.
"الأمر بالمعروف" للخلال (18)

قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد، حَدَّثَنَا جعفر بن محمد النَّسائي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: يجب الأمر والنهي على الإنسان؟ قال يا أبا محمد، في هذا الزمان أظنه شديدًا، مع أن في حديث أبي سعيد تسهيلًا.
قلت له: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده" 1؟ قال: نعم.
قال: "بقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
قلت: هذا أشدها عليَّ.
قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده".
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ما أمرتكم من الأمر فأتوا منه ما استطعتم" 2. فسكت.

وقال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حَدَّثنَا أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون قال: قيل لسفيان الثوري: ألا تأتي السلطان فتأمره؟ قال: إذا انْبَثَقَ البحر فمن يسَكِّرُه؟ وقال: قال المروذي: قلت لأبي عبد اللَّه: فمن كان له جار يسمع المنكر؟ قال: يغيره مرة ومرتين وثلاثة، فإن قبل وإلا ترك.
قلت: فإن كان سمعه؟ قال: وأي شيء تقدر أن تصنع؟ أنكر بقلبك ودعه.
"الأمر بالمعروف" للخلال (20 - 21)

جارٍ التحميل