كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أحدها: حكى الإمام فيما إذا أطلقا الدعوى بالملك، ولم ينسباه إلى سبب: أن الأصحاب ألحقوا هذا بما أسندا دعواهما إلى الشراء أو غيره من الأسباب المتحدة الواقعة على موجب الشركة، وقد مضى التفصيل فيه، وهذا يقتضي أن [يكون] في المشاركة وجهان.
وقد حكى ((الرافعي)) أن المنصوص عليه في ((المختصر)) ما ذكره الشيخ، وهو كذلك، ولم يحك غيره.
الثاني: حكى المتولي وغيره وجهًا فيما إذا أقر بالقبض في مسألة الإرث- بالمشاركة، لأن إيجاب [الإرث] الشيوع.
قلت: وقد يقال: إن على هذا ينطبق ما أطلقه المصنف في ((المهذب))، وابن الصباغ، تبعًا للقاضي أبي الطيب، والغزالي، تبعًا للفوراني دون إمامه- من المشاركة من غير تقييد بعدم القبض، كما هو ظاهر النص في ((المختصر)) في مسألة الإرث، كما حكيناه من قبل، لأنه حينئذ يكون لا فرق بين أن يقبضا أو لا، ولذلك صح الإطلاق.
لكن قد يكون إطلاقهم محمولًا على الظاهر، فإن قرينة دعوى الإرث تدل على أنه لم يقبض، وإلا لما جرت العادة بأن الإنسان إذا ورث شيئًا وقبضه، ثم غصب منه: أن يدعي الإرث مع أن الأصل عدم القبض.
ثم الذي يظهر: جريان هذا الوجه في مسألة البيع- أيضًا- إذا ألحقناها بها، لما ستعرفه.
والذي عليه الأكثرون- كما قال ((الرافعي))، ولم يحك القاضي الحسين عن العراقيين غير ما ذكره الشيخ.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه علله بأنه يحتمل أن يكون قد اشترى نصيب أحدهما، واستولى على الجملة.
قيل: وهذه العلة ترشد إلى أن اشتراط عدم القبض في المشاركة يليق بمسألة البيع، لا بمسألة الإرث، لأن بيع الموروث يصح قبل القبض.
الثالث: اعتبر الماوردي في عدم المشاركة مع وجود الاعتراف بالقبض وقوع القسمة، ولم أره لغيره.
واعلم أن الإمام و ((الرافعي)) قالا: إن الوجهين المذكورين في المشاركة فيما إذا عزيا إلى بيع جاريان فيما لو عزيا إلى هبة.
والماوردي قال: إن حكم الهبة حكم البيع، وفيه نظر، من جهة أن الهبة لا تتم إلا بالقبض، وقد تقدم أن المقبوض لا مشاركة فيه.
فرع: إذا صالح المقر له على النصف المقر به، حيث قلنا: يشاركه الآخر، قال القاضي أبو الطيب وغيره: بطل في نصيب الآخر، وهل يصح في نصيب المقر له؟ فيه قولًا تفريق الصفقة.
وحكى الإمام: أن طوائف من الأصحاب ذكروا وجهًا في صحة الصلح في جميع النصف، وهو ظاهر النص في السواء، أي: حيث قال ذكرنا، كان لأخيه أن يدخل معه فيه، يعني: في مال الصلح، كما قاله المزني، واعترض به على الشافعي.
قال: ولست أعرف لهذا وجهًا، وكل ما يتكلف ذكره في التصحيح يتضمن استبداد المقر له بالنصف، وثمنه، وأقصى ما قيل فيه: أن المقر له والمدعى عليه هما المتعاقدان، وهما متقاربان، والعبرة بتقارر المتعاقدين، وهذا أخذ من كلام القاضي الحسين، فإنه هكذا قال:
قال: وهذا باطل قطعًا، فإن المقر له إن كان يعرف حكم المسألة، يعترف لصحابه بحصته في النصف المقر به، وإن كان لا يعرفه، فهو كذلك، ومن ظن ملك الغير ملك نفسه، لم ينفذ بهذا السبب بيعه.
والقاضي أبو الطيب وغيره دروا على المزني، وقالوا: هو نقل كلام الشافعي مختصرًا، فوهم في معناه، وليس مراد الشافعي أن الأخ يشارك أخاه [في مال الصلح، بل في النصف الذي أقر به، وقد ذكره في الأم مفسرًا فقال: إن أخاه] يرجع عليه بنصف ما أقر له به.
أما إذا أقر لأحدهما بجميعه، فحيث قلنا: يكون النصف بينهما، فكذلك الكل، وحيث قلنا: ينفرد المقر له بالمقر به، فإن عاد، وادعى النصف الآخر، سلم إليه، لجواز أن يكون قد اقتصر على دعوى النصف، لتيسر بينته، أو لكونه يخاف جحوده الكل.
ولو قال: النصف الآخر لصاحبي، سلم له، وإن لم يثبته لنفسه، ولا لصاحبه، ففيه ثلاثة أوجه، ذكرناها في باب الدعاوى.
تنبيه: قوله: عزيا إلى جهة أي: أضاف، يقال: عزوته إلى كذا، وعزيته، وعزواه، وعزياه: لغتان، والواو أفصح.
قال: وإن أقر رجل، فقال: هذه الدار لزيد، لا بل لعمرو، أو غصبتها من زيد، لا بل من عمرو- لزمه الإقرار الأول، لما تقرر أن من أقر بحق لآدمي لا يقبل رجوعه.
قال: وهل يغرم للثاني؟ فيه قولان:
وجه [عدم] الغرم: أن العين باقية، يمكن عودها إلى صاحبها، ومنازعته فيها، وهو يقول: أنا معترف لك بها، وإنما الشرع انتزعها، فلا يلزمني الغرم، وهذا ما حكاه في ((المختصر))، أخذًا من نصه عليه في كتاب الإقرار والمواهب من الأم.
ووجه الثاني: أنه أحال بينه وبين ماله، فلزمه الغرم، كما لو غصب عبدًا، فأبق من يده، أو درة فسقطت في ((البحر))، وهذا ما نص عليه في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر الذي لم ينقل المزني منه شيئًا مع الأول، وهو الصحيح في ((تعليق)) أبي الطيب، و ((الشامل))، وغيرهما.
وقيل: إن سلمها الحاكم بإقراره ففيه قولان، لأنه معذور، وتوجيههما ما تقدم.
وإن سلمها المقر بنفسه، لزمه الغرم قولًا واحدًا، لأنه غير معذور، وهذه طريقة أبي على الطبري، وآخرين من أصحابنا، كما قال الماوردي.
قال: والصحيح: أنه لا فرق بين المسألتين، لأن الحاكم إنما سلمها بإقراره، فهو كما لو سلمها بنفسه، وهذه طريقة أبي إسحاق، وابن أبي هريرة، وقد صححها القاضي أبو الطيب، وغيره أيضًا.
ووراء ذلك طريقان:
إحداهما: في المسألة الثانية أنه في تغريمه القولان، وفي المسالة الأولى، لا يغرم قولًا وحدًا، لأنه لم يقر بالجناية، فلا يغرم، ولا كذلك في الثانية، فإنه أقر بالجناية.
والثانية: حكاها الماوردي قبيل الكلام فيما إذا شهدا بحرية عبد، فردت شهادتهما من كتاب الإقرار عن رواية أبي إسحاق، عن بعض الأصحاب في المسألة الأولى: أنه إن أخطأ فلا ضمان عليه، وإن تعمد ففيه القولان.
وليست الطريقتان بشيء.
والخلاف في المسألة الأولى جار فيما لو قال: غصبت هذه الدار من زيد، وغصبها زيد من عمرو، كما حكاه الماوردي وغيره.
فروع
أحدها: لو أقر بأن العبد الذي في تركة أبيه لفلان، [لا بل لفلان]، فطريقان:
منهم من خرجه على القولين.
ومنهم من قطع بأنه لا يلزمه الغرم.
والفرق: أنه إذا أقر بما يغلب على ظنه، ولا يؤخذ بالعلم والإحاطة يعذر، وإذا أقر في مال نفسه، حمل على العلم والإحاطة، لأنها ممكنة، فلم يعذر في الرجوع عن الإقرار، قاله ابن الصباغ وغيره.
الفرع الثاني: إذا قال: غصبت هذه الدار من زيد، وغصبتها من عمرو، فهل يكون كما لو قال: غصبت هذه الدار من زيد لا بل من عمرو، أو يكون حكمه [حكم ما] لو قال: غصبتها من زيد وعمرو، حتى تسلم إليهما؟ فيه وجهان في ((الحاوي)).
الفرع الثالث: إذا كان في يد شخص عين، فانتزعها شخص منه باليمين مع النكول، ثم جاء آخر يدعيها، هل له طلب القيمة؟ إن قلنا: إن يمين الرد مع النكول كالبينة فلا، وإن قلنا: كالإقرار، فعلى الطريقين في الغرم.
قال: وإن باع شيئًا، وأخذ الثمن، ثم أقر بأن المبيع لغيره- فقد قيل: يلزمه الغرم قولًا واحدًا، لأنه قد أخذ عوضه، وللقبض أثر في الضمان، ألا ترى أنه لو غر بحرية أمة، فنكحها، وأحبلها، ثم أجهضت بجناية جان يغرم المغرور الجنين لمالك الجارية لأنه يأخذ الغرة؟!
ولو سقط ميتًا من غير جناية جانٍ لم يغرم، وهذا ما نسبه الماسرجسي إلى ابن أبي هريرة، وهو الصحيح عند البغوي والنواوي وغيرهما.
وقال ابن الصباغ: إنه يجيء على طريقة من اعتبر في القولين تسليم الحاكم.
وقيل: على قولين، كما تقدم.
وأخذ العوض لا أثر له فيما نحن فيه، ألا ترى أنه لو باع الوديعة ضمن، ولو وهبها ضمن؟! فاستوى أخذ العوض وعدمه.
وعلى الطريقين يتخرج سماع الدعوى على البائع بقيمة العين المبيعة، إن قلنا: يغرم سمعت، وإلا فلا، كذا قاله ((الرافعي)).
ويجيء فيه على طريقة ذكرنا مثلها في باب الدعاوى: أنا إذا قلنا: لا يغرم، هل تسمع الدعوى عليه، بناء على أن اليمين المردودة كالبينة أو كالإقرار، وقد حكى القاضي الحسين الطريقين المذكورين في الكتاب في حالة عدم أخذه الثمن وفرق على الأول- وهو الذي صححه أيضًا- بين هذه الصورة، وبين الصورة الأولى بأنه هاهنا فوت عليه العين بقوله، فصار كما لو فوتها عليه بفعله، وأشار إلى أن المفوت إنشاؤه البيع، كما قاله الإمام.
ومحل الخلاف- كما حكاه الإمام في كتاب الغصب عن صاحب التقريب- إذا قال: بعته وهو ملكي، فإن أطلق البيع، ولم يدع الملك، لم يضمن، فإن الإنسان قد يبيع ما لا يملك.
قال القاضي الحسين قبيل باب الإقرار بالوارث: والقولان جاريان فيما لو أعتق العبد، ثم اقر به لآخر: أنه غصبه منه، له يغرم للمقر له؟ وكذا حكاها الماوردي، وفي ذلك نظر يظهر لك مما تقدم من أن شهود العتق والطلاق إذا رجعوا بعد الحكم يغرمون.
قال: وإن قال: غصبت من أحدهما، [أخذ بتعيينه] لأنه أقر بمبهم، فرجع إليه فيه.
قال: وإن قال: لا أعرفه، وصدقاه، انتزع منه، لأنه اعترف بأنه ليس له، وكانا خصمين فيه، لأن الحق فيه لأحدهما باعترافه، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
قال القاضي الحسين في كتاب الدعاوى: ويحلف كل واحد منهما صاحبه بأنه لا يلزمك تسليم هذا [المال] إلى، فإن حلفا كان بينهما، وكذا إن نكلا.
وقال القاضي أبو الطيب هنا: إنهما إذا حلفا، وقف حتى يصطلحا.
ومن طريق الأولى: أن يكون الحكم كذلك إذا نكلا.
وقد ذكر في ((الشامل)) الوقف في الصورتين هاهنا، وقال في باب الدعوى في الميراث: إنهما إذا صدقاه، أو كذباه، وحلف، فهل يوقف أو يقسم بينهما؟ فيه وجهان، والمذكور منهما في ((الحاوي)) هنا و ((الرافعي)) الأول.
وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، قال القاضي الحسين: سلم إلى الحالف، وهو الذي أورده ابن الصباغ وغيره نا.
قال: وإن كذباه، [أو أحدهما]، فالقول قوله مع يمينه، لأنه أعرف بحاله، ويلزمه أن يحلف إذا كذباه لكل منهما يمينًا واحدة، كما حكاه الإمام هنا، وأحال الكلام فيه على ما ذكره فيما إذا زوج المرأة وليان من رجلين، والتبس الحال، وقد ذكر هو ومن تبعه ثم: أن الزوجين لو ادعيا عليها العلم بالأسبق، وادعت عدمه- في كيفية حلفهما إذا لم يرضيا بيمين واحدة [وجهان:
أحدهما: تحلف لكل منهما يمينًا.
والثاني: تحلف لهما يمينًا واحدة، حتى لو حضرا أحدهما، وادعى، فحلفت على نفي العلم بالأسبق من العقدين، ثم حضر الآخر، ورام حلفها كذلك، لم تحلف، ولو حضرا معًا، ورضيا بيمين واحدة] كفى [بلا خلاف]، وقد أشرت إلى ذلك في باب اليمين في الدعاوى.
قال: وإن قال: هو لفلان، سلم إليه، ولا يغرم للآخر شيئًا، لأنه لم يقر له بشيء.
نعم: هل له تحليفه؟ الصحيح- وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب وغيره-: أنا إذا قلنا: إنه يغرم لو أقر، حلفه، وإلا فلا.
وحكى الإمام أن بعض الأصحاب أبعد، فقال: إذا قلنا: لا يغرم، انبنى تحليفه
على أن يمين الرد مع الحلف كالبينة أو كالإقرار؟ فإن قلنا: كالإقرار، فلا يحلف، وإلا حلف.
فإن امتنع، وحلف المدعي، قضى له بالعين، وقد تقدم مثل هذه الطريقة في باب الدعاوى، وذكرت فيه عن صاحب ((الإشراف)) [وغيره] شيئًا يتعلق بما نحن فيه، فليطلب منه.
قال: وإن قال: غصبت هذه الدار من زيد، وملكها لعمرو، لزمه أن يسلم إلى زيد، لأن قوله غصبتها من زيد، يقتضي أنها كانت في يد زيد [بحق]، فأعيدت إليه، وقوله بعد ذلك: وملكها لعمرو إن كان شهادة فهي مردودة، لإقراره بالغصب، وإن كان إقرارًا فهو غير معمول به في الحال، لأنه خرجت عن يده بقوله السابق، وشرط نفوذ الإقرار في الحال: أن يكون المقر به في يد المقر، بحث لو ادعى الملك لنفسه لكان القول قوله.
قال: ولا يلزمه لعمرو شيئًا، لأن قوله: وملكها لعمرو، لا ينافي قوله: غصبتها من زيد، لجواز أن تكون في يد زيد بإجارة من عمرو، أو رهن، فلم توجد منه إحالة، فلم يضمن، وهذا ما نص عليه، وهو الصحيح في الطرق، والمحكي في ((النهاية)) عند الجمهور.
وقيل: إنه على قولين، حكاه القاضي الحسين، واختاره في ((التهذيب)).
فرع: لو قال: استعرت هذه الدار من زيد، وملكها لعمرو، سمعت شهادته لعمرو، لأن شهادة المستعير مسموعة، قاله الماودري.
قال: وإن قال: هذه الدار ملكها لزيد، وقد غصبتها من عمرو، فقد قيل: هي كالمسألة قبلها، أي: تسلم لعمرو، ولا يغرم لزيد شيئًا، لأن الإقرارين إذا كان غير متنافين، فلا فرق بين تقدم أحدهما وتأخيره، وهذا أصح في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب والحسين.
وقيل: تسلم إلى الأول- أي: لزيد- لأنه أقر له بالملك أولًا، ومقتضى ذلك: أن تسلم العين له، فلم يقبل رجوعه عنه.
قال: وهل يغرم للثاني؟ - أي: لعمرو-[فيه قولان]، لما سبق وهذا ما أورده الماودري، وقال: إن الحكم هكذا فيما لو قال: هذه الدار لزيد، وقد استعرتها من عمرو.
قال ((الرافعي)): وفي هذه الطريقة مباحثة، لأنا إذا غرمنا المقر في الصورة السابقة للثاني فإنما نغرمه القيمة لأنه أقر له بالملك، وهنا جعلناه مقرًا باليد، دون الملك، فلا وجه لتغريمه القيمة بل القياس أن يسأل عن يده: أكانت بإجارة، أو رهن، أو غير ذلك؟
فإن أسندها إلى إجارة، غرم قيمة المنفعة.
وإن أسندها إلى رهن، غرم قيمة المرهون، ليتوثق به في دينه، وكأنه أتلف المرهون، ثم إن وفي الدين من موضع آخر ترد القيمة عليه.
قال: ومن أقر بنسب صغير مجهول النسب، أي: [والحرية]، وأمكن صدقه، ولا منازع له فيه، ثبت نسبه، لأنه أقر له بحق، لا ضرر فيه على غيره، فأشبه ما لو أقر له بمال.
وأيضًا: فإن إقامة البينة على النسب تعسر، فل لم يثبت بالاستلحاق، لضاع كثير من الأنساب.
والمجنون في هذا المعنى كالصغير.
نعم، لو بلغ الصغير، وأفاق المجنون، وأنكر النسب، فهل يندفع [النسب]؟ فيه وجهان، حكيناهما في باب اللقيط، كالوجهين فيما إذا ادعى شخص رق صغير في يده، وحكم له به، فبلغ، وادعى الحرية.
والأظهر منهما في ((التهذيب))، وغيره، وبه جزم الماوردي، والقاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والمصنف-: أنه لا يندفع، وعلى هذا: لو رام المقر له تحليف المقر، قال ابن الصباغ: لا يحلف، لأنه لو رجع، لم يقبل، فلا معنى لتحليفه، بخلاف العبد الصغير إذا بلغ، ورام تحليف من حكم له بملكه، فإنه
يمكن منه، لأنه لو أقر بذلك، ليعمل به، وهذا منه تفريع على أن من ثبت نسبه بالاستلحاق والتصديق منه، لكبره، ثم توافق هو والمستلحق على نفي النسب: أنه لا ينتفي، كما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وطائفة، كما قاله في ((الحاوي))، واختاره في ((المرشد))، قياسًا على ما لو ثبت نسبة بالفراش.
أما إذا قلنا: إن النسب ينتفي في هذه الصورة، كما حكاه في ((التهذيب)) عن أبي علي بن أبي هريرة، والمصنف عن ابي على الطبري، والماوردي عنهما وطائفة- فيظهر أن له التحليف.
ثم قضية التشبيه الذي ذكرناه: أن الصبي لو كان مراهقًا عاقلًا: أن يكون في اشتراط تصديقه خلاف، كما تقدمت حكايته في الكتاب فيما إذا ادعى رق مثل هذا من هو في يده، هل يحتاج إلى تصديقه كالبالغ، أم لا؟ كذلك لو كذب في حال صباه، هل يؤثر- إذا قلنا: إنه بعد البلوغ مؤثر- أم لا؟ ولم أر للأصحاب تعرضًا لهذا، بل الذي رأيته فيما وقفت [عليه] من كتبهم ما ذكره الشيخ.
أما إذا كان الصغير رقيقًا للمستلحق، فهو كالحر.
وإن كان لغيره، ففي ((التهذيب)) وغيره: أنه لا يثبت.
ولو كذب المقر الحس، بأن يكون الصغير في سن لا يتصور أن يولد للمستلحق، أو أتت به امرأة من بلاد بعيدة، لم يخرج إليها المستلحق، ولا أتت تلك المرأة إلى بلده قبل ذلك، ولا وصل إليها ماؤه، كما أشار إليه ((الرافعي))، ولا احتمل شيء من ذلك، فلا اعتبار بإقراره، كما قاله ((الرافعي))، والقاضي الحسين.
وأطلق [ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب] والماوردي القول باللحوق فيها.
ومحل الكلام في احتمال اللحوق وعدمه باب ما يلحق به النسب.
ولو كذبه الشرع بأن كان المستلحق مشهور النسب من غير مدعي النسب، لغا إقراره أيضًا بالنسبة إلى النسب، لما فيه من الإضرار بالغير.
ولا فرق بين أن يصدقه ذلك الغير والولد لو كان بالغًا، أو لا، لما فيه من حق الله تعالى.
نعم: لو كان المستلحق [عبدًا للمقر المستلحق]، فهل يعتق؟ فيه وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين، في باب تدبير الصبي، وأجراهما فيما لو كان مجهول النسب بالغًا، وكذب سيده في الاستلحاق، وكذا فيما لو قال لزوجته: أنت ابنتي، وكانت مشهورة النسب من غيره، أو كبيرة- في أنه هل ينفسخ النكاح أم لا؟
ولو كان في حال الإقرار ثم منازع في النسب، فقد تقدم حكمه في باب اللقيط.
تنبيه: قول الشيخ: ومن أقر ... ، إلى آخره يقتضي أنه لا فرق فيما ذكره بين المسلم والكافر، والرشيد والسفيه، والحر والعبد، لأن لفظة ((من)) عامة، فشملت من ذكرناه، وهذا مما لا شك فيه في المسلم إذا كان رشيدًا، وأما الكافر فقد تقدم الكلام في استلحاقه في باب اللقيط، والسفيه ملحق في هذا بالرشيد عند الجمهور، وقد ذكرناه في كتاب الحجر.
وحكى القاضي أبو الطيب وابن الصباغ عند الكلام في الإقرار للوارث في صحة إقراره وجهين، والأصح الأول.
وأما العبد، فهو كمن عليه ولاء، وسيأتي، على أنه يخرج بقول الشيخ من بعد: ((فإن كان ميتًا ورثه))، فإن العبد لا يرث، فيكون هذا كالمبين للمراد من الأول، ومنه يظهر أن المراد بالصغير: الحر أيضًا.
فإن قلت: لفظة ((من)) تشمل الذكر والأنثى، وفي استلحاق المرأة الولد خلاف تقديم في اللقيط، فلم لا نبهت عليه أيضًا؟
قلت: جوابه ما تقدم في باب تحمل الشهادة: أن النسب مختص بجانب العصبة، فهي مخرجة بقول الشيخ: بنسب، والله أعلم.
قال: فإن كان- أي: الصغير- ميتًا- أي: حالة الاستلحاق- ورثه.
هذا الفصل ينظم حكمين:
أحدهما: أن استلحاق الصغير بعد موته كما هو في حياته، لأن الشرائط المعتبرة في حياته موجودة بعد وفاته، وما يتوقع من تهمة الإرث فلا أثر لها، لأن أمر النسب مبني على التغليب والإمكان، ولهذا يثبت بمجرد الإمكان، ولهذا يثبت بمجرد الإمكان.
وأيضًا: فلما كانت تهمة وجوب نفقة المستلحق إذا كان فقيرًا في مال
المستلحق في حال حياته وتصرفه في ماله- غير مانعة من الاستلحاق، وكذا تهمة سقوط القصاص عنه إذا كان قد قتله، ثم استحلقه، فكذلك تهمة الميراث لا تكون مانعة منه.
الثاني: أن الإرث يثبت، لأنه فرع النسب، وإذا ثبت الأصل، ثبت فرعه، حيث لا مانع، ولا مانع.
وهكذا حكم استلحاق من بلغ مجنونًا بعد موته، أما استلحاق من طرأ عليه الجنون بعد البلوغ، فسيأتي.
قال: وإن أقر بنسب كبير- أي: عاقل حر- لم يثبت نسبه حتى يصدقه، لأنه يمكن تصديقه، فاعتبر، بخلاف الصغير والمجنون، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهما في كتاب العاقلة، وهاهنا، فيكون شرطًا زائدًا عل ما ذكر في الصغير، وبه تكمل الشرائط أربعة، فإن أنكر، كان للمقر تحليفه، فإن نكل، حلف المدعي وثبت النسب.
وكذا لو قال كبير لشخص: أنت أبي، فأنكر، فله طلب يمينه.
قال: وإن كان ميتًا، لم يثبت نسبه، لفوات شرطه، وهو التصديق.
ولأن تأخر الاستلحاق إلى الموت يوشك أن يكون خوفًا من إنكاره، وهذا ما أورده القاضي الحسين في ((تعليقه))، والماوردي، وهو الأصح في ((التهذيب))، وقد حكاه بعضهم قولًا، والمصنف وجهًا، مع وجه آخر صححه: أنه يثبت، وقال في ((الشامل)): إنه المذهب، ونسبه ((الرافعي)) إلى الأكثرين، ولم يورد المتولي سواه، إلحاقًا له بالصغير، ومنعوا كون التصديق شرطًا على الإطلاق، بل هو شرط إذا كان المستلحق أهلًا للتصديق.
وأما الكلام الثاني، فهو تمسك بالتهمة، وقد بينا أنه لا اعتبار بها في النسب.
ويجري الوجهان فيما لو استلحق ميتًا طرأ عليه الجنون بعد البلوغ، أما إذا كان الكبير عبدًا لغير المتسلحق، وصدق، فهل يثبت نسبه؟ فيه وجهان في ((الرافعي))، و ((التهذيب))، وهما جاريان في العتق، وقد يؤخذ المنع من كلام الشيخ- كما سيأتي: إن المقر لو كان [عبدًا] فهو كمن عليه ولاء، ومن عليه ولاء، هل يصح إقراره بأب؟ فيه خلاف:
الذي ذكره الشيخ: المنع.
ووجه الأخذ: أنه لابد في ثبوت نسب الكبير من التوافق عليه، من جهة المقر، والمقر به، فنقيس أحد الأمرين على الآخر، ويشهد لذلك أن ابن اللبان قال: من قبل من أصحابنا إقرار المرأة بالولد، قبل الإقرار بالأم، ومن لم يقبل إقرارها، لم يقبل [الإقرار بالأم، لإمكان البينة، كذا حكاه في الزوائد عنه، وأنه قال- أيضًا-: من قبل إقرارها، قبل إقرار ورثتها بولدها، ومن لم يقبل إقرارها، لم يقبل] إقرار ورثتها إلا أن يصدقهم زوجها.
تنبيه: المفهوم من التصديق: أن يقول الشخص: صدقت، وما في معناه، إذ هو الحقيقة، وقد تقدم في باب تحمل الشهادة: أنه يقوم السكوت مقامه عند العراقيين على تفصيل فيه، ومنازعة، فليطلب منه، ولأجله قال بعض المتأخرين: إن الشرط في البالغ عدم التكذيب، أو وجود التصديق؟ يجتمع من كلام الأصحاب فيه وجهان.
قال: وإن أقر من عليه ولاء بأخ، أو أب، لم يقبل، لما فيه من الإضرار بالمولى.
وفيه قول آخر: أنه يقبل، كالحر إذا كان له عم، فأقر بأخ.
والصحيح- وبه جزم القاضي أبو الطيب، وغيره في باب دعوى الأعاجم ما ذكره الشيخ، وفرقوا بفرقين:
أحدهما: أن الميراث بالولاء حق من حقول الملك، والعبد لا يملك إسقاط حق سيده فيما طريقه المال، دليله، عدم قبول إقراره بجناية الخطأ بالنسبة إلى ((التعليق)) بالرقبة، وليس كذلك الميراث بالنسب.
والثاني: أن الولاء يثبت من طريق المعاوضة، وهو الشراء المتقدم للعبد، فهو كسائر الأملاك، وقد بينا أنه لا يملك إسقاط الملك بحال، فكذلك حق الملك.
قال: وإن أقر بنسب ابن، فقد قيل: يقبل، لأن به حاجة إلى استلحاق الابن، لأنه لا يتصور ثبوت نسبه من جهة غيره إلا بالبينة، بخلاف الأخ، والأب، فإنه يتصور ثبوت نسبه من جهة أبيه وجده.
ولأن المعتق ليس له منعه من أن يستولد ولدًا، فهو قادر على سبب استحداثه،
فلا يكون له منعه منه إن أقر به، لأن من قدر على الإنشاء قدر على الإقرار، وهذا ما نص عليه في كتاب اللقيط، وصححه البندنيجي في باب دعوى الأعاجم، وكذلك النواوي، ولم يحك القاضي أبو الطيب في باب عقل من لا يعرف نسبه غيره.
وقيل: لا يقبل، كالإقرار بالأخ.
وقد حكى الماوردي، وابن الصباغ في كتاب السير قبل باب المبارزة- وجهًا ثالثًا: أنه إن أمكن أن يكون ول له بعد عتقه، قبل، لأنه يملك الاستيلاد، ولا يملكه قبل ذلك.
قلت: وقياس هذا أن يقال: إن أمكن أن يكون ولد له بعد أن أذن له السيد في التزويج قبل.
وإقرار العبد بالنسب كإقرار من عليه الولاء، سواء، قاله في التتمة، وقد قدمت ذكره في باب اللقيط، فليطلب منه.
فرع: إذا أقر الابن على أبيه بالولاء، فقال: هو معتق فلان، ثبت الولاء عليه وإن كان المقر مستغرقًا، كما في النسب، قال القفال في ((الفتاوى)).
قال: وإن أقر الورثة بنسب- أي: لم ينفه من ألحق به- فإن كان المقر به يحجبهم- أي: كما إذا أقر الأعمام بأخ للميت، والإخوة بابن لأبيهم، أو المعتق بابن أو أخ أو عم للمعتق، ثبت النسب، لما روى عمرو شعيب عن أبيه عن جده: أن النبيصلّى الله عليه وسلّم ((قضى في كل مستلحقٍ استلحق بعد أبيه: ((فقد لحق بمن استلحقه))، وهذا نص عام فيما نحن فيه.
ولأن الورثة يخلفون مورثهم في حقوقه، وفي إثباتها بالحجج والبينات في قبض الديون، والقصاص، والنسب حق له إثباته حيًا، فكان لورثته إثباته ميتًا، كالديون، والقصاص.
قال: [دون الإرث]، لأنه لو ثبت يحجب المقرين، وخرجوا عن أن يكونوا
وارثين، وحنيئذ يبطل الإقرار، لأن صحة الإقرار معتبرة بأن يكون المقر وارثًا، ألا ترى أن الابن الكافر إذا أقر بأخ من أبيه المسلم، لم يثبت نسبه، لعدم الإرث، وإذا بطل الإقرار، بطل النسب والإرث، فكان ثبوته يؤدي إلى نفيه، فبطل، وأثبت النسب دونه، فإنه قد يثبت ولا ميراث، لموانع، فيجعل هذا منها.
وقيل: يثبت الإرث فيه، لثبوت النسب، فإنه فرعه، ولأن الأصحاب أجمعوا على أن الابن المستغرق إذا أقر بأخ ثبت نسبه وميراثه وإن كان بإقراره يخرج عن أن يكون جميع الورثة، فلما كان هذا غير مانع، كذلك الأول، وهذا قول ابن سريج.
قال: وليس بشيء.
وقال القاضي أبو الطيب: إنه خلاف الإجماع، ولا يشبه ما ذكره، لأنه إذا كان المقر به كبيرًا فقد اتفقا على ذلك، وإن كان صغيرًا لم تعتبر موافقته، فقد أقر كل من يعتبر إقراره.
وقال ابن الصباغ: عندي أن قول ابن سريج هو الصحيح، وهو في ذلك متبع لصاحب التقريب، وجماعة، كما قال ((الرافعي)).
قال: وما احتج به الأصحاب فلا يصح، لأنه إنما يعتبر في الإقرار أن يكون وارثًا لولا إقراره، وخروجه من الإرث بإقراره لا يمنع صحته، كما ذكره أبو العباس فيما إذا أقر بأخ، فإنه خرج بإقراره عن أن يكون جميع الورثة.
وقول القاضي: إنه لا يعتبر موافقة الصغير فهو حجة عليه، وقد كان يجب ألا يثبت حتى يبلغ، فيقر، فإنه وإن كان صغيرًا فهو وارث، دليله: ما لو كان الوارث اثنين أحدهما صغير- أي: أو مجنون- فأقر البالغ أو العاقل بأخ آخر، لم يقبل، ولا يقال: لا يعتبر موافقة الصغير والمجنون.
ويدل على ما قلته من أنه يعتبر أن يكون وارثًا لولا إقراره من الأصول: أن رجلًا لو ثبت له ملك عبد عند الحاكم بالشهادة، فقال: هذا العبد لفلان- ثبت بذلك ملكًا للمقر له وإن كان خرج بإقراره عن أن يكون مالكًا، ولو أقر غير المالك، لا يثبت بإقراره الملك، وإنما يثبت لولا إقراره، لكان محكومًا له بالملك.
قلت: قوله: وإقرار غير المالك لا يثبت به الملك ممنوع، بل إقرار المالك لا يثبت الملك، دليله: ما لو شهدت البينة: أنه ملكه إلى حين إقراره له بالملك، لم تسمع، ولو قال: ملكي لفلان، لم يسمع، ولا يصح إقراره كما تقدم ذكره، بل الذي يصحح الإقرار كونه في يد المقر، بحيث لو ادعى الملك لنفسه لقبل لا كونه مالكًا، ولعله مراده.
وقد حكى الإمام عن المحققين وجهًا آخر أن النسب لا يثبت لأنه لو ثبت، لاقتضي الإرث، ولو ورث لحجب المقر، وإذا حجبه، خرج عن أهلية الإقرار، فيبطل، وإذا بطل الإقرار، بطل النسب.
فرع: لو ادعى مجهول النسب على أخي الميت: أنه ابن الميت، ونكل الأخ عن اليمين، فحلف المدعي، ثبت النسب، ثم إن جعلنا اليمين المردودة مع النكول كالبينة، ورث، وحجب الأخ، وهو المختار في ((المرشد)).
وإن جعلناها كالإقرار، ففيه ما تقدم، قاله في ((المهذب))، و ((الحاوي))، غيرهما.
ثم إذا ورثناه عند جعلنا ذلك كالبينة، فمات المجهول، هل يرثه المنكر؟ يشبه أن يقال: الحكم فيه كما لو أقام مجهول البينة على ثبوته، هل يرثه المنكر؟ وقد قال الماوردي: إنه إن أصر بعد موته على الإنكار، لم يرثه، وإن رجع عنه ورث.
قال: وإن لم يحجبهم- أي: كما إذا أقر الأبناء بابن آخر، أو الإخوة بأخ آخر، أو الأعمام بعم آخر، ونحو ذلك- ثبت النسب، والأصل فيه مع ما تقدم: ما روي عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: اختصم عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاص إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ابن وليدة زمعة، فقال عبد: هو أخي ولد على فراش أبي، وقال سعد: هو ابن أخي عبد، عهد إلى أنه ألم بها في الجاهلية، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ((هو لك يا عبد)) وفي رواية: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر))، فحكم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإقرار عبد زمعة بالنسب.
فإن قيل: سودة زوجة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخت عبد، [و] لم ينقل أنها اعترف به.
فالجواب: أن زمعة كان كافرًا، وكذا عبد، وسودة أسلمت في حياته، فكان عبد قد حاز الميراث كله من أبيه، فكان الاعتبار بإقراره وحده.
وعلى أنه يجوز أن يكون- عليه السلام- سمع إقرارها بذلك في البيت، أو وكلت أخاها في الدعوة، لأنها عادة النسوة، ويدل عليه أنه قال لها: ((واحتجبي يا سودة))، فلولا أنها كانت معترفة، لكانت [محتجبة] مقيمة على الاحتجاب [الأول].
فإن قيل: حكمه- عليه السلام- إنما هو بالملك، لأنه قال: ((هو لك عبد)).
فجوابه: أن التعليل ينفي ذلك، مع [أن عبدًا] ما ادعى رقه، فكيف يحكم له به؟
وقوله: ((هو لك)) أي: أخ لك.
وقوله: ((عبد)) [هو] غير منون على النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف:29]، أي: يا يوسف.
فإذا ثبت أن الوارث إذا كان واحدًا صح استلحاقه، فالجمع بذلك أولى، لأن أبا حنيفة قد وافق عليه.
قال: والإرث، لأنه فرع النسب، والفرع يثبت بثبوت أصله ما لم يكن مانع، ولا مانع.
فرع: لو قال المستغرق: فلان أخي، ثم فسر الأخوة بالرضاع، فعن الروياني: أنه حكى عن أبيه: أن الأشبه بالمذهب: أنه لا يقبل.
فقال: وإن أقر بعضهم، وأنكر البعض- أي: كما إذا خلف الميت أخوين وابنين، فأقر أحدهما، وأنكر الآخر، أي:] وحلف- لم يثبت النسب، لأن إقرار من أقر ليس بأولى من إنكار الآخر، فسقطا، وبقي الأمر كما كان، وهذا مما لا خلاف فيه، كما قاله أبو الطيب، ولأجله ادعى ابن الصباغ فيه الإجماع، وهو كذلك في ((الحاوي)).
قال: ولا الإرث، لقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء:176]، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء:11] فأثبت الميراث للأخ والولد، وهذا ليس بأخ ولا ولد.
ولأنه أقر بنسب لم يثبت، فوجب ألا يثبت به فرعه من الميراث، كما لو أقر بنسب معروف النسب لغيره.
ولا فرق في ذلك بين إرث مما في يد المنكر، أو المقر على المنصوص، وهو الصحيح، ولم يورد القاضي أبو الطيب والحسين سواه.
وعن صاحب التقريب حكاية تخريج قول: أنه يرث مما في يد المقر.
قال ((الرافعي)): وربما نسب ذلك إلى ابن سريج.
والفوراني حكاه قولًا مجردًا عن ذكر التخريج، وقد يستدل له بمسائل:
منها: إذا قال أحد الابنين: فلانة بنت أبينا، وأنكر الآخر- فإنه يحرم على المقر نكاحها إن كانت مجهولة النسب، وكذا إن كانت مشهورة النسب على أحد الوجهين، مع أن التحريم فرع النسب الذي لم يثبت.
ولو قال أحدهما لعبد في التركة: أنت ابن أبينا، وأنكر الآخر، حكم بعتق نصيبه على أحد الوجهين.
ومنها: لو قال أحد الشريكين في العقار لثالث: بعت منك نصيبي بكذا، فأنكر [الشراء] لا يثبت الشراء، وتثبت الشفعة على الصحيح.
ومنها: لو قال: لزيد على عمرو كذا، وأنا ضامن، وأنكر عمرو، لزمه ما ضمنه على الصحيح.
ومنها: إذا اعترف الزوج بالخلع، وأنكرت المرأة، ثبتت البينونة وإن لم يثبت المال الذي هو الأصل.
ومنها: لو قال لعبده: بعتك نفسك بكذا، وفرعنا على الصحيح في صحة ذلك كما ذكرناه في باب العتق- فأنكر العبد الشراء، عتق وإن لم يثبت البيع الذي هو الأصل.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فذاك في الظاهر، فأما في الباطن، فهل على المقر- إذا كان صادقًا، لعلمه بنسبه، أو لإقرار مورثه عنده به- أن يشركه فيما في يده؟ فيه وجهان حكاهما الماوردي، وغيره:
أحدهما: لا، لما تقدم.
والثاني: وهو المذكور في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب عن بعض الأصحاب لا غير-: المشاركة.
قال ابن الصباغ: وهو الصحيح، لأنه عالم باستحقاقه، فيحرم عليه منع حقه منه، كما لو قامت البينة بذلك.
والقائل بهذا يقول: يثبت الإرث في الباطن، وهل يثبت في الظاهرة؟ فيه وجهان: ظاهر المذهب: المنع.
وفي العدة عن الشيخ أبي حامد: أنه قال بعكس ذلك: إنه لا يثبت في الظاهر، وهل يثبت في الباطن؟ فيه وجهان.
وقد رويت الطريقتان عن رواية صاحب التقريب.
ثم إذا قلنا بالمشاركة، فبكم يشركه؟ فيه ثلاثة أوجه، حكاها الماوردي:
أحدها: بنصف ما في يده، لأن قضية ميراث البنين التسوية، فلا يسلم لأحد شيء ما لم يسلم للآخر مثله، والثالث بزعمهما غصبهما بعض حقهما.
والثاني-: وهو الأصح في ((الرافعي))، ولم يورد أبو الطيب سواه- بثلث ما في يده، لأن حق الثالث بزعم المقر شائع فيما في يده ويد صاحبه، فله الثلث من هذا، والثلث من ذلك.
وقد حكى هذين الوجهين الشيخ أبو حامد- كما قال ابن الصباغ- وقال: إنهما ينبنيان على القولين فيما [إذا] أقر بعض بدين على المورث، وأنكر الآخر، هل يلزمه الجميع في حصته، أو لا يلزمه إلا حصته.
والثالث حكاه في الزوائد عن ابن اللبان، أنه يشركه بثلث ما في يده، ويضمن له سدس ما في يد أخيه إن كانت القسمة قد وقعت بالاختيار من غير حاكم، لأن يده ثبتت على نصف جميع التركة مشاعًا، فالزائد الذي في يد الأخ المنكر على حصته ثلث ما في يده قد كان في المقر منه بحكم الإشاعة نصفه، وهو السدس، فضمنه، ليسلمه له بالقسمة.
ولو كانت القسمة وقعت بحكم الحاكم على المقر، وأقرع بينهما، لم يضمن.
وعلى هذا لو لم المقر بالأخ المجهول حتى قاسم أخاه بغير حاكم، فهل يضمن؟ فيه وجهان في الزوائد:
أحدهما: يضمن، لأنه وجد منه التسليم.
والثاني: لا يضمن، لأن القسمة وجبت عليه في الظاهر.
وحكى الإمام بدل هذا الوجه الثالث عن صاحب التقريب: أنه إن قاسم المقر المنكر أعيان التركة قهرًا، والمقر ممتنع عن القسمة، فلا يغرم غير ثلث ما في يده.
وإن جرت القسمة بينهما طوعًا، فيلزمه أن يغرم له مع ثلث ما في يده ما حصل في يد صاحبه، وهو ثلث ما معه، لأن التركة كانت ثابتة في يدهما على الجميع ثبوتًا شائعًا، فلما اقتسما، فقد رفع المقر يده عن نصف حصة الثالث، وسلمه، وترك المنكر على المقر مثل ذلك، فضمن من ذكرناه.
قال: وعلى هذا لو كان المقر جاهلًا بالثالث حال وقوع القسمة طوعًا، ثم بعد القسمة أحاط علمه به، ففي المسألة وجهان حكاهما صاحب التقريب، وقد تقدم مثلهما على الوجه الثالث.
فرع: لو كان المنكر اثنين، والمقر واحد فللمدعي النسب طلب يمينهما، فإن حلف أحدهما، ونكل الآخر، لم يرد اليمين على المدعي، لأنه لا يثبت بها نسبًا، ولا يستحق بها إرثًا.
وفي الزوائد في حلفه وجهان:
أحدهما: هذا.
والثاني: يحلف، لأن الحالف قد يقر، فيثبت بيمينه على الناكل.
وقد بقى من أقسام المسألة: ما إذا أقر بعض الورثة، والبعض ممن لا يصح إقراره- لصغر أو جنون- وقد قال القاضي الحسين: إنه يثبت في الحال حتى لو مات أحدهما، ورثه الآخر، ثم إذا بلغ الصبي، وأفاق المجنون: فإن صدق استمر الثبوت، وإن كذب بان أنه لم يكن ثابتًا بإقراره.
وإن مات الصبي والمجنون قبل ذلك، استقر الثبوت، هذا حكاه الإمام عن بعض المحققين، وقال: إنه متناقض، لأن ما يتعرض للوقف والتبين منتهى نظر، فلا معنى لإطلاق القول بنفوذ الحكم.
والصحيح: أنه لا يثبت النسب في الحال، عملًا بما ذكرناه من قبل، لكن يوقف إلى البلوغ والإفاقة، فإن حصل التصديق ثبت، وإن حصل التكذيب فالحكم كما تقدم.
وإن مات قبل ذلك، فإن لم يكن له وارث غير المقر، ثبت، وإن كان له غيره، فلابد من تصديقه.
أما إذا كان المورث قد نفى من ألحق به باللعان [أو غيره]، فهل للورثة استلحاقه حيث يستلحقونه لولا النفي؟ فيه وجهان في ((النهاية))، عن رواية القاضي:
أحدهما: اللحوق، كما لو استلحقه المورث قبل الموت، وهذا ما أورده معظم العراقيين، ومنهم ابن الصباغ، وقال القاضي الحسين: إنه الذي قاله أصحابنا.
والثاني: المنع، لأنه نسب قد سبق الحكم ببطلانه، ففي إلحاقه بعد الموت إلحاق بعد الموت إلحاق عار بنسبه، وشرط الوارث أن يفعل أن يفعل ما فيه حظ المورث، لا ما يضره، وهذا ما أورده في ((الحاوي))، و ((المهذب))، و ((التهذيب))، ولم يحك القاضي الحسين قبل باب الشهادة على الشهادة غيره.
ولو لم يصدر من المورث نفي، لكن صدر من أحد الورثة إنكار له، ثم مات، ووارثه المقر بالنسب، فهل يثبت الآن؟ فيه وجهان، سواء أعاد الإقرار به، أو لم يعده، كذا قاله القاضي الحسين، والإمام، وهما في ((الحاوي)) وغيره من كب العراقيين:
وأظهرهما: الثبوت، ولم يورد القاضي أبو الطيب سواه، وادعى ابن الصباغ: أنه المذهب، لأن جميع الميراث قد صار له.
والثاني: المنع، لأن إقرار الفرع مسبوق بإنكار الأصل.
ويجري الوجهان فيما لو خلف المنكر وارثًا غير المقر، وصدق على النسب، وقد جزم أبو الطيب فيها بالثبوت أيضًا.
ولا خلاف أنه لو أقر أحد الورثة، وسكت الباقون، ثم مات الساكت، ووارثه المقر أو غيره، وصدق على النسب: أنه يثبت، لأن إقراره غير مسبوق بتكذيب أصله.
فروع:
أحدها: لو أقر الابن المستغرق بأخوة مجهول، فصدقه المجهول على أنه ابن الميت، وأنكر أن يكون المقر ابنه- ففيه ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه لا أثر لهذا الإنكار، ويرثان.
والثاني: لا يثبت نسب المنكر [ونسب المقر بحاله وإرثه، حكاه في ((الإنابة)) عن القفال.
والثالث: أنه يثبت نسب المنكر]، ويحتاج المقر إلى إقامة البينة على نسبه.
قال القفال: وهو غلط.
الفرع الثاني: إذا أقر المستغرق بأخوة شخص، وصدقه، ثم إنهما أقرا بنسب ثالث، وأنكر الثالث نسب الثاني، ففي سقوط نسب الثاني وجهان في ((المهذب)) وغيره:
وأصحهما- ولم يورد الماوردي، والقاضي أبو الطيب، والحسين، وابن الصباغ سواه-: السقوط، لأنه ثبت نسب الثالث، فاعتبرت موافقته، لثبوت نسب الثاني.
الفرع الثالث: إذا أقر بأخوة مجهولين، وصدق كل واحد منهما الآخر، ثبت نسبهما.
وإن كذب كل واحد منهما الآخر، فوجهان:
احدهما: يثبت نسبهما، لوجود الإقرار ممن يحوز التركة.
والثاني: ولم يورد في ((المهذب)) غيره-: أنه لا يثبت.
ولو صدق أحدهما الآخر، وكذبه الآخر، ثبت نسب المصدق دون المكذب، إذا لم يكونا توأمين، فإن كان توأمين فلا أثر للتكذيب.
قال الماوردي، والمصنف: وكان الإقرار بأحدهما إقرارًا بالآخر.
الفرع الرابع: إذا كان في يد ثلاثة إخوة جارية، معها ولد، فقال أحدهم: هي أم ولد أبينا، والابن أخونا، وقال الثاني: هي أم ولدي، وولدها ني، وقال الثالث: هي جاريتي، وولدها عبدي- قال القاضي أبو الطيب في ((شرح الفروع)) عن ابن الحداد: عتق ثلثها وثلث ولدها بإقرار الأول، وبإقرار الثاني يصير ثلث الولد حرًا أيضًا، لاعتراف بالبنوة، ويثبت نسبه، إذ لا منازع له فيه، فإن بإقرار الأول وحده لا يثبت نسبه من الأب، وثلث الجارية يصير أم ولد، ويسري العتق والاستيلاد إلى حق مدعي الملك إن كان موسرًا، فيغرم له قيمة ثلث الأم وقيمة ثلث الولد، وإن كان معسرًا، لم يسر، ويبقى حق مدعي الملك على الرق.
تبينه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمورًا:
أحدها: أن تصديق جميع الورثة كاف في ثبوت النسب، سواء كانوا ذكورًا كالأولاد إذا أقروا بولد آخر للميت، أو بأخ له، أو عم، والإخوة إذا أقروا بأخ [آخر] للميت، أو بابن أو عم، والأعمام إذا أقروا بعم آخر للميت، أو بابن، أو أخ، والأولاد والأب إذا أقروا بأخ للميت، والإخوة والأجداد إذا أقروا بأخ للميت.
أو كانوا إناثًا: كالبنات، والأخوات إذا أقروا ببنت أخرى، أو ابن، أو أخت أخرى، أو أخ، لأنهن يستغرقن جميع الميراث.
أو كانوا ذكورًا وإناثًا، وهو كذلك كما صرح به الأصحاب، وألحقوا بالحالة الثانية ما إذا لم يكن للميت سوى بنت واحدة هي معتقته، وهل يرث المقر به إذا كان أخًا لها؟ فيه وجهان إذا قلنا: إن المقر به إذا كان يحجب لا يرث:
أحدهما: نعم، يرث، لأنه لا يحجبها، فإنه يبقى لها الثلث.
والثاني: لا يرث، لأنه يحجبها عما تستحقه بالولاء، فيصير كما لو لم يخلف إلا بنتًا ومعتقًا، فأقر بابن للميت لا يرث، لحجبه المعتق.
الأمر الثاني: أنه لا فرق في الوارث الذي يعتبر تصديقه بين أن يكون من أصحاب الفرائض أو من العصبات، ممن يرث بالنسب، أو بالسبب: كالزوجة، والمعتق، وهو كذلك على المشهور، وألحقوا الزوج بالزوجة في اعتبار تصديقه، ويظهر أن يكون هذا مفرعًا على أن المرأة يصح استلحاقها، وإلا فقد ذكرنا عن ابن اللبان: أنه قال: من لم يقبل إقرار المرأة بالولد، لم يقبل إقرار ورثتها به.
وعلى هذا لا يمكن اعتبار تصديق الزوج.
وفي ((الرافعي))، و ((النهاية)) حكاية وجه منسوب في ((الحاوي)) إلى البصريين من أصحابنا: أنه لا يعتبر تصديق الزوج والزوجة، لأن الزوجية تنقطع بالموت.
ولأن المقر به النسب، ولا شركة في النسب وهو جار- كما قال الغزالي وغيره- في العتق.
وقال الماوردي: إن مثله يجري فيما إذا ادعى شخص أخوة من الأم، لا يفتقر إلى تصديق الأخ من الأب، وإذا ادعى أخوة من الأب، لا يفتقر إلى تصديق الأخ من الأم، لأنه لا نسب بينهما.
والمذكور في ((الإبانة)) وغيرها الأول.
ولو كان لبيت المال مدخل في الوراثة، كما إذا مات شخص، وخلف بنتًا لا غير، وصدقها الإمام، لا على وجه الحكم، فهل يثبت النسب؟ فيه وجهان في ((المهذب)) وغيره، بناء على أن الإمام، هل ينزل منزلة الوارث الخاص أم لا؟
والمذكور منهما في ((تعليق)) أبي الطيب، و ((الشامل)): القبول، وهو الذي نسبه الماوردي إلى الشيخ أبي حامد، وقال: إنه غير صحيح، لأن الإمام لا يملك حق بيت المال، فينفذ إقراره، ولا يتعين مستحقه من المسلمين، فيعتبر تصديقه، فلا يثبت، وهذا ما اختاره في ((المرشد)).
أما لو كان على وجه الحكم، انبنى على القضاء بالعلم، هل يجوز أم لا؟
والوجهان جاريان- كما قال ((الرافعي)) - فيما لو مات شخص لو وارث له، فأقر الإمام له بوارث- هل يثبت نسبه؟
قلت: وعلى القبول ينبغي أن يراعى حاله، فإن كان صاحب فرض، ورث، وإن كان غصبة فلا، بناء على الصحيح في أن المقر به إذا كان يحجب لا يرث.
الأمر الثالث: أن تكون حيازة المستغرق تركة المستلحق به بغير واسطة، لأنه حينئذ يصدق أنه وارثه حقيقة، وقد قال الأصحاب: لا فرق فيه بين أن يكون بغير واسطة [أو بواسطة]، كما إذا أقر بعمومة مجهول، وهو حائز لتركة أبيه الحائز لتركة جده الملحق به، فإن كان قد مات أبوه قبل جده، والوارث ابن الابن، فلا واسطة، ولو كان الحائز لتركة الجد أبوه وعمه، ثم مات عمه، ولا وارث له غير غير أبيه، أو هو، فالأمر كذلك.
فإن قلت: هذا منهم يفهم أنهم اعتبروا أن يكون المقر حائزًا لميراث الملحق به النسب لو قدر موته حين الإلحاق.
قلت: كلامهم يأبى ذلك، لأنهم قالوا: لو مات شخص مسلمًا، وترك ولدين، أحدهما مسلم والآخر كافر، ثم مات الابن المسلم، وترك ابنًا مسلمًا، وأسلم عمه الكافر- فحق الإلحاق بالجد لابن ابنه [المسلم، لا لابنه] الذي أسلم بعد موته، ولو كان الأمر كما قيل، لكان حق الإلحاق للابن، لا لابن الابن.
قال: وإن أقر الورثة بزوجية امرأة المورث، ثبت لها الميراث، كما لو أقروا بنسب شخص، ثبت له الميراث، وهكذا الحكم فيما لو أقروا بزوج للمرأة.
وعن القديم قول: أنه لا يقبل فيهما، لأن الزوجية قد انقطعت بالموت، بخلاف النسب.
والصحيح الأول، لقصد الميراث.
قال: وإن أقر البعض، وأنكر البعض، فقد قيل: يثبت لها الإرث بحصته، لما ذكرنا أن القصد بالإقرار بالزوجية الما، وهو مما يتبعض ثبوته، فآخذنا المقر به، كما لو أقر بغصب حصة من الموجود، وأنكر باقي الورثة.
فعلى هذا بكم تشارك؟ فيه الوجه السابق.
وقيل: لا يثبت، كما في نظيره من النسب، وهو الأظهر عند الغزالي، تبعًا لإمامه، والقاضي الحسين، وقد اختاره النواوي، وصاحب ((المرشد)).
ثم ظاهر كلام الشيخ وغيره يقتضي أن هذا الخلاف- وهو قولان، كما قال في ((المهذب))، ووجهان، كما قال في ((الحاوي)) وغيره- مفرع على قولنا بعدم الإرث في نظير المسألة في الإقرار بالنسب، لأنهم جزموا في مسألة النسب بعدم الإرث، وحكوا الخلاف في هذه المسألة، وقد صرح به الماوردي، والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما- أشار إليه القاضي الحسين-: أن المقر في مسألة الزوجية، لم يقر بحق عليه في مقابلته حل له، لأن النكاح ينتهي بالموت، ولا يتصور إرثه بعد وفاة المورث، بخلاف ما إذا أقر بالنسب وأنكر البعض، فإنه أقر بحق عليه بإزاء حق له، وهو أن يكون وارثًا للمقر به، فلما لم يثبت حق نفسه وهو إرثه منه، كذا لا يثبت ما أقر به، دليله ما لو قال: بعت هذا العبد منك بألف، فأنكر الشراء، لا يلزمه تسليم العبد إليه.
والثاني- قاله الماوردي-: أن الزوجة ترث بعد ارتفاع الزوجية بالموت، فجاز أن ترث مع عدم ثبوت الزوجية، والنسيب لا يرتفع نسبه بالموت، فلم يجز أن يرث مع عدم النسب.
وقد قال ((الرافعي)): إن الحكم هاهنا كالحكم في مسألة الإقرار بالنسب من غير بناء.
قال: وإن أقر الورثة بدين على مورثهم، لزمهم قضاؤه من التركة، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:12]، ولهم أن يوفوه من غير التركة كما تقدم في مواضع.
ولم تكن تركة، أو كانت ولم يضعوا أيديهم عليها، لم يلزمهم الوفاء من أموالهم.
نعم، لو تبرعوا بالأداء، وجب على رب الدين القبول، حيث يجب عليه لو كان الباذل له المديون، ولا فرق بين أن يكون للميت تركة أولا.
وقال الإمام في كتاب القسامة: وظني أني رأيت لبعض الأصحاب إلحاق الوارث بالأجنبي في حالة عدم التركة، وقد حكيت ذلك مرة أخرى من قبل.
وكما يجب قضاء الدين المعترف به من التركة، يجب تنفيذ الوصايا المعترف بها من ثلثها، عملًا بالآية المذكورة.
فلو أقر الورثة بدين ووصية، فهل يزدحمان عند الضيق، وتكاذب المقر له بالدين والوصية، أو يقدم الدين؟
قال الأصحاب: إن تقدم الإقرار بالوصية ثم تعقبه الإقرار بالدين، ولم تتسع التركة لهما، كما إذا كانت ألفًا، والموصى به الثلث، والدين ألف، ففيما يفعل وجهان:
أحدهما: تقدم الوصية، لتقدمها، والباقي لرب الدين، وقد ادعى الإمام قبل باب القافة [بورقتين]: أنه لا خلاف فيه.
والثاني: يصرف الجميع لرب الدين، كما لو ثبتا بالبينة، [وهذا ما] حكاه الغزالي عن الأكثرين، ولم يورد الماوردي والفوراني وغيره.
ومنهم من ينسبه إلى تخريج الصيدلاني، وهو مخرج على أن إقرار الوارث والموروث يتساويان، كما قدمنا أنه الصحيح.
ولو انعكس الحال، وأقر بالدين [أولًا، ثم بالوصية، فقضية الوجهين صرف الألف لرب الدين]، وهو الذي حكاه الماوردي، والفوراني، وكذا الإمام في الموضع المذكور.
ولو أقر لهما معًا، كما إذا ادعيا ذلك، فقال: صدقتما، فالحكاية عن الأكثرين: أنه يقسم الألف بينهما أرباعًا، لأنا نحتاج إلى الألف للدين، وإلى ثلث الألف للوصية، فيتزاحم على الألف ألف وثلث [ألف] فيخص الوصية ثلث عائل، وهو الربع، وهذا ما حكاه الماوردي، ونسبه الإمام في الموضع المذكور إلى ابن الحداد، ومعظم الأئمة، [ثم] قال: وهو المذهب، وقال الطبري في العدة: إنه مذهب القفال.
لكن الصحيح عندي: أن المال كله لصاحب الدين، وهذا ما حكي عن الصيدلاني، قياسًا على ما لو ثبتا بالبينة.
قال ((الرافعي)): وهذا هو الحق، سواء قدمنا عند ترتيب الإقرارين الأول منهما، أو سوينا بينهما.
وقال الإمام ثم: إنه غريب، وإنا إذا قلنا بمقابله، فهل للمقر له بالدين أن يرجع على الوارث بغرم ما أخذه الموصي له، لأنه يقول له: لو كنت قدمت الإقرار لي بالدين، لم يفت علي فأنت المضيع له بإقرارك؟
قال الشيخ أبو علي: إنه على القولين أقر الإقرار إذا تضمن إيقاع حيلولة بين إنسان وبين حقه، ولا خلاف أنهما لا يجريان بالنسبة إلى صاحب الوصية [وإن أخر الإقرار بها عن الدين]، لأن وضع الوصية التأخير عن الدين، فالإقرار بها وضعه التأخير [عنه] أيضًا، فلم يضعه المقر في غير موضعه.
قال: وإن أقر بعضهم [بالدين]، وأنكر البعض، ففيه قولان:
أحدهما: يلزم المقر جميعه في حصته، لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 12] فوجب ألا يرث إلا بعد قضاء الدين، لأن صاحب الدين مقدم، وليس بمشارك.
ولأن ما أخذه المنكر من التركة كالمغضوب في حق رب الدين، وغصب بعض التركة يوجب قضاء الدين من باقيها، فلزم أخذ جميعه منه، وهذا ما خرجه
أبو عبيد بن حربويه، وأبو جعفر الإستراباذي من مقتضى نص الشافعي في القسامة على أنه إذا حلف أحد الابنين في القسامة، واستحق بأيمانه نصف الدية، وكان على المقتول دين، قضى جميعه من حصه الابن الحالف، فكذلك في هذه المسألة، وقد وافقهما على هذا التخريج بعض الأصحاب، وهو ابن سريج، كما قاله في ((البحر)).
قاله الماوردي قبيل باب الشاهدة على الشهادة: وعلى هذا لا يغرم المقر كل الدين حتى يحلف المنكر، فإذا حلف، غرم، وصار المقر خصمًا له ويحلفه- أيضًا- إن استدام على الإنكار، ولا يسقط عنه اليمين في حق المقر باليمين الأولى.
والثاني: يلزمه بقسطه، لأنه لو لزمه جميع الدين ما قبلت شهادته إذا كان عدلًا مع غيره، أو مع اليمين، لأنه يصير بالشهادة حينئذ دافعًا عن نفسه، وقد وافق الخصم- وهو أبو حنيفة- الشافعي، وجمهور الفقهاء على قبول شهادته بالدين على الميت، فدل على أنه لم يكن يلزمه بالإقرار إلا حصته.
ولأن إقراره كالشهادة، والدين كالعين، فلما استوى حال الشهادة في الدين والعين في إلزامه منه بقدر حصته، [وجب أن يستوي حال إقراره بالدين والعين في إلزامه منه بقدر حصته]، وهذا هو الأصح.
والمذكور في ((المختصر)) في كتاب الشهادات: الثاني، وفي جميع كتب الشافعي، كما قاله الماوردي، وعليه أكثر الأصحاب، وفرقوا بين ما نحن فيه وبين مسألة القسامة بأنه لم يحصل في مسألة القسامة من التركة إلا ما حلف عليه، وهو نصف الدية، فلذلك قضى جميع الدين منه، كما لو غضب بعض التركة، يقضي الدين من الباقي، وهاهنا التركة موجودة في يد الوارثين، فتعلق الدين بجميعها، ولزم المقر في حصته نصف ذلك.
وأيضًا: فإن الشافعي فرض مسألة القسامة في حالة اعتراف الابن بالدين، فإنه قال: ((فإن أقسم الولي الآخر، قضى بالنصف الآخر، ثم رجع الأول عليه))، يعني: بنصف الدين، وهاهنا أحد الابنين جاحد للدين، فلو كان أحد الابنين ثم جاحد، لم يقض من الدين إلا بقدر حصة المقر.
وفي ((البحر)): أن صاحب ((الحاوي)) قال: الأصح عندي من إطلاق القولين: أنه ينظر في التركة.
فإن لم تقسم حتى أقر أحدهما بالدين، قضى جميعها منها، وكان محسوبًا من حق المقر دون المنكر.
وإن اقتسم الابنان التركة، ثم أقر أحدهما بالدين، لم يلزمه منه إلا نصفه، لأن المقر معترف باستحقاق جميع الدين في جميع التركة، [فصار] قبل القسمة مقرًا بجميعه، وبعد أخذ النصف بالقسمة مقرًا بنصفه.
انتهى.
قلت: وعلى هذا التفصيل يظهر أن يقال: في المسالة ما ذكرناه عن صاحب التقريب وابن اللبان في مسألة إقرار بعض الورثة بالنسب دون بعض، لأن من وضع يده على تركة وضعا مضمنًا، كان لمن له على الميت دين مطالبته، كالورثة [بشرطه].
ثم ما ذكرناه عن الشافعي من أن شهادة بعض الورثة بالدين على الميت مسموعة وهو ما نص عليه في ((المختصر)) في كتاب الشهادات: الثاني: ولم يحك العراقيون والماوردي غيره، مع حكايتهم القولين في لزوم وفاء جميع الدين من حصته، أو بالقسط، وحكى القاضي الحسين وغيره في الموضع المذكور في قبول الشهادة قولين، سواء أقر أولًا ثم شهد، أو شهد أولًا ثم أقر، وقال: إنهما مبنيان على القولين في مسألة الإقرار: إن قلنا: يلزمه الجميع في حصته، لم تقبل، وإلا قبلت، وهذا ما نسبه الإمام إلى المحققين من أصحابنا، وقال في ((البحر)): إن القفال توسط، فقال: إنه ينظر: إن شهد قبل أن يقر قبلت.
وإن شهد بعدما أقر، فإن قلنا: بالإقرار يلزمه جميع الدين عند تمام الشهادة- لم تقبل شهادته، وإلا قبلت.
وعلى هذا لو أخر في شهادته لفظة ((أشهد)) عن الاعتراف بالدين، أي: بأن قال: لفلان على أبي كذا، أشهد به، قال في ((البحر)) في الفروع المذكورة قبل كتاب الشهادات: فهو كما لو قدم لفظة ((الشهادة)).
ويحتمل وجهًا آخر: أنه لا يقبل إذا أخر لفظة الشهادة، ولكنه بعيد ضعيف.
وقد فرع ابن الصباغ وغيره في باب الأقضية باليمين مع الشاهدين على القولين في الكتاب- ما إذا كان على الميت دين، [وله] به شاهد أقامه الورثة، وحلف معه أحدهم، ونكل الباقي، فهل يقضي جميع الدين مما حلف عليه أم لا؟
قالوا: إن قلنا: إن الوارث إذا امتنع من الحلف، يحلف الغريم- كما هو أحد القولين المذكورين في باب التفليس- فلا يقضي منه إلا بقدر حصته.
وإن قلنا: الغريم لا يحلف انبنى على أن الناكلين هل يشاركون الحالف فيما حلف عليه، أم لا؟ [وفيه خلاف] سبقت حكايته في هذا الباب، فإن قلنا: يشاركونه، قضى الجميع منه، وإلا جاء القولان المذكوران في الكتاب.
فرع: لو أقر أحد الابنين بوصية أبيه لشخص، وأنكر الآخر، قال الماوردي: فإن كانت الوصية بالثلث، فلا يلزم المقر منها المقر منها إلا بحصته، بوفاق أبي حنيفة، وجميع أصحابنا، بخلاف الدين.
والفرق: أن جميع الدين يستحق فيما وجد من قليل التركة وكثيرها، والوصية بثلث التركة، لا تستحق إلا من جميعها، ولو كانت الوصية معينة: كالوصية بدار، فإن كانت باقية في التركة، فلا يلزم المقر إلا نصفها، وإن كانت قد حصلت في سهم المقر بعد القسمة، لزمه جميعها، لأنه يعترف [بها] للموصى له.
قال القاضي الحسين: ولا يرجع [على أخيه] بشيء، لأن الاستحقاق ثبت بقوله، فلا يقبل على غيره.
وقال الماودري: إنه يصير خصمًا لأخيه في نصفها، وهذا لا منافاة بينه وبين القاضي، خصوصًا إذا أعدنا الضمير في قوله: ((في نصفها)) إلى التركة، لا إلى العين، لأن مقتضى قول المقر عدم صحة القسمة، كما تقدم ذكر ذلك في بابها.
وإن كانت قد حصلت في سهم المنكر، فلا شيء على المقر بها، لأنه لا يملكها، ولا مطالبة عليه بقيمتها، فإذا حلف المنكر، بريء من المطالبة، وحصلت له الدار، وبطلت الوصية فيها، كذا قاله الماوردي.
وقال القاضي الحسين: إنه يغرم نصف قيمتها للموصى له.
ولو شهد المقر على أخيه [بها مع آخر، استرجعت منه، وكذا لو حلف معه، ولا يرجع المنكر على أخيه] بشيء، لأنه بالإنكار جاحد للاستحقاق.
وقال القاضي الحسين: إنه يرجع عليه بنصف قيمة العين.
قلت: وفي سماع شهادته وتغريمه نصف القيمة إذا صدرت القسمة بالتراضي نظر، من حيث إن الشهادة تتضمن بطلان القسمة، فهي مناقضة لما صدر منه من القسمة، ونحن لا نسمع الدعوى بمثل هذه التضاد، لأجل التحليف، فكيف نسمع الشهادة؟! فإن حمل ذلك على ما إذا وقعت القسمة بالإجبار، كان النظر في إيجاب نصف الغرم، لأن مقتضى [الشهادة] بطلان القسمة، وإذا بطلت فلا غرم، لأنا نخرج تلك العين من التركة، ونقسم الباقي، والله أعلم.
ولو كانت الوصية بألف درهم مثلًا- قال القاضي الحسين: ففيها القولان:
أحدهما: أن جميع الألف يوفى من ثلث نصيب المقر.
والثاني: لا يوفى منه إلا نصف الألف، سواء كان قبل القسمة، أو بعدها.
وحكى الإمام عن صاحب التقريب طريقة أخرى قاطعة بالقول الثاني، وقال: ليست بشيء، بل لا فرق بين الوصية والدين.
قال: وإن كان لرجل أمة، فأقر بولد منها، أي: حيث يلحقه نسبه، ولم يبين بأي سبب وطئها- صارت الأمة أم ولد له، لأن الولد محكوم بحريته بلا خلاف عندنا، والظاهر من حال المملوكة: أن السيد أحبلها به في ملكه، فحمل الإقرار عليه، وهذا ما دل عليه ظاهر النص، كما قال القاضي الحسين، والإمام، وقال: إنه بعيد عن القياس- أي: في الإقرار- لأن المتبع فيه اليقين، وهو الذي رجحه الشيخ أبو حامد وجماعة، كما قال ((الرافعي))، وتبعهم البغوي، وصاحب ((المرشد)).
وعلى هذا لا ولاء على الولد.
قال في ((التهذيب)): ولا يجوز للمقر ببيعها.
وقيل: لا تصير، لأن الأصل الرق، ويحتمل أن يكون الاستيلاد في نكاح متقدم على الملك، فلا نوقع العتق مع الشك، وهذا قول أبي إسحاق، وأبي علي الطبري، وأكثر الأصحاب، كما قاله القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ في أثناء
أحد الفرعين الذين سنذكرهما- إن شاء الله تعالى- ولم يورد الماوردي في موضع من الباب غيره.
وعلى هذا يكون الولاء على الولد، وللمقر بيعها، وإذا مات عتقت على ولدها إن حاز جميع التركة، وإلا عتق منها حصته، ولا يقوم عليه الباقي وإن كان موسرًا، كما تقدم.
قال الماوردي: ولها أن تدعي على الورثة: أنه أصابها في الملك، فإن صدقوها، ثبت الاستيلاد وإن كان على الميت دين يستغرق قيمتها، كما لو أقر به المورث.
وإن كذبوها، وادعوا استيلادها في غير وجه، ففيه وجهان:
أحدهما: أن القول قول الورثة مع أيمانهم على نفي العلم، استصحابا لرقها.
والثاني: أن القول قولها مع يمينها على البت، اعتبارًا [بالظاهر] من الملك، وعدم النكاح من قبل.
ولو بين فقال: وضعته في ملكي، قال القاضي الحسين: فإن قلنا في المسألة السابقة: إنها تصير أم ولد، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، وهذا ما حكاه الإمام عن الأئمة، لأن تلك يتطرق إليها احتمال العلوق، واحتمال الوضع في غير الملك، [وهذه لا يتطرق غليها إلا احتمال العلوق في غير الملك]، وهذا عندي لغو إذا كان يتطرق الاحتمال إلى اللفظ، فإنه يخرج الإقرار عن أن يكون صريحًا، فلا فرق بين أن يخرج باحتمال، أو باحتمالين.
ويجيء مما قاله القاضي في المسألة طريقان:
إحداهما: القطع بالثبوت، وهي التي أوردها ابن الصباغ.
والثانية: إثبات الخلاف فيها.
وقد حكاهما ((الرافعي))، وصحح الثانية.
ولو قال: هذا ولدي منها، علقت به في ملكي، فلا خلاف في ثبوت الاستيلاد.
ولم يخرج الأصحاب في ذلك وجهًا، لاحتمال أن تكون حالة العلوق مرتهنة، كما خرجوا لأجل مثل هذا الاحتمال وجهًا فيما سنذكره، ولا ولاء على الولد في هذه الحالة بلا خلاف أيضًا.
وألحق الإمام بهذه الحالة ما إذا قال: هذا ولدي منها، وملكي عليها مطرد منذ [عشر سنين]، وكان الولد ابن سنة.
ولو قال: هذا ولدي منها، علقت به في نكاح، فلا تصير أم ولد جزما، وعلى الولد الولاء جزما.
قلت: وينبغي إذا قلنا: الإقرار المطلق ينزل على العلوق في الملك- أن ينظر: هل كانت زوجة [له] أم لا، كما قلنا في الطلاق: إذا قال لزوجته: أنت طالق طلقة قبلها طلقة.
لكن لك أن تقول: محل الكلام في أن الإقرار المطلق ينزل على العلوق في الملك، إذا لم يعهد أنها زوجة [له، كما أفهمه الماوردي الذي حكيناه من قبل.
أما إذا عهدت زوجة له]، فلا.
ولو قال: علقت به في وطء شبهة، فهل تصير أم ولد؟ فيه القولان فيما إذا وطىء أمة الغير بشبهة، ثم ملكها، هل تصير أم ولد له أم لا؟ كما تقدم، ولا ولاء على الولد، لأنه خلق حرًا.
ولو بين أنه وطئها زنى، قال ((الرافعي)): فإن كان منفصلًا عن اللفظ، فهو كما لو لم يبين السبب، وإن كان متصلًا باللفظ، فلا يثبت النسب، ولا أمية الولد، قاله في ((التهذيب)).
ولك أن تقول: ينبغي أن يتخرج على قولي تبعيص الإقرار.
قلت: لا وجه لذلك، لأن المسألة مصورة في ((التهذيب)) بما إذا كان التفسير منفصلًا، لأنه قال في صدر المسألة: إذا كان أمتان لكل واحدة ولد، فقال: أحد هذين الولدين ولدي، يؤمر بالتعيين، فإذا عين في أحدهما، ثبت نسبه، وهل تصير أم ولد؟ نظر:
إن قال: بملك اليمين، صارت أم ولد له وإن قال: استولدتها بملك النكاح، لم تر أم ولد له، وإن قال: بوطء شبهة، فهل تصير أم ولد؟ وقضيته فيه قولان، [وإن أطلق فقولان] أيضًا.
وإن قال: استولدتها بالزنى، لم يقبل هذا التفسير، وهو كالطلاق.
وإذا كان كذلك فقوله: ((هذا ولدي)) صدر منه منفصلًا في أول لفظه، وقضيته أن تكون أمه أم ولد على قوله، وقوله بعد ذلك: استولدتها بالزنى يرفع ذلك، ويرفع- أيضًا- كون الولد حرًا نسيبًا، فكان مثل قوله: له علي ألف، ثم يقول: من ثمن خمر، فيلزمه قولًا واحدًا.
نعم: لو قال ابتداء: أحدهما ولدي، استولدت أمه به بالزنى، اتجه التخريج كما قال.
وقد ذكر الأسحاب في هذا الباب فرعين يتعلقان بما نحن فيه.
أحدهما: إذا كان لرجل أمتان، لكل واحدة ولد، ولا زوج لهما، ولا واحدة منهما فراشًا له، فقال أحدهما ولدي، علقت به أمه في ملكي- صح هذا الإقرار، وطولب بالبيان، كما لو أقر بطلاق إحدى المرأتين، فإذا عين أحدهما ثبت نسبه، وكان حرًا، لا ولاء عليه، وأمه أم ولد، وللأمة الأخرى أن تدعي أن ولدها هو الذي أقر به، وأنه استولدها، وتحلفه عليه، كذا قاله ((الرافعي)) وغيره، وفيه نظر، لأن المسألة مصورة بما إذا لم تكن فراشًا له، وقد تقدم أن السيد إذا لم يعترف بالوطء، لا تسمع عليه دعوى الاستيلاد، ومن طريق الأولى سماع دعوى الولد عند البلوغ بأنه أراده بالإقرار.
وإذا سمعت دعوى الأمة وولدها، فالقول قول المقر مع يمينه، فإن حلف، فذاك، وإلا حلف المدعي، وثبت النسب، والاستيلاد، كما قاله الإمام وغيره.
ولو مات السيد قبل البيان، قام وارثه المحقق مقامه في تعيين الولد، وكذا في كيفية الاستيلاد، حتى إذا قال: الوطء جرى في نكاح، لم تصر أم ولد.
قلت: وفيه نظر، إذا قلنا: إن الإقرار المطلق يحمل على الاستيلاد في الملك، فإن قول الوارث حينئذ يكون مبطلًا له، فينبغي ألا يقبل، بل نقول: لو كان المورث حيًا، وقد أطلق، ثم ادعى أنه أراد الاستيلاد في النكاح، فينبغي هذا ألا يقبل، لما فيه من إبطال حق ثابت، ويؤيده ما ذكرناه عن البغوي: إذا قلنا: إنها تصير أم ولد عند الإطلاق، لا يتمكن المقر من بيعها، لكن ابن الصباغ وغيره قالوا: إنا نقبل تفسير المقر بكونها علقت به في النكاح إذا طالبناه بالتعيين، بعد إطلاق القول بأن هذه ولده من هذه، وكذا البغوي قاله كما حكيناه من قبل، فلا جرم قبلوا في ذلك إقرار الوارث أيضًا.
وكان الجواب: أن محل القولين في كون المطلق يحمل على الاستيلاد في الملك أم لا إذا تعذر البيان، أما مع وجوده فلا، ويشهد لذلك ما ذكر فيما إذا قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت بالثالث تأكيد الثاني: أنه يقل وإن كان عند الإطلاق نوقع عليه الثلاث على الصحيح.
ومن هذا القبيل: إذا قال: هذا المال لورثة زيد، فإن مطلقه يحمل على التساوي على عدد الرءوس وإن تفاوتوا في الميراث، فلو قال المقر بعد ذلك:
أردت الميراث، قبل وإن نازعه أقلهم حصة، كما قاله الماوردي في هذا الباب.
وقد أشار مجلي إلى شيء يعضد ذلك، حيث قال: إذا قال لزوجته: أنت [علي] حرام، ونوعى به الطلاق- يقع، وإن جعلناه صريحًا في إيجاب الكفارة، لأن محل قولنا: إذا خلا عن النية.
رجعنا إلى المقصود: فإن قال الوارث: لا [علم لي] بالولد منهما، أو لم يكن للميت وارث، عرض الولدان على القائف، فأيهما ألحقه به، لحقه، وكانت أمه أم ولد، لأنا صورنا الفرع بما إذا قال المقر: علقت به في ملكي، واعتماد القائف في هذه الحالة على رؤية سابقة للميت، أو على رؤيته قبل الدفن، أو رؤية بعض عصبته، فيجد الشبه.
وإن لم [يكن] قائف، أو كان وتعذر عليه التمييز- أقرع بين الولدين، ولا ينتظر بلوغهما حتى ينتسبا، بخلاف ما لو تنازع اثنان في ولد، وتعذر تمييز القائف، لأن الاشتباه هاهنا في أن الولد أيهما؟ فلو اعتبرنا الانتساب، فربما انتسب كل واحد منهما إليه، فلا يرتفع الإشكال.
ثم إذا خرجت القرعة على أحدهما عتق، ولا يثبت النسب، ولا الميراث، لأنه لا [مدخل للقرعة] فيهما، ويصير هذا كما لو شهد رجل وامرأتان بالسرقة، يثبت المال دون القطع، كذا قاله الأصحاب، واعترض عليهم ابن الصباغ [فأبدى فرقًا] بين الصورتين ذكر مثله الأصحاب في الفرق بين ثبوت المال في السرقة بالشاهد والمرأتين، وعدم ثبوت الدية بشهادة الرجل والمرأتين على القتل العمد، ثم أجاب بما ليس بالقوى.
وحكى الماوردي عن ابن خيران: أنه قال: يثبت النسب بها، لأن الحرية تثبت له بالولادة، فلم يجز أن يرتفع أصله ويثبت حكمه.
ثم قال: وهذا خطأ، لأن القرعة لا تدخل، لتمييز الأنساب المبهمة، وتدخل لتمييز الحرية المستبهمة.
وعلى المشهور: هل يوقف نصيب ابن بين من خرجت القرعة له، وبين الآخر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنا نتحقق أن فيهما ابنا وارثًا، فوقف، كما لو طلق إحدى امرأتيه على التعيين، ومات قبل التعيين، وتعذر البيان، وهذا ما نسب الإمام إلى الأكثرين.
وأصحهما في ((تعليق)) القاضي أبي الطيب، و ((المرشد)): لا، لأنه إشكال وقع اليأس عن زواله، فأشبه ما إذا مات شخص، وهو مجهول العصبة، لا يوقف ميراثه وإن علمنا: أن في العرف له عصبة، وكان الجهل بأقرب عصبته مسقطًا لحكم عصبته، كذا قاله الماوردي، وهل تكون أمه أم ولد، والصورة كا ذكرنا في صدر الفرع؟ فيه وجهان في ((النهاية))، وقال: إن المذهب عدم الحصول، لأنها تبع النسب، فإذا لم نجعله ولدًا، لا نجعلها أم ولد.
قال ((الرافعي)): والذي أورده الأكثرون: مقابله، لأن المقصود العتق، والقرعة عاملة فيه، وكما تفيد حريته تفيد حريتها.
ولو كان السيد قد قال: أحد هذين ولدي، علقت به أمه في نكاح- لم تصر من حكمنا بكونها أم ولد في حالة من الأحوال في الصورة السابقة في هذه الصورة أم ولد.
وكذا [لو] قال: علقت به من وطء شبهة في أحد القولين.
ولو أطلق القول بالاستيلاد، جاء فيها القولان المذكوران في الكتاب، صرح به البغوي.
أما لو كانت الأمتان مزوجتين، لم يقبل قول السيد، وولد كل أمة ملحق بزوجها.
ولو كانتا فراشًا للسيد، لحقه الولدان بحكم الفراش.
ولو كانت إحداهما مزوجة، والأخرى خلية- لم يتعين إقراره في الأخرى، بل يطالب بالتعيين، فإن عين في ولد المزوجة، لم يقبل، وإن عين في ولد الأخرى قبل، وثبت نسبه.
وإن كانت إحداهما فراشًا له، لم يتعين إقراره في ولدها، بل يؤمر بالتعيين، فإن عينه في ولد الأخرى، لحقه بالإقرار، والولد الآخر يلحق به بالفراش.
الفرع الثاني: إذا قال من له أمة لها ثلاثة أولاد: أحد هؤلاء ولدي منها، ولم تكن مزوجة، ولا فراشًا للسيد قبل ولادتهم- طولب بالتعيين، فمن عينه منهم
ثبت نسبه، وورث، والقول في الاستيلاد على التفصيل والخلاف الذي مر.
ثم إن كان المعين الأصغر، [رق الأوسط والأكبر، وإن كان المعين الأوسط، فالأكبر رقيق، وأمر الأصغر] مبني على استيلاد الأم، فإن لم نجعلها أم ولد، فهو رقيق- أيضًا- وإن جعلناها أم ولد، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: ففيه وجهان:
أحدهما: أن حكمه حكم الأم في صفة الاستيلاد، يعتق بموت السيد، لأنه ولد أم ولد، وهو المختار في ((المرشد))، وقال في ((التهذيب)): إنه المنصوص.
والثاني: لا، لأن ولد أم الولد قد لا يكون كأمه، بل رقيقًا، كما لو أحبل الجارية المرهونة، وقلنا: لا تصير أم ولد، وبيعت في الحق، وولدت [أولادًا، ثم ملكها] أولادها، فإنا نحكم بأنها أم ولد على الصحيح، وبأن الأولاد أرقاء لا يأخذون حكمها على الصحيح أيضًا.
وفيهم وجه حكاه الإمام: أنهم يأخذون حكمها.
وأيضًا: فإنه إذا أحبل جارية الغير بالشبهة، ثم أتت بأولاد من نكاح، أو زنى، ثم ملكها وأولادها- تكون أم ولد على قول، وأولادها أرقا لا يأخذون حكمها.
وإذا أمكن ذلك، لم يحكم باتباعهم لها في الصفة، كما لو صرح به، لأن الاحتمال فيما مبناه على اليقين كالمحقق، ومفهوم كل واحد من هذين الوجهين أنه لا يثبت نسبه.
وفي ((الحاوي)): أنا هل نحكم بثبوته؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الظاهر استمرار الفراش.
والثاني: لا، لاحتمال انقطاعه ببيعها، كما تقدم.
وعلى هذا هل يكون حكمه حكم الأم؟ فيه الوجهان.
والذي ذكره ((الرافعي)) أنه ينظر:
فإن لم يدع الاستيلاد بعد ولادة الأوسط، فقد صارت فراشًا له بالأوسط، فيلحقه الصغر، وهكذا قاله القاضي الحسين والإمام.
وفي ((التهذيب)) وجه: أنه لا يثبت نسبه، ويكون حكمه حكم الأم، لأن الاستبراء حصل بالأوسط.
قال ((الرافعي)): ولم أر لغيره ذكره.
قلت: وهو عين ما ذكره الماوردي كما حكيناه إذا تأملته، ومقتضى إطلاق القاضي أبي الطيب وابن الصباغ.
وإن ادعى الاستبراء، قال القاضي [الحسين]: فهل يحكم بكونها أم ولد [أم لا]؟ فيه الوجهان.
و ((الرافعي)) قال: إن ذلك ينبني على أن نسب ملك اليمين، هل ينتفي بدعوى الاستبراء؟ وفيه خلاف مذكور في اللعان:
إن قلنا: لا ينتفي، فهو كما لو لم يدع الاستبراء.
وإن قلنا: ينتفي فلا يلحقه الأصغر، وفي حكمه الوجهان عند الإطلاق: وأظهرهما: أن حكمه حكم الأم، لما تقدم.
وما ذكره ((الرافعي)) من أن نسب ملك اليمين، هل ينتفي بدعوى الاستبراء؟ [فيه خلاف، قد يفهم أن من وطيء أمة، وأتت بولد يمكن أن يكون له- يكون في نفيه بدعوى الاستبراء] والحلف عليه خلاف، وهذا مما لا خلاف فيه، بل الخلاف الذي أشار إليه [فيما إذا] استبرأ أم ولده، ثم أتت بولد بعد ذلك في زمن يحتمل أن يكون حادثًا بعد الاستبراء، هل يلحقه، لزعمنا: أن الفراش لا يقطعه الاستبراء، أو لا يلحقه، لقولنا: إن الاستبراء يقطعه، لأن هذا هو المذكور ثم، وقد أشار إليه الإمام هاهنا.
ولو كان المعين الأكبر، فلا يخفى حكمه، والقول في حكم الأوسط والأصغر على ما ذكرناه في الأصغر إذا عين الأوسط.
ولو مات السيد قبل التعيين عين وارثه، فإن عين الولد، سئل عن كيفية الاستيلاد، كما قاله أبو الطيب، فإن بينه عمل ببيانه، وإلا كان فيه الوجهان فيما إذا أطلقه الميت.
وإن لم يعين، وقال: لا أعلم، أو: لم يكن له وارث محقق- عرضوا على القائف، ليعين، والحكم عند تعيينهم كما لو عين السيد، والأم هل يحكم بكونها أم ولد؟ فيه قولا الإطلاق، أو وجهاه، لأنه لا مدخل للقافة في أمية الولد، قاله القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما.
ولو عين القائف نسب اثنين منهم، انتفى نسب الثالث، ولم يثبت نسب الاثنين، بل انحصر الابن في واحد منهما، قاله الماوردي.
ولو تعذر التعيين من جهة القائف، قال الماوردي: فإن كان السيد قد قال: إن الاستيلاد حصل في غير الملك، أقرع [بينهم]، ولا نسب لمن خرجت له القرعة، وهو مما لم يختلف فيه المزني وسائر أصحابنا.
وإن كان قد قال: إن العلوق حصل في الملك- أي: أو أطلقه، وقلنا: المطلق يحمل على ذلك- فهل يحكم بنسب الصغير؟ فيه وجهان ينبنيان على أن المقر لو عين الأوسط هل يحكم بنسب الصغير؟ فيه الوجهان:
فإن قلنا: يكون نسيبًاً، فكذلك هاهنا، لأنه لا يخلو من أن يعينه أو أن يعين غيره: فإن عينه، كان نسيبًا [وحده]، وإن لم يعينه كان نسيبًا مع المعين، وعلى هذا يثبت الإرث.
قال ابن سريج: وهذا قول المزني.
وإن قلنا: لا يكون نسيبًا فيما إذا عين المقر الأوسط، فكذلك هاهنا، لكن هل يحكم بتبعيته لأمه؟ فيه الوجهان:
فإن قلنا بالتبعية، عتق، وتسقط القرعة بين الآخرين، ويرقان.
وإن قلنا: لا تثبت له صفة الأم، لم يعتق، فعلى هذا يقرع بين الثلاثة، فإذا خرجت على أحدهم عتق، ولا يرث، ورق من سواه، والأم حرة في الأحوال كلها، لأنها أم ولد.
والذي أورده ((الرافعي)) وغيره فيما إذا فات التعيين من جهة القائف: أن النص: أنه يقرع بينهم، لمعرفة الحرية، وهو المختار في ((المرشد)).
وثبوت الاستيلاد على التفصيل الذي سبق.
واعترض المزني في ((المختصر)) بأن الأصغر حر بكل حال، [لأنه إما أن يكون المستلحق، أو ولد أم الولد، وولد أم الولد يعتق بموت السيد، وإذا كان
حرًّا بكل حال]، وجب ألا يدخل في القرعة، لأنها ربما خرجت على غيره، فيلزم إرقاقه.
وقد حكى الإمام عن بعض الأصحاب: أنه صار إليه، وضعفه بما سنذكره، واختلف الأصحاب في الجواب عنه:
فسلم بعضهم حريته، وقال: إنه لا يدخل في القرعة ليرق إن خرجت لغيره، بل ليرق غيره إن خرجت عليه، ويقتصر العتق عليه، وعلى هذه الطريقة الفوراني، وينطبق عليها قول الإمام في تضعيف قول المزني: إنا إنما نقرع بين عبدين نتحقق أن [فيهما حرًا، ومن] الجائز أن يكون المتسلحق الصغير، ويكون الأكبران رقيقين، فكيف نقرع بينهما؟!
ومنع آخرون من حريته، بناء على أنها وإن كانت أم ولد، فولد أم الولد يجوز أن يكون رقيقًا كما تقدم، وهذا ما أورده ابن الصباغ والقاضي أبو الطيب.
وذكر الفوراني طريقة أخرى: أنه حر بكل حال، والأظهر الأول.
ثم إذا أقرعنا بينهم، فمن خرجت عليه فهو حر، والمشهور: أن النسب والميراث لا يثبتان.
وعن المزني في ((المختصر)): أن الأصغر نسيب بكل حال، لأنه دائر بين أن يكون هو المراد بالاستلحاق وبين أن يكون ولد أمته التي صارت فراشًا له بولادة من قبله.
قال ((الرافعي)): وجرى الأصحاب على دأبهم في الطعن على اعتراضاته مبادرين، لكن الحق المطابق لما تقدم: أن يفرق بين ما إذا كان السيد قد ادعى الاستبراء قبل ولادة الأصغر، أو لا؟ ويساعد في الحالة الثانية.
وإذا ثبت النسب ثبتت الحرية لا محالة، وحيث لا يحكم بثبوت النسب، فهل يوقف الميراث؟ فيه الوجهان السابقان في الفرع قبله، واختيار المزني وبعض الأصحاب- كما قال الماوردي-: الوقف، وقال الإمام: إنه الأقيس.
وتأول المزني قول الشافعي: ((ولا ميراث))، [يعني] لمن عتق بالقرعة، لا أنه