كتابُ الخُمُسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ناصر الدين الألباني
- الكتاب
- مُخْتَصَر صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِي
- المؤلف
- أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)
- الناشر
- مكتَبة المَعارف للنَّشْر والتوزيع، الرياض
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2002 م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1 -
بابُ فَرْضِ الخُمُسِ
1344 - عن عليٍّ قال: كانت لي شارفٌ 1 من نَصيبي من المَغْنَمِ يومَ بدرٍ، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أعطاني شارِفاً [أخرى 3/ 80] [مما أفاءَ اللهُ 5/ 16] من الخُمُسِ، فلما أردتُ أن أبْتَنِيَ بفاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ واعدْتُ رجُلًا صَوَّاغاً من بني قَيْنُقاعَ أن يَرتحلَ معي، فنأتيَ بإذْخِرٍ أردتُ أن أبيعَهُ [من 3/ 13] الصَّوَّاغينَ، وأستعينَ به في وليمَةِ عُرْسِي، فبَيْنا أنا أجمعُ لِشارِفَيَّ متاعاً من الأقتاب 2 والغَرائرِ 3 والحِبالِ، وشارِفايَ مُناخانِ إلى جَنبِ حُجرةِ رجلٍ من الأنصارِ، [وحمزةُ بن عبدِ المطلبِ يَشْرَبُ في ذلك البيتِ معه قَيْنَةٌ 4، فقالت: ألا يا حمزَ! للشُّرُفِ النِّوَاءِ 5، فثارَ إليهما حمزةُ بالسيفِ، فجَبَّ أسْنِمَتَهُما، وبقر خَواصِرَهما، ثم أخذَ مِن أكبادِهِما، فذهبَ بها، قال عليٌّ: فـ 3/ 80] رَجَعْتُ حينَ
جمعْتُ ما جمعتُ، فإذا [أنا] شارِفايَ قد أُجِبَّتْ 1 أسنِمَتُهما، وبُقِرت خواصِرُهما، وأُخِذَ مِن أكبادِهما، فلم أملِكْ عيْنَيَّ حين رأيتُ ذلك المنظرَ منهما، فقلتُ: مَن فعلَ هذا؟ فقالوا: فَعَلَ حمزةُ بنُ عبد المطلب، وهو في هذا البيت، في شَرْبٍ من الأنصارِ.
فانطلقتُ، حتى أدْخُلَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وعندَهُ زيدُ بنُ حارثةَ، فعرَفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في وَجْهي الذي لَقيتُ، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
"ما لكَ؟ "، فقلتُ: يا رسول اللهِ! ما رأيتُ كاليومِ قَطُّ، عدا حمزةُ على ناقَتَيَّ، فأجَبَّ أسْنِمَتَهُما، وبَقَرَ خواصِرَهُما، وها هو ذا في بيتٍ معه شَرْبٌ، فدعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برِدائِهِ، فاَرْتَدى [به 7/ 36]، ثم انطلقَ يمشي، واتبَعْتُهُ أنا وزيدُ بنُ حارثةَ، حتى جاءَ البيتَ الذي فيه حمزةُ، فاستأذَنَ، فأذِنوا لهُم، فإذا هُم شَرْبٌ، فطَفِقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يلومُ حمزةَ فيما فعَلَ، فإذا حمزةُ قد ثَمِلَ، محمَرَّةً عيناهُ، فنظرَ حمزةُ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثم صَعَّدَ النَّظَرَ، فنظرَ إلى رُكبتِهِ، ثم صعَّدَ النظرَ، فنظرَ إلى سُرَّتِهِ، ثَمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ، فنظرَ إلى وجهِهِ، ثم قالَ حمزةُ: هل أنتُم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعَرَفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قد ثَمِلَ، فنَكَصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عَقِبَيْهِ القَهْقَرى، وخَرَجْنا معه، [وذلك قَبْلَ تحريمِ الخَمْرِ].
1345 - عن عائشةَ أمِّ المؤمنين رضيَ اللهُ عنها أنَّ فاطمةَ عليها السلامُ ابنَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سألَت أبا بكرٍ الصديقَ بعد وفاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقْسِمَ لها مِيْراثَها؛ ما تَرَكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ممَّا أفاءَ اللهُ عليه (وفي روايةٍ: تطلُبُ صدقةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - التي بـ (المدينة) و (فَدَكٍ)، وما بقيَ مِن خُمُسِ (خيبر) 4/ 210)، فقالَ لها
(وفي روايةٍ: أن فاطمةَ والعباسَ عليهما السلام أَتَيا أبا بكرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيراثَهُما من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهما حينئذٍ يطلُبانِ أرْضَيْهِما مِن (فَدَكٍ)، وسَهْمَهُما من (خيبرَ)، فقالَ لهما 7/ 3) أبو بكرٍ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ، [إنما يأكلُ آلُ محمدٍ من هذا المال-[يعني: مالَ اللهِ- ليس لهم أن يزيدوا على المأكلِ] ". قال أبو بكر: واللهِ لا أدَعُ أمراً رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يصنَعُهُ فيه إلا صنعْتُه]، فغَضِبَتْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فهَجَرَتْ أبا بكرٍ، [فلم تُكَلِّمْهُ]، فلم تَزَلْ مهاجِرَتَهُ حتى تُوُفِّيَتْ، وعاشَتْ بعدَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ستَّةَ أشْهُرٍ.
[فلما تُوُفِّيَتْ دَفَنَها زوجُها عليٌّ ليلاً، ولم يُؤْذِنْ بها أبا بكرٍ، وصلَّى عليها، وكان لعليٍّ من الناس وَجْهٌ حياةَ فاطمةَ، فلما توفيتِ اسْتَنْكَرَ عليٌّ وُجوهَ الناسِ، فالتمَسَ مُصالحَةَ أبي بكرٍ ومُبايَعَتَهُ، ولم يكنْ يبايِعُ تلك الأشْهُرَ، فأرسلَ إلى أبي بكرٍ: أنِ ائْتِنا، ولا يَأْتِينَا أحدٌ معكَ؛ كراهيةً لِمَحْضَرِ عُمر، فقالَ عُمرُ: لا واللهِ؛ لا تَدْخُلُ عليهِم وحدَكَ، فقال أبو بكرٍ: وما عَسَيْتَهم أن يَفْعَلُوا بي، واللهِ لأتِيَنَّهُم، فدَخَلَ عليهم أبو بكرٍ، فتشهَّدَ عليٌّ، فقال: إنَّا قد عَرَفْنا [يا أبا بكر! 4/ 210] فَضْلَكَ وما أعطاك اللهُ، ولم نَنْفَسْ عليك خيراً ساقَهُ اللهُ إليك، ولكنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ علينا بالأمرِ، وكنا نرى لِقَرابَتِنا من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَصِيباً، حتى فاضت عينا أبي بكر، فلمَّا تكلَّمَ أبو بكرٍ قال: والذي نفسي بيدِهِ؛ لَقَرَابةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَبُّ إليَّ أنْ أصِلَ مِن قرابتي، وأما الذي شَجَرَ بيني وبينكُم مِن هذه الأموالِ؛ فلم آلُ فيها عن الخيرِ، ولم أتركْ أمراً رأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يصنَعُهُ فيها إلا صَنَعْتُه، فقال عليٌّ
لأبي بكرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيةَ للبيعَةِ.
فلما صلى أبو بكرٍ الظُّهْرَ رقيَ المِنْبَرَ، فتشَهَّدَ، وذَكَرَ شأنَ عليٍّ، وتَخَلُّفَهُ عن البيعةِ، وعَذَرَهُ بالذي اعتذَرَ إليه، ثم استغْفَرَ، وتشهَّدَ عليٌّ، فعظَّمَ حَقَّ أبي بكرٍ، وحدَّثَ أنه لم يَحْمِلْهُ على الذي صَنَعَ نَفاسةً على أبي بكرٍ، ولا إنكاراً للذي فضَّلَهُ اللهُ به، ولكنَّا كنَّا نرى لنا في هذا الأمرِ نَصِيباً، فاستَبَدَّ علينا، فَوَجَدْنا في أنْفُسِنا.
فسُرَّ بذلك المسلمون، وقالوا: أَصبْتَ، وكانَ المسلمون إلى عليٍّ قَرِيباً حينَ رَاجَعَ الأمرَ 1 بالمعروفِ 5/ 82 - 83].
قالت: وكانت فاطمةُ تسألُ أبا بكرٍ نصيبَها مما تَرَكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من (خيبرَ) و (فَدَكٍ)، وصَدَقَتَه 2 بالمدينةِ، فأبَى أبو بكرٍ عليها ذلك، وقال: لستُ تاركاً شيئاً كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعْمَلُ بهِ إلا عَمِلْتُ به، فإنِّي أخشى إنْ تَرَكْتُ شيئاً من أمرِهِ أن أزيغَ.
فأمَّا صَدَقَتُهُ بـ (المدينَةِ)، فدَفَعَها عُمَرُ إلى عليٍّ وعباسٍ، فأما (خيبرُ) و (فَدَكٌ) فأمْسَكهُما عمرُ، وقال: هما صدقةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، كانتا لحقوقِه التي تَعْرُوهُ ونوائبِهِ، وأمرُهُما إلى مَن وَلِيَ الأمرَ.
قال: فهما على ذلك إلى اليوم.
قال أبو عبد اللهِ: (اعتراك): افْتَعَلْتَ 3 مِن عَرَوْته فأصبْته، ومنهُ يعروهُ واعتراني.
1346 - عن ابن شِهابٍ عن مالِكِ بن أوسِ بن الحَدَثانِ- وكانَ محمدُ بنُ جُبَيرٍ ذكَرَ لي ذِكْراً من حَديثهِ ذلك- فانْطَلَقْتُ حتى أدْخُلَ على مالكِ بنِ أوسٍ، فسألتُه عن ذلك الحديث؟ فقال مالكٌ:
بَيْنا أنا جالسٌ في أهلي حين مَتَعَ 1 النهارُ؛ إذا رسولُ عمرَ بنِ الخطابِ يأتِينِي، فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنين، فانطَلَقْتُ معه حتى أَدْخُلَ على عمرَ، فإذا هو جالِسٌ على رِمالِ 2 سريرٍ، ليس بينَهُ وبينَهُ فِراشٌ، مُتَّكِىءٌ على وِسادةٍ من أَدَمٍ، فسَلَّمْتُ عليه، ثم جلسْتُ، فقالَ: يا مالِ 3! إنَّهُ قدِمَ علينا من قومِكَ أهلُ أبياتٍ، وقد أمَرْتُ لهُم بِرَضْخٍ 4 فاقْبِضْهُ، فاقْسِمْهُ بينَهم، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين! لو أمرتَ بهِ غيري.
قالَ: اقبِضْهُ أيَها المرءُ! فبَينا أنا جالِسٌ عنده؛ أتاهُ حاجِبُهُ (يَرْفا)، فقالَ: هل لك في عُثمانَ وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ والزُّبيرِ وسعدِ بن أبي وقاصٍ؛ يستأْذِنون؟ قالَ: نعم.
فأذِنَ لهُم، فدَخَلوا، فسَلَّموا، وجَلَسوا، ثم جَلَسَ (يَرْفا) يَسيراً، ثم قالَ: هل لك في عليٍّ وعباسٍ؛ [يستأذِنانِ؟ 5/ 23] قالَ: نعم.
فأذِنَ لهُما، فدخلا، فسَلَّما، فجَلَسا، فقالَ عباسٌ: يا أميرَ المؤينينَ! اقْضِ بيني وبين هذا [الظالِمِ، اسْتَبَّا 146/ 8] وهما يختَصِمانِ فيما أفاءَ اللهُ على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من [مالِ] بني النضيرِ، فقال الرَّهْطُ؛ عُثمانُ وأصحابُهُ: يا أميرَ المؤمنين! اقْضِ
بينَهما، وأرِحْ أحَدَهُما مِن الآخَرِ.
فقالَ عمرُ: تَيْدَكُم 1 (وفي روايةٍ: اتَّئِدوا)، أنْشُدُكُم باللهِ الذي بإذنِهِ تقومُ السماءُ والأرضُ؛ هل تَعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ"؛ يريدُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: نفسَهُ؟ قالَ الرهطُ: قد قالَ ذلك.
فأقبلَ عمرُ على عليٍّ وعباسٍ، فقالَ: أنْشُدَكُما اللهَ أتَعْلَمانِ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قد قالَ ذلك؟ قالا: قد قالَ ذلك.
قالَ عمرُ: فإنِّي أُحَدِّثُكُم عن هذا الأمرِ: إنَّ اللهَ قد خَصَّ رسولَهُ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الفيءِ بشيءٍ لم يُعْطِهِ أحداً غيرَهُ، ثم قَرَأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ [فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ 6/ 191]﴾ إلى قوله: ﴿قديرٌ﴾، فكانت هذه خالصةً لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [ثم] واللهِ ما احْتازَها دونَكُم، ولا استأثَرَ بها عليكُم، قد أعْطاكُمُوهُ، وبَثَّها فيكم حتى بقيَ منها هذا المال.
(وفي روايةٍ: كانت أموالُ بني النضيرِ مما أفاءَ اللهُ على رسولِهِ - صلى الله عليه وسلم -، مما لم يوجِفِ المسلمونَ عليهِ بخيلٍ ولارِكابٍ، فكانَتْ لِرَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خاصةً 6/ 58)، فكان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُنْفِقُ على أهلِهِ نَفَقَةَ (ومن طريق معمر: قال لي الثوريُّ: هل سمعتَ في الرجلِ يجمعُ لأهلهِ قوتَ سَنَتِهم، أو بعضَ السنةِ؟ قالَ معمر: فلم يَحْضُرْني، ثم ذكرتُ حديثاً حَدَّثَناه الزهريُّ عن مالك بن أوس عن عمرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يبيعُ نخلَ بني النضيرِ، ويحبسُ لأهلِهِ قوتَ 6/ 190) سَنَتِهِم من هذا المالِ، ثم يأخُذُ ما بقيَ، فيجْعَلُهُ مَجْعَلَ مالِ اللهِ (وفي روايةٍ: ثم يجعلُ ما بَقِيَ في السلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سبيلِ اللهِ)، فعَمِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بذلك حياتَهُ،
أنْشُدُكُم باللهِ هل تعلَمونَ ذلك؟ قالوا: نعم.
ثم قال لعليٍّ وعباسٍ: أنْشُدُكُما باللهِ هل تعلمانِ ذلك؟ [قالا: نعم].
قالَ عمرُ: ثم تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ- صلى الله عليه وسلم -، فقالَ أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقَبَضَها أبو بكرٍ، فعَمِلَ فيها بما عَمِلَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -، [وأنتُما حينئذٍ - وأقبَلَ على عليٍّ وعباسٍ- تَزْعُمانِ أنَّ أبا بكر [فيها] كذا وكذا]، واللهُ يعلَمُ إنَّه فيها لَصادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ للحقِّ، ثم تَوَفَّى اللهُ أبا بكرٍ، فكُنْتُ (وفي روايةٍ: فقلتُ:) أنا وليّ [رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - و] أبي بكرٍ، فَقَبَضْتُها سنتينِ من إمارَتي، أعمَلُ فيها بما عَمِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وما عَمِلَ فيها أبو بَكْر، واللهُ يَعْلَمُ إنَي فيها لَصادِقٌ بارٌّ راشِدٌ تابِعٌ للحقِّ، ثم جِئتُماني تُكَلِّماني [كلاكما]، وكَلِمَتُكُما [على كلمةٍ] واحدةٍ، وأمْرُكُما واحدٌ (وفي روايةٍ: جميعٌ)؛ جئْتَني يا عباسُ! تسألُني نَصيبَكَ مِن ابنِ أخيكَ، وجاءَني هذا- يريدُ: عليًّا- يُريدُ نَصيبَ امرأتِهِ من أبيها، فقلتُ لكُما: إن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صَدَقَةٌ"، فلما بدا لي أنْ أدْفَعَهُ إليكُما؛ قلتُ: إنْ شئْتُما دَفَعْتُها إليكُما على أنَّ عليكُما عهدَ اللهِ وميثاقَهُ لَتَعْمَلانِ فيها بما عَمِلَ فيها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وبما عَمِلَ فيها أبو بكرٍ، وبما عَمِلْتُ فيها منذُ وَلِيتُها، [وإلا فلا تُكَلِّماني فيها]، فقُلْتُما: ادفَعْها إلينا [بذلك]، فبذلكَ دَفَعْتُها إليكُما، فأنْشُدُكُم باللهِ هل دَفَعْتُها إليهِما بذلك؟ قالَ الرَّهْطُ: نعم.
ثم أقبلَ على علىٍّ وعباسٍ، فقال:
أنْشُدُكُما باللهِ هل دَفَعْتُها إليكُما بذلك؟ قالا: نعم.
قال: [أ] فَتَلْتَمِسانِ منِّي قضاءً غيرَ ذلك؟ فواللهِ الذي بإذنِهِ تقومُ السماءُ والأرضُ؛ لا أقْضي فيها قضاءً غيرَ ذلك
[حتى تقومَ الساعة 8/ 4]، فإنْ عَجَزْتُما عنها فادْفَعاها إليَّ؛ فإنِّي أكْفِيكُماها.
2 -
بابٌ أداءُ الخُمُسِ من الدِّينِ
(قلت: أسند في حديث ابن عباس في قدومِ وفدِ عبد القيس المتقدم في "ج 1/ 2 - الإيمان/ 40 - باب/ رقم الحديث 39").
3 -
بابُ نَفَقَةِ نساءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ وفاتِهِ
1347 - عن عائشةَ قالتْ: [لقد 7/ 179] تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وما في بيتي من شيءٍ يأكُلُهُ ذو كبدٍ إلا شَطْرُ (15) شعيرٍ في رَفٍّ لي، فأكلتُ منه حتى طالَ عليَّ، فكِلْتُهُ، ففَنِيَ.
4 -
بابُ ما جاءَ في بيوتِ أزواجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -،
وما نُسِبَ من البيوتِ إليهنَّ، وقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، و ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ 1348 - عن عبدِ اللهِ (ابن عمر) رضيَ اللهُ عنه قالَ: قامَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خطيباً [إلى جنبِ المنبرِ 8/ 95]، [وهو مستقبلٌ المشرقَ]، فأشار نحوَ مسكَنِ عائشَةَ (وفي طريق: وأشارَ إلى المشرِقِ 6/ 176)، فقالَ: "ها هُنا الفِتْنَةُ (وفي روايةٍ: ألا إنَّ الفتنَةَ ها هنا) (ثلاثاً)؛ مِن حيثُ يَطْلُعُ قرنُ الشيطانِ".1
5 -
باب مَا ذُكِرَ مِنْ دِرْعِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -،
وعصاهُ، وسيفِهِ، وقَدَحِهِ، وخاتَمِهِ، وما استعملَ الخلفاءُ بعدَهُ مِن ذلك؛ مما لم يُذْكَرْ قِسْمَتُهُ، ومِن شَعَرِهِ، ونَعْلِهِ، وآنيتِهِ؛ مما تَبَرَّكَ أصحابُهُ وغيرُهُم بعدَ وفاتِه 1349 - عن عيسى بن طَهمانَ قالَ: أَخْرَجَ إلينا أنسٌ نعليْنِ جَرْداوَيْنِ 1 لهما قِبالانِ، فحَدَّثَني ثابتٌ البُنَانِيُّ بَعْدُ عن أنسٍ أنَّهُما نَعْلا النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
1350 - عن أبي بُردَةَ قالَ: أَخْرَجَتْ إلينا عائِشَةُ رضيَ اللهُ عنها كِساءً مُلَبَّداً، [وإزاراً غليظاً 7/ 41] [485 - مما يُصْنَعُ باليَمَنِ]، وقالت: في هذا نُزِعَ (وفي روايةٍ: قُبِضَ) روحُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
1351 - عن عليٍّ بنِ حُسَيْنٍ أنَّهم حين قدِموا المدينَةَ من عندِ يزيدَ بنِ معاويةَ مَقْتَلَ حسينِ بنِ عليٍّ رحمةُ اللهِ عليه؛ لَقِيَهُ المِسْوَرُ بنُ مَخْرَمَةَ، فقالَ لهُ: هل لك إليَّ مِن حاجةٍ تأمُرُني بها؟ فقلتُ له: لا.
فقالَ: فهل أنتَ مُعْطِيَّ سيفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ فإني أخافُ أن يَغْلِبَك القومُ عليه؟ وايْمُ اللهِ لئِنْ أعْطَيْتَنِيهِ لا يُخْلَصُ 3 إليهم أبداً حتى تُبْلَغَ نفسي، إنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ خَطَبَ ابنةَ أبي جهلٍ على فاطمةَ عليها السلامُ، [فسمِعَتْ بذلك فاطِمَةُ، فأتَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَتْ: يَزْعُمُ قومُكَ أنكَ لا تغضَبُ لبناتِكَ، وهذا عليٌّ ناكحٌ بنتَ أبي جهلٍ2
4/ 212]، فسَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يخْطُبُ الناسَ في ذلك على منبَرِهِ هذا، وأنا يومئذٍ محتَلِمٌ، فقالَ: ["إنَّ بني هشامِ بن المغيرةِ استأذَنوا في أنْ يُنْكِحوا ابنَتَهُم عليَّ بنَ أبي طالبٍ؛ فلا آذَنُ، ثم لا آذَنُ، ثم لا آذَنُ؛ إلا أن يُريدَ ابنُ أبي طالبٍ أن يُطَلِّقَ ابنتي، ويَنْكِحَ ابْنَتَهُم، فـ 6/ 158] إنَّ [ما] فاطِمَة [بَضْعَةٌ 4/ 219] مني، [يُرِيْبُنِي ما أَرَابَها، ويُؤْذِينِي ما آذاها]، [فمَنْ أغْضَبَها أغضَبَني 4/ 210]، وأنا أتَخَوَّفُ أنْ تُفْتَنَ في دينِها (وفي طريق: وإني أكرَهُ أنْ يسوءَها) ". ثم ذَكَرَ صِهراً لهُ من بني عبدِ شمسٍ، فأثنى عليهِ في مصاهَرَتهِ إيَّاهُ؛ قالَ (وفي روايةٍ: فسمعتُه حين تَشَهَّدَ يقولُ: "أما بعدُ؛ فإني أنْكَحْتُ أبا العاصِ بنَ الربيعِ، فَـ) حدَّثَني فصَدَقَني، ووعَدَني فوَفَى لي، وإني لَسْتُ أُحَرِّمُ حلالًا، ولا أُحِلُّ حَراماً، ولكِنْ واللهِ لا تَجْتَمِعُ بنتُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وبنتُ عَدُوِّ اللهِ [عند رجُلٍ واحدٍ] أبداً"، [فتركَ عليٌّ الخِطْبَةَ].
1352 - عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: لو كانَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنه ذاكِراً عثمانَ 1 رضيَ اللهُ عنه؛ ذكَرَهُ يومَ جاءَهُ ناسٌ، فَشَكَوْا سُعاةَ عُثمانَ، فقالَ لي علِيٌّ: [خُذْ هذا الكتابَ، فـ] اذهَبْ [به] إلى عثمانَ، فأخْبِرْهُ أنَّها صَدَقَةُ 2 رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،
فمُرْ سُعاتَكَ يعمَلونَ فيها، فأتَيْتُهُ بها، فقالَ: أغْنِها عنَّا، فأتيتُ بها عليًّا، فأخبرتُهُ، فقالَ: ضَعْها حيثُ أخَذْتَها.
6 -
بابُ الدليلِ على أنَّ الخُمُسَ لنوائبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمساكينِ
486 - وإيثارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أهلَ الصُّفَّةِ والأراملَ حينَ سألَتْهُ فاطمةُ - وشكَتْ إليه الطَّحْنَ والرَّحى- أنْ يُخْدِمَها مِن السبْيِ، فوكَلَها إلى اللهِ.
(قلتُ: أسند فيه حديث علي بن أبي طالب في سؤال فاطمة خادماً الآتي "ج 4/ 80 - الدعوات/ 11 - باب").
7 -
بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾
يعني: للرسولِ قَسْمُ ذلك.
2 - قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"إنما أنا قاسمٌ وخازِنٌ، والله يُعْطِي".
1353 - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ الأنصاريِّ قالَ: وُلِدَ لرَجُلٍ منا غلامٌ، فسمَّاهُ القاسِمَ (وفي روايةٍ: فأرادَ أن يسميه محمداً)، فقالتِ الأنصار: لا نَكْنيكَ أبا القاسمِ، ولا نُنعِمُكَ عيناً، فأتى [به] النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - (وفي روايةٍ: أن الأنصاريَّ قالَ:1
حملتُهُ على عُنقي)، فقالَ: يا رسولَ اللهِ! وُلِدَ لي غلامٌ، فَسَمَّيْتُهُ القاسِمَ، فقالتِ الأنصارُ: لا نَكْنيكَ أبا القاسِمِ، ولا نُنْعِمُكَ عيناً 1 (وفي روايةٍ: ولا كرامةً 7/ 116)، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أحْسَنَتِ الأنصارُ، [تـ 4/ 163] سمّوا باسمي، ولا تَكَنَّوا بكُنيتي، فإنما أنا قاسمٌ (وفي روايةٍ: فإني إنما جعلتُ (وفي أخرى: بعثتُ) قاسماً أقسمُ بينَكُم)، [سَمِّ ابْنَكَ عبدَ الرحمنِ] ".
1354 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "ما أُعطِيكُم، ولا أمْنَعُكُم، أنا قاسِمٌ، أضَعُ حيثُ أُمِرْتُ".
1355 - عن خَوْلَةَ الأنصاريةِ رضيَ اللهُ عنها قالت: سَمِعْتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ 2 في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، فلَهُمُ النارُ يومَ القيامَةِ".
8 - بابُ 488 - قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:3
- باب
/ رقم الحديث 182" بتمامه، لكن بلفظ: "لي" بدل "لكم" في الموضعين.
ولعل المصنف رحمه الله تعالى يشير إلى حديث آخر، فقد أخرج أحمد (5/ 256) عن أبي ذر مرفوعاً نحوه بلفظ: "وأحلت لأمتي الغنائم".
وسنده صحيح.
"أُحِلَّتْ لكم الغنائِمُ".
وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، وهي للعامَّةِ حتى يُبَيِّنَهُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم -.
1356 - عن جابرِ بنِ سَمُرة رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إذا هَلَكَ كِسْرى فلا كِسرى بعدَهُ، وإذا هَلَكَ قيصَرُ فلا قيصَرَ بعدَهُ، والذي نفسي بيدِهِ؛ لتُنْفَقَنَّ (22) كنوزُهُما في سبيلِ اللهِ".
1357 - عن أبي هريرة رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "غزا نبيٌّ مِن الأنبياءِ، فقالَ لقومِهِ: لا يَتْبَعْني رجُلٌ مَلكَ بًضْعَ امرأةٍ وهو يُريدُ أنْ يَبْنِيَ بها ولمَّا يَبْنِ بها، ولا أحدٌ بَنَى بُيوتاً ولم يَرْفَعْ سُقوفَها، ولا أحدٌ اشترى غنماً (23) أو خَلِفاتٍ وهو ينتظِرُ وِلادَها، فغزا، فدنا من القريةِ صلاةَ العصرِ، أو قريباً من ذلك، فقالَ للشمسِ: إنك مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهمَّ! احْبسْها علينا، فحُبِسَتْ، حتى فَتَحَ اللهُ عليهِ، فجَمَعَ الغنائِمَ، فجاءت- يعني: النارَ- لَتأكُلَها، فلم تَطْعَمْها، فقالَ: إنَّ فيكُم غُلولاً، فلْيُبايِعْني مِن كلِّ قبيلةٍ رجلٌ، فلَزِقَتْ يدُ رجلٍ بيدِهِ، فقالَ: فيكُمُ الغُلولُ، فَلْيُبايِعْني قبيلتُكَ، فلَزِقَتْ يدُ رجُلَيْنِ أو ثلاثةٍ بيدِهِ، فقالَ: فيكُمُ الغُلولُ، فجاؤوا برأسٍ مثلِ رأسِ بقرةٍ من الذهب، فوضعوها، فجاءَتِ النارُ فأكَلَتْها، ثمً أحَلَّ اللهُ لنا الغنائمَ، رأى ضعفَنا وعجْزَنا فَأحَلَّها لنا".
9 -
بابٌ الغَنِيمةُ لمَنْ شَهِدَ الوقعَةَ
12 (قلتُ: أسند في حديث عمر الآتى في 3/ 64 - المغازي/ 40 - باب").
10 -
بابُ مَنْ قاتَلَ للمَغْنَمِ؛ هل ينقُصُ من أجْرِهِ؟
(قلتُ: أسند فيه حديث أبي موسي المتقدم "ج 1/ 3 - العلم/ 46 - باب/ رقم الحديث 81").
11 -
بابُ قِسْمَةِ الإمامِ ما يَقْدَم عليهِ ويَخْبَأُ لمَنْ لم يَحْضُرْهُ أو غابَ عنه
(قلتُ: ذكر في حديث المسور بن مَخْرَمة المتقدم "ج 2/ 51 - الهبة/ 18 - باب").
12 -
بابٌ كيف قَسَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قُرَيظَةَ والنَّضيرَ؟ وما أَعْطَى مِن ذلك
في نوائِبِهِ
(قلتُ: أسند في حديث أنس الآتي في "ج3/ 64 - المغازي/ 32 - باب").
13 -
بابُ بَرَكَةِ الغازي في مالِهِ حيّاً وميّتاً مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ووُلاةِ الأمْرِ
1358 - عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ قالَ: لما وقف الزُّبَيْرُ يومَ الجَمَلِ دعاني، فقمْتُ إلى جَنْبِهِ، فقالَ: يا بُنَيَّ! إنَّه لا يُقْتَلُ اليومَ إلا ظالمٌ أو مظلومٌ، وإني لا أُراني إلا سَأُقْتَلُ اليومَ مظلوماً، وإنَّ من أكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أفَتُرَى يُبقِي دَيْنُنا عِن مالِنا شيئاً؟ فقالَ: يا بُنَيَّ! بِعْ ما لَنا، فاقْض دَيْنِي، وأَوْصَى بالثُّلُثِ وثُلُثِهِ لِبنيهِ- يعني: عبدَ اللهِ ابنَ الزبير 1 - يقولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فإن فَضَلَ عِن مالِنا فضلٌ بعد قضاءِ الدَّيْنِ شيءٌ؛ فثُلُثُهُ لوَلَدِكَ.
قالَ هشامٌ: وكان بعضُ ولَدِ عبدِ اللهِ قد وَازَى 1 بعضَ بني الزُّبيرِ خُبَيْبٌ وعبادٌ، ولهُ يومئذٍ تسعةُ بنينَ، وتِسْعُ بناتٍ.
قالَ عبدُ الله: فجَعَلَ يُوصيني بِدَيْنِهِ ويقولُ: يا بُنَيَّ! إنْ عَجَزْتَ عنه في شيءٍ فاسْتَعِنْ عليه مولايَ.
قالَ: فواللهِ ما دَرَيْتُ ما أرادَ حتى قُلْتُ: يا أبتِ! من مولاك؟ قالَ: اللهُ.
قالَ: فواللهِ ما وقعتُ في كُرْبةٍ مِن دَيْنِهِ إلا قلتُ: يا مولى الزُّبَيْرِ! اقْضِ عنه دينَهُ، فَيَقْضِيهِ، فقُتِلَ الزُّبيرُ رضيَ اللهُ عنه، ولم يَدَعْ دِيناراً ولا دِرْهَماً؛ إلا أَرَضِينَ منها الغابةُ، وإحدى عَشْرَةَ داراً بالمدينةِ، ودَارَيْنِ بالبصرةِ، وداراً بالكوفةِ وداراً بمصرَ، قالَ: وإنما كانَ دَيْنُهُ الذي عليه أنَّ الرجلَ كان يأتيهِ بالمالِ، فيَسْتَوْدِعُهُ إياهُ، فيقولُ الزبيرُ: لا؛ ولكنه سَلَفٌ؛ فإني أخشى عليه الضَّيْعَةَ.
وما وَلِيَ إمارَةً قَطُّ، ولا جِبايَةَ خَرَاجٍ، ولا شيئاً؛ إلا أن يكونَ في غَزْوةٍ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أو مع أبي بكرٍ، وعمَرَ، وعثمانَ رضي اللهُ عنهم.
قالَ عبداِللهِ بنُ الزبير: فحَسَبْتُ ما عليه مِن الديْنِ فوجدْتُهُ أَلْفَيْ ألفٍ ومائتي ألفٍ.
قالَ: فَلَقِي حَكِيمُ بنُ حِزامٍ عبدَ اللهِ بنَ الزبير، فقالَ: يا ابنَ أخي! كم على أخي مِن الدَّيْنِ؟ فكَتَمَهُ، فقالَ: مائةُ ألفٍ.
فقالَ حكيمٌ: واللهِ ما أرى أموالَكُم تَسَعُ لهذه.
فقالَ لهُ عبدُ اللهِ: أفرأيتَكَ إن كانَتْ ألفَيْ ألفٍ ومائتي ألفٍ؟! قالَ: ما أراكُم تُطِيقونَ هذا، فإن عَجَزْتُم عن شيءٍ منهُ فاستَعينوا بي.
قالَ: وكانَ الزبيرُ اشترى الغابَةَ بسبعينَ ومائةِ ألفٍ، فباعَها عبدُ اللهِ بألفِ ألفٍ وستِّمِائةِ ألفٍ، ثمَّ قامَ، فقالَ: مَن كان لهُ على الزبيرِ حقٌّ فَلْيوافِنا بالغابةِ، فأتاهُ
عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، وكانَ لهُ على الزبيرِ أَرْبَعُمِائةِ ألفٍ، فقالَ لعبدِ اللهِ: إنْ شئتُم تركْتُها لكُم.
قالَ عبدُ اللهِ: لا.
قالَ: فإنْ شتُم جعلتُموها فيما تُؤَخِّرُونَ إن أَخَّرْتُم.
فقالَ عبدُ اللهِ: لا.
قالَ: قالَ: فاقْطعوا لي قطعةً.
فقالَ عبدُ اللهِ: لك من ها هنا إلى ها هنا.
قالَ: فباعَ منها، فقضى دينَهُ، فأوفاهُ، وبقيَ منها أربعةُ أسهُمٍ ونصفٌ، فقَدِمَ على معاويةَ وعندَه عمرُو بنُ عثمانَ، والمنذرُ بنُ الزبيرِ، وابنُ زَمْعَةَ، فقالَ لهُ معاويةُ: كم قُوِّمَتِ الغابةُ؟ قالَ: كُلُّ سهمٍ مائةَ (26) ألفٍ.
قالَ: كم بقيَ؟ قالَ: أربعةُ أسهُمٍ ونصفٌ.
قالَ المنذرُ بنُ الزبيرِ: قد أخذتُ سهماً بمائةِ ألفٍ.
قالَ عمرو بن عثمانَ: قد أخذتُ سهماً بمائةِ ألفٍ.
وقالَ ابنُ زمعة: قد أخذتُ سهماً بمائةِ ألفٍ.
فقالَ معاويةُ: كم بقيَ؟ فقالَ: سهمٌ ونصفٌ.
قالَ: أخذتُه بخمسينَ ومائةِ ألفٍ.
قالَ: وباعَ عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ نصيبَهُ مِن مُعاويةَ بسِتِّمِائةِ ألفٍ، فلما فرَغَ ابنُ الزُّبَيْرِ من قضاءِ دَيْنِهِ؛ قالَ بنو الزبيرِ: اقسِمْ بيننا ميراثَنا.
قالَ: لا واللهِ؛ لا أقسِمُ بينَكُم حتى أنادِيَ بالموْسِمِ أربعَ سنينَ: ألا مَن كانَ لهُ على الزُّبيرِ دينٌ فليأتِنا فلْنَقْضِهِ.
قالَ: فجَعَل كلَّ سنةٍ يُنادي بالموسِمِ، فلما مضى أربعُ سنينَ قسَمَ بينَهُم، قالَ: فكان للزبيرِ أربعُ نِسْوَةٍ، ورَفَعَ الثُّلُثَ، فأصابَ كلَّ امرأةٍ ألفُ ألفٍ ومائتا ألفٍ، فجميعُ مالِهِ خمسونَ ألفَ ألفٍ، ومائتا ألفٍ.
14 -
بابٌ إذا بَعَثَ الإِمامُ رسولاً في حاجةٍ، أو أمَرَهُ بالمُقامِ؛ هل يُسْهَمُ لهُ؟
1 (قلتُ: أسند فيه طرفاً من حديث ابنِ عمر الآتي "ج 2/ 63 - المناقب/ 8 - باب").
15 -
بابٌ ومِنَ الدليلِ على أنَّ الخُمُسَ لنَوائِبِ المسلمينَ
1 - ما سألَ هوازِنُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - برَضاعِهِ فيهم، فتحلَّل من المسلمين.
2 و 491 - وما كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعِدُ الناسَ أن يُعْطِيَهُم مِن الفَيْءِ والأنفالِ مِن الخُمُسِ.
3 - وما أعطى الأنصارَ.
4 - وما أعطى جابرَ بنَ عبدِ اللهِ تمرَ خيبرَ.
1359 - عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث سَرِيَّةً فيها عبدُ اللهِ بنُ عمر قِبَلَ نجدٍ، فغَنِمُوا إبلاً كثيراً، فكانَتْ سِهامُهُم اثْنَيْ عشَرَ بَعيراً، أو أحَدَ عَشَرَ بَعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً، [فرجَعْنا بثلاثةَ عَشَرَ بعيراً 5/ 107].
1360 - عن ابنِ عمر رضيَ اللهُ عنهما أنِّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يُنَفِّلُ بعضَ
من يَبْعَثُ مِن السَّرايا لأنفُسِهِم خاصَّةً، سِوى قَسْمِ عامَّةِ الجيشِ.
1361 - عن جابرٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: قالَ [لي 3/ 137] رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"لو قَدْ جاءَني مالُ البحرين لقد أعْطَيْتُكَ هكذا وهكذا وهكذا (ثلاثاً 5/ 121)، فلم يَجِىءْ حتى قُبضَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما جاءَ مالُ البَحْرَيْنِ [مِن قبَلِ العلاءِ بنِ الحَضْرَمي 3/ 163] أَمَرَ أبو بكرٍ منادياً فنادى: مَن كانَ لهُ عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - دينٌ أو [كانت لهُ قِبَلَهُ] عِدَة؛ فلْيَأْتِنا، فأتَيْتُهُ، فقلتُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -[قد كانَ 4/ 65] قالَ لي كذا وكذا (وفي روايةٍ: وَعَدَنِي 3/ 137)، فحثا لي ثلاثاً- وجعَلَ سفيانُ يَحْثُو بكَفَّيْهِ جميعاً-[فأعطاني ألفاً وخَمْسَمائةٍ]، (وفي طريقٍ: فحثا لي حَثْيَةً، وقالَ: عُدَّها، فوجدتُها خَمْسَمائةٍ.
قالَ: فَخُذْ مِثْلَها مرَّتينِ).
وقالَ مَرَّةً: فأتيتُ أبا بكرٍ (وفي روايةٍ: قالَ جابرٌ: فلقيتُ أبا بكرٍ بعد ذلك)،
فسألتُ فلم يُعْطِني، ثم أتيتُهُ فلم يُعْطِني، ثم أتيْتُهُ الثالثةَ فقلتُ: سألتُكَ فلم
تُعطني، ثم سألْتُكَ فلم تُعْطِنِي، ثم سألتُكَ فلم تُعْطِني، فإما أن تُعْطِيَني وإما أن
تَبْخَلَ عني.
قالَ: قلتَ: تَبْخَلُ عليَّ؟! وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِن البُخْلِ؟! [قالها ثلاثاً]،
ما مَنَعتُكَ من مرَّةٍ إِلا وأَنا أُريدُ أَنْ أُعطِيَكَ.
1362 - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: بينَما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقْسِمُ غنيمَةً بالجِعْرانَةِ؛ إذ قالَ لهُ رجلٌ: اعْدِلْ.
فقال لهُ:
"شَقِيتُ إنْ لَمْ أعْدِلْ".
16 -
بابُ ما مَنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الأُسارَى من غيرِ أن يُخَمِّسَ
1363 - عن جُبَيْرِ بنِ [مُطْعِمٍ] رضيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ في أُسارى بدرٍ: "لو كانَ المُطْعِمُ بنُ عدَيٍّ حيّاً، ثمَّ كَلَّمني في هؤلاءِ النَّتْنَى (27)؛ لَتَرَكْتُهُم له".
17 -
بابٌ ومِنَ الدليلِ على أنَّ الخُمُسَ للإِمامِ، وأنَّهُ يُعْطِي بعضَ قرابَتِه دونَ بعضٍ
494 - ما قسَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لبني المُطَّلِبِ وبني هاشمٍ من خُمُسِ خيبرَ.
658 - قالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز: لم يَعُمَّهم بذلك، ولم يَخُصَّ قريباً دون من [هو] أحوَجُ إليه 4، وإن كانَ الذي أعطى لِمَا يَشكو إليهِ مِن الحاجَةِ، ولِمَا مَسَّتْهُم في جَنْبِهِ مِن قومِهِم وحُلفائِهم.
1364 - عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ قالَ: مشيتُ أنا وعثمانُ بنُ عفانَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقُلْنا: يا رسولَ اللهِ! أعطيتَ بني المُطَّلِبِ وتَرَكْتَنا و [إنما 4/ 155] نحنُ وهُم منك بمنزلةٍ واحدةٍ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما بنو المُطَّلِبِ وبنو هاشِمٍ شيءٌ واحِدٌ ".123
[قال جُبَيْرٌ: ولم يَقْسِمِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لبَني عبدِ شمسٍ، وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئاً 5/ 79]. 659 - وقالَ ابنُ إسحاقَ: عبدُ شمسٍ وهاشمٌ والمُطَّلِبُ إخوةٌ لأمٍّ، وأمُّهُم عاتِكَةُ بنتُ مرَّةَ، وكانَ نوفلٌ أخاهُم لأبيهِم.
18 -
بابُ مَن لم يُخَمِّسِ الأَسْلابَ، ومَنْ قَتَلَ قتيلًا فلهُ سَلَبُهُ مِن غيرِ أن يُخَمَّسَ، وحُكْمِ الإمامِ فيه
1365 - عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ قالَ: بينا أنا واقفٌ في الصَّفِّ يومَ بدرٍ، فنظرتُ عن يميني وشِمالي، فإذا أنا [عن يميني وعن يساري 5/ 11] بغُلامينِ مِن الأنصارِ حديثةٍ أسنانُهما، تمنَّيْتُ أن أكونَ بينَ أضلَعَ (2) منهما، [فكاني لم آمَنْ بمكانِهِما]، فغَمَزَني أحدُهُما، فقالَ [لي سراً من صاحِبهِ]: يا عَمِّ! هل تَعْرِفُ أبا جهلٍ؟ قلتُ: نعم؛ ما حاجتُكَ إليه يا ابنَ أخي؟ قالَ: أُخبِرْتُ أنَّه يَسُبُّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيدِهِ؛ لئنْ رأيْتُهُ لا يفارِقُ سَوادي سوادَهُ حتى يموتَ الأعجلُ منَّا.
فتَعَجَّبْتُ لذلك، فغَمَزَني الآخرُ، فقالَ لي مثلَها، [قال: فما سَرَّني أنِّي بينَ رجلينِ مكانَهُما]، فلم أنْشَبْ (3) أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ يجولُ في الناسِ، قلتُ: ألا إنَّ هذا صاحِبُكُما الذي سألْتُماني، فابْتَدَراهُ بسَيْفَيْهِما، [فشَدَّا عليهِ مثلَ الصَّقْرَينِ]، فضَرَباهُ حتى قتَلاهُ، ثم انْصَرَفا إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخبراهُ، فقالَ:1
"أيُّكُما قتَلَهُ"؟.
قالَ كُلُّ واحدٍ منهما: أنا قتَلْتُه.
فقالَ: "هل مَسَحْتُما سَيْفَيْكُما؟ ". قالا: لا.
فنَظَرَ في السيفينِ، فقالَ:
"كِلاكُما قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لمعاذِ بنِ عمرِو بنِ الجَموحِ" *، وكانا مُعاذَ ابنَ عفراءَ، ومعاذَ بنَ عمرِو بنِ الجَموحِ (وفي روايةٍ: وهما ابنا عفراءَ).
1366 - عن أبي قتادَةَ رضيَ اللهُ عنه قالَ: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عامَ حُنَيْنٍ، فلمَّا التَقَيْنا كانَتْ للمسلمينَ جولَةٌ، فرأيتُ رجُلاً مِن المشركين [قد 5/ 100] علا رجُلاً من المسلمين (1 - وفي روايةٍ: نظرتُ إلى رجل من المسلمينَ يُقاتِلُ رجُلاً من المشركينَ، وآخرُ مِن المشركينَ يَخْتِلُهُ مِن ورائِهِ لِيَقْتُلَهُ، فأسرَعْتُ إلى الذي يَخْتِلُهُ)، فاسْتَدَرْتُ حتى أتَيْتُه من ورائهِ، حتى ضَرَبْتُه بالسَّيْفِ على حبلِ عاتِقِهِ، [فقطعتُ الدِّرْعَ] (وفي روايةٍ: فرفع يدَهُ ليَضْرِبَني، وأضربُ يدَهُ فقطعْتُها]، فأقبلَ عليَّ، فضَمَّني ضمَّةً وجَدْتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أدْرَكَهُ الموتُ، فأرْسَلَني (وفي روايةٍ: حتى تَخَوَّفْتُ، ثم تَرَكَ فتَحَلَّل، ودفَعْتُه، ثم قتلْتُهُ، وانهزَمَ المسلمونَ، وانهَزَمْتُ معهم)، فلَحِقْتُ عمرَ بنَ الخطابِ، فقلتُ: ما بالُ الناسِ؟ قالَ: أَمْرُ اللهِ، ثمَّ إنَّ الناسَ رَجَعوا [إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -]، وجَلَسَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ:
"مَن قَتَلَ قتيلاً لهُ عليهِ بيِّنَةٌ؛ فلهُ سَلَبُهُ"، فقمتُ [لألْتَمِسَ بيِّنةً على قَتِيلِي، فلم أرَ أحداً يَشْهَدُ لي 8/ 113]، فقلتُ: مَن يشهَدُ لي؟ ثم جَلَسْتُ، ثمَّ قالَ: * قلت: وإنما خص السلب به لأنه كان هو الذي أثخن في القتل، وإن شاركه الآخر في الضرب والطعن.
وانظر "الفتح".
"مَن قتلَ قتيلاً لهُ عليهِ بيِّنَةٌ؛ فلهُ سَلَبُهُ"، فقمتُ فقلتُ: مَن يشهدُ لي؟ ثم جلستُ، ثم قالَ الثالثةَ: مثلَهُ، فقمتُ، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (مالك يا أبا قتادةَ؟ "، فاقْتَصَصْتُ عليه القصةَ، فقالَ رجلٌ [من جُلسائِهِ]: صدقَ يا رسولَ اللهِ! وسَلَبُهُ عندي، فأرْضِهِ عني، فقالَ أبو بكرٍ الصديق رضيَ اللهُ عنه: لا ها (31) اللهِ؛ إذاً لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يقاتِلُ عن اللهِ ورسولِهِ - صلى الله عليه وسلم -[فـ] يُعْطِيكَ سَلَبَهُ (وفي روايةٍ: كلا، لا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِن قريشٍ ويَدَعُ أسَداً من أُسْدِ اللهِ يقاتِل عن اللهِ ورسولِهِ)، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقَ، [فأعطِهِ]، فأعطاهُ (وفي روايةٍ: فأعطانيهِ.
وفي أخرى: فقامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأدَّاهُ إليَّ 8/ 113)، فبِعْتُ الدِّرْعَ، فابتَعْتُ به
مَخْرَفاً (32) (وفي روايةٍ: خرافاً) في بني سَلِمَةَ، فإنَّه لأوَّلُ مالٍ تَأثَّلْتُهُ في الإسلامِ.
19 -
بابُ ما كانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُعطي المؤلَّفَةَ قلوبُهُم وغيرَهُم من
الخُمُسِ ونحوه
496 - رواهُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم -.
1367 - عن نافِعٍ قالَ *: وأصابَ عمرُ جاريتينِ مِن سَبْيِ حُنَيْنٍ1234
[1 - مِنَ الخُمُس]، فوَضَعَهُما في بعضِ بيوتِ مكةَ، قالَ: فمَنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على سَبْيِ حُنينٍ، فجَعَلوا يسعَوْنَ في السِّكَكِ، فقالَ عمرُ: يا عبدَ اللهِ! انظُرْ ما هذا؟ فقالَ: مَنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على السَّبْيِ، قالَ: اذهبْ فأرسلِ الجاريتينِ.
قالَ نافعٌ: ولم يَعْتَمِرْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من الجِعْرَانةِ، ولَوِ اعتَمَرَ لم يَخْفَ على
عبدِ اللهِ.
1368 - عن جُبيرِ بنِ مُطْعِمٍ أنَّه بَيْنَا هو [يسيرُ 3/ 209] مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومعهُ الناسُ مُقْبِلاً (وفي روايةٍ: مَقْفَلَهُ) من حُنَيْنٍ؛ عَلِقَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الأعرابُ يسألونَهُ، حتى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ، فخَطِفَتْ رداءَهُ، فوقفَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "أعْطوني رِدائِي، فلو كانَ [لي] عَدَدُ هذه العِضاهِ نَعَماً لَقَسَمْتُه بينَكُم، ثم لا تَجِدوني بَخيلاً، ولا كَذُوباً، ولا جَباناً".
1369 - عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: كنتُ أمشي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشيةِ، فأدْرَكَهُ أعرابيٌّ فجَذَبَهُ جَذْبَةً (وفي روايةٍ: فجَبَذَ بردائِهِ جَبْذَةً 7/ 94) شديدةً، حتى نظرتُ إلى صفحةِ عاتِقِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قد أثَّرَتْ بهِ حاشيةُ الرِّداءِ مِن شدَّةِ جذبَتِهِ (وفي روايةٍ: جَبْذَتِهِ)، ثم قالَ: مُرْ لي مِن مالِ اللهِ الذي عندك، فالْتَفَتَ إليه فضَحِكَ، ثم أمَرَ لهُ بعطاءٍ.
1370 - عن عبدِاللهِ (ابنِ مسعودٍ) رضيَ اللهُ عنه قالَ: لمَّا كانَ يومُ حُنَيْنٍ؛
آثَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُناساً في القِسْمَةِ، فأعْطَى الأقرعَ بنَ حابسٍ مائةً مِن الإبلِ، وأعطى عُيَيْنَةَ مثلَ ذلك، وأعطى أناساً مِن أشرافِ العربِ، فآَثَرَهُم يومئذٍ في القِسْمَةِ، قالَ رجلٌ [مِنَ الأنصارِ 5/ 105]: واللهِ إنَّ هذه القِسْمَةَ ما عُدِلَ فيها، وما أُرِيدَ بها وجهُ اللهِ فقلتُ: واللهِ لأخْبِرَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأتيتُهُ [وهو في أصحابِهِ 7/ 96]، فأخبَرْتُهُ (وفي روايةٍ: فسارَرْتُه)، [فتَغَيَّرَ (وفي روايةٍ: فتَمَعَّرَ 7/ 87. وفي أخرى: فغَضِبَ حتى رأيتُ الغَضَبَ في 4/ 130) وجهِهِ]، [حتى ودِدْتُ أني لم أكُنْ أخبَرْتُه]، فقالَ: "فمَنْ يَعْدِلُ إذا لمْ يَعْدِلِ اللهُ ورسولُهُ؟! رَحِمَ اللهُ موسى [لـ] قد أوذِيَ بأكثرَ مِن هذا فَصَبَرَ".
20 -
بابُ ما يُصِيبُ مِن الطعامِ في أرضِ الحربِ
1371 - عن عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ رضيَ اللهُ عنه قالَ: كُنَّا محاصِرينَ قصرَ خيبرَ، فرمى إنسانٌ بجرابٍ فيه شَحْمٌ، فنَزَوْتُ لآخُذَهُ، فالتَفَتُّ، فإذا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَحيَيْتُ منهُ.
1372 - عن ابنِ عمر قالَ: كُنَّا نُصيبُ في مَغازِينا العَسَلَ والعِنَبَ، فنأكُلُهُ ولا نَرْفَعُهُ.
1373 - عن الشيبانيِّ 1 قالَ: سمعتُ ابنَ أبي أوفى رضيَ اللهُ عنهما يقولُ: أصابَتْنا مجاعَةٌ لياليَ خيبرَ، فلما كانَ يومُ خيبرَ؛ وقعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ،
فانْتَحَرْنَاهَا، فلما غَلَتِ القدورُ
-[قالَ: وبعضُها نَضِجَتْ 6/ 78]-
نادى مُنادي رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"أكْفِئوا القدورَ، فلا تَطْعَموا من لحومِ الحُمُرِ شيئاً".
قال عبدُ اللهِ [بنُ أبي أوفى: فتحدثنا] فقلنا: إنَّما نهى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -[عنها]؛
لأنها لم تُخَمَّسْ.
قالَ: وقالَ آخرونَ: حَرَّمها البتَّةَ [لأنها كانت تأكلُ العَذِرَةَ].
وسألتُ 1 سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ؟ فقالَ: حَرَّمَها البتَّةَ.
بسم الله الرحمن الرحيم
58 -