مختصر صحيح الإمام البخاريصفحات 87-122

كِتابُ المَغازي

صفحات 87-122
عن هذه الطبعة
عَلَم
ناصر الدين الألباني
الكتاب
مُخْتَصَر صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي
المؤلف
أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
الناشر
مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع، الرياض
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2002 م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِىَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيْدٌ، وَهَزَمَ اللَّهُ أَصْحَابَهُ.
قَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِى مَعَ أَبِى عَامِرٍ، فَرُمِىَ أَبُو عَامِرٍ فِى رُكْبَتِهِ، رَمَاهُ جُشَمِىٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِى رُكْبَتِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمّ! مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِى مُوسَى 1 , فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِى الَّذِى رَمَانِى.
فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِى وَلَّى، فَاتَّبَعْتُهُ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلاَ تَسْتَحِى؟! أَلاَ تَثْبُتُ؟! فَكَفَّ , فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ، فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لأَبِى عَامِرٍ: قَتَلَ اللَّهُ صَاحِبَكَ.
قَالَ: فَانْزِعْ هَذَا السَّهْمَ.
فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِى! أَقْرِئِ النَّبِيَّ السَّلاَمَ، وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي.
وَاسْتَخْلَفَنِى أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ 2 وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ في بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِى عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي.
فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِى عَامِرٍ»، وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمّ! اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ».
فَقُلْتُ: وَلِى فَاسْتَغْفِرْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ، وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيمًا».
قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: إِحْدَاهُمَا لأَبِى عَامِرٍ، وَالأُخْرَى لأَبِى مُوسَى.

58 -

بابُ غزوةِ الطائفِ في شوالٍ سنةَ ثمانٍ

1 - قالَةُ موسى بنُ عُقْبَةَ.
1802 - عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّهَا أُمِّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدِى [الـ] مُخَنَّثٌ [هِيتٌ] , فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لـ[أخي أمِّ سلمةَ 6/ 159] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا؛ فعليكَ بابنَةِ (وفي روايةٍ: فإني أدُلُّكَ على بنتِ 7/ 55] غَيْلانَ؛ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لاَ يَدْخُلَنَّ هَؤُلاَءِ عَلَيْكُنَّ»، [وَهْوَ مُحَاصِرٌ الطَّائِفَ يَوْمَئِذٍ].
[قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ)؛ يَعْنِى: أَرْبَعَ عُكَنِ بَطْنِهَا، فَهْىَ تُقْبِلُ بِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ: (وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ)؛ يَعْنِى: أَطْرَافَ هَذِهِ الْعُكَنِ الأَرْبَعةِ؛ لأَنَّهَا مُحِيطَةٌ بِالْجَنْبَيْنِ حَتَّى لَحِقَتْ , وَإِنَّمَا قَالَ: "بِثَمَانٍ".
وَلَمْ يَقُلْ: "بِثَمَانِيَةٍ" -وَوَاحِدُ الأَطْرَافِ طَرَفٌ، وَهْوَ ذَكَرٌ- لأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: "ثَمَانِيَةَ أَطْرَافٍ" 7/ 56]. 1803 - عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ قالَ: لَمَّا حَاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الطَّائِفَ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهُمْ شَيْئًا؛ قَالَ: «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: نَذْهَبُ وَلاَ نَفْتَحُهُ! وَقَالَ مَرَّةً: "نَقْفُلُ" (وفي روايةٍ: فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: لاَ نَبْرَحُ أَوْ نَفْتَحَهَا 7/ 93) , فَقَالَ: [النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: "فـ] اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ» , [قالَ:] فَغَدَوْا, فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ (وفي روايةٍ: فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالاً شَدِيدًا، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْجِرَاحَاتُ) , فَقَالَ:

قافِلونَ غداً إنْ شاءَ اللهُ"، فأعجَبَهُم (وفي روايةٍ: فسكتوا)، فضَحِكَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم.
وقالَ سفيانُ مرةً: فتبسَّمَ.
1804 - عن عاصمٍ قالَ: سمعتُ أبا عثمانَ قالَ: سمعتُ سعداً -وهو أوَّلُ مَن رمى بسهمٍ في سبيلِ اللهِ- وأبا بكرةَ -وكانَ تَسَوَّرَ حصنَ الطائفِ 1 في أُناسٍ فجاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالا: سمعْنا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "مَنِ ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ وهُو يَعْلَمُ؛ فالجَنَّةُ عليهِ حرامٌ".
(وفي روايةٍ: فذكرتُهُ لأبي بَكْرَةَ فقالَ: وأنا سَمِعَتْهُ أذُنايَ وَوَعَاهُ قلبي مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 8/ 12). 611 - (وفي روايةٍ معلقةٍ: قالَ عاصمٌ: قلتُ: لقدْ شَهِدَ عندَكَ رجُلانِ حَسْبُكَ بهِما.
قالَ: أجَلْ؛ أمَّا أحدُهُما؛ فأوَّلُ مَن رَمَى بسهْمٍ في سبيلِ اللهِ، وأمَّا الآخَرُ؛ فنَزَلَ إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثالِثَ ثلاثةٍ وعشرينَ مِنَ الطائِفِ).
1805 - عَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه: قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ نَازِلٌ بـ (الْجِعْرَانَةِ) بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَعْرَابِىٌّ، فَقَالَ: أَلاَ تُنْجِزُ لِي مَا وَعَدْتَنِى؟ فَقَالَ: لَهُ «أَبْشِرْ».
فَقَالَ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَلَىَّ مِنْ أَبْشِرْ.
فَأَقْبَلَ عَلَى أَبِى مُوسَى وَبِلاَلٍ كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ , فَقَالَ: «رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلاَ أَنْتُمَا».
قَالاَ: قَبِلْنَا.
ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا،2

وأبْشِرا، فأخذَا القَدَحَ، ففَعَلا، فنادَتْ أمُّ سَلَمَةَ مِن وراءِ السِّتْرِ: أنْ أفْضِلا لأمِّكُما، فأفْضَلا لها منهُ طائفةً.
1806 - عن عبدِ اللهِ بنِ زيدِ بنِ عاصمٍ قالَ: لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ؛ قَسَمَ فِى النَّاسِ فِى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا 1 إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِى؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِى؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِى؟»، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم؟».
قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ.
قَالَ: «لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى رِحَالِكُمْ؟! لَوْلاَ الْهِجْرَةُ، لَكُنْتُ امْرَأُ مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى عَلَى الْحَوْضِ».
1807 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ؛ أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ وَغَيْرُهُمْ بِنَعَمِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَمَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عَشَرَةُ آلاَفٍ وَمِنَ الطُّلَقَاءِ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِىَ وَحْدَهُ، فَنَادَى يَوْمَئِذٍ نِدَاءَيْنِ لَمْ يَخْلِطْ بَيْنَهُمَا، الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ فقالَ: "يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! ". قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! [وسَعْدَيْكَ، لبَّيْكَ 5/ 105]

أَبْشِرْ , نَحْنُ مَعَكَ [بينَ يديكَ] , ثُمَّ الْتَفَتَ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ!».
قَالُوا: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَبْشِرْ نَحْنُ مَعَكَ.
وَهْوَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ، فَنَزَلَ , فَقَالَ: «أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، فَقَسَمَ فِى الْمُهَاجِرِينَ وَالطُّلَقَاءِ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: [واللهِ إنَّ هذا لَهُوَ العَجَبُ! 4/ 211] إِذَا كَانَتْ شَدِيدَةٌ فَنَحْنُ نُدْعَى، وَيُعْطَى الْغَنِيمَةَ غَيْرُنَا! (وفى طريق أخرى عنهُ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِى رِجَالاً مِنْ قُرَيْشٍ الْمِائَةَ مِنَ الإِبِلِ , فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعْطِى قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا , وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ! 4/ 59)، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَجَمَعَهُمْ فِى قُبَّةٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِى عَنْكُمْ؟» , فَسَكَتُوا.
فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! أَلاَ تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحُوزُونَهُ إِلَى بُيُوتِكُمْ؟».
قَالُوا بَلَى.
فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا [أَوْ شِعْبًا] , وسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْباً؛ لأخَذْتُ (وفى طريق: لَسَلَكْتُ.
وفى أخرى: لاخْتَرْتُ) [وادىَ الأنصارِ و] شِعْبَ الأنصارِ".
فقالَ هشامٌ: يا أبا حمزةَ (155)! وأنتَ شاهِدٌ ذاك؟ قالَ: وأينَ أَغِيبُ عنهُ؟.

59 -

بابُ السَّرِيَّةِ التي قِبَلَ نجْدٍ

60 -

بابُ بعثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني جَذِيمَةَ

1808 - عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: بعَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني1

جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ, فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا.
فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا، صَبَأْنَا.
فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ؛ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِى، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِى أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَكَرْنَاهُ لهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّى أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ" (مرتين).

61 -

بابُ سَرِيَّةِ عبدِ اللهِ بنِ حُذافَةَ السَّهْمِيِّ وعلقَمَةَ بنِ مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ، ويُقالُ: إنَّها سَرِيَّةُ الأنصارِ

1809 - عن عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ عليها رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ [8/ 106] , فَقَالَ: أَلَيْسَ [قد] أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ تُطِيعُونِى؟ قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا.
فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا.
فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ النَّارِ.
فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، (156) , فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: [للذينَ أرادوا أنْ يَدْخُلوها 8/ 135]: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" [وقالَ للآخَرينَ: "لا طاعَةَ فى معصيةٍ؛ إنَّما] الطَّاعَةُ فِى الْمَعْرُوفِ".

62 -

[بابُ]، بَعْثِ أبي موسى ومُعاذٍ إلى اليَمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوداعِ

1810 - عن عمرِو بنِ ميمونٍ أنَّ معاذاً رضي اللهُ عنه لمَّا قَدِمَ اليَمَنَ صلَّى1

بِهِمُ الصُّبْحَ , فَقَرَأَ: [﴿سورةَ النَّساءِ﴾ , فلما قالَ]: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ.

63 -

[بابُ] بَعْثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وخالدِ بنِ الوليدِ رضيَ اللهُ عنهما إلى اليمَنِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ

1811 - عن البراءِ رضي اللهُ عنه: بعَثَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - معَ خالِدِ بنِ الوليدِ إِلَى الْيَمَنِ , قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا بَعْدَ ذَلِكَ مَكَانَهُ، فَقَالَ: "مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ؛ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ 1، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ"، فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقَّبَ مَعَهُ، قَالَ: فَغَنِمْتُ أَوَاقٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ.
1812 - عن بُرَيْدَةَ رضى اللهُ عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا 2، وَقَدِ اغْتَسَلَ، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلاَ تَرَى إِلَى هَذَا؟ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «يَا بُرَيْدَةُ! أَتُبْغِضُ عَلِيًّا».
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: «لاَ تُبْغِضْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ فِى الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ".
1813 - عن أبى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قالَ: بَعَثَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِى أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ 3، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ [الفّزَارىَّ 4/ 108]، وَأَقْرَعَ

ابْنِ حَابِسٍ [الحَنْظَلِىِّ ثم المُجاشِعِىَّ] , وَزَيْدِ الْخَيْلِ [الطائِيِّ ثم أَحَدِ بني نَيْهانَ]، وَالرَّابِعُ: إِمَّا عَلْقَمَةُ [بنُ عُلاثةَ العامِريُّ ثم أحدُ بنى كِلابٍ]؛ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ.
قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «أَلاَ تَأْمَنُونِى وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ؛ يَأْتِينِى خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً؟!».
1 - (وفي روايةٍ معلقةٍ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ؛ قَالُوا يُعْطِى صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا؟! قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ").
قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ (وفي روايةٍ: ناتِئُ الجَبِينِ)، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ.
قَالَ: "وَيْلَكَ! أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِىَ اللَّهَ (وفى روايةٍ: مَن يُطِعِ اللهَ إذا عَصَيْتُ)؟!.
قَالَ: ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: "لاَ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّى", فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِى قَلْبِهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ".
قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ (2) فَقَالَ:

"إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، [ثُمَّ لاَ يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ 1 8/ 218] [يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ]، لَئِنْ [أَنَا] أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثمودَ (وفى روايةٍ: عَادٍ)].
[قِيلَ: مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: «سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ 2. أَوْ قَالَ: التَّسْبِيدُ»].
(ومن طريقٍ أخرى عنه قالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ يَقْسِمُ قَسْمًا؛ إذْ أَتَاهُ ذُو (وفى روايةٍ: عبدُ اللهِ بنُ ذي 8/ 52) الْخُوَيْصِرَةِ، وَهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ.
فَقَالَ: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟! قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ».
فَقَالَ عُمَرُ 3: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا (ومن طريقِ أَبِى سَلَمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ، فَسَأَلاَهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: لاَ أَدْرِى مَا الْحَرُورِيَّةُ؟ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: يَخْرُجُ فِى هَذِهِ الأُمَّةِ -وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا- قَوْمٌ) [من قِبَلِ المشرِقِ] يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، [وعمَلَكم معَ عَمَلِهِمْ 6/ 115]، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ (وفى طريقٍ: حُلوقَهُم)، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ , [فـ] ينظرُ [الرَّامي] إلى

نَصْلِهِ 1 فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلا يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ - (وَهْوَ قِدْحُهُ) - فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ 2 فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ (وفى طريق: فَيَتَمَارَى فى الفُوقَة 3؛ هلْ عَلِقَ بها مِن الدَّمِ شئً؟) آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ؛ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ 4 تَدَرْدَرُ , وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ".
قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّى سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ، فَأُتِىَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - الَّذِى نَعَتَهُ 4/ 179). [قالَ: فنَزَلَتْ فيهِ: ﴿ومِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ 8/ 53]. 1814 - عن بَكْرٍ البصريِّ أَنَّهُ ذَكَرَ لاِبْنِ عُمَرَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، فَقَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَجِّ، وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ؛ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - هَدْىٌ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟ فَإِنَّ معنا أهْلَكَ".
قالَ: أهلَلْتُ بما أهلَّ بهِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. قالَ: "فأمْسِكْ؛ فإنَّ معَنا هَدْياً".

64 -

[بابُ]، غزوَةِ ذي الخَلَصَةِ

1815 - عن جريرٍ قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ألا تُريحُني مِن ذي الخَلَصَةِ؟ ". فقلتُ: بلى، فانطلقْتُ في خمسينَ ومائةِ فارسٍ مِن أحْمَسَ 1 [مِن قومي 7/ 152]، وكانوا أصحابَ خيلٍ، وكنتُ لا أثْبُتُ على الخيلِ، فذكرتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (وفي روايةٍ: ما حَجَبَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منذُ أسْلَمْتُ، ولا رآني إلا تبسَّمَ في وجهي، ولقد شَكَوْتُ إليهِ أنِّي لا أثْبُتُ على الخيلِ 4/ 25 - 26)، فضرَبَ يَدَهُ على (وفي روايةٍ: فصكَّ في 7/ 152) صَدْري حتَّى رأيتُ أثَرَيَدِهِ (وفي روايةٍ: أصابِعِهِ 4/ 22) في صدري، فقالَ: "اللهُمَّ! ثَبِّتْهُ واجْعَلْهُ هادياً مهديًّا".
قالَ: فما وقعْتُ عن فرسٍ بعدُ.
قالَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ بَيْتًا بِالْيَمَنِ لِخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، فِيهِ نُصُبٌ يُعْبَدُ، يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ [اليَمانِيِةُ , والكعبةُ الشامِيَّةُ 4/ 111]، قَالَ: فَأَتَاهَا, فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، وَكَسَرَهَا , [قالَ: وقَتَلْنا مَن وَجَدْنا عندَهُ].
قالَ: وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ الْيَمَنَ , كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلاَمِ, فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ [رَسُولِ] 2 اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَا هُنَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ فَقَالَ: لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَداً 3 أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؛ أَوْ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ.
فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلاً مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى: أَبَا أَرْطَاةَ

إلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ؛ مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ (171). قَالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ.

65 -

[بابُ]، غَزْوةِ ذاتِ السَّلاسِلِ

613 - وهيَ غزوةُ لَخْمٍ وجُذامَ.
قالَهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ.
614 - وقالَ ابنُ إسحاقَ عن يزيدَ عن عُروةَ: هي بلادُ بَلِيِّ وعُذْرَةَ وبَني القَيْنِ.
(قلتُ: أسند فيه حديث عمرو بن العاص المتقدم "ج 2/ 62 - الفضائل/ 6 - باب").

66 -

[بابُ]، ذَهابِ جريرٍ إلى اليمنِ

1816 - عن جريرٍ قالَ: كنتُ بالبَحْرِ 3، فَلَقِيتُ رجلينِ مِن أهلِ اليمنِ: ذَا كَلاَعٍ وَذَا عَمْرٍو، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ لَهُ ذُو عَمْرٍو: لَئِنْ كَانَ الَّذِى تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ؛ لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلاَثٍ 4. وَأَقْبَلاَ مَعِى، حَتَّى إِذَا كُنَّا فِى بَعْضِ الطَّرِيقِ؛ رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلْنَاهُمْ؟ فَقَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَالنَّاسُ صَالِحُونَ.
فَقَالاَ: أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّا قَدْ جِئْنَا، وَلَعَلَّنَا سَنَعُودُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَجَعَا إِلَى الْيَمَنِ , فَأَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرٍ12

بِحَدِيثِهِمْ، قَالَ: أَفَلاَ جِئْتَ بِهِمْ؟ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي ذُو عَمْرٍو: يَا جَرِيرُ! إِنَّ لِكَ عَلَىَّ كَرَامَةً، وَإِنِّى مُخْبِرُكَ خَبَرًا؛ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ! لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ؛ مَا كُنْتُمْ إِذَا هَلَكَ أَمِيرٌ تَأَمَّرْتُمْ فِى آخَرَ، فَإِذَا كَانَتْ بِالسَّيْفِ؛ كَانُوا مُلُوكًا، يَغْضَبُونَ غَضَبَ الْمُلُوكِ، وَيَرْضَوْنَ رِضَا الْمُلُوكِ.

67 -

[بابُ]، غَزْوةِ سِيفِ البحرِ (174)، وهم يَتَلَقَّوْنَ عِيراً لقريشٍ، وأميرُهُم أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ رضيَ اللهُ عنه

1817 - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: بعَثنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[ونحنُ 4/ 14] ثَلاَثَمِائَةِ رَاكِبٍ [قِبَلَ الساحِلِ] , [نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا]، أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، نَرْصُدُ عِيرَ [اً لِ 6/ 223] قُرَيْشٍ، فَأَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْر, [حتى إذا كُنَّا ببعضِ الطريقِ؛ فَنِيَ الزادُ 1/ 109] فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ، حَتَّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّىَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْخَبَطِ، [فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ، فَجُمِعَ ذلك كلُّهُ , فَكَانَ مِزْوَدَىْ تَمْرٍ، فَكَانَ يَقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلٌ قَلِيلٌ، حَتَّى فَنِىَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلاَّ تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ: مَا تُغْنِى عَنْكُمْ تَمْرَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ.
قال:] فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ دَابَّةً يُقَالُ لَهَا: الْعَنْبَرُ (وفي روايةٍ: فإذا حوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ) , [ميِّتٌ لم نَرَ مثلَهُ] , [قال أبو عُبيدَةَ: كُلُوا] , فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ (وفى روايةٍ: فأكل منهُ ذلك الجيشُ ثمانيَ عشرةَ ليلةً؛ [ما أحْبَبْنا]) , وَادَّهَنَّا مِنْ وَدَكِهِ 2 حَتَّى ثَابَتْ إِلَيْنَا (وفى روايةٍ: صَلَحَتْ) أَجْسَامُنَا , فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلَعًا1

مِنْ أَضْلاَعِهِ، فَنَصَبَهُ (وفي روايةٍ: ضِلَعَيْنِ مِن أضلاعِهِ، فنُصِبا، ثم أمرَ براحِلَةٍ فرُحِلَتْ، ثمَّ مرَّتْ تحتَهما، فلمْ تُصِبْهُما)، فَعَمَدَ إِلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ مَعَهُ.
قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَنَصَبَهُ، وَأَخَذَ رَجُلاً * وَبَعِيرًا، فَمَرَّ [الرَّاكِبُ] تَحْتَه.
قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَ [فينا] رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ , [فلما اشتدَّ الجوعُ]؛ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ نَحَرَ ثَلاَثَ جَزَائِرَ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ.
(ومن طريق أخرى: عن قيسِ بِنِ سعدٍ قالَ لأبيهِ: كُنْتُ فِى الْجَيْشِ، فَجَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ.
قَالَ: نَحَرْتُ , قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ.
قَالَ: نَحَرْتُ , قَالَ: ثُمَّ جَاعُوا.
قَالَ: انْحَرْ.
قَالَ: نَحَرْتُ، ثُمَّ جَاعُوا، قَالَ: انْحَرْ.
قَالَ: نُهِيتُ) [فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ؛ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: "كُلُوا رِزْقَّا أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ", فَآتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَه].

68 -

[بابُ] حَجِّ أبي بكرٍ بالناسِ في سنةِ تسعٍ

1818 - عنِ البراءِ رضي اللهُ عنه قالَ: آخِرُ سورةٍ نَزَلَتْ كاملةً ﴿براءَةُ﴾، وآخرُ سورةٍ نزلتْ خاتِمَةُ ﴿سورةِ النِّساءِ﴾: ﴿يَسْتَفْتونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الكَلالَةِ﴾.

69 -

[بابُ] وَفْدِ بني تَميمٍ

(قلتُ: أسند في حديث عمران المتقدم "ج 2/ 59 - بده الخلق/ 1 - باب").
* الأصل: (رَحْلاً)!

70 - بابٌ 615 - قالَ ابن إسحاقَ: غزوةُ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنِ بنِ حُذَيْفَةَ بنِ بدرٍ بني العَنْبَرِ، مِن بني تميمٍ، بعثهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إليهم، فأغارَ وأصابَ منهم ناساً، وسَبَى منهُم نساءً.

71 -

بابُ

وفْدِ عبدِ القَيْسِ 72 -

بابُ وفدِ بني حَنيفةَ، وحديثِ ثُمامَةَ بنِ أُثَالٍ

1819 - عن أبي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِى حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ؛ [سيدُ أهلِ اليمامَةِ 3/ 91] , فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِى الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟».
فَقَالَ: عِنْدِى خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ!، إِنْ تَقْتُلْنِى؛ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ؛ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ؛ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
فتُركَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ».
فَقَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ؛ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ.
فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟».
قَالَ: عِنْدِى مَا قُلْتُ لَكَ.
فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» , فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ (2) قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ1

أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَىَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَىَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَىَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَىَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ إِلَىَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِى وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ؛ قَالَ: لَهُ قَائِلٌ؛ صَبَوْتَ؟ قَالَ: لاَ واللهِ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلاَ وَاللَّهِ لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم.
1820 - عنِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهُما قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -[المدينَةَ، فنزلَ في دارِ بنتِ الحارِثِ، وكانَ تحتَهُ بنتُ الحارثِ بنِ كُرَيْزٍ، وهي أمُّ عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ 5/ 119]، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ مِنْ بَعْدِهِ؛ تَبِعْتُهُ.
وَقَدِمَهَا فِى بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ [وهو الذي يُقالُ لهُ: خطيبُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم]، وَفِى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِى أَصْحَابِهِ، [فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: إِنْ شِئْتَ خَلَّيناَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الأَمْرِ، ثُمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدَكَ] 1 , فَقَالَ: [النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -]: "لَوْ سَأَلْتَنِى هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ 2، وَإِنِّى لأَرَاكَ الَّذِى أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهَذَا ثَابِتٌ [بنُ قيسٍ وسـ] يُجِيبُكَ عَنِّى"، ثم انْصَرَفَ عنهُ.
1821 - قالَ ابنُ عباسٍ: فسألْتُ عن قولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّكَ أَرَى

الذي أُرِيتُ فيهِ ما رأيْتُ"؟ فَأَخْبَرَنِى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ؛ رَأَيْتُ فِى يَدَىَّ سِوَارَيْنِ (وفي طريقٍ: أُتِيتُ بخزائِنِ الأرضِ، فوُضعَ في كَفِّي سَوارانِ 5/ 119) مِنْ ذَهَبٍ، فـ[كَبُرَا عليَّ , وَ 8/ 82] أَهَمَّنِى شَأْنُهُمَا، (وفي طريقٍ أخرى: ففَظِعْتُهُما وكَرِهْتُهُما 8/ 81)، فَأُوحِىَ إِلَىَّ فِى الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِى، [فكانَ 4/ 182] أَحَدُهُمَا الْعَنْسِىَّ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ [الْكَذَّابَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ]، (وفي طريقٍ: فأوَّلْتُهُما الكذَّابَيْنِ اللذينِ أنا بينَهُما: صاحِبَ صنعاءَ، وصاحِبَ اليَمامَةِ"، [فقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ: أحدُهما العَنْسِيُّ الذي قَتَلَهُ فيروزُ باليمنِ، والآخَرُ مُسَيْلِمَةُ]).
1822 - عن أبي رجاءٍ العُطَارِدِيِّ قالَ: كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ؛ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا؛ جَمَعْنَا جُثْوَةً (179) مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ؛ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ، فَلاَ نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلاَ سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ؛ إِلاَّ نَزَعْنَاهُ، وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ.
1823 - وعنه قالَ: كنتُ يومَ بُعِثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - غلاماً، أرْعَى الإِبِلَ على أهْلي، فلمَّا سَمِعْنا بخُروجِهِ؛ فرَرْنا إلى النَّارِ؛ إلى مُسَيْلِمَةَ الكذابِ.

73 -

[بابُ] قِصَّةِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ

74 -

بابُ قصَّةِ أهلِ نَجْرانَ

1 1824 - عن حُذَيْفَةَ قالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدَانِ أَنْ يُلاَعِنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لاَ تَفْعَلْ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلاَعَنَّا؛ لاَ نُفْلِحُ نَحْنُ وَلاَ عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا.
قَالاَ: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً أَمِينًا، وَلاَ تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِينًا.
فَقَالَ: «لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ»، فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ!» , فَلَمَّا قَامَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ» , [فبعَثَ أبا عبيدَةَ بنَ الجرَّاحِ].

75 -

[بابُ] قِصَّةِ عُمانَ والبَحْرَيْنِ

(قلتُ: أسند فيه حديث جابر المتقدم "ج 2/ 57 - الخمس/ 15 - باب").

76 -

بابُ قُدومِ الأشْعَرِيِّينَ وأهلِ اليَمَنِ

1 - وقالَ أبو موسى عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "هُم منِّي وأنا منهُم".
1825 - عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ (2) أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «الإِيمَانُ هَا هُنَا -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْيَمَنِ- وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِى الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ؛ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ: رَبِيعَةَ وَمُضَرَ».
1826 - عن أبي هُريرةَ رضي اللهُ عنه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:

"أتاكُم أهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أرَقُّ أفْئِدَةً، وأليَنُ قلوباً، الِإيمانُ (وفي طريقٍ: الفِقْهُ) يمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ، والفخرُ والخُيَلاءُ في أصحابِ الإبِلِ، والسَّكينَةُ والوَقارُ في أهْلِ الغَنَمِ، [والفتْنَةُ ها هُنا، ها هُنا يَطْلُعُ قرْنُ الشَّيطانِ] ". 1827 - عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَجَاءَ خَبَّابٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَيَسْتَطِيعُ هَؤُلاَءِ الشَّبَابُ أَنْ يَقْرَءُوا كَمَا تَقْرَأُ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ شِئْتَ أَمَرْتُ (181) بَعْضَهُمْ يَقْرَأُ عَلَيْكَ.
قَالَ: أَجَلْ.
قَالَ: اقْرَأْ يَا عَلْقَمَةُ! فَقَالَ زَيْدُ بْنُ حُدَيْرٍ -أَخُو زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ-: أَتَأْمُرُ عَلْقَمَةَ أَنْ يَقْرَأَ وَلَيْسَ بِأَقْرَئِنَا؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى قَوْمِكَ وَقَوْمِهِ (182)! فَقَرَأْتُ خَمْسِينَ آيَةً مِنْ ﴿سُورَةِ مَرْيَمَ﴾، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَا أَقْرَأُ شَيْئًا إِلاَّ وَهُوَ يَقْرَؤُهُ.
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى خَبَّابٍ، وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَلَمْ يَأْنِ لِهَذَا الْخَاتَمِ أَنْ يُلْقَى؟ قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَنْ تَرَاهُ عَلَىَّ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَأَلْقَاهُ.

77 -

[بابُ] قصَّةِ دَوْسٍ والطُّفَيْلِ بنِ عمرٍو الدَّوْسيِّ

78 -

بابُ قِصَّةِ وفْدِ طيَّئٍ وحديثِ عدِيِّ بنِ حاتمٍ

1828 - عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ فِى وَفْدٍ، فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلاً رَجُلاً، وَيُسَمِّيهِمْ، فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ!؟ قَالَ: بَلَى؛ أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا.
فَقَالَ عَدِىٌّ: فَلاَ أُبَالِى إِذًا.12

79 -

بابُ حَجَّة الوَداعِ

1829 - عنِ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِى عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ؛ فَقَدْ حَلَّ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وَمِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ أَنْ يَحِلُّوا فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فقُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ 1، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَاهُ قَبْلُ وَبَعْدُ.
1830 - عنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلاَ نَدْرِى مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ؟ ف [وقفَ 2/ 192] [بمِنىَّ] [يومَ النَّحْرِ بينَ الجمراتِ , فى الحجةِ التي حَجَّ , و] حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَأَطْنَبَ فِى ذِكْرِهِ، وَقَالَ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ؛ إِلاَّ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ؛ أَنْذَرَهُ نُوحٌ، وَالنَّبِيُّونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِيكُمْ، فَمَا خَفِىَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ؛ فَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عَلَى مَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ (ثَلاَثًا)، إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، [أَتَدْرُونَ أَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟».
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فقَالَ: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَىُّ بَلَدٍ هَذَا؟».
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «بَلَدٌ حَرَامٌ، أفَتَدْرُونَ أَىُّ شَهْرٍ هَذَا».
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «شَهْرٌ حَرَامٌ»].
(وفى روايةٍ: "أَلاَ أَىُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟».
قَالُوا أَلاَ شَهْرُنَا هَذَا.
قَالَ: «أَلاَ أَىُّ بَلَدٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً».
قَالُوا: أَلاَ بَلَدُنَا هَذَا.
قَالَ: «أَلاَ أَىُّ يَوْمٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟».
قَالُوا: أَلاَ يَوْمُنَا هَذَا.
قال: 8/ 15 - 16) "أَلاَ إِنَّ اللَّهَ [تبارَكَ وتعالى قدْ] حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ [وأعراضَكُم؛

إلا بحقِّها]؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
قَالُوا نَعَمْ.
قَالَ: «اللَّهُمَّ! اشْهَدْ (ثَلاَثًا).
وَيْلَكُمْ -أَوْ: وَيْحَكُمُ! - انْظُرُوا؛ لاَ تَرْجِعُوا (وفي روايةٍ: لا ترْجِعُنَّ) بَعْدِى كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
[1 - وقالَ: "هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ"، فطَفِقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "اللهُمَّ! اشْهَدْ"، وودَّعَ الناسَ، فقالوا: هذه حجةُ الوداعِ] 1831 - عن أبي بكرةَ [قالَ: خَطَبَنا 2/ 191] النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -[يومَ النحرِ] [قعَدَ على بعيرِهِ , وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- ثم 1/ 24] قَالَ: " [إنَّ 5/ 204] الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ (وفي روايةٍ: كهيئتِه) يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا؛ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ؛ ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعَدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ (2)، الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، [ألا تَدْرُون 8/ 91] أَىُّ شَهْرٍ هَذَا؟».
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ: «أَلَيْسَ ذَا الْحَجَّةِ».
قُلْنَا: بَلَى.
قَالَ: «فَأَىُّ بَلَدٍ هَذَا».
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟».
قُلْنَا بَلَى.
قَالَ: «فَأَىُّ يَوْمٍ هَذَا؟».
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟».
قُلْنَا بَلَى.
قالَ:

"فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعراضَكُمْ [وأبشارَكُمٍ] عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، [إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: «اللَّهُمَّ! اشْهَدْ]، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى ضُلاَّلاً (وفى روايةٍ: كفَّاراً)؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ (وفى روايةٍ: فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى مِن سامعٍ) "، [فكانَ كذلك] , فَكَانَ مُحَمَّدٌ [بنُ سِيرِينَ] إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم -. ثُمَّ قَالَ: أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟ (مَرَّتَيْنِ).
[فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ حُرِّقَ ابْنُ الْحَضْرَمِىِّ، حِينَ حَرَّقَهُ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ؛ قَالَ: أَشْرِفُوا عَلَى أَبِى بَكْرَةَ.
فَقَالُوا: هَذَا أَبُو بَكْرَةَ يَرَاكَ.
قال أبو بكرةَ: لَوْ دَخَلُوا عَلَىَّ مَا بَهَشْتُ (185) بِقَصَبَةٍ 8/ 91].

80 -

بابُ غزوةِ تبوكَ: وهيَ غزوةُ العُسْرَةِ

1832 - عن سعدٍ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خرجَ إلى تَبوكَ، واسْتَخْلَفَ عليًّا , فقالَ: أتُخَلِّفُني في الصبيانِ والنساءِ؟ قال: "ألَا (وفي روايةٍ: أمَا 4/ 208) تَرْضى أنْ تكونَ مِنَي بمنزلَةِ هارونَ مِن موسى؛ إلاَّ أنَّهُ ليسَ نبيُّ بعدي؟ ".

81 -

بابُ حديثِ كعبِ بن مالكٍ، وقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وعلى الثَّلاثَةِ الذينَ خُلِّفُوا﴾

1 1833 - عن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِىَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حينَ تَخَلَّفَ عن قصةِ تبوكَ؛ قالَ كعبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى غَزْوَةٍ غَزَاهَا؛ إِلاَّ فِى غَزْوَةِ تَبُوك (وفي روايةٍ: غزوةِ العُسْرَةِ 5/ 209)؛ غَيْرَ أَنِّى كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا , إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلاَمِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِى النَّاسِ مِنْهَا.
كَانَ مِنْ خَبَرِى؛ أَنِّى لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِى تِلْكَ الْغَزْاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِى قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِى تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (وفى روايةٍ: كان رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قلَّما 4/ 6) يُرِيدُ غَزْوَةً إِلاَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى حَرٍّ شَدِيدٍ , وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا، وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ (وفى روايةٍ: عدُوِّهِم)، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِى يُرِيدُ.
[قالَ: خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ (وفى روايةٍ: لقلَّما كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِى سَفَرٍ إِلاَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ)]، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ (يُرِيدُ: الدِّيوَانَ)، قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلاَّ ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ 1

مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ.
وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلاَلُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَىْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِى نَفْسِى: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِى حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِى شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ: بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِى حَتَّى أَسْرَعُوا, وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ 1، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ -وَلَيْتَنِى فَعَلْتُ- فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِى النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَطُفْتُ فِيهِمْ؛ أَحْزَنَنِى أَنِّى لاَ أَرَى إِلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصًا 2 عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ , فَقَالَ -وَهْوَ جَالِسٌ فِى الْقَوْمِ بِتَبُوكَ-: «مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟».
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَنَظَرُهُ فِى عِطْفَيْهِ.
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَمَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِى أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلاً؛ حَضَرَنِى هَمِّى، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟ وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِى رَأْىٍ مِنْ أَهْلِى، فَلَمَّا قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا؛ زَاحَ عَنِّى الْبَاطِلُ ,

وَعَرَفْتُ أَنِّى لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَىْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ.
وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَادِمًا، [وكانَ قلَّما يَقْدَمُ مِن سفرٍ سافَرَهُ إلا ضُحىً]، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ؛ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ [قبلَ أنْ يجلسَ 4/ 40]، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ؛ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلاَنِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: «تَعَالَ»، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقالَ لي: "مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟».
فَقُلْتُ: بَلَى؛ إِنِّى وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنِّى وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّى؛ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَىَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَىَّ فِيهِ؛ إِنِّى لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّى حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَمَّا هَذَا؛ فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ فِيكَ».
فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِى سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِى، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لاَ تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ , قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِى 1 حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبُ نَفْسِى، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِىَ

هَذَا مَعِى أَحَدٌ؟ قَالُوا نَعَمْ؛ رَجُلاَنِ قَالاَ مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ.
فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِىُّ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِىُّ.
فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا إِسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلاَمِنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ 1 مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِى نَفْسِى الأَرْضُ، فَمَا هِىَ الَّتِى أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، [حَتَّى طَالَ عَلَىَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَىْءٍ أَهَمُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فَلاَ يُصَلِّى عَلَىَّ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلاَ يُكَلِّمُنِى أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلاَ يُصَلِّى عَلَىَّ].
فَأَمَّا صَاحِبَاىَ؛ فَاسْتَكَانَا، وَقَعَدَا فِى بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا؛ فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ، وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِى الأَسْوَاقِ، وَلاَ يُكَلِّمُنِى أَحَدٌ، وَآتِى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِى مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَأَقُولُ فِى نَفْسِى: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلاَمِ عَلَىَّ أَمْ لاَ؟ ثُمَّ أُصَلِّى قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلاَتِى أَقْبَلَ إِلَىَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّى، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَىَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ؛ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ 2 جِدَارَ حَائِطِ أَبِى قَتَادَةَ -وَهْوَ ابْنُ عَمِّى، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَىَّ السَّلاَمَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ؛ هَلْ تَعْلَمُنِى أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ، فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ، فَنَشَدْتُهُ.
فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
فَفَاضَتْ عَيْنَاىَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ 3

قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى بِسُوقِ الْمَدِينَةِ؛ إِذَا نَبَطِىٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ؛ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِى؛ دَفَعَ إِلَىَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِى أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلاَ مَضْيَعَةٍ 1، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ.
فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلاَءِ.
فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهُ بِهَا.
حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ؛ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْتِينِى، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ.
فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لاَ؛ بَلِ اعْتَزِلْهَا، وَلاَ تَقْرَبْهَا.
وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَىَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لاِمْرَأَتِى: الْحَقِى بِأَهْلِكِ، فَتَكُونِى عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِىَ اللَّهُ فِى هَذَا الأَمْرِ.
قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: «لاَ؛ وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبْكِ».
قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَىْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِى مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِى: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لاِمْرَأَةِ هِلاَلِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ.
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَمَا يُدْرِينِى مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً، مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَمْسِينَ لَيْلَةً، مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم

عَنْ كَلاَمِنَا، [فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ بَقِىَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ -وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِى شَأْنِى، مَعْنِيَّةً فِى أَمْرِى -فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: يَا أُمَّ سَلَمَةَ! تِيبَ عَلَى كَعْبٍ».
قَالَتْ: أَفَلاَ أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُ؟ قَالَ: إِذًا يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ فَيَمْنَعُونَكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ]، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِى ذَكَرَ اللَّهُ؛ قَدْ ضَاقَتْ عَلَىَّ نَفْسِى، وَضَاقَتْ عَلَىَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ؛ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى 1 عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ! قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاَةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَىَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَىَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِى الَّذِى سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِى؛ نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَىَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ، فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَيَتَلَقَّانِى النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَنُّونِى بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ.
قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَىَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ، حَتَّى صَافَحَنِى وَهَنَّانِى، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَىَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلاَ أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -وَهْوَ يَبْرُقُ

وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ».
قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ؛ بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ , وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِى صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
قُلْتُ: فَإِنِّى أُمْسِكُ سَهْمِى الَّذِى بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِى بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلاَّ صِدْقَّا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلاَهُ اللَّهُ 1 في صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاَنِى، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى يَوْمِى هَذَا كَذِبًا, وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِى اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ -بَعْدَ أَنْ هَدَانِى لِلإِسْلاَمِ- أَعْظَمَ فِى نَفْسِى مِنْ صِدْقِى لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ أَنْ لاَ أَكُونَ 2 كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْىَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {[يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ

عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، وَلَيْسَ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ؛ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.

82 -

[بابُ] نُزولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحِجْرَ

(قلتُ: أسند فيه حديث ابن عمر المتقدم في "ج 2/ 60 - الأنبياء/ 18 - باب").

83 - بابٌ 1834 - عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجَعَ مِن غزوةِ تبوكَ، فدَنا مِن المدينَةِ، فقالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا؛ إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؛ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».

84 -

[بابُ] كِتابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى كِسْرى وقيصَرَ

1835 - عن أبي بَكْرَةَ قالَ: لقد نَفَعَني اللهُ بكلمةٍ سمعْتُها مِن رسولِ اللهُ أيامَ الجملِ بعدَما كِدْتُ أنْ ألْحَقَ بأصحابِ الجملِ 1 فأقاتِلَ معهُم (وفي

روايةٍ: لَقَدْ نَفَعَنِى اللَّهُ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ 8/ 97)، قالَ: لمَّا بَلَغَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ أهلَ فارسَ قد مَلَّكُوا عليهِم بنتَ كِسْرى؛ قالَ: "لنْ يُفْلحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهُمُ امرأةً".
1836 - عنِ السائبِ: أذْكُرُ أنِّي خَرَجْتُ معَ الصِّبيانِ نتلقَّى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إلى ثَنِيَّةِ الوداعِ (198)؛ مَقْدَمَهُ مِن غزوةِ تبوكَ.

85 -

بابُ مَرَضِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ووفاتِهِ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾

618 - قالتْ عائشةُ رضي اللهُ عنها: كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ: "يا عائشةُ! ما أزالُ أجِدُ ألَمَ الطعامِ 3 الذي أكَلْتُ بخيَبَر، فهذا أوانُّ وجَدْتُ انقِطاعَ أبهَري مِن ذلك السُّمِّ".
1837 - عن عائشةَ رضي اللهُ عنها: [أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يسألُ في12

مرضهِ الذي ماتَ فيه (وفي طريقٍ: لمَّا كانَ في مرضهِ؛ جعَلَ يَدورُ في نِسائِهِ 4/ 220) يقولُ: "أينَ أنا غداً؟ أينَ أنا غداً؟ أينَ أنا غداً؟ " يريدُ: يومَ (وفي طريقٍ: حرصاً على بيتِ) عائشةَ، [قالتْ عائشةُ: فلمَّا كانَ يومي؛ سكَنَ] 1، فأَذِنَ لهُ أزواجُهُ يكونُ حيثُ يشاءُ، فكانَ في بيتِ عائشةَ حتى ماتَ عندَها.
قالتْ عائشةُ: 5/ 142] دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَا مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِى، وَمَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سِوَاكٌ رَطْبٌ (وفى طريقٍ: جَرِيدةٌ رطبةٌ) يَسْتَنُّ بِهِ، فَأَبَدَّهُ 2 رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَهُ (وفى طريقٍ: فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، [فقلتُ لهُ: أعطِنى هذا السواكَ يا عبدَ الرحمنِ! فأعطانِيةِ] , فَتَنَاوَلْتُهُ , [فقَضَمْتُهُ] , فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ 5/ 141)، فَأخذتُ السِّوَاكَ فَقَصَمْتُهُ 3 (وفي روايةٍ: فقَضِمْتُهُ , ثم مَضَغْتُهُ) , (وفى روايةٍ: فَلَيَّنْتُهُ) وطَيَّبْتُهُ 4 , ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ , [ثُمَّ نَاوَلَنِيهَا فَسَقَطَتْ يَدُهُ، أَوْ سَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ] , [و [كانَ 7/ 192] بينَ يديهِ رَكوَةُ 5 أو عُلْبَةٌ -يشكُّ عمرُ- فيها ماءٌ , فجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ في الماءِ, فيمسحُ بهما وجْهَهُ , يقولُ:

"لا إلهَ إلا اللهُ، إنَّ للموتِ سَكَراتٍ"]، [وكانتْ إحْدانا تُعَوِّذُهُ بدُعاءٍ إذا مَرضَ، فذَهَبْتُ أعَوِّذُهُ فرَفَعَ رأسَهُ إِلى السَّماءِ] (وفي روايةٍ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، [ومَسَحَ عنهُ بيدِهِ] , فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ؛ كُنْتُ أَقْرَأُ (وفي روايةٍ: أنْفُثُ 7/ 22) عليه [بِهِنَّ] , وأمسَحُ [عنهُ] بيَدِهِ رَجاءَ بَرَكَتِها 6/ 105 - 106) , [فسألتُ الزُّهْرِىَّ: كيفَ يَنْفُثُ؟ قالَ: يَنْفُثُ على يدَيْهِ , ثمَّ يَمْسَحُ بهِما وجْهَهُ].
فما عَدا أنْ فرَغَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - 1؛ رفَعَ يَدَهُ , أو إصْبَعَهُ (وفي طريقٍ: نصبَ يدهُ , ثم [619 - شَخَصَ بَصَرُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - 4/ 194] [وأصْغَتْ إليهِ قبلَ أنْ يموتَ , وهو مسندٌ إلىَّ ظهره , [وأخذَتْهُ بُحَّةٌ 5/ 138] [شديدةٌ 5/ 181] , يقول: ﴿معَ الذينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ , اللهمَّ! اغْفرْ لى , وارْحَمْنى , وألْحِقني بـ] الرفيقِ الأعلى (ثلاثاً) ". (وفي طريقٍ: قالت: كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ -وهو صحيحُ-: "إِنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِىٌّ [قَطُّ] حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخَيَّرُ" , فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ -وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِى- غُشِىَ عَلَيْهِ [ساعةً 7/ 155]، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ! [في] الرَّفِيقَ الأَعْلَى».
فَقُلْتُ: إِذًا لاَ يَخْتَارُنَا.
وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا وَهْوَ صَحِيحٌ، قَالَتْ: فَكَانَ [ـتْ تلكَ] آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا [النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قولُهُ]: «اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الأَعْلَى» 5/ 144) ثمَّ ثم قَضى , [ومالَتْ يَدُهُ].
وكانَتْ تقولُ: [إنَّ مِن نِعَمِ الله عليَّ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -] ماتَ [فى بيتى ,2

وفي يومِي] [الذي كانَ يَدورُ عليَّ فيهِ] , ورأسُهُ بين حاقِنَتي 1 وذاقِنَتي (وفي روايةٍ: بينَ سَحْري ونَحْري، وأنَّ اللهَ جَمَعَ بينَ رِيقِي ورِيقِهِ عندَ موتِهِ)، [في آخِرِ يومٍ من الدُّنيا، وأوَّلِ يومٍ مِن الآَخِرَةِ] , [فَلاَ أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم 5/ 140]. 1838 - عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ - رضى الله عنه - خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى وَجَعِهِ الَّذِى تُوُفِّىَ فِيهِ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ! كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا.
فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ: [ألا تراهُ؟ 7/ 136] أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلاَثٍ عَبْدُ الْعَصَا، وَإِنِّى وَاللَّهِ لأُرَى 2 رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا , إِنِّى لأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، [فـ] اذْهَبْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الأَمْرُ؟ إِنْ كَانَ فِينَا؛ عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِى غَيْرِنَا؛ عَلِمْنَاهُ (وفي روايةٍ: آمرناه)، فَأَوْصَى بِنَا.
فَقَالَ عَلِىٌّ: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَمَنَعَنَاهَا؛ لاَ يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ [أبدًا]، وَإِنِّى وَاللَّهِ لاَ أَسْأَلُهَا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[أبداً].
1839 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ!، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ؛ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَىٌّ لاَ يَمُوتُ؛ قَالَ: اللَّهُ تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ

خَلَتْ مِن قبلِهِ الرُّسُلُ} إلى قوِله: ﴿الشاكِرينَ﴾.
وقالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى تَلاَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلاَّ يَتْلُوهَا.
1840 - عَنِ الزُّهْرِيَّ قالَ: فَأَخْبَرَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قالَ: وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاَهَا، فَعَقِرْتُ (208) حَتَّى مَا تُقِلُّنِى رِجْلاَىَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلاَهَا: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ مَاتَ.
1841 - عن أنسٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ (209)، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ - عَلَيْهَا السَّلاَمُ -: وَا كَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ: لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ (210) , فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ.
فَلَمَّا دُفِنَ؛ قَالَتْ فَاطِمَةُ - عَلَيْهَا السَّلاَمُ -: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم التُّرابَ؟!

86 -

بابُ آخِرِ ما تكلَّمَ بهِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم

(قلتُ: أسند فيه حديث عائشة المتقدم قريباً "85 - باب").

87 -

بابُ وفاةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم

1842 - عن عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَبِثَ بمكةَ123

عشرَ سنينَ (211) يُنْزَلُ عليهِ القرآنُ، وبالمدينَةِ عشراً.

89 -

بابُ بَعْثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أسامَةَ بنَ زيدٍ رضي اللهُ عنهما في مرضِهِ الذي تُوُفِّيَ فيهِ

90 - بابٌ 1843 - عن أبي الخيرِ عنِ الصُّنَابِحِيِّ أنَّه قالَ لهُ: مَتَى هَاجَرْتَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ، فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: الْخَبَرَ (212) فَقَالَ: دَفَنَّا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُنْذُ خَمْسٍ.
قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ أَخْبَرَنِى بِلاَلٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ فِى السَّبْعِ؛ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ.

91 -

بابٌ كَم غَزا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم؟

1844 - عنِ البراءِ رضيَ اللهُ عنه قالَ: غَزَوْتُ معَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خمسَ عَشْرَةَ.
1845 - عن بُرَيْدَةَ قالَ: غَزا معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ستَّ عَشْرَةَ غزوةً.12

بسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

65 -

جارٍ التحميل