مقدمة الطبعة الأولى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ناصر الدين الألباني
- الكتاب
- مُخْتَصَر صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي
- المؤلف
- أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
- الناشر
- مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع، الرياض
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2002 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
إن الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنا،
وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِلْ فلا هادي له، وأشهدُ
أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا.
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
أما بعد: فإِن من مشاريعي القديمة في خدمة السنة المطهرة، ما كنت سميته بـ "تقريب السنة بين يدي الأمة"، وتحدثت عنه في بعض كتبي؛ منها مقدمتي
على "مختصر صحيح مسلم" للحافظ المنذري، وهو يشمل حذف الأسانيد من جهة، وتمييز الصحيح من الضعيف من جهة أخرى.
ولما كان "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، قد تلقاهما العلماء بالقبول؛ لم يكن ثمة حاجة إلى الكلام على أسانيدهما كما كنت بينت ذلك في المقدمة المشار إليها، فالعمل فيهما إذن منحصر في حذف أسانيدهما والمكرر من متونهما.
وكان أول ما صنعته في ذلك أن حققت "مختصر مسلم " المذكور، ورقَّمْتُ أحاديثه، وشرحتُ غريبه، وعلّقتُ عليه تعليقاتٍ مفيدةً، ثم طبعتهُ في بيروت.
وكان قد تبين لي بعد الفراغ منه أن الحافظ المنذري -رحمه الله- لم يقتصر في اختصاره إياه على حذف أسانيده والمكرر من متونه فقط، بل حذف منه بعض المتون أيضاً، فلما بدا لي ذلك تمنيت أَنْ لو تتاح لي فرصة، لأتولى أنا بنفسي اختصاره بطريقتي الخاصة، وشاء الله تبارك وتعالى ذلك، حيث قدّر علي أن أسجن في عام 1389هـ الموافق لسنة 1969م مع عدد من العلماء من غير جريرة اقترفناها سوى الدعوة إلى الإسلام وتعليمه للناس، فأُساقُ إلى سجن القلعة وغيره في دمشق، ثم يُفرج عني بعد مدة لأساق مرة ثانية وأنفى إلى الجزيرة، لأقضي في سجنها بضعة أشهر، أحتسبها في سبيل الله عز وجل.
وقد قدر الله ألا يكون معي فيه إلا كتابي المحبب: "صحيح الإِمام مسلم"، وقلم رصاص وممحاة، وهناك عكفت على تحقيق أمنيتي، في اختصاره وتهذيبه،
وفرغت من ذلك في نحو ثلاثة أشهر، كنت أعمل فيه ليل نهار، ودون كلل ولا ملل، وبذلك انقلب ما أراده أعداء الأمة انتقاماً منا إلى نعمة لنا، يتفيأ ظلالها طلاب العلم من المسلمين في كل مكان، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
كما يسر الله تعالى لي التفرغ لعدد كبير من الأعمال العلمية ما كان يتاح لي أن أعطيها الوقت اللازم لو بقيت حياتي تسير على النهج المعتاد، فقد قامت بعض الحكومات المتعاقبة بمنعي من الخروج إلى المدن السورية في الزيارات الشهرية التي كنت أقوم بها في الدعوة إلى الكتاب والسنة.
وهو نوع مما يسمى في العرف الشائع بـ "الإِقامة الجبرية"، كما أنني قد مُنعت خلال فترات متلاحقة من إلقاء دروسي العلمية الكثيرة التي كان التحضير لها يأخذ جزءاً كبيراً من وقتي، وهذا كله قد صرف عني الكثير من الأعمال، وحال بيني وبين لقاء عدد كبير من الناس الذين كانوا يأخذون من وقتي الشيء الكبير.
هذا، ولما اطَّلع على المختصر بعض الإخوة رغب في نشره، ولكنه اقترح علي أن أبدأ قبله باختصار "صحيح الإمام البخاري"، ليبدأ بطبعه أولاً، ثم يعقبه بطبع مختصر "صحيح مسلم" ثانياً.
ومضت الأيام، ثم أخذتُ في تحقيق هذه الرغبة، فاختصرت "صحيح البخاري" على نوبات متقطعات، في شهور عديدة، حتى كتب الله تعالى لي الفراغ منه بفضله ومنِّه وكرمه.
ثم شاء الله تعالى أن يتولى طباعته صاحبنا الأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش، واتخذت الاستعدادات اللازمة لذلك، من إحضار أنواع من الحروف والخطوط، ليطبع الكتاب على نمط يسهل على القارئ معرفة أنواع الأحاديث التي فيه، من مسندة موصولة، ومعلقة مرفوعة، وآثار موقوفة، كما يميز تخريجاتي وتعليقاتي عليه.
وبوشر بطبعه عام 1394 هـ ببطء شديد، ثم طبع في بيروت سنة 1399 هـ، وجرت أمور مؤلمة أفقدتنا الكثير من ملازم الكتاب، مما اضطر معه الأخ زهير إلى تصوير ما فقد من الملازم والكراريس، فاستطاع- والحمد لله- أن يعيد الكتاب في جزئه الأول كاملاً، راجين من الله تعالى أن ييسر له إخراجه إلى الناس عاجلاً.
منهجي في اختصار الكتاب
:
لقد سلكت في اختصار "صحيح الإِمام البخاري" رحمه الله منهجاً علمياً دقيقاً، أظنُّ أني أتيت به على جميع متون أحاديث البخاري وآثاره وكتبه وأبوابه، ولم يفتني شيء من ذلك إن شاء الله تعالى، إلا ما لا بد منه مما هو من طبع البشر.
وتفصيل ذلك فيما يلي:
1 - حذفت أسانيد أحاديثه كلها، ولم أُبْقِ منها إلا اسم الصحابي راوي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، اللهم إلا ما لا بد منه من الرواة الذين قد تدور
القصة عليهم، ولا تتم الرواية إلا بذكرهم ممن دون الصحابي.
2 - من المعلوم عند العارفين بـ "صحيح البخاري" أنه يكرر الحديث في كتابه ويذكره في مواطن عديدة وكتب وأبواب مختلفة، وبروايات متعددة، ومن أكثر من طريق واحدة أحياناً، مطولاً تارة، ومختصراً أخرى، وبناء عليه فإِنني أختار من الروايات المكررة أتمها وأكملها، وأجعلها هي الأصل في "المختصر"، ولكنني لا أُعرض عن الروايات الأخرى، بل أجري عليها دراسة خاصة، باحثاً فيها عما إذا كان في شيء منها فائدة أو زيادة ما لم تَرِد في الرواية المختارة، فآخذها وأضمها إلى الأصل.
ثم إن الضم المذكور يكون على صورة من صورتين:
الأولى: إذا كانت الزيادة تقبل الانضمام إلى مكانها اللائق بها من الأصل، وتنسجم مع السباق والسياق منه بحيث لا يشعر القارئ الأديب بأنّها زيادة، وضعتها في مكانها بين قوسين معقوفين هكذا [] على نحو ما جريت عليه في بعض مؤلفاتي، مثل "صفة الصلاة"، و"حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - "، و"أحكام الجنائز" وغيرها.
والصورة الأخرى: إذا كانت الزيادة لا تنسجم مع السباق والسياق، فحينئذ أجعلها بين هلالين، قائلاً: (وفي روايةٍ: كذا وكذا)، وإذا كانت هذه الرواية من طريق أخرى عن صحابي الحديث قلت: (وفي طريقٍ) أو: (وفي طريقٍ ثانٍ)، وإذا كان هناك زيادة أخرى من هذا النوع من طريق ثالث قلت (وفي طريقٍ ثالثة) وهكذا، والغرض من ذلك واضح، وهو إفادة القارئ بأخصر
عبارة بأنّ الحديث ليس غريباً فرداً عن الصحابيّ المذكور.
وفي كل من الصورتين أضع رقم الجزء والصفحة من طبعة استانبول سنة (1315 هـ) - وهي الطبعة التي اعتمدناها في هذا المختصر- في آخر الزيادة قبل الهلال أو القوس المعقوف.
3 - ثم إن أحاديث "الصحيح" من حيث أسانيدها قسمان معروفان عند العلماء:
الأول: الأحاديث الموصولة، وهي التي يسوقها المؤلف بأسانيدها المتصلة منه إلى رواتها من الصحابة، ويدخل في هذا القسم بعض الآثار الموقوفة على الصحابة أو غيرهم.
والآخر: الأحاديث المعلقة، وهي التي لا يسوق المؤلف أسانيدها أصلاً، أو يسوق بعضها من أعلاها بأن يعلقه على الصحابي أو مَنْ دونَه، إلى أن يكون أحياناً آخرُ رجل في السند هو شيخَ البخاري، أو شيخَ شيخه.
فهذا القسم نوعان: مرفوع، وموقوف، وكلاهما ليس صحيحاً كله عند المؤلف ومن بعده من العلماء.
بل فيه الصحيح والحسن والضعيف- كما بينه الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة "فتح الباري" (ص 11 - 13 - الطبعة المنيرية) - فهذا أيضاً قد احتفظتُ بمتونه في "المختصر"، ولكني عنيت بتخريجه بإيجاز في الحاشية، مع بيان مرتبته التي يستحقها لذات إسناده أو لغيره إذا كان مرفوعاً من الأحاديث المرفوعة، وأما إذا كان من الآثار الموقوفة، فأقتصر على تخريجه، وقلما أنبه على درجته.
4 - ثم إنني رقَّمت هذه الأنواع الثلاثة بأرقام خاصة، وقياسات مختلفة لكل منها: فالأحاديث المسندة لها أرقامها الخاصة المتسلسلة.
والأحاديث المرفوعة المعلقة لها أرقامها الخاصة أيضاً والمتسلسلة.
وكذلك الآثار الوقوفة لها أرقامها الخاصة.
ومن فوائد ذلك أنه إذا تم الكتاب تيسر معرفة عدد أحاديت كلٍّ من هذه الأنواع الثلاثة 1.
5 - وكذلك رقمت كتب "الصحيح" كلها بأرقام كبيرة متسلسلة، وكذلك رقمت أبواب كل كتاب على حدة بأرقام متسلسلة، محتفظاً بكل باب من أبوابه، وذلك لما اشتهر عند العلماء: أنّ فقه البخاري في تراجم أبوابه، وإنما حذفت نوعاً واحداً منها، وذلك حين يكون الباب ليس فيه ترجمة، فيقول البخاري: "باب"، ولا يزيد.
فإذا كان تحت هذا النوع حديث واحد فقط في "الصحيح"، ثم اقتضى حذفه من تحته في "المختصر"، وبقي الباب لا حديث تحته، ففي هذه الحالة فقط أحذف الباب لأنه لا فائدة من إبقائه، إلا أنني أحذفه برقمه إشارة إلى حذفه.
والغرض من الترقيم المذكور في هذه الفقرة، أن تظل الفهارس الموضوعة للكتب الستة تعمل على هذا المختصر، كما تعمل على أصله؛ تيسيراً لاستخراج الحديث منه عند الحاجة.
وقد شرحت في حاشيته ألفاظه الغريبة، وأوضحت بعض جمله الغامضة، كما أودعته كثيراً من النكات العلمية المفيدة.
وسأجعل في آخر كل مجلد فهرساً تفصيلياً لكتبه وأبوابه وأحاديثه بأقسامه الثلاثة.
وفي النيّة بعد ذلك أن أضع له فهارس تفصيلية، وقد يكون منها فهرس خاص بألفاظه في مجلد مفرد -بإذنه تعالى- يسهل على القارئ استخراج الحديث من الكتاب في أقل وقت ممكن.
واللهَ سبحانه وتعالى أسأل، أن يجعله خالصاً لوجهه، وأن ينفع به إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يدخر لي أجره إلى ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون.
إلا من أتى الله بقلب سليم﴾، والحمد لله رب العالمين.
وكتب محمدناصرالدين الألباني بيروت- غرة رجب سنة 1399 هـ
1 -