كفاية النبيه في شرح التنبيهصفحات 224-263
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 224-263
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن الرفعة
الكتاب
كفاية النبيه في شرح التنبيه
المؤلف
أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
المحقق
مجدي محمد سرور باسلوم
الناشر
دار الكتب العلمية
الطبعة
الأولى، م 2009
عدد الأجزاء
21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

الحسين في موضع من "تعليقه"، والمتولي عن الأصحاب: إحداهما: تخريجه على القولين في المغصوب والضال، وهي التي ذكرها في موضع آخر قبل ذلك احتمالاً لنفسه، ولم يورد في "الوجيز" غير هذه الطريقة، وإليها أشار الإمام في باب البيع في المال الذي فيه الزكاة.
والثانية: القطع بالوجوب، وهي التي صححها القاضي، وحكاها عند الكلام في رهن الماشية هو وغيره عن النص، ولم يورد العراقيون غيرها؛ لأنه هو الذي سد على نفسه باب التصرف بتعلق حق الغير الناشئ من تصرفه به، بخلاف المغصوب؛ فإن امتناع تصرفه بغير اختياره.
وقد قال الرافعي عند الكلام في زكاة الفطر: إن هذا الخلاف لم نلقه إلا في حكاية الإمام، والمصنف في "الوسيط" والذي أطلقه الجمهور الوجوب.
نعم يجيء الخلاف في الوجوب من طريق آخر، وهو أن الرهن لا بد وأن يكون بدين، فيأتي الخلاف في أن الدين هل يمنع وجوب الزكاة، أم لا؟ والذي قاله الجمهور [جواب على] القول المشهور، وهو أنه لا يمنع.
قلت: وفيما قاله نظر من وجهين:

أحدهما: أن قوله: لا بد [من] أن يكون بدين أي: على الراهن إن أراد في الغالب فصحيح، وإلا فقد ينفك الرهن عن دين على الراهن، كما إذا رهن ماله بدين غيره، فإنه يجوز في هذه الحالة أن ينتفي الخلاف إن بنى على الأصل الذي ذكره.
الثاني: أن من حكى الخلاف في أن المرهون لا تجب فيه الزكاة، أو تجب، اقتضى كلامه أنه لا فرق فيه بين حالة وحالة، ومثل ذلك لا يمكن تخريجه على أن الدين هل يمنع الوجوب، أم لا؟ لأن الخلاف في الدين مخصوص بما إذا لم يكن للمدين مال غيره على المشهور، وكان وفاء الدين يذهب النصاب أو ينقصه.
[نعم لو كان الراهن لا يملك غير المرهون، وكان الدين يذهب النصاب أو ينقصه]- خرج على ذلك كما حكاه الماوردي، وكذا الفوراني؛ حيث جزم بالوجوب فيما إذا كان الراهن موسراً، وقال فيما لو كان معسراً لا يمكنه فك الرهن: إنه كالمديون في حكم الزكاة عليه.
ثم إذا قلنا بالمشهور، وهو أن الرهن والدين لا يمنعان الوجوب، قال العراقيون: فإن كان للراهن مال سواه فعليه إخراج الزكاة منه؛ ليسلم الرهن؛ لأنها من مئونة الرهن، وللإمام احتمال إذا قلنا: إن الزكاة تجب في العين أنه لا يجب عليه أن يخرجها من غيره؛ كما لا يجب عليه فداء العبد المرهون إذا جنى، وهذا

ما حكاه الفوراني تفريعاً على هذا القول، وكذا أبو علي الطبري وآخرون.
وإن كان لا يجد ما يؤدي، قال الشافعي: أخذ الساعي من الرهن إن كان الواجب من جنس المال كالشاة من الأربعين، وإن كان من غيره؛ مثل أن يكون المال خمساً من الإبل، باع جزءاً من بعير بقدر شاة، وإن تعذر ذلك بيع بعير واشترى منه شاة، وكان الباقي رهناً، قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: إنما قال الشافعي هذا القول على الجديد أن الزكاة تجب في المال، فأما على القول القديم، وهو أن الزكاة تتعلق بالذمة، فقد اختلف أصحابنا فيه: فقال أبو علي في "الإفصاح": استوى حق الزكاة وحق الرهن؛ لأن كل واحد منهما يتعلق بالعين والذمة، وإذا استويا فللشافعي في حق الله تعالى وحق الآدميين إذا استويا ثلاثة أقوال تأتي في الكتاب.
[وقال آخرون -وعليه الأكثر - كما قال ابن الصباغ: إن الرهن مقدم على حق الزكاة؛ لأمرين: أحدهما: أن الرهن أسبق.
والثاني: أنه تعلق بالمال بعقد صاحب المال ورضاه؛ فكان آكد مما تعلق به بغير تعليقه، فإن كان على الراهن دين لغريم آخر كان حق المرتهن مقدماً، ثم الزكاة ثم الغريم الآخر.
وهذا الطريق لم يورد البندنيجي سواه، وقال القاضي أبو الطيب: إنه غير صحيح، لأن تقديم وجوب حق المرتهن لو كان له تأثير لمنع وجوب الزكاة في المال؛ كما أن المال المرهون لا يتعلق به حق رهن آخر؛ لأن حق المرتهن الأول به يمنع من ذلك؛ فلما لم يمنع تقدم حق المرتهن تعلق حق الزكاة بالمال لم يكن لتقدمه تأثير، وأما العلة الثانية، فيدخل عليه حق الجناية؛ فإنه وجب عن غير عقد، وتقدم على حق الراهن الواجب بالعقد، وهذا الذي ذكرناه هو المشهور، وهو المحكي عن أبي إسحاق.
وعن ابن أبي هريرة، وأبي حامد القاضي: أنه إذا لم يكن مال آخر تؤخذ الزكاة من عين المرهون بلا خلاف إن كان الواجب من جنس المال، وإنما يكون

الخلاف فيما إذا كان من غير جنسه، والفرق أنه إذا كان الواجب من غير جنس الأصل لم [تكن متعلقة] بعينه.
قلت: وكأنهما أشارا إلى التفريع على الجديد فقط؛ لأنه لا خلاف فيه إذا كان الواجب من جنس الأصل: أن الزكاة تجب في العين، والخلاف فيه فيما إذا كان من غير جنس الأصل هل تتعلق بالذمة أو بالعين، كما ستعرفه؟ وغيرهما فرع المسألة على القديم والجديد، والله أعلم.
وهذه الطريقة لم يورد الماوردي غيرها في باب الدين مع الصدقة، وحكاها الإمام في باب البيع في المال الذي فيه الزكاة عن بعض الأصحاب، وأن الشيخ أبا علي قال: الصحيح منها تقديم الزكاة؛ فإن لها على [كل] حال تعلقاً بالعين، وتعلقها بالعين أقوى من تعلق الدين بالرهن؛ لأنها تسقط بتلف المال قبل الإمكان، ولو تلف الرهن لم يسقط الدين، وقال الإمام: الوجه عندي التسوية، ولا وجه لتقديم الزكاة؛ فإنه لا اختصاص لها بالعين.
قال الرافعي: وهذه الطريقة قالها العراقيون باعتقادهم، أما إذا قلنا: إن الزكاة في الذمة يكون المال مرتهناً، كما سنذكره، وأما من يخص تعلقها بالذمة كما سيأتي فينبغي أن يقطع بامتناع أخذها من المرهون؛ كسائر الديون المرسلة.
قلت: وهذا لا يسلم عن احتمال يظهر لك مما بعد.
وسلك الماوردي طريقاً آخر، فقال: إن كان الدين حالا ورب المال موسراً طولب بها، وإن كان معسراً فإن قلنا: الزكاة تجب في العين قدمت، وإن قلنا: تتعلق بالذمة، بدئ بحق المرتهن وكانت الزكاة ديناً في ذمته وإن كان مؤجلاً: فإن كان حلول الزكاة أسبق بدئ بها، إلا أن يتطوع الراهن بدفع الزكاة من غيرها، وإن أبي أخذت من الرهن، وإن كان حلول الدين أسبق من حلول الزكاة قدم الدين، فإن بيع الرهن قبل الحول فلا زكاة، وإن بقي على حاله حتى حال الحول ففيه الزكاة، ويطالب بها، وإن كان حلول الدين حلول الزكاة معاً فالحكم كما لو كان حالا ابتداء.
قال: وقد خرج قول ثالث: أنهما سواء إذا قلنا:

الزكاة تتعلق بالذمة، ويقسط ذلك عليهما.
وأما القاضي الحسين فإنه حكى في باب رهن الماشية ما حكيناه من طريقة البندنيجي، وقال في موضع آخر بعد ذلك: إن الزكاة مقدمة من غير فصل بين أن يكون الواجب من جنس المال كالشاة من الأربعين، أو من غيره كالشاة عن الخمس من الإبل، وهو الذي ذكره المتولي، قال القاضي: لأنا إن قلنا: [إن] الزكاة في العين كاستحقاق جزء فحق الشريك مقدم على حق المرتهن وإن قلنا: كأرش الجناية؛ فأرش الجناية مقدم على حق المرتهن وإن قلنا: كتعلق حق الرهن؛ فتعلق الزكاة بالعين أخص، بدليل أنه تسقط الزكاة بتلف العين؛ فأشبه أرش الجناية، وتعلق حق المرتهن لا يسقط بتلف العين.
وهذا ما أبداه الإمام احتمالاً، بعد أن حكى عن شيخه القطع بتقديم حق المرتهن إذا قلنا: إن تعلق الزكاة بالعين كتعلق الرهن، [وأبدى احتمالاً]- وإن ناقضه كلامه المتقدم- بأنا إنما قدمنا أرش الجناية؛ لأن تعلقه بالرقبة لا يستدعي اختيار الراهن؛ فإذا كان تعلق الأرش يزحم حق المالك في ملكه فكذلك يزحم حق المرتهن في وثيقته، والرهن إنما يمنع الراهن من اختيار تصرف ينافي ما التزمه للمرتهن من حق الاختصاص؛ فأما ما يثبت من غير اختيار فينبغي أن يزاحم [حق] المرتهن، وكيف يستقيم الحكم بوجوب الزكاة والمالك لا مال له غير المرهون، ثم يد الساعي مقبوضة عن تتبع المال الذي وجبت الزكاة بسببه؟ هذا ما لا يكون، وقد حكينا وفاق الأئمة على أن للساعي إذا لم يجد بائع مال الزكاة- وقد صححناه؛ بناء على تعلقه بالذمة- أن يأخذ الزكاة من المال، ويبطل البيع في ذلك المقدار، وبه تبين أن غرض الأئمة من قولهم: إن التعلق كتعلق الرهن، أو كتعلق أرش الجناية- إنما هو في البيع.
فأما إن قلنا: إنه كالرهن، امتنع قولاً واحداً، وإن قلنا: كأرش الجناية، كان فيه قولان.
نعم، إذا أخرجت الزكاة من المال، ثم أيسر الراهن فهل يلزمه أن يرهن مقدار الزكاة جبراً للنقص الذي وقع في المرهون بأخذ الزكاة منه؟ قال الصيدلاني- وهو في "تعليق" القاضي الحسين منسوب إلى القفال-: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة؛ فيجب ذلك عليه، وإن قلنا: تتعلق بالعين،

فوجهان، أصحهما عند القفال: المنع، وقال الإمام: إنهما ينبنيان على الوجهين فيما إذا ظهر ربح في مال القراض وقلنا بأن العامل لا يملك شيئاً من الربح إلا بالقسمة، ورب المال قد أدى الزكاة من مال القراض؛ فيجعل كأن رب المال استرد طائفة من المال، أو يجري به مجرى سائر المؤن؛ فإن قلنا: إن ذلك كالمؤن، فلا يمتنع ألا يوجب على الراهن جبر النقصان إذا أيسر، وإن قلنا: هو كاسترداد طائفة فيتجه إيجاب الجبران، والقاضي الحسين شبه الوجهين في أنه يجب الجبران؛ بناء على أن الزكاة تجب في الذمة، أو لا تجب بناء على أنها تجب في العين- بالخلاف في مسألة القراض، فإن قلنا: إن الزكاة في الذمة فيجعل كما لو استرد طائفة من المال؛ كما لو كان عليه دين فقضاه من مال القراض، وإن قلنا: الزكاة في العين، يُجرَ بها مجرى المؤن، وتكن من الربح.
وإن ابن الحداد زاد على هذا مسألة وهي إذا مات وخلف نخيلا، وعليه دين؛ أي: مستغرق للتركة، فأثمرت النخيل فجاء الساعي، وأخذ عشرها فهل للغرماء أن يرجعوا بقيمة المأخوذ على الورثة؟ فيه وجهان: إن قلنا: الزكاة في

الذمة [لهم ذلك وإن قلنا: في العين فلا.
والإمام حكى عنه أنه قال في هذه المسألة: إنا إن قلنا: إن الدين] يمنع انتقال التركة، فلا عشر فيها، وإن قلنا بالمذهب، وهو أنه لا يمنع، وقلنا: لا يمنع الدين الزكاة- فالتركة كالرهون، وفيه الخلاف المقدم؛ فإن لم يجد الوارث ما يخرج منه العشر، أخرج العشر لا محالة من ثمار التركة، ثم إذا وجد الوارث بعد هذا ما يفي بمقدار الزكاة فهل يلزمه أن يغرم للغرماء قدره؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ فإن العشر إنما وجب على الوارث، وهو المخاطب بها، والتركة مستحقة للغرماء.
والثاني: لا كالمؤن؛ فإنه لا خلاف في أن نفقة التركة من وسطها إلى أن يتفق صرفها إلى الغرماء؛ فلتكن الزكاة كذلك.
قال: ومن قال بالوجه الذي صححه الشيخ انفصل عن النفقة بأن الزكاة عبادة مقصودة وجبت فيه، وخوطب الوارث بها، والنفقة ليس لها تعلق بالذمة على التحقيق؛ فأخذت من التركة، ولو وجد الوارث ما يؤدي منه العشر فإن قلنا في الحال الأول: يجب التدارك، وجب الإخراج منه، وإلا فلا كالنفقة.
قال: ولا تجب الزكاة إلا في المواشي، والنبات، والناض، وعروض التجارة، وما يؤخذ من المعدن والركاز.
أما الوجوب في هذه الأشياء فسيأتي دليله- إن شاء الله تعالى- في أبوابها.
وأما انتفاء الوجوب عما عداها؛ فلأنه الأصل، ولا نص فيها، ولأنه ليس بنام ولا معد للنماء؛ فلا يلحق بالمنصوص عليه؛ لأنه ليس في معناه.
قال: وهل تجب في أعيانها، أو في الذمة؟ فيه قولان: أحدهما: تجب في الذمة؛ لقوله عليه السلام لمعاذ: "أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم" وكلمة "على" للإلزام، والوجوب في الذمة؛ ولأنها زكاة فكان محلها الذمة؛ كزكاة الفطر؛ ولأنها لو وجبت في العين كما سنذكره لامتنع على رب المال تعيينها من المال وإخراجها من غيره بغير رضا من هي له [كأحد الشريكين] ولكان إذا نتجت كل شاة من الأربعين

شاة بعد الحول أن يكون للفقراء شاة وسخلة؛ كما في الأضحية، وهذا هو المحكي عن القديم.
وظاهر كلام الشيخ أن لا تعلق لها بالعين عليه أصلاً، وهو ما حكاه الماوردي والقاضي الحسين وجهاً عن الأصحاب؛ قياساً على الحج وصدقة الفطر والكفارة، لكن الذي أورده ابن الصباغ والمصنف [في "المهذب" وغيرهما] من العراقيين والبغوي في باب صدقة الغنم السائمة في حكاية هذا القول: أن الزكاة في الذمة والمال مرتهن بها، قال الماوردي: وهو أصح وعليه فرع الشافعي، وحكى عن ابن سريج نفي الأول؛ حيث قال: لا خلاف في تعلقها بالعين، وإنما التردد في كيفية التعلق.
وقال الإمام: إن من قال به فقد غلط، وكان ما قاله غير معدود من المذهب، فإنا حكينا فيما إذا باع المالك جميع مال الزكاة، وكان أربعين من الغنم أن بيعه صحيح عند من قال: إنها تتعلق بالذمة ثم إن أدى الزكاة من غيره نفذ البيع، وتم، وإن لم يؤدها فالساعي يأخذ شاة من الأربعين، من يد المشتري، وهذا متفق عليه، ومن كان عليه دين مطلق، فباع ماله لم يكن لمستحق الدين تعلق بما باعه وإن تعذر عليه استيفاء دينه ممن عليه؛ فإذا ثبت للساعي أن يأخذ شاة من يد المشتري كان له ذلك قطعا بالتعلق بالعين؛ فالوجه عندي أن يقول: الزكاة وجبت في الذمة، وتعلقها بالمال كتعلق أرش الجناية برقبة [العبد] الجاني؛ إذا قلنا: إن بيع [العبد] الجاني صحيح؛ فإنا نقول على هذا: إذا باع السيد العبد الجاني صار بيعه ملتزماً للفداء؛ فإن فداه فيا حبذا، وإن لم يفده [فالمجني عليه] ينقض البيع؛ فامتداد يد الساعي خارج على ما ذكرناه ولكن بين تعلق الزكاة وبين تعلق الأرش برقبة العبد فرق على هذا؛ لأن السيد ليس مطالباً بالفداء، أي: قبل البيع، ومالك المال [مأمور بتأديتها] شرعاً، فلما نفذنا البيع، وتوجه الأمر المطلق أطلق مطلقون القول بأن الزكاة تتعلق بالذمة على هذا الرأي، ثم إذا التزم هؤلاء امتداد يد الساعي لم يجيبوا عنه.
قلت: وإذا أقمت ما أبداه الإمام وجهاً في المسألة جاءك في كيفية حكاية

هذا القول ثلاثة أوجه: أحدها- وهو أبعدها-: أنه لا تعلق لها بالعين مع الذمة أصلاً.
والثاني: لها تعلق بها كتعلق أرش الجناية.
الثالث- وهو المشهور-: لها تعلق [بها] كتعلق الرهن، وعلى هذا فما هو كالمرهون منه؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين و"التتمة": الذي اقتضاه إيراد ابن الصباغ وغيره السابق: أنه جميع المال، وهو الذي أورده البندنيجي، والروياني في "البحر" صريحاً.
والذي جزم به القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في باب المبادلة بالماشية: أنه قدر الزكاة.
قال: والثاني: [تجب] في العين؛ فيملك الفقراء من النصاب قدر الفرض، لقوله تعالى: ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: 24] وقوله عليه السلام: "في عشرين مثقالاً نصف مثقال، وفي سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة" ولأن الزكاة تختلف باختلاف [صفة] المال، فلما كان الفرض مأخوذاً على صفة المال دل على تعلقه بالعين؛ كمال الشركاء؛ ولأن الزكاة حق يسقط بتلف المال قبل التمكن من الأداء؛ فكانت متعلقة بعينه؛ كحق المضارب في القراض، وبهذا فارقت صدقة الفطر؛ لأنها لا تسقط بتلف المال، وهذا هو الجديد، والمشار إليه في القديم؛ كما قال الماوردي، وهو الصحيح عنده، وفي "المهذب".
ولا فرق فيه بين أن يكون المال إبلا أو غيرها، ولا في الإبل بين أن يكون واجبها الغنم أو الإبل على الصحيح.
ونقل في "الأم" قولاً منصوصاً فيما إذا كان إبلاً وواجبها الغنم: أنها تتعلق

بالذمة، والعين مرتهنة بها تفريعاً على الجديد؛ لأن الواجب ليس من جنس المال حتى نقضي بوجوبه في النصاب، كذا حكاه البندنيجي، وكذا في "البحر" في موضعين من باب صدقة الغنم السائمة، وقال في الثاني منهما: إن القفال حكى مع ذلك قولاً آخر: أن تعلقها بالعين كتعلق أرش الجناية برقبة العبد؛ كما قاله أبو حنيفة، وهذا ما صححه في "الوجيز" وقال في "التتمة": إنه اختيار القفال، موجهاً له بأنه لو أخر الإخراج مدة حتى نتجت الأعيان كلها لم يكن النتاج للفقراء؛ كما أن الجارية الجانية إذا ولدت لا يتعدى إليه حق الجناية، وإذا قلنا به فهل المتعلق به كل المال، أو قدر الزكاة؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين والمتولي وغيرهما.
فإن قيل: إذا قلنا: إن التعلق كتعلق أرش الجناية على هذا، فهو ما قاله الإمام؛ تفريعاً على القول الأول، أو غيره؟ قلت: غيره؛ لأن هؤلاء قالوا: إن هذا القول قال به أبو حنيفة، ومذهب أبي حنيفة- كما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره-: أن الزكاة لا تتعلق بالذمة أصلاً، بل هي متعلقة بالمال، مع كونه باقياً على ملك المالك؛ كأرش الجناية، وقول الإمام: إنها مع كونها في الذمة تتعلق بالمال كتعلق أرش الجناية فهو غيره قطعاً، والذي أورده العراقيون ما ذكره الشيخ.
وعلى هذا: لو كان المال ماشية كأربعين من الغنم مثلاً، أو أكثر منها، فهل حق أهل السهمان شائع في كل واحد من العدد بقسطه، أو في واحد من العدد، أو أكثر لا بعينه؟ فيه وجهان في "الزوائد" عن صاحب "الفروع" ذكرهما في ضمن مسألة ما إذا أفرز قدر الزكاة، وباع الباقي.
فإن قلت: لعل القائل بالأول هو الصائر إلى جواز تضحية شخصين بشاتين يملك كل واحد منهما نصفها على الإشاعة؛ فإن اسم "الشاة" نأخذه باعتبار

مجموع الجزأين، وإن كانا من شاتين، وهو مطرد في عتق نصفي عبدين في الكفارة، ومن قال بالوجه الثاني لعله هو القائل بعدم الإجزاء في مسألة الأضحية، والعتق في الكفارة؛ لأن المفهوم من لفظ "الشاة" و"الرقبة" الاتحاد، دون جمعه؛ فلا جرم أوجب الشاة مبهمة.
قلت: لا؛ إذ لو كان هذا المأخذ للزم أن يجزئه في الزكاة نصف شاتين، وهو لا يجزئ من غير ضرورة ولا حاجة، كما ستعرفه في باب قسم الصدقات عند الكلام في نقل الزكاة.
ثم على كلا الوجهين فللمالك تعيين واحدة للفرض رفقاً به، وكذا جعل له إخراجها من غير المال وفاقاً، كما قال الإمام، وهو الأصح في "الجيلي" لأجل ذلك، وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره في باب المبادلة بالماشية أن أبا إسحاق كان يقول: إذا أدى الزكاة من غير ذلك المال الذي وجبت فيه تبينا أنها لم تكن متعلقة بعينه، ولم يستحق الفقراء جزءاً منه لأجلها.
قلت: وعلى هذا يكون قولنا: تجب في العين، موقوفاً مراعى: فإن أخرجها منه تبينا وجوبها فيه، وإلا فلا، وقد حكاه الماوردي هكذا قولاً آخر في المسألة، والإمام حكاه عن رواية صاحب "التقريب" وقال: إنه انفرد بنقله.
وإذا ضممت هذا إلى ما تقدم كان في كيفية تعلقها بالعين ثلاثة أقوال، وإذا جمعت بين قولنا: إنها تتعلق بالذمة، وما قيل فيه، وقولنا: إنها تتعلق بالعين، وما قيل فيه- جاء في المسألة ستة أقوال أو أوجه، والمشهور من الأقوال على قولنا: إنها تتعلق بالعين ما ذكره الشيخ؛ ولأجله قال: فإن لم يخرج منه، أي: ولا من غيره، [شيء]- لم تجب في السنة الثانية زكاة؛ لأن الفقراء ملكوا قدر الزكاة؛ فبقي على ملكه دون النصاب، قال القاضي أبو الطيب: ونصيب الفقراء لا تأثير لاختلاطه بالمال، وإن كانت الخلطة مؤثرة في الوجوب؛ لأن مالكه لم يتعين

فيستقر ملكه؛ فهو بمنزلة الخلطة بمال المكاتب، فإنها لا توجب في المال زكاة الخلطة؛ إذ المكاتب غير مستقر الملك.
قلت: وهذا يفهم أن مالكه لو كان متعيناً لأثرت الخلطة في الوجوب، وتعينه يكون بانحصار أهل السهمان في البلد.
وقولنا: إن نقل الصدقة لا يجوز، فإنه سيأتي أنهم يملكون الزكاة ملكاً مستقراً حتى تنتقل بموتهم إلى ورثتهم، وإن كانوا أغنياء، ويشرع لهم الحلف عند نكول رب المال عند الأكثرين، والذي يظهر: عدم الوجوب في هذه الحالة أيضاً؛ لأنه لو قيل بالوجوب للزم أن يكون من تجب عليه في صورة هو الذي وجبت له؛ لأن الفقراء إذا ملكوا قدر الزكاة، وهو شاة من أربعين مثلاً، ولم يخرجوا به عن صفة الاستحقاق- لكان يجب عليهم حصة الشاة التي ملكوها عن السنة الأولى من الشاة التي تجب في السنة الثانية، والإنسان لا يجب له شيء على نفسه، وإذا امتنع الوجوب لذلك يسقط، ولا ينتقل إلى الغير؛ كما إذا كان المشتري شريكاً في الشقص المشفوع فإن الشفعة بينه وبين الشريك الآخر على ظاهر المذهب، لا بمعنى أنه أخذ من نفسه، بل بمعنى أنه وقع عن نفسه.
وإذا ثبت ذلك في حق الفقراء امتنع الوجوب على رب المال أيضاً؛ لأن الشاة لا تتبعض في الوجوب، ويشهد لذلك أيضاً أن من عليه قصاص لمورثه وغيره إذا مات مورثه لا يثبت له قصاص على نفسه؛ لاستحالة أن يثبت للإنسان شيء على نفسه، ولما كان ذلك ممتنعاً سقط في حقه ولما سقط في حقه سقط في حق

غير مورثه أيضاً؛ لأنه لا يتبعض وأيضاً فإنه سيأتي ذكر خلاف في اشتراط نية الخلطة، فإن اشترطناها فلا يخفى الحكم، وإلا فقد تقدم أن ملك الفقراء معرض للسقوط؛ فإن لرب المال إبداله، ونتاجه لرب المال، ومثل هذا لا يصلح للمواساة.
أما إذا خرجت من غير المال وجبت في السنة الثانية بلا خلاف، ولو لم تخرج منه، ولا من غيره، وكان المال بعد قدر الزكاة لا ينقص عن النصاب: مثل أن يكون خمساً وعشرين من الإبل، أو مائة وإحدى وعشرين من الغنم أو أربعين من البقر فإن الواجب في السنة الثانية في المسألة الأولى أربع شياه، وفي الثانية: شاة، وفي الثالثة تبيع، وعلى هذا فقس.
وكل هذا تفريع على أن تعلق الزكاة بالعين تعلق شركة أما إذا قلنا: تعلق جناية بالتفسير الذي ذكرناه فيظهر أن يكون الحكم في ذلك كما لو نذر التصدق بشاة من أربعين معينة، ولم يعينها ولم يخرجها حتى حال الحول، وقلنا: إنها تتعين في تلك الغنم، فإن للأصحاب في وجوب الزكاة فيها طريقين حكاهما الإمام والقاضي الحسين وغيرهما: إحداهما: تخريجه على القولين في أن الدين هل يمنع الوجوب أم لا؟ وعلى هذا ينطبق قول الإمام في مسألتنا؛ تفريعاً على أن الزكاة تتعلق بالعين تعلق جناية: إن الحكم كما إذا قلنا: إنها تجب في الذمة فقط فينبني على أن الدين هل يمنع الوجوب أم لا؟ كما سنذكره.
والثانية: القطع بعدم الوجوب؛ لأن المال صار مستحقاً قبل دخول وقت الوجوب.
قال الإمام: والظاهر أن لا زكاة؛ لأن ما جعل صدقة لا تبقى حقيقة ملك له، وعلى هذا الطريق ينطبق ما حكاه الرافعي عن الصيدلاني: أنا إذا قلنا: الزكاة متعلقة بالعين، فتجب في العام الأول شاة، وبعد ذلك لا يجب شيء؛ لأن النصاب ناقص سواء جعلنا تعلقه بالعين للاستيفاء كالجناية، أو على معنى الشركة، لكن لك أن تقول: الخلاف في مسألة النذر جاء لتعين المال للتصرف؛

فلذلك شابه الزائل عن ملكه، ولا كذلك في مسألتنا إذا قلنا: التعلق تعلق جناية؛ لأنه لا يتعين مال الزكاة للتصرف؛ فامتنع الخلاف وقد قال الرافعي: إنه يجوز أن يفرض خلاف في وجوب الزكاة من جهة تسلط الغير عليه، وإن قلنا: إن الدين لا يمنع وجوب الزكاة.
وقد أفهم كلام الشيخ: أن الزكاة على القول الأول تجب في السنة الثانية إذا لم يخرجها من المال، وهو قدر النصاب؛ إذ المسألة مصورة بذلك، وبه صرح في "المهذب" هكذا، ولا شك في ذلك إذا كان قد أخرجها من غير المال، أو لم يخرجها وكان له مال غير زكاتي يمكن إخراجها منه، على أنه يجيء في هذه الحالة احتمال من الذي حكيناه عن الإمام في أن الدين في مثل هذه الصورة هل يمنع الوجوب أم لا؟ أما إذا لم يكن له مال آخر فالذي يظهر أن يقال: لا تجب الزكاة جزما؛ لأنا قد قلنا: إن كونها تتعلق بالذمة هو القديم، والقديم: أن الدين يمنع وجوب الزكاة، سواء فيه دين الله تعالى ودين العباد، اللهم إلا أن نقول: العلة في كون الدين مانعاً من الوجوب تثنية الزكاة؛ فإن الزكاة هاهنا تجب؛ إذ لا تثنية، والأصحاب قالوا في هذه الصورة: إن قلنا: الدين يمنع وجوب الزكاة، لم تجب، وإن قلنا: لا يمنع الدين الوجوب- كما هو الجديد- وجبت.
وفي ذلك نظر؛ لأنه كيف يكون التفريع على الجديد، ونحن قائلون بالقديم؟ نعم، ذلك متجه فيما إذا كان المال إبلا واجبها الغنم؛ فإن قلنا: إن في الجديد قولا يوافق القديم: أن الزكاة تجب في الذمة، فحينئذ يكون الجديد قد فرع على القديم، ولا منع من ذلك.
ثم على تقدير ما قالوا من التفريع: ينبغي إذا قلنا: الدين لا يمنع الوجوب، إن تبينا الأمر بعد ذلك على أن للزكاة تعلقاً بالعين على هذا القول أو لا، فإن قلنا: لا تعلق لها بالعين أصلاً، فالحكم كما ذكروه، وهو الوجوب، وإن قلنا: لها تعلق بالعين تعلق رهن- كما قاله كل العراقيين والبغوي وبعض المراوزة- فينبني على أن الرهن هل يمنع الوجوب، أم لا؟ فإن قلنا: لا يمنع كما هو المشهور وجبت، وإلا فلا.
وقد أشار إلى هذا الرافعي بعد حكايته عن الإمام أن الحكم فيما إذا قلنا: إنها

تتعلق بالعين تعلق الرهن، كالحكم على قولنا: إنه لا تعلق لها بالعين أصلاً، وقد يجاب عن عدم التخريج على أن الرهن مانع؛ فيقال: من لم يوجب الزكاة في المرهون ألحقه بالمغصوب والضال؛ لعدم قدرة المالك على التصرف فيه، والقائلون بأن الزكاة تثبت في الذمة والمال مرتهن بها، منهم من جزم بصحة تصرفه فيه، وهو البغوي، ومنهم من جعل جواز التصرف قولاً في المسألة كما ستعرفه، وعلى هذا فقد انتفت علة إلحاق المرهون بالمغصوب والضال، فلا جرم جزموا هاهنا بالوجوب، وإن قلنا: إن المال مرتهن بالزكاة.

باب صدقة المواشي

قد تقدم أن اسم "الصدقة" مرادف لـ"الزكاة"، وإتيان الشيخ به في صدر هذا الباب دون باقي أبواب الزكاة؛ اتباعاً لكتاب أبي بكر- رضي الله عنه- الذي سنذكره.
قال: ولا تجب الزكاة في شيء من المواشي إلا في الإبل والبقر والغنم.
هذا الفصل سيق لبيان حكمين: أحدهما: وجوب الزكاة في الإبل والبقر [والغنم]، ويجمعها اسم "الأنعام"؛ لأنها المختصة بهذا الاسم لغة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ﴾ [النحل: 5] ثم قال ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] ففصل ذلك عن الأنعام.
والدليل على وجوب الزكاة فيما ذكرناه قبل الإجماع من الكتاب قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] والإبل والبقر والغنم من الأموال النفيسة، ومن السنة: ما روي عن رسول الله ? قال: "في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها"، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، وسنذكر منها في الباب ما تيسر إن شاء الله تعالى.
ثم المعنى الذي لأجله وجبت فيها الزكاة أنها تكثر منافعها، ويطلب نماؤها، فاحتملت المواساة بالزكاة، وبهذا يظهر لك اختصاص الوجوب بالإنسي من ذلك؛ لأنه الذي يقصد منه ما ذكرناه، وأما الوحشي من ذلك وغيره فلا يقصد ذلك منه، وقد ادعى الماوردي الإجماع على عدم الوجوب فيه؛ لاستواء الأغنياء والفقراء في تملكه والقدرة عليه، وأما المتولد بين البقر الوحشي والإنسي، أو بين المعز والظباء فلا تجب فيه الزكاة عندنا وإن كانت الأم مما يجب فيها الزكاة

لأنها لم تتمحض نعما، ولأنها [لا] تجب في البغال إجماعاً وإن كانت أمها من الخيل، وهي مما تجب فيها الزكاة عند الخصم، قال الشافعي: وكما لا يسهم للبغل وإن أسهم لأمه من الخيل.
وبالقياس على ما لو كان الأب إنسياً والأم وحشية؛ فإنه لا زكاة إجماعاً، ويخالف هذا ما لو تولدت من السائمة والعجول المعلوفة، حيث أوجبنا الزكاة فيها؛ لأنها داخلة تحت الاسم وعلف الأب لا يسري إلى الولد، وأيضاً فإن المعلوفة من جنس تجب فيه الزكاة، وبقر الوحش والظباء لا زكاة في شيء من جنسها.
التفريع: انتفاء الوجوب عما عدا ذلك من المواشي التي لا تسمى نعما، وهي الخيل والبغال والحمير، وهو مجمع عليه في ذكور الخيل المنفردة والبغال والحمير، وأما في إناث الخيل المنفردة أو الذكور مع الإناث فقد خالفنا في عدم الوجوب فيها أبو حنيفة، ودليلنا عليه من السنة: ما روى البخاري ومسلم أنه- عليه السلام- قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة"، وقال - عليه السلام- كما أخرجه البخاري: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق"،

وقد روي أن أهل الشام كتبوا إلى عمر فقالوا: كثر عندنا الخيل والرقيق فتركه لنا، فقال: لا آخذ شيئاً لم يأخذه صاحباي، وسأستشير فاستشارهم فقالوا: حسن، وفيهم علي ساكت فقالوا: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: لا بأس إن لم يكن جزية راتبة من بعد، فأخذ عمر من كل عبد عشرة دراهم، ورزقه جريبين، ومن كل فرس عشرة دراهم، وجعل له عشرة أجربة شعيرا، قال أبو إسحاق: فأعطاهم أكثر مما أخذ منهم.
والدلالة من هذا الأثر من وجوه: أحدها: أنهم سألوه، ولو كانت واجبة لبدأهم.
والثاني: أنه قال: لم يأخذها صاحباي.
ولو كانت واجبة لأخذاها.
والثالث: أنه استشار، ولو كان نص لما استشار.
الرابع: أن عليا قال: إن أمنت ألا تكون جزية راتبة فافعل، ولو وجبت لكانت راتبة.
والخامس: أن عمر أعطاهم في مقابلتها رزقا، ولو كانت واجبة لم يعطهم شيئاً.
ومن جهة المعنى: أن كل جنس من الحيوان لا تجب الزكاة في ذكوره إذا انفردت لا تجب في ذكوره وإناثه كالحمير والبغال، وعكسه المواشي، ولأن ذلك يقتنى للزينة والاستعمال لا للنماء؛ فلم يحتمل الزكاة كالعقار والأثاث.
واحتاج الشيخ إلى بيان ما تجب فيه الزكاة من المواشي وما لا تجب فيه؛ لأنه

أجمل ذلك بقوله في الباب قبله: ولا تجب الزكاة إلا في المواشي.
ولا يخرج مما ذكره هاهنا زكاة التجارة في الخيل والبغال والحمير وغير ذلك؛ لأنها تجب في قيمتها لا فيها، وكلامه هاهنا فيما تجب فيه.
تنبيه: الإبل بكسر الباء وتسكن للتخفيف، ولا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة وتصغيرها أبيلة كغنيمة والجمع: آبال: والنسبة إبلى بفتح الباء.
البقر: اسم جنس، الواحد: بقرة، للذكر والأنثى ويقال في الواحد أيضاً: باقورة، والبيقورة والبقير، والبقرات كلها بمعنى البقر.
وهي مشتقة من: بقرت الشيء إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة، ومنه قيل لمحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: الباقر؛ لأنه بقر العلم فدخل فيه مدخلاً بليغاً.
الغنم، أيضاً: اسم جنس مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، يطلق على الذكور والإناث.
قال: فإذا ملك منها، أي الحر المسلم التام الملك على ما تجب فيه الزكاة نصاباً من السائمة حولاً كاملاً، أي: متوالياً- وجبت فيه الزكاة في أصح القولين؛ لمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" ولأنه لو أتلف المال في تلك الحال وجب عليه ضمان الزكاة، ولو لم تجب لما ضمنها كما قبل الحول، وهو ما نص عليه في "الإملاء" كما قال أبو الطيب وغيره وقال الماوردي في موضع: إنه نص عليه في الأم وفي آخر: إنه الجديد.
قال: ولا تجب في الآخر حتى يتمكن من الأداء؛ لأنه لو تلف النصاب قبل التمكن من الأداء، لم يضمن الزكاة، ولو كانت واجبة لضمنها، وتحريره قياساً: أن كل حالة تسقط الزكاة فيها بتلف المال وجب ألا تكون الزكاة فيها واجبة، أصله: ما قبل الحول ولأن الإمكان شرط الوجوب في الصلاة والحج؛ فكذا في الزكاة، وهذا ما نص عليه في "الأم" كما قال القاضي أبو الطيب، وقال الإمام والقاضي الحسين والمصنف: إنه القديم؛ ولذلك قال ابن الصباغ ومن بعده: إنه نص عليه في "الأم" والقديم.

وطريق الجمع بين النقول: أنه نص في "الأم" على القولين، وفي القديم على الثاني فقط، وكذا حكاه البندنيجي قبيل باب صدقة البقر، وفي موضع من "الحاوي": أنه الذي نص عليه في "الإملاء"، وادعى في "البحر" أنه ظاهر المذهب، وكأن مستنده في ذلك - والله أعلم-: قول القاضي الحسين قبل باب صدقة البقر: إن به أجاب في "المختصر" في مواضع، والمنتصرون للأول قالوا: إنما لم يضمنها إذا تلفت قبل التمكن؛ لأنها في يده أمانة، ولم يفرط؛ فكان كالمودع تتلف الوديعة في يده من غير تفريط، ولا فرق بين الزكاة والصلاة والحج، لأن الإمكان فيهما إنما هو شرط في القضاء، والقضاء هناك يجري مجرى الضمان، وإلا فوجوبهما يتعلق بدخول الوقت، ووجوب الحج يتعلق بوجود الزاد والراحلة، وسيأتي حقيقة القولين وفائدتهما من بعد، إن شاء الله تعالى.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه متى وجد ما ذكره وجبت الزكاة، وإن كانت الماشية من العوامل، وهو وجه في المذهب لم يورد الشيخ أبو محمد في "مختصر المختصر" غيره، وصححه البغوي؛ لحصول الرفق بالإسامة، وزيادة فائدة الاستعمال.
قال الرافعي: وفي لفظ "المختصر" ما يمكن الاحتجاج به له، لكن الصحيح في "التتمة" وغيرها، وهو الذي أورده معظم العراقيين: نفي الوجوب؛ للخبر.
أما من ملك دون أقل النصب، وهو في الإبل خمس وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون كما سيأتي في الكتاب، وثم نذكر الدليل على اعتباره- إن شاء الله تعالى- ولا خلطة فلا يجب عليه الزكاة بالاتفاق؛ لما ستعرفه.
ولو ملكه فأكثر منه، لكنه لم يتصف بالسوم، فلا يجب اتفاقاً، والدليل على ذلك في الإبل: قوله عليه السلام: "في كل أربعين من الإبل السائمة بنت لبون" وفي الغنم ما روي

أنه عليه السلام قال: "في سائمة الغنم زكاة" وفي كتاب أبي بكر الذي سنذكره: "في أربعين من الغنم السائمة الزكاة"، ووجه الدلالة من ذلك: أن الماشية لما كانت متنوعة إلى سائمة وغير سائمة، وخص الوجوب بحالة السوم دل على انتفائه فيما عداها، وهذا هو المعبر عنه بمفهوم الصفة، وهو حجة عند الشافعي والإمام مالك- رضي الله عنه- وهو الخصم في اشتراط السوم؛ فإنه قائل بالوجوب في السائمة والمعلوفة؛ فلا جرم قامت الحجة عليه بما ذكرناه، ولأن ذلك جنس تجب الزكاة في عينه بحول ونصاب، فوجب أن يتنوع نوعين: نوع تجب فيه الزكاة، ونوع لا تجب فيه الزكاة، كالذهب والفضة.
وإذا ثبت ذلك في الإبل والغنم قسنا البقر عليهما، وقد روي أنه عليه السلام قال: "ليس في العوامل صدقة" ورواية أبي داود: "ليس في البقر العوامل صدقة" وذلك يدل على نفي الزكاة في المعلوفة منها؛ لأن الغالب في العوامل العلف؛ فلذلك أسقط الزكاة فيها، وإلا فالعمل رفق آخر غير النماء فمقتضاه تأكد الوجوب، لا منعه، ويؤيد ذلك أنه روي عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليس في الإبل والبقر العوامل صدقة إلا أن تكون سائمة".
والمراد بالسائمة: الراعية في الكلأ المباح؛ فلو رعت في الكلأ المملوك؛ فهل هي معلوفة أو راعية؟ فيه وجهان معزيان إلى "البيان".
وسميت السائمة بهذا

الاسم؛ لأنها تسم الأرض برعيها، والسمة: العلامة؛ ولهذا قيل لأول المطر: وسمى؛ لأنه يعلم الأرض بآثاره.
والسوم المؤثر في الوجوب بالاتفاق هو الحاصل بقصد المالك أو من يقوم مقامه من وكيل أو حاكم، وذلك مصور بما إذا غصبت وهي معلوفة، ثم ردها الغاصب إلى الحاكم في غيبة المالك، فأسامها، فإن الزكاة تجب كما صرح به في "البحر".
ولو أسامها الغاصب، وكانت معلوفة، وقلنا: الغصب لا يمنع الوجوب لو كانت سائمة- فهل يؤثر في الإيجاب؟ فيه وجهان: وجه التأثير: إلحاق ذلك بما لو غصب حبا فبذره، [وانعقد حبا] فإن زكاته تجب على المالك.
والأصح: مقابله، وادعى في "الحاوي" أنه مذهب الشافعي، مستدلاً بأنها لو خرجت من يده، ورعت من غير قصده لم يكن ذلك سوما موجباً للزكاة؛ فكذلك إسامة الغاصب، وما ذكره دليلاً هو رأي الشيخ أبي حامد، وهو غير سالم من النزاع؛ فإن المحكي في "البحر" أن القاضي أبا الطيب قال: لو جاز أن يقيم سنة هكذا لم يبعد أن يجب على قول القائل الأول؛ ولأجل ذلك قال القاضي الحسين ومن بعده: قصد السوم من المالك هل هو شرط أم لا؟ فيه وجهان أصحهما: نعم.
ثم إذا قلنا بتأثير إسامة الغاصب في الوجوب، فأدى المالك الزكاة ففي الرجوع بها على الغاصب وجهان حكاهما الإمام ومن تبعه، وقطع بعضهم بالرجوع، وقال: هل يطالب الغاصب بالإخراج؟ فيه وجهان، وعليه ينطبق قوله في "البحر": إن بعض أصحابنا قال: لا خلاف على المذهب أن قرار الضمان على الغاصب؛ لأنه أوقعه فيها.
نعم، هل للمالك أن يطالب الغاصب بإخراجها؟ فيه وجهان؛ بناء على أن الحلال إذا حلق شعر محرم وهو نائم؛ فقرار ضمان الجزاء على الحلال، وهل يؤمر الحلال بالإخراج؟ فيه خلاف، وقال في "التهذيب": إذا قلنا: الغصب لا يمنع وجوب الزكاة، فعلى من تجب؟ فيه وجهان، أحدهما: على الغاصب والثاني: على المالك، وعلى هذا هل يرجع بها على الغاصب؟ فيه وجهان.
وإذا قلنا: يرجع عليه بعد الغرم، فهل له ذلك قبل الغرم؟

حكى الإمام فيه وجهين، والوجهان المذكوران في تأثير سوم الغاصب في الوجوب، جاريان فيما إذا أسامها المشتري شراء فاسداً، كما ذكره الرافعي وغيره، ويجريان في تأثير علف الغاصب في المنع، إذا غصبها سائمة، أصحهما في "البحر": التأثير وادعى الماوردي أنه مذهب الشافعي؛ لأنها غير سائمة، ومقابله يقاس على ما لو صاغ الفضة المغصوبة حلياً مباحاً، فإن ذلك لا يسقط زكاتها عن المالك، وإن قلنا: إن المالك لو صاغها لسقطت.
ومن قال بالأول فرق بأن علف الغاصب كعلف المالك؛ لأنه طائع فيه و [إنما هو عاص] بغصبه و [صياغة الغاصب تخالف] صياغة المالك؛ لأنه عاص في الصياغة، والصياغة المحرمة لا تسقط الزكاة.
وقد حكى ابن الصباغ أن من قال بعدم تأثير علف الغاصب قال إن علفه محرم، فهو كمسألة الصياغة، وعلى هذا بطل الفرق، لكن ابن الصباغ أبطل التعليل بالتحريم؛ فإن صاحب الماشية لو علفها ما غصبه سقطت الزكاة فإن كان العلف محرماً وخالف الحلي فإن صاحبه لو صاغه صياغة محرمة لوجبت.
وعن الشيخ أبي محمد أنه فصل، فقال: إن علفها بعلف من عنده، فالأظهر أن حكم السوم لا ينقطع؛ لأنه لا تلحق مؤنة بالمالك [ثم].
وقد ألحق البغوي علف المشتري لها شراء فاسداً بعلف الغاصب حتى يكون في انقطاع الحول الوجهان.
وعن ابن كج أنه قال: عندي تسقط الزكاة، وينقطع الحول؛ لأنه مأذون من جهة المالك في التصرف؛ فأشبه علفه علف الوكيل، بخلاف الغاصب.
قلت: والأظهر عندي في ذلك بناؤه على أصل ذكره الأصحاب في الأبواب متفرقاً، وهو أن العقد الصحيح إذا تضمن الإذن في شيء فإذا وجد التصرف بمقتضاه في فاسده، هل ينفذ أم لا؟ وفيه خلاف من ذلك إذا قلنا: [إن بيع] المكاتب أو نجوم الكتابة لا تصح فقبضها المشتري: هل يعتق المكاتب، أم لا؟ وفيه خلاف مذكور في موضعه.

فإن قلنا: لا يعتق المكاتب؛ لأنا لم نجعل للإذن أثراً فكذا هنا، فيكون في انقطاع السوم الوجهان في الغاصب.
وإن قلنا بعتقه، فيجوز أن نقول: [ينقطع السوم، ويجوز أن نقول]: لا، والفرق: أن بيع المكاتب لو كان صحيحاً لم يقتض إلا التسلط على القبض فلا جرم جعلناه إذناً فيه، ولا كذلك ما نحن فيه؛ فإنه ليس يلزم هذا العقد العلف، والله أعلم.
ثم إذا قلنا: لا بد من قصد العلف في إبطال حكم السوم، فقد اختلف المراوزة في معنى القصد: فالذي ذهب إليه الأكثرون - كما قال الإمام- أن الماشية إذا اعتلفت وفاقاً فهي سائمة، وإن علفها مالكها قصداً أثر ذلك، وذكر الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" وجهاً: أن ذلك لا يحصل إلا إذا قصد بالعلف رد السائمة إلى العلف من السوم، فإن علفها قصداً مثل أن يقع ثلج، فيعلفها قصداً منتظراً زواله، ولم يقصد قطع السوم- لم يؤثر ذلك.
وهذا ينطبق عليه ما سنذكره عن البندنيجي.
ثم العلف المؤثر في قطع السوم اتفاقاً: ما إذا وجد في كل الحول أو معظمه، ولا يؤثر اتفاقاً فيما إذا وقع بما لا يتمول، وما بينهما هل يؤثر؟ فيه أوجه: أحدها: نعم، مهما كان، ولو دفعة واحدة، لكن مع نية القطع، وهو ما ادعى البندنيجي في تعليقه أنه المذهب، وحكى في "البحر" عنه أنه حكاه عن نصه في "الأم" وأنه قال في موضع آخر: لا زكاة حتى يسيمها دهرها؛ ولأجل ذلك جزم به الفوراني، وصححه البغوي.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه أقيس والجزم به هو الذي يقتضيه مفهوم قول الشيخ: إذا ملك نصاباً من السائمة حولاً كاملاً.
والثاني: أن المؤثر منه الأكثر كما تقدم؛ لأن رفق السائمة لا يزول إلا به، وهذا يحكى عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة، تخريجاً من أحد القولين في المسقي بماء السماء والدولاب: أنه يعتبر فيه الأغلب، ونقله الماوردي عن أبي حنيفة لا غير، وقال: إنه غلط من وجهين:

أحدهما: أن في السوم إيجاباً، وفي العلف إسقاطاً، وهما إذا اجتمعا في الزكاة غلب حكم الإسقاط.
والثاني: أن سوم جميع الماشية في بعض الحول [كسوم بعض الماشية في جميع الحول؛ فلما ثبت أن سوم بعضها في بعض الحول] مسقط للزكاة من غير أن يعتبر فيها الأغلب فوجب أن يكون سوم جميعها في بعض الحول مسقط للزكاة من غير أن يعتبر فيها الأغلب، والفرق بينه وبين الزرع على أحد القولين: أن الزرع لم يتردد بين إسقاط وإيجاب، فلذلك اعتبر حكم الأغلب فيه، والماشية مترددة بين إسقاط وإيجاب، فلذلك غلب حكم الإسقاط فيه.
قال الإمام: وعلى هذا الوجه لو فرض التساوي في السوم والعلف ففيه تردد، والأظهر السقوط.
والثالث: إن علفت قدراً كانت الماشية تعيش لولاه، لم يؤثر، وذلك كما قال أبو إسحاق: اليوم واليومان، وإن علفت قدراً كانت تموت لو لم ترع فيه ولم تعلف، وهو الثلاث فما فوقها أثر؛ لظهور المؤنة، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق ولم يورد غيره، وحكاه الإمام عن شيخه والصيدلاني، وادعى في "البحر" بعد حكايته عن أبي إسحاق أيضاً أنه المذهب، وقد صححه في "الروضة" تبعاً لـ"البحر" واقتصر الماوردي والمصنف في "المهذب" عليه.
قال القاضي الحسين: وإذا قلنا به، فلو كان يسرحها كل يوم وإذا ردها بالليل إلى مراحها، ألقى إليها شيئاً من العلف لم يقطع ذلك السوم، ونسب الإمام هذا القول إلى الصيدلاني، موجهاً له بأنها لو أجيعت ليلاً، واقتصر على إسامتها نهاراً لم تهلك، ثم قال: وقد يختلف هذا باختلاف العشب قلة وكثرة، ومسيس الحاجة إلى العلف ليلاً؛ فليتبع فيه المعنى، وقال: إنه لا يبعد أن يلحق الضرر البين بالهلاك على هذه الطريقة.
وهذه الأوجه الثلاثة مذكورة في تعليق البندنيجي "والشامل" وغيرهما.
والرابع - ويحكى عن الشيخ أبي محمد، وقال الغزالي: إنه أفقهها، ولم يحك في "الخلاصة" غيره-: أن المؤثر منه ما يعد مؤنة بالإضافة إلى رفق السائمة.

قال الرافعي: وإلى هذا ميل ابن كج، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد أن أبا إسحاق رجع إليه بعد أن كان يعتبر الأغلب، وقد فسر الرفق بدَرِّها ونسلها وأصوافها وأوبارها.
قيل: ويحتمل أن يقال: رفق إسامتها.
قال الإمام: ولم يصر إلى تلفيق السوم والعلف أحد، حتى إذا جرى في أثناء العلف إسامة سنة لو لفق وجمع وجبت الزكاة.
قال الرافعي: والأوجه المذكورة هل هي مختصة بما إذا لم يقصد بالعلف قطع السوم، وإن قصده ينقطع لا محالة، أو هي شاملة للحالين؟ في كلام الناقلين لبس في ذلك، ولعل الأقرب الأول، كذا أورده صاحب "العدة" وغيره.
قلت: ويؤيد ذلك أن القاضي الحسين والفوراني جزما القول بأن العلف دفعه بقصد قطع السوم يؤثر، وقالا: لو أنفق لا عن قصد كما إذا ركب بعض بدنه لحاجة، فطرح لها شيئاً من التبن والعلف: هل يقطع السوم أم لا؟ فيه وجهان، ولا أثر للنية المجردة دون الفعل في طرق الإسامة والعلف بلا خلاف، قاله في "التهذيب" ولو وجد ملك النصاب المتصف بالسوم، لكنه لم يمض عليه حول فلا زكاة فيه اتفاقاً، لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" أخرجه أبو داود ولأنه حق مالي يعتبر فيه الحول؛ فوجب أن يتعلق وجوبه بآخره كالجزية، بل أولى؛ لأنها تجب صغاراً، والزكاة تجب قربة لله وطاعة والمعنى في اعتباره: أن يمضي على المال زمان يتهيأ النماء فيه غالباً، فيواسي منه بالزكاة.
وقد فهمت مما ذكره وشرحه الشيخ أن من شرط وجوب الزكاة فيما ذكره:

النصاب المتصف بالسوم بلا خلاف، وكذا الحول، وهل من شرطه التمكن من الأداء، أم لا؟ فيه القولان، وهما جاريان في زكاة الثمار وغيرها، ويعبر عنهما بأن التمكن شرط في الضمان، أو شرط في الوجوب؟ وفائدتهما تظهر فيما إذا نقص النصاب بعد الحول، وقبل التمكن مثل أن كان المال خمساً من الإبل، أو ثلاثين من البقر، أو أربعين من الغنم، فتلفت واحدة، فعلى الأول يسقط عنه خمس شاة، أو ثلث عشر تبيع، أو ربع عشر شاة، وعلى الثاني: لا شيء عليه، والقولان متوافقان على [أنه مهما] حصل التلف بآفة سماوية قبل التمكن [فلا ضمان] وعلى [أنه إذا تلف] المال قبله، وجب كما تقدمت الإشارة إليه وفي "الجيلي" حكاية وجه في المسألة الأخيرة: أن ذلك يمنع الوجوب إذا قلنا: إن التمكن شرط فيه.
ثم المعنى بأن التمكن شرط في الوجوب: أنا عند وجوده نتبين أن الزكاة وجبت عند تمام الحول؛ لأنها وجبت حال التمكن، كذا قاله المتولي.
قيل: وحينئذ فتسميته شرط الوجوب توسع.

قلت: ومما قاله المتولي يظهر لك أن ابتداء الحول الثاني يكون من حين انقضاء الأول، وهو الذي أورده ابن الصباغ والإمام وغيرهما، وادعى في "البحر" أنه لا خلاف في ذلك، وفي "تعليق" القاضي الحسين أن بعض أصحابنا قال على القول بأن التمكن شرط الوجوب: إن ابتداء الحول الثاني من حين [انقضاء] التمكن، كما قال الإمام مالك رحمه الله.
قلت: ويمكن أخذه مما حكيناه عن رواية أبي علي الزجاجي قولاً: أن الزكاة في المال المغصوب والضال للحول الأول دون ما عداه إن كان القول منصوصاً؛ كما أشرت إليه من قبل، وإن لم يكن منصوصاً - بل مخرجاً- فيكون قائله هو الصائر إلى ابتداء الحول الثاني من حين التمكن، وعلى هذا فيظهر أن نقول: الوجوب إنما هو عند التمكن لا أنه عند التمكن يظهر أنه كان واجباً عند تمام الحول، والتمكن المشار إليه في الأموال الباطنة: أن يكون المال حاضراً عنده، وقد وجد أهل السهمان، أو الإمام أو نائبه، فلو كان المال غائباً في موضع آخر قال الرافعي: فلا تمكن، سواء جوزنا نقل الصدقة، أو منعناه.
وفي شرح ابن التلمساني أنا إذا تحققنا بقاء المال في حال الغيبة، وقلنا: يجوز نقل الصدقة- فقد تحقق الإمكان.
قلت: ولا يعكر على ما قاله الرافعي ما حكيناه عنه وعن غيره في المال الغائب آنفاً؛ لأنه يحتمل أن يكون مرادهم ثم الإخراج في بلد المال، لا في غيره، وإن جوزنا النقل وهذا لا يفهم إلا بمطالعة ما تقدم.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يطلب الإمام أو نائبه أو أهل السهمان منه ذلك، أو لا كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما، لكن الماوردي قال: التمكن يكون بمطالبة الإمام العادل، أو حضور أهل السهمان.
وهذا يفهم اشتراط مطالبة الإمام دون أهل السهمان وكذا كلامه الذي سنذكره من بعد.
والحكم في الأموال الظاهرة، كما تقدم إن قلنا: يجوز لرب المال تفرقة زكاتها بنفسه، وإلا فالتمكن أن يجد الإمام أو نائبه في قبضها.
وقال الماوردي: التمكن على هذا: أن يطالبه الإمام العادل بها.
وقال القاضي

الحسين قبل باب صدقة البقر: كل موضع قلنا ليس له التفرقة بنفسه فإذا طالبه الإمام، ولم يدفع لزمه الضمان بلا خلاف ولو طالبه الفقراء لا يضمن، وكل موضع قلنا: له التفرقة بنفسه، فإذا طالبه الإمام، وقلنا: الأفضل الدفع إليه، فلم يفعل- لزمه الضمان، وإن طالبه المساكين ففي الضمان وجهان.
وإن قلنا: الأفضل أن يفرق بنفسه، وإن طالبه المساكين ففي الضمان وجهان.
وإن قلنا: الأفضل أن يفرق بنفسه، فطالبه الفقراء، فأخر- ضمن، وإن طالبه الإمام فلم يعطه ففي الضمان وجهان.
وهذا يقتضي أن المطالبة شرط في الضمان في كل الأحوال.
فإن قلت: قد ذكر القاضي الحسين وغيره من المراوزة وصاحب "البحر" أنا حيث قلنا: إن الأفضل أن يدفع إلى الإمام، فقدر على الصرف لأهل السهمان، وأخره ليدفع إلى الإمام لحيازة الأفضل، أو للخروج من الخلاف، فهلك المال فهل يضمنه؟ فيه وجهان جاريان فيما إذا كان الأفضل تفرقته بنفسه، وقدر على الإمام أو نائبه فأخر الدفع إليه؛ ليصرف ذلك بنفسه لأهل السهمان، فتلف المال، وفيما لو كان له أقارب أو جيران يجوز صرف الزكاة إليهم، فأخر الصرف لغيرهم؛ حتى يصرفه إليهم ويحوز الفضيلة فتلف المال قبل الصرف، والمذكور منهما في "الإبانة" في الأخيرتين عدم الضمان، وإن حكاهما في الأولى.
وقد قال الإمام بعد حكاية الوجهين عن الأئمة: إنهما مبنيان على أن التأخير بهذا السبب هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا: يجوز، لم يضمن وإلا ضمن.
ثم قال: وفيه فضل نظر عندي؛ فالوجه أن نقول: إن لم نعذره بهذا السبب عصيناه وضمناه، وإن عذرناه فأنفق فتلف المال ففي الضمان وجهان.
وهذا ما اقتصر على إيراده الغزالي، وكذا الرافعي، وقال: الأصح جواز التأخير بهذا العذر، وعلى هذا فأصح الوجهين: الضمان، لأن الإمكان حاصل، وإنما أخر لغرض نفسه فتلفت؛ [فيقيد] بشرط سلامة العاقبة عندنا إلى السؤال.
فعلى قول من لا يضمنه لم نجعل القدرة على أهل السهمان أو الإمام أو نائبه مع حضور المال تمكنا إذ لو كان تمكنا لضمن قولاً واحداً، كما سيأتي

في قسم الصدقات.
قلت: هذا هو الظاهر، لكن الإمام قال: الذي أرى القطع به: أن المعنى بالإمكان المشروط في الوجوب تصور الأداء، فأما ما يتعلق بإحراز الفضائل فلا يسوغ المصير إلى أنه شرط وجوب الزكاة على هذا القول.
قال: وقد صرح بذلك الصيدلاني في آخر الباب، وليس هو مما يمارى فيه.
وأبدى في جواز انتظار الأقارب ونحوهم تفصيلاً لنفسه نذكره- إن شاء الله تعالى- في قسم الصدقات.
قال: وما ينتج من النصاب أي ملكاً لمالكه بسبب ملكه النصاب في أثناء الحول يزكى بحول النصاب وإن لم يمض عليه حول أي: وإن لم يمض على النصاب حول؛ إذ لو كان مراده وإن لم يمض [على ما نتج حول] لكان ركيكاً؛ لأن ذلك معلوم من قوله: وما ينتج في أثناء الحول، والدليل على ذلك ما روي: "أن ساعياً لعمر- رضي الله عنه- وهو سعد بن رستم قال له: إن هؤلاء يزعمون أنا نظلمهم فنعد عليهم السخلة ولا نأخذها منهم، فقال: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها.
وكان علي- كرم الله وجهه- يعد الصغار مع الكبار، ولا مخالف لهما من الصحابة.
وفي "الحاوي": أنه عليه السلام قال لساعيه: "عد عليهم صغيرها وكبيرها"

فكان على عمومه، ولأن الحول وقت في وجوب الزكاة لأجل النماء، والسخال نماء في أنفسها فوجب أن يكون وجودها مع أصلها موجباً للزكاة كالحبوب والثمار.
فإذا ثبت هذا فاعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على صورتين: إحداهما- وهي مما لا خلاف فيها عندنا-: إذا بقي النصاب إلى آخر الحول، وقد حصل منه ما يتم به نصاب آخر: كما إذا كان عنده تسع من الإبل، أو تسع وعشرون من البقر، أو مائة وعشرون من الغنم فنتجت واحدة قبل الحول، فيجب في المثال الأول والأخير شاتان، وفي الثاني مسنة.
والصورة الثانية: وهي المستفادة من قوله: "وإن لم يمض عليه حول"-: أن تموت الأمهات بجملتها أو يبقى منها دون النصاب وتمامه من السخال موجود؛ فتجب الزكاة فيه أيضاً، عملاً بما ذكرناه.
وقال أبو القاسم الأنماطي شيخ ابن سريج وتلميذ المزني: إن الحول قد انقطع بموت كل الأمهات، وكذا بموت البعض.
ووافقه في الأولى دون الثانية بعض الأصحاب كما نقله ابن كج عن رواية أبي حامد، وهو المنقول عن أبي حنيفة أيضاً.
وتمسك الأنماطي لقوله بأنه ثبت لذلك حكم أمهاته إذا كن نصاباً؛ فإذا فقدن أو نقص النصاب امتنع الضم كما في الابتداء؛ [لما ذكرناه] قال الإمام وغيره: وهو غير معدود من المذهب، وقال في "المهذب": إنه ينكسر عليه بأم الولد؛ فإنه ثبت لولدها حكهما في الاستيلاد مع بقائها حتى يعتق بعتق السيد كما تعتق هي بموته، ولو ماتت قبل السيد لم يبطل ذلك الحكم في حق الولد وإن بطل في حقها.
واحتج الماوردي على بطلان الوجه الأخير بالإجماع؛ فإنه روي أن أبا بكر قال في أهل الردة: "والله لو منعوني عقالا مما أدوه إلى رسول الله لقاتلتهم

عليه"، وبإجماعنا مع أبي حنيفة على أن العناق لا يؤدى في الزكاة من مال فيه كبار؛ فثبت أن ذلك يؤدى من الصغار، وكان هذا منه بحضرة المهاجرين والأنصار، وكل رجع إلى قوله فثبت إجماعهم عليه.
أما ما نتج من دون النصاب وكمل به النصاب، فابتداء حوله مع أصله من حين نتاجه لا خلاف فيه عندنا؛ لأن الحول إنما ينعقد على نصاب، وما ينتج من النصاب غير مملوك لمالك النصاب، كما إذا أوصى لشخص بالأمهات، ولآخر بحملهن، فلا يزكى لحول النصاب، وكذا لو نتج مملوكاً لمالك النصاب لكن بسبب غير ملك الأمهات، كما لو أوصى الموصى له بالحمل لمالك الأمهات به، ومات قبل النتاج ثم حصل النتاج؛ لأنه ملك بطريق مقصود فيجعل كالمستفاد قاله في "التتمة".
وما ينتج من النصاب بعد الحول إن كان بعد التمكن من الأداء فلا يزكى للحول الأول بلا خلاف، وإن كان قبل التمكن فمن الأصحاب من قال: إن الحكم فيه كذلك، وهو الذي أورده كثيرون مستدلين به للقول الصحيح في أن التمكن شرط الضمان [لا شرط] الوجوب؛ إذ لو كان شرطاً للوجوب لكان كما ينتج في أثناء الحول، وهذا ما أورده في "الوسيط" تبعاً للإمام والقاضي الحسين في موضع من كتابه وإن قال في [موضع] آخر منه ما سنذكره.
ومنهم من حكى في ذلك قولين، وهؤلاء اختلفوا في أصلهما: فمنهم من قال: إنهما ينبنيان على أن التمكن شرط الضمان أو الوجوب؟ فإن قلنا بالأول فالحكم كما تقدم، وإلا فكما لو نتجت قبل الحول، وينسب هذا إلى القاضي أبي حامد.
ومنهم من قال: أصلان بأنفسهما غير مبنيين على ما ذكر.
حكى الطريقين هكذا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمصنف، وقالوا: عدم الضم، وقال في "الإبانة": إن قلنا: إن التمكن شرط الضمان، فهي كما لو نتجت

بعد الحول والتمكن وإلا فوجهان: أحدهما: يضم لأنه لم يحصل وجوب الزكاة في وقت الاستفادة، فأشبه ما قبل الحول.
والثاني: لا يضم؛ لأنه استفاده في الحول الثاني؛ بدليل أن الحول الثاني إنما انعقد من وقت تمام الحول الأول.
قلت: وهذا منه يدل على أن القائل بالوجه قبله يسلم أن ابتداء الحول الثاني من وقت تمام [الحول] الأول وإلا لما كان ذلك دليلاً عليه، وليس الأمر كذلك؛ فإن القاضي الحسين قال في باب "كيفية فرض الإبل: إن من أصحابنا من قال على قولنا: إن التمكن شرط الوجوب يكون ما حصل من النتاج بعد الحول وقبل التمكن جارٍ فيه الحول الأول، وإن ابتداء الثاني من حين التمكن كما قاله مالك رحمه الله.
وما تجدد [في] ملكه من السخال بغير النتاج، بل بالبيع الشراء والإرث والاتهاب ونحو ذلك فلا يزكى بحول النصاب وإن كانت منها بلا خلاف؛ لقوله عليه السلام: "من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول" رواه الترمذي غير أنه قال: ويروى عن ابن عمر موقوفاً، وهو أصح.
ولأن الأصل اشتراط الحول للخبر، خالفناه في النتاج والأرباح لمعنى لا يوجد في غيرهما، وهو أنه من نمائه ويشق إفراده بالحول؛ فوجب أن يبقى فيما عداه على الأصل، لكن لك أن تقول: قد تقدم ما يقتضي أن عدم اشتراط الحول في السخال هو الأصل؛ فبطل هذا الاستدلال.
ثم على ما ذكرناه ماذا يجب عليه؟ هذا يظهر من قاعدة قررها الأصحاب، وهي أن [المال] المتجدد من جنس ما عنده في أثناء الحول هل يضم إلى المال الأول حتى يجعلا كالمال الواحد، أو لا؟ وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما- وهو القديم-: عدم الضم، ولكن ينفرد الأول بحوله والثاني بحوله،

ويجب في كل منهما ما كان يجب فيه لو اجتمعا في الحول.
والجديد: الضم، لكن أثره إنما يظهر [في المال المتجدد، وأما في المال القديم فلا، وثمرة ذلك تظهر] لك في التفريع.
وعن ابن سريج: أنه لا يضم إليه أصلاً؛ كما لا يتبعه في الحول، بل يفرد بالحول إن كان نصاباً في نفسه ويجب فيه ما كان يجب لو لم يكن له غيره.
ونقل صاحب "التتمة" وجهاً آخر: أن المتجدد لا يضم إلى المال القديم في الحال، ولا يعقد له حول من حين ملكه، فإذا تم نصاب الأول ضممنا إليه المتجدد، وانعقد الحول عليهما من ذلك الوقت؛ حتى لا يؤدي إلى تبعيض ملك الواحد، على ما نذكره في التفريع.
وقد حكاه الرافعي عن بعض الشروح في بعض الصور، وقال: إنه يطرد في غيرها.
فإذا عرفت ذلك نظرت: فإن لم يكن المتجدد نصاباً في نفسه لو انفرد، ولا يكمل به النصاب كما لو كان عنده خمس من الإبل ستة أشهر مثلاً، ثم ملك أربعاً منها أو ثلاثين من البقر، ثم ملك تسعاً [منها أو] أربعين من الغنم، ثم ملك عشرة منها- قال الأصحاب: لم يكن بهذه الزيادة حكم بحال.
قلت: وقد يقال: إذا قلنا بالقول القديم الذي تقدمت حكايته، وأن فرض النصاب يتعلق بالجميع- أن يكون لها أثر في الضمان على تقدير تلف البعض، وإن لم يكن لها أثر في [الضمان على تقدير] وجوب شيء.
وإن كان المتجدد ليس بنصاب في نفسه لو انفرد، لكنه يكمل به نصاب آخر، كما إذا كان قد ملك غرة المحرم ثلاثين من البقر مثلاً، ثم ملك بعد ستة أشهر عشرة منها فعلى قياس القول القديم: تجب في الثلاثين عند تمام حولها ثلاثة أرباع مسنة [وفي العشرة المتجددة عند تمام حولها وهو بعد مضي سنة: ربع مسنة] والمنقول: أن الواجب فيها إذا تم الحول على الأول تبيع، وإذا تم حول العشرة وجب ربع مسنة.

قال القاضي أبو الطيب: ولا يختلف المذهب في ذلك، وهذا هو مقتضى التفريع على الجديد؛ لأن الثلاثين لم يثبت لها حكم الخلطة مع [العشرة في] حول كامل فانفردت بحكمها، والواجب فيها تبيع، ويجب [في حول العشرة] ربع مسنة؛ لأنه يثبت لها حكم الخلطة في حول كامل؛ فوجب فيها بالقسط، والواجب في الأربعين مسنة، فيخص العشرة ربعها ويجب إخراج ذلك كذلك [وهكذا الحكم في كل مسنة] كما صرح به القاضي الحسين.
ثم قال: فإن قيل: كيف توجبون على رأس كل حول ثلاثة أرباع مسنة، وعلى كل حول العشرة ربع مسنة، وذلك إيجاب للشقص، ولا مدخل لإيجاب الشقص [في الزكاة؛ ألا ترى أنه لا يجب في خمس من الإبل خمس بعير؟ قلنا: ليس هذا بإيجاب الشقص، وإنما هو إيجاب الكامل متفرقاً على الشهور في سنة واحدة] وإنما الإضرار برب المال والمساكين في إيجاب الشقص رأس كل سنة، [وإيجاب] خمس البعير عن الخمس منه انتهى.
قال ابن الصباغ: وما ذكرناه- يعني في إيحاب ربع المسنة في العشر- إنما يتصور على القول الذي يقول: إن الزكاة تتعلق بالذمة، ولم يخرج منها فأما إذا قلنا: إنها استحقاق جزء من العين، أو قلنا: هي في الذمة فأخرج منها قبل تمام الحول الزيادة- لم يجب في الزيادة شيء؛ لأنه لا يتم بها نصاب.
انتهى.
وعلى قياس مذهب ابن سريج، وبه صرح: أنه لا يجب في العشرة في السنة الأولى شيء، وإن أخرج الزكاة من غيرها وقلنا: إنها تجب في الذمة؛ لنقصها عن النصاب.
نعم، إذا انقضى حول الثلاثين انعقد الآن الحول على الأربعين؛ فيجب فيها عند انقضائه مسنة، وعلى الوجه الآخر الذي حكاه في "التتمة" لا يخفى التفريع.
ولو كان المستفاد نصاباً في نفسه لو انفرد، لكنه لا يبلغ مع الأول نصاباً ثانياً، وذلك يفرض في الغنم، مثل أن يكون قد ملك غرة المحرم أربعين منها، ثم بعد ستة أشهر ملك أربعين- فقياس القديم: أنه يجب عليه عند تمام حول الأولى نصف شاة [وعند تمام حول الثانية نصف شاة، وقد حكاه الإمام والقاضي أبو

الطيب، وقياس الجديد: أنه يجب عليه عند تمام حول الأولى شاة] وبه صرح في "المهذب" وغيره، وحكى فيما إذا تم حول الثانية ثلاثة أوجه، حكاها الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي أيضاً: أحدها: أنه يجب فيها أيضاً شاة؛ لأنها منفردة بحولها فانفردت بحكمها وهذا قياس ابن سريج.
والثاني يجب فيها نصف شاة؛ لوجود الخلطة فيها، وهذا قياس القول الجديد.
والثالث- وهو أصحها كما قال تبعاً لصاحب "الإفصاح"-: أنه لا [يجب] شيء فيها، وقال أبو الطيب وابن الصباغ: إنه الأقيس.
قلت: وهذا والذي قبله قد يقال بأنه يمكن بناؤهما على أن الوقص هل يتعلق به [الوجوب أم لا؟ فإن قلنا: يتعلق به] وجب نصف شاة، وإلا فلا شيء فيها، وقياس الوجه الآخر غير خاف على من عرفه، وقد صرح به في "التتمة" حيث قال: إذا ملك خمسين من الإبل، فلما مضى من الحول ستة أشهر استفاد عشرة فإذا تم حول الخمسين وجب عليه في ظاهر المذهب حقة، وأما العشرة التي استفادها فإن قلنا الوقص عفو، فلا شيء فيها، وإلا وجب فيها سدس حقة.
ولو زاد ملكه على الثمانين، بأن ملك أربعين أول المحرم وأربعين أول صفر، وأربعين أول ربيع الأول- فالمحكي عن القديم وهو قياسه أنه يكون في الجميع شاة في كل أربعين ثلثها، والجديد: أنه يجب في الأولى شاة عند تمام حولها، وفي الأربعين الثانية والثالثة وجهان حكاهما الماوردي عن رواية ابن سريج: أحدهما: تجب في كل أربعين عند تمام حولها شاة، وهو قياس مذهب ابن سريج الذي تقدمت حكايته؛ ولأجل ذلك نسبه القاضي الحسين والمتولي إلى ابن سريج نفسه.
والثاني: تجب في الأربعين الثانية نصف شاة، وفي الأربعين الثالثة ثلث شاة، وهو قياس الجديد إن قلنا: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع، ولأجله قال القاضي الحسين: إنه مذهب الشافعي.

ثم وجوب النصف في السنة الأولى عن الأربعين الثانية على هذا- كما قال الماوردي- إذا كان قد أخرج الزكاة من غير المال، وقلنا: الزكاة في الذمة، فإن أخرجها من المال أو قيل: إنها في العين، فعليه أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً من شاة، [ووجوب الثلث في الأربعين الثالثة- كما قال الماوردي والقاضي الحسين والمتولي- إذا كان قد أخرج زكاة المالين من غيرهما، وقيل: إن الزكاة في الذمة، فإن كان قد أخرجها من المالين، أو قيل: إنها في العين- فعليه أربعون جزءاً من مائة شاة، وثمانية عشر جزءاً ونصف جزء من شاة].
قال القاضي: إلا شيئاً قليلاً، فينظر كم المؤدى في الزكاة في الدفعتين، فيحط ذلك عن مائة وعشرين، فما يبقى أضيف إليه أربعون جزءاً فيقال: [يجب] أربعون جزءاً من كذا وكذا.
وقياس [الوجه] الثالث في المسألة قبلها الذي صححه في "المهذب"، وقلنا: إنه يمكن بناؤه على أن الوقص لا يتعلق به شيء: ألا يجب في الأربعين الثانية والثالثة عند تمام حولهما شيء، وبه صرح الماوردي فيها واختاره في "المرشد" ولا يقال: إنه عن القول القديم الذي تقدمت حكايته؛ لأن على القديم نجعل الواجب شاة، في كل أربعين ثلثها، وعلى هذا الوجه الشاة مقابلة الأربعين الأولى.
وفائدة الاختلاف تظهر عند التلف [بعد الحول] وقبل التمكن من الأداء، وفي جواز التصرف في المال.
وحكى الماوردي وجهاً رابعاً في المسألة: أنه إن خلط الجميع وسامها في مرعى واحد كانت تبعاً، وإن فرقها فلكل واحد حكم نفسه، وإذا تأملت ما أوضحناه قست عليه ما عداه كما هو في معناه.
تنبيه: قوله: "ينتج من النصاب" هو بضم أوله وفتح ثالثه، معناه: يولد، يقال: نتجت الشاة والناقة- بضم النون وكسر التاء- تنتج نتاجاً: ولدت، وقد نتجها

أهلها بفتح النون.
قال: وإن باع النصاب في أثناء الحول، أي: ولو بمثله، لا لقصد التجارة، وقلنا: إن الملك للمشتري- انقطع الحول؛ لما روي [عن] ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول عند ربه" كذا حكاه في "الحاوي" ووجه الدلالة منه: أنه علق الزكاة بتمام الحول عند ربه، ولم تتحقق، أما إذا قلنا: إن الملك للبائع في زمن الخيار، وتم العقد- فإن انقطاع الحول يكون بانقطاع الخيار، وإن انفسخ العقد أو فسخ لم ينقطع أصلاً، صرح به الرافعي.
ثم حيث قلنا: إنه ينقطع بالبيع، فلا فرق بين أن يكون قد فعله لحاجة أو لأجل الفرار من الزكاة؛ لعموم الخبر.
قال الشافعي: لأن الزكاة إنما تجب بالملك والحول لا بالفرار.
قال القاضي الحسين: معناه: أن مجرد الفرار لا يوجب الصدقة بالإجماع، وقصد الشافعي بما ذكره الرد على مالك حيث قال: لا ينقطع الحول وتجب الزكاة، كما لو طلق زوجته في المرض.
وأصحابنا قالوا: إن سلمنا أن المطلقة في المرض ترث فالفرق: أن حق الورثة يتعلق المال في مرض الموت؛ بدليل منعه من التبرعات فيما زاد على الثلث، وحق الفقراء إنما يتعلق بعد الحول؛ فنظيره تطليقها في الصحة.
وقد حكى الرافعي عن المسعودي أنه أشار إلى أنه إذا عاد إلى ملكه يبني ولا يستأنف، ونقل القاضي ابن كج أنه إذا باع وقد قرب الحول؛ فراراً من الزكاة أخذت منه الزكاة، قال: وهذا يوهم الاكتفاء بما مضى من الحول.
والمشهور الأول، وما ذكره الرافعي عمن ذكرناه فالذي يظهر لي أنه قال عنهما حكاية لمذهب مالك، لا أنه في مذهبنا؛ لأنه ذكره عقيب ذكره مذهب مالك واستقصاء له عن مأخذه، ويؤيد ذلك أنه عند ذكره ما تقدم لم يذكره.
وحكم بيع بعض النصاب في أثناء الحول بما لا يثبت خلطة بينه وبين غيره، حكم بيع الجميع، وكذا أثلاث المجموع، والبعض.
نعم، لو كان البيع يثبت بشركة كما إذا كان له أربعون من الغنم ملكها أول

المحرم، ولآخر مثله، وقد ملكها في أول المحرم أيضاً، فباع أحدهما نصف غنمه بنصف غنم الآخر فإنه ينقطع الحول فيما تبايعاه قولاً واحداً، وما لم يتبايعاه، هل ينقطع فيه الحول؟ فيه طريقان في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما: إحداهما: لا ينقطع قولاً واحداً، وبها قال أبو إسحاق وغيره، وهي الصحيحة.
والثانية: أن في انقطاعه قولين، فإن قلنا: لا ينقطع، فماذا يجب عليه؟ فيه كلام سنذكره، إن شاء الله تعالى.
قال: وإن مات ففيه قولان: أصحهما: أنه ينقطع؛ لأن ملك الميت قد زال وتلقاه الوارث عنه؛ فأشبه ما لو انتقل إليه بالبيع ونحوه، وهذا ما صححه عن الشيخ أيضاً وبه جزم في الوجيز، ويحكى عن أبي إسحاق القطع به، والمنع من إثبات قول آخر في المسألة.
قال: والثاني: أن الوارث يبني على حول الموروث، لأن من ورث مالا ورثه بحقوقه التي عليه وله، أصله: الشفعة والرهن والرد بالعيب؛ فإن الشفعة قد تكون حقاً على [المال كما] إذا ورث شقصاً للغير فيه شفعة، وقد يكون حقاً له: كما إذا ورث شقصاً ثبت لمورثه بسببه الشفعة في شقص آخر؛ فإن الحقين لا يسقطان بالموت، والوجهان يفرضان هكذا في الرهن والرد بالعيب، هذا ما حكى عن القديم.
والقائلون بالأول- وهو المعزي للجديد- قالوا: لا تعلق للحق بالمال قبل تمام الحول؛ فلم يمت ربه وقد تعلق به حق، بخلاف ما قيس عليه فإن الحق كان قد تعلق فلم يبطل بالموت.
التفريع: إن قلنا بالأول فالحكم كما قلنا إذا ملك الشخص مالا مبتدأ بالاتهاب ونحوه، ولا يخفى حكمه.
نعم، قال الأصحاب: لو كان معداً للتجارة لم ينعقد عليه الحول عند انتقاله إلى الوارث ما لم يتصرف فيه بنية التجارة.
ولو كان سائمة، ولم يعلم الوارث الحال حتى تم حول فهل تجب الزكاة أم يبتدئ

الحول من يوم علم؟ قال الرافعي: فيه خلاف مبني على أن قصد السوم هل يعتبر أم لا؟ قلت: وإذا كان مأخذ [اعتبار] استئناف الحول قصد السوم، فينبغي أن يقال: هل تجب الزكاة أم يبتدئ الحول من حين قصده السوم لأن إذا علم بالحال قد لا يقصد السوم فلم يوجد الشرط، وإن قلنا بالثاني نظر: فإن تعدد الوارث، وبلغ نصيب كل منهم نصاباً وجبت الزكاة في آخر الحول وكذا إن كان دون النصاب وكان ماشية أو غير ماشية، وقلنا بتأثير الخلطة فيه، ولم يقسموا أما إذا قلنا: لا تأثير للخلطة فيه، انقطع الحول، قال العجلي: ويحتمل أن يقال: نجعل الورثة كالشخص الواحد وكأنهم عين المتوفى، ونستديم ذلك في حقهم في هذه الصورة ولا يبعد إثبات الخلطة في هذه الصورة على الخصوص؛ كما لا يبعد استدامة الحول مع انقطاع الملك وتجدده.
ولو ارتد في أثناء الحول، ثم عاد إلى الإسلام- فقد تقدم حكمه-.
قال الشيخ رحمه الله: وأول نصاب الإبل خمس، بدأ الشيخ من المواشي بالإبل؛ اتباعاً للشافعي، والشافعي بدأ بها؛ اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه بدأ بها في أكثر الكتب التي كتبها للسعاة، ومنها ما سنذكره، والمعنى فيه أنها كانت أعم أموالهم ويصعب ضبطها؛ فبدأ بها لنفع الغاية بها؛ ولهذا المعنى كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المواشي وواجبها في صحيفة، وتركها في قراب سيفه ولم يكتب ما عداها من فروض الصلاة ومواقيتها، والصوم وأحكامه، والحج ومناسكه، بل اقتصر على القول في ذلك.
ونصب الإبل أحد عشر: أربعة منها يجب فيها غير الجنس، ويتغير الفرض فيها بزيادة [السن لا غير] وأربعة [منها يجب] فيها الجنس، ويتغير الفرض فيها بزيادة العدد لا غير، والثلاثة الباقية يجب فيها الجنس ويتغير الفرض فيها بزيادة العدد.
والدليل على أن أول نصاب الإبل خمس- مع ما يفهمه ما سنذكره من كتاب

فصول الكتاب · 17 فصل · 607 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول كفاية النبيه في شرح التنبيه · 607 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب الفرائض
كتاب النكاح
كتاب الصداق
كتاب الطلاق
كتاب الأيمان
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الحدود
كتاب الأقضية
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل