كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 344-383
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 344-383
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

جاء هنا لأدى إلى عدم الوجوب عليه، وأما في السنة الثانية فيكون الحكم في حقهما كما في التفريع على القديم.
وهذا حكم خلطة المجاورة إذا طرأت على الانفراد، فلو طرأ عليه خلطة الشيوع، مثل أن يكون في ملكه أربعون من الغنم ستة أشهر، فيبيع نصيبه مشاعاً في أثناء الحول، ويسلم ذلك في وقته- فإنه ينقطع الحول فيما باعه، ولا ينقطع فيما لم يبعه، فإذا تم حوله وجب عليه نصف شاة، ووجهه الأصحاب: بأن ملكه ما انفك عن نصاب في طول الحول؛ فإنه كان في بعض الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره [فوجب أن تجب عليه الزكاة؛ لأنه لو كان خليط نفسه أو خليط غيره] جميع السنة وجبت فكذا إذا اجتمعا.
قلت: ويجيء في إيجاب الزكاة على المشتري عند تمام حوله ما تقدم من النظر إلى إخراج الأول الزكاة من عين المال أو غيره، وقد قال ابن خيران وأبو العباس: إن في المسألة قولين: أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أن حول ما لم يبعه قد انقطع أيضاً؛ بناء على القولين في أن خلطة الجوار إذا طرأت في أثناء الحول هل يجب على الأول زكاة الانفراد أو زكاة الخلطة؟ وأيد الانقطاع بأن الشافعي قال: لو كان لرجل ستون شاة ستة أشهر، ثم باع ثلثها مشاعاً، ثم حال حول البائع وجب عليه شاة على الجديد.
فلولا أن الخلطة لا حكم لها بعد البيع لكان الواجب عليه ثلثا شاة، قال القاضي أبو الطيب [وغيره]: وهذا غلط مذهباً وحجاجاً: أما المذهب فإنهما يسقطان الزكاة عن البائع على الجديد، والشافعي إنما أوجبها على الجديد نص عليه في "المختصر" وفي "الأم".
وأما الحجاج فما ذكرناه.
وأما ما ذكرناه من نصه في الستين إذا باع ثلثها فالجواب: أن الخلاف في حكم الحلو هل ينقطع ويستأنف أو لا، الشافعي لم يتعرض له، وإنما ذكر قدر المأخوذ، وهل يكون بحكم الخلطة أم لا؟ وقد تقدم الكلام فيه.
فإذا قلنا بطريقة ابن خيران، استأنف الحول من حين ملك المشتري، واستقر

ملكه، ووجب عليهما في آخر الحول شاة على أحد القولين، وعلى القول الآخر يكون الحكم كما في التفريع على الطريقة الأولى، وهي أنا ننظر عند تمام حول المشتري: فإن كان البائع قد أخرج نصف الشاة التي وجبت عليه من عين هذا المال حين وجب، مثل أن سلم ذلك إلى الساعي مشاعاً فلا زكاة على المشتري لنقص النصاب في حقه.
وإن كان قد أخرج ذلك من غيره: فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة أو بالعين [تعلق جناية، وجب على المشتري أيضاً نصف شاة وإن قلنا: تتعلق بالعين تعلق] شركة، فلا تجب؛ لأن النصاب قد نقص [فلا يجب] قبل تمام حوله باستحقاق الفقراء ذلك.
وعن ابن خيران حكاية قول آخر حكاه عن أبي إسحاق في "الشرح"، أيضاً كما قال البندنيجي: أنه يجب على الثاني نصف شاة، لأن البائع لما أخرج الزكاة من عين المال تبينا أن أهل السهمان لم يملكوا من هذا المال شيئاً، وأنه لم يزل عن ملك البائع، ولو كان البائع قد باع النصف معيناً والصورة هذه، مثل: أن سلم عشرين من الغنم وباعها، قال القاضي أبو الطيب: فإن عزلها وباعها انقطع الحول، وإن لم يعزلها بل باعها وسلم الكل وتركها مختلطة، فوجهان: أحدهما- قاله ابن سلمة-: أن الحول لا ينقطع.
والثاني: أنه ينقطع.
قال: وقائله يذهب إلى أن الخلطة لا تثبت إلا بالنية، وهي هاهنا معدومة.
وقد عكس البندنيجي ذلك فقال: إن علمها بعلامات وباعها ولم يعزلها فالحكم كما لو باع نصفها مشاعاً حرفاً بحرف، وإن أفرد ذلك ثم باعه ثم خلطها المشتري، ففيها الوجهان.
وقال الماوردي: إن باعها مفردة وسلمها مفردة، وأخرجها المشتري من المراح، ثم عاد وخلطها- انقطع الحول، وإن باعها وهي مختلطة وسلمها كذلك لم يبطل، وإن تسلمها مفردة لكنه لم يخرجها من المراح ثم خلطها، فوجهان: أحدهما- قاله أبو إسحاق-: انقطاع الحول.
والثاني- قاله ابن أبي هريرة-: أنه لا ينقطع، لأن المراح يجمعهما.

ولو وجد البيع في الصورتين ولم يتصل به التسليم، قال القاضي الحسين والماوردي: فإن قلنا بوجوب الزكاة في المبيع قبل القبض عند الانفراد [على المشتري] فالحكم كما تقدم، وإلا فلا يجب، قال القاضي: وهل تجب على البائع في نصيبه؟ يحتمل وجهين: أحدهما: لا؛ لأن ماله يختلط بمن لا زكاة في ماله؛ فأشبه ما لو كان خليطه مكاتباً.
الثاني: تجب، ويخالف ما لو كان خليطه مكاتباً؛ لأن المكاتب لم يكن من أهل وجوب الزكاة، وخليطه هاهنا من أهل الوجوب عليه.
وبقوله: "زكيا زكاة المنفرد"، الاحتراز عن وجه رواه الإمام في صدقة الفطر عن حكاية الشيخ أبي علي، فيما إذا كان بينهما أربعون من الغنم لأحدهما عشرون من الضأن، وللثاني عشرون من المعز، فأراد كل واحد منهما أن يخرج نصف شاة من نوع ما يملك- أنه يجوز؛ لإمكان تميز الملكين، والمذهب: أنه لا يجوز إلا ما يجزئ أحدهما لو انفرد بالنصاب المذكور، وما حكاه أبو علي في نهاية الضعف، قال الإمام: وهو مفسد لقاعدة الخلطة.
واعلم أن الحكم فيما إذا كان بين أنفس من أهل الزكاة نصاب مشترك من الماشية أو نصاب غير مشترك، كالحكم فيما إذا كان بين نفسين بلا خلاف.
قال: فإن أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما رجع على خليطه بالحصة، أي: بقيمة الحصة؛ للخبر فإنه اقتضى التراجع، وهو رجوع كل منهما على صاحبه بشيء؛ فرجوع أحدهما من طريق الأولى، ومثال رجوع أحدهما على صاحبه فقط: أن يكون بينهما خمس من الإبل، أو خمس وعشرون منها أو ثلاثون من البقر أو أربعون منها، أو أربعون من الغنم، ونحو ذلك، والخلطة خلطة جوار، ويكون الرجوع بالنسبة: فإذا كان بينهما أربعون من الغنم نصفين رجع الدافع [بنصف قيمة] الشاة.
وإن كان لأحدهما ثلاثون ولآخر عشر، وأخذ الشاة من صاحب العشر- رجع على رفيقه بنصف قيمتها، وربع قيمتها، ولو كانت من غنم الآخر رجع على خليطه بربع قيمتها.

قال الأصحاب: ولو كان بينهما ستون من الغنم، لأحدهما أربعون ولآخر عشرون، فالشاة بينهما أثلاثاً، فإن أخذت من الأربعين رجع صاحبها على الآخر بثلث قيمة الشاة، وإن أخذت من العشرين رجع على خليطه بثلثي قيمتها.
قلت: ولا يقال: إن هذا مخرج على أن فرض النصاب يتعلق بالجميع، بل هو على القولين؛ لأن جعل الوقص من مال أحدهما فقط لا وجه له؛ فتعين إشاعته وتوزيعه عليهما بالنسبة، وذلك يقتضي ما ذكرناه، والله أعلم.
ومثال رجوع كل منهما على صاحبه الذي اقتضاه الخبر: أن يكون بينهما مائة وثمانون من الإبل لأحدهما مائة وللآخر ثمانون، وليس في الثمانين بنت لبون، وفيها حقاق، وفي المائة بنات لبون، وليس فيها حقة، فإن الساعي يأخذ من المائة بنتي لبون وتسع قيمة بنتي لبون، ومن الثمانين حقتين، ويرجع صاحب المائة على خليطه [بثلث قيمة بنتي لبون وتسع قيمة بنتي لبون، ويرجع صاحب الثمانين على خليطه] بنصف قيمة حقتين ونصف تسع قيمة حقتين فإن تساوى ما على كل منهما لصاحبه جاءت أقوال التقاص.
[وهذا] الحكم فيما لو كان لأحدهما ثلاثون من البقر وللآخر أربعون منها، وليس في الثلاثين تبيع وفيها مسنة، وليس في الأربعين مسنة، وفيها تبيه، فإن الساعي يأخذ تبيعاً من الأربعين، و [مسنة] من الثلاثين، ويرجع صاحب الثلاثين [على صاحب الأربعين بأربعة أسباع التبيع]، وتجيء أقوال التقاس عند التساوي.
وهذا مما لا شك فيه ولا خلاف بين الأصحاب، وكذا لم يختلفوا فيما إذا كان مال أحدهما صغاراً ومال الآخر كباراًـ، في أخذه الفريضة من صاحب الكبار، وفيما إذا كان مال أحدهما صحاحاً ومال الآخر مراضاً: في أخذه الزكاة من صاحب الصحاح كما قاله البندنيجي وغيره.
[نعم] اختلفوا فيما إذا أمكن الساعي أن يأخذ من مال كل منهما [قدر ما] يجب عليه، قال الرافعي: في حالة الانفراد، كما إذا كان بينهما مائتان من الغنم لكل منهما مائة، أو مائة وثمانون من الإبل لأحدهما مائة وللآخر ثمانون وفي الثمانين بنتا لبون

[وحقاق] وفي المائة حقتان [وبنات لبون]، فهل للساعي أن يأخذ الفرض من أحد المالين؟ أو ليس له أن يأخذ من كل مائة [إلا شاة] ومن المائة من الإبل إلا حقتين، ومن الثمانين إلا بنتي لبون؟ فيه وجهان: المنسوب في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي وأبي الطيب والفوراني في "الإبانة" إلى أبي إسحاق: الثاني، ولا حاجة بهما إلى التراجع.
قال الماوردي: وعلى هذا لو أخذ الفرضين من مال أحدهما لم يكن له الرجوع على خليطه؛ لأنه مظلوم بها.
والمعزي إلى ابن أبي هريرة: الأول؛ لعموم قوله: "ويتراجعان بينهما بالسوية"، وهذا ما ادعى القاضي أبو الطيب أنه ظاهر المذهب، وأنه [إذا] أخذ الشاتين من أحدى المائتين رجع صاحبها على خليطه بقيمة شاة.
قلت: وإذا تأملت الوجهين عرفت اتفاقهما على أن المأخوذ ليس شائعاً [في الجميع].
أما على قول أبي إسحاق فظاهر؛ لأنه يقول: "فرض كل منهما شاة"، إذ لو قال [بالشيوع لزمه] التراجع، وقد جزم الفوراني بأنه إذا أخذ من كل منهما شاة ومالهما مائتان على السواء: بعدم التراجع؛ فإنه أخذ من كل منهما ما وجب عليه.
وأما على قول ابن أبي هريرة؛ فإنه لو كان شائعاً لرجع المأخوذ من ماله الشاتان بقيمة نصف الشاتين لا بقيمة شاة، وإذا كان كذلك اتجه طرد ذلك في حالة عدم الإمكان كما تقدم.
لكن الجمهور على أن للساعي أخذ الفرضين من أي المالين شاء عند الإمكان وأنه يقع شائعاً؛ فيرجع المأخوذ مجموع ذلك من ماله على خليطه بالنسبة.
ومثال ذلك: إذا أخذ الحقتين وبنتي اللبون من المائة رجع على صاحبه بأربعة أتساع قيمة الحقتين وبنتي اللبون، ولو أخذ ذلك من الثمانين رجع صاحبها على صاحبه بخمسة أتساع قيمة الحقتين وبنتي اللبون، وعلى هذا القياس في غيرها من الصور.

وخطأ الإمام الفوراني فيما جزم به، وكذا في حكايته عن أبي إسحاق ما تقدمت حكايته عنه، وقال: إنه لم يره إلا في كتابه، وقال: إنه خبط يطرح من المذهب وقد عرفت أن غيره حكاه عن أبي إسحاق مع أنه ضعيف.
قال الأصحاب: ولا يتصور التراجع أو الرجوع في خلطة الأعيان إلا فيما إذا كان الفرض من غير الجنس، كما إذا كان بينهما عشرون من الإبل فما دونها، ولأحدهما غنم دون الآخر، فإن الساعي يأخذ الفرض منها، ويرجع صاحبها على شريكه بالحصة.
قلت: ويتصور فيما إذا كان من الجنس، مثل أن يكون بينهما أربعون من الغنم، لأحدهما في عشرين منها نصفها، وفي العشرين الأخرى نصفها وربعها فيأخذ الساعي شاة منها، فإنه إن أخذها من العشرين التي يملك فيها أحدهما نصفها وربعها، وكانت قيمة الشاة مثلاً أربعة دراهم، رجع صاحب النصف [والربع منها على صاحب الربع] بنصف درهم، وإن أخذها من العشرين التي بينهما نصفين، وقيمتها أربعة دراهم أيضاً رجع صاحب الربع من العشرين الأخرى على صاحب النصف والربع منها بنصف درهم.
والمرجع في القيمة عند الاختلاف إلى البينة، فإن فقدت فالقول قول المرجوع عليه مع اليمين.
ولو كان الساعي قد أخذ فوق الفرض [من] مال أحدهما نظر: فإن [كان الفاضل متميزاً كما إذا أخذ شاتين والواجب شاة، فلا يرجع المأخوذ منه إلا بالحصة من الواجب فقط، وإن كان لا يتميز نظر: فإن] لم يكن للساعي شبهة في ذلك، كما إذا أخذ الكرام لم يرجع إلا بالحصة من غير كريمة، قال القاضي الحسين: وهذا دليل على أنالفرض يسقط وإن ظلم الساعي وأخذ أكثر، وأن الإمام لا ينعزل بالجور.
وإن كان للساعي شبهة في أخذ الفاضل وتأويل مثل: أن أخذ صحيحة عن مراض، وكبيرة عن صغار، على مذهب مالك- رجع على خليطه بحصته من الفاضل.
وقياس هذا: أنه لو أخذ القيمة من أحدهما عن الزكاة؛ اعتماداً على

مذهب أبي حنيفة- أن يرجع على خليطه بحصته منهما، وهو أحد الوجهين في المسألة، ويقال: إنه نص عليه في "الأم"، وعن أبي إسحاق: أنه لا يرجع بشيء؛ لأن القيمة لا تجزئ في الزكاة عند الشافعي بحال بخلاف الكبيرة والصحيحة؛ فإنه لو تطوع بها قبلت، وقد قيل بطرد هذا الخلاف فيما لو أخذ عن السخال كبيرة.
قال: وإن كان بينهما نصاب من غير الماشية، أي: كالثمار والزروع والدراهم والدنانير وعروض التجارة، ففيه قولان: أصحهما: أنه كالماشية، أي فيزكيان زكاة الخلطة عند الاشتراك في الملك، أو الانفراد فيه والاشتراك في الارتفاق، كما سنذكره؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة"، ولأن المؤن تخف بالخلطة؛ فعلى هذا يشترط في الثمار والزروع: اتحاد الناطور والأكار والعمال والحصاد والملقح والمنقح والنهر، وفي غيرهما: اتحاد الحانوت والحارس والميزان والوزان، والناقد والمنادي والمتقاضي، كما قال البندنيجي.
ومن الأصحاب من قال بعدم جريان هذا القول في خلطة الأوصاف، ويحكى عن اختيار أبي إسحاق، وهو الأصح في "الحاوي" قال: لأنها مأخوذة من الاختلاط، وهذه مجاورة، وما ذكره الشيخ هو الراجح عند الأكثرين، ومنهم البغوي، وهو الذي فرع عليه الشافعي في باب زكاة الثمار من "المختصر"، ولذلك قال في "التتمة": إنه المذهب؛ لأن ما صح فيه خلطة الأعيان صح فيه خلطة الأوصاف كالماشية.
قال في "الحاوي" في باب زكاة الثمار: والوجهان مأخوذان من اختلاف أصحابنا في الخلطة في الماشية بالأوصاف، هل سميت خلطة لغة أم شرعاً؟ فمن قال: لغة: منع من الخلطة، ومن قال: شرعاً، جوز الخلطة هاهنا.
قال: والثاني [أنهما] يزكيان زكاة المنفرد، أي: يزكي كل منهما زكاة المنفرد؛ لقوله- عليه السلام-: "والخليطان ما اجتمعا في الرعي [والحوض

و] الفحل"؛ فدل ذلك على أن ما لا يوجد ذلك فيه لا تؤثر فيه الخلطة، ولأن خلطة المواشي تحصيلها يقع تارة بإزاء ضرر لأرباب الأموال والفقراء، وليس فيما سواها [إلا] الإضرار بأرباب الأموال؛ فإنه لا وقص فيها، فامتنع إلحاقها بالمواشي، وهذا هو القديم.
والقائلون بالجديد قالوا: الحديث مبين لما تقدم من قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"؛ فإن ذلك لا يكون إلا في الماشية؛ فكذلك بين الخليطين، لا لأنه أراد جنس الخلطة في كل الأموال.
وأما قولهم: إن الخلطة في المواشي لها تأثير في تغليظ الزكاة تارة وتخفيفها أخرى، فهو غير مقصود منها؛ ألا ترى أن الماشية إذا كانت أزيد من أربعمائة لم تفد الخلطة فيها أبداً إلا إضراراً برب المال؟ وسلك الغزالي تبعاً لإمامه طريقاً آخر، فحكى في الثمار والزورع ثلاثة أقوال، ثالثها: [تثبت فيها] خلطة العين دون خلطة الجوار؛ إذ لا تتحد المرافق بالتجاور، وغاية الممكن فيه: اتحاد الناطور والنهر، وأما الدراهم والدنانير فالمذهب: أن خلطة الجوار لا تؤثر فيها؛ إذ لا وقع لاتحاد الحانوت والحارس، وفي خلطة الشيوع قولان.
وما قال هنا: إنه المذهب، جزم به في "الوجيز" تبعاً للقفال؛ فإنه جزم فيها بعدم تأثير خلطة الجوار، وقال: في خلطة الاشتراك قولان.
وهي الطريقة التي أوردها الشيخ أبو محمد والصيدلاني، ووافقهما القاضي الحسين على إجراء القولين في خلطة الشيوع، وقال في خلطة الجوار: إنها مبنية على النخل والزرع، فإن قلنا هنا: لا تثبت، فهاهنا أولى، وإلا فقولان، ووجه الفرق: أن تمام الارتفاق إنما يحصل في الذهب والفضة بالخلطة بالشركة، بأن يتصرفا فيه فينتفعا به، ولا يرتفقان في خلطة المجاورة في الحقيقة، والله أعلم.

باب زكاة النبات

النبات يطلق على ما له ساق وهو الأشجار، وعلى ما لا ساق له وهو الزرع والحشيش [ونحوه].
والأصل في وجوب الزكاة في النوعين على الجملة- قبل الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ فأوجب بأمره الإنفاق مما أخرجه من الأرض لنا، والنوعان خارجان من الأرض، ثم قال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: الرديء، لما تقدم ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] وأراد الزكاة، يدل عليه قوله- عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] وقد تقدم أن المراد بها في هذه الآية: الزكاة؛ للخبر فكذا فيما نحن فيه.
ولأنه ليس مما يخرج من الأرض حق واجب سوى الزكاة، ولأنه حرم إخراج الخبيث، وهو الرديء كما تقدم، ولو كان المراد غيره لما حرمه، إذ يجوز إخراج خبيثه وطيبه.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن سالم بن عبد الله عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت [السماء] والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسواني أو النَّضْحِ نصف العشر".
وأخرجه البخاري وغيره.

وعن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وما سقي بالسواقي ففيه نصف العشر" أخرجه مسلم.
وقد ورد في الكتاب والسنة ما يدل على الوجوب في الزرع خاصة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وحقه- كما قال ابن عباس-: العشر ونصف العشر وروي عنه أنه قال: هو الزكاة المفروضة.
وإنما قلنا باختصاص دلالتها بالزرع؛ لقول الشافعي: "وقوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع"، أي: في هذه الآية.
قال الأصحاب: لأن الحصاد غير مستعمل في الأشجار، وإنما هو حقيقة في الزرع، [وإن استعمل مجازا في غيره؛ فإنه يقال: حصد الزرع] وجد النخل، وقطف العنب، وجني الفاكهة، ولا يقال: إن المراد بالحصاد في الآية الاستئصال كما في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ [يونس: 24] فيكون تقديرها يوم استئصاله، هذا لا يختص بالزرع؛ لما ذكرنا أنه حقيقة في الزرع، ولو سلمنا أنه

حقيقة في الاستئصال فلا يمكن الاستدلال بظاهر الآية على الثمار؛ لأن الأشجار لا تستأصل، بل تترك أصولها وتجني ثمارها، وإذا لم يمكن استعمال ظاهر الآية سقط الاحتجاج به، وقال

-[عليه السلام]-

لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن "خذ الحب من الحب" أخرجه أبو داود والنسائي.
وورد في السنة ما يدل على وجوبها في الثمار خاصة: روى أبو داود عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً".
وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن غريب.
وغيره ذكر أنه منقطع؛ لأن عتاباً توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر [الصديق] رضي الله عنه وولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقال الترمذي: إن هذا الخبر قد رواه ابن جريج عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
قال: وسألت محمداً- يعني البخاري- عن هذا فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب ابن أسيد [أصح].
[و] قال الأصحاب: وإنما جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - النخل أصلاً ورد الكرم إليه؛ لأنه افتتح خيبر في سنة ست وكان بها نخل، وكان يوجه عبد الله بن رواحة

يخرصها عليهم، فكان خرص النخل ووجوب الزكاة فيه معهوداً عندهم، ثم افتتح الطائف في سنة ثمان وكان بها كرم؛ فأمرهم بخرصها كما يخرص النخل.
قال- رحمه الله-: ولا تجب الزكاة في شيء من الزروع إلا فيما يقتات، أي: يكون له بقل يستمسك.
قال: مما ينبته الآدميون، أي يزرع جنسه الآدميون [وإن نبت بنفسه] كما إذا تناثر حب لمن تجب عليه الزكاة أو حمله [الهواء أو الماء] فنبت، صرح بذلك القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
واحترزنا بقولنا: لمن تجب عليه الزكاة عما لو حمل السيل الحب من بلاد الحرب ونبت في الصحاري، لا عشر فيه، وكذا النخيل إذا كانت مباحة في الصحاري، لا عشر في ثمارها.
قال: كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، والأرز، وما أشبه ذلك والقطنية: وهي العدس والحمص والماش والباقلي واللوبيا والهرطمان.
هذا الفصل اقتضى أمرين: أحدهما: وجوب الزكاة فيما ذكره، ودليله قد تقدم؛ لأنه داخل في جملة العموم.
والثاني: انتفاء الوجوب عما عدا ذلك وهو قسمان كما ذكر.
أحدهما: ما لا يقتات أصلاً أو في حال الاختيار؛ لأنه حين قال إلا فيما يقتات مثله، والممثل به هو المقتات في حال الاختيار فدل على أنه مراده؛ لأن المثال يبين ما أهمل من المراد.
فمن الأول: الأبازير؛ كالكمون والكراويا وغير ذلك، وكذا بذر الكتان وسائر البقول والخضروات كالقثاء والبطيخ، والبقول.
ومن الثاني: الترمس؛ لأنه لا يقتات في حال الاختيار، على أنه قد حكى عن الشافعي أنه قال: لا أعلم أنه يؤكل إلا دواء وتفكهاً.
وقال القاضي الحسين: إنه يهيج الباءة ويؤكل للجماع.
والقسم الثاني: ما يقتات لكنه لا يزرع جنسه الآدميون وهو ما نبت في الصحاري.

وقال [الشافعي] في "المختصر": ولا يبين لي أن يؤخذ من الفث وإن كان قوتاً ولا من حب الحنظل ولا من شجرة برية أي كالعفص والبلوط ونحو ذلك، كما لا يؤخذ من بقر الوحش ولا من الظباء صدقة ولا من الثفاء ولا من حب البقول.
والفث- كما قال المزني وابن أبي هريرة-: حب الغاسول وهو حب الأشنان، فإذا أدرك وتناهى حصل فيه مرارة وحموضة.
وقال غيرهما: هو حب ينبت بالبادية يشبه الشعير له رأسان يقتاته الناس في الجدب.
وقال القاضي أبو الطيب: سألت قوماً من أهل المدينة عن الفث فقال: هو حب الثمام يملح ويؤكل.

وقال أبو حامد: قال قوم: إن الفث: حب أسود يدفن حتى يلين ثم يخرج ويطحن ويخبز يأكله أعراب طيء عند المجاعة.
وهو أشبه بقول الشافعي؛ لأنه قال [فيه]: "وإن كان قوتاً"، وحب الأشنان لا يكون قوتاً بحال.
وقال في "الصحاح": هو حب يخبز ويؤكل في الجدب، وخبزه غليظ شبيه بخبز الملة.
والثفاء: حَبُّ الرَّشاد.
وقيل: إنه حب باليمن لا يحتاج آكله إلى شرب الماء عليه.
والدليل على نفي الوجوب في القسمين ما روي عن علي وطلحة أنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في الخضراوات صدقةُ".

وروى أبان عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما أنبتته الأرض من

الخضراوات زكاةٌ".
وروى موسى بن طلحة عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والبعل والسيل والعين العشر، وما سقبي بنضح أو غرب ففيه نصف العشر يكون ذلك في التَّمر والحنطة والشَّعير والحبوب، فأمَّا الرُّمَّان والقثَّاء والبطِّيخ والقضب فعفوُ عفا عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي لفظ: "عفا الله عنها".
ولأن الزكاة إذا وجبت في جنس تعلقت بأعلى نوعيه [وسقطت عن أدناهما، كالحيوان لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيه] وهو النعم السائمة وكالمعادن لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيها وهي [الذهب والفضة]، وكالعروض لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيها وهي عروض التجارة، فاقتضى أن تكون زكاة الزرع متعلقة بأعلى نوعيه دون الآخر وهو ما ذكرناه.
وتحريره قياساً: أنه جنس مال تجب فيه الزكاة فوجب أن تختص الزكاة بأعلى النوعين من جنسه كالحيوان وفارقت هذه الأشياء الأقوات الغالبة؛ لعظم منافع تلك.

وقد جمع الشيخ بقوله: "يقتات مما ينبه الآدميون"، الشروط الأربعة التي اعتبرها الشافعي فإنه قال: في "المختصر": "وما جمع أن يزرعه الآدميون، وييبس، ويدخر ويقتات خبزاً أو سويقاً أو طحيناً- ففيه الصدقة".
وأدرج في "الوسيط" ذلك في قوله: "بكل مقتات في حال الاختيار [وأنبتته أرض مملوكة أو مستأجرة خراجية أو غير خراجية فيجب فيه العشر على الحر المسلم إذا كان مالكه متعيناً"؛ لأن "المقتات في حال الاختيار"] جامع للصفات الأربع فلذلك استغنى عن التصريح بها لكن قوله: "أنبتته الأرض مملوكة أو مستأجرة" وإن ساقه لبيان أن الأجرة والعشر يجتمعان عندنا، وكذا العشر، والخراج؛ لأن الخراج أجرة خلافاً لأبي حنيفة، فهو يوهم أن ما أنبتته الأرض المغصوبة لا زكاة فيه، وليس كذلك بل زكاته واجبة على صاحب البذر بلا خلاف.
تنبيه: الحنطة: معروفة، ويقال لها: البر والقمح والسمراء، وهي تطلق على البيضاء والحمراء والواسطية والبغدادية والموصلية والشامية وهي أجودها [كما قال البندنيجي].
وقال القاضي الحسين: إن الشامية هي العلس وهو بفتح العين المهملة واللام وبالسين المهملة.
قال الأزهري: يكون [منه] في الكمام الواحد حبتان وثلاث.
قال الجوهري: وهو طعام أهل صنعاء.
والشعير: معروف وهو بفتح الشين على المشهور، ويقال: بكسرها ويطلق- كما قال البندنيجي، وتبعه في "البحر"- على الأبيض والأسود [والأحمر والحلو والحامض]، وقد قال بعض أصحاب الشافعي: إن السلت ضرب منه وهو ما كان يقطع به الشيخ أبو محمد وأبو علي في "الإفصاح"، وبه أجاب الماوردي في "الأحكام".
قال البندنيجي: وليس كما قالوا فإن الشافعي نص في "الأم""البويطي"] على أنه جنس بانفراده لا يضم إلى شعير ولا إلى حنطة.
قال: وهو كالحنطة

وطعمه طعم الشعير.
وهكذا قال غيره من العراقيين.
وقال في "الروضة": إنه الصحيح بل هو الصواب وبه قطع جماهير الأصحاب كما قال، وذكره أهل اللغة وأراد بكونه كالحنطة: في اللون والنعومة.
وقال القاضي الحسين: إن لونه لون الحنطة وطعمه طعم الشعير وإنه الشعير العادي.
وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: هو على صورة الشعير، ولكنه لا قشر له وطبعه طبع الحنطة إلى الحرارة، ولا يضم إلى الشعير ولا إلى الحنطة، بل هو مستقل بنفسه.
وما ذكره من صفته هو الذي أورده الفوراني، وكذا غيره.
وقد حكى الإمام عن صاحب "التقريب" رواية وجه ثالث فيه: أنه يضم إلى الحنطة؛ لأنه يسد مسدها.
والأرز: معروف وفيه ست لغات مشهورات.
أرز: بفتح الهمزة وضم الراء، وأرز: بضمها، والزاي مشددة فيهما.
وأرز [وأُرْز]: بضمهما وبضم الهمزة وإسكان الراء، والزاي مخففة فيهما، كرسل ورسل.
ورز، ورنزُ.
والقطنية: بكسر القاف وتشديد الياء؛ سميت به لأنها تقطن في البيوت أي: تمكث يقال: قطن إذا قام.
والحمص: بكسر الحاء، وكسر البصريون ميمه وفتحها الكوفيون.
الماش- بتخفيف الشين- حب معروف، قيل: إنه ضرب من الجلبان.
الباقلي: فيه لغتان التشديد مع القصر ويكتب بالياء والتخفيف مع المد ويكتب بالألف.
ويقال: له: الفول.
واللوبيا: مذكر، يمد ويقصر.
قال الرافعي: وقيل: إنها تسمى الدخن أيضاً.
الهرطمان- بضم الهاء والطاء- هو الجلبان: بضم الجيم، ويقال له: الخلَّر، بضم الخاء المعجمة، وفتح اللام المشددة وبعدها الراء.
واعلم أن في كلام الشيخ أمرين لابد من التنبيه عليهما:

أحدهما: أنه حصر القطنية فيما ذكر، وهو في ذلك متبع للقاضي أبي الطيب، فإنه هكذا قال.
وقال النووي: إن الدخن والذرة معدودان من القطنية، وينكر على المصنف حين أفردهما عنها.
وقال في "الحاوي": القطنية: الحبوب المقتاتة ما سوى البر والشعير.
وكذا قال القاضي الحسين والإمام.
الثاني: أن الماوردي قد حصر ما تجب فيه الزكاة فيما ذكره؛ لأنه ذكر ما ذكره الشيخ وضم إليه ثلاثة أمور: العلس، والسلت، والجاورس وقال: هذا ما تجب فيه الزكاة دون ما عداه، ثم قال: والعلس نوع من البر، والسلت نوع من الشعر.
ومن أصحابنا من قال: هو صنف على حياله، والجاورس: نوع من الدخن.
وهذا يقتضي انحصار الوجوب- كما ذكرنا- فيما ذكره الشيخ وإذا كان هذا صحيحاً لم يبق لقول الشيخ: "وما أشبه ذلك" معنى.
نعم يجوز أن يكون الشيخ قد اختار المنصوص في السلت وهو أنه جنس مستقل بنفسه؛ فيكون قوله: "وما أشبهه" عائداً إليه؛ لأنه يشبه الشعير أو القمح مع كونه مقتاتاً.
قال- رحمه الله-: ولا في شيء من الثمار إلا في الرطب والعنب: أما وجوبها في الرطب والعنب فقد تقدم وجهه.
وأما [نفي الوجوب عما] عداهما فلأنه- عليه السلام- لما قال: "فيما سقت السماء العشر .. " الخبر اقتضى أن تجب في كل ما سقته، فلما قال:

"يكون ذلك في التمر والحنطة والشعير .. " إلى آخره بين أن المراد مما أطلق أولاً ما بينه آخراً فكان عدم الوجوب فيما عدا المبين باقياً على الأصل، ولولا قوله- عليه السلام- في العنب: "يخرص كما يخرص الكرم"، لكنا لا نقول بالوجوب في العنب، ولأن ما عداهما لا تكمل منفعته فشابه الخضراوات، وهذا هو الجديد.
قال الشيخ: وقال في القديم: تجب في الزيتون لأنه روي عن عمر: أنه كتب إلى عامله بالشام أن يأخذ زكاة الزيتون.
وروي عن ابن عباس أنه قال: في الزيتون العشر.
ولا مخالف لهما وعلى هذا قال الشافعي: وأحب أن يخرج العشر من الزيت.
فمن الأصحاب من قال: يجب بهذا كما يجب أن يجفف التمر ثم يؤدي العشر منه؛ لأنه منتهى حاله، وعلى هذا إذا أخرج الزيت، قال الإمام: فالكسب الذي يتخلف عن عصر الزيتون ليس فيه عندي نقل، ولعل الظاهر أنه يسلم نصيب الفقراء إليهم، وليس كالقصل والتبن الذي يتخلف عن الحبوب فإن الزكاة تجب في الزيتون نفسه ثم على المالك مؤنة فصل الزيت كما عليه مؤنة تجفيف الرطب والعنب ولا يجب العشر إلا في الحب.
قال: وفي المسألة احتمال.
ومنهم من قال: هو على الاستحباب، فإن أخرج الزيتون أجزأه، وهذا إذا كان الزيتون يتأتى عنه الزيت.
قلت: وهذا الوجه الثاني مصرح به بأنه يجوز إخراج الزيتون والزيت، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وكذا المتولي، وفرق بينه وبين ما إذا أراد أن يخرج زكاة التمر دبساً أو خلاً فإنه لا يجوز؛ لأن التمر قوت والدبس والخل ليسا بقوت ولكنهما أدمان، وأما الزيتون فإنه ليس بقوت ولكنه إدام والزيت أصلح للأدم من الزيتون فلا يفوت الغرض.
وهذا الوجه لم يورده الماوردي، بل حكى الأول وحكى معه وجهاً آخر: أنه

يتعين إخراج الزيتون ولا يجزئه غيره، وقال: إنهما مأخوذان من قولين للشافعي في أن الموسق ماذا؟ أحدهما: الزيت فيعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق زيتاً؛ لأن الزيت حالة ادخاره كالتمر؛ فعلى هذا يؤخذ عشره زيتا لا غير.
قال في "البحر": وهو خلاف النص.
والثاني: الزيتون، وهو ما أورده الجمهور، وادعى الإمام الاتفاق عليه، فعلى هذا يؤخذ عشره زيتوناً لا غير.
وبذلك يجتمع في المسألة ثلاثة أوجه.
ولا يلتحق بالزيتون السمسم وبذر الكتان بالاتفاق، وقال الإمام: لو كان القياس محتملاً في ذلك لجاز إلحاقهما به.
قلت: نعم قد حكى عن ابن كج: أن القديم مطرد في وجوب الزكاة في حب الفجل.
قال الرافعي: ولم أره لغيره.
قال: والورس؛ لأن أبا بكر كتب إلى [أهل] خفاش بخط معتقب "بسم الله الرحمن الرحيم": من عبد الله أبي بكر إلى أهل خفاش أما بعد: فإن عليكم أن تخرجوا العشر من الورس والذرة، فإن فعلتم ذلك فلا سبيل لأحد عليكم.
وما ذكره الشيخ من الجزم بأنه قال في القديم تجب الزكاة في الورس- هو ما أورده البندنيجي، وغيرهما وقال: إن الشافعي علق القول في القديم على هذا الأثر؛ فقال: إن صح قلت به، وقد صح، فله في القديم فيه قولان وقد حكاهما الإمام وغيره.

وفي الزعفران على القول بوجوب الزكاة في الورس قولان؛ لأنه قال في القديم إن كان العشر في الورس ثابتاً احتمل أن يقال: في الزعفران العشر؛ لأنهما طيبان [كثيراً الثمر].
ويحتمل أن يقال: لا شيء في الزعفران؛ لأن الورس شجر له ساق وهو ثمره، والزعفران نبت فجعل الورس أدخل في الزكاة من الزعفران.
وحكي ابن الصباغ طريقة أخرى قاطعة بالوجوب.
قال: والقرطم لأنه روي عن أبي بكر أنه كان يأخذ العشر من القرطم.
ومذهب الشافعي في القديم الاحتجاج بفعل الصحابي وقوله.
وهذا القول أخذ من قوله في القديم: ولو قال قائل فيه العشر كان مذهباً.
وقد أفهم كلام بعضهم إجراء هذا القول في العصفر أيضاً.
والإمام حكى عن العراقيين تردداً فيه، وهو محكي في "البحر" عن "الحاوي".
فإن قلت: قد حكى عن القديم إيجاب الزكاة في العسل حيث قال فيه: يحتمل أن يقال بألا تجب، ويحتمل أن يقال: أنه يجب فلم لا ذكر الشيخ هذا القول؟ قلت: لأنه تكلم في زكاة النبات وليس العسل منه على أن الشيخ أبا حامد وغيره قطعوا بنفي الزكاة فيه قديماً وجديداً فلعل الشيخ ممن وافقهم فيه وهو الأظهر، وبهذا الجواب يقع الجواب عن كون الشيخ لم يذكر القول القديم في أن الترمس تجب فيه الزكاة كما حكاه الإمام عن رواية العراقيين، وإليه أشار أبو حامد.
وقال في "البحر": إنه أخذه من قوله فيه: "ولا أضم حنطة إلى شعير ولا شعيراً إلى سلت ولا سلتاً إلى ترمس"؛ فإن هذا يدل على أن فيه الزكاة ولكن أكثر العراقيين [لم يذكروه والشيخ بهم أسوة].
وقد أطنب البندنيجي في وصفه فقال: هو حب عريض أصغر من الباقلي في تقدير نواة التمر الهندي، [إلا أن] نواة التمر الهندي مربعة، وهذا مدور حسن التدوير كالدينار الصغير قال مجلي: وهو في مصر أشهر من أن يوصف.

وقد جعله الفوراني من بذر البراري؛ كالثفاء.
ولا فرق في العسل إذا أوجبنا الزكاة فيه بين أن يكون حصل من نحل مملوك له أو مباح.
والصحيح في جميع ما ذكرناه هو الجديد؛ لأنه- عليه السلام- حين بعث معاذاً إلى اليمن قال: "لا تأخذ العشر إلا من أربعةٍ: الحنطة، والشعير، والنخل، والعنب".
وعبارة الرافعي: أنه روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصَّدقة في أربعةٍ: التَّمر، والزَّبيب، والحنطة، والشَّعير، وليس فيما سواها صدقةُ".
وهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة ولكن ثبت أخذ الصدقة من الذرة وغيرها بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخالفناه في الأقوات، وتمسكنا به فيما عداه.
تنبيه: القرطم: بكسر القاف والطاء، وضمهما، لغتان مشهورتان وهو حب العصفر.
والورس- بفتح الواو وإسكان الراء-: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب والحبر وغيرهما، قال في التتمة: وهي شجرة يخرج منها شيء يشبه الزعفران.
قال: ولا تجب- أي: زكاة النبات- إلا على من انعقد في ملكه نصاب من الحبوب، أي: اشتد وحان حصاده كما حكاه البندنيجي عن الشافعي وأطلقه غيره أو بدا الصلاح، أي: ظهر وهو بإسكان الألف غير مهموز، في ملكه

نصاب من الثمار.
هذا الفصل سيق لبيان أمرين: أحدهما: بيان وقت الوجوب.
والآخر: اعتبار النصاب.
ووجه الأول- وهو بيان وقت الوجوب- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] لأن تقديرها: وآتوا حقه الواجب وقت حصاده إذ لا يمكن أن يكون ذلك "اليوم" ظرفاً للإيتاء لأمرين: أحدهما: أنه يجوز تأخيره عنه بل قد لا يتأتى الدفع فيه، وأنه متوقف على اليبس والدياس والتصفية بعده كما ستعرفه.
والثاني: أنه لو أخره عنه لم يوصف بالقضاء، ولو كان وقتاً للإخراج لكان إذا أخر عنه وفعل كان قضاء؛ كما نقول في زكاة الفطر إذا أخرت عن يوم الفطر، وإذا كان كذلك تعين أن يكون ظرفاً لأصل الوجوب، وحينئذ يكون الأمر بالإيتاء غير مؤقت بل متى تمكن منه فعله.
وإذا تقرر ذلك في الزرع بمقتضى الآية نظراً إلى اختصاص لفظ "الحصاد" به- كما تقدم في قول الشافعي- كان فيها تنبيه على أن وقت وجوبها في الثمار وقت بدو صلاحها؛ لأن حالة بدو الصلاح فيها كحالة استحقاق الصحاد في الزرع؛ فإن فيهما تؤمن الجائحة عليهما ولذلك جوز الشرع بيعهما في الحالين، ومنع منه قبلهما من غير شرط القطع، ومن هنا قال البندنيجي: إن وقت الوجوب فيهما وقت جواز البيع مطلقاً.
يعني: من غير شرط القطع، وقد استدل الماوردي للمدعي فيهما بوجهين: أحدهما: أن المقصود بالزكاة المواساة بالمال المنتفع به، وما لم يشتد الزرع ويبد صلاح الثمرة لا ينتفع بهما غالباً فلم تجب الزكاة فيهما.
والثاني: أن الزكاة استحداث حق شائع في المال، لأنه لا يصح بيعه إلا باشتراط القطع، واشتراط القطع لا يصح في المشاع فلأجل ذلك لم تجب فيه الزكاة وهذا هو الجديد والصحيح.
وعن صاحب "التقريب": حكاية قول غريب أن وقت الوجوب هو الاشتداد

والجفاف، ولا يتقدم الوجوب على الأمر بالأداء إذ يستحيل وجوب التمر مع عدمه.
قال في الوسيط: وهذا يلتفت على أن الإمكان شرط الوجوب وهو بعيد إذ تسليط الملاك على استهلاك الرطب إجحاف بالمساكين فالأولى الإيجاب.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه قال في القديم: وقت الوجوب في الزرع قبل وقت الحصاد.
وهو ما يفهم من كلام الشيخ.
وقال في "الشامل": إن الشافعي أومأ في القديم إلى أن وقت الوجوب عند فعل الحصاد.
قلت: حذاراً من إقامة اليوم في الآية مقام الوقت كما ذكرته، وحمل اللفظ على حقيقته وهو المفهوم من قولهم: إن ما اتفق حصاده في فصل واحد يضم؛ لأنه وقت الوجوب فكان النظر إليه أولى.
وقد اقتضى كلام الشيخ أنه لابد في الوجوب من انعقاد نصاب في الثمار، من بدو الصلاح في نصاب منها حتى لو وجد الانعقاد أو بدا الصلاح في بعض النصاب وباقيه لم يتصف بذلك- لا تجب، والأصحاب قالوا: لا يشترط انعقاد تمام الحب وتمام الصلاح في الثمار بل يكفي في ذلك طيب أول الثمرة صرح به في "البحر" وغيره.
ووجه الثاني- هو اعتبار النصاب- قوله- عليه السلام-: "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسقٍ" أخرجه مسلم، وهو دال على اعتبار النصاب في الحب والتمر.
وأما الزبيب: فاعتبار النصاب فيه يؤخذ من قوله: "يخرص العنب كما يخرص النخل .. " الخبر.
وأيضاً: فقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

"ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقةُ".
قال في "مختصر السنن": قد أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وهذا الخبر يشملهما.
قال: ونصابه أن يبلغ الجنس الواحد، أي: وإن اختلفت أنواعه كما تقدم، بعد التصفية في الحبوب، والجفاف في الثمار- خمسة أوسق: للخبر، والجفاف: بفتح الجيم يقال: جف الشيء يجف: بكسر الجيم؛ قال الجوهري: ويجف- أيضاً- بالفتح جفافاً، وجفوفاً.
والوسق: بفتح الواو، وكسرها، والمشهور الأول، وجمعه: أَوْسُقُ، ووُسُوقُ.
قال: وهو، أي النصاب، ألف وستمائة رطل بالبغدادي- لما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أنه- عليه السلام- قال: "الوسق ستُّون مختوماً"، وفي غيره: "ستون صاعاً".
وإذا كان الوسق ستين صاعاً كانت زنة خمسة منه ما ذكره الشيخ؛ لأن مجموع الخسمة ثلاثمائة صاع والصاع أربعة أمداد؛ فيكون النصاب ألفاً ومائتي مد.
والمد: رطل وثلث بالبغدادي، وذلك ألف وستمائة رطل بالبغدادي.
والرطل البغدادي، قيل: إنه مائة وثلاثون درهماً.
وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهماً.

وقيل: إنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، قال النووي: وهو الصحيح.
ويقال بكسر الراء وفتحها.
قال الأصحاب: والمعتبر في الموزون الأوسط من كل نوع فإنه يشتمل على الرزين والخفيف.
وفي "البحر": أن أبا حامد قال: وما حققه أصحابنا من اعتبار الوزن معناه إذا وافق الوزن الكيل وكان كل صاع خمسة أرطال وثلثاً فأما ما يختلف كيله ووزنه مثل: أن يكون التمر كبيراً ثقيلاً يكون ألف وستمائة رطل منه دون ثلاثمائة صاع فلا زكاة فيه: ولو كان خفيفاً يكون ثلاثمائة صاع منه كيلا دون ألف وستمائة رطل تلزمه الزكاة؛ لأن الأصل فيه الكيل؛ قال- عليه السلام: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة".
قال: وهذا يدل على أنه على التقريب في الوزن، وعلى التحديد في الكيل، ومن أصحابنا من قال: هو تقريب أي: في الكيل أيضاً، فإن نقص منه شيء يسير لم تسقط الزكاة وهو اختيار القفال ومشايخ خراسان.
قلت: وهذا من الروياني يقتضي أن الخلاف في تقريب الكيل وتحديده.
وأما الوزن فإنه تحديد بلا خلاف، وليس الأمر كذلك بل المارودي وغيره حكوا الخلاف في تحديد الوزن وتقريبه فقالوا: إن قلنا: إنه تحديد ضر فيه نقص الرطل والرطلين، وهو الذي صححه هو وغيره، وإن قلنا: إنه تقريب لم يضر والإمام حكاه عن العراقيين، وقال: إنهم قالوا: إذا قلنا: إنه تقريب فلا يضر نقص خمسة أرطال.
قال مجلي: ولا وجه لهذا التحديد: والأمر كما قال؛ بل الأظهر ما قاله الإمام – تفريعاً عليه-: إن كل نقص إذا نقص على خمسة أوسق لا يكون خارجاً عن

الاعتدال فهو غير ضار، فإن أشكل الضبط فالأظهر أنه لا يؤثر، ويحتمل استصحاب براءة الذمة؛ فإن الأصل عدم الوجوب حتى يتحقق الشاغل، والله أعلم.
قال: إلا الأرز، والعلس: وهو صنف من الحنطة يدخر في قشره؛ فنصابه عشرة أوسق مع قشره؛ لأن خالصه يكون خمسة أوسق وهي المعتبرة حتى ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسة أوسق كان ذلك هو النصاب.
وما ذكره الشيخ في العلس هو المنصوص؛ فإن الشافعي قال: أخبرني من أثق به أن القشرة التي عليه مثل [نصفه فلا تجب فيه] الزكاة حتى يبلغ عشرة أوسق مع قشره.
كذا قاله الماوردي.
وإن من أصحابنا: من منع السلم فيه وبيع بعضه ببعض.
وقد حكى عن الشيخ أبي حامد أنه قال: قيل: يجيء من الأرز الثلثان فتبين أن يكون في القشر من الحب ما يبلغ خمسة أوسق.
والمراد بالقشر في الأرز: القشر الأعلى، أما الأسفل وهو الأحمر، فقد قال في "الحاوي" هنا وفي باب الربا: إن الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب أن النصاب معه خمسة أوسق، وأبعد بعض أصحابنا- وهو كما قال هنا أبو علي بن أبي هريرة- فجعله عشرة أوسق؛ كالعلس.
وفي "البحر" حكاية وجه آخر: أنه يعتبر أن تكون خمسة أوسق بعد إخراج القشرة الحمراء؛ وقال: إنه الأصح عندي.
وقد حكى الرافعي وجهاً: أن نصاب الباقلي لا يدخل في تقديره القشرة السفلى، وأنه الذي جعله في "العدة" المذهب؛ لأنها غليظة من مقصوده.
قال في "البحر": وهو الصحيح عندي.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أن النصاب في الثمار ما يبلغ خمسة أوسق بعد الجفاف سواء كان مما يجف عادة أو لا، وهو ما ذكره العراقيون لكنهم اختلفوا في كيفية تقديره على وجهين: أحدهما: أنه يعتبر نصابه بنفسه فيقال: لو جفف على تنور هل كان يبلغ

خمسة أوسق أم لا؟ فإن قيل: يبلغ وجبت- وكيفية إخراجها تأتي- وإلا فلا تجب.
والثاني: أنه يعتبر بغيره كما يعتبر الحر عبداً في الحكومة فيقال في الرطب مثلاً لو كان يجيء منه تمر: هل كان يبلغ خمسة أوسق؟ فإن قيل: نعم وجبت وإلا فلا.
وقد حكى الماوردي وجهاً صححه في "الوسيط": أنه يوسق رطباً، فإذا بلغ خمسة أوسق منه وجبت؛ لأنه منتهى إدراكه.
قال الرافعي: وهو جار في مثله من العنب الذي لا يجيء منه زبيب.
تنبيه آخر: قوله: ولا يجب إلا على من انعقد في ملكه .. إلى آخره، ذكره تفريعاً على الجديد.
وإن قلنا بالقديم في وجوب الزكاة في الزيتون فلابد فيه من خمسة أوسق، لكن ما الوسق؟ هل الزيت، أو الزيتون؟ فيه قولان تقدما، والمشهور أنه الزيتون.
وإذا رأينا إيجاب الزكاة في الورس وجبت في قليله وكثيره، وكذا في الزعفران؛ لأنه قل أن يجتمع منهما نصاب.
وهذا ما أورده الجمهور وادعى الإمام أنه الظاهر.
وحكى هو وغيره وجهاً: أنه يعتبر فيهما النصاب؛ طرداً للقياس.
والقرطم يوسق على القديم، وكذا العسل والترمس.
وعن ابن القطان: أنه خرج باعتبار النصاب في جميع ما يخص القديم بإيجاب الزكاة فيه قولان والمذكور منهما في "المجرد" في القرطم: المنع.
قال: وتضم ثمرة العام الواحد أي: من التمر أو الزبيب اختلفت أنواعهما أو اتفقت بعضها إلى بعض في إكمال النصاب، أي: وإن كان بين بدو صلاح بعضها والبعض الآخر الشهر والشهران لاختلاف البلاد في الحر والبرد.
ووجهه: أن الله- تعالى- أجرى عادته أن إدراك الثمار لا يكون في حالة واحدة، بل ثمرة النخلة الواحدة لا تدرك في وقت واحد، فلو اعتبرنا التساوي في الإدراك لما وجبت الزكاة غالباً.

قال ابن الصباغ: وقد أجمع المسلمون على ضم ما يدرك إلى ما تأخر فثبت أن الاعتبار بثمرة العام الواحد، وقد قال الأصحاب: إن ما بين إطلاع النخل إلى بدو صلاحها ومنتهى إدراكها مدة أربعة أشهر فذاك هو المعتبر، ولا فرق بين أن يكون النخل في بلد واحد أو بلاد شتى، وكذا لا فرق عند العراقيين في الضم بين أن يكون إطلاع البعض بعد جداد البعض الآخر، أو قبله إذا جمعتهما ثمرة العام؛ صرح به البندنيجي وغيره، وهو الذي رجحه في "الروضة"، وقال: إنه الأصح في "المحرر".
وقال المراوزة: إن تقدم إطلاع البعض ولحقه البعض الآخر قبل بدو الصلاح فلا خلاف في الضم، وإن تأخر إطلاع البعض حتى جد البعض فلا ضم بلا خلاف، وإن أطلع البعض بعد ما بدا صلاح البعض ولم ينته إلى حالة الجداد ففي الضم وجهان: الذي صححه البغوي والفوراني، ويحكى عن أبي إسحاق: عدم الضم أيضاً؛ لأنها أثمرت بعد الوجوب في الأولى فكانت كثمرة عام آخر.
والذي قطع به الصيدلاني: مقابله وهو الذي يقتضيه نصه في "الأم" حيث قال- كما حكاه أبو الطيب وغيره-: لو كان نخل في بعضها رطب وفي بعضها بسر، وفي بعضها طلع فجد الرطب، ثم بلغ البسر فجده، ثم بلغ الطلع فجده، ولم يبلغ كل واحد نصاباً ضم بعضه إلى بعض، ولو آن وقت جداد الأولى ولم تجد فهل يكون الحكم كما لو جدت حتى لا يضم ما أطلع بعد ذلك إليها بلا خلاف أو يكون كحالة بدو الصلاح فقط حتى يكون كضم ما يحدث بعد ذلك؟ فيه وجهان.
ولا خلاف في أن بعض النخل إذا جد ثم أطلع قبل جداد باقيه مدة ثانية لا يضم ثمرته إلى ما بقي كما لا تضم الثمرة الثانية إلى الثمرة الأولى؛ لأن الثانية بمنزلة ثمرة عام آخر، ولا خلاف في أن ثمرة عام [لا تضم إلى ثمرة] عام [آخر].
نعم قال المراوزة- بناء على أصلهم في أن ما أطلع من النخل بعد جداد ما

هو في ملكه منه لا يضم بعضه إلى بعض-: لو كانت التي أطلعت في السنة مرتين تهاميات، وفي ملكه نجديات لا تطلع في السنة إلا مرة فكان إطلاع النجديات بعد جداد التهاميات المرة الأولى وإطلاع التهاميات المرة الثانية [قبل بدو صلاح النجديات ضممنا ثمرة التهاميات في المرة الثانية] إلى ثمرة النجديات.
وإذا تأملت ذلك علمت أن الفريقين متفقان على ضم إحدى ثمرتي التهاميات إلى ثمرة النجديات، لكن العراقيين يضمون الأولى فقط، والمراوزة يضمون الثانية فقط.
قال الرافعي: وهذا قد لا يسلمه سائر الأصحاب، لأنهم حكموا بضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض، وبأن ثمرة عام لا تضم إلى ثمرة عام آخر، ومعلوم أن إدراك ثمار التهامية [في كل عام أسرع من إدراك ثمار النجدية فيكون إطلاع التهامية] باقياً للعام القابل وما على النجدية من العام الأول.
ثم ما ذكرناه من الضم مفروض بلا خلاف فيما إذا كان الكل حالة كمال، أما لو كان في بستانه [رطب لا يتتمر ورطب يتثمر] فهل يضم أحدهما إلى الآخر؟ قال القاضي الحسين: ذلك ينبني على إذا ما باع الرطب الذي لا يتتمر بمثله هل يجوز؟ فيه وجهان.
ولو باع ما يتتمر بما لا يتتمر ترتب على ذلك، فإذا قلنا: هناك لا يجوز، فهاهنا أولى وإلا فوجهان: فإن قلنا: إن بيع أحدهما بالآخر لا يجوز فيكمل أحدهما بالآخر؛ لأنهما من جنس واحد.
وإن قلنا يجوز البيع فلا يضم لأنا جعلناهما جنسين مختلفين.
قال: وفي الزروع، أي: التي اتحد جنسها واختلفت أوقات زراعتها وحصادها بالفصول مثل الربيع، والصيف، والخريف والشتاء؛ قال الماوردي: وإنما يكون ذلك في الذرة فقط؛ لأنها التي تزرع في السنة مراراً، وأما غيرها فلم تجر العادة فيه بذلك.

قال: أربعة أقوال: أحدها: يضم زرع العام الواحد بعضه إلى بعض، [كما يضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض].
قال ابن الصباغ: وهذا أشبه الأقوال.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه المذهب.
وقال في "البحر": إنه من تخريج أبي إسحاق، وعلى هذا: فلا نظر على الاتفاق في وقت الزرع ولا في وقت الحصاد بل متى جمعهما العام ضم البعض إلى البعض لكن ما المراد بالعام؟ قيل: [إن] المراد به عام الزرع وهو من وقت إمكان زرعه إلى آخر حصاده، وذلك من ستة أشهر إلى ثمانية أشهر لا السنة العربية؛ لأن الزرع لا يبقى اثني عشر شهراً فعام الزرع هذا، هكذا حكاه في "البحر" من رواية أبي حامد عن أبي إسحاق.
وقيل: أطول سنة الزرع: ثمانية أشهر، وأقصرها: خمسة أشهر.
وقال البندنيجي: أكثرها ستة أشهر، وعبارة الماوردي: إنها ستة أشهر أو نحوها.
قال في "البحر": وقال بعض أصحابنا: أراد اثني عشر شهراً.
قال: والثاني: ما اتفق زراعته في فصل واحد؛ لأن الزراعة هي الداخلة تحت القدرة وهي الأصل فكان النظر إليها، فعلى هذا: ما اتفقت زراعته في فصل ضم وإن وقع حصاده في فصلين.
وقال البندنيجي عن أبي إسحاق: ولا يكاد يتفق وقت زراعته ويختلف وقت حصاده في البلد الواحد وإنما يكون مثل هذا في بلدين.
قال: والثالث: ما اتفق حصاده في فصل واحد لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] فكان الاعتبار به أولى؛ ولأن ما لا يعتبر فيه الحول فالمعتبر فيه حال الوجوب؛ كزكاة الفطر، وهذا ما صححه في "البحر" والنووي، وعِلَّتُهُ تنتقض- على رأي العراقيين- بالثمار؛ فإنها غير منوطة بالحول ولا ينظر فيها إلى وقت الوجوب بل ينظر إلى كونها ثمرة العام.

قال: والرابع: ما اتفق زراعته وحصاده في فصل واحد؛ لأنه مال تتعلق الزكاة بعينه فاعتبر فيه الطرفان؛ كالماشية والأثمان.
قال أبو حامد: وهذا أضعف الأقوال.
قلت: وسبب ضعفه: منع الضم عند الاتفاق في العام [أو الزرع أو الحصاد]، وإلا فإذا اتفقت الزراعة والحصاد في فصل واحد فالأقوال [الأول] موافقة على الضم، وهو ما حكاه البندنيجي، وكذا ابن الصباغ وقال: إن هذه الأقوال لا تجتمع في ضم زرع وإنما يكون في ذلك قولان؛ لأنهما إما أن يكونا متفقين في الابتداء فيكون فيهما قولان، أو متفقين في الحصاد ففيهما قولان، وكذا إن كانا مختلفين فيهما فعلى قولين.
والأقوال متفقة على أنه لا يضم زرع سنة إلى زرع سنة أخرى، وذلك مما لا خلاف فيه إلا ما سنذكره.
وسلك المراوزة في حكاية الخلاف في المسألة طريقاً آخر فقالوا: إذا اتفق وقت الزراعة ووقت الإدراك والجنس واحد فلا شك في الضم اتصلت المزارع، أو تباعدت، وكذا إذا اختلفت الزراعات في الأوقات ولكن سبب التفاوت الضرورة في تواريخ الزراعة كالذي يبتدئ الزراعة من مبتدأ شهر ثم لا يزال يواصل إلى شهرين على حسب الإمكان، فهذا يعد زرعاً واحداً بلا خلاف، فإن الزرع الواحد هكذا يفرض.
ولو اختلفت تواريخ الزرع وتواريخ الإدراك ففي الضم أقوال: أحدها: أن المزروع بعد حصد الأول لا يضم إليه وإن اتفق الزرعان والحصادان في سنة واحدة؛ تنزيلاً للزرعين منزلة حملين لشجرة واحدة يقع طلع أحدهما بعد جداد الأخرى.
والثاني: يضم إن وقع الزرعان والحصادان في سنة؛ لأنهما حينئذ يعدان زرع سنة واحدة [واجتماعهما في سنة واحدة] بأن يكون بين الزرع الأول وحصاد الثاني أقل من اثني عشر شهراً عربياً، كذا قاله الإمام والبغوي، وإن كان بينهما سنة فصاعداً فلا يضم.

والثالث: أن الاعتبار بوقوع الزرعين في سنة، وإن كان بين الزراعة الأولى والثانية أقل من سنة فالزرع مضموم إلى الزرع، وإن وقع أحد الحصادين وراء السنة من تاريخ الزراعة.
والرابع: أن الاعتبار بالحصد، فإن وقع الحصادان في سنة وكان الزمان المتخلل بينهما أقل من سنة عربية- فأحدهما مضموم إلى الآخر، وإن كان بين الحصادين سنة فلا ضم.
قالوا: وهذه الأقوال هي المروية في "المختصر".
واختلفوا في الأظهر منها، قال الرافعي: وكلام الأكثرين مائل إلى ترجيح القول الرابع.
قالوا: وقد نص في "الكبير" على خامس، وهو: إن وقع البذران في سنة ووقع الحصادان في سنة- فأحدهما مضموم إلى الثاني؛ قال القاضي الحسين والرافعي: وكذا إن وقع زرع الثاني وحصد الأول في سنة قالوا: وهو بعيد جداً إذ يلزم منه ألا يفرض زرعان على الاعتياد في سنة، وألا يضم أحدهما

للثاني؛ فإن زرع سنة إذا حصد فتمضي ستة أشهر ويبتدئ الزرع الآخر لا محالة فلا يقع بين الحصاد والزراعة إذا لم تتعطل السنة سنة كاملة.
وعن المسعودي: أنه نقل في "الإيضاح": القول الخامس على وجه أخص مما ذكرناه فقال: الاعتبار بجمع السنة أحد الطرفين إما الزرعين وإما الحصادين ولم يلحق بهما زرع الثاني وحصد الأول.
وإذا جمعت هذا إلى ما تقدم كان عند المراوزة في ذلك ستة أقوال، وإن ضممت ذلك إلى ما حكاه العراقيون اجتمع عشرة أقوال.
قال الإمام: والصورة التي تجتمع فيها الأقوال: أن يزرع ويحصد، ثم يزرع زرعاً آخر، أما إذا كان زرع الثاني بعد اشتداد الأول فالخلاف فيه مترتب على الخلاف فيما إذا كان زرع الثاني بعد حصد الأول، وهاهنا أولى بالضم؛ لاجتماعهما في النبات في الأرض والحصول فيها، ولو كان الزرعان معاً، أو على التواصل المعتاد كما ذكرنا.
ثم أدرك أحدهما والثاني بعد بقل لم يشتد حبه أصلاً- ففيه طريقان: أصحهما في "النهاية" وغيرها، وبه قال ابن سريج القطع بالضم؛ لأن ذلك يعد زرعاً واحداً.
والثاني: أنه على الأقوال؛ لاختلافهما في وقت الوجوب، بخلاف ما لو تأخر بدو الصلاح في بعض الثمار؛ فإنه يضم إلى ما بدا فيه الصلاح؛ لأن الثمرة الحاصلة هي متعلق الزكاة.
وبهذا قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة كما قال القاضي الحسين بعينها، والمنتظر فيها صفة الثمر، وهاهنا متعلق الوجوب: الحب ولم يخلق بعد والموجود حشيش.
فرع: قال الشافعي: الذرة تزرع مرة فتخرج فتحصد ثم تستخلف في بعض المواضع فتحصد أخرى؛ فهو زرع واحد، وإن تأخرت حصدته الأخرى.
وقال الأصحاب: قد أجرى الله- تعالى- عادته بأن الذرة إذا حصدت طلعت، فإن كانت [حين] حصدت استخلف القضب وحمل ثانياً ففي الضم وجهان:

أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: لا، كما لو حملت النخلة مرة، فجدها ثم حملت مرة أخرى، وحمل كلام الشافعي على أن يكون بعض الذرة حين طلع ظاهراً للشمس فأدرك فجده وبعضه كان قد طلع ولكنه مزحوماً لم يبرز ذلك للشمس فلما حصد الظاهر ظهرت الصغار فأدركت، فإن في هذه الصورة الأقوال في الضم كما تقدم، والشافعي فرع على قول الضم فيها فعلى هذا يكون للطالع ثانياً حكم نفسه، فإن بلغ نصاباً زكاه وإلا فلا شيء فيه.
والثاني: إلحاق هذا الحادث [بزرع حادث] فيضم على القول الأول والثاني ولا يضم على القول الثالث والرابع.
وعلى هذا فالفرق بينه وبين ثمرة النخلة التي أطلعتها ثانياً: أن النخل يراد للتابيد فجعل لكل حمل [حكم] نفسه والزرع لا يراد للتأبيد، فالحملان لعام واحد.
وحكى الماوردي بدل الوجه الثاني: أنه يضم قال: لأنهما زرع واحد عن بذر واحد، وفرق بينه وبين النخلة بما ذكرناه، وقال في المسألة التي حمل صاحب الوجه الأول النص عليها: إنه ينظر: إن كان ما بينهما قريباً وفصل حصادهما واحد- ضم أحدهما إلى الآخر، وإن بعد ما بينهما واختلفت فصول حصادهما فيكون على قولين: قال: ولو كان سبب طلع الثاني كون الأول [حين] حصد تناثرت منه حبات فطلعت فلا يضم؛ لأن بذره حصل بعد حصد الأول فلم يجتمعا في بذر ولا حصاد، فإن بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة وإلا فلا شيء فيه.
ولا خلاف عندنا في أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر في إكمال النصاب وإن جمع ذلك اسم عام كالقطنية.
نعم النوع يضم إلى النوع كما تقدم.
قال: وما سقى بغير مؤنة، أي: من شجر وزرع، كماء السماء أي: وهو المطر الذي يستغنى به كما في بلاد الشام ونحوها، وفي معناه: الثلج إذا وقع بأرض الجبل؛ فإنه إذا أزيح عنها حرثت وزرعت ولا تحتاج إلى ماء، والسيح

أي: وهو الماء الجاري على وجه الأرض بسبب سد النهر العظيم حتى يصعد الماء على الأرض فيسقيها، أو بفتح النهر العظيم عليها فيمر عليها لاستفالها، أو بشق ساقية وهي المجراة ويسقو الماء إليها فإن ذلك كله سيح، كما قال البندنيجي وغيره.
وما يشرب بالعروق، أي: مثل أن يغرس النخل في مواضع قريبة من الماء، فإذا تعرقت استغنت بعروقها الراسخة في الماء عن السقي.
وهذا عين ما فسر به الزهري وغيره البعل الذي سنذكره في الحديث، وقد قال بعضهم: مراد الشيخ: ما يصل إلى عروقه نداوة الأرض فيستغنى بها عن الماء.
والأول أشبه بكلام الشيخ.
قال: يجب فيه العشر، وما سقي بمؤنة كالنواضح والدوالي يجب فيه [نصف] العشر).
والأصل في ذلك ما تقدم من قوله- عليه السلام- "فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلا- العشر، وفيام سقى بالسَّواني أو النَّضح نصف العشر".
[وفي رواية: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريًّا- العشر] وفيما سقي بالنَّضح نصف العشر" أخرجه البخاري.
وفي رواية أبي داود: "وما سقي بالغرب ففيه نصف العشر".
وهذا ما لم تختلف فيه العلماء، والفرق بين ما سقي بماء السماء والنضح خفة المؤنة وكثرتها، ولذلك نظير في الزكوات؛ ألا ترى أنه يجب في الركاز الخمس؛ لخفة مؤنته ولا تجب الزكاة في المعلوفة؛ لثقل مؤنتها؟ فإذا أثر ثقل المؤنة في

دفع الزكاة فبأن تؤثر في نقصانها أولى.
والبعل في الحديث الأول: بتسكين العين غير المعجمة، وقد تقدم شرحه.
وقيل: هو والعذق واحد، وهو ما سقته السماء، والمشهور اختصاص هذا بالعذق، وأما البعل فهو ما تقدم.
والسواني: جمع سانية، وهي الناقة التي يسقى عليها.
والنضح: يسمى بالعراق: الشادوف؛ قال البندنيجي: وهو ما يغترف به من النهر إلى الساقية؛ كالحقبة والقرعة.
والعثرى في الحديث الثاني- بفتح العين والثاء والياء-: الأشجار التي تشرب مما يجتمع من المطر في حفرة سمي بذلك؛ لأن المار يتعثر بها.
وقيل: هي التي تشرب من أنهار تجري إلى جانبها.
وقيل: هو البعل.
والغرب: الدلو الكبير الذي لا تستطيع الاستقاء به إلا البهيمة.
و"السيح" في كلام الشيخ: بفتح السين المهملة وإسكان الياء آخر الحروف، والحاء المهملتين يقال: ساح يسيح.
والنواضح: جمع "ناضح"، وهي الإبل والبقر، وسائر الحيوانات التي يستقى بها الماء للمزارع والنخل وغيره من الأشجار واحدها: ناضح، وناضحة.
والدوالي: جمع "دالية"، قال بعضهم: وهي البكرة يستقى بها الماء بالدلاء.
وقال البندنيجي، وغيره: هي جذع طويل يجعل تحته على النصف منه بناء ويعلق برأسه باطية من حصب مقتر تغترف الماء تسع حدود قلة من الماء، فإذا امتلأت ماء صعد الرجل على الرأس الآخر من الجذع فينزل رأسه ويصعد

الرأس الذي علق به الإناء فيقلب إلى الأرض.
والعشر: بضم الشين وإسكانها، وكذلك "التسع" وما قبله إلى الثلث ويقال: في "العشر": عشير- بفتح العين وكسر الشين- ومعشار.
قال الشافعي: والعشر: أن يكتال لرب المال تسعة والعشر العاشر لمصدق ونصف العشر: أن يكال تسعة عشر لرب المال والعشرون للمصدق.
قال الأصحاب: وإنما بدأ بالمالك؛ لأن حقه أكثر؛ ولأن حق الفقراء إنما يظهر معرفته بحق رب المال.
قال الشافعي في "الأم": ولا يزلزل المكيال، ولا يزعزع، ولا يمسح ويترك فيه من الحب ما حمل.
قال الأصحاب: لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف.
واعلم أن ما يحتاج إليه من المؤن في سوق الماء إلى الأشجار بحفر الأنهار والقنوات لا يؤثر في نقصان العشر، وإن كبرت المؤنة فيه، وحكمه حكم ما سقي بماء السماء؛ لأن هذه المؤنات إنما لزمته لإحياء الأرض، وهي غير متكررة، وقد ادعى الإمام في ذلك الاتفاق.
وقال ابن يونس: [إنه قيل]: وما سقي من القنوات يجب فيه نصف العشر، وهو الذي أفتى به أبو سهل الصعلوكي.
وقد حكاه في "البحر" عن بعض الأصحاب فيما إذا احتاج في ذلك إلى مؤنة عظيمة، أو احتاج إلى دانق من الجص والآجر.
قال: ورأيته عن الشيخ الجليل أبي عبد الله الحناطي.
وقال صاحب "التهذيب": إن كانت القناة أو العين كثيرة المؤنة بأن كانت لا تزال تنهار وينصرف ماؤها فتحتاج إلى استحداث حفر- فهي كالبئر التي تنزح فيها السواقي، وإن لم يكن لها مؤنة أكثر من مؤنة الحفر الأول وكسحها في بعض الأوقات فسبيله سبيل النهر في وجوب العشر، والواجب فيما لو اشترى الماء لسقيه نصف العشر؛ كما أشار إليه ابن كج ونقله عنه صريحاً صاحب "الرقم".

والمسقي بالماء المغصوب مثله؛ لأن عليه الضمان.
نعم، المسقي بالماء الموهوب هل يلتحق به؟ فيه وجهان عن أبي الحسين ورجح ابن كج إلحاقه بالماء المغصوب؛ لما في قبول الهبة من المنة؛ كما لو علف ماشيته بعلف موهوب.
قال في "الروضة": وقلت: والوجهان إذا قلنا لا تقتضي الهبة ثواباً؛ صرح به الدارمي.
وقال: إن قلنا: تقتضيه فنصف العشر قطعاً.
والمسقي بالناعورة- وهي التي يديرها الماء بنفسه- كالمسقي بالنضح؛ فيجب فيه [نصف] العشر.
قال: وإن سقي نصفه بهذا ونصفه بذاك، وجب فيه ثلاثة أرباع العشر.
اعلم أن ظاهر هذا الكلام يقتضي أن نصف النابت إذا سقي بماء السماء، وسقي النصف الآخر بالنضح- يجب في المجموع ثلاثة أرباع العشر وهذا لم أره لأحد من الأصحاب بل قالوا- والصورة هذه-: أحد النصفين مضموم إلى الآخر في إكمال النصاب والواجب في النصف المسقي بماء السماء العشر وفي الآخر نصف العشر.
ولا يقال: إنا إذا جمعنا ذلك كان المجموع ثلاثة أرباع العشر؛ لأن حاصل أحد النصفين من الثمرة قد يكون أكثر من الآخر، وإذا كان كذلك لم يكن المجموع ثلاثة أرباع العشر، وقد يختلف نوعهما.
ومراد الشيخ- والله أعلم- بما ذكره ما قاله الأصحاب، وهو إذا ما سقي جميع النابت بالماءين على السواء؛ ويدل عليه قوله من بعد: "وإن سقي بأحدهما أكثر" وحينئذ فتعين أن يكون التقدير: وإن سقي النابت نصف السقي بهذا ونصفه بذاك، وجب فيه ثلاثة أرباع العشر.
ووجهه: أن عند سقي الجميع بماء السماء يوجب العشر وعند سقيه بالنضح يوجب نصف العشر، وقد تساويا؛ فوجب ثلاثة أرباع العشر نظراً للتقسيط، وعلى هذا يكال من الأربعين لرب المال سبعة وثلاثون وللمصدق ثلاثة.
وقال المراوزة: إن قلنا عند التفاضل في السقي بالتوزيع فالحكم كذلك، وإن

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل