مختصر صحيح الإمام البخاريصفحات 518-557

كتابُ مناقِبِ الأنصارِ

صفحات 518-557
عن هذه الطبعة
عَلَم
ناصر الدين الألباني
الكتاب
مُخْتَصَر صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي
المؤلف
أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
الناشر
مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع، الرياض
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

1 -

بابُ مناقِبِ الأنصارِ، وقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾

1604 - عن غَيْلانَ بنِ جريرٍ قالَ: قلتُ لأنسٍ: أرأيتَ اسمَ الأنصارِ كنتُم تُسَمَّوْنَ بهِ أم سماكُمُ اللهُ؟ قال: بل سمَّانا اللهُ.
كُنَا ندخُلُ على أنسٍ فيُحَدِّثُنا مناقبَ الأنصارِ ومشاهِدَهُم، ويُقْبِل علىَّ -أو على رجُلٍ من الأزْدِ- فيقولُ: فعَلَ قومُكَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، [وفَعَلَ يومُكَ كذا وكذا يومَ كذا وكذا 4/ 236]. 1605 - عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: كانَ يومُ (بُعَاثَ) 1 يوماً قدَّمَهُ اللهُ لرسولهِ - صلى الله عليه وسلم -[المدينَةَ 4/ 265]، وقد افتَرَقَ مَلُؤهُم، وقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُم 2، وجُرِّحُوا، فقَدمهُ اللهُ لرسولِهِ في دخولهِم في الِإسلامِ.

2 - بابُ 557 - قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لولا الهجرةُ لكنتُ من الأنصارِ".
قالَهُ عبد اللهِ بنُ زيدٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 1606 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أو قالَ أبو القاسِم - صلى الله عليه وسلم -: "لو أنَّ الأنصارَ سَلَكوا وادياً أو شِعْباً (3)؛ لَسَلَكتُ في وادي الأنصارِ، ولولا الهجرةُ لكنْتُ امْرَأً مِن الأنصارِ".
فقال أبو هريرةَ: ما ظَلَمَ -بأبي وأمي- آوَوْهُ؛ ونَصَرُوهُ.
أو كلمةً أُخرى.

3 -

بابُ

إخَاءِ النبيِّ- صلى الله عليه وسلم - بينَ المهاجرينَ والأنصارِ 4 -

بابُ حُبِّ الأنصارِ مِن الإيمانِ

1607 - عن البراءِ رضيَ اللهُ عنه قالَ: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أو قالَ: قالَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "الأنصارُ لا يُحِبُّهُم إلا مؤمِنٌ، ولا يُبْغِضُهُم إلا مُنافِقٌ، فمنْ أحَبَّهُم أحبَّهُ اللهُ، ومَن أبغَضَهُم أبغَضَهُ الله".

5 -

بابُ قولِ النبىِّ للأنصارِ: "أنتُم أحبُّ الناسِ إلي"

12 1608 - عن أنس رضيَ اللهُ عنه قالَ: رأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النساءَ والصبيانَ مقبلينَ من عُرُسٍ، فقامَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُمْثِلًا (4) (وفي روايةٍ: مُمْتَناً 6/ 144)، فقالَ: "اللهُم! أنتُم من أحبَّ الناسِ إليَّ".
قالها ثلاثَ مرَّاتٍ.
1609 - عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: جاءتِ امرأةٌ مِن الأنصارِ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومعها صبيٌّ لها، فكَلَّمَها (وفي روايةٍ: فخلا بها 6/ 159) رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: "والذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّكُم أحبُّ الناسِ إليَّ".
أقالها [7/ 221]، مرتينِ (وفي روايةٍ: ثلاثَ مراتٍ).

6 -

بابُ أتباعِ الأنصارِ

1610 - عن زيدِ بنِ أرقمَ: قالتِ الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ! لِكُلِّ نبي أتباعٌ، وإنا قدِ اتَّبَعْناكَ، فادْعُ اللهَ أن يجعلَ أتباعَنا منا، فدعا به (وفي روايةٍ: "اللهُمَّ! اجعلْ أَتْبَاعَهم منهم")، فَنَمَيْتُ ذلك إلى ابنِ أبي ليلى؛ قالَ: قد زعمَ ذلك زيدٌ.
[قالَ شعبةٌ: أظنُّهُ زيدَ بنَ أرْقَمَ] ".

7 -

بابُ فضلِ دُورِ الأنصارِ

1 1611 - عن أبي أُسَيْدٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: "خيرُ دورِ الأنصارِ بنو النجارِ، ثم بنو عبدِ الأشهَل، ثم بنو الحارِثِ بنِ خَزْرَجٍ، ثم بنو سَاعِدَةَ"، [ثم قالَ بيدهِ، فقبَضَ أصابِعَهُ، ثم بَسَطَهُنِّ كالرامي بيدِهِ، ثم قالَ: 6/ 177] "وفي كلِّ دورِ الأنصارِ خيرٌ".
فقالَ سعدُ [بنُ عبادةَ -وكانَ ذا قَدَمٍ في الِإسلامِ 4/ 228]: ما أَرَى (5) النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلا قد فَضَّلَ علينا.
فقيل [له]،: قد فضَّلَكُم على [ناسٍ] كثيرٍ.

8 - بابُ 558 - قولِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - للأنصارِ: "اصْبِرُوا حتى تَلْقَوْني على الحوضِ".
قالَة عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 1612 - عن أُسَيْدِ بنِ حُضَيْر رضيَ اللهُ عنه؛ أنَّ رجلًا من الأنصارِ قالَ: يا رسولَ اللهِ! ألا تَسْتَعْمِلُني كما اسْتَعْمَلْتَ فلاناً؟ قالَ: " [إنكم 8/ 88] سَتَلْقَوْنَ بعدي أُثرَةً؛ فاصبِرُوا حتى تَلْقَوْني على الحوضِ".

9 -

بابُ

دعاءِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "أصلحِ الأنْصارَ والمُهاجِرةِ" (قلتُ: أسند في أيضاً حديث أنس المتقدم "ج 2/ 56 - الجهاد/ 33 - باب").
1613 - عن سهل قالَ: جاءنا رسولُ اللهُ - صلى الله عليه وسلم - ونحنُ نحفِرُ (وفي روايةٍ:12

وهُوَ يَحْفِرُ 7/ 170) الخندقَ، وننقُلُ الترابَ على أكتادِنا (6)، [ويَمُرُّ بنا]، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "اللهُمَّ! لا عَيْشَ إلا عيشُ الآخِرَةِ، فاغْفِرْ للمهاجرينَ والأنصارِ (وفي روايةٍ: للأنصارِ والمُهَاجِرَةِ".

10 -

بابٌ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

1614 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه أنَّ رجلًا أتَى النبيّ- صلى الله عليه وسلم -[فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أصابني الجَهْدُ 6/ 59]، فبعَثَ إلى نسائِهِ، فقلنَ: ما معنا إلا الماءُ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَن يَضُمُّ -أو يُضِيْفُ- هذا [هذه الليلةَ]؟ ". فقالَ رجلٌ من الأنصارِ: أنا [يا رسولَ اللهِ!]، فانطلَقَ بهِ إلى امرأتِهِ، فقالَ: أكْرِمي ضيفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ [لا تَدَّخِرِيهِ شيئاً].
فقالَتْ: [واللهِ] ما عندنا إلا قوتُ صِبياني.
فقالَ: هَيِّئي طعامَكِ، وأصْبِحي 2 سِراجَكِ، ونَوِّمي صِبيانَكِ إذا أرادُوا عَشاءً، [وتعالَيْ فأطْفِئي السراجَ، ونَطْوِي بُطونَنا الليلةَ".
فَهَيِّأَتْ طعامَها، وأصْبَحَتْ سراجَها، ونَوَّمَتْ صِبيانَها، ثم قامَتْ كأنَّها تُصْلحُ سراجَها فأطْفَاتْهُ، فجعلا يُرِيَانِهِ أنهما يأكلانِ، فباتا طاويَيْنِ 3، فلما أصبحَ غدا إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ:1

"ضحِكَ اللهُ الليلةَ -أو عَجِبَ- مِن فَعالِكُما".
فأنزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

11 -

بابُ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "اقْبَلُوا مِن مُحْسِنِهِمْ، وتجاوَزُوا عن مُسِيْئِهِم"

1615 - عن أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: مَرَّ أبو بكرٍ والعباسُ رضي اللهُ عنهما بمجلس من مجالِسِ الأنصارِ وهم يَبكونَ، فقالَ (9): ما يُبْكِيكُم؟ قالوا: ذكَرْنا مَجْلِسَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - منَّا (0ا).
فدَخَل على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأخْبَرَهُ بذلك.
قالَ: فخَرَجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وقد عَصَبَ على رأسِهِ حاشيَةَ بُرْدٍ، قالَ: فصَعِدَ المِنْبَرَ -ولم يصْعَدْهُ بعد ذلك اليومِ- فحَمِدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، ثم قالَ: "أُوْصِيْكُمْ بالأنصارِ؛ فإنَّهُم كَرِشي وعَيْبَتي (11)، وقد قَضَوُا الذي عليهم، وبَقِيَ الذي لهم، [والناسُ سيكثُرونَ، ويَقِلُّونَ]، فاقْبَلُوا من محْسِنِهِم، وتجاوَزُوا عن مُسِيْئِهم".

12 -

بابُ مناقبِ سعدِ بنِ معاذٍ رضيَ اللهُ عنهُ

1616 - عن البراءِ رضيَ اللهُ عنه قالَ: أهْدِيَتْ لِلنَبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حُلَّةُ (وفي روايةٍ: سَرَقَةُ 7/ 220) حريرٍ، فجعلَ أصحابُهُ [يتداوَلُونها بينَهُم , و] يَمَسُّونَها، ويَعْجَبُونَ مِن123

[حُسْنِها و]، لِينِها، فقال: "أتعجبونَ من لينِ هذه؟ ". [قالوا: نعم يا رسولَ اللهِ! قالَ.
"والذي نفسي بيدهِ]؛ لمناديلُ سعدِ بنِ معاذٍ [في الجنةِ 7/ 45]، خيرٌ منها أو ألينُ (وفي روايةٍ: أفضلُ 4/ 87) ". 559 - رواه قتادة والزهري سمعا أنس بنَ مالكٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. 1617 - عن جابرٍ رضيَ الله عنه: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "اهتزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ".
[فقالَ رجلٌ لجابرٍ: فإنَّ البراءَ يقولُ: اهتزً السريرُ.
فقالَ: إنَّه كانَ بينَ هذينَ الحَيَّيْنِ ضغائِنُ (12)، سمعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعدِ بنِ معاذٍ"].

13 -

بابُ مَنْقَبَةِ أسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ وعبادِ بنِ بِشْرٍ رضيَ اللهُ عنهما

(قلت: أسندَ فيه حديث أنس المتقدم (ج 2/ 61 - المناقب/ 27 - باب").12

14 -

بابُ مناقبِ معاذِ بنِ جَبَل رضيَ الله عنه

(قلت: أسندَ فيه حديث ابن عمر والمتقدم "ج 2/ 62 - الفضائل/ 28 - باب").

15 -

[بابُ]، مَنْقَبَةِ سعدِ بنِ عُبادَةَ رضيَ الله عنه

560 - وقالت عائشةُ: وكانَ قَبْلَ ذلك رجلاً صالحاً.
(قلت: أسند فيه حديث أبي أسَيْد الماض قريبًا "7 - باب").

16 -

بابُ مناقِبِ أبَيِّ بنِ كعبٍ رضيَ الله عنه

17 -

بابُ مناقبِ زَيْدِ بنِ ثابتٍ

1618 - عن أنس رضيَ الله عنه: جَمَعَ القرآنَ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أربعةٌ؛ كلُّهُم من الأنصارِ: أُبَىٌّ، ومعاذُ بن جبلٍ، وأبو زيدٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ.
قلتُ لأنسٍ: مَن أبو زيدٍ؟ قالَ: أحدُ عُمومَتي، [ماتَ ولم يتركْ عَقِباً، وكانَ بدريًّا 5/ 14]، [ونحن وَرِثْناهُ 6/ 103].

18 -

بابُ مناقِبِ أبي طلحةَ رضيَ اللهُ عنه

(قلت: أسند فيه حديث أنس الآتي (ج 2/ 64 - المغازي/ 18 - باب").

19 -

بابُ مناقبِ عبدِ اللهِ بنِ سَلَام رضيَ الله عنه

1619 - عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ قالَ: ما سمعت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ لأحدٍ1

يمشي على الأرضِ إنَّه مِن أهلِ الجنةِ إلا لعبدِ اللهِ بنِ سَلاَمٍ.
قالَ: وفيه نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآيةَ.
قالَ: لا أدري؛ قالَ مالكٌ الآيةَ أو في الحديثِ (13)؟ 1620 - عن قيسِ بنِ عُبادٍ قالَ: كنتُ جالساً في مسجدِ المدينةِ؛ [في حَلْقةٍ فيها سعدُ بنُ مالكٍ وابنُ عمر 8/ 75]، فدَخَلَ رجلٌ على وجهِهِ أَثَرُ الخشوعِ، فقالوا: هذا رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ، فصلى ركعتينِ تَجَوَّزَ فيهما، ثم خَرَجَ، وَتَبِعْتُهُ فقلتُ: إنَّك حينَ دخلتَ المسجدَ؛ قالوا: هذا رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ.
قالَ: [سبحانَ اللهِ!]، واللهِ ما ينبغي لأحدٍ أن يقولَ ما لا يعلمُ، وسأحَدِّثُكَ لِمَ ذاك؟ رأيتُ رُؤيا على عهدِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقصَصْتُها عليه، ورأيتُ كأني في رَوْضةٍ -ذكرَ مِن سَعَتِها وخُضْرَتِها- وَسطَها عمودٌ مِن حديدٍ، أسفلُهُ في الأرضِ، وأعلاهُ في السماءِ، في أعلاهُ عُرْوَةٌ، فقيلَ لي: ارْقَهْ.
قلتُ: لا أستطيعُ، فأتاني مِنْصَفٌ

-[والمِنْصَفُ: الوَصيْفُ (14)]-

(وفي روايةٍ: وَصِيْفٌ مكانَ مِنْصَفٌ)، فرَفَعَ ثيابي من خلفي، فرَقِيْتُ حتى كنتُ في أعلاها، فأخذتُ بالعُرْوَةِ، فقيلَ لي: استَمْسِكْ، فاستَيْقَظْتُ وإنها لفي يدي، فقصصتُها على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ: "تلكَ الروضةُ [روضةُ 8/ 76] الِإسلامِ، وذلك العمودُ عمودُ الإسلامِ,12

وتلكِ العروةُ [العروةُ]، الوثقى، فأنتَ [لا تزالُ مُستَمْسِكاً]، على الِإسلامِ حتى تموت".
وذاكَ الرجلُ عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ.
1621 - عن أبي بُردَةَ قالَ: أتَيْتُ المدينةَ فلَقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ سلامٍ، فقالَ: ألا تجيءُ فأطْعِمَكَ سَوِيقاً وتمراً، وتدخُلَ في بيتٍ؟ (وفي روايةٍ: انطَلِقْ إلى المنزِلِ فَأسْقِيَكَ في قدحٍ شَرِبَ فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وتصلَّي في مسجدٍ صلى فيه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فانطلقتُ معه، فسقاني سَوِيقاً، وأطْعَمَنِي تمراً، وَصَلَّيْت في مسجدِهِ 8/ 154)، ثم قالَ: إنكَ بأرضٍ الرِّبا بِها فاشٍ، إذا كانَ لك على رجلٍ حقٌّ، فَأهْدَى إليكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شعيرٍ، أو حِمْلَ قَتٍّ (15)؛ فلا تأْخُذْهُ؛ فإنه رباً.

20 -

بابُ تَزْوِيجِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - خديجةَ، وفضلِها رضي اللهُ تعالى عنها

1622 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه قالَ: أتى جبريلُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: يا رسولَ اللهِ! هذه خديجةُ، قد أتَتْ معها إناءٌ فيهِ إدامٌ، أو طعامٌ، أو شرابٌ، فإذا هي أتَتْكَ؛ فَاقْرَأْ عليها السلامَ مِن ربِّها ومنِّي، وبَشِّرْها ببَيْتٍ في الجنةِ مِن قصَبٍ؛ لا صَخَبَ فيهِ ولا نَصَبَ 2. 561 - عن عائشة رضيَ اللهُ عنها قالت: استأذَنَتْ هالة بنتُ خُوَيْلِدٍ -أن أختُ خديجةَ- على13

رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَعَرَفَ استِئْذانَ خديجةَ (17)، فارتاعَ لذلكَ، فقالَ: "اللهُم! هالةَ".
قالت: فغِرْتُ، فقلتُ: ما تذكُرُ مِن عجوزٍ من عجائِزِ قريش حمراءِ الشِّدقَيْنِ، هَلَكَتْ في الدهرِ، قد أبدَلَكَ الله خيراً منها!

21 -

بابُ ذِكْرِ جريرِ بنِ عبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رضيَ اللهُ عنه

(قلت: أسند في حديث جرير الآتي "ج 3/ 64 - المغازي/ 64 - باب").

22 -

بابُ ذكْرِ حذيفةَ بنِ اليمانِ العَبْسِيِّ رضيَ اللهُ عنه

(قلتُ: أسندَ في حديث عائشة الآتي "ج 3/ 64 - المغازي/ 19 - باب").

23 -

بابُ ذِكْرِ هِنْدِ بنتِ عتبةَ بنِ ربيعةَ رضيَ اللهُ عنها

1623 - عن عائشة رضيَ اللهُ عنها قالت: جاءَت هندُ بنتُ عتبةَ [بنِ ربيعة 8/ 109]؛ قالت: يا رسولَ اللهِ! ما كانَ على ظهرِ الأرضِ مِن أهلِ خِباءٍ أحَبَّ إلي أنْ يَذِلُّوا مِن أهلِ خِبائِكَ، ثم ما أصبحَ اليومَ على ظهرِ الأرضِ أهلُ خِباءٍ أحبُّ إلي أن يَعِزوا مِن أهلِ خِبائِكَ.
قالَ:1 = و 150 و 154) من طرق أخرى عنها نحوه.
وزاد في آخره: "قالت: فتمعر وجهه تمعراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي، أو عند المخيلة، حتى ينظرَ أرحمةٌ أم عذابُ؟ ". وسنده جيد.
وفي أخرى: قال: "ما أبدلني الله عزَّ وجلَّ خيراً منها؛ قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عزَّ وجلَّ ولدها إذ حرمني أولاد النساء".
سكت عليه الحافظ، وفيه مجالد بن سعيد، وليس بالقوي؛ كما قال في "التقريب".

"وأيضاً والذي نفسي بيدِهِ".

24 -

بابُ حديثِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيْلٍ

1624 - عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَقِيَ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نفيلٍ بأسفلِ بَلْدَحٍ 1؛ قبلَ أنْ يَنْزلَ على النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الوحيُ، فقُدِّمَتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - سُفْرةٌ، فأبى أن يأكلَ منها، ثم قالَ زيدٌ (وفي روايةٍ: فقدَّم إليه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سُفْرَةً فيها لحم، فأبى أن يأكلَ منها، ثم قالَ 6/ 225) 2: إني لستُ آكُلُ مما تَذْبَحُونَ على أنصابِكُم (5)، ولا آكُلُ إلا ما ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ، وأنَّ زيدَ بنَ عمرٍو كانَ يَعِيبُ على قريش ذبائِحَهُم، ويقولُ: الشاةُ خَلَقَها اللهُ، وأنزَلَ لها من السماءِ إلماءَ، وأنبَتَ لها مِن الأرضِ، ثم تَذْبَحُونَها على غيرِ اسمِ اللهِ! إنكاراً لذلك، وإعظاماً لهُ.
1625 - عن ابنِ عمر أنَّ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيل خَرَجَ إلى الشامِ يسألُ عن

الدينِ، ويَتَّبِعُهُ 1، فلقِيَ عالماً من اليهودِ فسألَهُ عن دينِهم؟ فقالَ: (إني لَعَلَّي أنْ أدِينَ دينَكُم، فأخبِرْني.
فقالَ: لا تكونُ على دينِنا حتى تأخُذَ بنصيبكُ مِن غَضَب اللهِ.
قالَ زيدٌ: ما أَفِر إلا مِن غضبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ من غضبِ اللهِ شَيئاً أبداً؛ وأنَا أستطيعُهُ، فهل تدُلُّني على غيرِهِ؟ قالَ: ما أعلَمُهُ إلا أنْ يكونَ حَنِيفاً.
قالَ زيدٌ: وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دينُ إبراهيمَ؛ لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبدُ إلا اللهَ.
فخرَجَ زيدٌ، فلقيَ عالِماً من النصارى، فذكَرَ مِثْلَهُ، فقالَ: لنْ تكونَ على دينِنا حتى تأخُذَ بِنَصِيبكُ مِن لعنةِ اللهِ.
قالَ: ما أفِرُّ إلا مِن لعنةِ اللهِ، ولا أحمِلُ من لعنةِ اللهِ ولا من غَضَبِهِ شيئاً أبداً؛ وأنا أستطيعُ، فهل تَدُلُّني على غيرِهِ؟ قالَ: ما أعلَمُهُ إلا أن يكونَ حَنِيفاً.
قالَ: وما الحَنِيفُ؟ قالَ: دينُ إبراهيمَ؛ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبدُ إلا اللهَ.
فلما رأى زيدٌ قولَهُم في إبراهيمَ عليه السلام؛ خَرَجَ، فلمَّا بَرَزَ 2 رفعَ يَدَيْهِ، فقالَ: اللهُم! إني أُشْهِدُكَ أنَّي على دينِ إبراهيمَ.
562 - عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: رأيتُ زيدَ بنَ عمرِو بنِ نُفَيْل قائماً، مُسْنِدًا ظهرَه إلى الكعبةِ؛ يقولُ: يا معاشِرَ قريشٍ! واللهِ ما منكم على دينِ إبراهيمَ غيري.
وكان3

يُحيِيِ المَوْؤُدَةَ؛ يقول للرجل -إذا أراد أن يقتُلَ ابنتهُ-: لا تقْتُلْها، أنا أكْفيكَها مَؤُنَتَها، ليأخُذُها، فإذا تَرَعرَعتْ قالَ لأبيها: إنْ شئتَ دفعتُها إليك، وإنْ شئتَ كفيْتُك مؤُنتَها.

25 -

بابُ بنيانِ الكعبةِ

1626 - عن عمرِو بنِ دينارٍ وعُبيدِ اللهِ بنِ أبي يزيدَ؛ قالا: لم يكنْ على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حولَ البيتِ حائطٌ، كانوا يُصَلُّونَ حولَ البيتِ حتى كانَ عمرُ، فبنى حولَهُ حائِطاً.
قالَ عبيدُ اللهِ: جَدْرُهُ قصير؛ فبناهُ ابنُ الزبيرِ (22).

26 -

بابُ أيامِ الجاهليةِ

1627 - عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبيهِ عن جدِّهِ قالَ: جاءَ سيلٌ في الجاهليةِ، فكسا ما بينَ الجَبَلَيْنِ.
قالَ سفيانُ: ويقولُ: إنَّ هذا الحديثَ لهُ شأنَّ 2. 1628 - عن قيسِ بن أبي حازِمٍ قالَ: دخَلَ أبو بكرٍ على امرأةٍ مِن أحْمَسَ يُقالُ لها: زينبُ، فرآها لا تَكَلَمُ، فقالَ: ما لها لا تَكَلَّمُ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً 3. قالَ لها: تكَلَّمي؛ فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا مِن عملِ الجاهليةِ.
فتكَلَّمَتْ، فقالَتْ: مَن أنتَ؟ قالَ: امْرُؤٌ مِن المهاجرينَ.
قالت: أيُّ المهاجرينَ؟ قال: من قريشٍ.
قالت: من أيِّ قريشٍ أنتَ؟ قالَ: إنَّكِ لَسَؤُلٌ، أنا أبو بكرٍ.
قالت: ما بقاؤُنا على1

هذا الأمرِ الصالحِ الذي جاءَ اللهُ بهِ بَعْدَ الجاهليةِ؟ قالَ: بقاؤُكُمْ عليه ما اسْتَقامَتْ بكُم أئِمَّتُكُم.
قالت: وما الأئمَّةُ؟ قالَ: أمَا كانَ لقومِكِ رُؤوسُ وأشرافُ يأمُرُونَهُم فيُطِيعُونَهُم؟ قالت: بلى.
قالَ: فهم أولئكَ على الناسِ.
1629 - عن ابنِ عمر رضيَ اللهُ عنهما عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "ألا مَن كانَ حالِفاً فلا يَحْلِفْ إلا باللهِ"، فكانت قريش تحلِفُ بآبائِها، فقالَ: "لا تَحْلِفوا بآبائِكُم".
1630 - عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم؛ أنَّ القاسمَ كان يمشي بين يَدَيِ الجَنازَةِ، ولا يقومُ لها، ويخبرُ عن عائشة قالت: كانَ أهلُ الجاهليةِ يَقُومُونَ لها، يقولونَ إذا رَأَوْها: كُنتِ في أهلِكِ ما أنتِ.
(مرتينِ).
1631 - عن عِكْرَمَةَ: (وكأساً دِهاقاً)؛ قالَ: مَلْأى مُتَتابِعةً.
قالَ: وقال ابنُ عباسٍ: سمعتُ أبي يقولُ في الجاهليةِ: اسقِنا كأساً دِهاقاً 1. 1632 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: "أصْدَقُ كَلِمةٍ (وفي روايةٍ: بَيْتٍ 7/ 187) قالها الشاعرُ كلِمةُ لَبِيْدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ *

وكادَ أُميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ".
1633 - عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: كان لأبي بكرٍ غلامُ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ (26)، وكانَ أبو بكرٍ يأكلُ مِن خَراجِهِ، فجاءَ يوماً بشيءٍ، فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكرٍ: وما هو؟ قالَ: كنتُ تكَهَّنْتُ لإنسانٍ في الجاهليةِ، وما أحْسِنُ الكِهانَةَ؛ إلا أني خَدَعْتُه، فلَقِيَني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه.
فأدخَلَ أبو بكرٍ يدَهُ، فقاءَ كُلَّ شيءٍ في بطنِهِ.

27 -

[بابٌ] القَسَامَةُ في الجَاهِلِيَّةِ

1634 - عنِ ابنِ عباس رضي اللهُ عنهما قالَ: إنَّ أوَّلَ قَسامَةٍ كانَتْ في الجاهليةِ لَفِينا بني هاشمٍ؛ كانَ رجل مِن بني هاشمٍ استَأْجَرَهُ رجلٌ من قريشٍ من فخِذٍ أُخرى، فانْطَلَقَ معهُ في إبلهِ، فمرَّ رجلٌ بهِ مِن بني هاشمٍ قدِ انقطَعَتْ عُرْوةُ جُوَالِقِهِ، فقالَ: أَغِثْني بعِقالٍ أشُدُّ بهِ عُرْوةَ جُوَالِقي؛ لا تَنْفِرُ الإبلُ.
فأعطاهُ عِقالًا، فشدَّ بهِ عُرْوةَ جُوالِقِهِ، فلمَّا نَزَلُوا؛ عُقِلَتِ الإبلُ إلاَّ بَعيراً واحداً، فقالَ الذي استأْجرَهُ: ما شأْنُ هذا البعيرِ لمْ يُعْقَلْ مِن بين الإبلِ؟ قالَ: ليسَ لهُ عِقالٌ، قالَ: فأينَ عِقالُهُ؟ قالَ 2: فحَذَفَهُ بعصاً كانَ فيها أَجَلُهُ، فمر بهِ رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ،1 =نعيم الجنة لا يزول؛ كما قال عثمان بن مظعون رضي الله عنه في قصة له مع لبيد ذكرها الحافظ في "الفتح"، ومن جهل بعضهم أنه ألحقها بالحديث، ودسها علىّ في كتابي "صحيح الجامع" (الطبعة الجديدة)، ولا أصل لها ألبتة في شيء من طرق الحديث؛ كما بيَّنته في بعض المواضع.

فقالَ: أتَشْهَدُ المَوْسِمَ؟ قالَ: ما أشْهَدُ، وربَّما شَهِدْتُه.
قالَ: هلْ أنتَ مُبْلغٌ عنِّي رسالةً مرَّةً من الدَّهْرِ؟ قالَ: نعم.
قالَ: فكُنْتُ إذا أنتَ شهِدْتَ الموسمَ فنادِ: يا آلَ قريشٍ! فإذا أَجابُوكَ فنادِ: يا آلَ بني هاشم! فإنْ أجابوكَ فاسألْ عن أبي طالبٍ، فأخْبِرْهُ أنَّ فلاناً قتَلَني في عِقالٍ، وماتَ المُسْتَأجَرُ.
فلما قَدِمَ الذي استأجَرَهُ؛ أتاهُ أبو طالبٍ، فقالَ: ما فعَلَ صاحِبُنا؟ قالَ: مَرِضَ، فأحْسَنْتُ القيامَ عليهِ، فَوَليتُ دَفْنَهُ.
قالَ: قدْ كانَ أهلَ ذاكَ منكَ.
فمَكَثَ حِيْناً، ثَمَّ إنَّ الرجلَ الذي أَوْصَى إليهِ أنْ يُبْلغَ عنهُ وافَى المَوْسِمَ، فقالَ: يا آلَ قريشٍ! قالوا: هذه قريشٌ.
قالَ: يا آلَ بني هاشِم! قالو!: هذهِ بنو هاشمٍ.
قالَ: أينَ أبو طالبٍ؟ قالوا: هذا أبو طالبٍ.
قالَ: أمَرني فلانٌ أنْ أبْلِغَكَ رسالةً؛ أنَّ فلاناً قَتَلَهُ في عِقالٍ.
فأَتاهُ أبو طالبٍ، فقالَ لهُ: اخْتَرْ منَّا إِحدى ثلاثٍ: إنْ شِئْتَ أَنْ تُؤدِّيَ مائةً مِن الِإبلِ؛ فإنَّكَ قَتَلْتَ صاحِبَنا، وِإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خمسونَ مِن قومِكَ إِنَّك لم تَقْتُلْهُ، فإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْناكَ بهِ، فأتى قومَهُ، فقالوا: نَحْلِفُ، فأَتَتْهُ امرأةٌ مِن بني هاشمٍ، كانَتْ تحتَ رجُلٍ منهُم قدْ وَلَدَت لهُ، فقالتْ: يا أَبا طالب! أُحِبُّ أن تُجِيزَ ابني 1 هذا برجلٍ مِن الخمسينَ، ولا تَصْبُرْ يَمينَهُ حيثُ تُصْبَرُ الأيمانُ، ففَعَلَ، فأَتاهُ رجلٌ منهُم فقالَ: يا أبا طالبٍ! أَرَدتَ خمسينَ رجلاً أنْ يَحْلِفوا مكانَ مائةٍ من الابلِ، ="فقال: مر بي رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، واستغاث بي، فأعطيته".
(فحذفه)؛ أي: رماه.

يُصِيبُ كل رجلٍ بَعِيرانِ، هذانِ بعيرانِ فاقْبَلْهُما عنِّي، ولا تَصْبُرْ يَميني حيثُ تُصْبَرُ الأيمانُ.
فقَبِلَهُما، وجاءَ ثمانيةٌ وأرْبَعونَ فحَلَفُوا، قالَ ابنُ عباسٍ: فوالّذي نَفْسي بيدِهِ؛ ما حالَ الحَوْلُ ومِن الثمانيةِ وأربعينَ عينٌ تَطْرِفُ.
1 - عنِ ابنِ عباس قالَ: ليسَ السَّعْىُ (2) ببَطنِ الوادي بينَ له الصَّفا والمروةِ سُنَّةً؛ إنما كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَسْعَوْنَها، ويقولونَ: لا نُجِيْرُ البطحاءَ إلا شَدًّا.
1635 - عن ابنِ عباس رضيَ اللهُ عنهما يقولُ: يا أيها الناسُ! اسْمَعُوا مني ما أقولُ لكُم، وأَسْمِعُوني ما تَقولُونَ، ولا تَذْهَبُوا فتقولُوا: قالَ ابنُ عباسٍ، قالَ ابنُ عباسٍ؛ مَن طافَ بالبيْتِ؛ فلْيَطُفْ مِن وَراءِ الحِجْرِ، ولا تَقولُوا: الحَطيمَ؛ فإنَّ الرجلَ في الجاهليةِ كانَ يحْلِفُ فيُلْقِي (3) سَوْطَهُ أو نعْلَهُ أو قوسَهُ.
1636 - عن عمرِو بنِ ميمونٍ قالَ: رأيتُ في الجاهليَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عليها قِرَدَةٌ، قدْ زَنَتْ، فرَجَمُوها، فرَجَمْتُها معَهُم (4).

1637 - عن ابن عباسٍ رضي اللهُ عنهما قالَ: خِلالٌ مِن خِلالِ الجاهلِيَّةِ: الطَّعْنُ في الأنْسابِ، والنِّياحَةُ، ونَسِيَ الثالثةَ.
قالَ سفيانُ: ويقولونَ: إنَّها الِاسْتِسْقاءُ بالأنْواءِ (32).

28 -

بابُ مَبْعَثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - محمدِ بنِ عبدِ اللهِ

بنِ عبدِ المطلبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَىِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ ابن مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسِ بنِ مضرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ ابن عَدْنانَ 1638 - عن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قالَ: أُنْزِلَ على (وفي روايةٍ: بُعِثَ 4/ 253) رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو ابنُ أربعينَ [سنةً]، فمكَثَ [بمكةَ] ثلاثَ عَشْرةَ سنة [يُوْحَى إليهِ]، ثمَّ أُمِرَ بالهجرَةِ، فهاجَرَ إلى المدينَةِ، فمكَثَ بها عَشْرَ سنينَ، ثم تُوفِّيَ - صلى الله عليه وسلم -[وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ].

29 -

بابُ ما لَقِيَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُهُ مِن المشركينَ بمكَّةَ

1639 - عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: أمَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ أبْزَى قالَ: سَلِ1 =كما رواه هشيم مختصراً.
قلتُ: وعباد هذا ثقة من رجال الشيخين، وتابعه عيسى بن حطان عن عمرو بن ميمون به مطولاً.
أخرجه الإسماعيلي.
وعيسى هذا وثقه العجلي، وابن حبان، وروايته مفصلة تبعد النكارة الظاهرة من رواية نعيم المختصرة، وقد مال الحافظ إلى تقويتها؛ خلافاً لابن عبد البر.
والله أعلم

ابنَ عباسٍ عن هاتينِ الآيتينِ ما أَمْرُهُما: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [33]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدُا﴾؟ [النساء: 93] فسألتُ ابنَ عباسٍ؟ فقالَ: لمَّا أُنْزِلَتِ التي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾؛ قالَ مُشْرِكُو أهلِ مكةَ: فقدْ قَتَلْنا النَّفْسَ التي حرَّمَ اللهُ، ودَعَوْنا معَ اللهِ إلهاً آخَرَ، وقدْ أتَيْنا الفواحِشَ، فأنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآيةَ، فهذه لأولئك، وأمَّا التي في ﴿النساءِ﴾؛ الرجلُ إذا عَرَفَ الإسلامَ وشرائِعَهُ، ثم قَتَلَ؛ فجزاؤُهُ جَهَنمُ خالداً فيها.
فذكرتُهُ لمجاهِدٍ، فقالَ: إلاَّ مَن نَدِمَ.
(وفي روايةٍ: آيةٌ اخْتَلَفَ فيها أهلُ الكوفةِ، فرحَلْتُ فيها إلى ابنِ عباسٍ، فسألتُهُ عنها؟ فقالَ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدُا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخرُ ما نزَلَ، وما نَسَخَها شيءٌ 5/ 182. وفي أخرى: عنه عن قولهِ تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ قال: لا تَوْبَةَ لهُ.
وعن قولهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهُا آخَرَ﴾ قالَ: كانتْ هذه في الجاهليةِ.
وفي أخرى: نزلتْ في أهلِ الشركِ.
وفي أخرى: هذه مكيةٌ نسَخَتْها آيةٌ مدنيَّةٌ التي في ﴿سُورةِ النساءِ﴾ 6/ 15) 2.1

1640 - عن عروةَ بنِ الزُبيرِ قالَ: سألتُ ابنَ عمرو بنِ العاصِ؛ قلتُ: أَخْبِرْني بأشَدِّ شيءٍ صنَعَهُ المُشْرِكونَ بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قالَ: بَيْنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في حِجْرِ (وفي روايةٍ: فِناءِ 6/ 34) الكعبةِ؛ إذْ أقبلَ عُقبةُ بنُ أبي مُعَيْطٍ، ف [أَخذَ بمَنْكِبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - و] وَضَعَ (وفي روايةٍ: وَلَوَى) ثوبَه في عُنُقِهِ، فخَنَقَهُ [بهِ 4/ 197]، خَنْقاً شديداً، فأقبَلَ أبو بكرٍ حتى أَخذَ بمَنْكِبِهِ، ودَفَعَهُ عنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، [وَ] قالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ]﴾ الآيةَ؟

30 -

بابُ إسلامِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضيَ اللهُ عنهُ

1641 - عن عمارِ بنِ ياسرٍ قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وما معَهُ إلا خَمْسَةُ أعْبُدٍ، وامْرَأَتانِ، وأبو بكرٍ.

31 -

بابُ إسلامِ سعدٍ رضي اللهُ عنه

(قلتُ: أسند في حديث سعد المتقدم "ج 2/ 62 - الفضائل/ 16 - باب").

32 -

بابُ ذِكْرِ الجِنِّ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾

1642 - عن عبدِ الرحمنِ (ابنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ) قالَ: سألتُ مَسْروقاً: مَن آذنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالجِنِّ ليلَةَ اسْتَمَعُوا القُرآن؟ فقَالَ: حدَّثَني أبوكَ -يعني: عبدَ الله- أنَّه آذنَتْ بهِم شَجَرَةٌ.
1643 - عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنه أنهُ كانَ يحْمِلُ معَ النبيِّ إداوَةً لوُضُوئِهِ وحاجَتِهِ، فبَيْنما هُو يَتْبَعُهُ بها، [فكانَ لا يَلْتَفِتُ، فدَنوْتُ منهُ 1/ 47]؛ فقالَ: "مَن هذا؟ ". فقالَ: أنا أبو هريرةَ.
فقالَ: "ابْغِني أحْجاراً أسْتَنْفِضْ بها (35)، ولا تَأتِني بعَظْمٍ ولا برَّوْثَةٍ"، فأتيتُهُ بأحجارٍ أحْمِلُها في طرفِ ثوبي، حتى وضعتُها إلى جَنْبِهِ، ثم انصَرَفْتُ، [فلما قضى (36) أتْبَعَهُ بهِنَّ]، حتى إذا فرغَ؛ مَشَيْتُ معهُ، فقلتُ: ما بالُ العَظْمِ والرَّوْثَةِ؟ قالَ: "هُما من طعامِ الجِنِّ، وإنَّهُ أَتاني وفْدُ جِنِّ نَصيبينَ -ونِعْمَ الجِنُّ- فسألوني الزَّادَ، فدَعَوْتُ اللهَ لهُم أنْ لا يَمُرُّوا بعَظْم ولا رَوْثَةٍ إلا.
وَجَدوا عليها طَعاماً".

33 -

بابُ إسلام أبى ذُرِّ الغِفارى - رضي الله عنه -

(قلت: أسند في حديث ابن عباس المتقدم "ج2/ 61 - المناقب/ 9 - باب/ الحديث رقم 1495").

34 -

بابُ إسلامِ سعيدِ بنِ زيدٍ رضي اللهُ عنه

1644 - عن سعيدِ بنِ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نفيل قالَ في مسجدِ الكوفة: واللهِ12

لقدْ رأَيْتُني وإنَّ عُمرَ لمُوِثقي (37) على الِإسلامِ [أنا وأُخْتَهُ 4/ 243]، قبلَ أنْ يُسْلِمَ عُمرُ، ولو أنَّ أُحُداً ارْفَضَّ (38) (وفيِ روايةٍ: انقَضَّ) للذي صَنَعْتُم بعُثمانَ لكانَ مَحْقُوقاً أنْ يَرْفَضَّ (وفي روايةٍ: يَنْفَضَّ 8/ 56).

35 -

بابُ إسلامِ عُمرَ بنِ الخطَابِ رضي اللهُ عنه

1645 - عن عبدِ اللهِ بنِ مسعود رضي اللهُ عنه قال: ما زِلْنا أعزَّة منذُ أسْلَمَ عُمرُ.
1646 - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قالَ: بينَما هو في الدَّارِ خائفاً (وفي طريقٍ أخرى عنه: لمَّا أسْلَمَ عُمرُ؛ اجتَمَعَ الناسُ عندَ دارهِ، وقالوا: صَبَأَ عُمرُ! وأنا غُلامٌ فوقَ ظهرِ بيتي)؛ إذ جاءَهُ العاصِ بنُ وائلٍ السهميُّ أبو عمرٍو، عليهِ حُلَّةُ حِبَرةٍ، وقصيصٌ مكفوفٌ * بحريرٍ -وهو من بني سَهْمٍ، وهُم حُلفاؤُنا في الجاهليةِ- فقالَ له: ما بالُك؟ قالَ: زعَمَ قومُك أنَّهُم سَيَقْتُلونَني أنْ أسْلَمْتُ.
قالَ: لا سبيلَ إليكَ.
بعدَ أنْ قالَها 3 أَمِنْتُ، فخَرَجَ العاصِ، فلقِيَ الناسَ قدْ سالَ بهِمُ الوادي، فقالَ: أينَ تُريدونَ؟ فقالوا: نُريدُ هذا ابنَ الخطَّابِ الذي صبأَ، [فقالَ: قدْ صبأَ عُمَرُ، فما12

ذاكَ؟ فأَنا لهُ- جارٌ]، قال: لا سبيلَ إليهِ.
فكَرَّ النَّاسُ، [فقلتُ: مَن هذا الرجلُ؟ قالَ: العاصِ بنُ وائلٍ].
1647 - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ قال: ما سمعتُ عُمرَ لشيءٍ قطُّ يقول: إنِّي لأظُنُّهُ كَذا؛ إلا كانَ كما يَظُنُّ، بَيْنَما عمرُ جالسٌ؛ إذ مر بهِ رجلٌ جميلٌ، فقالَ عمرُ: لقدْ أخطأَ ظنِّي، أوْ إنَّ هذا على دينهِ في الجاهليةِ، أوْ لقدْ كانَ كاهِنَهُم، علىَّ الرَّجُلَ 1، فدُعِيَ له، فقالَ لهُ ذلك، فقالَ: ما رأيتُ كاليومِ اسْتُقْبِلَ بهِ رجلٌ مسلمٌ! قالَ: فإني أعْزمُ عليكَ إلا ما أخْبَرْتَني.
قالَ: كنتُ كاهِنَهُم.
قالَ: فما أعْجَبُ ما جاءَتْكَ بهِ جَنِّيَّتُكَ؛ قالَ: بَيْنَما أنا يوماً في السُّوقِ؛ جاءَتْني أعْرِفُ فيها الفزَعَ، فقالتْ: ألمْ تَرَ الجِنَّ وإبْلاسَها 2، ويأسَها من بعدِ إنْكاسِها، ولُحوقَها بالقِلاصِ وأحْلاسِها؟ قالَ عُمر: صدَقَ، بينَما أنا عندَ آلهَتِهِم؛ إذْ جاءَ رجلٌ بعِجْلٍ فذَبَحَهُ، فصرخَ بهِ صارخٌ، لمْ أسمَعْ صارخاً قطُّ أسند صوتاً منه، يقولُ: يا جَلِيحْ! أمر نَجِيحْ، رجلٌ فَصِيحْ! يقولُ: لا إلهَ إلا أنتَ.
فوثَبَ القومُ، قلتُ: لا أبْرَحُ حتى أعْلَمَ ما وراءَ هذا؟ ثم نادى: يا جَلِيحْ! أمرٌ نَجيحْ , رجلٌ فَصِيحْ، يقولُ: لا إلهَ إلا

اللهُ.
فقمْتُ، فما نَشِبْنا أنْ قيلَ: هذا نبىُّ.

36 -

بابُ انشقاقِ القَمَرِ

37 -

بابُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ

1 - وقالتْ عائشة: قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أُرِيتُ دار هجرَتِكم ذاتَ نخل بينَ لابَتَيْنِ (2)، فهاجَرَ من هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ، ورجَعَ عامةُ مَن كانَ هاجَرَ بأرضِ الحبشةِ إلى المدينَةِ.
3 و 566 - فيه عن أبي موسى وأسماءَ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. 1648 - عن عبيدِ اللهِ بنِ عديِّ بنِ الخِيَارِ أنَّ المِسْوَرَ بنَ مخرَمَةَ وعبدَ الرحمنِ بنَ الأسوَدِ بنِ عبدِ يَغُوثَ قالا لهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تُكَلِّمَ خالَكَ عُثمانَ في أخيهِ الوليدِ بنِ عُقبَةَ (4)، وكانَ أكثَرَ الناسُ فيما فَعَلَ بهِ.
قال عُبيدُ اللهِ: فانتَصَبْتُ لعُثمانَ حينَ خرجَ إلى الصلاةِ، فقلْتُ لهُ: إن لي إليكَ حاجةً، وهيَ نَصِيحة.
فقالَ: أيها المرءُ! أعوذُ باللهِ منكَ.
فانصرفتُ، فلما

قَضَيْتُ الصلاةَ؛ جلستُ إلى المِسْوَرِ وإلى ابنِ عبدِ يَغوثَ، فحدَّثْتُهما بالذي قلتُ لعُثمانَ وقالَ لي، فقالا: قدْ قَضَيْتَ الذي كانَ عليكَ.
فبينَما أنا جالسُ معهما؛ إذْ جاءَني رسولُ عثمانَ، فقالا لي: قدِ ابْتَلاكَ اللهُ.
فانطلَقْتُ، حتى دخلتُ عليهِ، فقالَ: ما نَصِيحَتُكَ التي ذكرتَ آنفاً؟ قالَ: فتشهَّدْتُ، ثم قلتُ: إنَّ اللهَ بعثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وأنزَلَ عليهِ الكتابَ، وكنتَ ممَّنِ استجابَ للهِ ورسولهِ - صلى الله عليه وسلم -، وآمَنْتَ بهِ، وهاجَرْتَ الهِجْرَتينِ الأوليَيْنِ، وصَحِبْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورأَيتَ هَدْيَهُ، وقد أكثَرَ الناسُ في شأْنِ الوليدِ بنِ عُقبةَ، فحَقٌ عليكَ أنْ تُقِيمَ عليهِ الحَدَّ.
فقال لي: يا ابنَ أخي! أدرَكْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ قالَ: قلتُ: لا؛ ولكنْ قدْ خَلَصَ إليَّ مِن علمهِ ما خَلَصَ إلى العذراءِ في سِتْرِها.
قالَ: فتشهَّدَ عثمانُ، فقالَ: إنَّ اللهَ قدْ بعَثَ محمداً - صلى الله عليه وسلم - بالحقَّ، وأنْزَلَ عليهِ الكتابَ، وكنتُ ممَّن استجابَ للهِ ورسولهِ- صلى الله عليه وسلم -، وآمَنْتُ بما بُعِثَ بهِ محمدٌ، وهاجرتُ الهِجْرَتينِ الأوليَيْنِ كما قلتَ، وصحِبْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وبايَعْتُهُ، [ونِلْتُ صِهْرَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 4/ 265]، [ف 4/ 203]، واللهِ ما عصَيْتُه ولا غَشَشْتُه حتى توفَّاه اللهُ، ثَمَّ اسْتَخْلَفَ اللهُ أبا بكرٍ، فواللهِ ما عَصَيْته ولا غَشَشْتُهُ، ثمَّ اسْتُخْلِفَ عمرُ، فواللهِ ما عصيْتُه ولا غَشَشْتُهُ، ثم اسْتُخْلِفْتُ؛ أفلَيْسَ لي عليكُم [مِن الحقَّ 4/ 203]، مِثْلُ الذي كانَ لهُم عليَّ؟! قالَ (وفي روايةٍ: قلتُ): بلى.
قالَ: فما هذه الأحاديثُ التي تبْلُغُني عنكُم؟! فأمَّا ما ذكرْتَ من شأنِ الوليدِ بنِ عُقبةَ؛ فسنأْخُذُ فيهِ إنْ شاءَ اللهُ بالحَقِّ.
قالَ: فجَلَدَ الوليدَ أرْبعينَ جَلْدَةً، وأمَرَ عليَاً أنْ يَجْلِدَهُ [فجَلَدَهُ ثمانينَ]، وكانَ هو يَجْلِدُهُ.

قال أبو عبدِ اللهِ: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: ما ابْتُليتُم بهِ من شدَّةٍ، وفي موضعٍ: (البلاءُ): الِابْتِلاءُ والتَّمْحِيصُ، مِن بَلَوْتُهُ ومَحَّصْتُه؛ أي: استَخْرَجْتُ ما عندَهُ.
(يبْلُو): يخْتَبِرُ.
﴿مُبْتَليكُم﴾: مُخْتبِرُكُم.
وأمَّا قولُهُ: (بلاءٌ عظيمُ): النِّعَمُ، وهي من (أبْليْتُهُ)، وتلكَ مِنَ (ابْتَلَيْتُهُ) (44).

38 -

باب مَوْتُ النَّجَاشِىِّ

39 -

بابُ تَقاسُمِ المُشْركينَ (45) على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -

40 -

بابُ قصَّةِ أبي طالبٍ

1649 - عنِ العباسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ رضي اللهُ عنه قال للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما أغْنَيْت عن عمِّك (وفي روايةٍ: هل نفَعْتَ أبا طالبٍ بشيءٍ 7/ 121)؟ فواللهِ [إنَّه] كانَ يحُوطُك، ويَغْضَبُ لك! قالَ: "هُو في ضَحْضاحٍ * من نارٍ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْكِ الأسفَلِ مِن النَّارِ).
1650 - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أنه سمعَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وذُكِرَ عِنْدَهُ عمُّهُ، فقالَ: "لعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شفاعَتي يومَ القِيامَةِ، فيُجْعَلُ في ضَحْضاحٍ مِن النَّارِ يَبْلُغُ كعبيهِ، يغْلِي منهُ [أُمُّ]، دِماغِهِ".12

41 -

بابُ حديثِ الإسراء، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾

1651 - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: "لمَّا كَذَّبَني قريشٌ [567 - حينَ أُسْرِيَ بي إلى بيتِ المَقْدِسِ 5/ 224]؛ قمتُ في الحِجْرِ، فجَلا اللهُ لي بيتَ المَقْدِسِ، فطَفِقْتُ أُخْبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أَنْظُرُ إليهِ".

42 -

بابُ المِعْراجِ

1652 - عن أنسِ بن مالكٍ عن مالكِ بنِ صَعْصَعَةَ رضي اللهُ عنهما أنَّ نبى اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حدَّثَهُم عن ليلةَ أُسرِيَ بهِ؛ قالَ: "بَينما أنا في الحَطيمِ -وربَّما قالَ (2): في الحِجْرِ- مُضْطَجِعاً [بينَ النائمِ واليَقْظانِ 4/ 77] (3)؛ إذ أتاني آتٍ" (وفي روايةٍ: وذكر -يعني:- رجلًا بين الرجلين) (4)، فقدَّ -قالَ: وسمعْتُهُ يقولُ: "فشَقَّ (5) - ما بينِ هذه إلى هذهِ"، فقلتُ1

للجارودِ 1 -وهو إلى جَنْي-: ما يَعْنِي بهِ؟ قالَ: مِن ثُغْرةٍ نحرِهِ إلى شِعْرِته، وسمعتُهُ يقولُ: "مِن قَصِّهِ 2 إلى شِعْرَته (وفي روايةٍ: من النَّحْرِ إلى مَرَاقِّ البطنِ)، فاستَخْرَجَ قلبي، ثمَّ أتِيْتُ بطَسْتٍ من ذهَبٍ مملوءَةٍ [حكمةً و] إيماناً، فغُسِلَ [بماءِ زمزَمَ]، قلبي، ثم حُشِيَ (وفي روايةٍ: ثم مُلِئَ حكمةً وإيمانًا)، ثمَّ أُعِيْدَ، ثمَّ أُتِيتُ بدابَّةٍ دونَ البغلِ، وفوقَ الحِمارِ، أبيضَ" -فقالَ له الجارودُ: هو البُراقُ يا أبا حمزَةَ؟ قالَ أنسٌ: نعم؛ يضعُ خَطْوَهُ عندَ أقْصى طَرْفِهِ- "فَحُمِلْتُ عليهِ، فانطلقَ بي جبريلُ حتَّى أتى السماءَ الدُّنيا، فاسْتَفتَحَ، فقيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: ومَن معكَ؟ قال: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرْسِلَ إليه؟ قالَ: نعم.
قيلَ: مرحباً بهِ، فنِعمَ المجيءُ جاء.
ففَتَحَ، فلما خلَصْتُ فإذا فيها آدَمُ، فقالَ: هذا أبوكَ آدمُ فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ فردَّ السلامَ، ثم قالَ: مرحباً بالِابْنِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صَعِدَ * حتى أتى السماءَ الثانيةَ، فاستَفْتَحَ، قيلَ: من هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ.
قيلَ: وقدْ أُرسلَ إليه؟ قالَ: نعم.
قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالةِ، قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلَّمْتُ فردَّا، ثمَّ قالا: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.

ثمَّ صعِدَ بي إلى السماءِ الثالثةِ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرسلَ إليه؟ قالَ: نعم.
قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
فَفُتحَ، فلما خَلَصْتُ إذا يوسُفُ، قالَ: هذا يوسفُ فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليه فردَّ، ثم قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صعِدَ بي حتى أتى السماءَ الرابعَةَ، فاسْتَفتَحَ، قيلَ: من هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: ومَن معكَ قالَ: محمد.
قيلَ: وقدْ أُرسلَ اليهِ؟ قالَ: نعم.
قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
فَفُتحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إلى إدريسَ؛ قالَ: هذا إدريسُ فسلِّمْ عليهِ، فسلَّمْتُ عليهِ فردَّ، ثمَّ قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثم صَعِدَ بي حتَّى أتى السماءَ الخامسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: ومن معكَ؟ قالَ: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -. قيلَ: وقدْ أُرْسلَ إليه؟ قالَ: نعم.
قيلَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
فلمَّا خَلَصْتُ فإذا هارونُ، قالَ: هذا هارونُ فسلِّمْ عليهِ فسلَّمتُ عليهِ فردَّ.
ثمَّ قال: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ.
ثمَّ صعِدَ بي حتى أتى السماءَ السادسةَ، فاسْتَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قالَ: جبريلُ.
قيلَ: مَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ قيلَ: وقدْ أُرسِلَ اليهِ؟ قالَ: نعم.
قالَ: مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
فلما خلصتُ فإذا موسى، قالَ: هذا موسى فسلِّم عليهِ، فسلَّمتُ عليه فردَّ، ثم قالَ: مرحباً بالأخِ الصالحِ والنبىِّ الصالحِ، فلمَّا تجاوَزْتُ بكى، قيلَ له: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أَبْكي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بعدي يدْخُلُ الجنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكثرُ ممن يدخُلُها مِن أُمَّتي.
ثمَّ صعِدَ بي إلى السماءِ السابعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جبريلُ، قيلَ: من هذا؟ قالَ:

جبريلُ.
قيلَ: ومَن معكَ؟ قالَ: محمدٌ.
قيلَ: وقدْ بُعِثَ إليهِ؟ قالَ: نعم.
قالَ.
مرحباً بهِ، فنعمَ المجيءُ جاءَ.
فلمَّا خلَصْتُ فإذا إبراهيمُ، قالَ: هذا أبوكَ فسلَّمْ عليهِ، قالَ: فسلَّمْتُ عليهِ فردَّ السلامَ، قالَ: مرحباً بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالحَ.
ثم رُفِعَت لي سِدرَةُ المُنْتَهى، فإذا نبِقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإذا ورقُها مثلُ آذانِ الفِيَلَةِ، قالَ: هذه سِدْرَةُ المُنْتَهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ؛ نهرانِ باطِنانِ، ونهرانِ ظاهِرانِ، فقلتُ: ما هذانِ يا جبريلُ؟ قالَ: أمّا الباطِنانِ؛ فنهرانِ في الجنَّةِ، وأما الظَّاهِرانِ؛ فالنيلُ والفراتُ، ثمَّ رُفِعَ لي البيتُ المعمورُ، [فسأَلْتُ جبريل؟ فقالَ: هذا البيتُ المعمورُ، يصلي فيهِ كلَّ يومٍ سبعونَ ألفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجوا لم يعودُوا إليهِ، آخِرَ ما عليْهِم] 1. ثم أُتيتُ بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لَبَنٍ، وإناءٍ من عَسَل، فأخَذْت اللبنَ، فقالَ: هي الفطرَةُ، أنتَ عليها وأمَّتُك.
ثم فُرِضَتْ علىَّ الصلواتُ؛ خمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ، فرجَعْتُ، فمَرَرْتُ على موسى، فقالَ: بما أُمِرْتَ؟ قالَ: أُمِرْتُ بخمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ.
قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ، وإنِّي واللهِ قدْ جَرَّبْتُ الناسَ قبلَكَ، وعالجْتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المعالَجِةِ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ، فاسْأَلْهُ التخفيفَ لأمَّتِكَ.
فرجعْتُ،

فوضَعَ عنِّي عشْراً، فرجعتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فوضْعَ عنِّي عشْراً، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فوضعَ عنِّي عشْراً، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فأْمِرْتُ بعشْرِ صلواتٍ كلَّ يومٍ، فرجَعْتُ، فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ، فأُمِرْتُ بخمسِ صلواتٍ كلَّ يوَّمٍ، فرجَعْتُ إلى موسى، فقالَ: بما أُمِرْتَ؟ قلتُ: أُمِرْتُ بخمْسِ صلواتٍ كلَّ يوم، قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تستطيعُ خمسَ صلوات كلَّ يومٍ، وإنِّي قد جَرَّبْتُ الناسَ قبلَكَ، وعالَجْتُ بَني إسرائيلَ أشدَّ المعالَجَةِ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ، فاسألْهُ التخفيفَ لأمِّتِكَ.
قالَ: سألْتُ ربِّى حتَّى اسْتَحْيَيْتُ، ولكنْ أرْضَى وأُسَلِّمُ.
قالَ: فلمَّا جاوَزْتُ ناداني منادٍ: أمْضَيْتُ فَرِيضَتي، وخَفَفْتُ عن عبادي، و [أَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْراً].
1653 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ قَالَ: هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إلى بيت المقدس.
قال ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾؛ قالَ هى شجرة الزّقُّوم.

43 -

بابُ وُفودِ الأنصارِ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمكَّةَ، وبيعَةِ العَقَبَةِ

1654 - عن جابر بنِ عبدِ اللهِ رضي اللهُ عنهما قالَ: شَهِدَ بي خالايَ العَقَبَةَ.
(ومن طريقٍ أُخرى عنه: أنا وأبي وخالي مِن أصحابِ العقَبَةِ).
1 - قالَ أبو عبدِ اللهِ: قالَ ابنُ عُيينَة: أحَدُهُما البراءُ بنُ مَعْرور.

44 -

بابُ تزويجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عائشةَ، وقُدُومِها المدينةَ، وبنائهِ بها

1655 - عن عائشةَ رضىِ اللهُ عنها قالت: تزَوَّجَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا بنتُ ستِّ سنينَ، فقَدِمْنا المدينَةَ، فنَزَلْنا في بني الحارِثِ بنِ خَزْرجٍ , فوُعِكْتُ، فتمَرَّق 1 شَعَري، فوَفَى جُمَيْمَة، فأتَتْني أمِّي أمِّ رُومانَ، وإنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، ومعي صواحِبُ لي، فصرَخَتْ بي، فأتَيْتُها لا أدْري ما تُريدُ بِي، فأخَذتْ بيدِي حتَّى أوْقَفَتْني على بابِ الدَّارِ، وإنِّي لأنْهَجُ، حتى سَكَنَ بعضُ نَفَسي، ثم أخَذَتْ شيئاً من ماءٍ فمَسَحَتْ بهِ وجْهي ورأْسي، ثم أدخَلَتني الدَّارَ، فإذا نسوة من الأنصارِ في البيتِ، فقلْنَ: على الخيرِ والبركَةِ، وعلى خيرِ طائرٍ، فأسْلَمَتْني إليهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِن شَأْني، فلمْ يَرُعْني إلَّا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ضُحىً، فأسْلَمْنَني إليهِ، وأنا يومئذٍ بنتُ تسعَ سنينَ.
1656 - عن هشامٍ عن أبيهِ (عُروةَ) 2 قالَ: تُوُفَّيتْ خديجَةُ قبلَ مَخْرَجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينةِ بثلاثِ سنينَ، فلَبِثَ سنتينِ أوْ قريباً مِن ذلك، ونَكَحَ عائشةَ وهي بنتُ ستِّ سنينَ، ثمَّ بَنى بها وهيَ بنتُ تسعِ سنينَ.
[قال هشامٌ: وأْنبِئت أنها كانت عندَه تسعَ سنينَ 6/ 134]

45 -

بابُ هِجْرةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِهِ إلى المدينةِ

1 و 570 - وقال عبدُ اللهِ بن زيدٍ وأبو هريرةَ رضي الله عنهما عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لولا الهِجْرَة لكنتُ امْرَأ مِن الأنصارِ".
2 - وقالَ أبو موسى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "رأيتُ في المنامِ أنِّي أهاجِرُ مِن مكةَ إلى أرضٍ بها نَخلٌ، فذَهَبَ وَهَلِي * إلى أنها اليمامةُ أو هَجَرُ، فإذا هِي المدينةُ: يَثْرِبُ".
1657 - عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ قالَ: زُرْتُ عائشةَ معَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ الليثيِّ، [وهي مُجاوِرَةٌ بثَبِيْرٍ 4/ 38]، فسأَلْناها عنِ الهجرَةِ؟ فقالتْ: لا هجرةَ اليومَ (وفي روايةٍ: انقطعَتِ الهِجْرَةُ منذُ فَتَحَ اللهُ على نبيهِ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ)، كانَ المؤمِنونَ يفِرُّ أحدُهُم بدينِهِ إلى اللهِ تعالى، وإلى رسولهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ مخافَةَ أنْ يُفْتَنَ عليهِ، فأمَّا اليومَ؛ فقدْ أظْهَرَ اللهُ الإسلامَ، واليومَ يعْبُدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ، ولكِنْ جهادٌ ونيَّةٌ.
1658 - عن عائشةَ رضي اللهُ عنها زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالتْ: لم أعْقِلْ أبَوَىَّ قَطُّ إلاَّ وهُما يَدِينانِ الدِّينَ، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا يأتِينا فيهِ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - طرفَيِ النَهارِ؛ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فلما ابْتُلِيَ المسلمونَ؛ [هاجرَ إلى الحبشةِ رجالٌ مِن المسلمينَ، و 7/ 39]، خَرَجَ أبو بكرٍ مهاجراً نحوَ أرضِ الحبشةِ، حتَّى بلَغَ (بَرْكَ

الغِمادِ) 1 لَقِيَهُ ابنُ الدَّغِنَةِ -وهو سيدُ (القارَةِ) - فقالَ: أينَ تريدُ يا أبا بكرٍ؟ فقالَ أبو بكرٍ: أخْرَجَني قومي، فأُرِيدُ أنْ أسِيْحَ في الأرضِ، وأعبدَ ربِّي، فقالَ ابنُ الدَّغِنةِ: فإنَّ مِثْلَكَ يا أبا بكرٍ! لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ، إنَّك تَكْسِبُ المَعْدُومَ 2، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحْمِلُ الكَلِّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوائِبِ الحقِّ، فأنا لكَ جارٌ ارْجِعْ واعْبُدْ ربَّكَ ببلدِكَ.
فرجَعَ، وارْتَحَلَ معهُ ابنُ الدَّغِنةِ.
فطافَ ابنُ الدَّغِنةِ عَشِيَّة في أشرافِ [كُفَّارِ 3/ 58]، قريشٍ، فقالَ لهُم: إنَّ أبا بكرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ، ولا يُخْرَجُ، أتُخْرِجونَ رجلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويصِلُ الرحمَ، ويحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِيْنُ على نوائِبِ الحقِّ؟! فلمْ تُكذِّبْ قريشٌ بجِوارِ ابنِ الدَّغِنةِ، [وآمَنُوا أبا بكرٍ]، وقالوا لابن الدَّغِنةِ: مُرْ أبا بكرٍ فلْيَعْبُدْ ربّهُ في دارهِ، فليُصَلِّ فيها، ولْيقرأْ مَا شاءَ، ولا يُؤذِينا بذَلكَ، ولا يَسْتَعْلِنُ بهِ؛ فإنا نخْشى أنْ يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا.
فقالَ ذلك ابنُ الدَّغِنةِ لأبي بكرٍ، فلَبِثَ أبو بكرٍ بذلك يعبُدُ ربَّه في داره، ولا يَسْتَعْلِنُ بصلاتِه، ولا يقرأُ في غيرِ دارِهِ.
ثمَّ بدا لأبي بكرٍ فابْتَنى مسجداً بفِناءِ دارِهِ، [وبَرَزَ]، وكانَ يُصَلِّي فيهِ، ويقرأُ القرآنَ، فيَنْقَذِفُ (وفي روايةٍ: فيَتَقَصَّفُ.
وفي أخرى: فيَقِفُ 1/ 122) عليهِ نساءُ المشركينَ وأبناؤُهُم، وهُم يَعْجَبُونَ منهُ، وينظُرونَ إليهِ، وكانَ أبو بكر رجلًا بكَّاءً، لا يملِكُ عينَيْهِ إذا قرأَ القرآنَ، فأفْزعَ ذلكَ أشرافَ قريش مِن المشركينَ، فأَرْسَلوا إلى

ابنِ الدَّغِنَةِ، فقَدِمَ عليهِم، فقالوا [لهُ]: إنَّا كُنا أجَرْنا أبا بكرٍ بجِوارِكَ، على أنْ يَعْبُدَ ربَّهُ في دارِهِ، فقدْ جاوَزَ ذلكَ، فابْتَنَى مسجداً بفِناءِ دارِهِ، فأعلنَ بالصلاةِ والقراءَةِ فيهِ، وإنَّا قدْ خَشِينا أنْ يَفْتِنَ نساءَنا وأبناءَنا، فانْهَهُ، فإنْ أحَبَّ أنْ يقتَصِرَ على أنْ يعْبُدَ ربَّهُ في دارِهِ؛ فعَلَ، وإنْ أبى إلاَّ أن يُعْلِنَ بذلكَ؛ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إليكَ ذمَّتَكَ، فإنَا قدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ 1، ولسنا مُقِرِّينَ لأبي بكرٍ الاِسْتِعْلانَ.
قالتْ عائشةُ: فأتى ابنُ الدَّغِنَةِ إلى أبي بكرٍ، فقالَ: قدْ عَلِمْتَ الذي عاقَدْتُ لك عليهِ، فإمَّا أنْ تَقْتَصِرَ على ذلك؛ وإمَّا أنْ تَرْجِعَ إليَّ ذِمَّتى، فإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تسْمَعَ العربُ أَنِّي أُخْفِرتُ في رجلٍ عقَدْتُ له.
فقالَ أبو بكرٍ: فإنِّي أرُدُّ إليكَ جِوارَكَ، وأرْضى بجِوارِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذٍ بمكَّةَ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للمسلمينَ: "إنَّي أُرِيتُ دارَ هجرَتكُم ذاتَ نخلٍ بينَ لابتَيْنِ".
وهما الحَرَّتانِ 2. فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينةِ [حينَ ذكَرَ ذلكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ورجَعَ عامَّةُ مَن كانَ هاجَرَ بأرضِ الحَبَشَةِ إلى المدينَةِ، وتجَهَّزَ أبو بكرٍ [مهاجراً]، قِبَلَ المدينةِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "على رِسْلِكَ؛ فإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لي".
فقالَ أبو بكرٍ: وهلْ تَرْجو ذلك بأبي أنتَ؟ (وفي روايةٍ: قالتْ: اسْتأْذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أبو بكرٍ في الخروجِ حينَ اشْتَدَّ عليهِ

الأذَى، فقالَ لهُ: "أقِمْ".
فقالَ: يا رسولَ اللهِ! أتَطْمَعُ أنْ يُؤذَنَ لكَ؛ 5/ 43) قالَ: "نعم".
فحَبَسَ أبو بكرٍ نفسَهُ على رسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - لِيَصْحَبَهُ، وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عندَهُ ورَقَ السَّمُرِ- وهو الخَبَطُ- أربعَةَ أشْهُرٍ.
قالتْ عائشةُ: فبَيْنَما نحنُ يوماً جلوسٌ في بيتِ أبي بكرٍ في نَحْرِ الظَّهيرةِ (وفي روايةٍ: لَقَلَّ يومٌ كانَ يأتي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ يأْتي فيهِ بيتَ أبي بكرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهارِ، فلما أُذِنَ له بالخروجِ إلى المدينةِ؛ لمْ يَرُعْنا إلا وقدْ أُتانا ظُهراً، فَ 2/ 23 - 24) قالَ قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[مُقبلاً]، مُتَقَنِّعاً في ساعةٍ لمْ يَكُنْ يأْتينا فيها، فقالَ أبو بكرٍ: فداءٌ له أبي وأُمي، واللهِ ما جاءَ بهِ في هذهِ الساعةِ إلاَّ أمرٌ [حَدَثَ].
قالتْ: فجاءَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَأذَنَ، فأذِنَ لهُ، فدَخَلَ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -[حينَ دَخَلَ] لأبي بكرٍ: "أخْرِجْ مَن عندَكَ".
فقالَ أبو بكرٍ: [يا رسولَ اللهِ!، إنَّما هُم أهلُكَ (وفي روايةٍ: إنَّما هُما ابْنَتَايَ.
يعني: عائشةَ وأسماءَ) بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ! قالَ: "فإنِّي (وفي روايةٍ: أَشعَرْتَ أَنَّهُ) قدْ أُذِنَ لي في الخُروجِ؟ ". فقالَ أبو بكرٍ: الصَّحابَةَ (وفي روايةٍ: الصُّحْبَةَ) بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "نعمْ".
قالَ أبو بكرٍ: فخُذْ بأبي أنتَ يا رسولَ اللهِ! إحدى راحِلَتَىَّ هاتينِ، [قدْ كُنْتُ أعْدَدْتُهما للخُروجِ].
قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: " [قدْ أخَذْتُها] بالثَّمَنِ"، [فأعْطَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إحداهما، وهي الجَدْعاءُ] 1. قالتْ عائشةُ: فجَهَّزْناهُما أَحَثَّ الجِهازِ 2، وصَنَعْنا لهُما سُفرةً في جِرابٍ،

فقَطَعتْ أسماءُ بنتُ أبى بكرٍ قِطْعَةً مِن نِطاقِها، فرَبَطَت (وفي روايةٍ: فأَوْكَتْ) بهِ على فَمِ الجِرابِ؛ فبذلك سُمِّيتْ ذاتَ النِّطاقِ 1. قالتْ: [فرَكبا، فانْطَلَقا]، ثم لحِقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ بغارٍ في جبلٍ [يقالُ لهُ:] ثَوْرٌ، فكَمَنَا فيهِ ثلاثَ ليالٍ، يَبِيْتُ عندَهُما عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، وهو غُلامٌ شابٌ ثَقِفٌ لَقِنٌ، فيُدْلِجُ 2 مِن عندِهِما بسَحَرٍ، فيُصْبِحُ معَ قريشٍ بمكةَ كبائِتٍ، فلا يسمعُ أمْراً يُكْتادانِ (وفي روايةٍ: يُكادانِ) بهِ إلا وَعَاهُ، حتى يأتيَهُما بخَبَرِ ذلك حينَ يخْتَلِطُ الظَّلامُ، ويَرْعى عليهما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مولى أبي بكرٍ (وفي روايةٍ: كانَ غُلاماً لعبدِ اللهِ بنِ الطُّفَيْلِ بنِ سَخْبَرَةَ، أخو عائشةَ لأمَها، وكانتْ لأبي بكرٍ) مِنْحَةٌ مِن غَنَم، ف [كانَ]، يُرِيحُها عليهِما حينَ تذهَبُ ساعةٌ مِن العِشاءِ، فيَبِيْتانِ في رِسْلٍ، وهو لَبَنُ مِنْحَتِهما، ورَضِيفُهما، حتى يَنعِقَ بها عامرُبنُ فُهَيْرَةَ بغَلَسٍ، يفْعَلُ ذلكَ في كُلِّ ليلةٍ مِن تلكَ الليالي الثلاثِ.
واستأْجَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ رجُلاً مِن بني الدِّيلِ، وهو من بني عبدِ بنِ عَدِىِّ؛ هادياً خِرّيتاً -والخِرِّيتُ: الماهرُ بالهِدايةِ- قذ غَمَسَ حِلْفاً 3 في آلِ

العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْميِّ، وهو على دينِ كفارِ قريش، فأَمِناهُ، فدَفَعا إليهِ راحِلَتَيْهِما، وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بعدَ ثلاثِ ليالٍ براحِلَتَيْهِما صُبْحَ ثلاثٍ، وانْطَلَقَ معهُما عامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ [يُعْقِبَانِهِ]، والدَّليلُ، فأَخذَ بهِم طريقَ السواحِلِ [حتى قَدِما المدينَةَ، فقُتِلَ عامرُ بنُ فُهَيْرةَ يومَ بئرِ مَعُونَةَ].
[(تُرِيحُونَ): بالعَشِيِّ.
(تَسْرَحُونَ): بالغَداةِ 4/ 190] 1. 1659 - عن سُراقَةَ بنِ جُعْشُمٍ قالَ: جاءَنا رسولُ كُفَّارِ قريشٍ؛ يَجْعَلونَ في رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكرٍ دِيَةً؛ كُلِّ واحدٍ منهُما 2؛ مَن قتلَهُ أو أسَرةُ، فبَيْنَما أنا جالسٌ في مَجْلِسٍ مِن مجالِسِ قومي بَني مُدْلجٍ؛ أقبلَ رجُلٌ منهُم، حتّى قامَ علينا ونحنُ جلوسٌ، فقالَ: يا سُراقةُ! إنِّي قد رأَيْتُ آنفاً أسودةً بالسَّاحِلِ، أُراها محمَّداً وأصْحابَهُ.
قالَ سُراقَةُ: فعَرَفْتُ أنَّهم هُم، فقُلتُ لهُ: إنَّهُم ليسوا بهِمْ، ولكنَّكَ رأَيْتَ فُلاناً وفلاناً انطلَقوا بأَعْيُنِنا يَبْتَغونَ ضالَّةً لهُم، ثمَّ لَبِثْتُ في المجلسِ ساعةً، ثمَّ قمتُ فدَخَلْتُ، فأمَرْتُ جارِيتي أنْ تَخْرُجَ بفَرَسي -وهيَ مِن وراءِ أكَمَةٍ- فتَحْبِسَها عليَّ، وأخَذْتُ رُمْحي فخَرَجْتُ به مِن ظهرِ البيتِ، فحَطَطْتُ بزُجِّهِ الأرضَ، وخَفَضْتُ عالِيَهُ 3 حتَّى أتَيْت فرَسي فركِبْتُها، فرفَعْتُها تُقَرِّب بي، حتَّى دنَوْتُ

منهُم، فعَثَرَت بي فَرَسي، فخَرَرْتُ عنها، فقمْتُ، فأهْوَيْتُ يدي إلى كِنانَتي، فاسْتَخْرَجْتُ منها الأزْلامَ، فاسْتَقْسَمْتُ بها أضُرُّهُم أمْ لا؟ فخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فرَكِبْتُ فرَسي، وعصَيْتُ الأزْلامَ، تُقَرِّبُ بي، حتَّى إذا سمِعْتُ قراءَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يَلْتَفِتُ، وأبو بكر يُكْثِرُ الِالْتِفاتَ؛ ساخَتْ يَدا فرَسي في الأرضِ حتَّى بَلَغَتا الركْبَتَيْنِ 1، فخَرَرْتُ عنها، ثمَّ زَجَرْتُها، فنَهَضْتُ، فلمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يدَيها، فلمَّا استَوَتْ قائمةً؛ إذا لأثَرِ يدَيْها عُثَانٌ 2، ساطعٌ في السماءِ مثلُ الدُّخانِ، فاسْتَقْسَمْتُ بالأزْلامِ، فخَرَجَ الذي أكْرَهُ، فنادَيْتُهم بالأمانِ، فوَقَفُوا، فرَكِبْتُ فرسي حتَّى جِئْتُهم، ووقَعَ في نَفْسي حينَ لَقِيتُ ما لَقِيتُ مِن الحَبْسِ عنهُم؛ أنْ سَيَظْهَرُ أمرُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ لهُ: إنَّ قومَكَ قدْ جَعَلوا فيكَ الدِّيَةَ، وأخْبَرتُهم أخبارَ ما يُريدُ الناسُ بهِم، وعَرَضْت عليهِمُ الزَّادَ والمتاعَ، فلمْ يَرْزَآني 3، ولم يسأَلاني إلَّا أنْ قالَ: "أخْفِ عنَّا"، فسألتُهُ أنْ يَكْتُبَ لي كتابَ أمْنٍ، فأَمَرَ عامرَ بنَ فُهَيْرَةَ فكَتَبَ في وُقْعَةٍ مِن أَديمٍ، ثمَّ مضى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 4.

جارٍ التحميل