كتاب الشهادات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وفي ((الحاوي)): فيهم في باب حد الزنى ثلاث طرق:
إحداها: أن في حدهم القولين.
والثانية: لا يحدون قولًا واحدًا وإن حدوا عند نقصان العدد، لأن نقصان العدد نص، ونقصان الصفة اجتهاد، وهذه نسبها في باب اللعان إلى الإصطخري، وضعفها.
والثالثة- حكاها الشيخ أبو حامد-: أنه إن كان الرد بنقصان الصفة بأمر ظاهر: كالرق، والفسق، جرى مجرى نقصان العدد، فيكون في حد الجميع قولان.
وإن كان بأمر خفي: كالعداوة والفسق الخفي، فلا يصيرون قذفة، و [لا] يحدون قولًا واحدًا، لأن الظاهر منه كالنص ترد به الشهادة قبل سماعها، والخفي منه اجتهاد ترد به الشهادة بعد سماعها.
وجزمٍ القاضي الحسين بأن العبيد إذا انفردوا بالشهادة، أو الكفار، أو النسوة حدوا قولًا واحدًا.
وأما المعلنين بالفسق الذي لا يتوصل إليه بالاجتهاد، قال الإمام: ففيهم قولان ذكرهما ابن سريج، وحكاهما القاضي أيضًا:
أحدهما: أن الحكم كذلك.
والثاني: أنهم لا يحدون، فإن من العلماء من يجعل الفاسق من أهل الشهادة.
وحكى الإمام فيما لو كان فسقة في الباطن دون الظاهر وجهين مرتبين على ما لو كانوا معلنين بالفسق، وقال: هاهنا أولى بألا يجب الحد، بل هو ظاهر المذهب، لأنهم لو شهدوا في مال، فردت شهادتهم، ثم تابوا، وأعادوها- لم تقبل، ولو جاء عند مجيء الشهود، فردت شهادته، ثم عتق، فأعادها، قبلت.
ولو ردت شهادة المعلن بالفسق، ثم أعادها بعد التوبة، ففي سماعها وجهان.
قال: ويمكن أن يجعل هذا ضابطًا فيما نحن فيه، فيقال: كل من ردت شهادته، فإذا زايل حاله [حالة]، ثم أعاد الشهادة، لا تقبل شهادته المعادة، فإذا شهد على الزنى مع كمال العدد، ثم اطلع على تلك الصفة، وردت شهادته- فلا يكون قاذفًا، ولو كان على صفة لو شهد عليها، ثم زايلته فأعادها، قبلت، فإذا شهد على الزنى، فردت شهادته، للصفة التي ذكرناها- فهو قاذف، لأنه ليس من أهل الشهادة.
وقضية هذا الضابط: أن يكون فيمن ردت شهادتهم مع كمال العدد، لأجل العداوة وجهان، لأن في قبول شهادتهم المعادة وجهين، وقد ألحقهم بمن ردت شهادتهم بفسق مجتهد فيه، وقد ادعى أنه لو ردت شهادتهم بفسق مجتهد فيه: [أنه لا خلاف في] أنهم لا يحدون، وهو [فيه] متبع للقاضي.
عدنا [إلى ما] نحن فيه: قال الماوردي: فإن قلنا: إنه لا حد عليهم عند نقصان العدد، فهاهنا أولى، وإن قيل بوجوبه عند نقصان العدد، فهاهنا ثلاثة أوجه:
أصحها: أنه لا حد على جميعهم، لقوة الشهادة بكمال العدد، وبكمال صفة الأكثرين.
والثاني: يحد الجميع، لرد شهادتهم.
والثالث: يحد من نقصت صفته بالرق والفسق، ولا يحد من كملت صفته بالعدالة.
وقال القاضي أبو الطيب: إن ردت شهادة الرابع بأمر ظاهر: كما إذا كان عبدًا، أو كافرًا، أو امرأة، أو فاسقًا ظاهرًا- كان ذلك بمنزلة نقصان العدد، لا يختلف أصحابنا فيه، لأن وجود ذلك الواحد وعدمه سواء، وظاهر كلامه يعود إلى الثلاثة، وأما الرابع فقد سكت عنه.
وقضية كلام القاضي الحسين والإمام: أنه يحد قولًا واحدًا إن كان رد شهادته لغير الفسق، [وإن كان للفسق] الظاهر فيجيء فيه القولان.
وقال النبدنيجي: إن القولين جاريان في الذي ردت شهادته كيف كان.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كان رد شهادة الرابع بأمر خفي مثل أن يكون فاسقًا في الباطن دون الظاهر، فقد اختلف أصحابنا فيه:
فمنهم من قال: هذه- أيضًا- بمنزلة نقصان العدد.
منهم من قال: لا يحدون قولًا واحدًا، لأن الفسق إذا كان باطنًا لا تفريط من جهتهم في الشهادة معه، وكانوا معذورين، فلم يحدوا، وليس كذلك نقصان العدد، أو سقوط العدالة بأمر ظاهر مشهور، فإنه مفرطون فيه، فحدوا بسببه.
وقد حكى ابن الصباغ هاتين الطريقين أيضًا، وقال البندنيجي: إن الثانية هي المذهب، ونسب القائل بالأولى إلى الشذوذ، وقال: إن الذي ردت شهادته ظاهر المذهب- أيضًا- أنه لا حد عليه.
قال ابن الصباغ: لأنه قد لا يعلم أنه ترد شهادته.
ولو فسق واحد من الأربعة بعد الشهادة، قال البندنيجي: فلا حد عليه، ولا على الباقين، كما لو مات- يعني: قبل أن يشهد- فإنه لا حد على الباقين، كما حكاه أبو الطيب عن الشافعي.
ووجهه بأنه يحتمل أنه لو شهد، شهد بما يتم به النصاب، ويشبه أن يكون فيهم ما ذكرناه فيما إذا رجع واحد منهم، وأصر الباقون.
قال: وفي الإقرار بالزنى قولان:
أحدهما: يثبت بشاهدين- أي: ذكرين- كغيره من الأقارير، [وهذا أصح عند القاضي الروياني، وصاحب ((المرشد))، والنواوي].
والثاني: لا يثبت إلا [بأربعة، لأنه إقرار بفعل، فلا يثبت إلا] بما يثبت به ذلك الفعل، لاستوائهما في الموجب، وهذا حكاه الماوردي في كتاب اللعان عن القديم، ونسب الأول إلى الجديد، وفرق بينه وين الشهادة بالزنى بأن المقر بالزنى لا يتحتم حده، لأن له إسقاطه بالرجوع، والمشهود عليه بفعل الزنى يتحتم الحد عليه، فغلظت البينة في الفعل، وخففت في الإقرار، وسائر الحقوق يستوي فيها حالة الإقرار وحالة ثبوت الفعل بالبينة، فلذلك لم تختلف البينة فيها.
فرع: هل يعتبر في صحة الإقرار بالزنى التفسير كما يعتبر في الشهادة [به]؟ فيه وجهان تقدمت حكايتهما، ولا يبعد تخريجهما من القولين هنا.
قال: ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال: كالرضاع- أي: من الثدي- والولادة، والعيوب [التي] تحت الثياب- أي: كالرتق، والقرن، والبرص، وغيره، سواء في ذلك ما تحت الإزار غيره مما يباح للمحارم النظر إليه خاصة، كما قاله في الحاوي، و ((البحر)) - شهادة رجلين، ورجل وامرأتين، وأربع نسوة.
أما قبول شهادة النساء منفردات في ذلك وما في معناه، فالأصل فيه ما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة بأن يجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن.
ولأن الرجال لا يطلعون على ذلك غالبًا، فلو لم تقبل فيه شهادة النسوة منفردات، لتعذر إثباته.
وأما اعتبار الأربع، فلأنه قد تقرر أنا ما ليس بمال ولا يقصد منه المال لا يثبت إلا برجلين، وهذا منه، وإنما جوز فيه شهادة النساء لما ذكرناه، فاقتضى ذلك اعتبار الأربع، لأن الله تعالى أقام المرأتين مقام الرجل، وقال صلّى الله عليه وسلّم: ((النساء ناقصات عقل ودين))، قيل: يا رسول الله، وما نقصان عقلهن؟ قال: ((أما نقصان عقلهن، فإن شهادة المرأتين بشهادة رجل واحد))، وروي: ((أليس شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل)).
فإذا ثبت قبول شهادتهن منفردات كان قبول شهادة الرجل والمرأتين والرجلين من طريق الأولى.
وقد حكى الإمام في أواخر الرضاع أن صاحب ((التقريب)) حكى عن الإصطخري أنه كان يقول: لا يثبت الرضاع ولا عيوب النساء الباطنة، وإنما تثبت بشهادة النساء المتمحضات، وهذا متروك [عليه] غير معتد به.
وقد ألحق البندنيجي بما ذكرناه استهلال المولود إذا ولد، وقال: إن شهادة النساء مقبولة في هذه المواضع الأربعة.
فأفهم إيراده عدم قبولها فيما عداها.
وقد ألحق غيره بها البكارة، والثيابة، والحيض.
وحكي عن الربيع أنه قال: في الاستهلال قول آخر: أنه لا يقبل فيه [النساء على] الانفراد.
قال البندنيجي: وهذا من [كيسه].
قال البندنيجي والقاضي الحسين والبغوي: ولا يلتحق بذلك الجراحات الصادرة على العورات في الحمامات، بل [كل] ذلك لا يثبت إلا بما يثبت الجرح [به] على غير العورة وإن كان لا يطلع عليه الرجال بحال، لأن أصل
الجراحات مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وهذا ما أشار إليه الأصحاب عند الكلام مع الإمام مالك في منع شهادة الصبيان على الجراحات.
وادعى القاضي أبو الطيب ثم الإجماع على ذلك.
[ثم] قال البندنيجي والبغوي: فإن كان ذلك الجرح مما يوجب القود فلا يثبت إلا بعدلين ذكرين، وإن كان لا يوجب القود ثبت بشاهدين، وشاهد وامرأتين، وشاهد ويمين.
واعترض الرافعي على ما ذكر من العلة بأن جنس العيب- أيضًا- مما يطلع عليه الرجال غالبًا، وإنما الذي لا يطلعون عليه العيب الخاص، وكذلك الجراحة الخاصة.
أما الرضاع من لبن حلب في آنية، ففي ((التتمة)) في كتاب الرضاع: أنه لا يثبت إلا بشهادة رجلين، لأن هذا مما لا يختص النساء بالاطلاع عليه.
نعم، الشهادة على [أن] اللبن المحلوب في الأواني من لبن هذه المرأة تقبل فيه شهادتهن، لأن الرجال لا يطلعون على حلب اللبن في الغالب.
وقد أغرب في [آخر] كتاب الشفعة فقال إذا أخبر الشفيع نسوة بالبيع: إن ذلك ينبني على أن النسوة هل تقبل شهادتهن على الانفراد أم لا؟ إن قلنا: تقبل، فهو كما لو شهد عدلان، وإن قلنا: لا تقبل، فهو كما لو شهدت امرأة واحدة.
ولعل ما ذكره محمول على ما تقبل شهادتهن منهن على وجه التبعية، كما حكيناه عن الماوردي في باب اللقيط فيما إذا ادعى رجل رقه: أنه تسمع شهادة أربع نسوة بالولادة في ملكه، وتكون شهادتهم بملك الأم عند الولادة [مقبولة تبعًا للشهادة بالولادة].
والعبوب في الوجه والكفين من النساء، ادعى الماوردي في باب شهادة النساء: أنه لا [تقبل] فيها إلا شهادة الرجال دون النساء إجماعًا، ولم يفصل بين الحرة والأمة، وقد صرح به القاضي الحسين فيهما، ووافقهما البغوي على ذلك في
الحرة، وقال: إن العيب إذا كان في وجه الأمة، أو بموضع من بدنها يبدو في المهنة- يثبت برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، لأن المقصود منه المال.
وقال القاضي الحسين فيما إذا كان العيب على ظهر الأمة أو بطنها، هل يثبت بشهادة النسوة؟: فيه وجهان ينبنيان على أن النظر إلى بطن الأمة وظهرها هل يجوز؟ وفيه وجهان.
تنبيه: سكوت الشيخ في هذا النوع عن ذكر اليمين يفهمك أنه لا يثبت بشاهد ويمين، ولا بامرأتين ويمين، كما صرح به الماوردي في الرضاع، وابن خيران فيه، وفي غيره مما يثبت بشهادة النسوة.
قال الرافعي: وهو الموافق لإطلاق عامة الناقلين.
وحكى ابن أبي الدم أن الشيخ أبا علي قال في ((شرحه الكبير)): إن أبا الطاهر الزيادي قال: يثبت الرضاع والولادة بشهادة امرأتين، ويمين المدعي، لأن هذه شهادة توقفت على امرأتين، فجاز أن يقوم اليمين فيها مقام امرأتين، كالشاهد الواحد في المال.
وأن القفال قال: إنه خطأ، لأن اليمين دخلت في الأموال لخفتها، ودخول البدل فيها، وثبوت الرضاع والولادة بشاهد وامرأتين لم يكن لخفة ذلك، بل للحاجة إليه.
أما ما تحت إزار النساء من العيوب لا يثبت إلا برجلين، أو رجل وامرأتين، وأربع نسوة، ولا يثبت بشاهد ويمين.
انتهى.
وهذا يفهم اختصاص الخلاف بالرضاع والولادة.
وقد حكى الرافعي في باب الشاهد واليمين عن رواية السرخسي عن طائفة- منهم الشيخ أبو علي- إجراء الوجه المذكور في كل ما يسمع فيه شهادة النسوة منفردات، بخلاف الأموال، حيث لا تقبل فيها شهادة امرأتين ويمين المدعي بلا خلاف، لأن المنضم إلى اليمين إذا شهدت امرأتان في الأموال أضعف شطري
الحجة، فلا يقنع بانضمام الضعيف إلى الضعيف، كما لا يقنع بانضمام امرأتين إلى امرأتين فيه، وهاهنا المنضم إلي اليمين شطر تام من الحجة لا أضعف الشطرين.
والقائلون بالأول قالوا: المنصوص على جواز الحلف معه أقوى الشطرين، وليس الأقوى ثابتًا هنا، فلم يكن ذلك في معنى المنصوص عليه.
فرع: ما قبلنا فيه شهادة النسوة على فعله لا نقبل فيه شهادتهن على الإقرار، صرح به المتولي وغيره في الإقرار بالرضاع، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفرعين:
أحدهما: قال صاحب ((التقريب)): لو اجتمع طائفة، فشهد اثنان منهم لاثنين بوصية في تركة، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين بوصية في تلك التركة- قال الشافعي: لا تقبل شهادتهما، فإنهم متهمون، وهذه رواية الربيع، قاله [في ((الإشراف))]، وأن به أجاب الزجاجي.
قال صاحب ((التقريب)): وكذلك لو كان لرجل ديون على طائفة من الغرماء، ولقوم عليهم ديون- أيضًا- فتناوبوا في الشهادة على الصورة التي ذكرناها- فالشهادة مردودة.
قال الإمام: وعندي أن ما ذكروه مشكل، والقياس: القطع [بقبول الشهادة]، ومن أحكم الأصول لم يخلف [عنه] ما ذكرناه، ولم أر ما حكاه صاحب ((التقريب)) في شيء من الكتب.
قلت: وقد حكاه القاضي الحسين في ((تعليقه)) أيضًا، وقال: إن أصحابنا قالوا: لو شهد بعضهم لبعض بالدين على رجل واحد، نظر:
إن كان [الرجل] مفلسًا لا يقبل، لأنهم يشتركون في ماله، وإن [لم يكن] مفلسًا قبل، وهذا على ظاهر المذهب الذي لا يقبل شهادة الشريك في حصة
شريكه إذا كان له فيه شريك
الثاني: إذا ادعى شخص على آخر شيئًا في يده، وأقام بينة، فأقام المدعى عليه شاهدين على أن الشيء له، فعاد شهود المدعي، وشهدوا بجرح شاهدي المدعى عليه- قال في ((البحر)) قبل كتاب الشهادات: الأظهر أن هذه الشهادة مسموعة، إذ لا مانع من قبولها من قرابة وعداوة وغيرهما.
وقال بعض أصحابنا: لا تقبل هذه الشهادة، لأنهم متهمون في تنفيذ شهادتهم، وهذا ضعيف، لأن شاهد الفرع إذا عدل [شاهد] الأصل قبل، وإذا شهد الرجل مع ابنه بحق قبل، وما ذكروه من التهمة الضعيفة موجود في هذين الموضعين، والله عز وجل أعلم.
باب تحمل الشهادة وأدائها، والشهادة على الشهادة
ولا يصح التحمل إلا بما يقع به العلم، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:86] فشرط في الشهادة أن تكون بحق معلوم، فدل على أنها لا تجوز بحق غير معلوم، ولا أن تكون بمعلوم ليس بحق، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء:36] أي: لا تتبع، من قولهم: قفا فلان أثر فلان، إذا تبعه، ويقال: هو مقتف أثر فلان، وقاف أثره، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:36]، ومعنى ذلك: لا تقل في شيء بما لا تعلمه، فإن جوارحك شواهد عليك، كذا قاله أبو الطيب.
وفي ((البحر)): أن قتادة قال في تفسير هذه الآية: لا تقل: سمعت ولم تسمع، ورأيت ولم تر، وعلمت ولم تعلم.
وهو قريب مما في ((الحاوي))، فإنه قال: الآية دليل على أنه يشهد بما علمه بسمعه، وبصره، وفؤاده، فالسمع للأصوات، والبصر للمرئيات، والفؤاد للمعلومات، فجمع في العلم بين جميع أسبابه، ليخرج من غلبة الظن إلى حقيقة العلم، وقد روي [عن] عطاء وطاوس عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الشهادة، فقال: ((هل ترى الشمس [طالعة]؟ قال: نعم، قال: [على] مثلها فشاهد، أو فدع)).
ولأن الشهادة مشتقة من المشاهدة التي هي أقوى الحواس دركًا، وأثبتها علمًا، لم يجز أن يشهد إلا بأقوى أسباب العلم في التحمل والأداء، وهذا هو الأصل في الشهادة، وقد يلحق الظن بالعلم في بعض الصور، للحاجة كما ستعرفه.
قال-[رحمه الله- ولا يصح التحمل إلا بما يقع به العلم] فإن كان فعلًا:
كالزنى والغصب، لم يصح التحمل فيه إلا بالمشاهدة، أي: ولا يصح بالاستفاضة، لأن بالمشاهدة يصل إلى العلم به من أقصى جهاته، وما أمكن الوصول إلى علمه بالأقوى، لم يجز أن يشهد به إذا وصل إليه بالأضعف، لما ذكرناه من الأدلة السالفة.
ومن هذا القسم: الرضاع، والولادة، والاصطياد، والإحياء، وكون المال في يد الشخص، والقتل، والقطع، وشرب الخمر، والسرقة، واللواط، ونحو ذلك.
ويسمع في هذه الأشياء شهادة الأصم.
قال: وإن أراد أن يتعمد النظر إلى ما تحت الثياب، لتحمل الشهادة، جاز على ظاهر النص، لأن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلًا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: ((نعم))، فدل على أن للشهود أن يتعمدوا النظر إلى موضع الزنى.
قال الأصحاب: ولأن الذين شهدوا بزنى المغيرة بن شعبة تعمدوا النظر إلى فرج المغيرة والمرأة، ولم ينكر [ذلك عليهم] أحد، وهذا ما اختاره صاحب ((التلخيص))، وأبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وهو مأخوذ من قول الشافعي: ((وتقبل شهادة النساء فيما لا يجوز للرجل غير ذي المحارم أن يتعمدوا النظر إليه لغير شهادة))، فإن هذا يقتضي أنه يجوز تعمد النظر إليه للشهادة.
وقيل: لا يجوز، لأن الزنى مندوب إلى ستره، والعيوب التي تحت الثياب تقبل فيها شهادة النساء منفردات، فلا حاجة إلى تعمد النظر إلى العورات، هذا قول أبي سعيد الإصطخري، واختاره في ((المرشد))، وقال: إن الذين شهدوا على المغيرة وقع بصرهم عليه اتفاقًا.
وقيل: لا يجز في غير الزنى- أي: كالرضاع، والعيوب، ويجوز في الزنى، والفرق: أن الزانيين هتكا حرمة أنفسهما، وليس كذلك المرضعة وذات العيب.
ولأن شهادة النسوة تقبل فيما عدا الزنى، فلا حاجة بنا إلى تعمد الرجال العورات لأجله، ولا كذلك الزنى، فإن شهادة النسوة لا تقبل فيه، فلو لم نجز
للرجال أن يتعمدوا النظر لإقامة الشهادة عليه، لأدى إلى بطلان حد الزنى، فإن وقوع البصر على ذلك اتفاقًا نادر.
وقيل: يجوز في غير الزنى، ولا يجوز في الزنى، لأن الزنى مندوب إلى ستره، وهو حق لله تعالى، وهو مبنية على المساهلة والدرء والإسقاط ما أمكن، وغير الزنى بخلاف ذلك.
والصحيح في ((البحر)) و ((الرافعي)) وغيرهما: الأول.
قال ابن القاص: وكان ابن سلمة يقول بالوجه الثالث، لأجل ما ذكر من الفرق حتى وجد في ((أحكام القرآن)): أن شهادة الرجال في الرضاع والولادة جائزة رأوه مفاجأة أو تعمدوا قاصدين به أداء الشهادة.
فرجع عنه.
وأيد ذلك صاحب ((التلخيص)) بأنه لو وقعت في يد امرأة أكلة، جاز للرجل أن يداويها، وينظر إليها وإن كان يتهيأ طلب امرأة تداويها، فكذلك ما نحن فيه.
قال في ((الحاوي)) في باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة: ويستحب توقف الشهادة على تحمل الشهادة بالزنى، والشرب، ونحو ذلك.
ولا خلاف في أنه يجوز أن يتعمد النظر إلى الوجه عند تحمل الشهادة لها، أو عليها، وكذا عند الأداء إذا كان لا يعرفها، ليضبط حلاها وإن كانت في غاية الجمال، إلا أن يخاف الفتنة، فلا ينظر، ويكف عن الشهادة إلا أن تكون متعينة عليه، فإنه ينظر بعد ضبط نفسه، كما قاله الماوردي، والرافعي.
نعم، لو تعمد النظر للوجه من غير حاجة بشهوة، فسق به، ولو كان بدون شهوة، ففي جوازه خلاف مذكور في ((الوسيط)) وغيره في كتاب النكاح.
وقال الماوردي هنا: إنه مبني على خلاف ذكره العلماء في تأويل قوله صلّى الله عليه وسلّم لعلي: ((لا تتبع النظرة النظرة، فإن الأولى لك، والثانية عليك ...)).
فمنهم من قال: يريد لا تتبع نظر عينك نظر قلبك، فعلى هذا لا يأثم بالنظر بغير شهوة، ويكون على عدالته، وقد حكى الإمام هذا عن الجمهور.
ومنهم من قال: لا تتبع النظر الأولى التي وقعت سهوًا بالنظرة الثانية التي أوقعتها عمدًا، فعلى هذا يكون بمعاودة النظر آثمًا يخرج به عن العدالة، فلا تقبل شهادته إلا بعد التوبة، وهذا ما ذهب إليه طوائف من الأصحاب.
وقال الإمام في أول كتاب النكاح: إن إليه ميل العراقيين.
ثم إذا جاز أن ينظر إلى وجهها، ليعرفها في الشهادة لها عليها، قال في ((البحر)): قال جمهور الفقهاء: يجوز أن ينظر إلى جميع وجهها، لأن جميعه ليس بعورة، وعلى هذا هل يجوز النظر إلى كفيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأنه ليس بعورة.
والثاني- وهو قول الأكثرين-: لا يجوز، لاختصاص المعرفة بالوجه.
وقال في ((الحاوي)) بعد حكاية أقوال العلماء فيما يباح النظر إليه من الوجه عند التحمل أوردها الروياني [أيضًا]: والصحيح أنه ينظر إلى ما [يعرفها به]، فإن كان لا يعرفها إلا بالنظر إلى جميع وجهها، جاز له النظر إلى جميعه، وإن كان يعرفها بالنظر إلى بعض وجهها، لم يكن له أن يتجاوزه إلى غيره.
وفي ((الرافعي)): إن الصميري ذكر أنه لو نظر إلى أكثر وجهها وسمع كلامها، جاز، ولعله محمول على إحدى هاتين الحالتين.
قال الماوردي: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا ألا يتحقق إثباتها إلا بنظرة ثانية، فيجوز [منه]، وسنذكر من بعد شيئًا يتعلق بذلك.
قال: وإن كان عقدًا- أي: [من] بيع ونحوه، وطلاق ونحوه، أو إقرارًا- فلابد من مشاهدة العاقد، والمقر، وسماع كلامهما- أي: ولا يكتفي في ذلك بالتسامع- لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس، لم يجز أن يعمل فيه بالاستدلال المفضي إلى غالب الظن.
تنبيه: المفهوم من قول الشيخ أن العاقد والمقر لو كان امرأة فلابد من مشاهدته، والمشاهدة إنما تحصل بسفر النقاب، وكشف الوجه.
وعبارة الإمام في ذلك: أنه لا يحل تحمل الشهادة على منقبة.
وقريب منها قول الغزالي: لا يجوز تحمل الشهادة على امرأة منقبة.
قال الرافعي: إن لك أن تقول: ما ينبغي أن يتوقف جواز التحمل على كشف الوجه، لأن حضور امرأة، أو شخص تحت النقاب، وإقرار ذلك الحاضر متيقن، فإذا رفعت المرأة إلى القاضي، والمتحمل يلازمها يتمكن من الشهادة على عينها بأنها أقرت بكذا، وهو نظير صورة الضبط في شهادة الأعمى.
وقد يحضر قوم يكتفي بإخبارهم في التسامع، قبل أن تغيب المرأة- إذا لم يعتبر في التسامع طول المدة، كما سيأتي- فيخبرون عن اسمها، ونسبها، فيتمكن من الشهادة على اسمها ونسبها، بل ينبغي أن يقال: لو شهد اثنان تحملا الشهادة على امرأة لا يعرفانها أن امرأة حضرت يوم كذا بمجلس كذا، فأقرت لفلان بكذا، وشهد عدلان أن المرأة المحضرة يومئذ في ذلك المكان هذه- كان يثبت الحق بالبينتين، [أليس] لو قامت بينة على أن فلان بن فلان الفلاني أقر بكذا، وقامت بينة أخرى على أن هذا الحاضر هو فلان بن فلان- ثبت الحق، فما الفرق بين تعريف المشهود عليه المطلق باسم ونسب، وبين تعريفه بزمان ومكان، وإذا اشتمل التحمل على هذه الفوائد، وجب أن يجوز مطلقًا، ثم إن لم يعرض ما يفيد جواز الشهادة على العين، أو على الاسم والنسب، ولم ينضم إليه ما يتم به الإثبات، فذاك شيء آخر.
قلت: وما ذكره فقه ظاهر لا ينكره ذو فطنة، لكن مراده الأصحاب بأنه لا يجوز التحمل على المرأة المنقبة، ليؤدي ما تحمله، اعتمادًا على معرفة صوتها، كما أشار إليه الروياني في بعض كلامه هنا، ولا يقدح في ذلك ما قاله المتولي في كتاب النكاح: أنه لو قال: زوجتك هذه، وهي منقبة، لا يصح، لأنها مجهولة، كما لا يتحمل الشهادة عليها إلا بعد مشاهدتها، لأن حالة التحمل في النكاح ملحقة بحالة الأداء في غيره، لوجوب ذلك.
ولكن لقائل [أن] يقول: قد حكى الماوردي أن الناس اختلفوا في جواز تحمل الشهادة عمن لا يعرفه، ولمن لا يعرفه.
فمنع منه قوم، لأن المقصود بالشهادة أداؤها، ومع الجهالة لا يصح، فصار الشاهد غارًا.
وقال قوم: يكفي المقر أن يأتيه بمن يعرفه، ثم يشهد عليه بعد التعريف، ولا يشهد عليه قبله.
والذي عليه الجمهور: أنه يجوز أن يشهد على من لا يعرفه، ولمن لا يعرفه إذا أثبت صورتهما، وتحقق أشخاصهما، ثم إن عرفهما عند أداء الشهادة أدى، وإلا لم يجز [له إقامتها.
ثم ظاهر إطلاق الغزالي وإمامه يقتضي منع التحمل على المرأة المنقبة مطلقًا].
وقد قال في ((الحاوي)) و ((العدة)): إن هذا مخصوص بما إذا لم يعرفها الشاهد فيه، فإن عرفها منتقبة لم تكشفه.
فإن قلت: قد حكينا فيما لو كان العاقد أو المقر من وراء ثوب خفيف مشف في جواز التحمل عليه وجهان:
أحدهما- وهو الأصح في ((الرافعي)) -: الجواز، لأنه لا يمنع من مشاهدة ما وراءه.
والثاني: لا يجوز، لأن الاشتباه معه يجوز، وهذه الصورة أولى أن يجري فيها [هذا] الخلاف، لأن البشرة ثم مشاهدة، وليست هنا كذلك.
قلت: الفرق أن البشرة ثم وإن شوهدت فمن وراء حائل لا يمنع الاشتباه كما ذكرنا، وهنا المنتقبة بعض وجهها مكشوف، وهو المعتمد في المعرفة، فلا اشتباه معه.
فرع: لو دخل رجلان بيتًا لا ثالث معهما فيه، وقد عرف ذلك شخص، وجلس على بابه، فسمعهما يتعاقدان عقدًا- قال البندنيجي: قال أصحابنا: صار متحملًا للشهادة، لأنه يقطع أنه ليس في البيت سواهما.
قال: وهذا عندي فاسد، [لأنه] وإن قطع أنه لا أحد سواهما، فهو لا يعرف البائع من المشتري منهما.
قال: إن كان نسبًا، أو موتًا، أو ملكًا مطلقًا- جاز أن يتحمل [بالاستفاضة] من غير معارضة، أي: ويؤدي.
هذا [الفصل] ينظم ثلاث مسائل:
الأولى- النسب:
ووجه جواز التحمل فيه بذلك: أن النسب لا يدرك قطعًا ويقينًا، وثبوته من طريق الظاهر، فلم يكلف تحقيقه فيه، لأن ذلك يؤدي إلى إسقاط الشهادة عليه.
قال في ((الإشراف)): ويجوز أن يشهد على النسب وإن لم يعرف المنسوب إليه بعينه.
واعلم أن بان يونس قال: ما ذكره الشيخ في النسب من جانب الأب، أما إذا كان من جانب الأم، فهو كالنكاح.
وهو في هذه العبارة متابع للغزالي، وفيها نظر، لأن النسب مأخوذة من الانتساب، وهو إلى الأب لا إلى الأم، ويدل [عليه] ما ذكره الأصحاب عند قولهم: إن الولد لا يزوج أمه، ولذلك لما أراد الإمام حكاية الخلاف في جانب الأم، قال: إن من أصحابنا من يلحق الانتماء إلى الأم بالانتساب إلى الأب، وهذا التقرير لا يحوج كلام الشيخ إلى تقييد، بل يكون على إطلاقه كما أطلقه غيره من العراقيين.
ثم قال الإمام: وهذا الخلاف قريب [المأخذ] من تردد الأئمة في أن المرأة كما تقدم.
وقد قال في ((الوجيز)): الأصح ثبوت الانتماء إلى الأم بالاستفاضة.
وحكى في ((الوسيط)) عن بعضهم القطع به.
قلت: وقد يقال: إن في كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه يجوز تسمية الانتماء إلى الأم نسبًا، على سبيل المجاز.
وفي كلام الشيخ ما يدل عليه، لأنه قال بعد ذكر النسب والموت والملك المطلق: جاز أن يتحمل بالاستفاضة من غير [معاينة، ومعاينة] ذلك من جانب الأب محال، فدل على إرادة جانب الأم.
لكن جوابه: أن المراد معاينة النسب، وهو الولادة على الفراش، لا معاينة النسب نفسه، ويدل على ذلك أنه قال ذلك في الملك، والملك لا يشاهد، إنما المشاهد أسبابه من البيع والهبة والاحتطاب، ونحو ذلك، وهي التي أراد الشيخ أنه لا يحتاج إلى معاينتها، والله أعلم.
الثانية: الموت:
قال القاضي أبو الطيب: ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة: أنه لا يكاد يدرك حقيقة، لأنه ربما لحقته سكتة، وقد أمر بتعجيل الدفن، فلا يمكن تركه حتى يتحقق موته، لوقوعه في الأسفار- وهي كثيرة- والبراري، والقفار.
وقال غيره: لأن أسبابه كثيرة خفية، وظاهرة، يتعذر الوقوف عليها، فاكتفى فيه بالاستفاضة، كالنسب.
[قال في ((الإشراف)): يجوز أن يشهد به من لم يعرف الميت بعينه]، وهذا ما أورده الجمهور.
وحكى القاضي الحسين أن من أصحابنا من يلحق الموت بالمختلف فيه، فإنه على الجملة يمكن فرض العيان فيه.
قال الإمام: وهذا وإن كان منقاسًا فلا تعويل عليه، فإن موت الإنسان مما يشتهر ويقع في أفواه الناس كالنسب، وعماد تحمل الشهادة هذا.
الثالثة: الملك المطلق:
ووجه جواز التحمل فيه بالاستفاضة فقط: أنه لا يتصور العلم فيه وإن تصور الإحاطة بأسبابه، لأن حصوله بالبيع ونحوه فرع كون البائع مالكًا، وكذلك الكلام مملوكًا، فانفلت من مالكه، ومن احتطب أو احتش احتمل أن يكون من شيء مملوك جهل حاله، وإذا كان كذلك التحق بالنسب، وهذا ما أورده العراقيون، والفوراني.
وقال الإمام: أنه بعيد، فإن فرض له ثبوت فهو فيه إذا لم يعارض هذا التسامع يد وتصرف من الغير، ووراءه أوجه:
أحدها- حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب-: أنه لا يشهد بالملك بمجرد الاستفاضة، وهو الذي حكى الإمام عن القاضي القطع به، وقال: إنه قياس المراوزة.
نعم، إذا رآه يتصرف فيه شهد به، لأنه يجتمع له في العلم به السماع والمشاهدة، فيصل إليه من أقصى نهاية المكنة.
والثاني: أنه لا يشهد بالملك بالاستفاضة والتصرف، بل لابد مع ذلك من أن يكون في يده، وبه أجاب في ((الرقم))، ويحكى عن نصه في ((حرملة))، فإذا اجتمع ذلك جازت الشهادة [به] بلا خلاف، كذا قاله الإمام.
وفي ((البحر)) أن بعض أصحابنا بخراسان قال: في الأملاك قول آخر أنه لا تجوز الشهادة فيها حتى يعلم سبب الملك.
وهو أقيس، لكنه خلاف ظاهر المذهب المنصوص.
والاستفاضة المذكورة هنا صورتها أن يستفيض في الناس: أن هذه الدار، أو هذا العبد ملك زيد من غير إضافة إلى سبب، فإن كان المستفيض سبب الملك لم يتحمل عليه، كما تقدم.
قال ابن الصباغ وغيره: إلا أن يكون السبب الميراث، فيجوز، لأن الميراث يستحق بالنسب والموت وكلاهما يثبتان بالاستفاضة.
وقد ألحق الإمام بهذه الصور الثلاث صورة رابعة، وهي الشهادة بالإعسار، فقال: إنه يتحملها بالاستفاضة، لأنه لا مطلع عليه، ولو لم يكن في إثباته طريق لتخلد الحبس على المعسر من غير درك منتهى.
وفي ((الإشراف)) عند الكلام في الجرح والتعديل: أن الشاشي قال: تسمع في العدالة الشهادة بالشيوع من جماعة وافرة، وهذه صورة خامسة.
قال: وأما النكاح، والوقف، والعتق، والولاء- فقد قيل: يشهد فيها بالاستفاضة، لأن هذه الأشياء إذا ثبتت بقيت ودامت واشتهرت، وشهود المشاهدة [قد] يزولون لطول الزمان، فلو قلنا: لا تثبت بالاستفاضة، لتعطلت غالبًا.
وقد أيد في النكاح بأن أحدًا لا يشك في أن عائشة- رضي الله عنها- زوج النبي صلّى الله عليه وسلّم، والمستند فيه الاستفاضة، وهذا قول صاحب ((التخليص))، و ((الإيضاح))، وابن أبي هريرة، والإصطخري، وقال في ((الشامل)): إنه أقيس، وقال في ((البحر)): إنه أصح عندي، واختاره في ((المرشد))، والنواوي، و [في] ((الحاوي)): أن بعضهم جزم به في الولاء، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)).
وحكى أنه هل يحتاج عند الشهادة بالزوجية إلى أن يرى الزوج داخلًا إليها، وخارجًا من عندها- وجهين كالتصرف في الملك مع تظاهر الخبر.
وقيل: لا يشهد، لأن ذلك نشأ عن لفظ مسموع، فأشبه البيع.
قال البندنيجي: وهذا قول أبي إسحاق وغيره من أصحابنا.
وقال القاضي الحسين: إنه الأظهر.
وتبعه الإمام، والغزالي، والقاضي الروياني في ((جمع الجوامع)).
وقال في ((البحر)): إنه الأشبه بمذهب الشافعي [والأصح].
وقال الرافعي: إن به أجاب القفال في ((الفتاوى))، وأن العبادي رجحه أيضًا، وأن هؤلاء قالوا: ما ذكره الأولون يمكن تداركه بالشهادة على شهود الأصل، واستحبوا للحاكم أن يجدد شهود كتب الوقف مهما خاف انقراض الأصول.
قلت: وهو الذي نص عليه الشافي كما حكاه الأصحاب عنه في باب عقد الذمة.
وعن صاحب ((العدة)) أن هذا ظاهر المذهب، لكن الفتوى بالجواز للحاجة.
ثم أعلم أن محل الخلاف المذكور فيما إذا استفاض أن هذه زوجة فلان، لا عقد النكاح بينهما، وأن هذا وقف على فلان أو جهة عامة كما قاله الصيدلاني وغيره، لا أن فلانًا أنشأ الوقف.
وعن الشيخ أبي محمد: أن محله إذا كان الوقف على جهة عامة: كالفقراء، أما الوقف على معين فلا يجز استناد الشهادة فيه إلى الاستفاضة وجهًا واحدًا.
قال الإمام: وهذا لا اعتداد به، لأن الخلاف يجري في النكاح مع اختصاصه بشخص معين.
[و] قال في الإشراف: إنا إذا جوزنا الشهادة بالاستفاضة على الوقف فلا يشهد على المصرف، بل يشهد على المصرف، بل يشهد أنه وقف مؤبد، ثم الأمر بعد ذلك إلى القاضي يصرف غلة الموقوف إلى من يؤدي إليه اجتهاده، وأن هذا عتيق فلان، لا أنه أعتقه، وأن لزيد الولاء على عمرو.
وقد ألحق البندنيجي بهذه الصورة [صورة] خامسة وهي تولية القضاء إذا كان الموضع قريبًا كما تقدم.
والدين لا يثبت بالاستفاضة على الأصح.
وحكى الهروي وجهًا: أنه يثبت وإليه أشار ابن الصباغ عند الكلام في الملك المطلق بقوله: وأصحابنا لا يسلمون عدم ثبوته بالاستفاضة.
قال: وأقل ما يثبت به الاستفاضة اثنان، لأن الحاكم يعتمد على قولهما في الحكم، فكذلك الشاهد، وهذا قول الشيخ أبي حامد وأبي حاتم القزويني، ولم يورد البندنيجي والقاضي أبو الطيب سواه، ونسبه ابن الصباغ إلى المتأخرين من أصحابنا، وحكاه الإمام عن العراقيين، وأنهم قالوا: لا يعتبر في ذلك لفظ الشهادة من المخبرين، وكذا لا يشترط أن يأتي المخبر بصيغة الشهادة على الشهادة، لكن يعتبر أن يكونا عدلين، وتطيب نفس السامع بهما، وقد حكاه غيره.
وقال الماودري: إن هذا وهم من قائله، لأن قول الاثنين من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا تبلغ التتابع المستفيض، بل الصحيح أن الاعتبار في ذلك بالعدد المقطوع بصدق مخبره، وهو عدد التواتر المنتفي عن المواطأة والغلط، وعلى جرى [النواوي.
وقد حكى] الإمام هذا والذي قبله وجهين عن رواية الشيخ أبي علي، وأن القاضي وشيخه وغيرهما لم يوردوا غير الثاني، وقال: إن الأول وإن [كان] بعيدًا عن القياس فهو متجه عندي من جهة أن التواتر إنما يفيد العلم إذا كان مستندًا إلى معاينة المخبرين، هذا مما لابد منه، و [هو] غير ممكن في الأنساب، فإنه لا مستند لها من عيان.
قال الرافعي: وينبغي على الوجه الثاني ألا تعتبر العدالة ولا الحرية ولا الذكورة.
وقد حكى ابن الصباغ: أن كلام الشافعي يقتضي أن تكثر به الأخبار، لأنه شرط تظاهر الأخبار وذلك أن يكون بانتشارها كثيرًا، وكأنه يشير إلى قول الشافعي: ((من شرط جواز الشهادة فيما ذكرناه أن يتظاهر به الخبر زمانًا طويلًا ممن يصدق، ولا يكون هناك دافع يدفعه، ولا منازع ينازع فيه، ولا دلالة يرتاب)).
قال ابن يونس: ومفهوم كلام ابن الصباغ: أنه إذا كثرت الأخبار بحيث يقع في قلبه صدقهم، وإن لم يبلغوا عدد التواتر كفى.
ويقرب من ذلك قول الإمام: الذي أراه أن من اشترط الاستفاضة فربما يكتفي
[بالإشاعة] من غير تكثير، فإن التواتر إذا كان لا يوجب العلم بالباطن، وهو العلم حقًا، فالعماد أمر يرجع إلى العادة في إثارة غلبات الظنون، وهذا يكفي فيه الإشاعة وعدم التكثير.
وعلى هذا قال في ((البحر)): إذا تظاهر الخبر: إن كان من رجال ونساء، وصغار وكبار، وأحرار وعبيد- فهو الأوكد، لامتزاج من تصح شهادته بمن لا تصح.
ولو انفرد النساء والعبيد، صح به تظاهر الخبر، لقبول خبرهم.
ولو انفرد به الصبيان مع اختلاف أحوالهم، وشواهد الحال بانتفاء التصنع والمواطأة- احتمل في صحة التظاهر بهم وجهان.
وفي ((تعليق)) القاضي أبي الطيب: أنه سئل في الدرس عما إذا سمع من واحد، وسكن إلى قوله، هل يجوز له أن يتحمل الشهادة على ذلك، أم لا؟ فقال: يحتمل أن يقال: يجوز، لأن الاعتبار بما يسكن إليه قلبه، ويغلب على ظنه، وقد حكاه في ((المهذب)) وجهًا، وكذلك أبو الفرح السرخسي، وبه يحصل في المسألة- إن صح حمل النص على ما قاله ابن يونس- أربعة أوجه، وعليها يتخرج ما إذا أخبر شخص بأن هذه المرأة المنتقبة فلانة [بنت فلان]، ولم يكن يعرفها، ولا كشفت عن وجهها، وطلب منه أن يتحمل عليها أو لها شهادة، ويؤديها في غيبتها، فإن كان المخبر له عدد التواتر، انبنى جواز ذلك على خلاف الأصحاب في أن من شرط الاستفاضة تكرار الأخبار، وامتداد مدة السماع أو لا يشترط ذلك، ويكفي أن يخبر الشاهد جماعة لا يرتاب في صدقهم دفعة واحدة؟
فإن قلنا بالأول، وهو الذي أورده كثيرون- كما قال الرافعي، [و] منهم الروياني فإنه قال: الملك المطلق يثبت بسماع الخبر الشائع على اختلاف أحوالهم يقولون: هذه الدار لفلان، وهذه الدابة لفلان، ويتكرر ذلك على مرور الزمان، لا يرى فيهم منكر ولا منازع- فلا يجوز التحمل عليها، ولا لها، وعليه يدل ما حكاه في ((البحر)) - أيضًا- عن الشافعي حيث قال: ويسعه الشهادة على النسب
إذا سمعه زمانًا ينسب إلى نسب، وينسبه غيره إلى ذلك النسب، ولم يسمع دافعًا، ولا دلالة يرتاب بها، فهذه شروط أربعة: طول الزمان في انتسابه إلى ذلك النسب، ونسبة غيره إياه، وعدم الدافع، وعدم الأدلة التي هي سبب الريبة.
وكذلك قول الماوردي: إن النسب يثبت بسماع الخبر الشائع الخارج إلى حد الاستفاضة في أوقات مختلفة وأحوال مختلفة متباينة من مدح، وذم، وسخط، ورضا يسمع الناس فيها على اختلافهم يقولون: هذا فلان بن فلان، فيخصونه بالنسب إلى أب أدنى، أو يعمونه بنسب أعلى فيقولون: هذا من بين هاشم، أو [من] بني أمية.
وإن قلنا بالثاني- وهو ما روى القاضي ابن كج القطع به- جاز له التحمل.
ولو كان المخبر دون عدد التواتر، وفوق الاثنين على النحو الذي رآه الإمام يكون الحكم كما إذا أخبره عدد التواتر.
وعلى رأي الماوردي ومن معه [لا يجز له التحمل.
ولو كان المخبر عدلان، فعلى رأي الشيخ أبي حامد ومن معه] يجوز له التحمل، صرح به الرافعي وغيره، ومنه يظهر أن القائل بهذه الطريقة لا يشترط تكرر الخبر، فإنه لا معنى لاشتراطه مع الاكتفاء بخبر الاثنين.
وللإمام احتمال في منع ذلك أيضًا.
وفي ((أدب القضاء)) لابن أبي الدم: أن الشيخ أبا محمد كان يميل إلى جواز تحمل الشهادة على المرأة المنتقبة بالتعريف، للحاجة إلى ذلك، لا بناء على ثبوت النسب بالتسامع من عدلين إذا لم يكن يراه، [بل] لضرورة الناس إليه في مدايناتهم.
قال القاضي الحسين: وهذه عادة أهل هراة وغيرها من البلدان تأتي المرأة المحتشمة المخدرة مع شاهدين يقولان: نشهد أن هذه بنت فلان، ثم هي تقر بأن لفلان على كذا، فتكتب شهادته على الصك، ثم تودي الشهادة، وقد يحمل على هذا الوجه.
وعلى الوجه الثاني الذي صار إليه الماوردي: لا يجوز له التحمل، وإليه صار القفال، فإنه استشهد في مثل ذلك، فكتبك أشهدني فلان وفلان: أنها فلانة بنت فلان، وأنها أقرت، فلما طلب للأداء امتنع، وقال: كيف أشهد والشاهدان في السوق، يعني: أن شهادتي شهادة الفرع، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين، ولم يورد في ((الوجيز)) سواه.
ولو كان المخبر عدلًا واحدًا، وقد طابت النفس بخبره، فالذي يجيء على الأوجه المذكورة أولًا: أنه لا يشهد عليها، وعلى الأخير يتحمل، وقد حكاه الرافعي عن الشيخ أبي محمد، سلوكًا به مسلك الأخبار، وكذا حكاه ابن أبي الدم عن الهروي عنه.
قال الرافعي: وعليه جرى جماع من المتأخرين منهم القاضي الروياني.
وحكى عن رواية ابن كج عن الإصطخري أنه قال: إذا كان الشخص يعرف نسب امرأة، ولا يعرف عينها، فدخل دارها، وفيها نسوة سواها، فقال لابنها الصغير: أيتهن أمك أو لجاريتها: أيتهن ستك، فأشار إلى امرأة، فسمع إقرارها، جاز أن يشهد: أن فلانة بنت فلان أقرت بكذا، وأنه لم يقم إخبار عدلين بذلك مقام إخبار الصغير والجارية، لأنه أشد وقعًا في القلب وأثبت.
فروع:
أحدها: إذا سمع رجلًا يقول لآخر: هذا ابني، وصدقه الابن، أو: أنا ابن فلان، وصدقه فلان، قال العراقيون- كما حكاه الإمام، وأورده ابن الصباغ-: يجوز أن يشهد على النسب.
وكذا لو استلحق صبيًا أو بالغًا، فسكت.
قال ابن الصباغ: وإنما أقاموا السكوت في النسب مقام النطق، لأن الإقرار على الأنساب الفاسدة لا يجوز.
نعم، لو أنكر المستلحق ذلك لا يثبت النسب، ولا يشهد به.
وفي ((المهذب)) وجه: أنه لا يشهد عند السكوت إلا إذا تكرر منه الإقرار والسكوت.
وقال الإمام بعد حكاية ما ذكرناه أولًا: وهذا في قياس الفقه خطأ صريح، فإن قول الشخص الواحد من غير إشاعة في حكم الدعوى حيث ذكروه، ونحن وإن كنا نثبت نسب المولود بالدعوى فيستحيل أن يجوز اعتمادها للشهادة على النسب مطلقًا.
نعم، يشهد الشاهد على الدعوى، ثم يقع الحكم بموجبها، وعلى هذا جرى الغزالي.
وقال الرافعي: إنه القياس الظاهر، وربما أمكن تنزيل إيراد بعض الناقلين عليه، وهو في ((الحاوي))، لأنه قال: إذا قال رجل لرجل: أن ابنك، وصدقه، ثبت بتصديقه النسب، ويكون ثبوته بينهما بالإقرار، وتكون الشهادة عليه كالشهادة على الإقرار.
وإن لم يصدقه، ولم يكذبه، فإن لم يشهد حال إمساكه بالرضا لم يثبت النسب، و [إن] شهد حال إمساكه بالرضا، فقد قال أبو حامد الإسفراييني: يثبت النسب، لأن الرضا من شواهد الاعتراف، وهذا على الإطلاق ليس بصحيح، والحكم فيه: أنه إن لم يتكرر ذلك لم يكن اعترافًا بالنسب، وإن تكرر وزال عنه شواهد الخوف والرجاء في أحوال مختلفة، صار اعترافًا بالنسب، لأن أكثر الأنساب بمثله تثبت.
وهكذا لو ابتدأ أحدهما فقال للآخر: أنا أبوك، اعتبر حال الابن بمثل ما اعتبرت به حال الأب، وكان الجواب فيهما سواء.
وهذا منه يدل على أن قول أي حامد في جواز الشهادة على الإقرار بالنسب في حالة السكوت لا على أصل النسب، فإن الصحيح أنه إذا تكرر منه الإقرار والسكوت يجوز أن يشهد على إقراره بالنسب، لأنه لا يريد شواهد حاله بالرضا بالتصديق [على التصديق]، وقد تقدم القول بأن شهادته عند التصديق تكون على الإقرار، وكلام البندنيجي لا يأبى ذلك، فإنه قال: لو سمع رجلًا يقول لمجهول النسب: هذا ابني، أو سمع رجلًا يقول [لرجل]: هذا أبي: والأب ساكت، صار متحملًا للشهادة، لأن سكوت سكوت راضٍ بذلك.
[الفرع الثاني:] إذا استشهد اثنان بأن فلان بن فلان وكل هذا، كانت الشهادة بالوكالة شهادة بها وبالنسب جميعًا عندنا.
قال في ((البحر)): لأن الشهادة توجب ما تضمنها من مقصود وغير مقصود، كمن شهد بثمن في بيع، كان شاهدًا بالبيع وإن قصد الثمن.
الفرع الثالث: إذا وكل شخص شخصًا بمجلس الحاكم، وغاب، والحاكم لا يعرفه بالنسب، فشهد شاهدان أنه فلان بن فلان- ثبتت الوكالة، وكان للوكيل أن يخاصم في غيبته، بخلاف ما [لو] انتفى ذلك، فإنه لا يخاصم عنه إلا بحضوره.
قال القاضي الحسين- كما ذكرناه في [باب] الوكالة-: ويكتفي القاضي بالعدالة الظاهرة في هذين الشاهدين، ويتساهل في البحث والاستزكاء.
وعن القاضي أبي سعد الهروي أنه يجوز الاقتصاد فيه بمعروف واحد.
قال الرافعي: وليجر مثل ذلك هنا.
واعلم أنه لا يشترط عند الشهادة فيما المستند فيه الاستفاضة التصريح بها.
قال في ((المرشد))، بل يطلق الشهادة بأنه ابنه، أو ملكه، كما يشهد فيما شاهده.
وفي أدب القضاء لابن أبي الدم: أنه لو صرح في الشهادة بذلك، فقال: أشهد بالاستفاضة أن هذه الدار ملك زيد، لأني رأيته يتصرف فيها مدة طويلة بالبناء، والتخريب، والإسكان، والإيجار [من غير] منازع، مع شيوع ملكيته لها بين الناس- لا تسمع.
والمذكور في ((الإشراف)) وغيره: أنه لو شهد أن الشيء استفاض بين الناس، لم يرتب على شهادته شيء، لأن الشيء قد يستفيض بين الناس وهو يعلم خلافه.
قال الرافعي: لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد شاهد بالملك، وآخر بأنه في [يده] مدة طويلة يتصرف فيه بلا منازع- تمت الشهادة، وقضية ذلك
الاكتفاء به بذكر السبب، كما ذكره الشارح لكلامه، والظاهر الأول.
قال: وإن رأي رجلًا يتصرف في دار، أي: بالسكن، والإسكان، والهدم، والبناء، والرهن، والبيع، والفسخ، مدة طويلة من غير معارضة- أي: منازعة- جاز أن يشهد له باليد والملك، لأن العرف قاض بأن هذا يدل على الملك.
قال الماوردي في كتاب اللقيط: وبالقياس على الحاكم، فإنه يحكم بالملك بذلك، والحكم أوكد من الشهادة، وهذا قول ابن أبي هريرة والإصطخري.
وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب، وصححه في ((التهذيب))، والنواوي.
وقيل: يشهد له باليد دون الملك، وهو الأصح، لأن هذا التصرف مع طول المدة كما يجوز أن يكون في ملكه أن يكون في ملك غيره، واستفاده بولاية أو نيابة، وذلك يقدح في الجزم بالشهادة.
قال الماوردي ثم: ويخالف الحاكم، لأن للحاكم أن يجتهد، وليس للشهود أن يجتهدوا، وهو قول أبي إسحاق.
وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه القاضي وطائفة من المحققين، والشيخ في تصحيحه متبع لشيخه القاضي الطبري، كما قاله في ((البحر)) وتبعهما فيه.
أما إذا انتفى التصرف، ولم يوجد إلا مجرد اليد، قال القاضي الحسين: فلا خلاف أنه لا يشهد بالملك، وهو ما ادعى الإمام في باب الشهادة بالجناية أنه الرأي الظاهر.
قال الرافعي: ويجوز أن يشهد له باليد.
وفي ((التهذيب)): أنه إنما يشهد له باليد إذا رآه في [يده] مدة طويلة.
وقال الإمام هنا: إن شيخه كان يقول: اليد والتصرف يدلان على الملك مذهبًا واحدًا، واليد الدائمة بمجردها هل تدل على الملك؟ فعلى قولين:
[وليست] آمن صدور هذا عن غير ثبت، فإني لم أر أحدًا من الأصحاب غيره يذكر هذين القولين في اليد المجردة، فلذلك لا أعتد به، ولا أعده من المذهب.
نعم، لو وجد التصرف بالإيجار خاصة مرة بعد أخرى، هل يكفي حتى يجري فيه الخلاف السابق أم لا؟ فيه خلاف.
وجه المنع- وهو الأصح في ((الوسيط)) -: أن مثل هذا يتفق من المستأجر مدة طويلة، ومن الموصى له بالمنفعة.
وقال الرافعي: إن الموافق لإطلاق الأصحاب الاكتفاء بها، وليجر الوجهان في مجرد التصرف بالرهن مرة بعد أخرى، لأن الرهن قد يصدر من المستعير.
ولو وجد التصرف التام مع اليد لكن في مدة قليلة، قال العراقيون: فلا يشهد بالملك وجهًا واحدًا.
ولو وجدت اليد والتصرف في المدة الطويلة، لكن ثم منازع: فإن كانت له بينة لم يشهد له بالملك وجهًا واحدًا، وإن لم تكن له بينة، فالمفهوم [من] إطلاقهم أنه لا يشهد به أيضًا.
وعن ابن كج رواية وجهين فيه.
ثم ما المراد بالمدة القليلة والطويلة؟
قال الشيخ أبو حامد: القليلة كالشهر والشهرين.
وهو الذي أورده ابن الصباغ.
وفي ((الزوائد)) أن الطبري قال: القليلة كاليومين والثلاثة.
وعن الشيخ أبي عاصم: أن فيما دون عشرة أيام وجهين، وبهذا يظهر لك اختلافهم في الأكثر.
وفي ((أدب القضاء)) لابن أبي الدم عن الشيخ أبي علي أنه قيل: المدة الطويلة سنة.
قال الرافعي: وهو كوجه ذكرناه في مدة التسامع إذا اعتبرنا امتداد مدته.
وقيل: ستة أشهر.
وقيل: شهران.
وحكى الرافعي عن البغوي وغيره أن المرجع في ذلك إلى العرف، وكأن المعتبر مدة يحصل فيها غلبة الظن.
قال ابن كج: ويجوز للشاهد أن يعتمد في الشهادة باليد على الاستفاضة.
قال الرافعي: وقد ينازع فيه، لإمكان مشاهدة اليد.
واعلم أنه لا فرق في الشهادة على الملك بالتصرف والتسامع واليد بين الدور والعبيد والثياب إذا كان المشهود به يتميز عن أمثاله، كذا قاله الرافعي هنا.
وحكى في كتاب اللقيط: أنه لو رأى في يد رجل صغيرًا يدعوه بأمره، وينهاه، ويستخدمه، هل [له] أن يشهد له بالملك؟ فيه وجهان عن رواية الشيخ أبي علي، وعن غيره: أنه إن سمعه يقول: هو عبدي، أو سمع الناس يقولون: هو عبده- شهد له بالملك، وإلا فلا.
قال: ومن كانت عنده شهادة لآدمي، لم يشهد بها- أي: ولو بعد الدعوى- حتى يطالب بها صاحب الحق، كي لا يتهم، وقد روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ((خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو فيه الكذب، فيحلف الرجل اليمين لا يسألها، ويأتي بالشهادة قبل أن يسألها))، وهذا ساقه مساق الذم، فاقتضى المنع.
قد روى أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: ((شر الشهود الذين شهدوا قبل أن يستشهدوا))، فلا فرق في ذلك بين أن يكون صاحب الحق قد علم بشهادته [له] أو لا [يعلم].
نعم، إذا لم يعلم يستحب له أن يعلمه [حتى] يستدعيه فيشهد [له].
فإن شهد قبل أن يستشهد، لم تقبل شهادته، للتهمة، الحديث دال عليه.
قال الماوردي قبيل باب شروط الذين تقبل شهادتهم: وكان ما فعله مكروهًا.
فإن قيل: فقد روى مسلم وغيره عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ((ألا أخبركم بخير الشهداء: الذي يأتي بشهادته- أو يخبر بشهادته- قبل أن يسألها)) الشك من عبد الله بن أبي بكر أحد الرواة، وهذا يقتضي الندب فضلًا عن الجواز.
قلنا: قد قال بالجواز بعض الأصحاب فيما إذا وقعت الشهادة بعد الدعوى،
فصحح الشهادة [بعد الدعوى]، اعتمادًا على ظاهر الخبر، ويوافقه ما حكيناه في باب صفة القضاء: أن للقاضي أن يسأل المدعى عليه بعد الدعوى، وكذا الحكم بعد إقامة الشهادة من غير طلبه على رأي فيهما، لأن ذلك مقصود الدعوى.
أما إذا وقعت الشهادة قبل الدعوى، فقد قال هذا القائل: إنها لا تسمع، وعلى هذه الحالة يحمل الحديث الأول، أو على حالة كذبه، لأنه- عليه السلام- قال: ((ثم يفشو الكذب))، أو على الشهادات التي يقطع بها على المغيب، فيقال: فلان في الجنة، وفلان في النار، ونحو يذلك.
والصحيح الأول، وهو الذي أورده البغوي.
وعلى هذا: فالحديث الثاني إن كانت الرواية فيه أن يخبر شهادته فهو موافق لما ذكرناه، ولا يحتاج إلى تأويل، وإن كانت: أن يأتي بشهادته فهو محمول على ما تسمع فيه شهادة الحسبة من القطع في السرقة، والجلد في الحدود، وغير ذلك مما سنذكره، أو على ما يعلمه دون غيره، ولو لم يظهره لضاع حكم من أحكام الدين، وقاعدة من قواعد الشرع، أو على الشهادة في [الأمانة والحقوق تكون لليتيم والمجنون، والزكاة، والكفارة، فإن الشهادة في] ذلك تسمع عندنا قبل الاستشهاد، كما صرح به في ((البحر)) في الفروع قبل كتاب الشهادات، وفي ((الحاوي)) قبيل باب شروط الذين تقبل شهادتهم، وقالا: إنه يندب إلى ذلك.
أو على سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد، فلا يمنعها، ولا يؤخرها كما يقال: الجواد من يعطي قبل السؤال، عبارة عن حسن أدائه وتعجيله.
أو على حالة عدم علم المشهود له، كما ذكره بعض أصحابنا، واقتضى إيراد ابن يونس أن الشهادة تسمع في هذه الحالة وجهًا واحدًا.
وقد ظهر لك مما ذكرناه أن الشهادة قبل الدعوى غير مسموعة، وبعدها وقبل الاستشهاد وجهان، ومحلهما إذا كان المدعى عليه قد أنكر، فلو كان مقرًا لم تسمع وجهًا واحدًا.
قال الماوردي في باب ما على القاضي في الخصوم: لأن الإقرار أصل هو أقوى، والبينة فرع هو أضعف، ولا يجوز ترك الأقوى بالأضعف.
ولو سكت ولم يقر ولم ينكر، فهل تسمع البينة؟ فيه وجهان في ((الحاوي)) في الموضع المذكور.
وقد يقرب من الخلاف السابق في سماع البينة على المدعي عليه وهو في المجلس دون مراجعته.
وفي ((النهاية)) في باب الشهادة على الجناية في سماع الشهادة في حقوق الآدميين من القصاص والمال قبل الدعوى، ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان صاحب الحق جاهلًا به سمعت، وإلا فلا، والمذهب منها، والأصح- كما قاله في كتاب السرقة-: عدم السماع.
قال: وكان شيخي يقرب الخلاف من أصل [في] الغصوب، وهو أن من رأى مالًا مغصوبًا في يد غاصب، فهل له أن يأخذه، ويحفظه على مالكه من غير إذن من المالك، ولا نصب من الوالي؟ وفيه خلاف، ووجه الشبه بين.
ثم قال: ولو قيل: إن هذا الخلاف يختص جريانه بالمال دون القصاص، أي: فلا يسمع فيه إلا بعد الدعوى- لم يبعد، والوجه التسوية، فإن القصاص مع تعرضه للسقوط بالشبهات خص بمزية في الإثبات لا تجري في الأموال، هي أيمان القسامة.
وفي ((الحاوي)) في باب الشهادة [بالجناية: أن أصحابنا اختلفوا في كيفية سماع الشهادة] قبل الدعوى على ثلاثة أوجه:
أحدها: تسمع إذا كان الولي طفلًا أو غائبًا، ولا تسمع إذا كان بالغًا حاضرًا.
والثاني: تسمع إذا لم يعرف الولي شهوده، ولا تسمع إذا عرفهم.
وهذا والذي قبله جعلهما القاضي أبو الطيب شيئًا واحدًا، فقال: قال بعض أصحابنا: الشهادة مقبولة إذا لم يكن عنده علم بما يشهد به الشاهدان، [أو لمن] لا يعبر عن نفسه مثل الصغير والمجنون.
والثالث- وهو قول أبي إسحاق المروزي، وأبي علي بن أبي هريرة، والجمهور-: أنها تسمع في الدماء خاصة، ولا تسمع في غير الدماء إلا بعد الدعوى، والفرق من وجهين:
أحدهما: [لتغليظ الدماء] على غيرها من الحقوق.
والثاني: أنها من حقوق المقتول تقضي منه ديونه، وتنفذ منها وصاياه، فجاز للحاكم أن ينوب عنه في سماع الشهادة قبل دعوى أوليائه.
قال: ويجئ على هذا التعليل أن يسمعها في ديون الميت، ولا يسمعها في ديون الحي، وهذا قد حكاه ابن الصباغ والبندنيجي عن أبي إسحاق.
وعلى التعليل الأول لا يسمعها في ديون حي ولا ميت.
وإذا قلنا بالصحيح في عدم السماع مطلقًا، فهل يصير الشاهد مجروحًا بالأداء؟ فيه وجهان، أشبههما في ((الرافعي)): المنع.
ويحكى القطع به عن الشيخ أبي عاصم العبادي، لأن المبادرة قد تكون عن جهل منه.
قال الرافعي: وظاهر الإطلاق أن الخلاف في سقوط عدالته مطلقًا، ويؤيده أن القاضي أبا سعيد قال: الوجهان ينبنيان على أن المبادرة من الصغائر، أو الكبائر.
قلت: وقد صرح به الإمام في أوائل كتاب الدعاوى فيما إذا وقعت الشهادة قبل الدعوى، حيث قال: لو ادعى ألفًا فشهدت له البينة بألفين- فالألف الزائد لا يثبت، وفي ثبوت الألف المدعى وجهان.
وإن لم يثبت، ورددنا الشهادة، فقد ظهر اختلاف الأصحاب في جرح الشهود حتى ترد شهادتهم على وجه عمومًا، وعلى ذلك ينطبق ما قاله البغوي في كتاب الإقرار والصورة هذه، وقد شهد له شاهد بألف وآخر بألفين: إنا إذا قلنا: إن الشاهد بالألف الزائد يصير مجروحًا، إن المدعي يحلف مع شاهد [الألف] ويأخذه، فلو لم يردها عمومًا، لكانت شهادته بالألف المدعى مسموعة إذا أعيدت، فيأمر بإعادتها، ولا يحتاج إلي اليمين، كما صرح به الإمام.
ثم قال الرافعي: لكن منهم من يفهم كلامه وقوع هذا الخلاف في قبول تلك
الشهادة فيه إذا أعادها، لا في سقوط العدالة مطلقًا، واستأنس فيه بما سنذكره عن الغزالي والبغوي.
قلت: وهو الذي صرح به القاضي الحسين في كتاب الإقرار، حيث قال: لا خلاف أنه لا يصير مجروحًا في غير تلك القضية، وفي تلك القضية وجهان، ولأجل ذلك قال الإمام ثم فيما إذا ادعى ألفًا، وشهد له شاهد بألفين-: إن الألف الزائدة لا يثبت، لأنه حصلت الشهادة به قبل الدعوى.
لكن اختلف أئمتنا فيمن شهد لإنسان بحق قبل أن يستشهد، فهل يصير مجروحًا في تلك القضية أم لا؟
فمنهم من قال: لا يصير مجروحًا، لأن ما جرى منه لم يخرم عدالته، بدليل قبول شهادته في سائر القضايا سوى هذا، وهذا مما لم يختلف فيه المحققون، لكن شهادته [فيه] مردودة، لانعدام الدعوى.
ثم قال: وهذا هو القياس الذي لا يعارض فيه.
ومنهم من قال: يصير مجروحًا في تلك القضية، لأن ابتداره إلى إقامة الشهادة قبل أن يستدعى يشعر بقيام غرض له في نفسه حمله على ذلك، والشهادة قد ترد بالتهم.
ثم لا يمتنع التبعيض في الجرح والعدالة، بدليل أن الفاسق إذا ردت شهادته، ثم تاب، وظهرت عدالته، واستقامت حاله- فشهادته في سائر الخصومات مقبولة.
ولو أعاد الشهادة المردودة، لم تقبل، وبهذا يتحصل في المسألة طريقان:
فإن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فقد تقدم الكلام في اعتبار توبته واستبرائه، وتقدم الوعد بأنا نذكر أنه إذا أعاد تلك الشهادة بعد الدعوى هل تقبل أم لا؟
وقد حكى الإمام في كتاب الإقرار في ذلك وجهين ينبنيان على أنه هل يصير مجروحًا، أم لا؟
فإن قلنا: يصير مجروحًا، لم تقبل، كما لا تقبل شهادة الفاسق المعادة بعد التوبة، وهذا أثر الجرح، ولا فرق على هذا بين أن يطول الزمان أو يقصر.
وإن قلنا: لا يصير مجروحًا، قبلت، وهذا ما ذكره شيخي.
وذكر القاضي: أنا إذا قلنا بعدم القبول، فهذا الرد لا يتأبد، كشهادة الفاسق، بل إذا استبرأه القاضي مدة، وظهر عنده انتفاء التهمة قبل شهادته، وهذا أقيس وأحسن.
وقد [جمع] الغزالي في ((الوسيط)) ذلك في كتاب القسامة، وقال: إذا أعادها هل تقبل؟ فيه ثلاثة أوجه- وهي في ((النهاية)) فيه أيضًا-:
ثالثها: إن أعادها بعد التوبة عما جرى، ويذكر أنه لا يعاود مثله، ولا يبادر للشهادة، واستبرأه كما قاله الإمام فيه- قبلت، إلا فلا.
قال الإمام: والفرق بينه وبين الفاسق أن الفاسق إذا ردت شهادته تلحقه غضاضة تبلغ به الأنفة, وقد يتهم في إعادة تلك الشهادة، وهذا لا غضاضة عليه.
وما حكيناه عن القاضي يقرب منه ما في ((التهذيب)) هنا، فإنه قال: إن قلنا: إنه يصير مجروحًا، فلا تقبل إذا أعادها في ذلك المجلس، وتقبل في غيره، لأنه لا يلحقه بعدم القبول عار يكون متهمًا في الإعادة.
وإن قلنا: لا يصير مجروحًا، قبلت إذا أعادها في ذلك المجلس، وفي غيره.
فرع: شهادة المختفي [مسموعة عندنا] على المشهور، ولا تكون من قبيل الحرص على الشهادة، وصورتها: أن يختفي في موضع يحضره متنازعان في حق، ومن هو عليه ينكره في الظاهر، ويقر به في الباطن، فإذا سمعه شهد عليه.
وحكى الفوراني والقاضي الحسين قولًا للشافعي في القديم: أن شهادته لا تقبل مطلقًا كمذهب مالك، وعليه يخرج ما حكاه في ((الزاوئد)) عن رواية الطبري عن أبي إسحاق أنه قال: لا يجوز أن يشهد على شخص بما لم يشهده على نفسه، كما لا يجوز أن يتحمل الشهادة عنه، وسوى في ذلك بين أن يقر بين يديه بدين، أو عين، أو يراه يعقد عقد بيع، أو إجارة، وسمع كلامه، أو يراه [و] قد قتل شخصًا، أو جرحه، أو أتلف عليه مالًا.
والمحكي عن أبي إسحاق: اشتراط ذلك في الشهادة على الإقرار، والسكوت
عما عداه، وعليه جرى في ((المهذب)).
فعلى الأول- وهو المذهب- قال الأصحاب: يستحب أن يخبر الخصم بأنه شهد عليه قبل الأداء حتى لا يبادر إلى تكذيبه إذا شهد، فيعزره القاضي.
ولو أحضره رجلان حسابهما، وقالا: لا تتحمل ما تسمعه منا، فسمع منهما شيئًا، صار متحملًا له، ووجب عليه الأداء عند الطلب.
قال ابن أبي أحمد: ولو ترك الدخول في الشهادة على مثل هذا المعنى، كان أحب إلي.
ولو قال الشاهد للمقر: أشهد عليك بذلك، فقال: لا، ففي بطلان شهادته عليه بالإقرار وجهان في ((الحاوي)) في باب الشهادة على الشهادة.
وعلى الثاني: يكفيه في صحة التحمل أن يقول للمقر: أشهد [عليك بذلك؟ فيقول: اشهد علي بذلك، أو قال: نعم.
ولو قال: اشهد]، فثلاثة أوجه حكاها الماوردي في الشهادة على الشهادة: ثالثها: إن قال: اشهد علي كفى، دون ما إذا قال: اشهد.
ويجب عليه عند أداء الشهادة على الإقرار أن يقول: وقد أشهدني بذلك، وعند أداء الشهادة في غيره- كالشهادة على ثمن في بيع حضره، أو قرض أقرضه، ونحو ذلك- يجب أن يذكر السبب، كذا قاله في ((البحر)) في الفروع قبل كتاب الشهادات، وهو في ((الحاوي)) في باب ما على القاضي في الخصوم.
وفي ((البحر)) قبل باب الشهادة على الشهادة: أن صاحب ((الحاوي)) قال: عند الشافعي يجوز تحمل الشهادة على المختبئ إلا أن يكون في غفلة تنفذ عليه الحيلة والخداع، فلا يجوز حينئذ التحمل حتى يراه المقر، أو يعلم به.
قال الروياني: وهذا أصح عندي.
وحكى عنه أنه قال بعد حكاية وجهين في الحاجة إلى الاسترعاء في الإقرار: والأصح عندي من إطلاق الوجهين أن يعتبر حال الإقرار، فإن اقترن به قول أو أمارة تدل على الوجوب، استغنى به عن الاسترعاء، فالقول: أن يقول له: علي ألف درهم بحق واجب، والأمارة: أن يحضر المقر عند الشاهد ليشهده على نفسه، فيعلم بشاهد الحال أنه إقرار بواجب.
[و] إن تجرد الإقرار عما يدل على الوجوب من قول أو أمارة، افتقر إلى الاسترعاء، ولم يصح تحمل الشهادة به على إطلاقه.
قال: ومن كانت عنده شهادة في حد من حدود الله تعالى، فإن رأى المصلحة في الشهادة، أي: مثل أن يكون مرتكب الجريمة غير نادم عليها، أو في سترها عليه إغراء للغير بالفاحشة، ونحو ذلك.
قال: شهد، رعاية للمصلحة، فلو توقف عن الشهادة والحالة هذه، قال الماوردي في باب ما يجب على المرء من القيام بالشهادة-: كان مكروهًا، وليس بمعصية.
وتبعه في ((البحر)).
قال: وإن رأى المصلحة في الستر- أي: مثل أن لم تظهر تلك الفاحشة، ورأى مرتكبها قد ندم- استحب [له] ألا يشهد، لقوله عليه السلام: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم))، كما أخرجه أبو داود والنسائي.
وخرجا- أيضًا – عن زيد بن نعيم عن أبيه: أن ماعزًا أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه، وقال لهزال: ((لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك)).
وسبب ذلك أن مالكًا أبا ماعز أوصى إلى هزال بابنه ماعز، وكان في حجره يكلفه فوقع ماعز على فاطمة جارية هزال، فحث على الإقرار بذلك.
وهزال: بفتح الهاء وتشديد الزاي، وفتحها، بعد الألف لام.
وقد تقدم في باب حد السرقة حكاية وجه: أنه لا يسمع فيها شهادة الحسبة، بناء على شائبة حق الآدمي، كما لأجلها قطع المهادن على قول.
و [قد] أطلق القاضي الحسين والرافعي في باب حد الزنى حكاية وجهين في استحباب كتمان شهادة الشهود في حدود الله تعالى، وأن أصحها المنع كي لا يتعطل.
وقال الماوردي: إن ما ذكرنا مفروض فيما إذا لم يتعلق بترك الشهادة إيجاب حد على غير مرتكب الجريمة، فإن تعلق به كمن شهد عليه ثلاثة بالزنى، فلم تكمل شهادتهم، وجب على الرابع الأداء، وأثم بالتوقف.
وتبعه في ((البحر)).
وهذا ما يتعلق بحق الله تعالى في الحدود، وأما حقه في غير الحدود، فتسمع الشهادة فيه من غير دعوى ولا استشهاد، كما ذكرنا أن قوله صلّى الله عليه وسلّم: ((ألا أخبركم بخير الشهود ....))، وعنه احترز الشيخ بقوله: ((ومن كانت عنده شهادة لآدمي))، والأصحاب يعبرون عن هذا بشهادة الحسبة، وعدوا من ذلك الشهادة على أرباب الأموال بالزكوات دون الشهادة على المستحقين بقبضها، وكذا الشهادة بالوصية للفقراء غير المحصورين، حتى قالوا: يسمع في ذلك [شهادة] اثنين من الفقراء، لأنهما لا يتعينان للصرف، فإن القاضي يجوز أن يحرمهما، كذا قاله القاضي الحسين في باب الشهادة بالوصية، وقد حكيناه من قبل عن ((التهذيب)) و ((الكافي)).
ولو كان الفقراء محصورين لم تسمع.
ومن ذلك الطلاق البائن منه والرجعي، وكذا الخلع ليثبت المال، كما نقله الإمام، وأبدى فيه احتمالًا سنذكره.
وأطلق البغوي القول بمنع شهادة الحسبة فيه.
ومن ذلك بقاء العدة وانقضاؤها، والبلوغ، والإسلام، والردة، والإحصان، والتعديل، والاستيلاد، والعتق، سواء فيه العبد والأمة.
وفي ((الرافعي)) أن في ((الفتاوى)) أن الشهادة بالعتق إنما تسمع عند الحاجة.
ومن ذلك الرضاع.
قال الرافعي: وفي ((الفتاوى)): أن الشهادة إنما تسمع به إذا [كان] بينهما نكاح، أو أراد التناكح، فلو لم يقل الشاهدان ذلك لم تسمع.
وكذا لو قامت بينة بالطلاق البائن، ثم شهد اثنان بأن بينهما رضاعًا، لم تسمع.
وفي الشهادة بالتدبير وجهان في ((تعليق)) القاضي الحسين، و ((تعليق)) العتق ملحق به.
وشراء القريب حكى الغزالي فيه وجهين، وتبعه الرافعي.
وقال القاضي الحسين في ((التعليق)) في باب الشهادة بالوصية: الظاهر من المذهب: أنها لا تقبل، لأنهم يثبتون الملك أولًا، ثم العتق يترتب عليه.
ويحتمل أن يقال: تسمع.
وفي ((النهاية)) حكاية الجزم عن القاضي بعدم القبول، ثم قال: وفي القلب منه
شيء، وليس يبعد أن نقول: تثبت بشهادة الحسبة، لكن الأوجه ما ذكره القاضي، فإن العوض ركن في البيع، فلو أثبتناه لأثبتنا العوض من غير دعوى، ولو أثبتنا العتق من غير مال، لكان هذا إجحافًا، وليس كالخلع، فإن العوض ليس مقصودًا، ولست ابعد في الخلع ثبوت المال تبعًا حتى لا يتعطل حق الزوج بالكلية، ولا أبعد أن يثبت الطلاق، ولا تثبت البينونة، كما لو خالع [الرجل] محجوزًا عليها بالسفه.
والعفو عن القصاص أطلق القاضي الحسين وغيره فيه السماع.
وعن القاضي أبي سعد الهروي حكاية وجه آخر: أنها لا تسمع فيه لأن ترك القاتل الدعوى مع الحرص على الحياة يورث التهمة في شهادتهم.
والوقف على الجهات العامة تسمع فيه شهادة الحسبة.
وعلى المعين قال في ((الوسيط)): الصحيح أنها لا تسمع، وهو قول الصيدلاني، كما قال الرافعي، وبه قطع الروياني في ((جمع الجوامع)).
وفي ((تعليق)) القاضي الحسين: أنا إن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين سمعت فيه شهادة الحسبة كالعتق.
وإن قلنا: لا يثبت بالشاهد واليمين سمعت فيه شهادة الحسبة كالعتق.
وإن قلنا: يثبت بهما، فلا، وهذا يقتضي إجراء خلاف في السماع على قولنا: إن الملك لله تعالى، والقطع بالمنع إذا قلنا: إنه للآدمي، وهو موافق لما في ((الوسيط))، لأن الصحيح- كما تقدم- أنه يثبت بالشاهد واليمين، وإن قلنا: إن الملك لله تعالى.
وفي ((النهاية)): أن الصيدلاني قطع بالسماع إذا قلنا: إن الملك لله تعالى، وأن الذي ذهب إليه معظم الأصحاب خلاف ذلك، فإن الغالب على هذا الوقف حظوظ خاصة متعلقة بأشخاص، وهذا موافق لقول القاضي.
والشهادة بالنسب لا تسمع عند القاضي قبل الدعوى، وبه أجاب في ((الوسيط)) في الباب الثالث عند الكلام في الشهادة على المرأة المنقبة.
وعن الصيدلاني فيما إذا شهد شاهدان بأن هذه المرأة ولدت هذا الولد على فراش هذا لستة أشهر، والزوج يقول: أتت به لأقل من ستة أشهر- السماع.
قال الإمام: وهو مخالف لما ذكره القاضي، فحصل في المسألة تردد، والمسألة
ولا تسمع شهادة الحسبة على الكتابة، ولا على أداء النجم الأخير منها.
قود يقال بالسماع، بناء على أنه لا يقبل في [أداء] النجم الأخير [إلا] شاهدان.
ولا تسمع على وجود الصفة التي علق عليها العتق.
نعم: يجب أن يشهد من شاهد أداء النجوم ووجود [الصفة، لأجل] ما شاهده بالعتق حسبة، قاله القاضي الحسين.
قال: [ولو] شهدوا بأن هذه الدار للمسجد الجامع، أو شهدوا بأن هذه الأرض ملك لهذا الرجل، فأقر ملك للمسجد الجامع، أو بأن للمسجد الجامع في ذمته شيئًا- هل تسمع هذه الشهادة أم لا؟
فيه جوابان، بناء على أنه [إذا] أقر للحمل بمال مطلقًا، هل تقبل؟ وفيه قولان،
ووجه الشبه: أنه لا يتصور المعاملة بينه وبين الحمل، كما لا يتصور أن يعامل المسجد.
وكذا الخلاف فيما لو اقر بأن هذه [الدار] التي في يدي للمسجد.
قلت: وما ذكره من جريان الجوابين في حالة قول الشاهدين: نشهد بأن هذه الدار ملك [لهذا] الرجل، فأقر بأنها ملك للمسجد- نظر، لأن كونها ملكه يمنع صحة [إقراره بها للمطلق] التصرف، فيكف للمسجد؟!
فرع: ما تسمع فيه شهادة الحسبة، هل تسمع فيه دعوى الحسبة؟ فيه وجهان ذكرناهما في أول باب الدعاوى، والمنع منسوب إلى القفال، ومقابله للقاضي الحسين، ولعله في غير حدود الله تعالى.
أما في الحدود فقد قال ابن الصباغ وغيره في باب النكون ورد اليمين-: إنه لا تسمع فيها الدعوى إذا لم يتعلق للآدمي بها حق، لأنه يستحب سترها.
وقد يقال: إن هذا التعليل يرشد إلى أن محل المنع، إذا كان الستر مستحبًا، أما إذا كان غير مستحب، وهو في الحالة التي تكون المصلحة في الشهادة عليه [بها] كما تقدم، فتسمع، والله أعلم.
قال: ومن شهد بالنكاح ذكر شروطه، أي: الذي تقدم ذكرها في الدعوى، إذا قلنا: إن ذكر الشروط واجب في الدعوى، لأن الناس مختلفون في ذلك، فقد يكون الشاهد لا يعتقد شيئًا شرطًا، فيجزم بالشهادة، بناء على اعتقاده، والقاضي يعتقد خلافه، فوجب البيان، لأجل ذلك، وعظم خطر النكاح.
[أما] إذا قلنا: لا يشترط ذكر الشروط في الدعوى، ففي ((النهاية)): أنه لا يحتاج إلى ذكرها في الشهادة- أيضًا- لأن الشهادة تبين الدعوى، فكانت على حسبها، كذا قاله في كتاب الدعاوى.
وعلى الأول هل يحتاج إلى ذكر الشروط في الشهادة على الإقرار بالنكاح؟ فيه وجهان.
قال: ومن شهد بالرضاع، شهد أنه ارتضع [من ثديها]، أو من لبن حلب منها، وذكر عدد الرضاع، ووقته، لاختلاف الناس في ذلك، فإن منهم من [يرى أن إيجار الصبي اللبن لا يحرم، ومنهم من يرى أن القليل يحرم ومنهم من] يرى أن وقوعه بعد الحولين يؤثر، فوجب ذكر صوره الحال، ليعلم القاضي فيه باجتهاده.
قال القاضي أبو الطيب: ويحتاج أن يقول: إنه ارتضع منها، أو أرضعته في الحولين، خمس رضعات متفرقات، في خمسة أوقات مختلفة.
قال ابن الصباغ: وفي قوله: ((متفرقات)) كفاية عن ذلك.
وقال الرافعي: إن في قوله: ((خمس رضعات)) كفاية عن ذكر التفرق، فإنه إذا لم يكن تفريق، لم يكن الحاصل رضعات بل رضعة طويلة.
وما قاله فيه نظر، لأن المأخذ في الاشتراط- كما ذكرنا-[كون ذلك] مختلفًا فيه، والناس قد اختلفوا فيما لو انتقل من ثدي امرأة إلى ثدي أخرى في وقت واحد، هل ذلك رضعة، أو أكثر؟ وذكر التفريق ينفي هذا الاحتمال، فلذلك احتيج إليه.
وهل يشترط ذكر وصول اللبن إلى الجوف؟ فيه وجهان ادعى الإمام أنهما