كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
قلت: المعتمد في زكاة البقر ما أشار إليه الشافعي من الاتفاق على أن الواجب في الثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة واستأنس بحديث معاذ الذي رواه عن مالك، وليس فيه ذكر التبيعة، وإلا فقد قال عبد الحق في "الأحكام الكبرى": "إنه ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته"؛ فلا جرم اقتصر الأصحاب على ذكر أن الواجب في الثلاثين هو التبيع، والتبيعة تجزئ عنه، والله أعلم.
قال: وفي أربعين مسنة، للخبر، وهي التي لها سنتان، أي: ودخلت في الثالثة، كذا قاله القاضي الحسين، وأفهم أنه قول أهل اللغة، وفي "تعليق" البندنيجي أن المسنة لم تنص اللغة ولا الشريعة على قدر سنها، ولكن الظاهر أن المراد بها: الثنية؛ لأنه لما كان في الثلاثين تبيع وهو الجذع، والسن الذي يليها: الثنية- علم أن المراد في النصاب الثاني: السن الذي يلي الجذعة والذي يليها الثنية، والمذكور في "الحاوي" أن الثنية ما لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، والخلاف منطبق على أن الثني من الغنم هو هل ما استكمل سنة؟ أو ما استكمل سنتين، وقد تقدم الكلام فيه، ويأتي في الأضحية، والبقر في ذلك كالغنم، كما ذكر الإمام، وإن كان الشيخ قد قال خلافه في الأضحية.
وجمع "المسنة"- كما قال البندنيجي-: مسنان ومسنات، وقال: إنه يقال لما تلده البقر حين يولد: عجل، وعجول؛ فإذا استكمل سنة، ودخل في الثانية قيل له: جذع، وللأنثى جذعة؛ قفإذا استكمل سنتين، ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل أربعاً ودخل في الخامسة فهو سديس وسديسة، فإذا استكمل خمساً ودخل في السادسة فهو ضالع، ولا اسم له بعد ذلك إلا ضالع
عام، وضالع عامين.
ويجزئ عن المسنة إخراج تبيعين عند الجمهور؛ لأنهما يخرجان عن ستين، فما دونها أولى.
وحكى الرافعي في إجزائهما وجهين، وهما كالوجهين اللذين حكيناهما عن المتولي وغيره فيما إذا أخرج بنتي لبون أو حقتين عن جذعة، والصحيح منهما أيضاً: الإجزاء.
قال: وفي ستين تبيعان، وعلى هذا أبداً: ثم في كل ثلاثين تبيع، ومن كل أربعين مسنة؛ عملاً بظاهر خبر معاذ، وإنما ذكر الشيخ "وفي ستين تبيعان"، وإن كان قوله: وعلى هذا أبداً: في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة" مغيناً عنه، بياناً لأول النصب التي يتكرر فيها ما أخرج من قبل، وبه يظهر أن ما زاد على الأربعين لا يجب فيه شيء ما لم يبلغ ستين، خلافاً لأشهر الروايات عن أبي حنيفة؛ فإنه أوجب في الخمسين مسنة وربعاً، ووافق على أنها إذا بلغت ستين يجب فيها تبيعان، وقد حكى القاضي أبو الطيب أن بعض أصحابنا قال: فرض البقر إنما يستقر في الستين، يعني أنه إنما يجب في كل ثلاثين تبيع، وفي كل
أربعين مسنة بعد الستين، قال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن فرض البقر مستقر من أوله في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ولو اجتمع فرضان في نصاب كالمائة وعشرين، فيها ثلاث مسنات، وأربعة أتبعه، فالحكم في تعيين المسناـ، أو اختيار الأحظ للمساكين عند وجودهما وفقدهما، كما تقدم في الإبل، وقد نقل البندنيجي أنه نص في القديم على تعين المسنات، ولا يستثنى من ذلك إلا جواز أخذ الجبران ودفعه؛ فإنه لا يجزئ في البقر بلا خلاف، بل يجب عليه عند فقد سن الفرض من ماله تحصيله، أو إخراج أعلى منه، كما قاله الماوردي وغيره، وفرق بينه وبين الإبل، بأن الغنم لما وجبت في ابتداء فرض الإبل جاز أن يدخل جبرانها فيما بين أسنانها، وذكره ابن الصباغ أيضاً، وقال: إنه ليس بصحيح؛ لأنه ينكسر بدخول الدراهم في الجبران، لكن الصحيح في التعليل: أن الزكاة لا يعدل فيها عن المنصوص عليه إلى غيره بالقياس.
وهذا يخدشه جواز إخراج المسن عن التبيع، وكذا المسنة عنه، وإخراج ما فوق المسنة عنها، وتبيعين عنها كما قاله ابن الصباغ وغيره.
فإن قيل: إن الحكم المستفاد من فحوى الخطاب ثبت بالقياس؛ لأن هذا منه يعم الفرق الصحيح النازع إلى هذا المعنى ما قاله في "البحر": إن الجبران تقويم الشرع؛ فيجب قصره على الموضع الذي ورد فيه الشرع.
قلت: أي وجنسه، حتى يدخل فيه ما إذا أعطى الثنية من الإبل، وطلب الجبران؛ فإنه يجاب على المذهب، كما تقدم، وقد فرق في "التتمة" بينهما: بأن الإبل جرى فيها التخفيف بإيجاب غير الجنس، وهو الشاة؛ فجاز أن تختص بالجبران بخلاف غيرها، وقد أورده في "البحر" أيضاً، ولا يرد عليه ما ذكره ابن الصباغ لتغيير العبارة.
قال: وأول نصاب الغنم أربعون؛ فيجب فيه شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة، أي: إلى ثلاثمائة ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة.
الأصل في ذلك: ما روى البخاري في كتاب أبي بكر الذي تقدم ذكر بعضه: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة
ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإن كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها".
واعلم أنا لو لم نقدر ما ذكرناه في كلام الشيخ لأفهم أنه يجب في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه كما حكى عن إبراهيم النخعي والحسن بن صالح؛ تمسكاً بأنه- عليه السلام- حد الغاية بالثلاثمائة في وجوب الشياه الثلاثة فيجب أن يكون ما يتعقبها مغيراً للفرض كما جعل المائتين حد الغاية في وجوب الشاتين وغير الفرض ما يعقبها، وهذا لم يقل به أحد في مذهبنا، والحديث يرد عليه؛ لأنه قال: "فإن زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة"، ومن أوجب أربع شياه في ثلاثمائة وواحدة خالفه، قد قال في "البحر" حكاية عن المزني والربيع: إنه روي في بعض الألفاظ: "إذا نقصت سائمة الرجل عن أربعين شاة فلا شيء فيها، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائتين وشاة فإذا بلغتها ففيها ثلاث شياة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة، وما نقص عن مائة فلا شيء فيها"، وهذا أصرح في الرد على المخالف.
وقد أجاب الأصحاب عما ذكره بأن العدد المحدود يجعل لتغيير الفرض تارة وتارة لتغيير النصب والحساب [من غير] أن يتغير الفرض، يدل عليه أن الواحدة الزائدة على عشرين ومائة من الإبل تغير الحساب، ويستقر بها النصاب، وهو إيجاب بنت لبون في كل أربعين، وحقة في كل خمسين، ولا يتغير بها الفرض، كذا في مسألتنا: استقر النصاب بالثلاثمائة ولم يتغير بها الفرض.
والقاضي الحسين قال: إنما ذكر عليه السلام وقصين متواليين، لا نصاب بينهما في الحديث الأول تحسينا للعبارة؛ لأن العرب تستحسن أن تمد الكلام إلى غاية، ثم تردفه بما يستدرك بكل الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] [أي: حتى ينقطع دمهن، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بعد الانقطاع فأردفه بما يستدرك بكل الغاية.
قال: وإن كانت الماشية إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً، أي: على السواء، أو كانت
الإناث قدر الفرض فقط، لم يؤخذ في فرضها أي: المتأصل، إلا الأنثى وأما في الإبل وأربعين من البقر؛ فلظاهر ما تقدم من الخبر، وأما في الغنم، فلحديث سويد ابن غفلة، ولأنه حيوان تجب الزكاة في عينه، فكانت الأنوثة متعينة في فرضه؛ كالإبل.
وقد وافق الخصم هنا وهو أبو حنيفة، وهذا ما نص عليه في "الأم".
وقد أطلق جمهور الأصحاب والنقلة القول بذلك، ولم يتعرضوا لاعتبار القيمة في المخرج في الحالين.
وفي "الرافعي" أن الأنثى المأخوذة من الإناث والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث بطريق التقسيط، قال: كما ذكرناه في المراض.
وهذا ما يقتضيه كلام الأئمة الذي سأذكره من بعد.
قال: إلا في ثلاثين من البقر؛ فإنه يجزئ فيها الذكر؛ للخبر، واحترزنا بقولنا في بيان كلام الشيخ: "المتأصل" عما إذا أخرج عما دون الخمس والعشرين من الإبل الذكور الغنم، فإنها تؤخذ منه ذكوراً على المذهب، وكذا ابن اللبون عند ملكه خمساً وعشرين من الإبل ليس فيها بنت مخاض كما تقدم.
وقول الشيخ: "في فرضها" احترز به عما إذا أدى ما فوق الفرض ذكراً؛ فإنه يجزئ في بعض الصور، وهو ما إذا كان في ملكه أربعون من البقر، فأخرج تبيعين، فإنهما يؤخذان منه عن المسنة التي هي فرضه، ويجزئان [عنها على المشهور كما تقدم.
قال: وإن كانت كلها ذكوراً أخذ] في فرضها الذكر، أما في ثلاثين من البقر فللخبر، وأما في الغنم؛ فلأن أخذ الأنثى يؤدي إلى الإجحاف برب المال، وليس في أخذ الذكر ما يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير وهذه الزيادة ذكرت فارقة بين الغنم والإبل حيث قلنا: لا يجب فيها الذكر كما سيأتي.
قال: إلا الإبل، فإنه لا يؤخذ فيها أي أصلاً، إلا الإناث؛ للخبر، ولأن أخذ الذكر يؤدي إلى التسوية بين ما يؤخذ من الكثير والقليل في بعض الصور، وهو ما إذا كان ماله ستة وثلاثين، فإن أخذ الذكر منها يؤدي إلى تسويتها بخمس
وعشرين؛ فإنه يؤخذ فيها ابن لبون، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة وأبي إسحاق، وقال: إنه مذهب الشافعي، قال في "البحر": وقد نبه عليه في "الأم" وإنما انغلق كلام المزني؛ بشدة اختصاره وعلى هذا قال الأصحاب: يؤخذ أنثى بالقسط ليندفع الضرر عن المالك، وطريق معرفة القسط: أن تقوم الذكور بتقدير الأنوثة، ويقوم فرضها أنثى، ثم تقوم ذكوراً، فما نقصت من قيمة الإناث نقص من قيمة الفرض قدر ذلك، واشتري به أنثى.
مثاله: إذا كان في ملكه خمسة وعشرون قيمتها لو كانت إناثاً ألف، وقيمة بنت مخاض منها مائة، وقيمتها وهي ذكور خمسمائة- فقد علمنا أنه قابل فوات الأنوثة النصف، فينقص من قيمة الفرض النصف، وهو خمسون في مسألتنا، ونأمره أن يخرج أنثى قيمتها خمسون، هكذا قاله البندنيجي وغيره، وهو ما قلت من قبل: إنه يدل على ما حكاه الرافعي؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان الصواب أن يقوم على تقدير أن يكون منها أربع وعشرون ذكوراً وواحد أنثى [وتقوم به أنثى] ويقوم الفرض منها ثم تقوم ذكوراً كلها فما نقصت نقص من قيمة الفرض واشتري به أنثى فتأمل ذلك، تعرفه والله أعلم.
وقد حكى مثل هذا الوجه أو القول في الغنم إذا كانت كلها ذكوراً، وقال القاضي الحسين: إنه قول قديم، والذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيره من العراقيين فيها ما تقدم، وهو المنصوص في "الأم" كما قال في "البحر"، والفرق ما تقدم.
قال: وقيل: يؤخذ فيها الذكر؛ كما يؤخذ من المراض مريضة، ومن الغنم الذكور ذكر، ولأن تكليف المالك إخراج أنثى من مال لا أنثى فيه إضرار به، والشرع إنما أوجب الزكاة مواساة؛ فلا يناسبها الإضرار.
قال: إلا أنه يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين؛ حذارا من التسوية بين القليل والكثير، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وأشار إليه في "المختصر"، حيث قال: في الإبل لا نأخذ ذكراً مكان أنثى، إلا أن تكون تامة كلها ذكوراً.
وبه قال ابن خيران ولم يحكه أبو الطيب في
"التعليق" إلا عنه، وصححه النواوي.
ثم معرفة التفاوت بين المخرج عن خمس وعشرين والمخرج عن ست وثلاثين، يتوقف على معرفة المخرج عن خمس وعشرين عند انفرادها، وقد قال في "البحر": إنا نقدرها كلها إناثاً، فإذا قيل: قيمتها ألف، قيل: فكم قيمة بنت مخاض منهأ؟ فإذا قيل: مائة: فكم قيمتها ذكوراً؟ فإذا قيل: خمسمائة قيل: فكم قيمة ابن مخاض منها؟ فإذا قيل: خمسون- أوجبنا عليه ابن لبون قيمتها خمسون.
فإذا فهم ذلك عدنا إلى مسألة الكتاب، وهي إذا كان جملة ماله ستا وثلاثين، فنوجب عليه- على سياق ما تقدم والحالة هذه- ابن لبون قيمته اثنان وسبعون؛ لأن التفاوت بين القيمتين على نسبة التفاوت بين العددين، وذلك أحد عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً وهو خمسان وخمس خمس، وخمسا الخمسين عشرون، وخمس خمس الخمسين اثنان، وإذا أضيف ذلك إلى خمسين بلغ ما ذكرناه وعلى هذا: في ست وسبعين ابنا لبون، كل [واحد] منهما أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين، وكذا في كل موضع أخرج فيه ابن اللبون عن أربعين.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه إن أدى أخذ الذكر إلى التسوية بين نصابين لم يؤخذ، وإلا فيؤخذ وشرحه: أنه لا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت مخاض؛ فيلزم التسوية بينهما، ويؤخذ من خمس وعشرين ابن مخاض، ومن ست وأربعين حق، ومن إحدى وستين جذعة، ولذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، كذا قاله الرافعي.
والأوجه متفقة على أخذ ابن لبون عن خمس وعشرين إذا كان فيها، والأخير مصرح بأن الإبل إذا كانت ذكوراً ليس فيها ابن لبون، وهي خمس وعشرون- أنه يؤخذ منه ابن مخاض، وهو ما ادعى القاضي الحسين أنه الظاهر من المذهب فيما إذا كانت إبله كلها أبناء مخاض، قال: لأن النصاب الأول من الإبل يشبه
جميع النصب من الغنم، على معنى أن الواجب فيه من جنسه باعتبار العدد، لا باعتبار الصفة، والوجه الأول جار فيه، وهو ما أورده ابن الصباغ، ولم يحك خلافه، وفرق بينه وبين ما إذا كان ماله ستاً وثلاثين حيث يجزئه ابن لبون على وجه؛ بأن ابن لبون له مدخل في الزكاة في الجملة بخلاف ابن مخاض.
قلت: هذا الفرق يقتضي عدم إجزاء الحق والجذع، ولا جرم اقتصر هو وكثيرون على إيراد الخلاف الذي ذكره الشيخ، وقد أغرب في "البحر" حيث حكى عن بعض الأصحاب أنه حكى عن ابن خيران أنه قال فيما إذا كان ماله خمساً وعشرين: إنه لا يؤخذ ابن لبون ولا ابن مخاض، قال: وهذا غير صحيح عن ابن خيران.
وهذا كله إذا كان الذكور في سن الواجب، فلو كانوا في غير سنه، كما إذا ملك ستاً وثلاثين ابن مخاض قال القاضي الحسين: فإن قلنا لا يجزئه واحد منها عن خمس وعشرين فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق حذر التسوية بين القليل والكثير.
قال: وكذلك الوجهان جاريان فيما لو ملك ستة وأربعين بني مخاض أو بني لبون، فإن قلنا بالجواز أخذنا منه ابن لبون تزيد قيمته على المأخوذ في ستة وثلاثين.
واعلم أن كلام الشيخ يفهم أنه إذا ملك أربعين من البقر كلها ذكور: أنه يجزئ فيها الذكر، وهو المنصوص عليه في "الأم" كما قال في "المهذب" و"البحر"، وقال البندنيجي: إنه ظاهر المذهب، وقول ابن خيران، وصححه النواوي، قال في "البحر"- تبعاً لما أفهم كلامه في "المهذب"-: وعلى هذا يقوم النصاب من الإناث، والفرض الذي فيها، ثم يقوم النصاب من الذكور، ويؤخذ بالقسط حتى لا يؤدي إلى التسوية بين الذكور والإناث.
وفي "ابن يونس": أنا لا نحتاج على هذا التقويم؛ إذا المحوج إليه خشية مساواة القليل الكثير، وذلك مفقود فيها.
وفي المسألة وجه آخر: أنه يتعين إخراج الإناث؛ كما قيل بمثله في الإبل، وهو ما حكى عن أبي إسحاق وأبي الطيب بن سلمة.
قال: وإن كانت الماشية صحاحاً أخذ منها صحيحة، أي: ولا يجزئه معيبة وإن كانت أكثر قيمة من صحيحة، والدليل عليه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ ومعناه: لا تقصدوا الرديء منه تنفقون، فعبر عن الرديء
بالخبيث وإن كان ينطلق لإرادة المحرم، والدليل على أن المراد دون الحرام، قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267] والذي يؤخذ مع الإغماض إنما هو [الرديء] دون المحرم؛ لأن المحرم لا يجوز أخذه بحال، والمراد بالنفقة: الصدقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: 34] وأراد بالنفقة فيها الصدقة؛ لقوله عليه السلام: "ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز".
ومن السنة ما روى أبو داود عن ابن شهاب في نسخة كتاب أبي بكر قال: "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق"، وقد أخرجه البخاري، وروى أبو داود عن سالم- وهو ابن عبد الله بن عمر- عن أبيه في نسخة كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب" وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
قال: وإن كانت مراضاً أخذ منها مريضة؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذاً إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب" إلى أن قال: "فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم"، أخرجه البخاري ومسلم.
وفي أخذ الصحيحة من المراض أخذ الكرائم وقد روى أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" بسنده عن عبد الله بن معاوية الغاضرين من غاضرة قيس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدةً عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن
من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره".
وأخرجه مسنداً أيضاً أبو القاسم الطبري.
ولأنه نصاب وجب فيه الزكاة؛ فوجب أن يكون فرضه بصفته، أصله: النصاب من الحبوب والثمار، والحديث الأول محمول على مال فيه صحيح ومريض؛ لأنه الغالب، والفرق بين هذا وبين ما لو كان المال كله ذكوراً أو صغاراً حيث لا يؤخذ منه الذكر ولا الصغير- على قول أو وجه: أن اسم "بنت لبون" مثلاً يطلق على المريضة، ولا يطلق على الذكر والفصيل، وقد وجب بلفظ "بنت لبون".
قال: وإن كانت صحاحاً ومراضاً، أي: والصحاح قدر الفرض أو أكثر منه أخذ منها صحيحة ببعض قيمة فرض صحيح وبعض قيمة فرض مريض على قدر المالين؛ لأن المريض لا يزكي الصحيح، لأن في إخراجه تيمم الخبيث، وفي إخراج الصحيح من غير اعتبار القيمة إضرار بالمالك وأخذ الكرائم، وهو منهي عنه؛ فتعين التقدير بالنسبة رعاية للجانبين، ومثال ذلك: إذا كان له أربعون من الغنم منها عشر مراض وثلاثون صحاح، فيقال: كم [قيمة] فرض صحيح منها؟ فإذا قيل: عشرون، فيقال: وكم قيمة فرض مريض منها؟ فإذا قيل: عشرة، قيل له:
نصف وربع قيمة الصحاح خمسة عشر، وربع قيمة المراض اثنان ونصف، وجملة ذلك سبعة عشر ونصف فأعط فرضاً صحيحاً قيمة ذلك.
وهكذا الحكم فيما لو كان واجب ماله من الغنم حيوانين، وفيما لو كان ماله إبلاً وواجبه حيوان واحد أو حيوانان على المشهور.
ولو كان ماله ثلاثين من الإبل، ونصفه صحاح والنصف الآخر مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وقيمة كل مريضة ديناران- قال في "التهذيب"، تبعاً للقاضي الحسين وغيره: يجب عليه صحيحة قيمتها ثلاثة دنانير؛ نظراً إلى نصف قيمة الصحيح ونصف قيمة المريض.
قال الرافعي: ولك أن تقول: هلا كان هذا ملتفتاً إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟ فإن انبسطت فذاك وإلا قسط المأخوذ على الخمس والعشرين.
انتهى.
قلت: لو خرج على هذا فما الذي يجعل الوقص منه: هل من الصحاح أو من المراض، أو منهما؟ إن جعلناه من الصحاح أضررنا برب المال، وإن جعلناه من المراض أضررنا بالفقراء فتعين أن يجعل منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة، على أن جعله منهما على السوية متعذر، لأن الخمس لا تنقسم.
أما إذا كان الصحاح من ماله دون الفرض كما إذا كان واجبه حيوانين وجميع ماله مراض إلا أحد الحيوانين فالذي أورده البندنيجي والروياني: أنه يخرج واحداً معيباً والآخر سليماً بالنسبة، وإن أخرج السليم جاز، وهو الذي حكاه الإمام عن العراقيين والصيدلاني، وحكى عن شيخه أنه كان يقطع في دروسه أنه لابد [من] أن تكونا جميعاً صحيحتين، ولا يكفيه أن يخرج تلك الصحيحة ومعيبة؛ لأن من أخرج بعيرين من إبله فهما يزكيان ماله، وكل واحد منهما يزكي الثاني، وإن كانتا مخرجتين فيلزم من إخراج صحيح ومريض أن يزكي المريض الصحيح، قال الإمام: وهذا عندي خروج عن ضبط الفقه، وتقدير بعيد لا حاصل له، والزكاة إذا أخرجت فالباقي يزكي بها فأما الزكاة فلا تزكي نفسها؛ ولأجل هذا قال الغزالي: إن هذا سرف؛ لأنه إذا لم يبق في ماله صحيح سقط أثر المخرج.
وقد حكى القاضي الحسين والمتولي الخلاف المذكور وجهين في المسألة، وأنهما مأخوذان من اختلاف وقع في نسخ "المختصر"؛ فإن في بعض منها- كما قال هو والقاضي أبو الطيب وغيرهما-: "ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل عدده صحيح"، وفي بعض "النسخ]: "ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل [عدد صحيح] "، فمن قرأه بإثبات الهاء قال: المراد لا يأخذ مريضاً في الفرض وفي الإبل عدد؛ فإن الواحد أول العدد وليس عدد الفرض صحيحاً، وجوز الأخذ بهذه الصورة؛ لأن عدد الفرض لم يكن صحيحاً في ماله.
ومن قرأه بنفي الهاء، قال: مراده: لا يأخذ مريضاً في الفرض وفي الإبل عدد ما صحيح وقد وجد في ماله في هذه الصورة عدد ما صحيح فلا يأخذ المريض.
فإن قلت: الواحد أول العدد وليس بعدد؛ فلا تندرج هذه الصورة في كلام الشافعي بتقدير حذف الهاء.
قلت: قد استشعر القاضي ذلك حيث منع ألا يكون الواحد عدداً بقوله: "واسم العدد يقع على الواحد.
وأنا أقول: هذا التخريج صحيح، وإن قلنا: إن الواحد ليس بعدد؛ لأنا لو فرضنا الكلام فيما إذا كان الواجب عليه ثلاث حيوانات، كما إذا كان ماله مائتين وواحدة من الغنم، والجميع مراض إلا شاتين، فإن قضية من قرأ
اللفظ بغير هاء: ألا يجزئه إخراج المريضة في هذه الحالة؛ لأنه قد وجد في المال عدد صحيح، وإذا صح ذلك فوجهه ما ذكره الشيخ أبو محمد، وإذا كان كذلك وجب طرده في الصورة الأخرى؛ لوجوده فيها.
ثم قضية بناء الوجهين على الاختلاف الذي وقع في نسخ "المختصر" بما ذكرناه من التقرير القطع بأن الإبل إذا كان الواجب فيها اثنان من جنسها وكانا صحيحين وباقيها مراضا- ألا يجزئه إلا صحيحان قولاً واحداً، ولكن بالقسط، وكذا في الغنم وغيرها، وهو ما قلنا من قبل: إنه المشهور وقد أغرب القاضي الحسين- وتبعه في "التهذيب" و"التتمة"- حيث قال: إذا كان ماله نصابين وأحد النصابين صحيحاً والآخر مريضاً بأن يكون له ست وسبعون من الإبل أو مائتان من الغنم نصفها صحاح ونصفها مراض، فأخرج صحيحة ومريضة- هل يجزئه أم لا؟ فيه وجهان.
قال القاضي: على اختلاف قراءة المختصر من قرأ: وفي الإبل عدد صحيح، قال: ما دام في الإبل صحيح لا يؤخذ مريض، ومن قرأ: عدده صحيح قال: يؤخذ من المريض مريض ومن الصحيح صحيح، يعني جميع الإبل، قال: والصحيح [أن] الهاء راجعة إلى المخرج؛ فلا يأخذ إلا الصحيح في هذه المسألة، وقد قال في "التهذيب": إن الصحيح عنده أنه يأخذ صحيحة ومريضة.
قلت: ومن هذا الخلاف يؤخذ خلاف في المال المشتمل على نصابين يتعدد بتعددهما الواجب: كالست والسبعين هل نقول: وجب في مقابلة نصفها بنت لبون الإبل؛ أخذا من [الخلاف المذكور] فيما إذا ملك أربعمائة من الإبل هل يجزئه أربع حقاق وخمس بنات لبون، أو لا يجزئه إلا ثماني حقاق أو عشر بنات لبون؟ ويمكن أن يكون مأخذ الخلاف هاهنا ذلك أيضاً، لكن قضيته لو قيل به أن يكون الصحيح هنا الجواز كما قاله البغوي، والصحيح [خلافه] بل المشهور اختصاص الخلاف بالصورة الأولى.
وقد أغرب الغزالي فيها حيث قال- تفريعاً على ما قاله الصيدلاني-: إنه يكتفي منه بصحيحة تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان المملوك أربعين من الغنم.
وغرابة ذلك من وجهين:
أحدهما: أن قوله: تقرب قيمتها يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب قال الرافعي: وهذا لم أره في كلام غيره، ولا ينبغي أن يسامح بالنقصان والبخس.
قلت: مراد الغزالي- والله أعلم-: أن التفاوت في هذا يسير؛ لأن الزائد بسبب صحة واحدة من أربعين قليل ومع قلته لا يهمل بل يجب اعتباره، فهو ضد ما فهم عنه.
الثاني: جعله التفاوت منسوباً إلى ربع عشر القيمة إذا كانت غنمه أربعين، وهو الذي رواه ابن كج عن أبي إسحاق والذي قاله الجمهور في التقسيط هو الأول، قال الرافعي: وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية إلا إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة ولفظ الغزالي يغني عن النظر إلى آحاد الصور.
واعلم أن المعيب كالمريض فيما ذكرناه.
نعم، لو كان كل المال معيباً، لكن البعض أردأ- فقد قال الشافعي في "المختصر": يأخذ خير المعيب.
واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من أجراه على ظاهره، وأوجب خير المعيب من جميع ماله، قال الماوردي: وهو غلط؛ لأنه لا يطرد على أصل الشافعي، وهذا لم يورده الجمهور، بل أكثرهم قال: لا يختلف أصحابنا أن إبله إذا كانت [كلها] معيبة، فلا يجوز أن يأخذ خيرها في الصدقة، وممن قال ذلك، الإمام لكنه ذكر عن العراقيين بعد ذلك تردداً في صورة تقتضي المنازعة في ذلك.
ومنهم من قال: أراد بذلك أخذ خير الفرضين، وهي الحقاق وبنات اللبون، ولم يرد خير جميع المال، قال في "الحاوي": وهو الصحيح وبه قال ابن خيران، ويؤيده قوله في "الأم": يأخذ خير المعيب من السن التي وجبت عليه.
ومنهم من قال: مراده أن يكون رب المال أذن للساعي أن يأخذ من إبله ما شاء فيأخذ خيرها.
ومنهم من قال: أراد بخير المعيب: أوساطها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] يعني: وسطاً، لأنه قال في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143] ثم هؤلاء اختلفوا في المراد بالوسط على وجهين حكاهما البندنيجي والماوردي:
أحدهما: أوسطها عيبا، مثال ذلك: أن يكون ببعضها عيب، وببعضها عيبان، وببعضها ثلاثة عيوب؛ فيأخذ ما به عيبان، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب تفريعاً على هذا.
والثاني: أوسطها في القيمة، مثال ذلك: أن تكون قيمة بعضها معيباً خمسين، وقيمة بعضها معيباً مائة، وقيمة بعضها معيباً مائة وخمسين فيأخذ ما قيمته مائة لأنه أوسطها، وهذا معنى قول الغزالي بعد حكاية النص: وقال الأصحاب: يخرج بالقسط وهو الأصح، وعليه تنطبق رواية الربيع- كما قال القاضي الحسين-: ويأخذ من خير المعيب ما تفاوت بالقيمة قدر صدقته.
والصورة التي حكى فيها الإمام التردد عن العراقيين: ما إذا ملك خمساً وعشرين معيبة فيها بنتا مخاض، إحداهما من أجود المال مع العيب والأخرى: دونها فقال: أحد الوجهين: أنه يأخذ التي هي أجود، وأصحهما: أنه يأخذ الأوسط.
وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بالأغبط من الحقاق وبنات اللبون إذا اجتمع فرضهما في نصاب كالمائتين.
ثم العيب المؤثر فيما نحن فيه: كل ما يرد به في البيع كذا قاله علماؤنا كما قال الإمام في باب فرض الإبل السائمة، وأنهم قالوا: لا تعتبر العيوب المانعة من الإجزاء في الأضاحي، وحكى عن شيخه أن من أئمتنا من اعتبر السلامة من عيوب الأضاحي، والسلامة من العيوب التي تثبت الرد وهذا زلل غير معتد به، والوجه: القطع باعتبار عيوب الرد فحسب، والفارق بين الوجهين يقع في شيء واحد، وهو أن الشرقاء والخرقاء تجزئ على الوجه الأول، كما صرح به الإمام في باب زكاة الغنم عن الصيدلاني؛ موجهاً له بأنها ليست معيبة بعيب مؤثر في القيمة والمالية وهي المرعية في الزكاة، وإن كان استشراف المنظر حساً معتبراً في
الضحايا على رأي، وعلى الوجه الثاني لا تجزئ إذا قلنا بعدم إجزائها في الضحايا، وقال الإمام في باب زكاة الغنم: إنه غير معدود من المذهب، وإنما هو هفوة من السامع والمستمع، وقد أوضح في "الخلاصة" حقيقة الوجه الأول وهو الصحيح في "الرافعي" فقال: المؤثر في المنع ما لا يجزئ في الأضحية إلا سلامة الأذن.
قال: وإن كانت صغاراً، أي: بأن كانت دون أول سن تجب فيها، وذلك يتصور في جميع الماشية بأن تنتج في ملكه ماشية ثم تموت أمهاتها ويتم حولها وهي صغار ويفرع على المذهب في [أن] الحول لا ينقطع بموت الأمهات، خلافاً للأنماطي، ويتصور أيضاً في المعسر بأن يملكها ببيع ونحوه، ويتم عليها حول ولم يكمل لها سنتان، وقلنا بالصحيح: إن الثنية منها ما استكملت سنتين.
قال: فإن كانت من الغنم، أخذ منها صغيرة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: 103] فلم يجز لحق هذا الظاهر أن يكلفوا الزكاة من غيره، ولقول أبي بكر في حق مانعي الزكاة: "والله، لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلهم على منعه" كما أخرجه البخاري ومسلم.
وجه الدلالة منه: أنه أخبر عنهم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العناق،
والعناق: الأنثى الصغيرة من أولاد الغنم ما لم تجذع، وهي إنما تؤخذ من مال كله سخال، ولأنا لو كلفناه كبيرة من مال لا كبير فيه لكلفناه كريمة من مال لا كريمة فيه؛ لأن الكبيرة كريمة في هذه الحالة، وذلك لا يجوز؛ للخبر الآخر، ولأنه مال تجب الزكاة في عينه؛ فوجب أن نأخذ زكاته من عينه [كالثمر الردئ] وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن الجديد، وقال تفريعاً عليه: إنا نأخذ صغيراً سخلة من جملة السخال تبلغ قيمتها قيمة ربع عشر ماله إذا كان أربعين؛ وهو جزء من أربعين جزءاً.
قال: وإن كانت من الإبل والبقر أخذ منها كبيرة أي: ولا يأخذ صغيرة منها مطلقاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير، فيأخذ في خمس وعشرين من الإبل فصيلاً يأخذه في إحدى وستين منها، وفيما بينهما، ويأخذ في ثلاثين من البقر عجلاً يأخذه في أربعين منها وذلك إضرار بالفقراء؛ فتعين أخذ كبيرة.
قال: أقل قيمة من كبيرة تؤخذ من الكبار؛ رعاية لجانب رب المال، وهذا ما حكى عن ابن سريج وأبي إسحاق [قالا]: والفرق بين ذلك وبين الغنم بوجهين:
أحدهما: أن محذور التسوية بين القليل والكثير مفقود فيهما.
والثاني: أن أسنان فرائض الإبل والبقر منصوص عليها؛ فلم يجز تركها
لمخالفة النص، وسن فرائض الغنم لم يرد النص به؛ لوروده في الإبل والبقر، فجاز تركه عند فقده.
وعن بعض الأصحاب: أنه طرد هذا الوجه في الغنم- أيضاً- فقال: يأخذ منها كبيرة بالقسط وهو ما حكاه البغوي عن القديم تبعاً للقاضي الحسين والفوراني؛ لأنا لو أخذنا الصغيرة من الغنم لأخذناها من الإبل أيضاً كالمريضة، والمعيبة حيث تؤخذ من جميع النعم، ولو أخذناها من الإبل لزمت التسوية، فامتنع الأخذ أصلاً ورأساً، كما أنا نمتنع من أخذ الصغيرة من الإبل والبقر- على هذا الوجه لأجل ذلك- فيما إذا كان المال خمساً وعشرين من الإبل وثلاثين من البقر، وحينئذ لا أثر للفرق الأول، والثاني ضعيف، ولا وجه له في بدله.
وعلى هذا نقول: كم قيمة النصاب لو كان كباراً؟ فإذا قيل: ألف مثلاً قيل: فكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: فكم قيمة هذه الصغار؟ فإذا قيل: خمسمائة، قيل له: أخرج سن الفرض ويكون قيمته خمسة كذا قاله الماوردي والبندنيجي في الإبل، وطرده منقاس في غيرها، والقاضي أبو الطيب قال في الإبل على هذا: إذا كانت خمساً وعشرين فإنه يخرج ابنة مخاض قيمتها قيمة واحدة من الصغار، وإذا كانت ستاً وثلاثين أخرج بنت لبون قيمتها قيمة فصيل منها، والقياس: طرد ذلك في البقر والغنم إن قلنا بتعين الكبيرة فيها.
وقد قال الإمام: إن الساعي يجتهد في الغنم ويحرص؛ حتى لا يجحف برب المال، فيأخذ جذعة من أربعين من سخال الغنم قريبة القيمة من سخلة، ويشترط أن تكون سليمة من العيوب، ولا ينبغي أن يظن الفقيه أنا نلتزم التسوية بين قيمة تلك الجذعة وبين السخلة؛ فإن هذا قد لا يتأتى أصلاً، وقد تكون أكبر سخلة في المال غير مستكملة شهراً، وقد لا تكون شريفة الجنس- أيضاً- فليس من الممكن فرض جذعة سليمة على قيمتها، ولو فرضنا وجدان ذلك؛ لكون السخال نفيسة وكانت الجذعة من نوع قريب القيمة فما عندي أن الأئمة
يسمحون بالعدول عن النوع الشريف، ولا أحد يصير إلى أنا نعدل إلى الدراهم، فإن هذا يؤدي إلى [إيجاب] إخراج قيمة سخلة، ولو أجزأت قيمة سخلة لأجزأت سخلة في نفسها.
قلت: وبهذا يندفع السؤال على قول من قال: إنا إذا أوجبنا عليه في الإبل والبقر كبيرة أقل قيمة من كبيرة تؤخذ من الكبار، فلم نجد كبيرة بتلك القيمة- إنا نأخذ منه القيمة للضرورة كما ذكره المسعودي [في "الإيضاح"].
قال: وقيل: تؤخذ الكبيرة، أي: التي وصفناها من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، أي: كخمس وعشرين من الإبل، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين منها، وثلاثين من البقر وأربعين منها، للمحذور الذي ذكرناه من التسوية، فأما ما يتغير الفرض فيها بالعدد، أي: كست وسبعين من الإبل، وستين من البقر؛ فإنه يؤخذ الصغار؛ لانتفاء المحذور المذكور فجاز كما في الغنم، وهذا ما ضعفه الماوردي، وقال: إنه لا يتحصل منه شيء؛ لوضوح فساده من الاعتبار، وغيره بين فساده؛ بأن التسوية المحذورة فيما يتغير الفرض فيه بالسن موجودة فيما يتغير الفرض فيه بالعدد، وذلك بين ست وسبعين وإحدى وتسعين من الإبل، وبين الستين من البقر والثمانين، وقد سلم الحكم في ذلك كما قاله الماوردي، ولا فرق بينهما إلا في الصورة؛ فإن ما يتغير الفرض فيه بالسن المأخوذ منه واحد، والمأخوذ فيما يتغير فيه الفرض بالعدد اثنان، ولا أثر لذلك.
وقد عبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع الإلزام المذكور، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية، ومنهم الغزالي في "الوسيط" تبعاً للإمام وادعى الإمام في موضع: أنه وجه عدل متجه، وفي آخر: أنه الأصح، وكذا البغوي وقال: إنه الجديد، وإذا قلنا به وجبت صغيرة لائقة بماله، وفي المسألة وجه آخر: أنه تؤخذ الصغيرة من الإبل والبقر بكل حال، كما تؤخذ من الغنم، فيؤخذ في خمسة وعشرين فصيلاً فصيل [وفي ستة وثلاثين فصيلاً فصيل، وفي ستة وأربعين فصيلاً فصيل، وفي واحد وستين فصيلا
فصيل]، وفي ستة وسبعين فصيلان، وفي ثلاثين عجلا عجل، وفي ستين عجلان، وفي سبعين عجلان، ثم هكذا فيما زاد ونقص، قال الماوردي: وهو ظاهر النص، والبندنيجي وأبو الطيب قالا: إنه ظاهر المذهب [والمتولي قال: إنه المذهب] وهو الذي صححه الفوراني، وقال ابن الصباغ: إنه ليس بشيء.
وعلى هذا قال الشيخ أبو بكر- وهو ابن الحداد- والصيدلاني: ينبغي أن يحرص الساعي حتى يأخذ من المقدار الكبير من الإبل فصيلا أكثر شيئاً مما يأخذه فيما دونه حتى يحصل عند الإمكان فصل بين المأخوذ من الكثير والمأخوذ من القليل، فإن أراد أن يأخذ فصيلاً من خمس نظر إلى الأسنان عند وجودها، ومعلوم أنه [لو] ملك خمسا وعشرين من جذاع الإبل أو ثناياها، فإنا نكتفي منه ببنت مخاض، وهي أول الأسنان المعتبرة، فلينظر الناظر إلى مثل ذلك في الفصلان.
قال الإمام: ويخرج من هذا أنه يأخذ أكثر الفصلان في المقدار الكبير.
وقال غيره: إنه يأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل المأخوذ من خمس وعشرين، ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس.
وعلى الجملة فإن أمكن التفاوت فهو حتم، والنظر فيه إلى نظر الساعي واجتهاده، وإن تساوت الفصلان على مزية واحدة، فلابد على هذا من التسوية بين القليل والكثير على هذا الوجه الذي عليه نفرع، كذا قاله الإمام.
قلت: والقياس يقضتي طرد مثل هذا في البقر، وقد اقتضى ما ذكره الشيخ في الإبل والبقر الجزم بعدم إجزاء الصغيرة عن خمس وعشرين من الإبل وثلاثين من البقر، أما على [الوجه] الأول فظاهر، وأما على [الوجه] الثاني؛ فلأنها من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، وقد جزم البغوي بإجزاء الصغير عن خمس وعشرين من الإبل، وحكى الخلاف فيما جاوز ذلك.
قال الرافعي: وفي كلام الصيدلاني مثل ذلك والقياس طرد ذلك في البقر، وقد حكى في "الوجيز" وجهاً: أن الصغيرة تؤخذ في غير الإبل، وفي الإبل فيما
جاوز إحدى وستين، ولا تؤخذ فيما دونه؛ كي لا يؤدي إلى التسوية، وهذا الوجه يلحق البقر بالغنم مطلقاً دون الإبل.
قلت: و [هو الذي] لا يتجه غيره؛ لأن عماده المنع من إخراج الصغيرة، أما التسوية بين القليل والكثير أو خشية الإفضاء إليها فذلك مأمون في البقر؛ لأن الواجب في ثلاثين منها ذكر، وفي أربعين أنثى، وفي ستين ذكران، وفي ثمانين أنثيان، وذلك فارق بين القليل والكثير؛ فإن الأنوثة صفة زائدة قائمة في بعض الصور مقام زيادة السن؛ ألا ترى إلى جعل الشرع ابن اللبون مجزئاً، في خمس وعشرين وبنت اللبون واجب ست وثلاثين؟ نعم، لو كانت الصغار ذكوراً، وقلنا: لو كانت البقر كلها [ذكوراً] في سن الواجب أخرج الذكر، كما هو المنصوص، فهاهنا لو قلنا: يخرج الصغير من البقر، للزمت التسوية، أو خشية الإفضاء إليها؛ فيتجه إلحاق البقر- والحالة هذه- بالإبل، والله أعلم.
واحترز الشيخ بقوله: منها عما إذا كانت صغاراً وزكاتها من غيرها، كالعشرين فما دونها من الإبل؛ فإنها وإن كانت صغاراً لا يؤخذ عنها إلا ما يؤخذ عن الكبار نعم، لو أخرج منها فصيلاً، قال القاضي الحسين وغيره: جاز.
وقال في "التهذيب": إنه يجوز على القول الجديد.
وقد سكت الشيخ عما إذا كانت الماشية صغاراً وكباراً؛ اكتفاء بما تقدم في الصحاح والمراض، إذ حكمهما واحد، وقد استدل لذلك بقول عمر- رضي الله عنه- لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: "اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها، ولكن خذ الجذعة والثنية، فإن ذلك عدل بين غذاء المال وخياره"، والغذاء: السخال والبهم، واحدها: غذي، ومعناه: إذا فعلت ذلك لم تظلم.
ولو كان ماله نصابين كست وسبعين من الإبل مثلاً، ونصفها كبار ونصفها صغار، فهل يتعين إخراج كبيرتين، أو يجوز أخذ كبيرة وصغيرة منه؟ إذا قلنا: تؤخذ صغيرة من الصغار، حكمه أيضاً ما تقدم في نظير [مسألة الصحاح والمراض، قاله المتولي، وحكى الخلاف المذكور في] المسألة الأخرى، ثم في
نظيرها هاهنا، ولو كانت الماشية أعلى سناً من سن الفرض، لم يطالب رب المال إلا بالفرض المنصوص عليه.
قال: وإن كانت المواشي أنواعاً: كالبخاتي، والعراب، والجواميس، والبقر، والضأن، والمعز، ففيه قولان.
البخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب: نوعان للإبل كما أن المَهْرِية، والأَرْحَبية، والمُجَيْدية، والعَقِيلية، والقِرْمِلية أنواع لها.
والجواميس والبقر المعروفة بين الناس نوعان- كما أراد الشيخ للبقر- وقد أنكر عليه جعله البقر أحد نوعي البقر، وكان الصواب أن يقول: والجواميس والعراب؛ لأنهما نوعان للبقر، وكذا الدربانية- بدال مهملة مفتوحة، ثم راء ساكنة ثم باء موحدة، ثم ألف ثم نون-: نوع لها، قال الأزهري: أنواع البقر منها الجواميس، وهي أنبل البقر، وأكثرها ألبانا وأعظمها أجساماً.
والعراب: وهي جرد ملس حسان [الألوان] كريمة.
ومنها الدربانية: وهي التي ينقل عليها الأحمال.
وقال ابن فارس: الدربانية ترقُّ أظلافها وجلودها ولها أسنمة.
والضأن والمعز: نوعان للغنم، وكذا العربية والملكية والبلدية أنواعها.
فإذا وجدت أنواع من جنس في ملك شخص، أو نوعان، ضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب بلا خلاف، والمخرج من ماذا؟ قال الشيخ: ففيه قولان،
أي: منصوصان في "الأم"، كما قال في "البحر":
أحدهما: [يؤخذ] من الأكثر؛ لأن للغلبة تأثيراً في الأصول، دليله: المائع إذا اختلط بالماء نظرنا إلى الأغلب، والشخص إذا غلب عليه الخير أو الشر، كان الاعتبار به في قبول شهادته وردها.
والثاني: يجب في الجميع بالقسط، لأنه مال تجب الزكاة في عينه؛ فلم يعتبر الغالب في أخذ الزكاة منه؛ كالدراهم والحبوب إذا كان فيهما الجيد ودونه.
وهذا ما أشار إليه في "المختصر" حيث قال: [والقياس: أخذ من كل بقدر حصته، وهو الأصح بالاتفاق.
وفي المسألة قول ثالث، قاله في موضع آخر من "الأم": أنه يخرج من أوسط الأنواع عند اجتماعها، حيث قال]: إذا اختلفت الغنم وكانت أجناساً بعضها أرفع من بعض، أخذ المصدق من أوسط أجناسها، لا من أعلاها ولا من أسفلها؛ لأن ذلك العدل.
التفريع: إن قلنا بالأول، أخذ من النوع الأغلب من ماله، ولا نظر إلى كونه أحظ للمساكين أو خلافه، فإن كان ماله أربعين من الغنم، ثلاثين ضأنا وعشرين معزا أخذنا جذعة من الضأن، [ولو انعكس الحال أخذنا ثنية من المعز.
ولو كان ماله ثلاثين من البقر، عشرين عراباً وعشرة جواميس- أخذنا تبيعا من العراب، ولو انعكس] الحال أخذنا تبيعاً من الجواميس، ولو كان ماله خمسة وعشرين من الإبل، خمسة عشر مهرية، وعشرة أرحبية أو مجيدية أو غير ذلك أخذنا بنت مخاض مهرية، ولو انعكس الحال أخذنا بنت مخاض من النوع الآخر.
فإن لم يجد [من] الأكثر السن الواجب، قال الشافعي: كلفنا رب المال تحصيلها ولا تنخفض ولا ترتفع.
قال في "البحر": وأراد: لا يجوز أن يأخذ من النوع الأدنى مع الجبران، أو من الأعلى مع دفع الجبران إليه، ولكن لو أخذ من السن الأكبر ودفع الجبران، أو الأدنى مع الجبران، يجوز بلا إشكال، وعلى هذا – أيضاً-: لو تساوى النوعان أو الأنواع، مثل: أن كان في ملكه عشرون من الضأن وعشرون من المعز، أو ثلاثون من البقر: عشر عراب، وعشر جواميس،
وعشر دربانيات، قال في "الوسيط" تبعاً لـ"النهاية": إنه كاجتماع الحقاق وبنات اللبون، فالمذهب وهو المنصوص في "الأم" كما قال في "البحر": أن الساعي يختار الأنفع للمساكين، وهو ما أورده البندنيجي، والقاضي الحسين والشيخ في "المهذب"، وقاله أبو إسحاق في "الشرح" كما قال ابن الصباغ.
وقيل: الخيرة لرب المال يخرج ما شاء، كما هو مذهب ابن سريج في الحقاق وبنات اللبون، وهو ما ذكره أبو إسحاق في "الشرح" كما قاله في "البحر" وأنه لا وجه له على مذهب الشافعي، وأن بعض أصحابنا قالوا: ويجيء فيه وجه آخر: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بقدره؛ كالتمر إذا كان نوعين سواء، يؤخذ من كل نوع بقدره.
قلت: ليس المعني بذلك: أنه يأخذ شقصاً من حيوانين، بل المراد: أنه يأخذ منه حيواناً واحداً بالقسط، فيقوم النصاب كما لو كان كله من نوع ويقوم واجبه وكذلك يقوم النوع الآخر وواجبه، فيأخذ منه حيواناً قيمته قدر نصف قيمة كل من النوعين، وهو الذي أورده الماوردي، حيث قال عند استواء النوعين: إن عليه إخراج شاة من أيهما شاء على قدر المالين.
وحقيقته ترجع إلى- ما قاله القاضي أبو الطيب في "المجرد"- أنه ينبغي أن يسقط هذا القول إذا تساوت.
ولو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وخمساً مجيدية، وجب عليه بنات مخاض مهرية أو أرحبية، والخيرة للساعي على المذهب في أخذ أيهما شاء لا بالتشهي، بل باتباع الأحظ، وحقيقته ترجع إلى تعيين المهرية؛ لأنها الأجود؛ ولهذا قال القاضي الحسين: لو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وعشراً مجيدية، أخذ بنت مخاض عن المهرية على هذا القول بلا خلاف، كما قال الإمام وغيره.
وإن قلنا بالقول الثاني لم يأخذ أشقاصاً من حيوانات وإن اقتضاه ظاهر النص، وقال به القاضي الحسين تخريجاً بل يأخذ منه في النصاب الواحد حيواناً كاملاً بالقسط، فنقول في المثال الأول: كم قيمة النصاب لو كان كله ضأنا؟ فإذا قيل: مائة وستون قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: أربعة، قلنا: وكم قيمة النصاب لو كان كله معزاً؟ فإذا قيل: ثمانون، قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: درهمان، أخذنا منه شاة قيمتها ثلاثة ونصف؛ لأن الثلاثة نصف
وربع قيمة الفرض من الضأن، والنصف قيمة الربع من المعز، وقد قيل: إنه لا حاجة في تقويم النصاب، بل تقوم الجذعة من الضأن في مثالنا، ونأخذ ثلاثة أرباع قيمتها، وتقوم الثنية من المعز ونأخذ قيمتها، ويجمع ذلك، فما بلغ أخرج شاة قيمتها ذلك وهذا ما ذكره أبو الطيب وهكذا نفعل في البقر والإبل إذا كانت نوعين، وإن كانت أنواعاً فبالنسبة: فإذا كان ماله إبلاً عشراً مهرية، وعشراً أرحبية، وخمساً مجيدية، قيل: كم قيمة بنت مخاض مهرية؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: وبنت مخاض أرحبية كم قيمتها؟ فإذا قيل: خمسة، قيل: وبنت مخاض مجيدية، فإذا قيل: اثنان ونصف، أخذنا من العشرة خمسيها وذلك أربعة، ومن الخمسة خمسيها، وذلك اثنان، ومن الاثنين ونصف خمسه وذلك نصف، ومجموع ذلك ستة ونصف، فيخرج بنت لبون قيمتها ستة ونصف، وعلى هذا فقس.
قال الأصحاب: والخيرة في النوع المخرج منه الفرض على هذا القول إلى المالك، وقال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب أنها تكون من أعلى الأنواع، واختاره في "المرشد"؛ ولأجل ذلك حكى بعضهم في المسألة وجهين هكذا.
وقال في "التتمة": المذهب المشهور أنه يتخير الساعي كما في الحقاق وبنات اللبون.
وهذا قد يقال: إنه ما صار إليه ابن الصباغ، وقد يقال: إنه غيره، فتأمله.
وهذا الذي ذكرناه فيما إذا كان الفرض حيواناً واحداً، فلو كان أكثر منه، كما لو ملك مائة من الضأن [ومائة] وواحدة من المعز، فقد قال القاضي الحسين: إنه يخرج ثنية وجذعة بلا خلاف، وفي الشاة الثالثة وقع الاشتراك فيخرج على هذا القول شاة ثنية إما ضأنا وإما معزا، تبلغ قيمتها مائة جزء من مائتي جزء وجزء [من الضأن ومائة جزء وجزء من مائتي جزء] من المعز.
وقياس ما قاله القاضي الحسين أنه لو كان في ملكه مائتان من الضأن ومائتان من المعز، أنه يخرج شاتين من الضأن وشاتين من المعز، بلا خلاف؛ إذ لا اشتراك وهو ما صرح به في "البحر" وحكاه الرافعي عن رواية ابن كج عن أبي إسحاق، ثم قال الرافعي: والمشهور طرد الخلاف.
قلت: وهو راجع إلى ما قدمت ذكره أن الواجب بسبع، فيجب الجملة في الجملة، والبعض مشاعاً من مجموع الحيوانات في البعض، إذ لا إشاعة، بل يجب في كل مائة- والصورة كما ذكرناه- شاة، والله أعلم.
وإن قلنا بالقول الثالث الذي لم يحكه الشيخ لعدم اطراده؛ فإنه إنما يأتي عند وجود ثلاثة أنواع في المال متقاربة، ولا يأتي إذا كان نوعان فقط، واستوت الأعداد- فلا يخفي تفريعه.
نعم، لو لم يجد في الأوسط السن التي وجبت، قال الساعي لرب المال: إن تطوعت بالأعلى منه أخذته، وإن لم تتطوع كلفتك أن تأتي بمثل الفرض وسطاً، وقد حكى الرافعي في أصل المسألة وجهاً عن رواية ابن كج: أنه يؤخذ من الأجود؛ أخذاً من نصه في اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أنه لا يؤخذ عن الضأن المعز وعن المعز الضأن، وهو ما ادعى ابن التلمساني: أنه الأصح، ووراءه وجهان، حكاهما المتولي عن القاضي الحسين:
أحدهما: أنه يجوز كما يجوز أن يأخذ من أحد النوعين عن الآخر، في النصاب الذي بعضه ضأن وبعضه معز، وهذا ما صححه في "التهذيب" وقاسه على ما إذا أخرج مهرية من الإبل عن أرحبية، وعلى هذا يشترط ألا ينقص قيمة البدل عن المبدل.
والثاني: يرجع عند الاختصار إلى أنه إن أخرج المعز عن الضأن لم يجزئه وإن أخرج الثنية من الضأن عن المعز والقيمة مستوية أجزأه، وإن أخرج عنها جذعة من الضأن فوجهان.
وأطلق في "التهذيب" الحكاية عن القاضي بأنه قال: يحتمل ألا يؤخذ من المعز عن الضأن؛ لأن المعز دون الضأن، ويؤخذ الضأن عن المعز؛ كما تؤخذ المهرية عن المجيدية، ولا تؤخذ المجيدية عن المهرية.
واعلم أن المهرية منسوبة إلى قوم من اليمن يقال لهم: بنو مهرة.
والأرحبية: من اليمن، وكذا المجيدية منسوبة إلى مجيد، وهو فحل كان لإبلهم.
قال في "البحر": وقد قيل: النجيدية [بدل المجيدية].
والقرملية: إبل الترك.
قال: ولا تؤخذ الربى، [أي: بضم الراء وتشديد الباء] وهي التي يتبعها ولدها، كما قاله في "المهذب" و"الوسيط"، والقاضي الحسين، وقال أبو الطيب: هي القريبة العهد بالولادة، وهو قول أهل اللغة، قال الأزهري: يقال: هي في ربابها- بكسر الراء- ما بين خمس عشرة ليلة، وقال الجوهري: قال الأموي: هي رُبَّى ما بينها وبين شهرين، وقد حكى البندنيجي الوجهين، وقال القلعي: وأهل اللغة لا يشترطون كون الولد معها، وقد قال أبو زيد: الربى من المعز والضأن، وربما جاء في الإبل.
وإنما لم تؤخذ لأنها من كرائم الأموال؛ فإنها كثيرة اللبن، وقد قال- عليه السلام- لمعاذ: "فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجه البخاري ومسلم.
قال: والماخض.
الماخض عند أهل اللغة: الحامل التي دنت ولادتها.
قال الأزهري: هي التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض: وجع الولادة، والمراد في اصطلاح الفقهاء بالماخض: الحامل قربت ولادتها أو بعدت كما ستعرفه.
ووجه المنع من أخذها: أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تؤخذ الشافع ولا حزرة الرجل" والشافع: الحامل،
قاله القاضي الحسين.
وقال أبو الطيب: هي الحامل ولها ولد، فتكون قد شفعت ولدها بحمل آخر، وقيل: إنها السمينة العظيمة، سميت بذلك؛ لأن لحمها شفعه شحم السمن ولحمه، وعلى هذا فتكون الدلالة على منع الأخذ فيها بخصوصها: أن ذلك يؤدي إلى الإجحاف برب المال؛ لأنها مشتملة على حيوان آخر لم يجب؛ ولذلك أوجبها الشرع تغليظاً في قتل العمد.
قال الأصحاب: والتي طرقها الفحل في هذا المعنى كالمتحققة الحمل؛ لأن الغالب في البهائم العلوق بمرة واحدة بخلاف الآدميات.
قال: وفحل الغنم.
وهو المعد للضراب؛ لرواية البخاري وغيره عن ابن شهاب في نسخة كتاب أبي بكر: "ولا تأخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق".
قال: والأكولة.
الأكولة- بفتح الهمزة وضم الكاف- هي المسمنة المعدة للذبح، كما قال الشافعي وأبو عبيد، وقال غيره: أكولة غنم الرجل: الخَصِيُّ.
ووجه المنع: قوله عليه السلام: "لا تأخذ الشافع: وهي السمينة- كما تقدم- ولرواية أبي داود عن مسلم بن ثفنة البكري عن شيخ يقال له: سعر، قال: لبثت في شعب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غنم لي، فجاءني رجلان على بعير، فقالا لي: إنا رسولا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليك؛ لتؤدي صدقة غنمك، فقلت: ما علي فيها؟ فقالا: شاة، فعمدت إلى شاة قد عرفت مكانها ممتلئة لحماً وشحماً، فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شاة الشافع، وقد نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نأخذ شافعاً.
قلت:
فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة أو ثنية، قال: فعمدت إلى عناق معتاط – والمعتاط: التي لم تلد ولداً وقد حان ولادتها- فأخرجتها إليهما، فقالا: ناولناها، فجعلاها معهما على بعيرهما، ثم انطلقا.
وفي رواية: الشافع: التي في بطنها الولد.
انتهى.
وقيل: المعتاط من الغنم: [هي] التي امتنعت من الحمل؛ بسمنها وكثرة لحمها، وهي بضم الميم وسكون العين المهملة قبل الألف تاء ثالثة الحروف، وبعد الألف طاء مهملة.
قال: وحزرات المال، أي: خياره، سمي بذلك؛ لأن الرجل يحزره من ماله بقلبه، ويقصده لفضيلته.
ووجه المنع خبر معاذ، وخبر عبد الله بن زيد، وقد جاء مرسلاً عن عروة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن بعثه على الصدقة: "إياك وحزرات أنفسهم" أخرجه أبو داود.
والحزرات: بحاء مهملة ثم زاي ثم راء، واحدتها: حزرة، بإسكان الزاي كتمرة وتمرات.
وقد استدل الأصحاب على ما ذكرناه بقول عمر لساعيه المقدم ذكره: "ولا
تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض، ولا فحل الغنم" وفي رواية أخرى: "ولا ذات الدر" ولم ينكر عليه أحد ذلك.
قال: إلا أن يختار رب المال.
ووجهه في أخذ فحل الغنم رواية البخاري السالفة، وفي أخذ الخيار ما روى أبو داود عن [أبي] بن كعب قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصدقاً، فمررت برجل فلما جمع لي ماله، لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدِّ ابنة مخاض؛ فإنها صدقتك، فقال: [ذاك] ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة قنية عظيمة سمينة، قال: فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل فخرج معي وجاء بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نبي الله، أتان رسولك ليأخذ [مني] صدقة مالي، وايم الله، ما قام في مالي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما على فيه إلا ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة عظيمة قنية ليأخذها، فأبى وردها علي، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير أجرك الله فيه، وقبلناه منك"، فهاهي ذه يا رسول الله، قد جئتك بها فخذها، قال: فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة.
انتهى.
فقبول ذلك منه دليل على الجواز، وكذا قوله: "أجرك الله" ومنه نأخذ الجواز في باقي الصور.
وأجرك الله: بمد الهمزة وقصرها لغتان، وقد أنكر الأصمعي المد.
فإن قيل: الحمل نقص، فكيف يقبل في الزكاة إذا رضي المالك؟
قلنا: قال القاضي الحسين: الحمل في البهائم ليس بنقص بخلاف بنات آدم؛ فإنه نقص فيها.
وكذلك قاله الإمام والمتولي وفيه نظر، كما ستعرفه، أن الأصح: أنه عيب في البهائم وبنات آدم.
وقد طلب المتولي والفوراني الفرق بين إجزائها هنا وعدم إجزائها في الأضحية كما قال: ثم فرق بأن القصد من الأضحية اللحم، والغالب أن بالحمل ينقص اللحم، وفي الزكاة المقصود: منفعة أهل السهمان؛ ولهذا أوجب الشرع في الزكاة الإناث، والنفع في الحبلى أكثر.
وما ذكره الشيخ في جميع الصور هو المشهور إلا في فحل الغنم؛ فإن فيه إذا أخرجه ما تقدم في أخذ الذكر.
وفي "النهاية" أن العراقيين حكوا وجهاً بعيداً عن بعض الأصحاب: أن الربى لا تقبل من جهة أنها لقرب عهدها بالولادة تكون مهزولة، والهزال عيب، قال: وهو ساقط؛ لأن الهزال الذي يعد عيباً هو الظاهر البين.
وفي "الإبانة" أن صاحب "التقريب" قال: إذا أعطانا كريمة لا تجزئ؛ لظاهر خبر معاذ.
وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حكاه عن غيره، وقال: إنه مزيف لا أصل له.
ولا شك في جريانه في فحل الغنم، ولا الأكولة، وكذا في الحامل إذا قلنا:
الشافع: الحامل؛ لورود النهي عن أخذها، وإليه أشار الإمام.
بقوله: إنه لو بذل ماخضاً، قبلت منه على طريق الأئمة، واعتدت فريضة كالكريمة في نوعها.
ثم محل النوع عند عدم رضا المالك بأخذ الكريمة إذا لم يكن كل ماله كذلك، فإن كان بأن كانت ماشية سمينة طالبناه بسمينة، قال الإمام: ويجعل ذلك كشرف النوع.
وهذا بخلاف ما لو كانت كلها ماخضة لا يطالب بماخضة كما قاله صاحب "التقريب" وقال الإمام: لا وجه عندي لمخالفته لمكان حملها الزائد على الواجب؛ فإن الشرع أوجب في الأربعين شاة واحدة.
قال: وإن كان بين نفسين من أهل الزكاة نصاب مشترك من الماشية، أو نصاب غير مشترك إلا أنهما اشتركا في المراح والمسرح والمشرب والفحل والراعي والمحلب حولاً كاملاً- زَكَّياً زكاة الرجل الواحد.
هذا الفصل سيق لبيان زكاة الخلطة، وهي عند الفقهاء نوعان: خلطة اشتراط وخلطة جوار، ويعبر عن الأولى: بخلطة الأعيان وعن الثانية بخلطة الأوصاف، وقد منع بعضهم تسميتها "خلطة" لغة؛ لأن الخلطة في اللغة: ما لم يتمز، وقال: هي تسمية شرعية يدل عليها قوله- عليه السلام-: "والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى"، وروي "والراعي" أخرجه الدارقطني.
وقال آخرون: بل تسمى "خلطة" لغة وشرعاً، وقد جاء ذلك في الكتاب العزيز في قصة داود ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ إلى قوله: {وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ} [ص: 23، 24] فسماهم خلطاء وإن كانت النعجة متميزة عن النعاج.
وقد ذكر الشيخ النوعين معبراً عن الثلاني بما لا نزاع فيه، وهو قوله: أو نصاب [غير] مشترك إلا أنهما .. إلى آخره، والدليل على الوجوب في الحالين عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "في خمس من الإبل شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع، وفي أربعين شاة شاة" ولم يفرق بين أن يكون ذلك لمالك أو لملاك والدليل على وجوبها في النوع الثاني بخصوصه: ما رواه البخاري وغيره عن أنس في كتاب أبي بكر- رضي الله عنه-: "ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" قال الأصحاب: والدلالة بهذا من وجهين:
أحدهما: قوله: "ولا يجمع بين مفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" فإنه خاطب بذلك السعاة وأرباب الأموال، فلا يجمع الساعي بين عشرين من الغنم لشخص وعشرين لآخر، حتى يأخذ منها شاة، ولا يفرق بين ثمانين من الغنم بين شخصين لكل واحد منهما أربعون؛ ليأخذ من كل منهما شاة، ولا يجمع أرباب الأموال بين المفرق مثل: أن يكون لزيد أربعون من الغنم، ولعمرو مثل ذلك، [فيجمعا بينهما] ليأخذ الساعي منهما شاة ولا يفرق بين مجتمع مثل: أن يكون بين شخصين أربعون من الغنم؛ فيفرقاها، كي لا يأخذ منهما شاة.
والثاني: قوله: "وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" والراجع إنما يكون غالباً في خلطة الأوصاف كما سنبينه.
وإذا ثبت وجوب الزكاة في هذهذه الخلطة، كان وجوبها في الأولى أولى، ولأجل ذلك قال الشافعي: والذي لا أشك فيه أن الشريكين ما لم يقتسما الماشية فهما خليطان.
وأراد بذلك أن خلطة الأوصاف لما ورد الشرع بوجوب الزكاة فيها فما لم يشك في كونه خلطة ملحق بها.
وقد حكى الحناطي وجهاً غريباً: أن خلطة الجوار لا أثر لها، وإنما يؤثر خلطة الشيوع، والحديث يرد عليه.
ثم المراد بالمراح: الموضع الذي تبيت فيه الماشية وهو بضم الميم وبالمسرح: الموضع الذي ترعى فيه، كذا حكى عن الشيخ أبي حامد، وهو الذي قاله أبو الطيب، والبندنيجي، والقاضي الحسين، والماوردي، وكلام الغزالي يقتضي أنه غيره؛ فإنه قال: يشترط اتحاد المسرح والمراح والمرعى [والمشرع].
قال الرافعي: وكلام كثير من الأئمة يوافقه، قال: وليس ذلك في الحقيقة اختلافاً، ولكن الماشية إذا سرحت عن أماكنها تجيء قطعة قطعة، وتقف في موضع، فإذا اجتمعت امتدت إلى المرعى، فكأن بعضهم أطلق اسم "المسرح" على ذلك الموضع وعلى المرتع نفسه؛ لأن الإبل مسرحة إليها، ومنهم من خص اسم "المسرح" بذلك الموضع.
والمراد بالمشرب: الموضع الذي يشرب منه الماء، عيناً كان أو نهراً أو بئراً.
وبالفحل: الذي يضربها واحداً كان أو أكثر، سواء كان مشتركاً بينهما أو لأحدهما أو مستعاراً، وهذا ما أورده العراقيون والماوردي، وقال القاضي [الحسين]: قال الشافعي: "ويكون فحولها مختلطة"، فاختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: أراد به أن يكون الفحل مشتركاً، بينهما [وهو المحكي عن رواية الشيخ أبي محمد أيضاً.
قال القاضي]: والأكثرون [قالوا]: أراد به ألا يميز كل واحد منهما ماشيته عند الإنزاء، ويكون الفحل بينهما مرسلا ينزو.
كلام الغزالي يحتمل إجراؤه على هذا الخلاف؛ فإنه قال الاشتراك: في الراعي والمحلب والفحل فيه وجهان.
وفي بعض الشروح أن بعض الخراسانيين قال: إن اشتراط الاشتراك في الفحل مخصوص بما إذا اتحد النوع، فإن اختلف كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل؛ للضرورة.
قلت: وحقيقة ذلك ترجع إلى أنا على الأول لا نثبت حكم الخلطة عند اختلاف نوع المال، إذ لا اشتراك في الفحل مع اختلافه، ولكن نثبتها عند اتحاد النوع، إذ في تلك الحالة يتصور الاشتراك، وعلى الثاني نجوزها في الحالين، لكن لابد مع اتحاد النوع من الاشتراك فيه؛ للخبر.
وهذا لم أره لغيره، نعم، حكى الرافعي في اشتراط الاشتراك في الفحل وجهين، أحدهما: أنه لا يشترط ولا يقدح في الخلطة اختصاص كل واحد بإنزاء فحل على ماشيته، قال: وهو أصح عند المسعودي لكن يشترط أن يكون الإنزاء على موضع واحد كما سنذكره في الحلاب.
والمراد بالاشتراك في الراعي: أن يكون راعي المالين متحداً، واحداً كان أو أكثر بحيث لا يتميز [مال] كل منهما براع، وفيه الوجه الذي حكيناه عن الغزالي.
والمراد بالمحلب- بفتح الميم-: الموضع الذي يحلب فيه؛ لأن الشافعي نص عليه في "الإملاء"، فقال: وأن يحلب في مكان واحد، فإن تفرقا في مكان الحلاب قبل الحول زكيا زكاة الاثنين.
ولأجل ذلك قال الرافعي: إن اتحاد موضع الحلاب لابد منه.
وأفهم كلام النووي خلافاً فيه؛ لأنه قال: والأصح اشتراط اتحاد موضع الحلب فينبغي أن يقرأ كلام المصنف بفتح الميم؛ لأنه بالفتح: موضع الحلب، وبكسرها: الإناء الذي يحلب فيه، ولفظ الشافعي الذي حكاه في "المختصر": "ولا يكونان خليطين حتى يريحا ويسرحا، ويحلبا ويسقيا معاً"، واختلف الأصحاب فيه، فقال أبو إسحاق: ما نقله المزني غلط، ولم يذكره الشافعي في "الأم" ولا في شيء من كتبه.
وغيره صحح النقل، وقال: قد حكاه الزعفراني وحرملة أيضاً، لكن ما المراد منه؟ اختلفوا فيه:
فمنهم من قال: مراده أن يكون [موضع حلابهما واحداً كما نص عليه في "الإملاء".
ومنهم من قال: مراده أن يكون] الإناء الذي يحلب فيه واحداً، وأن يخلط اللبن بعد الحلب؛ لأن ذلك أرفق، وأقل مؤنة، قال القاضي أبو الطيب: وهو الذي عليه عامة الأصحاب، وهو ظاهر النص، ولا يقال: إن خلط اللبن يؤدي إلى الربا؛ لاحتمال أن يكون لبن أحدهما أكثر من لبن الآخر؛ لأنا نقول: ما كان موضوعاً على الرفق والمساهلة سقط [اعتبار الربا فيه] كما قلنا في مسافرين خلطوا أزوادهم؛ فإنه يجوز أن يتفاوت أكلهم، ولم يمنع ذلك من الخلط؛ فكذا هنا.
ومنهم من قال: المراد: أن يكون الحالب واحداً والإناء واحداً مع خلط اللبن.
ومنهم من قال: المراد: أن يكون الإناء واحداً والحالب واحداً، فأما خلط اللبن فلا يشترط؛ لأن اللبن نماء فلا يعتبر فيه الخلط كالصوف، بل لا يجوز خلط اللبن؛ لأنه يفضي إلى الربا، وما ذكر من دفع ذلك قياساً على أزواد المسافرين، فالفارق قائم، وهو أن المقصود هاهنا التمليك وهو مما يشاحح فيه، وفي أزواد المسافرين الإباحة ولا مشاححة وهذا ما ادعى البندنيجي أنه المذهب.
ثم دليل اعتبار هذه الأشياء ما تقدم من الخبر؛ لأنه نص فيه على البعض، ونبه به على الباقي بجامع طلب خفة المؤنة، وقد اشترط بعض الأصحاب نية الخلطة في الوجوب وفي منعه، حتى إذا جمع الرعاة الماشية واتصفت بصفات الخلطة لا تجب الزكاة، كما قيل بمثل ذلك في قصد السوم والعلف، والمذهب في "تعليق" البندنيجي: عدم الاشتراط، وهو المختار في "المرشد"؛ لأن المصلحة حاصلة وإن لم يقصد.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يكون النصاب مشتركاً بينهما على التساوي أو على التفاضل، وكذا في خلطة الجوار، وهو الذي صرح به الأصحاب.
واحترز بقوله: "من أهل الزكاة"، عما إذا كان بين نفسين أحدهما من أهل الزكاة والآخر ليس من أهلها، كالمكاتب والذمي؛ فإن الزكاة لا تجب لعدم تأثير
الخلطة، ولو كان بينهما ما يخص من هو من أهل الزكاة منه قدر النصاب، كما إذا ملك ثمانين من الغنم نصفين؛ فإنه تجب عليه شاة قاله القاضي الحسين؛ لعدم تأثير الخلطة أيضاً.
وبقوله: "نصاب" عما إذا كان بينهما دون النصاب مختلطاً [وفي ملكهم غير مختلط ما يكمل به النصاب، كما إذا وقعت الخلطة] في ثمانٍ وثلاثين من الغنم بينهما نصفين، ويملك كل منهما شاة مفردة؛ فإنه لا زكاة للخبر.
وبقوله: "حولاً كاملاً" عما إذا كان ملك أحدهما بعض النصاب والآخر باقيه بعد ذلك، ومضى حول من حين ملك الأول؛ فإنه لا تجب الزكاة ما لم يتم حول من حين ملك الأول؛ فإنه لا تجب الزكاة ما لم يتم حول من حين ملك الثاني، ولا يزكيان زكاة المنفرد كما ستعرفه، ويتصور ذلك فيما إذا كان المال بين ذميين نصفين، فأسلم أحدهما غرة المحرم، وباع الآخر نصفه غرة صفر فمن تجب عليه الزكاة والمال مختلط لم يفصل، ويسلمه كذلك حين البيع؟ نعم، لو ملك أحدهما نصاباً في أول المحرم، والآخر نصاباً في أول المحرم، وخلطا حين ملكا- ثبت حكم الخلطة كما تقدم، وإن لم تقع الخلطة إلا في أول صفر فهل تجب عند تمام الحول الأول عليهما زكاة الخلطة أو زكاة الانفراد؟ وفيه قولان؟
القديم: الأول؛ لقوله- عليه السلام-: "ولا يفرق بين مجتمع"، ولأن الزكاة تعتبر بآخر الحول؛ بدليل ما لو نتجت سخلة في آخر الحول أو ماتت واحدة منه وهذا القول مطرد فيما إذا لم يخلطا إلا في ذي الحجة؛ فعلى هذا يجب عليهما شاة.
والجديد- وهو الذي نص عليه في عامة كتبه، كما قال البندنيجي-: الثاني؛ فتجب على كل منهما شاة؛ لأنه انفرد في أول الحول فكان النظر إلى المتقدم أولى؛ ولأن زكاة الانفراد مجمع عليها بخلاف زكاة الخلطة، وأيضاً: فإنه لو لم تقع الخلطة إلا قبل انقضاء السنة بيوم أو يومين [لم تؤثر؛ فكذا هنا، وبهذا فارق نتاج السخلة وهلاك الشاة قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين] وأيضاً: فإن النظر
إلى آخر الحول إنما هو في المستفاد من النصاب؛ بدليل أنه لو ملك سخلة بالبيع ونحوه قبل الحول لم يضم، وهو نظير ما نحن فيه.
وهذا كله في السنة الأولى، أما في السنة الثانية فلا خلاف في أن الواجب فيها زكاة الخلطة إذا بقي النصاب، ولو كان أحدهما ملك أربعين في أول المحرم، والآخر ملك أربعين في أول صفر، ووقع الخلط- فقد حكى عن ابن سريج [تخريج] قول: أن الواجب زكاة الانفراد أبداً في الحول الأول، قال الرافعي: ولم يصح ذلك عن ابن سريج.
وقد ذكر أبو إسحاق في "الشرح" عن ابن سريج خلافه، وأضاف التخريج إلى غيره من الأصحاب، وما بعده؛ نظراً إلى أن الاعتبار: الاتفاق في الحول كما في غيره والمنصوص في القديم والجديد خلافه.
نعم، ينظر: فإن خلطا- والصورة كما ذكرنا- أول صفر ففي القديم يزكيان جميعاً زكاة الخلطة، قال في "الوسيط" وغيره: فيجب على كل منهما نصف شاة عند تمام سنة، وهكذا أبداً ما دام النصاب.
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن الزكاة لا تتعلق بالوقص، أما إذا قلنا: تتعلق [به] فينبغي أن يكون الحكم كما سنذكره.
وفي الجديد: أن على الأول شاة عند تمام السنة الأولى، وفيما على الثاني عند تمام السنة الأولى [له] وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره:
أحدهما: عليه شاة أيضاً؛ لأن خليطه لم ينتفع بخلطته؛ فكذلك هو نظراً إلى التسوية، قال الغزالي: وهو بعيد.
والثاني: عليه زكاة الخلطة نصف شاة.
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إنه لا تعلق للزكاة بالوقص، فإن قلنا: إنها تتعلق به فينظر:
إن أخرج الأول الزكاة من عين المال وجب على الثاني أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً ونصف من شاة، وهو أكثر من نصف شاة؛ لأن المال عند وجوب الزكاة عليه تسع وسبعون شاة ونصف شاة، [وإن كان مختلطاً]، والنصف الآخر لأهل السهمان ولا زكاة عليهم كما تقدم.
وإن أخرج الأول الزكاة من غير المال فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق شركة، فكذلك، إلا على قول حكاه ابن خيران وأبو إسحاق: أنه إذا أخرج الزكاة من غير المال تبينا أنها لم تتعلق بالعين؛ فيكون الحكم كما إذا قلنا: إنها تتعلق بالذمة، وإذا قلنا به وجب على الثاني نصف شاة، وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق جناية، فالحكم كذلك.
وكل هذا أخذته من كلام الأصحاب الذي ستعرفه، وهذا حكم السنة الأولى، أما في السنة المستقبلة فالواجب على كل منهما عند تمام سنته زكاة الخلطة، وإن وقع خلطهما في أول ربيع الأول فعلى القديم: الواجب عليهما جميعاً زكاة الخطة، وعلى الجديد: زكاة الانفراد، وهذا في السنة الأولى وفيما بعدها تجب زكاة الخلطة، قال البندنيجي: فيجب على الأول نصف شاة، وأما الثاني: فينظر: فإن كان الأول قد أخرج زكاة نصيبه من غير هذا المال وجب عليه أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً ونصف من شاة كما تقدم، وإن أخرجها من غيره، وقلنا: قد ملك الفقراء من النصاب قدر الفرض، فالحكم كذلك.
وإن قلنا تتعلق بالذمة، وجبت عليه نصف شاة.
قلت: ويجيء فيه من البحث والتفريع ما تقدم.
ولو كان أحدهما قد ملك أربعين أول المحرم، والثاني ملك عشرين أول صفر، وخلطها حين ملكها- فعلى القول المخرج المنسوب إلى ابن سريج: يجب على الأول شاة عند تمام حوله، ولا يجب على الثاني شيء في هذه السنة ولا بعدها وإن دام الاختلاط، وعلى القديم قال في "الوسيط" وغيره: يجب على الأول عند تمام سنته ثلثا شاة، وعلى الثاني عند تمام سنته ثلث شاة.
قلت: وفيه ما تقدم.
وعلى الجديد: يجب على الأول عند تمام السنة الأولى شاة، وعلى الثاني ثلث شاة.
قلت: وفيه ما تقدم.
ولا يجيء فيه الوجه السالف الناظر إلى أن شريكه لم ينتفع بالخلطة؛ لأنه لو