كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 43-82
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب النكاح

صفحات 43-82
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

[تنبيه]: المراد بالحاكم هاهنا: حاكم الموضع الذي [هو] فيه، فلو كانت ببلدٍ، وأذنت لحاكم بلدٍ آخر في تزويجها- لم يصح، قاله الغزالي في [آخر] كتاب الأقضية.
قال: ولا يزوج أحد منهم، وهناك من هو أقرب منه؛ لأنه حقٌّ مستحق بالتعصيب، فقدم فيه الأقرب فالأقرب؛ كالميراث.
قال: إن استوى اثنان في الدرجة، وأحدهما يدلي بجهة والآخر يدلي بجهتين أي: كالأخ من الأب والأخ من الأبوين، وابني الأخ والعمين، [وابني] العم إذا كان أحدهما من الأب والآخر من الأبوين، وابني العم إذا كان أحدهما ابنها أو أخاها لأمها، وامتنع الإمام من إلحاق الصورتين الأخيرتين بما تقدم.
قال: فالولي [من يدلي بجهتين] في أصح القولين، وهو الجديد كما في الميراث.
قال: "وفيه قول آخر: أنهما سواء"، وهو القديم؛ لأنه لا مدخل للنساء في ولاية النكاح بحال، فلا يرجح بهن؛ كما لو كان لهما عَمَّان أحدهما خال.
[ولمن نصر] الأول أن يقول: ليس كل ما [لا] يفيد لا يرجح؛ ألاَ ترى أن العم من الأبوين [يقدم] على العم من الأب في الميراث، وإن كان العم من الأم لا يرث أصلاً.
[فروع] على الجديد: لو كان [لها] ابنا عم أحدهما من الأبوين، والآخر من الأب، لكنه أخوها من

الأم- فالثاني أولى؛ لأنه يدلي بالجد [والأم، والأول يدلي بالجد والجدة].
ولو كان لها ابنا عمٍّ: أحدهما ابنها، والآخر أخوها من الأم- فالابن أولى؛ لأنه أقرب من الأخ، ولو كان لها ابنا [عَمٍّ] معتِق: أحدهما ابنها، [فيقدم على] الآخر، وبه أجابه ابن الحداد، لكنه ذكر في التفريع: أنه لو أراد المعتق نكاح عتيقته، وله ابن منها وابن من غيرها- يزوجها منه ابنه منها دون ابنه من غيرها، وهذا غلط عند معظم الأصحاب؛ من جهة أن ابن المعتِق لا يزوج المعتَقة في حياة المعتِق؛ لأنه يدلي به؛ كما لا يزوج ابن الأخ مع الأخ؛ فإذن يزوجها منه السلطان.
قال: فإن استوى اثنان في الدرجة والإدلاء فالأولى أن يقدم أسنهما وأعلمهما وأفضلهما- أي: في الديانة؛ لأن الأسن أكثر تجربة، فهو أخير.
والأعلم أعرف بشروط العقد، والأفضل أحرص على طلب الحظ.
واعلم أن تقدير الكلام: فإن استويا [في الدرجة والإدلاء فالأولى أن يقدم أسنهما، فإن استويا] في ذلك قدم أعلمهما، فإن استويا في ذلك قدم أفضلهما.
وقال الرافعي: إذا تعارضت هذه الخصال فيقدم الأفقه، ثم الأورع، ثم الأسن.
قال: فإن سبق [أحدهما] صحّ [العقد]؛ لأن ولايته ثابتة، ولو أوجب كل واحد منهما النكاح معاً والخاطب واحد، فأظهر الوجهين الصحة".
قال: إفن تشاحا أُقرع بينهما؛ لتساويهما في الحق، فإن خرجت القرعة لأحدهما، فزوج الآخر- فقد قيل: يصح، وهو الأصح؛ لأن القرعة لا تسلب الولاية، [وإنما شرعت لقطع المشاجرة، وجعل من خرجت له القرعة [أولى]، فإذا زوجها غيره، فقد زوجها وليها؛ فوجب أن يصح.
قال: "وقيل: لا يصح"؛ لأنّا لو صححنا النكاح لأبطلنا فائدة القرعة.
ثم

هذا الوجه يختص بما إذا أخرجوا القرعة [من أنفسهم] أم يختص بقرعة يُنشِئها السلطان؟ فيه تردد للإمام، وهذا الخلاف فيما إذا أذنت لكلٍ واحد منهما [في التزويج]، أمَّ إذا أذنت لأحدهما، فزوَّج الآخر لم يصح قولاً واحداً.
تنبيه: الإذن للأولياء تارة يكون بأن تقول: أذنت لكل منكم أن يزوجني من فلان، أو تُطلِق على ما سنذكره، وتارة تقول: [أذنت] من فلان، فمن شاء من أَوْليائي زوجني [منه]، ولو قالت: رضيت أن أزوج، أو رضيت بفلانٍ زوجاً- فأحد الوجهين: أنه ليس لأحد تزويجها، وأظهرهما: أنه يكتفي به، ولكل واحدٍ منهم تزويجها كالقسمين الأولين.
وعلى هذا: لو عينت واحداً هل ينعزل الآخر؟ فيه وجهان: أصحهما في "الحلية": أنه عَزْلٌ.
قال: "ولا يجوز أن يكون الولي عبداً ولا صغيراً ولا سفيهاً"، أي: محجوراً عليه بسبب تبذيره؛ لأنه ممنوع من التصرف لنفسه، فكذلك لغيره، وفي السفيه وجهٌ: أنه يلي؛ لأن الحجر عليه للخوف على المال، وقد أمن ذلك في تزويج ابنته.
أمَّا إذا لم يكن السفيه محجوراً عليه، ففي "الحاوي" وجهان: أصحهما على ما حكاه مجلي: أنه لا يكون وليّاً أيضاً.
وقال الرافعي: ينبغي ألا تزول الولاية.
والمحجور عليه بالإفلاس فيه طريقان: أصحهما: أنه يزوج كالمريض.
والثاني: فيه وجهان، أصحهما: أن له التزويج، قاله مجلي.
قال: "ولا ضعيفاً": الضعيف- هنا- ضعيف العقل: إمّا لِهرم، أو لِخبل جِبِلِّي أو عارض، وإنما منع الولاية؛ لعجزه عن اختيار الأزواج، وعدم العلم بمواضع الحظ، ويلتحق به من ألهاه السقم والألم الشديد عن النظر ومعرفة المصلحة في منع الولاية، ومع ذلك ينقلها إلى الأبعد.
قال الرافعي: لكن سكون الألم ليس بأبعد من إفاقة المغمى عليه؛ فوجب أن

ينتظر حيث ينتظر المغمى عليه، وبتقدير عدم الانتظار يجوز أن يقال: يزوجها السلطان، لا الأبعد كما في صورة الغيبة؛ لأن الأهليّة باقية، وشدة الألم مانعة من النظر كالغيبة.
ثم إذا مُنِعَ من ذكرناه من الولاية عُلم أن المجنون المطبق بذلك أولى، وقد صرح به الأصحاب، وأمَّا المجنون المنقطع ففي سلبه الولاية وجهان: أصحهما عند الإمام وابن كجٍّ: أنه سالبٌ، وهو ما حكاه في "البحر" عن القاضي أبي الطيب حيث قال: لو كان يُجنّ يوماً ويفيق يوماً، زوَّج المرأة في يوم جنونه مَنْ دونه.
والثاني- وهو الأصح في "التهذيب"-: أنه غير سالب؛ لأنه يطرأ ويزول فهو كالإغماء؛ فعلى هذا ينتظر حتى يفيق.
وحكى الحناطي وغيره وجهاً: أنه يزوجها الحاكم في حال جنونه كما في الغيبة، ثم هذا فيما إذا طال زمن إفاقته، أما لو قصر جدّاً لم يكن حال تقطُّعِ الجنون.
والمغمى عليه بسبب لا يدوم غالباً: كهيجان المِرَّة الصفراء أو الصرع، ينتظر إفاقته كالنائم.
وإن كان بسبب يدوم يوماً أو يومين فأكثر، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كالمجنون؛ فتنتقل الولاية إلى الأبعد.
والأظهر: أن الولاية لا تنتقل؛ لأن ذلك قريب الزوال، وعلى هذا ففي "التهذيب" وغيره: أنه ينتظر إفاقته كالنائم.
وقال الإمام: ينبغي أن تعتبر مدة السفر، فإن كانت مدته مدة ينتظر فيها مراجعة الولي الغائب ذهاباً وإياباً فينتظر إفاقته، وإن كانت مدة لا يؤخر التزويج فيها لمراجعة الغائب، بل يزوجها السلطان، فكذلك هاهنا، والرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إنه من القسم الثاني، جاز تزويجها في الحال.
والسكران إن حصل سكره بسبب يفسق [به]، وقلنا: إن الفسق غير سالب للولاية، أو كان بسبب لا يفسق به؛ بأن كان مُكرهاً أو غالطاً-: فإن لم ينفذ

تصرف السكران فهو كالمغمى عليه، وإن جعلنا تصرفه كتصرف الصاحي فمنهم من صحح تزويجه، ومنهم من منع؛ لاختلال نظره، والظاهر أنه لا يزوج، وأنه ينتظر إفاقته، وبه أجاب في "التهذيب".
ثم الخلاف فيما إذا بقي له تمييزٌ ونظرٌ، أمَّا الطافح الذي سقط تمييزه بالكلية فكلامه لغو.
قال: "ولا يجوز أن يكون الولي فاسقاً"؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ"، [و"مرشد" هنا] بمعنى "رشيد]، [و] بالقياس على ولاية المال، [و] لأنه يقدح في الشهادة؛ فمنع الولاية كالرق.
قال: إلا السيد في الأمة؛ بناءً على أنه يزوج بحكم الملك.
وقال الإمام: إنّه أصح، أمَّا إذا قلنا: يزوج بالولاية، فلا.
قال: "وقيل: إن كان غير الأب والجد"- أي: ولي الحرة- جاز أن يكون فاسقاً، والفرق: انهما مُجْبِران، فربما وضعاها تحت فاسقٍ مثلهما، وغيرهما يزوِّج بالإذن، فإن لم ينظر لها نظرت هي لنفسها، فعلى هذا: إن كانت المرأة ثيّباً يجوز للأب والجد أيضاً تزويجها؛ لأنهما لا يقدران على الإجبار [فهما] كغيرهما من الأولياء.
وإذا كانت بكراً قال الإمام: قياس ذلك أن يزوجاها برضاها، ولا يجبراها.
ووراء ما ذكره الشيخ- رضي الله عنه- طرق أخر: أحدها: أن غير الأب والجد لا يزوج، والأب والجد يزوج؛ لكمال شفقتهما، وقوة ولايتهما.
الثاني: أن فسقه إن كان بشرب الخمر فلا يلي، وإن كان بسبب آخر فيلي.

الثالث: إن كان مُعْلِناً بالفسق فلا يلي، وغيره يلي.
الرابع: إن كان غيوراً فيلي، وإن لم يكن غيوراً فلا يلي، وهذا منقول في "الهادي".
الخامس: أنه يلي قولاً واحداً، وهو اختيار القفال والروياني؛ لأن الفَسَقة لم يُمْنَعوا من التزويج في عصر الأولين مع وجود الاحتياط منهم في الأبضاع.
والمشهور من الطرق إثبات قولين، وقيل: الخلاف في غير الإمام الأعظم، أما الإمام الأعظم فيجوز أن يكون وليّاً للأَيَامَى من المسلمين، ولكن لا يزوج ابنته إذا قلنا: [إن] الفسق سالبٌ للولاية، قاله المتولي، وفي "التهذيب": أنه يجوز أن يزوج بناته وبنات غيره.
وقد اختلف الناقلون في محل الخلاف في أصل المسألة: فقيده في "التتمة" بما إذا كان الفاسق غير محجور عليه، أمَّا إذا كان محجوراً عليه فلا، وأطلق بعضهم الخلاف ثم قال: وقيل: إن كان محجوراً عليه [فلا، وإن لم يكن محجوراً عليه] زوَّج، حكاه مجلي وابن الصباغ.
فرعان: أحدهما: إذا تاب الفاسق، ذكر صاحب "التهذيب": أن له التزويج في الحال.
وقال الرافعي: [القياس الظاهرُ]، وهو المذكور في الشهادات: أنه يعتبر الاستبراء لعود الولاية، حيث يعتبر لقبول الشهادة.
الثاني: ذكر أبو الحسن العبادي وصاحبا "التتمة" و"التهذيب" وجهين في أنَّا هل نثبت الولاية لذوي الحرف [الدنيَّة] إذا لم نثبتها للفاسق؟ قال في "التهذيب": والمذهب أنه يكون وليّاً وجهاً واحداً.
قال: "وهل يجوز أن يكون [الولي] أعمى؟ قيل: يجوز"، وهو الصحيح؛ لأن شعيباً- عليه السلام- زوّج ابنته من موسى- صلى الله عليه وعلى نبينا- وكان أعمى، وأيضاً: فإن طريق العلم في باب "النكاح" الوصفُ

والخبر؛ ولذلك لا يشترط رؤية المنكوحة، والأعمى يملك أن يعرف ما فيه الحظ والمصلحة بالوصف والخبر.
فعلى هذا: إن كان الصداق عيناً لم يثبت المسمّى إن منعنا شراء الغائب.
قال: "وقيل: لا يجوز"؛ لأنه لا يتم نظره من حيث إن من المقاصد ما يدرك بالمشاهدة، ولأنه نَقْصٌ يؤثِّر في الشهادة؛ فأشبه الصِّغَر.
قال الجيلي: وعلى هذا فتنتقل الولاية إلى الأبعد؛ قاله الإمام.
وقال في "البحر": للأعمى أن يوكِّل على وجهٍ، وإن لم يوكل فالقاضي يزوج عنه.
وهذه الزيادة حكاها الجيلي عنه.
والأخرس إذا كانت له كتابة أو إشارة مُفْهِمة فيه مثل هذين الوجهين، ومنهم من قطع بأنه يلي، وفي "تعليق" القاضي الحسين في كتاب اللعان: أن الخلاف في ولاية النكاح هو الخلاف في قبول شهادته، ومقتضى ذلك أن يكون الظاهر منه: أنه لا يلي؛ كما أن الظاهر أن شهادته لا تُسْمَع.
قال: "ولا يجوز أن يكون ولي المسلمة كافراً"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
قال: "ولا ولي الكافرة مسلماً"؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51]، فقطع الموالاة بين المسلمين والكفار.
وحكى مجلي أن الشيخ أبا حامد حكى في "التعليق" وجهاً: أنه يجوز للمسلم تزويج الكافرة بالولاية الخاصة.
قال: إلا السيد في تزويج الأمة أي: المخالفة له في الدين بأن كانت مسلمة وهو كافر، أو كتابية، أو مجوسية، [وقلنا بجواز] نكاح الأمة الكتابية والمجوسية، وهو مسلم.
وهذا بناءً على أنَّه يزوج بالملك، أمَّا إذا قلنا بالولاية فلا.
وفي تزويج الكافر الأمةَ المسلمةَ وجه: أنه لا يجوز، وإن قلنا: تُزَوَّج بالملك، نقله في "التتمة"، وكذلك في تزويج المسلم الأمة المجوسية وجه: أنه

لا يجوز، وإن قلنا: يُزَوَّج الأمةَ الكتابية.
قال الإمام: وعللوه بأن السيد لا يستحل وطأها، ولا حاصل للتعليل بتحريمها عليه؛ فإن شيخي كان يقول: من ملك أخته من الرضاع أو النسب، ملك تزويجها وجهاً واحداً، وإن كان لا يستحل وطأها.
وهذا حسنٌ، وقد رأيت لبعض الأصحاب تشبثاً بمنع ذلك.
[قال]: وهذا لا يعتد به.
قال: والسلطان في نساء أهل الذمة أي: الذين لا مناسب لهم؛ لعموم ولايته، أمَّا إذا كان لهم مناسب فيزوج كل امرأة [وليها] إذا كان خاطبها ذمّيّاً بلا خلاف.
قاله في "التتمة"، وإن كان مسلماً، فالذي ذهب إليه الجمهور أن الحكم كذلك.
وقال الحليمي: يزوجها الحاكم منه، ولا يزوجها وليها الكافر إذا قلنا: إن الفاسق لا يلي، وقال ابن يونس: إنه أصح الوجهين.
فرع: إذا أراد المسلم نكاح ذميَّة، ولا ولي لها، ولا حاكم للمسلمين في ذلك الموضع- فلا يقبل نكاحها من قاضي الكفار، وحكى الإمام عن إشارة صاحب "التقريب" أنه يجوز قبول نكاحها من قاضيهم، والظاهر المنع.
ومن موانع الولاية: الإحرامُ، وهو مذكور في بابه.
قال: فإن خرج الولي عن أن يكون وليّاً- أي: بما ذكره- انتقلت الولاية إلى من بعده من الأولياء؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- بعث عمرو بن أمية الضَّمْري إلى الحبشة، فَزَوَّج له أم حبيبةَ بنت [أبي] سفيان، زوَّجها الوليد بن سعيد بن العاص، وكان ابن عمها؛ لأن أباها كان كافراً حيّاً.
قاله البغوي.

وإذا ثبت ذلك في الكفر قسنا عليه الباقي، وبالقياس على ما لو مات، فلو عاد إلى صفة الولاية عاد وليّاً، وحكى الحناطي وجهاً: أن الفسق ينقل الولاية إلى السلطان.
قال: وإن عضلها- أي: منعها- وقد دعت إلى كفءٍ [أي]: ولو بدون مهر المثل، أو غاب [عنها]، أي: سواء كانت الغيبة بعيدة أو قريبة- كما ذكر في المختصر- زوجها الحاكم؛ لأن التزويج حقٌّ عليه، فإذا امتنع من وفائه، أو غاب وفّاه الحاكم كما لو كان عليه دين [، وهل هذا التزويج من الحاكم بطريق الولاية أو النيابة؟ فيه خلاف حكاه الإمام، ولم يتعرض أحد من الأصحاب لذكر ثمرة هذا الخلاف فيما وقفت عليه، وقد تظهر ثمرته: عند العضل في أن المرأة لو كانت ببلدٍ، فاذنت لحاكمِ بلدٍ آخر في تزويجها، [والولي فيه]: فهل يجوز [له] ذلك؟ إن قلنا: إنه يزوج بالولاية، فلا يزوجها؛ كما لو لم يكن لها ولي [حاضر].
وإن قلنا: [إنه] يزوج بالنيابة، فسببها وفاء ما عليه من حقٍّ؛ كما لو كان عليه دينٌ فامتنع من وفائه أو غاب [عند العضل]، ووفاء الحقوق المتوجهة على الغائب، [أو الممتنعَ] من أدائها لا يختص بحاكم بلد [صاحب] الحق؛ فيشبه أني كون التزويج هنا كذلك.
وعند الغيبة في أن الولاية هل تنتقل إلى الأبعد إذا كان موجوداً؟ فإن قلنا: إنه إذا لم يكن لها إلا ولي واحد، إن الحاكم يزوج عند غيبته بطريق

الولاية، فإذا غاب وكان لها ولي أبعد منه انتقلت إليه- كما سنذكره- لأن ولاية الحاكم تكون بعد ولاية القريب.
وإن قلنا فيما إذا لم يكن إلا ولي واحد وغاب: إن الحاكم يزوج بالنيابة- فلا تنقل عند غيبة القريب إلى الأبعد [لو كان له] وكيل، والله أعلم.
وحكى في أصل المسألة عن القاضي أبي حامدٍ أنه يفرق في الغيبة بين الملوك وأكابر الناس فتعتبر مراجعتهم، وبين أوساط الناس والتجار فلا تعتبر.
وظاهر المذهب الأول.
قال: ولم تنتقل الولاية إلى من [بعده من الأولياء]؛ لأن ولايته باقية بدليل أنه لو زوجها حيث هو صحّ، ولو كان له وكيل لم ينعزل، وفيه وجه عن ابن سريج: أن الغيبة تنقل الولاية إلى الأبعد كالجنون، وعلى الأول يستحب للحاكم أن يحضر عصباتها ويستأذنهم، أو يرد العقد إليهم؛ ليخرج عن الخلاف.
فائدة: العاضل هل يفسّق؟ أطلق الأصحاب القول بالعصيان، وهو ما يقتضيه قول الشيخ حيث قال: "وإن كانت حرّة، ودعت إلى كفءٍ، وجب على الولي تزويجها"؛ إذ ترك الواجب يقتضي العصيان.
وقال الإمام: إن كان في الخِطَّة حاكم فلا إثم، وإلا فيعصي.
ثم على القول بالعصيان إذا عضل مرّةً واحدةً لا يفسق، وإنما يفسق [إذا عضل] مرات أقلها ثلاث، كذا حكى عن بعضهم، [على ما حكاه الرافعي عند الكلام في أن الفسق هل يسلب الولاية؟].
قال: "وقيل: إن كانت الغيبة إلى مسافة [لا] تقصر فيها الصلاة، لم يزوِّج حتى يُستأذن؛ لأنه كالحاضر".
قال الرافعي والنووي: وهو الأظهر، ويحكى عن نصّه في "الإملاء".
ولفظ "المختصر" محمول على بُعْد الغيبة وقربها دون المسافة.
هكذا ذكر العراقيون من أصحابنا الوجهين وآخرون، وفصّل مفصِّلون

فقالوا: إن كانت الغيبة إلى مسافةٍ تقصر فيها الصلاة فيزوجها السلطان، وإن كانت بحيث يتمكن المبكِّر [إليه] من الرجوع إلى [منزله] قبل مجيء الليل، فلابدّ من مراجعته قطعاً، وفيما بين ذلك وجهان.
ثم هذا كله إذا عُرِفَ مكانه، وأمكن الوصول إليه، فإن كان مفقوداً لا تعرف حياته ولا موته- فيزوجها السلطان؛ لأن [نكاحها] قد تعذر من جهته، فأشبه ما إذا عضل، وإذا انتهى الأمر إلى غايةٍ، فحكم فيها بالموت، وقسم ماله على ورثته- فلابدّ من نقل الولاية إلى الأبعد، فإن عرف مكانه، وتعذر الوصول إليه للفتنة والخوف في الطريق، ففي "الجيلي" عن "الحلية": أنه يجوز له التزويج بدون المراجعة في أصح الوجهين، وهذا يعضده ما حكيته عن الأصحاب في باب الوديعة: أن تعذُّرَ الوصول إلى مالك الوديعة بمثل هذا التسبب عند إرادة المودَع السفر بمنزلة ما لو كان مالك الوديعة مسافراً.
فرع: هل يجب على الحاكم طلب البينة بعدم حضور الولي، وخلوها عن النكاح والعدة، أم يستحب؟ فيه وجهان في "الجيلي": [الأصح منهما:] الأول، ويكون حكم ذلك حكم الشهادة في الإفلاس في جواز الشهادة على النفي، وكونه لا يسمع إلا من أهل الخبرة الباطنة [بذلك].
وهذا إذا كان الولي الغائب ممن يزوج بغير الإذن، أمَّا إذا كان لا يزوج إلا بالإذن، فقالت: ما أذنت، فللقاضي تحليفها على نفي الإذن، وفي الحالة الأولى [على] عدم التزويج في الغيبة إن رأى ذلك، كذا حكاه الإمام.
قال الغزالي: ومثل هذه اليمين التي لا تتعلق بدعوى، استحبابٌ أو إيجاب؟ فيه خلاف.
وعلى القول بعدم وجوب البيِّنة: [لو ألحت] في المطالبة، ورأى السلطان [التأخير، هل له ذلك]؟

[حكى الإمام] فيه وجهين عن الأصوليين، والله أعلم.
فرع آخر: إذا زوج الحاكم في حال غيبة الولي، ثم قدم الولي وقال: كنت زوجتها في الغيبة- قال أصحابنا: نكاح [الحاكم] مقدّم.
وهذا بخلاف ما لو غاب مالك العبد فباعه السلطان في وفاء دين الغائب، فعاد وادّعى أنه كان قد باعه في الغيبة؛ فإنّ الشافعي- رضي الله عنه- نصّ على أن بيع المالك أولى.
وقال الربيع: فيه قول: أن بيع السلطان أولى كالتزويج.
والفرق على الأول: أن السلطان في النكاح قائم مقام ولي آخر في غيبة الولي الأقرب.
ولو كان لها وليّان، فزوجها أحدهما في غيبة الآخر، ثم قدم وقال: كنت زوجتها قبل ذلك- لم يقبل إلا بيّنة، فكذلك هنا، بخلاف السلطان في البيع؛ فإنه نائبٌ عن المالك؛ فأشبه الوكيل مع الموكل، ولو أن الوكيل باع، وجاء الموكل، وقال: قد كنت بعت- القول قول الموكل مع يمينه، كذا حكاه ابن أبي الدم في كتابه الملقب بـ "أدب القضاء".
وفي "النهاية" في ضمن فرع بعد باب الإحصان، حكاية القولين في مسألة البيع، وحكاية أن أظهرهما: أنه لا يقبل قوله، [والخلاف] [يجري] فيما إذا

ادّعى أنه أعتقه أو حبسه، لكن الأظهر في دعوى العتق قبول قوله، على ما حكاه الرافعي في اللقطة.
تنبيه: العضل لا يحصل إلا إذا دعت البالغة العاقلة إلى تزويجها من كفءٍ [وامتنع]، ولابدّ من ثبوته عند الحاكم ليزوجها.
وفي "التهذيب": أنّه لا يتحقق حتى يمتنع بين يدي القاضي، وذلك بأن يحضر الخاطب، والمرأة، والولي، ويأمره الحاكم بالتزويج فيقول: لا أفعل، أو يسكت، فحينئذٍ يزوجها القاضي.
قال الرافعي: وهذا فيما إذا تيسّر إحضاره عند القاضي، فأمّا إذا [تعذّر بتعزُّز] أو توارٍ، وجب أن يكون الإثبات بالبينة كما في سائر الحقوق.
وفي "تعليق" الشيخ أبي حامدٍ ما يدلُّ عليه، ونقل- أيضاً- مثل هذا البحث في آخر كتاب "الإيلاء" عن فتاوى صاحب "التهذيب"، ثم قال عنه: ومحتمل أن يحكم بالعضل بشهادة الشهود مع إمكان الإحضار.
قال: "ويجوز للولي أن يوكل من يزوج"- أي: سواءً كان مجبِراً أو غير مجبِر، بإذنها وبدونه؛ لأنه حقٌّ إليه، فجاز له الاستنابة فيه، كتوكيل الزوج في قبول النكاح.
قال: وقيل: لا يجوز لغير الأب والجد- أي: المجبِر إلا بإذنها- لأنه متصرف بالإذن، فلا يوكل إلا بالإذن كالوكيل.
والمذهب الأول؛ لأنه متصرف بالولاية، فأشبه الوصي والقيم، وهما يتمكنان من التوكيل من غير إذنٍ.
أمَّا إذا كنا الأب غير مجبِرٍ فهو كغيره من الأولياء، وفي المجبِر وجهٌ: أنه لابدّ من إذنها أيضاً، فلو كانت صغيرة امتنع التوكيل بتزويجها.
ثم اعلم أن صورة الإذن في التوكيل أن تقول: أذنت لك في التزويج، وفي التوكيل في التزويج، فلو قالت: وكِّل بتزويجي ولا تزوجني بنفسك، قال الإمام: الذي ذهب إليه الأئمة: أنه لا يصح الإذن على هذا الوجه؛ لأنها منعت الولي، وردت التزويج إلى الوكيل الأجنبي؛ فأشبه التفويض إليه ابتداءً.

ولو قالت: وكّل بتزويجي، واقتصرت عليه، فله التوكيل، وهل يزوج بنفسه؟ فيه وجهان في "التهذيب".
ووجه الجواز: أنه يبعد منعه مما له التوكيل فيه.
ولا خلاف أنّها إذا نهت غير المجبِر عن التوكيل، لم يكن له التوكيل؛ لأنه إنما يُزوج بالإذن، ولم تأذن في تزويج الوكيل، قاله البغوي، رحمه الله.
فرع: على المذهب: لو وكّل الولي قبل إذن المرأة له في التزويج، هل يصح؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يصح، ووجه الصحة: أن له التزويج بشرط الإذن؛ فله تفويض ما له إلى غيره.
وعلى هذا فيستأذن الولي أو الوكيلُ للولي، ثم يزوج، ولا يجوز أن يستأذن الوكيل لنفسه.
قال: "ويجب أن يعين الزوج في التوكيل في أحد القولين" أي: إذا أطلقت الإذن للولي، أو كان الولي مجبِراً؛ لاختلاف الأغراض باختلاف الأزواج، وليس للوكيل شفقة داعية إلى حسن الاختيار.
قال: "ولا يجب في الآخر"، وهو الأصح [عند] النووي؛ لأنه يملك التعيين في التوكيل، فيملك الإطلاق كما في البيع وسائر التصرفات، وشفقته تدعوه إلى ألا يوكل إلا من يثق بنظره واختياره، وقد أجرى هذا الخلاف في إذن غير المُجْبَرة لوليها في التزويج، وقطع بعضهم بعدم اشتراطه؛ لأنه يصادف من يعتني بدفع العار عن النسب، والوكيل بخلافه.
قال الإمام: وظاهر كلام الأصحاب يقتضي طرد الخلاف، وإن رضيت المرأة بترك الكفاءة، لكن القياس تخصيص الخلاف بما إذا لم تَرْضَ، أمَّا إذا أسقطت الكفاءة، ولم تطلب الحظّ، فلا معنى لاعتبار التعيين، وأمَّا إذا كانت قد عينت الزوج لغير المجبِر، فليعينه الولي للوكيل، فإن لم يفعل، وزوج من غيره- لم يصح، وإن اتفق التزويج منه فالأظهر: أنه لا يصح أيضاً.
ثم اعلم أنَّا إذا جوّزنا التوكيل المطلق، فعلى الوكيل رعاية النظر في الأزواج، فلو زوج من غير كفءٍ، لم يصح على الأصح.
وقيل: يصح ولها الخيار، فإن كانت صغيرة، خُيِّرت عند البلوغ.

ولو خطب كفئان وأحدهما أشرف، فزوج من الآخر- لم يصح، وهذا بخلاف الولي كما حكيناه من قبل، ولو قالت: زوجني ممن شئت، فهل له تزويجها من غير كفءٍ؟ فيه وجهان.
فرع: إذا أراد الوكيل أن يزوج.
فيكفي أن يقول: زوجت بنت فلان منك، ولا يحتاج أن يصرح في العقد بالوكالة ولا الشهادة عليها، ولكن يشترط- على ما حكاه [المتولي]- علم الزوج بالوكالة.
قال: ولا يجوز أن يوكل- أي: من يزوج- إلا من يجوز أن يكون وليّاً؛ لأنه موجب للنكاح فأشبه الولي.
وفي "النهاية" في فصل التوكيل في الخلع: أنه يجوز أن يوكل الذمي في تزويج المسلمة من مسلم على المذهب الظاهر.
قال: وقيل: يجوز أن يوكل الفاسق- أي: وإن قلنا: إن الفاسق لا يلي- لأنه موكل من جهة الولي، والولي عدلٌ، وهذا ما ادعى الإمام في ضمن توكيل المرأة بالطلاق أنّه الرأي الأصح، وطرده في توكيل العبد، وبنى الجيلي الخلاف على وجوب تعيين الزوج في التوكيل، فإن قلنا: يجب، فيجوز أن يوكل الفاسق لدفع التهمة، وإلا فلا.
ومقتضى ذلك: أنه لو عين الزوج على القول بأنه لا يجب، يصح التوكيل؛ لأنه لا [يجوز] مع التعيين أن يزوج من غيره.
ولو وكّل وكيلاً في أن يوكِّل في التزويج، فيجوز أن يكون امرأةً، خلافاً للمزني على ما حكاه المتولي، ويجوز أن يكون مُحْرِماً على الأصح كما حكاه الرافعي.
وفي "التهذيب": أنه إذا وكل امرأة، إن قال: وكلي عن نفسك، لم يصح، وإن قال: [وكلي] عني، [أو أطلق]- فوجهان.
قال: "وليس للولي ولا للوكيل"-[أي]: إذا كان الولي ممن يحل له نكاحها: كابن العم، والمعتِق، والقاضي، والإمام الأعظم- أن يوجب النكاح لنفسه، أي: سواء أطلقت الإذن و [عينته] فيه؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "لَا نِكَاحَ إِلَّا

بِأَرْبَعَةٍ: خَاطِبٍ، وَوَلِيٍّ [مرشد]، وَشَاهِدَيْنِ"، ولأن خطاب الإنسان مع نفسه لا [ينتظم].
نعم، يزوجها منه [من في درجته، كما إذا كان هناك ابن عم آخر، وإن لم يكن في درجته غيره، زوجها منه] القاضي، وإذا كان الراغب القاضي زوجها منه مَنْ فوقه من الولاة، أو يخرج إلى قاضي بلد آخر ليزوجها منه، أو يستخلف خليفة إن كان له الاستخلاف، كذا قاله الغزالي.
وفي "الشامل" في جواز قبوله من خليفته وجهان، والمذهب منهما: أنه لا يجوز.
قال: وقيل: يجوز للسلطان أي: الإمام الأعظم ممن هو في ولايته؛ لأنه ليس فوقه من يزوجها منه، ولو فوض إلى غيره كان وكيلاً له؛ فكان إيجابه كإيجابه.
وفي القاضي أيضاً وجه بعيدٌ، ويقال: إنّ أبا يحيى البلخي ذهب إليه، وإِنَّه كان- حين كان قاضياً بـ "دمشق"- تزوج امرأة ولي أمرها من نفسه.
وفي ابن العم وجه ذكره الغزالي في كتاب "الوكالة": أنه يزوج من نفسه.

قال الرافعي: ويجيء مثله في المعتِق.
تنبيه: حيث يجوز لأحد هؤلاء التزويج من نفسه، فذاك إذا سمّته في إذنها، أمَّا إذا أطلقت الإذن وجوزناه ففيه وجهان حكاهما الحناطي.
فرع: لو أراد أحد هؤلاء أن يزوجها من ابنه الصغير، فهو كما لو أراد تزويجها من نفسه، ولو أراد أن يزوجها من ابنه البالغ عند إطلاق الإذن- إذا جوزناه- فهل يجوز؟ فيه وجهان، ومنهم من قطع بالجواز.
قال: "ولا يجوز لأحدٍ أن يتولى الإيجاب والقبول" [، أي:] لغيره كالولي [أو الوكيل] في الإيجاب إذا توكل عن الزوج في القبول، أو كان له ولاية التزويج عليه كالجد- أب الأب- في نكاح واحدٍ؛ لما تقدم.
قال: "وقيل: يجوز [للجد] أن يوجب [ويقبل] في تزويج بنت ابنه بابن ابنه"، أي: إذا كان له ولاية الإجبار عليهما؛ لأنه يتولى طرفي العقد بغير توليةٍ، فتولاه بنفسه كبيع [مال] ابنه من نفسه، وهذا هو الصحيح، واختاره ابن الحداد والقفال وابن الصباغ، والأول اختاره صاحب "التلخيص" وجماعة من المتأخرين.
فإن قلنا: يتولى الطرفين، فهل يحتاج إلى القبول لفظاً؟ فيه خلاف مرتب على الخلاف في البيع، وأولى باعتباره في النكاح؛ لما خصّ به من التعبدات، وإن قلنا: لا يتولاهما، فإن كانت بالغة فيزوجها السلطان بإذنها، ويقبل الجد النكاح، وإن كانت صغيرة، وجب الصبر إلى أن تبلغ، فتأذن، أو يبلغ الصغير فيقبل، كذلك حكاه الشيخ أبو علي وغيره، وفي الوكيل [من الجانبين] أيضاً وجه: أنه يصح.
فرعان: أحدهما: السيد إذا قلنا: له إجبار عبده الصغير، فأراد تزويجه من أمته- فهو كتولي الجد الطرفين.
الثاني: من منعناه من تولي الطرفين، لو وكل في أحد الطرفين، أو وكل شخصين بالطرفين حيث يسوغ التوكيل- فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأن المقصود رعاية التعبُّد في صورة العقد، وقد حصل.
وأصحهما: المنع؛ لأن فعل الوكيل فعلُ الموكِّل، وليس ذلك كتزويج القاضي

من القاضي عند من رآه، والقاضي من الإمام الأعظم؛ فإنهما يتصرفان بالولاية لا بالوكالة.
ومنهم من جوّز للجد التوكيل، ولم يجوزه لابن العم [ومن في معناه]؛ لأن الجد ولي تام الولاية من الطرفين، وابن العم ولي من طرف وخاطب من طرف.
قال: "ولا يزوج أحد من الأولياء المرأة من غير كفءٍ إلا برضاها ورِضَا سائر الأولياء"، أي: باقي الأولياء الذين لهم ولاية حال العقد؛ لما فيه من لحوق العار، فإن رضوا جاز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "انْكِحِي أُسَامَةَ" وهو مَوْلى.
وقيل: إن البكر لا يجوز تزويجها من غير كفءٍ وإن رضيت.
قال: وإن دعت إلى غير كفءٍ- لم يلزم الولي تزويجها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثَةٌ لَا تُؤَخَّرُ ... " وعدّ منها: "الْأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفْئاً"، وقوله: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَأَنْكِحُوهُ"، فأوجب التزويج عند وجود الكفاءة؛ فوجب ألا يجب

عند عدمها؛ عملاً بالأصل.
تنبيه: حيث قلنا: يجوز التزويج من غير كفءٍ، فذاك إذا كان الولي خاصّاً، أمَّا إذا كان [الولي] حاكماً فهل يجوز؟ فيه وجهان: اختيار الإمام والغزالي: الجواز؛ إذ لا حظ [للمسلمين] في طلب الكفاءة.
واختيار البغوي والمتولي: المنع؛ لأنه نائبٌ عن المسلمين، وتصرف النائب إنما يصح بشرط النظر، وليس في التزويج من غير الكفءِ نظرٌ.
قالا لمتولي: وأصل المسألة: أن السلطان هل يُجعل كالوارث المعين، حتى إذا [قُتِل] من لا وارث له [، له] العفو عن القصاص؟ وفيه خلاف سنذكره، فإن جعلناه كالوارث المعين صح، وإلا فلا.
فصل: والكفاءة في: النسب، والدين، والصنعة، والحرية؛ فلا تزوج عربيةٌ بأعجمي.
الكفء: المثل، والعجمي: كل من لم يكن [أبوه عربيّاً]، سواء فيه [جميع] الطوائف، [وإنما] لم يكن العجمي كفئاً للعربية؛ لمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "الْعَرَبُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهَا لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ"، واستدل بعضهم

على ذلك بمفهوم ما روى أنه- عليه السلام- قال: "الَعَرَبُ [أَكْفَاءٌ] بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَبِيلَةٌ لِقَبِيلَةٍ، وَحَيٌّ لِحَيٍّ، وَرَجُلٌ لِرَجُلٍ، إِلَّا حَائِك أَوْ حَجَّام".

وقال عبد الحق في "أحكامه الكبرى": إنه حديث منكر موضوع.
قال: "ولا قرشيّة بغير قرشي، ولا هاشميّة" [أي]: ولا مطَّلِبِيَّة بغير هاشميٍّ، و [من] في معناه كالمطلبي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللهَ اخْتَارَ الْعَرَبَ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ قُرَيْشاً، وَاخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ"، وقال- عليه السلام-: "نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ هَكَذَا" وشَبَّكَ بين أصابعه.
وقيل: قريش بعضهم لبعض أكفاء، كما أنهم يستوون في الأهلية للإمامة.
واعلم أن الاعتبار في النسب بالأب؛ فالذي أبوه أعجمي وأمه عربيّة ليس بكفءٍ للتي أبوها عربي وأمها أعجمية، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.

فرع: موالي قريش، قال مجلي: اختلف أصحابنا في أنهم: هل يكونون أكفاءً لقريش؟ على وجهين.
تنبيه: كما يعتبر النسب في العرب يعتبر في العجم أيضاً، وعن القفال والشيخ أبي عاصم: أنه لا يعتبر [النسب] في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب.
[قال]: "ولا عفيفة بفاجرٍ".
العفيفة هنا: المصونة عن الفواحش، والفاجر: مرتكبها، ومعناه: أن الفاسق ليس كفئاً للمرأة العَدْلِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ فَأَنْكِحُوهُ"، ولا اعتبار بالشهرة، بل الذي [لم] يشتهر بالصّلاح كفءٌ للمشهورة به، ومن هذا القبيل: [من أسلم بنفسه ليس بكفءٍ] لمن لها أبوان أو ثلاثة في الإسلام، كما جزم به [في "التهذيب".
وعن القاضي أبي الطيب وغيره رواية وجهٍ: أنه] كفء لها.
واختاره القاضي الروياني، ولم يَحْكِ في "الذخائر" سواه، وعلله بأن الولد لا يكون عند الاستقلال كافراً بكفر أجداده، بخلاف النسب.
وذكر بعض المتأخرين أنه لا ينظر إلا إلى إسلام الأب الأول والثاني؛ فمن له أبوان في الإسلام كفء للتي لها عشرة آباء في الإسلام؛ لأن الثالث لا يذكر في التعريف.
والظاهر الأول، وهو المحكي عن الشافعي، كما حكاه الغزالي؛ حيث قال: كيف كان [على كفءَ فاطمة] [وأبوه كافر] وأبوها سيد البشر؟! ولو يكفي النسب في الكفاءة فالناس كلهم أولاد آدم.
قال: "ولا حرّة بعبد"؛ لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75]، [أي: لا يستوون]، ولأنها تتعيَّر بكونها فراشاً للعبد، وكذلك عشيرتها، وتتضرر بأنه لا ينفق [عليها] إلا نفقة المعسرين؛ ولهذا أثبت لها الشرع الخيار إذا عتقت تحت عبد.

ومن مسَّه الرق ثم عتق ليس بكفء [للحرّة [الأصلية].
ومن مسَّ الرق [أحد آبائه، ووُلِدَ هو في زمان الحرية ليس بكفءٍ] للتي لم يمس الرق] أحداً من آبائها، وفيه وجه حكاه مجلي: أنه كفءٌ لها.
وكذلك من مس الرق أباً أقرب في نسبه ليس بكفءٍ للتي مسّ الرق أباً أبعد في نسبها.
ومن بعضها حرٌّ، هل يكون العبد كفئاً لها؟ فيه وجهان، أصحهما- على ما حكاه مجلي-: لا.
وجريان الرق في الأمهات، قال الرافعي: يشبه أن يكون- أيضاً- مؤثراً؛ ولذلك تعلق به الولاء، والله أعلم.
قال: "ولا بنت تاجر أو تانئٍ بحائك أو حجام".
التانئ، قيل: هو الدِّهقان.
وقيل: هو رئيس البلد وساكنه، قاله الجيلي.
وقال النووي: إنه صاحب العقار، وهو مهموز، وهو مأخوذ-[على ما قاله ابن فارس والجوهري- من]: تنأت [بالبلد]، بالهمز: إذا قطنته [قاله ابن فارس والجوهري].
قال الجوهري: [وجمع] "التانئ": تُنّاء؛ [كفاجرٍ وفُجَّار]، والاسم منه: التناءة.
قال النووي: وقد وقع في نسخ التنبيه: [بنت] تاجر أو تانٍ- بالنون المنونة- كقاضٍ، وهو لحن بلا خلاف، وصوابه: [تانئ]، بالهمز، ويكتب بالياء.
وإنما لم يكن الحائك والحجام كفئاً لبنت التاجر والتانئ؛ لأنهما يُسْتَرْذلان عرفاً بالنسبة إليهما.

والكناس [والحجام] وقيِّم الحمام والحارس والراعي لا يكافئون ابنة الخياط، والخياط لا يكافئ ابنة التاجر والبزاز، والمحترفُ [لا يكافئ] ابنةَ القاضي والعالم.
وذكر في "الحلية": أنه تراعى العادة في الحرف والصناعات؛ لأن في بعض البلاد التجارة أولى من الزراعة، وفي بعضها الأمر بالعكس.
قال الرافعي: واعلم أن الحرف الدنيّة في الآباء، والاشتهار بالفسق مما يتعيَّر به الولد؛ فيشبه أن يون حال الذي كان أبوه صاحب حرفة دنيَّة أو مشهوراً بالفسق مع التي أبوها عدل، كما ذكرنا في حق من أسلم بنفسه مع التي أبوها مسلم، والحق: أن يجعل النظر في حال الآباء ديناً وسيرةً وحرفة من حيز النسب؛ لأن مفاخر الآباء في حالهم [هي] التي يدور عليها أمر [الكفاءة].
هذا هو المشهور، ووراءه أمور أُخر: أحدها: حكى ابن الصباغ عن البويطي قولاً [أن] الكفاءة في الدين وحده، وليس بشيء؛ لما ذكرناه.
والثاني: اليسار، [وهل هو] من خصال الكفاءة؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار الفقر.
والثاني: نعم؛ لأنه إذا كان معسراً لم ينفق على الولد، وينفق [على الزوجة] نفقة المعسرين؛ فتتضرر به، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أن المعتبر اليسار بقدر النفقة والمهر؛ فإذا أيسر بهما فهو كفء لصاحب الألوف.

وأظهرها: أنه لا يكفي ذلك، ولكن الناس أصناف: غني، وفقير، ومتوسط، وكل صنف أكفاءٌ وإن اختلفت المراتب.
وقيل: [إن اليسار يعتبر] في أهل الأمصار وجهاً واحداً، وأمَّا أهل البوادي والقرى ففيهم الوجهان، حكاه مجلي.
الثالث: الشيخ هل يكون كفئاً للشابة؟ ذكر القاضي الروياني أنه لا يكون كفئاً على المختار من الوجهين، وذكر أيضاً أن الجاهل لا يكون كفئاً للعالمة، وفي "الحلية" ترجيح القول بأن الشيخ كفء للشابة.
الرابع: التنقِّي من العيوب، عدّه الجمهور من خصال الكفاءة، وقد حصر البغوي العيوب في أربعة: الجنون، والجذام، والبرص، [والجب، أو العُنَّة].
وصاحب "التتمة" وابن يونس قالا: العيب الذي يعتبر التنقي منه هو الجنون، وكذلك الجذام والبرص على أحد الوجهين.
وقيّده الرافعي بالعيوب المثبتة للخيار، ثم قال: واستثنى صاحب التهذيب" من العيوب: العنة، وقال: إنها لا تتحقق؛ فلا نظر إليها في الكفاءة.
وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد وغيره التسوية بين العنة وغيرها صريحاً، وإطلاق الأكثرين يوافقه، ثم قال: وزاد القاضي على العيوب المثبتة للخيار، فقال: والعيوب التي تنفر النفس عنها: كالعمى، والقطع، وتشوُّه الصورة- تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بعض أصحابنا، واختاره الصيمري.
هذا آخر كلامه.
واعلم أن ما قالوه غير مُجْرىً على ظاهره؛ لما تقرر أن الكفاءة حقٌّ للمرأة، وحقٌّ للأولياء، ولما سنوضحه، بل الوجه أن يقال: إن كانت الكفاءة مطلوبة رعاية [لحق] المرأة؛ بأن تكون مُجْبَرة، وأراد الولي تزويجها، أو أطلقت الإذن لغير المجبِر، وجوزناه- فالمعتبر: التنقِّي من كل عيب يثبت [لها] الخيار من جنون، أو جذام، أوب رص، [أو جب] أو عُنة، وغير ذلك من العيوب إن أثبتنا لها به

الخيار، وعليه يحمل قول البغوي والرافعي.
وإن كانت مطلوبةً رعاية لحق الأولياء؛ بأن تكون المرأة طالبةً للتزويج، راضية بالزوج المعيب، وامتنع الأولياء أو بعضهم- فالمعتبر: التنقي من كل عيب يثبت لهم الخيار، وهو عند العراقيين: الجنون- بلا خلاف- وكذلك الجذام والبرص على أحد الوجهين، لا الجب والعنة وغيرهما.
وألحق الشيخ أبو حامدٍ الجذام بالجنون، وعلى ذلك يحمل ما قاله المتولي وابن يونس، وكلام الغزالي وافٍ بالمقصود في الطرفين؛ لأنه قال: العيوب المثبتة للخيار.
ومراده من ذلك: إن كانت الكفاءة لحق المرأة فالعيوب التي تثبت الخيار لها، وإن كانت [مطلوبة] لحق الأولياء فالعيوب المثبتة لهم الخيار.
وقد ذكر الشيخ هذا الشرط في باب الخيار في النكاح، وله مناسبة ثّمَّ؛ لأنه [لما] اشتمل على أمر زائدٍ أفرده بالذكر في موضع الزيادة.
ووجه الزيادة: أن الأصحاب أطبقوا على أن المرأة لو أذنت لوليها في أن يزوجها من معين فزوجها منه، ثم ظهر أنه غير كفء، فلا خيار لهما، ولو خرج مَعِيباً ثبت الخيار، وقد حكى ذلك الإمام قبل باب الأمة تعتق وزوجها مملوك.
فائدة: [هذه] الخصال [هل] ينجبر بعضها ببعضٍ؟ قضية كلام الأكثرين: المنع، وقد صرح به صاحب "التهذيب" و"التتمة"، وأبو الفرج السرخسي، حتى لا تزوج سليمة من العيوب دنيِّة من معيب [شريف]، ولا حرةٌ فاسقة من عبدٍ عفيف، [ولا عربية فاسقة من عجمي عفيف]، ولا رقيقة عفيفة من فاسق حرٍّ، وتبقى صفة [النقص] مانعة من الكفاءة.
وفصل الإمام فقال: السّلامة عن العيوب لا تقابل بسائر فضائل الزوج؛ ولذلك

ثبت بها حقُّ الفسخ، وإن كانت في المعيب فضائل جمة، وكذا الحرية لا تقابل بفضيلة أخرى، وكذا النسب.
نعم، العفة الظاهرة في الزوج هل تَجْبُرُ دناءة [نسبه]؟ فيه وجهان.
أظهرهما: المنع، وبَقْىُ الحرفة الدنيّة يعارضه الصلاح وفاقاً، واليسار [إن] اعتبرناه يعارض بكل خصلةٍ من خصال الكفاءة.
قال: فإن زوجها من غير كفء، أي: الأب أو الجد إذا كان مجبِراً، [أو غيرُ] المُجْبِر إذا أذنت له من غير تعيين الزوج، وجوزناه.
قال: بغير رضاها، أي: بترك الكفاءة، أو بغير رضا بقية الأولياء- أي: برضاها- فالنكاح باطلٌ.
أمَّا إذا [كانت مجبَرة]؛ فلأنه تصرف على خلاف الغِبطة، وإذا لم يصح التصرف في المال على خلاف الغبطة، فالتصرف في البُضع أولى.
وأمَّا إذا كانت غير مجبَرة؛ فلأنه عقد في حق الغير بغير إذنه فلم يصح كبيع مال الغير [بغير] بإذنه.
قال: وقيل: فيه قولان: أحدهما: [أنَّ النكاح] باطل؛ لما ذكرناه.
والثاني: أنه صحيح، ويثبت ولها الخيار، أي: في المسألة الأولى، [وللأولياء] في الثانية؛ لأن النقصان يقتضي الخيار لا البطلان؛ كما لو اشترى معيباً.
وروى القاضي ابن كجٍّ طريقة ً أخرى فيما إذا كانت مجبرةً، وهي تنزيل القولين على حالين: إن علم الولي عدم الكفاءة فالنكاح باطل، وإلا فصحيح.
فرع: لو كانت صغيرة عند العقد تخيرت إذا بلغت، وحكى الإمام وجهاً: أنها لا تتخير، وعليها أن ترضى بعقد الأب، وهل للولي الخيار [في صغرها]؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كما لو اشترى للصغير معيباً.
والثاني: لا؛ لأنه يتعلق بالشهوة والطبع، فلا تجري فيه النيابة.

وهذا الخلاف مخصوص بما إذا جهل الولي حال الزوج، فإن علم فلا خيار له.
كذا قاله الحناطي وصاحب "التهذيب" والإمام، وطرده القاضي ابن كجٍّ وآخرون في حالتي الجهل والعلم، وقالوا: إنه ليس عاقداً لنفسه حتى يلزم حكم علمه.
وذكر مجلي عند العراقيين القولين في أن الولي هل يختار في حال الصغر أم لا؟ أحدهما: أنّ له ذلك، ولم يفرقوا بين العلم والجهل.
والثاني: التفرقة بين حالتي العلم والجهل؛ فيثبت في حال الجهل دون حال العلم.
قال: ولا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين، أي: مكلفين ذكرين، حرين [عدلين] مسلمين، أي: وإن كانت الزوجة ذميّة، عدلين، أي: في الظاهر، ويكونان ممن تقبل شهادتهما لكل واحدٍ من الزوجين وعليه.
وإنما اعتبرنا حضور الشاهدين؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "لا نِكَاحَ إِلا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ"، والمعنى فيه: الاحتياط للأبضاع، وصيانة للنكاح عن الجحود، ولأن القصد من النكاح الاستمتاع وطلب النسل؛ فشرع فيه الإشهاد وجوباً؛ لحفظ النسب وزوال التهمة.
وإنما اعتبرنا الذكورة؛ لظاهر الخبر؛ لأن لفظ "الشاهدين" يقع على ذكرين، وعلى ذكر وأنثى، والثاني غير مراد؛ لأن الخصم يوافق عليه؛ فتعين الأول.
ولأنه ليس بمال، ولا المقصود منه المال، ويطلع عليه الرجال؛ فلا يستقل به النساء، ولا يستتبع الرجال فيه النساء؛ قياساً على القصاص.
وإنما اعتبرنا الحرية [والتكليف] والإسلام؛ لأن المقصود بحضور الشاهدين لا يحصل بدون ذلك.
وإنما اعتبرنا العدالة، وهي ترك الفسق؛ لظاهر الخبر، ولأن النكاح لا يثبت بشهادة الفاسقَيْنِ؛ [فلا ينعقد بحضورهما كالعبدين.
ونقل الجيلي قولاً: [أنه ينعقد بشهادة الفاسقين].
فإن قيل: ما الفرق بين تحمل الشهادة في النكاح وبين سائر التحملات؛ حيث لا تعتبر فيها الصفة المعتبرة حال أداء الشهادة؟

فالجواب: أن سائر التحملات ليست بواجبة، بخلاف التحمل هنا؛ فإنه واجبٌ، فأشبه حالة الأداء في غيره.
ويشترط في كل من الشاهدين: أن يكون سميعاً ولو كان بعد مشقةً.
وفي الأصم وجه: أنه ينعقد بحضوره، حكاه الجيلي.
وهل يشترط أن يكون ناطقاً وبصيراً، وغير ملابسٍ لحرفة دنيَّة كالصّبّاغ والصائغ وغيره؟ فيه وجهان، والأصح في الأعمى: عدم الانعقاد [وعليه ينطبق قول الشيخ، فإن كان عقداً أو إقراراً فلابد من مشاهدة العاقد]، وقيل في "التتمة": الخلاف في الأخرس بما إذا كانت [له إشارة] مفهمة، وقلنا: لا تقبل [شهادته].
وهل ينعقد بحضور ابني الزوجين أو أحدهما؟ فيه أربعة أوجه: أحدها: ينعقد؛ لأنهما من أهل الشهادة في النكاح على الجملة.
والثاني: لا يصح؛ إذ لا يحصل المقصود منهما من إثبات النكاح عند التناكر.
والثالث: إن كانا ابني أحدهما صحّ؛ لأن إثباته ممكن من الجانب [الآخر، وإن كان] أحدهما للزوج، والآخر للزوجة، [أو كانا ابنيهما]- لم يصح؛ لأنه لا يمكن إثباته من كل جانب.
والرابع: إن كانا ابني الزوج لم يصح؛ لأنه لا يقدر على إثبات النكاح بشهادتهما عند إنكارها، وإن كانا ابني الزوجة صح؛ لأن الزوج يقدر على الإثبات بشهادتهما عند إنكارها، والمرأة لا تحتاج إلى الشهادة؛ لإثبات الحِلِّ؛ فإنه يندفع بإنكار الزوج، ثم إن احتاجت إلى إثبات المهر والنفقة، فالمقصود الأصلي من النكاح الحِلُّ، والشهادة شرط لإثباته.
والوجه الأول والثالث حكاهما العراقيون لا غير، ولا خلاف بين الأصحاب أنه لو حضر أربعة: [ابنان للزوج، وابنان للزوجة] صح.

ويجري الخلاف فيما لو حضر الزوج وجد الزوجة، [أو أبوه] وجدها.
ولو حضر أخو المرأة والمزوِّج أخ ثالث، فهل يصح النكاح؟ فيه جوابان حكاهما الرافعي عن "فتاوى" الفراء قبل كتاب الصداق، ووجه المنع: أن الشرع جعل المباشر نائباً عن الباقين فيما توجه عليهم.
ويعتبر- أيضاً- أن يكون الشاهد خالصاً من العداوة بينه وبين الزوجين، والتفصيل في العداوة كالتفصيل في البنوة حرفاً بحرفٍ، ومنهم من قطع بالانعقاد؛ لأن العداوة قد تزول.
فرع: العجمي الذي لا يعرف لسان المتعاقدين، إذا كان لا يضبط اللفظ لا ينعقد بحضوره، وكذلك المُغَفَّل، وإن كنا العجمي يضبطه فوجهان.
ولو كان الشاهد يحفظ ثم ينسى عن قريب انعقد بحضوره.
قال: فإن عقد بشهادة مجهولين- أي: جهل حالهما في الفسق والعدالة الباطنة دون العدالة الظاهرة- جاز على المنصوص، وهو الصحيح من المذهب، ولم يحك ابن الصباغ سواه، وادعى البغوي فيه الوفاء؛ لأن النكاح يجري فيما بين أوساط الناس والعوام، ولو كلفوا بمعرفة العدالة الباطنة لطال الأمر وشقّ.
وقيل: لا يجوز؛ لظاهر الخبر، ولأن الفسق يؤثر، والعدالة شرط في صحة النكاح؛ فالجهل به يقتضي التوقف كالإثبات عند الحاكم، وكذلك الخلاف جارٍ فيمن جُهلت حريته أو رقه، لكن على العكس من ذلك.
هذا قول الجمهور.
[وحكى] المتولي عن القاضي الحسين: أنه كان يقول: مثل هذين المستورين لا ينعقد النكاح بشهادتهما؛ إذ ليس الأصل اجتماع الشرائط، بل الأصل عدمها، ولكن صورة المستورين أن يكون قد عُرفت عدالتهما مرة وخُبِرَ حالهما، ومضى على ذلك مدة، ولا يعلم هل هما على ما كانا عليه، أو قد تغير حالهما، فالعقد ينعقد بشهادتهما؛ لأن الأصل بقاؤهما على العدالة.
فروع: لو أراد الحاكم أن يزوج امرأة، قال الرافعي: من أصحابنا من قال: ليس له أن

يعقد إلا بشهادة شاهدين باطنهما العدالة؛ لأن الحاكم من أهل الاجتهاد؛ فلا يشق عليه البحث عن العدالة الباطنة.
وفي "التتمة": أن الصحيح انعقاد العقد بشهادة المستورين؛ لأن الحاكم فيما طريقه المعاملة مثل غيره: لو بان أنهما كانا فاسقين عند العقد ببينة، أو بإقرار الزوجين- حكم ببطلان النكاح، كما لو بانا أنهما [كانا] رقيقين، أو كافرين.
وقيل: على قولين، ووجه الصحة: الاكتفاء بالستر يومئذٍ، والأصح: البطلان، ولو اعترف الشاهدان بالفسق، وأنكره الزوجان، فلا [تأثير لإقرارهما].
لو أخبر عدل واحد عن فسق المستور، فهل يزيل إخباره الستر حتى لا ينعقد النكاح بحضوره؟ وإن زال فيُنْحَى بإخباره نحو الرواية، أو نقول: هو شهادة فلا نعتبر إلا قول من تحرَّج عند القاضي؟ تردد في ذلك الإمام.
قال: ولا يصح إلا على زوجين معينين؛ لأن أعيانهما مقصودة بالنكاح، فوجب تعيينهما؛ كالثمن والمثمَّن في البيع.
والتعيين في الزوجة: تارة يكون بالإشارة: كهذه، وهي مسفرة عن وجهها.
وتارة بذكر النسب فقط: [كبنتي]، ولا ابنة له سواها.
وتارة بالاسم والنسب: كفاطمة بنت زيدٍ، ويرفع في نسبها، [أو: ابنتي].
وتارة بالنسبة والصفة: كابنتي الصغرى، أو: الكبرى، أو: الوسطى، إن كنّ ثلاثاً.
وتارة بالنسبة والنية؛ كما حكاه العراقيون وصاحب "التهذيب": كابنتي، وله بنتان فأكثر، مع نيتهما واحدةً بعينها.
واعترض الشيخ مجلي على ذلك، فقال: النكاح عقد يفتقر إلى الشهادة، ولا مُطَّلَع للشهود على النية؛ [ولذلك] حكمنا بأن النكاح لا ينعقد بالكناية مع النية.
أمَّا لو قال: زوجتك هذه، واقتصر عليه، وهي منقبة- قال في "التتمة": لا يصح

العقد؛ لأنها مجهولة؛ كما لا يتحمل الشهادة عليها إلا بعد مشاهدتها، أو معرفته لاسمها ونسبها.
وقال في "الشامل": يصح، لكنه لم يفرض الصورة فيما إذا كانت منقبة، بل أطلق [الصورة]، وهكذا الرافعي، ثم قال: وفي معناه ما إذا كانت في الدار، فقال: زوجتك [التي في الدار، وليس فيها غيرها.
ولو كانت له ابنة اسمها فاطمة، ولا ابنة له سواها، فقال: زوجتك] فاطمة- لم يصح إلا أن ينوياها، واعترض ابن الصباغ على ذلك بمثل ما اعترض به مجلي [من قبل.
قال مجلي]: وهذا إنما يتجه فيما ذكرناه؛ لأن اللفظ مجمل، أمَّا في هذه المسألة فلا إجمال مع التسمية، وقد قصد من له العقد عليها.
ولو قال قائلٌ: لا يفتقر إلى القصد من جهتها، لكان محتملاً؛ إذ القرينة تحمل العقد عند الإطلاق على من يصح العقد عليها وهي ابنته؛ فإن العادة أن الإنسان لا يتصرف إلا في محل [يملك التصرف] فيه.
قلت: ويؤيده ما إذا قال: زينب طالق، وكان اسم زوجته زينب؛ فإنه ينصرف الطلاق إليها على المذهب.
ولو قال: زوجتك ابنتي فلانة- وسمّاها [بغير اسمها]- فالأصح الصحة؛ لأن البنتيَّة صفة لازمة.
حكاه المتولي والبغوي، وهذا الخلاف مبني على الخلاف فيما إذا قال: بعتك هذا الفرس، وإذا هو بغل.
قال مجلي: والبناء لا يصح؛ لأن الأوصاف في البيوع مقصودة؛ ولهذا تختلف الأيمان بها فهي المقصودة بالبيع، [ويثبت] بالحلف فيها الخيار للمشتري، والنكاح بخلافه.
ولو قال: زوجتك هذه فلانة- وسمَّاها بغير اسمها- فالأصح في "التتمة": الصحة، والمحكي في "الإبانة" عن المذهب خلافه، وهو الذي جزم به في "التهذيب" و"الشامل".

وفي "المهذب" جزم بالصحة فيما إذا قال: زوجتك هذه فلانة.
ولو قال: زوجتك هذا الغلام، وأشار إلى ابنته- حكى القاضي الروياني عن الأصحاب: أنه يصح النكاح؛ تعويلاً على الإشارة.
والتعيين في [الزوج] أن يشافهه، أو يقول: زوجت هذا- إن كان حاضراً- أو يسميه ويرفع في نسبه إن كان غائباً.
قال: "والمستحب أن يخطُب قبل العقد" [أي: عند الخِطبة]؛ لما روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ كَلَامٍ لَمْ يُبْدَا فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَجْذَمُ"، ويستحب أن يأتي بالخطبة التي رواها ابن مسعود عن

النبي صلى الله عليه وسلم وهي:

"الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب: 70] إلى قوله: ﴿فَوْزاً عَظِيماً﴾ " [الأحزاب: 73]، هكذا قال ابن الصباغ والمتولي عن ابن مسعود، ثم قالا: ويستحب أن يقول في آخرها: والنكاح مما أمر الله به، وندب إليه.
ويقرأ ما يناسب ذلك من الآيات، ويذكر ما في ذلك من الأخبار، ويستحب أيضاً أن يخطب خطبةً ثانية عند عقد النكاح، فيقول الولي: بسم الله، والحمد لله، وصلى الله على رسول الله، أوصيكم بتقوى الله: زوجتك فلانة، [ويقول] الزوج: قبلت هذا النكاح.
أو يخطب الزوج ابتداءً، ثم يقول: تزوجت منك فلانة، فيقول الولي: زوجتك.
ولو خطب الزوج والولي فهل يصح النكاح؟ فيه وجهان، أصحهما الصحة؛ لأنها من مقدمات القبول، فلا تقطع الموالاة بين الإيجاب [والقبول] كالإقامة بين صلاتي الجَمْع.
قال [الإمام]: وهذا تكلف عندنا؛ فإنه لو تخلل بين صلاتي الجمع بمقدار الإقامة- ما لم يكن لمصلحة الصلاة- لم يضر أصلاً، [وموضع]

الوجهين ما إذا لم يَطُلِ الذكر بينهما، فإن طال قطعنا ببطلان العقد، قاله الإمام والبغوي والمتولي.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقال: إذا كان الذكر مقدمة القبول وجب ألَّا تضر إطالته؛ لأنها لا تشعر بالإعراض.
قال: وأن يقول قبل العقد: أزوجك على ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، روى ذلك عن [ابن] عمر، رضي الله عنهما.
ومعناه: أن كل زوج مؤاخذ في أدب الدين بأن يمسك حليلته بمعروف أو [يسرِّح] بإحسان، وإنما استحب ذلك قبل العقد؛ حتى لا يقع شرطاً في العقد، ولو قيد الولي كلامه بذلك فقال: زوجتكها على أن تمسكها بمعروف أو تسرحها بإحسان، فقبل الزوج النكاح مطلقاً، أو صرح بالتزام ما شرط عليه- قال الإمام: فلأصحابنا وجهان في صحة النكاح، والذي أراه أنهما إن أجرياه شرطاً مُلتزَماً فالوجه البطلان، وإن قصدا الوعظ دون الالتزام لم يضر، وإن أطلقا احتمل أن يحمل على الشرط، و [إن] احتمل أن يحمل على [الوعد].
قال: ولا يصح إلا بلفظ "التزويج" أو "الإنكاح"؛ لقوله- صلى الله عليه وسلم- في خطبة الحج: "اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاستَحْلَلْتُمْ فُزُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ"، وليس في القرآن والسنة كلمة مستعملة في العقد إلا هاتين الكلمتين.
ولأن من شرط صحته الإشهاد، والشهود لا مُطَّلَعَ لهم على أكثر من الألفاظ الصادرة من المتعاقدين، وغير هذين اللفظين لا يشعر بمقصودهما بمجرده، وانضمام النية إلى اللفظ لا يطلع الشهود عليها؛ فلم يصح.
ولأنه لفظ ينعقد به غير النكاح؛ فلا ينعقد به النكاح؛ كلفظ الإباحة والتحليل.

ولأن النكاح ينزع إلى العبادات؛ لورود الندب فيه، والأذكار في العبادات تتلقى من الشرع، والوارد من الشرع هذان اللفظان، ولا يشترط توافق اللفظين حتى لو قال: زوجتك فقال الزوج: قبلت نكاحها- صح العقد.
ولو قال: أنكحتك، فقال: رضيت نكاحها- حكى الوزير ابن هبيرة أنه يصح.
ولم أره لغيره.
فرع: نكاح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هل كان ينعقد بلفظ الهبة؟ فيه وجهان محكيان في "الشامل": أحدهما: لا ينعقد كنكاح غيره.
والثاني: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: 50] إلى قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 50].
وفي هذا دليل على الخصم في كونه يُجَوِّز النكاح بلفظ الهبة لغيره، عليه السلام.
والقائل الأول حمل الهبة في الآية على هبة المهر.
وعلى هذا فقد اختلف الأصحاب في كيفية العقد على وجهين في "البحر": أصحهما: [أن تقول: وهبت نفسي،] فيقول- صلى الله عليه وسلم-: اتهبت، أو: قبلت.

والثاني: لابد في جانبه من لفظ النكاح.
وعلى الوجهين لا مهر.
تنبيه: قول الشيخ: إلا بلفظ "الإنكاح" أو "التزويج"، يعرفك أنه لا ينعقد بكتابة ذلك، وقد حكى الهروي فيه وجهين في حق النائب، وقطع بالمنع فيما إذا كانا حاضرين.
وفي "الوسيط" في كتاب الطلاق حكاية الخلاف فيه.
ويشترط على قول الصحة: أن يقبل الزوج في مجلس بلوغ الخبر.
قال الغزالي: أو يكتب على الفور، [وأن يقع] القبول بمحضر شاهدي الإيجاب، فلو حضر غيرهما فوجهان، [وأنه] لو كان الزوج غائباً، فخاطبه الولي [بالنكاح] بلسانه، فقال: زوجتك ابنتي فبلغه الخبر، فقال: قبلت نكاحها- أنه يصح؛ لوجود لفظ "التزويج".
وفي "التهذيب" حكاية وجهين فيه، وان الأصح عدم الصحة.
قال الرافعي: وقد يستبعد خطاب الغائب بقوله: زوجتك ابنتي؛ لأن مكالمة الغائب بخطاب الحاضر ضربُ سَفَهٍ، وبهذا يُعْتَذَرُ عن الشيخ لمن ادعى تناول كلام الشيخ لهذه الصورة، والله أعلم.
قال: "فإن قال: زوجتك [أو أنكحتك]، فقال: قبلت- ولم يقل: نكاحها، ولا: تزويجها- فقد قيل: يصح"، وهو المحكي في "الإملاء"؛ لأن الخطاب يصير معاداً في كلامه، فانعقد به كما في البيع وسائر العقود؛ بجامع ما اشتركا فيه من افتقار كل منهما إلى إيجاب وقبول.
قال: وقيل: لا يصح، وهو الأصح والمنصوص في "الأم"، وظاهر كلامه في "المختصر"؛ لأنه لم يوجد منه التصريح بواحدٍ من لفظي النكاح والتزويج فلم ينعقد؛ كما لو قال رجلٌ للولي: زوجتها من هذا، فقل: نعم.
ويخالف البيع؛ فإنه يراعى فيه اللفظ الصريح؛ لأن الشهادة على التحمل فيه شرط، وما يقدَّر من كون الخطاب معاداً في الجواب فكأنه كناية، والنكاح لا ينعقد بالكنايات.

ولو قال: قبلت النكاح، ولم يضف "النكاح" إليها، أو قال: قبلتها، ولم يذكر النكاح- ففيه خلاف مرتبٌ على الخلاف في المسألة قبلها، وها هنا أولى بالصحة؛ للتصريح بالنكاح في الصورة الأولى، والإضافة إلى المنكوحة في الثانية.
وأجرى مُجرون الخلاف فيما إذا قال: [زوجني، أو: أنكحني، فقال الولي: قد فعلت ذلك، أو: نعم، وفيما إذا قال] الولي: زوجتكها، أو: أنكحتها أفقبلت؟ قال: نعم، وكذا لو قال: نعم، من غير قول الولي: أفقبلت؟ ومنهم من قطع بالمنع.
وفي نظائر هذه الصور من البيع ينعقد على الأصح كما حكيناه ثَمَّ.
ولو قال الزوج: زوجت نفسي من بنتك، فقال الولي: قبلت النكاح [أو قال: أبو الطفل: زوجت ابني من بنتك، فقال الولي: قبلت النكاح]- فهل ينعقد؟ قال في "التتمة": ذلك ينبني على أن الزوج في النكاح: هل [هو] معقود عليه أم لا؟ وفيه طريقان: فإن قلنا: إنه غير معقود عليه، فالعقد باطل، وإن قلنا: إنه معقود عليه، فعن الشيخ [أبي] سهل الأبيوردي: أن العقد صحيح، وساعده عليه الشيخ أبو عاصم.
وذكر القاضي الحسين: أن العقد لا يصح.
ويشترط في الصور كلها: أن يصر العاقد على الإيجاب حتى [يوجد] القبول؛ فلو رجع قبله لغا.
وكذا لو أوجب، ثم زال عقله بجنون [أو إغماء- لغا]، وامتنع القبول.
وأن يقع القبول عقيب الإيجاب على وجه الجزم؛ فلو كان هازلاً أو الموجبَ ففي انعقاده خلاف، والراجح عند الغزالي: عدم الانعقاد، وإن كان الحديث يقتضي إلحاقه بالطلاق، وطلاقه واقع.
ولو تخلل بينهما [كلام كثير]، أو سكوت طويل بحيث يعد القائل مُعْرِضاً عن الإيجاب- لم يصح.
وحكى القاضي أبو سعد الهروي: أن العراقيين من أصحابنا اكتفوا بوقوع

القبول في مجلس الإيجاب، وقالوا: حكم نهاية المجلس [حكم] بدايته، كذا حكاه الرافعي.
فإن كان السكوت [يسيراً] بحيث لا يعد معرضاً عن الإيجاب، لم [يضر].
وإن كان الكلام يسيراً أجنبيّاً عن العقد، فهل يمنع ذلك صحة العقد؟ فيه وجهان منقولان في "النهاية" عند الكلام في الخطبة.
وقال الرافعي عند الكلام في الاستثناء [في الطلاق]: إن الأصح أنه لا يقطع الاتصال.
قال: فإن عقد بالعجمية- أي: بلفظ ليس بعربيٍّ- وأتى بالمعنى الخاص من التزويج أو الإنكاح- لم يصح؛ لأنه [ترك] اللفظ المشروع مع القدرة عليه؛ فصار كما لو عدل إلى لفظ "التمليك" [أو "الإباحة"].
قال: وإن لم يحسن صحّ على ظاهر المذهب؛ لأنه لفظٌ لا إعجاز فيه، فصح بالعجميّة عند العجز كتكبيرة الإحرام.
قال: "وقيل لا يصح"، وهذا قول أبي سعيد الإصطخري؛ لأن ما كانت العربية شرطاً فيه عند القدرة لا يصح بغيرها عند العجز كالقراءة، فعلى هذا: يصبر إلى أن يتعلم، أو يوكِّل.
هذه طريقة الشيخ أبي حامدٍ وآخرين، وهي التي نقلها الإمام عن العراقيين.
وطريقة القاضي أبي الطيب المنقولة عن ابن أبي هريرة: أنه إن كان [لا] يحسن العربية انعقد وجهاً واحداً، ولا يُكلَّف التعلم والعقدَ بغير لغته، كما في سائر العقود، وإن كان يحسنها فوجهان، أصحهما: الانعقاد- أيضاً- اعتباراً بالمعنى،

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل