كتاب إحياء الموات
1822 -
حكم الإحياء، وبيان ما يجوز إحياؤه، ومن يجوز إحياؤه، وهل يشترط في ذلك إذن الإمام أم لا؟
قال إسحاق بن منصور: قال إسحاق: مضت السنةُ مِنَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْ مَنْ أَحْيَا أرضًا مواتًا فَقَدْ ملك رقبتَهَا، وقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عاديُّ الأرضِ للَّه تعالى والرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ثمَّ لكم، مَنْ أحْيَا من موتان الأرضِ شيئًا فَقَدْ ملكَ رَقَبَتهَا" 1. فَلما ثبتتْ السنةُ بملكِ رقبة المواتِ للذين أحْيوهَا صارتْ سنةً مسنونةً، وعمل بذلك الخلفاءُ بعدَه، واجتمعَ علماءُ الأمصارِ في عَصْرِنَا هذا ومِنْ قبلُ أنَّ الأمرَ عَلَى ذَلِكَ لمْ يختلفْ منهم في ذَلِكَ والٍ، ولا عالم، ولا جماعة، واخْتلفَ علماءُ الأمصارِ في تفسيرِ المواتِ: فَرَأى قومٌ مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ كلَّ أرضٍ لمْ يُوضَعْ عليها الخراجُ، وإنْ كانتْ منسوبةً إلى قريةٍ إلَّا أنها ليستْ مما يعلُوهَا ماؤُها، وقَدْ جَاوزَ حدها قدر دعوة من المصر، فأحْيَاهَا رجلٌ أنه قَدْ ملكَ رقبتها، وإنْ كانتْ هذه الأرضُ في غيرِ أرضِ العربِ؛ لأنَّها إِذَا لمْ تكنْ في حدِّ قرية، وُضِعَ عَليها الخراجُ، أوْ هي مرعى لقومٍ، لمْ يكنْ حريما لهذِه
الحديث: 1822 - الجزء: 9 - الصفحة: 594
القرية التي هي بجنبها جبلًا كانَ أو أرضًا؛ لأنَّ الأرضَ التي لا يعلُوهَا الماءُ وإنْ نسبتْ إلَى قرية، أو قيل مفازة كورة، كنحو مفازة آمل أو مفازة كرمان، أو ما أَشْبَهَهُما، فإنَّ مَنْ أحيَا مِنْها فهو مباحٌ لَهُ إِذَا لمْ يكنْ يعرض لها متعرضٌ قَبْلُ فأحْيَاهَا، فإنَّ الذي يحيي مثلَ هذِه المواتِ فقدْ مَلَكَ الرقبةَ، ولا يكونُ إحياءُ المواتِ إلَّا بأنْ يحوطَ عليها حائطًا أو يجعلَ حواليها المسنيات كنحو الحيطانِ، أو يكون زرعها الذي أحياها كلها، أو كريها فهذا الإِحياءُ الذي قَدْ عرفْنَا؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مَنْ أحيَا أرضًا مواتًا فَقدْ مَلَكَ رَقَبَتَها"، وهو الذي قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أحاطَ عَلَى أَرضٍ فَقَدْ مَلَكَهَا" 2، فدلَّ هذا الحديثُ عَلَى معنى ما أردنا مِنْ تفسيرِ الإِحياءِ أَنَّهُ الحائط وما أشبهه، وهو الذي لا يُخْتَلفُ فِيهِ، وهوَ الحقُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عز وجل؛ لأنَّ كُلَّ أرضٍ بجنب قريةٍ أو قُرْبَهَا مما لا يعلوها ماء هذِه القرية وَاديًا كَانَ أو قناةً، فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أنهُ لمْ يُوضع عليها الخراجُ بما سنَّ عمرُ بن الخطاب رضى اللَّه عنه: أنَّ الخراجَ يُوضعُ عَلَى كلِّ أرضٍ لا يعلُوهَا الماءُ عامر وغامر 3، وهذِه التي زَالَ عَنْها المعْنَى الذي وَصَفْنَا صارت مواتًا، وقَدْ أجمعَ عدةٌ مِنَ العلماءِ أنَّ المواتَ لا يكونُ إلَّا في أرضِ العربِ منهم المغيرةُ الضبيُّ، والأوزاعيُّ، وسفيان
الجزء: 9 - الصفحة: 595
الثوريُّ، ومن سَلكَ طَرِيقَهُمْ، ولم يروا الموات في أرضِ الخراجِ، فلذلك قُلْنَا: كلُّ أرضٍ لمْ يُوضَع عليها الخراجُ جَبَلًا كان أو بَيَاضَ أرضٍ، بخراسان أو غيرها ففيها المواتُ.
وإنْ كَانَتْ أرضٌ في جنب القريةِ فتروحُ فيها دَوَابُّهُمْ، وتَسْرَحُ للرعي فإلى قدرِ منتهاها رأى قومٌ ألا يكونَ فيها مواتٌ، وقَدْ جعل ذَلِكَ حريمًا لهذِه القريةِ، وإنْ كَانَتْ لا يعلُوهَا الماءُ أبدًا.
"مسائل الكوسج" (2314)
قال إسحاق بن منصور: قال إسحاق: وهذا إِذَا كَانَ دون دعوةٍ مِنَ القريةِ أو المصر رجوت أنْ يكونَ كَما وَصفُوا، وأمَّا مَا نأت عما جَاءَ في سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو قدر دعوة، فَإنَّ رقبتها لمنْ أحْيَاهَا إِذَا كَانَتْ مما لا يعلوها ماءُ هذِه القرية، وإنْ كانت أرضًا منسوبةً إلى قريةٍ وهي عامرة ويعلوها الماءُ أن لو عمرت، فلا أَرى لأحدٍ مِنْ أهلِ تلِك القريةِ التي تُنْسَبُ هذِه الأرضُ إِليها أنْ يستبدَّ بِزِرَاعَتِهَا دون الشركاء؛ لأنهم في ذَلِكَ شرع واحد، ولا يجوز لأحد استخلاص شيء منها دون أهل القريةِ إِلَّا أنْ تكونَ مقاسمةً بينَ القومِ، أو يكون صلحًا بينَ القومِ يَتَراضون بِهِ عَلَى زِرَاعتها فَلَهُمْ ذَلِكَ حينئذٍ، ورَأى قومٌ في هذِه الأرضِ التي بينَ أهلِ القريةِ، أو القرية نفسها إِذَا كانت بينهم فلمْ يَقْتسموها، فأرادوا زِرَاعتها أنْ يَقْتَسِمُوا بينهم، ويقْرعُوا بينَ القسمةِ، وأرجُو أنْ يكونَ ذَلِكَ جائزًا، وإنْ كَانَ فِيها قومٌ غيبٌ أو صغارٌ فإن الحاكمَ يُوكلُ عَلَى الغائبِ، ويخصبُ للصغيرِ وَصيًّا ثمَّ يقتسمون حينئذٍ ويقْتَرعون، وهذا رَأيُ مالك وأصحابه أَنْ يقْتَسِمُوا همْ عَنِ الصَّغِيرِ والغائبِ، إِذَا كَانَ الذين حَضَرُوا هم مدركون ويحتاجون إِلَى القسمةِ، ويجمعون العدول في ذَلِكَ
الجزء: 9 - الصفحة: 596
ويقْرعون، فِقِيلَ لمالك رحمه اللَّه تعالى: أرأيتَ إنْ قدمَ الغائبُ أو أدركَ الصغيرُ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ؟ فقال: جَازت القسمةُ بينهم، ولوْ أنَّ الحاكمَ أرادَ ذَلِكَ لمْ يقدر على أكثر مِنْ أَنْ يحضرَ عدولًا حتَّى يَقْتَسمُوا، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ هؤلاء، ثُمَّ يقولُ عَلَى إثر ذَلِكَ: هؤلاء الحكام واللَّهِ قد أضاعُوا مِنَ الحكمِ أكثرَ منْ ذَلِكَ، والذي نعتمدُ عليه مِنْ ذَلِكَ ما وصف مالك عِنْد الضرورةِ، وإِذَا لمْ يمكنهم رفع ذَلِكَ إِلى حاكم لما لم يكن هناك من يحكم بينهم، أو لم يقدروا على تثبيت ذَلِكَ عند حاكم، فجازت حينئذٍ القسمةُ؛ لأنَّهَا موضعُ ضرورةٍ، وهذا إِذَا كَان فيهم غائبٌ أو صغيرٌ، فأمَّا إِذَا كان أهلُهَا كلُّهم كبارًا حضورًا فَلَا يحتاجون إِلَى حاكمٍ ولا إلَى قضيةِ قاضٍ.
وقدْ أجازَ أهلُ العلمِ مِنْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ومَنْ بعدَهم مِنَ الضَّروراتِ أكثرَ مِنْ هذا، وأنكرَ هؤلاء ما وصفَ مالك مِنْ ذَلِكَ عند الضرورةِ وغيرِ الضرورةِ، ثمَّ أتوا أعظمَ مما أنكروا فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَالوا: لو أنَّ أمرأةً التقطتْ صبيًا فربته، فَوُهِبَ للصَّبي هبةٌ، فقَالوا بأجمعهم: لها أنْ تقبضَ ما وُهِبَ له، وهُمْ لا يرون للأم قبضًا في الأصلِ، فادَّعوا أنَّ مثلَ هذا ضرورةٌ، وقَالوا أيضًا: لو كانت صبية فخطبها خاطبٌ فلهذِهِ الملتقطة أنْ تُزوجَهَا، ولا يرون لها خيارًا إِذَا أدركتْ، وقَالوا هذا موضعُ ضرورةٍ، ومثل هذا كثير مِنْ قولهم يفرقون بين مَا جمعَ القومُ، ويجمعون بين ما فرقَ القومُ، قَدْ أُوْلعُوا بذلك، فإِذَا أحْيَا الرجلُ الأرضَ الموات كَما وصفْنَا فَقَدْ ملكَ الرقبةَ، ثمَّ إنْ ضيَّعَهَا بعدَ ذَلِكَ ثلاث سنين فَقَدْ زالَ عَنهُ مَا أحْيَا، إلَّا أنْ يكونَ حَوطَ عليها الحائط، فإن ملكه حينئذٍ لا يزول.
الجزء: 9 - الصفحة: 597
وأمَّا الأرضُ التي هي منسوبةٌ إلى قريةٍ مما قَدْ وُضِعَ عَليها الخراجُ، فَلَا موات فيها؛ لوضع الخراج عليها، ولكن الإِمام إنْ رَأى أنْ يدفَعَهَا إِلَى مَنْ شاءَ حتَّى يحييها فَلَهُ ذَلِكَ بعدَ أنْ يكونَ ذَلِكَ نظرًا لأهلِ القريةِ؛ لأنها لَوْ تعطلتْ يومًا حتَّى لا يقدروا عَلَى احْتمالِ خَراجِهَا كَانَ على الإِمامِ التخفيفُ عنهم، فَكَذلِكَ لَهُ أنْ يبيحَ ما وصفنا حتَّى تحيا، ويضع عَلَيها قَدْرَ طَاقتها، وقدر مَا يعرفُ مِنَ المؤنةِ التي تلزم في إِحْيائِهَا عُشْرًا كان أو غيره؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ يوظفه عَلَيها كَانَ عليه إِسْقَاطه عنْ جملةِ خَراجِ أهلِ القريةِ، فَلذَلِكَ جعل النظر عَلَى معنى الحيطةِ لَهم، وجَهِلَ هؤلاء حيثُ قَالُوا: لا تحيا الموات إلَّا بإذنِ الإِمامِ، وإنْ كانَ مِنْ أرضِ العربِ، وهذِه زلةٌ عظيمةٌ؛ لأنهُ خلاف قولِ الرسولِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنما تحتاجُ إِلَى إذنِ السُّلطانِ في هذِه الأشياء التي وَصَفْنَا مما قَدْ وضع عَلَيها الخراج فلا يكون فِيهَا موات، وإذنُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَدْ أَتى عَلَى إِذْنِ السلطان وغيرهِ في المواتِ، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عاديُّ الأرضِ للَّه عز وجل ورسولِهِ ثمَّ لكم" فهوَ مباحٌ لمنْ أحْياهَا إلَّا أنْ يكونَ غيرَ مسلمٍ فإنَّ مَنْ أحيا الموات مِنْ غيرِ أهلِ الإِسلامِ خِفْتُ ألا يكونَ لَهُ ذَلِكَ لقولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "للهِ ولرسولهِ ثمَّ لكمْ".
فَمنْ أَحيا مِنْ موتان الأرضِ شيئًا سِوى أهلِ الإِسلامِ لمْ يكنْ بدٌّ للسلطانِ مِنْ أنْ يضعَ عَلَيها ما يَرى مِنَ الخراجِ؛ لأنَّهم لا يكونون كالمسلمين، فيُوضَع عليهم العُشْرُ كما يُوضَعُ عَلَى مسلمٍ يحيي مواتا مِنَ الأرضِ، فإنَّ المسلم إِذَا زَالَ عنه الخراجَ لزمه العشرُ، وغيرُ المسلمين إنما أُلْزِمُوا الخراج في أَرَضِيهم وعلى رءوسهم، ولا بدَّ مِنْ أنْ يُوضَعَ عَلَى ما يحيون مِنَ الأرضِ الخراجُ، فيكون الإِمامُ قَدْ أخَذَ مِنَ الأرضِ المستحدثةِ خراجًا، وإِنما عليها العشر، وإنَّ
الجزء: 9 - الصفحة: 598
المشركَ لا طهرةَ لَهُ بالعشرِ والزكاةِ، وإنما الطهرةُ للمسلمين كَما قال اللَّه سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. "مسائل الكوسج" (3315)
قال إسحاق بن منصور: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عاديُّ الأرضِ للَّه عز وجل ورسولِهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثمَّ لكم" 4.
قال: العادي: القديم، وهذا من طريق الموتان، من أحيا أرضًا ميتة فهي له.
قال إسحاق: كما قال.
"مسائل الكوسج" (3340)
قال إسحاق بن منصور: سُئِلَ إسحاقُ في موتان الأرضِ الموات في كل موضع، ويحتاجُ إلى إقطاعِ السلطانِ أم لا؟ وكيفَ يكونُ إحياؤه؟ وإنْ ماتَ قبلَ أن يحيي يكون لورثته منه شيءٌ، أم هي لمنِ اسْتحيَاها؟
قال: كُلُّ موات يكونُ في أرضِ العرب، وكلّ أرضٍ لم يوضع عليها خراج، وإن كان حوالي القرية بعدَ أَنْ يكونَ عامرًا لا يعلوها الماء فهي لمن أحياها لا يحتاجُ فيها إلى السلطانِ، فَأَمَّا الأرضون التي وضع على قريتِه الخراج، فإنَّه لا بد مِنْ أَنْ يقطع السلطان؛ لأنه ما أخذ من هذا الذي أحيا، وليس لورثةٍ آخذ الموات شيء، إذا لم يكن أحياها بزراعة أو حائط يحوط أو ما أشبه ذَلِكَ من المسبيات حواليها.
"مسائل الكوسج" (3380)
قال صالح: وسألته هل بأرض الجبل موات؟
الجزء: 9 - الصفحة: 599
فقال: إنما الموات تكون في الأرض التي لم تملك، فمن أحياها فهي له.
"مسائل صالح" (771)
قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الموات؟
قال: الموات: التي لا يملكها أحد.
"مسائل أبي داود" (1366)
قال أبو داود: قلت لأحمد: في كل الأرضين موات؟
قال: أخشى ألا يكون في السواد موات.
"مسائل أبي داود" (1367)
قال أبو داود: قلت لأحمد: أرض ميتة أحياها رجل؟
قال: إذا كانت لم تملك، فإن ملكت فهي فيء للمسلمين، مثل رجل مات وترك مالًا لا يعرف له وارث.
"مسائل أبي داود" (1368)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن: رجل ينزل قرية من القرى، وله أخ ببغداد يطلب إليه أن ينزل معه فيها، فيأبى وهي قرية لم يملكها أحد، وهي للدَهاِقين؟
قال أبو عبد اللَّه: إذا لم يُملكها السلطان، ولا أُقطعت لأحد ينزلها.
"مسائل ابن هانئ" (1973)
قال المروذي: وسئل أبو عبد اللَّه: عن أرض ليس يُعرف لها رب، فغرس رجلٌ فيها غرسًا.
فقال: الأرض صلح أو غير صلح؟
فقيل له: صلح.
الجزء: 9 - الصفحة: 600
قال: لا إِلا بإذن أربابها.
قيل له: لا يُعرف لها رب.
قال: الصلحُ له أرباب.
"الورع" (258)
نقل عنه أبو الحارث ويوسف بن موسى في الموات الذي جرى عليه مجرى ملك مسلم، ولا يعرف مالكه أنه لا يملك.
ونقل عنه يوسف بن موسى في إحياء ما قرب من العامر إذا لم يتعلق بمصلحته: إنما يكون في البرية والصحراء فإن كانت بين القرى فلا.
وقال أبو الصقر: قلت: إذا أحيا رجُلٌ أرضًا ميتة، وأحيا آخر إلى جنبه أرضًا، وبقيت بين القطعتين رقعة، فجاء رجل فدخل بينهما، ليحيي هذِه الرقعة فليس لهما أن يمنعاه؟
فقال: ليس لهما أن يمنعاه، إلا أن يكونا أحيوها.
وإذا كانت أرض بين فريقين، ليس فيها مزارع، ولا عيون ولا أنهار لأهل القريتين، ويزعم أهل كل قرية أنها لهم في حرمهم، فإنها ليست لهؤلاء ولا لهؤلاء، حتى يُعلم أنهم أحيوها، فمن أحياها فهي له.
"الروايتين والوجهين" 1/ 451
قال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال، وقد سأله عما أحيا من أرض السواد: أيكون لمن أحياه؟
فقال: مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الأنبار، فهو لمن أحياه.
"الأحكام السلطانية" ص 169
وقال علي بن سعيد: قلت لأحمد: يجعل للأرض حد من القرية في القرب والبعد؟
الجزء: 9 - الصفحة: 601
فقال: قد روي عن الليث بن سعيد بن غلوة نحوه، ولا أدري ما هذا؟ !
وقال في رواية يوسف بن موسى: الميتة التي لم يملكها أحد تكون في البرية، وإن كانت بين القرى فلا.
"الأحكام السلطانية" ص 209
ونقل علي بن سعيد النسوي وقد سأله عن مروج قرب المدينة، هي مرعى للدواب، ويعتبر فيها الموتى، ولا يعرف لها مالك؟
قال: لا أرى أن يتعرض لها إذا كانت بهذِه الحال قريبة من القرية.
وقال بعد ذلك: إذا لم يكن في أخذها ضرر على أحد فهي لمن أحياها.
ونقل يوسف بن موسى: إذا نضب الماء عن جزيرة إلى فناء رجل، هل يبنى فيها؟
قال: لا، فيه ضرر على غيره؛ لأن الماء يرجع.
"الأحكام السلطانية" ص 212
ونقل حرب: قال أحمد: يروى عن عمر أنه أباح الجزائر (1). "المغني" 8/ 160، "معونة أولي النهى" 6/ 18
1823 -
بيان ما يحصل به الإحياء
قال صالح: قال أبي: والإحياء يكون: يُحيط عليها حائطًا فيمنع منها، أو يُحفر فيها بئر فتكون له حريمها خمسة وعشرين ذراعًا حولها.
"مسائل صالح" (771)5
الحديث: 1823 - الجزء: 9 - الصفحة: 602
قال صالح: قال أبي: من حجر أرضًا ليست لأحد فهي له.
قال أبي: حدثنا محمد بن بشر عن سعيد، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من أحاط على إرض فهي له" 6.
"مسائل صالح" (1153)
قال ابن هانئ: وسمعته يقول: الأرض الموات لا يكون إحياؤها بالزرع فيها، إنما يكون إحياؤها بأن يعمل فيها، ويحفر فيها، ويبني فيها، فيكون بهذا إحياء ولا يكون بالزرع إحياء.
"مسائل ابن هانئ" (603)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن رجل ينزل قرية من القرى، وله أخ ببغداد يطلب إليه أن ينزل معه فيها، فيأتي وهي قرية لم يملكها أحد وهي للدهاقين؟
قال أبو عبد اللَّه: إذا لم يملكها السلطان نزلها، ولا أقطعت أحد بنزلها.
"مسائل ابن هانئ" (1209)
قال عبد اللَّه: سألت أبي عن حديث الصعب بن جثامة، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا حِمَى إِلَّا للَّه وَلِرَسُولِهِ" 7. قال أبي: فليس لرجل أن يحمي أرضًا لا يملكها، إلا ما كان للَّه ولرسوله.
الجزء: 9 - الصفحة: 603
قال أبي: ومعنى ما كان للَّه ولرسوله: فالإبل تكون يحمل عليها في سبيل اللَّه، أو أرض أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تحمى، إلا من ملك أرضًا فله أن يحميها، فيروي سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ" 8 فلهذا الحمى إذا منعها بحائط أحاط عليها، أو حفر بئرًا، فإن كانت عادية -والعادية القديمة- فله خمسون ذراعًا من جوانبها، وإن كانت ابتدئت بالحفر فله خمسة وعشرون ذراعًا حواليها ليس لأحد أن يدخل عليه فيها؛ لأنه قد ملك ذلك بحفر البئر.
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَن أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً.
. " 9 إذا حفر فيها بئرًا، فله حريمها، وإذا رفع حائطها حتى يمنع ذلك.
قيل له: فالأحجار؟
قال: ليس بشيء إلا أن يرفعه بحائط.
"مسائل عبد اللَّه" (1171)
قال في رواية ابن القاسم: الإحياء باستخراج نهر أو عين أو بئر.
"الروايتين والوجهين" 1/ 452
نقل حرب عنه في رجل أحيا أرض الموات، فحفر فيها بئرًا، أو ساق إليها الماء من موضع، أو أحاط عليها حائطًا ثم تركها فهي له.
الجزء: 9 - الصفحة: 604
قيل له: فهل في ذلك وقت إذا تركها؟
قال: لا.
ونقل عنه أبو الصقر: إذا أحيا أرضًا ميتة وزرعها ثم تركها حتى عادت خرابًا فهي له، ليس لآخر أن يأخذها منه.
"الأحكام السلطانية" ص 172
قال في رواية علي بن سعيد النسوي: الإحياء لا يكون إلا بأن يحوط عليها، فإن كرب حولها لم يستحق بذلك حتى يحوط.
وقال: الإحياء من احتاط حائطًا أو احتفر بئرًا، ومن احتاط حائطًا يمنع الناس والدواب فهي له، زرع فيها أو لم يزرع، ومن حفر بئرًا فحريمه خمسة وعشرون ذراعًا.
قال في رواية أحمد بن أبي عبدة: في أرض سبخة لا ربَّ لها ضرب عليها الناس؟
فقال: هل بنى عليها حائطًا؟ فقيل له: لا.
فقال: لا، إلا أن يبني عليها حائطًا.
"الأحكام السلطانية" 210 - 211
نقل حرب: إذا حفر بئرًا ولم يبلغ بها الماء لا يكون إحياء.
"الأحكام السلطانية" ص 217
الجزء: 9 - الصفحة: 605
باب في القطائع
1824 -
إقطاع الإمام الموات وأرض السواد
قال المروذي: سألت: أبا عبد اللَّه عن قطائع البصرة والكوفة؟
فقال: تجعل قطائع أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مثل قطائع هؤلاء.
ونقل يعقوب بن بختان: ما أقطع هؤلاء فلا يعجبني.
"الأحكام السلطانية" ص 227، 228
ونقل حرب: القطائع جائزة
وقال له المروذي: قال مالك: لا بأس بقطائع الأمراء، فأنكره شديدًا، وقال: تزعم أنه لا بأس بقطائعهم.
ونقل يعقوب عنه: قطائع الشام والجزيرة من المكروهة كانت لبني أميه فأخذها هؤلاء.
ونقل محمد بن داود: ما أدري ما هذِه القطائع؟ يخرجونها ممن شاءوا إلى من شاءوا.
"الفروع" 4/ 559، "المبدع" 5/ 259، "الإنصاف" 16/ 160
وقال في رواية الأثرم: دور البصرة أقطعت على عهد عمر -رضي اللَّه عنه-.
قيل له فالكوفة، كيف يسن فيها قطائع هذِه الأرض السواد، وتلك أرض أحيوها فاستخرجوها -يعني: البصرة- وقد أقطعوا أيضًا بالكوفة؟ فذكر حديث عثمان -رضي اللَّه عنه- أنه أقطع عبد اللَّه وخبابًا 10.
الحديث: 1824 - الجزء: 9 - الصفحة: 606
وقال المروذي: سُئل أبو عبد اللَّه عن القطائع التي بطرسوس هي مثل قطائع بغداد؟ فقال: لا، بل تلك عندي أسهل في نحر العدو.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: أليس قد أقطع عثمان عبد اللَّه وخبابًا وغيرهما -رضي اللَّه عنهم-؟
فقال: هذا أيضا يقوي أن أرض السواد ليست بملك لمن هي في يده، أن عمر -رضي اللَّه عنه- لم يقطع وعثمان أقطع بعد، فلو كان عمر -رضي اللَّه عنه- ملكها من هي في يده لم يقطع عثمان -رضي اللَّه عنه- بعد.
قيل لأبي عبد اللَّه: إنهم يقولون: إنما أقطع عمر -رضي اللَّه عنه- أرض كسرى ودار البريد 11، فنفض يده وقال: ليس هذا بشيء.
قلت: فاحتجوا بقول عبد اللَّه: (ويزادان أن ما يزادان) 12. فقال: نعم عثمان -رضي اللَّه عنه- أقطعه، أي حجة في هذا!
"الاستخراج لأحكام الخراج" ص 102 - 103
الجزء: 9 - الصفحة: 607
وذكر الخلال من طريق حنبل قال: قيل لأبي عبد اللَّه: فما أقطع عمر في السواد يصح لمن كان في يده منها شيء؟
قال: قد أقطع عمر -رضي اللَّه عنه- بحيلة، ثم رجع ورأى أن ليسوا بأحق به من المسلمين، وإقطاع عمر -رضي اللَّه عنه- ما أقطع من غير السواد ليس في قلبي.
"الاستخراج لأحكام الخراج" ص 106
1825 -
إقطاع الإمام المعادن
قال في رواية حرب وقد سئل عن حديث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أقطع رجلًا معدن الملح الذي بمأرب، فقيل له: إنه بمنزلة الماء العد، فرده النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 13. فقال: معدن ملح ينتابه الناس في الصحراء يأخذون الملح ليس هو بملك أحد، أخذه السلطان فأقطعه رجلًا فمنع الناس منه، فكرهه، وقال: هذا للمسلمين.
"الأحكام السلطانية" ص 235
الحديث: 1825 - الجزء: 9 - الصفحة: 608
باب فى الحمى
1826 -
لا حمى إلا للَّه ورسوله
نقل أبو الحارث عنه: ويحمي الكلأ لإبل الصدقة؛ لأنه للَّه عز وجل ولرسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.
"الأحكام السلطانية" ص 223
الحديث: 1826 - الجزء: 9 - الصفحة: 609
1827 -
باب من سبق إلى مباح فهو أحق به
قال ابن هانئ: وسئل عن الرجل يسبق إلى دكاكين السوق؟
قال: إذا لم يكن لأحد ممن سبق إليه غدوة فهو له إلى الليل، وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى.
"مسائل ابن هانئ" (1223)
ونقل حرب في رجل سبق إلى أفواه قنى عتيقة، فذهب رجل فسبق إلى بعض أفواه القنى من فوق أو من أسفل، فقال الأول: ليس لك ذلك؛ لأني سبقت إلى أصل القناة.
فقال أحمد: إذا لم يكن ملكًا لأحد، فلكل إنسان ما سبق إليه.
"الروايتين والوجهين" 1/ 453، "الأحكام السلطانية" ص 27
قال أبو جعفر محمد بن أبي حرب الجرجاني: قيل لأبي عبد اللَّه: الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، قال: إذا لم يكن لأحد، ولم يحجزه أخذه، فمن سبق إليه غدوة فهو له إلى الليل.
قال: وكان هذا في سوق المدينة فيما مضى.
"بدائع الفوائد" 4/ 40
الحديث: 1827 - الجزء: 9 - الصفحة: 610
1828 -
فصل في اللقاط وما جاء في أحكامه
قال إسحاق بن منصور: سُئِلَ -يعني: الأوزاعي- عن اللقاط إذا حَصَدُوا الزرعَ، قال: أكره لصاحبِه أن يبيعه، الناس فيه سواء إلا أنْ يريدَ صاحبه أن يعودَ فيه، وأمَّا أن يمنعه النَّاس أو يبيعه فلا.
قال أحمد: ما أحسن ما قال! لا أرى لهؤلاء أنْ يدخلوا أرضَ الرجل إلَّا بإذنِه، ولا أرى لصاحبِ الأرضِ أنْ يبيعه.
قال إسحاق: كما قال الأوزاعي.
"مسائل الكوسج" (3344)
قال المروذي: وذكر لأبي عبد اللَّه أن أبا يوسف الغسولي كان يقول: من ملك خمسين درهمًا لم أر له أن يلتقط، -يعني: السَّبَلَ.
فقال أبو عبد اللَّه: يروى عن أبي الدرداء في اللقاط، ولم ير أبو عبد اللَّه بأسًا باللقاط -يعني: وإن ملك خمسين درهمًا.
قلت لأبي عبد اللَّه: أرويه عنك؟ فأجازه عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد؛ أن رجلًا رقى إلى أبي الدرداء وهو يلتقط حبًا؛ فكأنه استحيا! فقال له: ارتق أو اصعد، إن من فقهك رفقك في معيشتك.
وسئل أبو عبد اللَّه: عن اللقاط من مزارع الحذم.
فقال: تتوقى أحب إليَّ.
وأراه قال -سنة- كنا نحن نتوقى مزارعهم، ولم ير أبو عبد اللَّه بأن يدخل الرجل يأخذ الشوك والكلأ بأسًا.
"الورع" (50 - 52)
نقل حرب فيمن حصد زرعه فسقط سنبل فلقطه قوم، يقاسمهم؟
الحديث: 1828 - الجزء: 9 - الصفحة: 611
قال: سبحان اللَّه، لا.
ونقل حنبل عنه: إذا أخذ السلطان حقه فعلى صاحبه أن يعطي المساكين مما يصير له، لقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ والحصاد: أن لا يمنع الرجل، ويكون ذلك بعلم صاحب الزرع.
ونقل أيضًا: لا ينبغي أن يدخل مزرعة أحد إلا بإذنه.
وقال: لم ير بأسًا بدخوله يأخذ كلأ وشوكًا.
"الفروع" 4/ 419، "معونة أولي النهى" 6/ 104
الجزء: 9 - الصفحة: 612