الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقهصفحات 87-101

اختيار من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه، فإن كلفت لهذا المعنى فحسن، وإن توضأت لكل صلاة إذا عقلت انقضاء أقرائها وإقبال حيضها من إدباره فحسن، وتبين أن الوضوء جائز، والغسل اختيار، وأن كل من صح عنه الغسل لكل صلاة أو للصلاتين صح عنه الوضوء أيضًا، ففي هذا ما يحقق أن أمرهم بالغسل على النظافة وقطع الدم وما أشبه ذلك من المعاني، ولم يكن ذلك منهم على مذهب الفرض، ومن أفتاها بالغسل لكل صلاة، فقد ذهب إلى مذهب اختلاط حيضها من استحاضتها يقول: عسى أن يكون ما أعده استحاضة حيضًا، فإن كان كذلك فالغسل عند كل صلاة أحب إلينا لأن الغسل لازم لها عند انقطاع الحيض، ولا يتبين لها متى انقطاع حيضتها، فالاحتياط لها الأخذ بالثقة والاغتسال عند كل صلاة أو الغسل للصلاتين.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1034)

قال حرب: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أبنا وكيع، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير قال: كنت عند ابن عباس فأتته امرأة بكتاب، قال سعيد: فقرأ به إني امرأة مستحاضة، وإن عليًا قال: تغتسل لكل صلاة قال: فقال ابن عباس: ما آخذ لها إلا ما قال علي.
قال حرب: حدثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن امرأة مستحاضة سألت على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فقيل لها: "إنما هو عاند" وأمرت أن تؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتغتسل غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا واحدًا.
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أبنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس قال: تؤخر المستحاضة الظهر، وتعجل العصر، وتقرن بينهما بغسل مرة واحدة، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، ثم تصليهما بغسل واحد، ثم تغتسل للفجر مرة.
قال حرب: حدثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم قال: ثنا عاصم الأحول، عن الشعبي قال: أرسلت امرأتي إلى قمير امرأة

مسروق فذكرت أنها حدثتها، عن عائشة أم المؤمنين إنها قالت: المستحاضة تغتسل غسلًا كل يوم.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1038 - 1041)

المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، تصلي النافلة بذلك لوضوء؟

قال حرب: سمعت أحمد يقول في الرجل تكون به علة يحتاج أن يتوضأ لكل صلاة، والمستحاضة إذا توضأت للفريضة: فإنها تصلي التطوع والصلاة الفائتة بذلك الوضوء حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى.
قال حرب: سألت أحمد بن حنبل أيضًا، قلت: المستحاضة إذا توضات؛ أتصلي إلى الصلاة الأخرى بذلك الوضوء؟ قال: نعم، تصلي بذلك الوضوء النوافل حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى.
قال حرب: وسألت إسحاق، قلت: المستحاضة إذا توضأت لكل صلاة أتصلي ما بين الصلاتين بذلك الوضوء؟ قال: تصلي بذلك الوضوء إلى الصلاة الأخرى ما شاءت التطوع والجنائز والصلاة الفائتة.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1162 - 1164)

الطهر في أثناء الحيض وعلامته

قال حرب: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن علقمة، عن أمه أن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة فتقول: لا تصلين حتى ترين القصة البيضاء.
قال حرب: قال أحمد بن حنبل: القصة: ماء أبيض يتبع الحيضة في آخرها.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1149 - 1150)

ما يجب على الحائض والمستحاضة إذا طهرت

قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يعني من المحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني: بالماء، ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] فمضى أهل العلم من التابعين ومن قبلهم: أن حكم الحائض إذا طهرت الاغتسال بالماء،

إلا أن يعزب عنها الماء فيكون حكمها التيمم.
ومعنى قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- والصحابة في ذلك كذلك.
فصارت الأمة مجمعة على تطهير الحائض والنفساء بالماء بعد انقطاع الدم وتبيان النقاء.
واختلفوا في حكم المستحاضة كيف تتطهر، أتغتسل أم تتوضأ.
وأجمعوا أن حكمها حكم الطاهر في الصلاة وغشيان الزوج، إلا أن الدم حدث منها.
وصح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "ذلك عِرقٌ وليس بالحيض".
فلما قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك، وأنه ليس بحيض: تبين في هذا القرآن أن طهارتها بالوضوء جائز، وحكمه كحكم الرعاف والجروح وما أشبهها.
فالمستحاضة طاهرة في أمورها، تصلي وتصوم وتطوف بالبيت وتدخله ويغشاها زوجها.
أجمع أهل العلم على ذلك، إلا الغشيان خاصة.
قال بعضهم: لا يغشاها زوجها، ولم نجد حُجةً لقائل هذا لما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنه عرق وليس بالحيضة".
فكان هذا رخصة؛ إذا صير حكم ذلك غير حكم الحيض، حيث قال: إنه عرق وليس بالحيض، وإنما قال اللَّه عز وجل اعتزلوا الناس في المحيض، فحكم الحائض والنفساء غير حكم الاستحاضة.
مع أن الأكثرين على غشيانها، فإذا استحيضت فجاءها وقت الصلاة أجلست وتنظفت لكيلا يغلبها الدم، وتثفر بثوب وتوضأت وصلَّت.
فإن غلبها حتى يسيل على الثوب، فقدرت على دفع ذلك وإلا فلا شيء عليها؛ لما سن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تُصلي وإن قطر الدم على الحصير قطرًا ولا غسل عليها في ثيابها إلا ما أمكنها من منعه، ليس عليها غير ذلك؛ قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ومما يوضح أمر المستحاضة: أنه على ما وصفنا فعل عمر رضي اللَّه عنه، حيث صلي وجرحه يثعب دمًا.
وفعل زيد بن ثابت، حيث سلسل البول منه فكان يداويه ما استطاع، فإذا غلبه توضأ ولا يبالي ما أصاب ثوبه، وأشباه ذلك كثير

وفيما بينا كفاية لمن تفهم.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 79 - 81

وطء المرأة قبل غسلها من حيضها

قال حرب: سمعت إسحاق يقول: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عثمان بن الأسود، قال: سألت مجاهدًا عن المرأة ترى الطهر ولما تغتسل أيأتيها زوجها؟ قال: لا، حتى تحل لها الصلاة.
قال حرب: قال إسحاق: أما ما قال هؤلاء: إذا طهرت من الحيضة وغسلت فخرج الدم حل وطؤها، فهو خطأ بين؛ لما قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]. فأجمع أهل العلم من التابعين ومن وصفنا: أن لا يطأها حتى تغتسل.
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا جرير، عن عبد الملك، عن عطاء: في المرأة ترى الطهر أيأتيها زوجها؟ قال: لا، حتى تغتسل.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 49

قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد اللَّه بن يزيد، قال: حدثنا حيوة بن شريح، قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب، يقول: قال أبو الخير مرثد بن عبد اللَّه اليزني، سمعت عقبة بن عامر يقول: واللَّه لا أجامع امرأتي في اليوم الذي تطهر فيه حتى يصير لها يوم.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 50

فصل في أحكام الجنب والحائض

الحائض تسبح قدر ما كانت مصلية؟

قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: قلت لأبي قلابة: الحائض تسمع الأذان أتتطهر وتسبح قدر ما كانت مصلية؟ قال: قد سألنا عن هذا فما وجدنا له أصلًا.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 61

الذكر وقراءة القرآن للجنب والحائض

قال حرب: سمعت إسحاق يقول: إذا أرادت الحائض أن تتطهر في وقت صلاة للتسبيح والذكر لا للصلاة فذلك لها، وتسبح وتذكر اللَّه ولا تقرأ من القرآن شيئًا قليلًا ولا كثيرًا تريد به التلاوة.
وإذا سمعت السجدة وهي حائض فلا قضاء طيها إذا طهرت؛ كما لا تُصلي وهي حائض؛ الصلاة أعظم حُرمًا.
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: الجنب والحائض يذكران اللَّه ولا يقرآن من القرآن شيئًا.
قيل: ولا آية.
قال: ولا نصف آية.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 60

قال حرب: سمعت أحمد يقول: الجنب يذكر اللَّه، ولا يقرأ القرآن.
قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: أقرأ القرآن على كل حال إلا أن تكون جنبًا، وادخل المسجد على كل حال إلا أن تكون جنبًا، والجنب والحائض يسبحان اللَّه ويذكران اللَّه، وإذا أراد الرجل أن يمر في المسجد وهو جنب ولم يجد بدًا، فليتيمم بالتراب وليمر.
قال: والجنب والحائض لا يقرءان حرفًا واحدًا -أراه التلاوة- إلا أن يأتي الجنب والحائض على حرف من القرآن في تسبيحه وذكره، وإنما قلنا لا يقرأ حرفًا؛ لقول علي بن أبي طالب.
"مسائل حرب/ مخطوط" (462 - 463)

قال حرب: قال إسحاق: وعلي أعلم بهذا الرواية عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان يقرأ القرآن على كل حال إلا الجنابة، والحرف والحرفان هو من القرآن فبين علي عن

النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معنى إرادته.
"مسائل حرب/ مخطوط" (465)

مس المصحف وما فيه ذكر اللَّه

قال حرب: سئل أحمد عن الجنب يكتب الحديث والكتاب؛ قال: أرجو أن لا يكون به بأس ما لم يكن قرأن، كأنه كره أن يكتب القرآن.
"مسائل حرب/ مخطوط" (471)

قال حرب: سمعت إسحاق يقول: يكره أن تمس الدرهم الأبيض وأنت على غير وضوء ولكن تمسه من وراء الثوب إن شئت.
قال: ولا بأس بأن يكون عليك الهميان فيه الدراهم البيض فتأتي الخلاء وهو معك لا بد للناس من نفقاتهم، قد قاله عمر بن عبد العزيز.
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أخبرني عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة، عن غيلان قال: قلت لعمر بن عبد العزيز: لو غيرت هذِه الدراهم البيض، فإنها تقع في يد اليهودي والنصراني والجنب؛ فقال: لقد أردت أن تحتج علينا الأمم أن نغير توحيد ربنا واسم نبينا.
"مسائل حرب/ مخطوط" (473 - 474)

المرور بالمسجد والجلوس به للجنب والحائض

قال حرب: سمعت إسحاق يقول: الجنب والحائض يتناولان من المسجد الشيء ويضعانه فيه، ولكن لا يدخلانه.
"مسائل حرب/ مخطوط" (475)

قال حرب: قلت لأحمد: الرجل ينام في المسجد فتصيبه الجنابة؟ قال: إن قدر أن يخرج فيغتسل خرج وإلا بات في المسجد، فإنه لعله إن خرج يصيبه البرد أو يعرض له أمر يغتم به، ورخص له أن ينام في المسجد.
قيل: فإن تيمم؟ قال: لم يبلغني.
وقال: إن وفدًا قدموا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فنزلوا المسجد.
قال حرب: سألت إسحاق، قلت: الجنب ينام في المسجد؟ قال: لا، إلا أن يكون ابتلي بالجنابة في المسجد.

قلت: فيمكث فيه؟ قال: ينبغي له أن يخرج.
"مسائل حرب/ مخطوط" (477 - 478)

الخضاب والزينة للحائض

قال حرب: سألت أحمد، قلت: الحائض تخضب يديها؟ قال: نعم.
قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: أما اختضابها في أيام حيضها فلا بأس بذلك، سُنة ماضية عن أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن بعدهن من أهل العلم.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 67

ما للرجل من امرأته وهي حائض

قال حرب: سألت أحمد، قلت: الرجل يباشر امرأته وهي حائض وعليه إزار وليس عليها؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، ولا نرى بأسًا بمباشرة الحائض على كل حال.
ونرى أنه لا بأس أن يصيب منها ما يريد إذا اتقى موضع الدم.
قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: أما الرخصة للرجال في مباشرة الحائض ومسيسه إياها دون الفرج، فإجماع أهل العلم على ذلك.
ولم يرخص أحد من أهل العلم في وطئه إياها إذا طهرت من حيضها قبل اغتسالها؛ لأن الاغتسال عليها فرض في الكتاب، وبذلك مضت السنة.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 51

قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: كانت إحدانا إذا حاضت أمرها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تتزر ثم يباشرها.
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن غيلان، عن الحكم، قال: لا بأس أن يضعه على فرجها ما لم يدخله.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 52

قال حرب: وسمعت إسحاق أيضًا يقول: قد مضت السنة من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه مع إجماع المسلمين على ذلك أن اللَّه قد فرض اجتناب وطئهن في حيضهن حتى يطهرن من الحيض، وكذلك في طهرها حتى تغتسل من محيضها؛

لقول اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يقول: إذا اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أن تعتزلوهن وهو موضع مخرج الولد، ولا بأس على الرجل أن يجامع الحائض ويباشرها ويتلذذ بها دون الجماع في الفرج.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1216)

تفسير قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أتى حائضًا فقد كفر"

قال حرب: وسمعت إسحاق مرة أخرى يقول: غلظ رسول اللَّه على واطئ الحائض؛ فقال: "من أتى حائضَا فقد كفر" ويمكن في هذا القول معنيان: فأحد المعنيين: على استحلال وطئه إياها في حيضتها، فإن كان معنى قوله على ذلك، فقد اجتمع أهل العلم على تكفير هذا.
ويمكن فيه معنى آخر إن أراده النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك لمن تهاون بها، وإن رآه حرامًا، فأما الذي يستيقن به فالمعنى الأول، ويخشى المعنى الآخر، فإذا فعله على التهاون والاستخفاف، فقد ارتكب الحرام واجترأ على اللَّه، ولا نجترئ على تكفيره؛ لما بين أن لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- معاني.
ومما يدل على أن لا يكون المتهاون بها كافرًا، ما أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالكفارة لمن وطئها حائضًا، ففي هذا ما يستدل أنه لو ألزمه الكفر في إتيانها، وهو يرى ذلك حرامًا، لم يأمره بالكفارة أيضا، وأما ما قال هؤلاء أن لا كفارة على الذي يأتي امرأته حائضا، فهو خطأ؛ لما سن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك، وفيما بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في ذلك ما ينبغي لأهل العلم أن يرغبوا في ذلك؛ لأن الكفارة للذنوب أهون من الذنوب التي لا كفارة لها، ولو لم نقض في ذلك سنة لكان يلزم العالم أن يحتاط فيأمر صاحبها بصدقة فيتقرب إلى اللَّه؛ ليكون ذلك كفارة له، فكيف وهو يرد ما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ وأخذ بذلك أهل العلم، فأما من لم ير ذلك من التابعين، فقد اقروا أنا لم نعلم في ذلك كفارة.
وإنما الحجة على من يعلم، مع أنهم لو لم يقولوا لم نعلم في ذلك كفارة، لكان الظن بهم ذلك؛ لأنهم إذا سمعوا اتبعوا، والعجب لمن يرى مزاحمة التابعين في الكلام يقول: إذا قالوا، ولم أر قولهم؛ فلي خلافهم، ثم يحتج بهم عند ذكر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1217)

كفارة من أتى امرأته وهي حائض

قال حرب: سألت أحمد؛ قلت: رجل غشي حائضًا؟ قال: إذا كان له مقدرة، فعليه ما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قلت: دينار ونصف دينار؟ قال: نعم.
قال حرب: وسألت إسحاق، قلت: امرأة لم تخبر زوجها أنها حائض فوطئها؟ قال: عليه دينار إذا كان في إقبال الدم، وإذا كانت صفرة فنصف دينار، وكذلك المرأة عليها دينار وأعظم؛ لأنها التي غرته، وإن استكرهها الزوج فليس عليها.
قال حرب: قيل لإسحاق: فإن الرجل لم يعلم أنها حائض فوطئها؟ قال: عليه دينار؛ لوطئه، لا لعلمه.
قال حرب: وسمعت إسحاق مرة أخري يقول: إن قال قائل: كيف يتصدق بدينار ونصف دينار؟ وقال مرة: خمسي دينار.
قيل له: لك في حديث ابن عيينة تبيان ما سألت حيث قال: "إن كان الدم عبيطًا فدينار، وإن كانت فيه صفرة فنصف دينار" فخمسي دينار على قدر رقة الدم، وغلظه وقرب طهارته من بعده، وفرق بينهما من لا يغلط ولا يسهو.
فمن رغب عن هذِه السنة الصحيحة التي سنها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في غشيان الحائض، فقد زل واخطأ.
وينبغي للمسلم إذا جاءه مثل هذا وأشباهه عن الرسول وأصحابه من بعده أن يقبله بقبول حسن.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وكفارات الذنوب هي أهون من الذنوب التي لا كفارة لها؛ لأنه إن كان معسرًا ليس بواجد للكفارة التي أمر بها فإن اللَّه يعذر بالمعذرة وقال اللَّه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: طاقتها.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1210 - 1213)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أبنا عيسى بن يونس قال: ثنا زيد بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن أبيه أن عمر أتى جارية له، فقالت: إني حائض، فكذبها، فوقع عليها، فوجدها حائضًا، فأتى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكر ذلك له فقال: "يغفر اللَّه لك أبا حفص تصدق بنصف دينار".
"مسائل حرب/ مخطوط" (1215)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: ثنا بقية بن الوليد، عن الأوزاعي قال: ثنا يزيد بن أبي مالك، عن ابن زيد بن الخطاب، عن عمر بن الخطاب، أنه كانت له امرأة تكره الرجال، فكان كلما أرادها اعتلت بالحيض، فظن أنها كاذبة، فأتاها، فوجدها صادقة، فأتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبره فأمره أن يتصدق بخمسي دينار.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1219)

المستحاضة يغشاها زوجها؟

قال حرب: سألت أحمد، قلت: المستحاضة يغشاها زوجها؟ قال: لا، إلا أن لا يصبر (1). قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: أما غشيان المستحاضة، فالذي نختار من ذلك: إذا عرفت أيام أقرائها ثم استحيضت ولم يختلط عليها حيضها، أن يجامعها زوجها وتصلي وتصوم.
وإذا اختلط عليها دم حيضها من استحاضتها، فأخذت بالاحتياط في الصلاة بقول العلماء وتحري أوقات حيضتها من استحاضتها ولم تستيقن بذلك: أن لا يغشاها زوجها حتى يكون على يقين من استحاضتها.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 46

طبخ الحائض وعجنها

قال حرب: سألت أحمد، قلت: الحائض تدخل يدها في الطعام والشراب والخل، وتعجن وغير ذلك؟ قال: نعم 2. قال حرب: وسمعت إسحاق يقول: لم تزل الحيض تعجن وتغسلن وتعملن في بيوتهن لا يمنعهن الحيض من ذلك، وهن في أمرهن كله على ما نحن عليه إلا الغشيان والصلاة.
وما زلن يضاجعن أزواجهن، ويباشرهن الأزواج ويغشوا منهن ما خلا الوقاع نفسه.
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا جرير، عن سفيان، عن المغيرة، عن1

إبراهيم، قال: لا بأس أن تعجن الحائض وتنبذ.
قال حرب: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان أهل الجاهلية لا تُباشر الرجلَ في بيته حائض ولا تواكله، ولا تضاجعه على فراش؛ فأنزل اللَّه في ذلك: يحرم فرجها، وأحل ما سوى ذلك.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 53 - 54

فصل في دم النفاس وأحكامه

أكثر النفاس وأقله، وما يجب على النفساء في ذلك

قال حرب: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل، قلت: النفساء كم تجلس، قال: أربعين يومًا.
قلت: فإن طهرت قبل الأربعين؟ قال: تصوم وتصلي.
قلت: يأتيها زوجها؟ قال: لا يعجبني إلى الأربعين.
قلت: فإن غشيها قبل الأربعين ولم تطهر بعد؟ قال: عليه ما على من يغشى الحائض.
قلت: فإن لم تنقطع عن النفساء الدم في الأربعين؟ قال: هي بمنزلة المستحاضة.
قال حرب: وأملى علينا إسحاق بن إبراهيم قال: النفساء، الوقت لها أربعين يومًا سنة ماضية، ولا يكون حكمه كحكم الحيض؛ لأن الحيض قد تبين عند الناس أنه يطول أيامًا ويكون لبعض النساء أيامًا دون ذلك، فأما النفساء فأكثر العلماء على أربعين يومًا لما مضت السنة فيها كذلك، فإذا جاوز الأربعين كانت طاهرًا.
قال حرب: وسألت إسحاق مرة أخرى، قلت: إن لم ينقطع عن النفساء الدم في الأربعين؛ كيف حالها؟ قال: إذا جاوزتها الأربعون تغتسل وتصلي وتوضأ لكل صلاة، فإذا جاء وقت حيضها تركت الصلاة.
وقال: في الشهر مرة على حديث حمنة.
قال حرب: وسمعت إسحاق مرة أخرى يقول: السنة في النفساء أن لا تجاوز

الأربعين؛ لما وصفنا لها من الوقت بالأثر الصحيح، فجعلنا ذلك آخر وقتها، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، ولا يأتي عليها وقت صلاة وهي طاهر إلا اغتسلت وصلت.
قال أبو يعقوب: فإن عاودها الدم في الأربعين، فالاحتياط لها والأخذ بالثقة أن تقضي صومها.
يعني: إذا كانت صامت في طهرها قبل الأربعين.
قال حرب: قال أبو يعقوب: لأن الأربعين لها وقت معلوم وقد يمكن أن تطهر المرأة قبل وقتها.
وقال بعضهم: ربما طهرت المرأة في أسبوع وربما طهرت في أسبوعين، فإذا كان ذلك من أمرها اغتسلت وصلت وتوضأت لكل صلاة أو صلت الصلاتين بغسل واحد، وصار شبهها في نفاسها في قلة العدد وكثرتها كشبه الحائض، إلا ما بينا أن أقصى وقتها الأربعين ولم يحد في الحيض ذلك، مع أن مالك بن أنس وغيره من علماء الحجاز يرون: إذا استمر بها الدم فلها أن تجلس إلى شهرين.
ولا يصح في مذهبهم هذا سنة إلا ما ذكرنا عن بعض التابعين، ولا تنقض السنة المجمع عليها إلا بمثلها، وخلقة النساء في النفاس مختلف كالحيض تكون إحداهن أسرع طهارة من بعض.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1165 - 1169)

قال حرب: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أبنا أبو بدر شجاع بن الوليد، عن علي بن علي، عن أبي سهل -وهو كثير بن زياد- عن مُسَّةَ الأزدية، عن أم سلمة زوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قالت: كانت النفساء تجلس على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعين يومًا، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف.
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أبنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عبد اللَّه بن يسار، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب قال: تجلس النفساء أربعين يومًا.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1172 - 1173)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: ثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث أن الشعبي وطاووسًا قالا في النفساء: تربص شهرين.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1176)

النفساء تطهر في يوم أو يومين، أيأتيها زوجها؟

قال حرب: سألت إسحاق بن إبراهيم، قلت: النفساء تنقطع عنها الدم في يوم أو يومين؛ هل يأتيها زوجها؟ قال: إذا كان عادتها ذلك.
قلت: فإن انقطع عنها الدم قبل الأربعين، ثم عاودها في الأربعين؟ قال: إذا كان عاد بها ذلك، يأتيها زوجها.
قلت لإسحاق: فإن انقطع عنها الدم، ثم عاودها عنيتُ قبل الأربعين؟ قال: تترك الصلاة.
يعني: إذا عاودها قبل أن تمضي أربعون يومًا.
قال حرب: سمعت إسحاق مرة أخرى يقول في النفساء: إن طهرت في سبعة أيام أو أقل، اغتسلت وصلت وصامت، ولا يأتيها زوجها حتى تمضي الأربعون وذلك من أهل العلم؛ احتياطًا لها.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1179 - 1180)

متى يثبت للمرأة حكم النفساء؟

قال حرب: سألت أحمد، قلت: امرأة دام بها الطلق أيامًا، وترى الدم ولا تسقط الولد أيامًا، وهل تدع الصلاة هذِه الأيام؟ قال: تدع الصلاة قدر أيامها التي كانت تحيض.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 69

قال حرب: وسألت إسحاق، قلت: المرأة متى تستيقن بالحبل، حتى إن رأت الدم تركت الصلاة؟ قال: الحامل عندنا تحيض.
"أجزاء من مسائل حرب" ص 69

قال حرب: سألت أحمد، قلت: امرأة أسقطت؛ كيف حالها في النفاس؟ قال: إذا استبان أنه خلق، فإنها نفساء.
وإذا كان علقة أو مضغة، لم يتبين أنه خلق، فلا شيء.
قال حرب: وسألت إسحاق، قلت: امرأة حامل وبطنها لأربعة أشهر أو خمسة أشهر، فأخذها الطلق لتسقط؛ هل تدع الصلاة؟ قال: إذا استتم الخلق تركت الصلاة.
وقال: السقط يغسل، ويكفن، ويصلي عليه.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1202 - 1203)

الحامل ترى الدم

قال حرب: سألت أحمد، قلت: الحامل ترى الدم على حملها؟ قال: ليس بشيء.
قلت: إن رأته في أيام حيضها وغير أيام حيضها، إذا كانت حاملًا فهو واحد؟ قال: نعم.
قال حرب: وسمعت أحمد مرة أخرى يقول: لا يكون حيض على حمل، ولو كان كذلك ما عرفت العدة، ولا الحمل، ولا الحيض، وأنكر ذلك.
قال حرب: وسمعت أحمد مرة أخرى يقول: أهل المدينة يقولون: الحامل تحيض.
قال أحمد: لا يكون حيض على حمل.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1184 - 1186)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: أبنا جرير، عن ليث، عن الشعبي قال: إذا رأت الحامل دمًا عبيطًا اغتسلت وصلت، وإن كان ثربة توضأت وصلت.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1188)

قال حرب: وسمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: قد مضت السنة من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه من بعده في الحائض أنها تدع الصلاة في أيام حيضتها.
وإجماع أهل العلم كلهم على ذلك.
واختلف أهل العلم في الحامل ترى الدم عبيطًا أو صفرة: فمنهم من رأى لها ترك الصلاة، إذا كانت تحيض وهي تصلي، كما كانت تحيض قبل ذلك وتطهر لوقت الطهر وهم أهل المدينة ومنهم من رأى أن تصلي استمر لها الدم، أو لم يستمر.
وقال: لا يكون حيض مع حبل، ولم يثبت في ذلك سنة من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تفصل بينهم.
واختلف عن عائشة وهي من أعلم النساء بذلك، وأصح الروايات عنها أن الحبلى إذا رأت الدم، فإنها تكف عن الصلاة، فإذا كانت تحيض لإبّان حيضها قبل الحبل وتطهر لوقتها، كما كانت تطهر قبل ذلك، فإن ذلك حيض تدع الصلاة، وهذا أشبه شيء بالسنة الماضية التي صحت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في المستحاضة أنها تدع الصلاة (...) 1 أيام أقرائها، مع أن عدة من أهل العلم -

مالك بن أنس وذويه- كانوا على ذلك، وأخذ به عبد الرحمن بن مهدي، وقال: إذا كان ذلك، يكون كما وصفنا من إبان حيضها وطهرها، كما كانت تحيض وتطهر قبل حبلها، فهو حيض لا شك فيه، مع ما قالت عائشة: الحبلي تحيض.
وفي قول عمر حيث قال: هذِه امرأة تهريق الدماء وهي حبلى، فحسر ولدها في بطنها، ولا له حيث سمى ما رأت في حبلها دمًا.
قال حرب: قال أبو يعقوب: فإن كان ما رأت الحامل، لينس كدم الحيضة، ولا يكون حيضها لذلك الوقت الذي يجيء قبل ذلك، تراه ثم ينقطع أو تراه أيامًا ثم ينقطع أيامًا يختلف ذلك عليها، فالاحتياط لها أن تغتسل، ثم تصلي وتصوم.
قال حرب: قال إسحاق: وأخبرني أبو مالك، عن حماد بن سلمة، عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: امرأتي تحيض وهي حبلى.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1190 - 1192)

قال حرب: حدثنا إسحاق قال: ثنا أبو أسامة، عن ابن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن عطاء، عن عائشة في المرأة الحامل ترى الدم؛ قالت: لا تدع الصلاة.
قال حرب: حدثنا إسحاق قال: ثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن عطاء قال: تصلي الحامل إذا رأت الدم، ولا تدع الصلاة.
"مسائل حرب/ مخطوط" (1196 - 1197)

جارٍ التحميل