كتاب الحج
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن الرفعة
- الكتاب
- كفاية النبيه في شرح التنبيه
- المؤلف
- أحمد بن محمد بن علي الأنصاري، أبو العباس، نجم الدين، المعروف بابن الرفعة (المتوفى: 710هـ)
- المحقق
- مجدي محمد سرور باسلوم
- الناشر
- دار الكتب العلمية
- الطبعة
- الأولى، م 2009
- عدد الأجزاء
- 21 (19 وجزء لتعقبات الإسنوي وجزء للفهارس) أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في الجديد- وهو الصحيح-: الأول؛ لأن حدوث العيب في الأول قد أبطل وجوبه؛ فسقط حكمه.
ووجه القديم- وهو إيجاب مثل المعين-: أنه أوجب الفضل بتعيينه.
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن كل البقرة تقع واجباً فيما إذا خرج ذلك عن نذره بدون تعيين، أما إذا قلنا: إن الواجب منها السبع، ففيه نظر.
وعن الشيخ أبي حامد: أنه إن حصل ذلك بتفريط الناذر، لزمه مثل الذي عين، وإن لم يفرط، ففيه الوجهان، والأصح الأول.
وفي "الشامل" وجه فيما إذا عاب المعين: أنه يجب ذبحه مع ما في الذمة، وهو بعيد.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون ما عينه قد وصل إلى الحرم أو لم يصل إليه.
وحكى ابن الصباغ عن ابن الحداد: أنه إذا عاب بعد ما وصل إلى الحرم، أجزأه، لبلوغه المحل؛ وكذا قياس أصله فيما لو هلك؛ وهذا ما حكاه الإمام في كتاب الأضحية عن القفال؛ وكذا الرافعي في كتاب النذر عن فتاويه- أعني: القفال- حيث قال: لو نذر أن يهدي شاة، ثم عين واحدة، وذهب بها إلى مكة، فلما قدمها للذبح تعيبت- تجزئ، وبمثله لو نذر أن يضحي بشاة، ثم عين شاة لنذره، فلما قدمها للذبح، صارت معيبة- لا تجزئ.
والفرق: أن الهدي ما يهدي إلى الحرم، وبالبلوغ إليه حصل الإهداء، والتضحية لا تحصل إلا بالذبح.
قال ابن الصباغ: والأول أصح؛ لأنها عابت قبل الوصول إلى مستحقها؛ فأشبه ما لو عابت قبل ذلك، ووصولها إلى الغرض لا يسقط عنه الفرض.
ولو لم يتلف المعين عما في الذمة، لكن ضل- فهو كما لو تلف، [لكن] إذا وجد الضال فما حكمه؟
قد قدمت الكلام فيه في الأضحية.
وبعضهم قال: إن كان وجوده بعد الذبح والصرف، ذبح أيضاً.
قال القاضي أبو الطيب: وتبين أن الأول لم يكن واجباً.
قال ابن الصباغ: ويحتمل أن يقال: إنه واجب كما إذا لم يجد ما يتطهر به، فصلى، ثم وجد الطهارة.
وإن كان بعد الذبح، وقبل صرف اللحم- كان اللحم له، ووجب ذبح الضالة.
وفي "تعيق" القاضي الحسين: أنها إذا وجدت بعد الذبح، فهل يتملك الضالة أم لا؟ فيه وجهان، ووجه التملك: أنه أخرج بدلها.
فرع: لو نتجت الشاة المعينة سخلة، ثم ماتت أو تعيبت، فما حكم السخلة؟ ذلك ينبني على أنها لو ولدت ولم تتعيب فلمن يكون الولد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه للناذر؛ لأن ملك الفقراء لم يستقر فيه؛ ألا ترى أنه لو مات أو تعيب عاد ملكه.
والثاني- وهو المنصوص-: أن حكمه حكم أمه؛ كولد المبيعة قبل القبض، يكون للمشتري وإن لم يستقر الملك؛ وعلى هذا؛ فإذا تلف الهدي، قال ابن الصباغ: فقياس المذهب أن يكون للفقراء؛ كما في ولد المبيعة إذا تلفت في يد البائع بعد ما ولدت.
وفيه وجه آخر: أنه يعود ملكاً للناذر بعوده له.
قال: ومن نذر صوم سنة بعينها، أي: مثل أن قال: "لله علي صوم سنة من غد" أو: "صوم سنة سبع وثمانين وستمائة"، وهو في سنة ست وثمانين- لم يقض أيام العيد والتشريق، أي: على الجديد؛ كما قال البندنيجي وغيره ورمضان؛ لأن هذه الأيام لو نذر صومها، لم ينعقد نذره، فإذا أطلق أولى ألا تدخل في نذره.
وقد أفهمك قوله: "لم يقض .. " إلى آخره: أنه لا يصوم هذه الأيام عن النذر، وإلا لم يكن لذكر القضاء معنى، وقد صرح به الأصحاب، وقالوا: لو نوى بصوم رمضان النذر، لم ينعقد للنذر ولا لرمضان.
قال: وإن كانت امرأة فحاضت، قضت أيام الحيض- أي: الواقعة في غير رمضان وايام العيد والتشريق- في أصح القولين؛ لأن الزمان زمان الصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها؛ فوجب عليها القضاء؛ كصوم رمضان.
وقد وافق الشيخ في تصحيحه البندنيجي، وأبا الحسين بن القطان، وأبا علي الطبري، وقال ابن كج: إنه المشهور، وحكى في "البحر" طريقة قاطعة به.
وعلى هذا قال الماوردي: فإن قيل: لو نذرت صوم أيام حيضها، لم يصح، ولم يلزمها القضاء، فهلا كان هذا كذلك؟
قيل: لأن إفرادها بالنذر يجعله معقوداً على معصية، ولا يجعله إذا دخل في العموم معقوداً على معصية.
والقول الثاني: لا تقضي؛ لأن أيام الحيض لا تقبل إيقاع الصوم فيها؛ فلم تدخل في نذرها؛ كأيام العيد والتشريق ورمضان؛ وهذا ماصححه النواوي.
فعلى هذا: لو أفطرت لمرض- وكذلك الرجل- فهل تقضي؟ أطلق البندنيجي وغيره حكاية وجهين فيه:
والأظهر القضاء، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وفرق بأن زمان الحيض لا يقبل الصوم، وليس كذلك زمان المرض، وبناهما الشيخ في "المهذب" تبعاً للماوردي- على أن الفطر بالمرض، هل يقطع التتابع إذا وجب الصوم متتابعاً: إما بالنذر، أو في الكفارة؟ وفيه وجهان مذكوران هنا في كتاب الظهار.
فإن قلنا: يقطعه، لزم القضاء.
وإن قلنا: لا يقطعه؛ كما لا يقطعه الحيض؛ فلا يلزمها قضاء أيام المرض؛ كأيام الحيض؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
ولو أفطر لأجل السفر، قال الرافعي تبعاً للإمام: فالظاهر وجوب القضاء؛ لأنه
يتعلق بمحض اختياره، وبه قال أبو الحسين، وهو المذكور في "الوجيز" و"تعليق" القاضي أبي الطيب.
ومنهم من طرد الخلاف، وبه قال ابن كج.
وفي "الحوي" حكاية الطريقين؛ لأنه قال: والفطر بالسفر هل يلحق بالفطر بالمرض أو بالفطر بغير عذر؟ فيه قولان.
واعلم أن الأصحاب قالوا: إن صوم السنة المعينة بالنذر يجب متتابعاً؛ لانحصار ذلك في وقت معين، لا لأجل أن التتابع وصفه، وهذا كما قلنا في صيام رمضان: إنه يجب متتابعاً؛ لتعين وقته، لا لأن التتابع شرط فيه؛ حتى لو أفطر أياماً بغير عذر، عصى، وقضاها متفرقة أو متتابعة، والتتابع أولى.
نعم: لو نذر صومها متتابعاً؛ ففي جعل التتابع شرطاً وجهان:
الذي أورده العراقيون: أنه شرط؛ إذا أفطر فيها يوماً بغير عذر، لم يعتد له بما مضى.
والمنسوب إلى القفال: أن ذكر التتابع مع تعيين السنة لغو، وهو ما أورده القاضي الحسين.
وقال في "البحر": إنه غلط.
فرع: هل يجوز تقديم الصوم المعين وقته بالنذر، على وقته، وتأخيره عنه من غير عذر؟ والمشهور لا.
وحكى الإمام وجهاً عن طوائف من الأئمة- منهم الصيدلاني-: أنه يجوز تقديمه عليه وتأخيره عنه؛ قياساً على ما لو عين له مكاناً.
وقال: إنه منقاس، وهو جار فيما لو نذر حجاً في سنة بعينها، أو صلاة في وقت مخصوص.
وفي "الحاوي": أنه إذا عين للصلاة وقتاً- كيوم الخميس- فإن قصد به تفضيل ذلك الزمان، يجوز أن يصلي في يوم الأربعاء ويوم الجمعة؛ لأنه لا فضل ليوم الخميس.
وإن قصد به أن يجعله وقتاً للنذر لا يجوز قبله.
وإن كان لذلك الوقت الذي خصها به فضيلة على غيره: كليلة القدر، فقال: "لله علي أن أصلي ليلة القدر"- فلا تجزئه الصلاة في غيرها، ويلزمه أن يصليها في كل ليلة من ليالي العشر الأخير من رمضان؛ ليصادفها في إحدى لياليه؛ كما إذا نسي
صلاة من الخمس، ولم يعرف عينها، فإن لم يصلها في ليالي العشر كلها، لم يقضها إلا في مثله.
وقد فرع إبراهيم المروزي على الصحيح- وهو تعين الوقت- إذا نذر صوم يوم خميس، ولم يعين: أنه يصوم أي خميس شاء، ويخرج عن النذر، وإذا مضى خميس، استقر في ذمته، حتى يفدي عنه إذا مات قبل أن يصوم.
ولو نذر صوم يوم من الأسبوع، والتبس عليه، قال الرافعي: ينبغي أن يصوم يوم الجمعة؛ فإنه آخر يوم في الأسبوع، فإن كان هو الذي عينه، فقد أتى بما التزم، وإن كان يوماً قببله كان صومه قضاء.
قلت: ويجوز أن يقال: يلزم صوم جميع أيام الأسبوع؛ عملاً بما قاله الماوردي.
ثم على الصحيح في التعين يجوز أن يوقع فيه صوماً آخر، وسواء فيه الفرض والتطوع والنذر؛ كما يدل [عليه] ما سنذكره من النص.
وفي "التهذيب" وجه آخر: أنه لا ينعقد فيه صوم غيره؛ كما في أيام رمضان.
أما إذا نذر صوم سنة، ولم يعينها، بل أطلق؛ فإنه يلزمه صوم اثني عشر شهراً، ولا يجب عليه أن يبتدر إلى الصوم، بل يستحب، وله أن يصومها يوماً يوماً، وشهراً شهراً، فإن صام بالأيام [لزمه ثلاثمائة وستون يوماً، وإن صامها شهراً شهراً] لزمه اثنا عشر شهراً.
ثم إن صام ما بين الهلالين، حسب له شهراً، سواء كان كاملاً أو ناقصاً، ولو أفطر في شهر يوماً، قضاه إن كان كاملاً، وقضاه مع يوم آخر إن كان ناقصاً؛ لأن صومه فيه انقلب إلى الأيام، وهكذا نقول فيما إذا صام شوال، يلزمه يوم إن كان تاماً، ويومان إن كان ناقصاً، وفي ذي الحجة يلزمه أربعة أيام إن كان تاماًوخمسة إن كان ناقصاً؛ وهذا إذا قلنا: إنه يلزمه بدل صوم أيام العيد والتشريق ورمضان؛ كما هو المنقول في كتب العراقيين.
أما إذا قلنا: إنه لا يلزمه بدل ذلك؛ كما قاله القاضي أبو الطيب من عند نفسه، ولم يورد القاضي الحسين سواه؛ قياساً على المسألة قبلها- فيظهر أن يقال: إذا كان شوال أو ذو الحجة تاماً أو ناقصاً فصامه، حسب له شهراً كاملاً.
ووراء ما ذكرناه أوجه:
أحدها: قال في "البحر": إن بعض أصحابنا قال: لو ابتدأ في هذه السنة التي ذكرناها من المحرم إلى المحرم، يقال: صام سنة، فالقياس: ألا يلزمه قضاء هذه الأيام، وإن كان ظاهر المذهب بخلافه؛ وهذا ما حكاه الإمام عن الصيدلاني [و] قال: إنه زلل وغفلة.
وفي الرافعي- حكاية عنه- أنه قال: إذا صام من المحرم إلى المحرم، أو من آخر شهر إلى مثله- خرج عن نذره لأنه يقال: إنه صام سنة، ولا يلزمه قضاء رمضان وأيام الفطر.
وعن ابن القطان: أنه إنما يخرج عن النذر بصوم ثلاثمائة وستين يوماً؛ لأن السنة تنكسر- لا محالة- بسبب رمضان وأيام الفطر، وإذا انكسرت، وجب أن يعتبر العدد؛ كما في الشهر إذا انكسر.
وعلى كل حال فلا يلزم التتابع في صومها إلا أن يشترطه، فإذا اشترطه، فقال: "لله علي صوم سنة متتابعة"، لزمه، ولا يسقط عنه بدل أيام العيد والتشريق ورمضان [وأيام الحيض، بل يأتي به.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا عندي غلط، ولا يجب قضاء أيام العيد والتشريق ورمضان]؛ لأنه لا يمكنه أن يصوم سنة متتابعة لا يتخللها ذلك؛ فيكون بمنزلة السنة المعينة؛ وهذا حكاه المتولي مع الأول وجهين، وجعل أظهرهما ما ذكره القاضي.
لكن المنصوص، والذي عليه أكثر الأصحاب مقابله؛ لأنه التزم صوم سنة، ولم يصم عما التزم سنة، ويخالف ما إذا كانت السنة معينة؛ لأن المعين في العقد لا يبدل بغيره، والمطلق إذا عيب قد يبدل، وشبه ذلك بأن المبيع إذا خرج معيباً لا يبدل، والمسلم فيه إذا سلمه فخرج معيباً، يبدل.
ولو شرط التفريق، فيجوز له التفريق.
وفي إجزاء صومها متتابعاً وجهان، في "الحاوي" وغيره.
وقال الإمام: إنهما ينبنيان على اختلاف القول في أن التفريق في صوم التمتع بين الثلاثة والسبعة هل يجب إذا فاتت الثلاثة؟
ثم قال: والأولى عندنا تقريب الوجهين من الوجهين في أن الأوقات: هل تتعين
للصيام إذا عيّنت؟
فإن قلنا: تتعي، لم يبعد حمل استحقاق التفريق عليه؛ كما لو قال: "لله علي صوم الأثانين"؛ فإنه يصومها على صفة التفريق؛ وهذا تكلف؛ فإن الذي يعين الأوقات مجرد قصده إلى معين، والذي يذكر التفريق، ليس تعين الأزمنة في باله وقصده؛ وللك كان الأصح أن التفريق لا يلزم، والأصح أن الأوقات تتعين إذا عينت.
والذي اختاره ابن كج والبغوي وغيرهما وجوب التفريق، وقالوا: لو نذر صوم عشرة أيام متفرقة فصامها متتابعة، حُسِبَ له منها خمسة أيام.
ولو شرط صوم هذه السنة، لم يتناول نذره إلا السنة الشرعية، وهي من المحرم إلى المحرم، فإن كان قد مضى منها شيء، لم يلزمه غير صوم الباقي، فإن كان فيه رمضان، لم يلزمه قضاؤه عن النذر، وكذا أيام العيد والتشريق، وكان فيقضاء أيام الحيض والمرض والسفر ما ذكرناه في نذر صوم سنة معينة، والله أعلم.
قال: وإن نذر أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، لم يصح نذره في أحد القولين؛ لتعذر الوفاء به؛ لأنه إن قدم ليلاً فهو إنما نذر صوم اليوم، وإن كان قد أراد باليوم الوقت، فالليل لا يقبل الصوم، وإن قدم نهاراً فالنية لم توجد من الليل، ولا تجزئه نية من النهار؛ لخلو بعضه عنها.
وأيضاً: فإن نذره تضمن نذر صوم زمان ماضٍ، وهو ما قبل القدوم، ونذر صوم ما مضى من الزمان لا يصح.
دليله: ما لو قال: "لله علي صوم أمس اليوم الذي يقدم فيه فلان"؛ فإنه لا يصح قولاً واحداً، وإن كان لابن الصباغ احتمال في إجراء القولين فيه، وإذا كان صومه متعذراً، لم ينعقد النذر [به؛] كما لو نذر الحج في سنة معينة، ولم يبق من الوقت ما يتمكن من السير فيه لأدائه؛ فإنه لا ينعقد على ظاهر المذهب، وإن كان في لزوم كفارة اليمين بهذا النذر خلاف؛ كما تقدم مثله؛ وهذا القول مختار الشيخ أبي حامد.
قال: ويصح في الآخر؛ لأنه نذر صوماً يمكنه فعله؛ لأنه إذا أخبر أنه يأتي في يوم، فنوى من ليلته، صح ذلك، وما أمكن صومه، صح نذره؛ كصوم غد [اليوم]
الذي يقدم فيه فلان؛ فإنه يصح قولاً واحداً؛ وهذا ما صححه الماوردي، والقاضيان: أبو الطيب والروياني، والنواوي، وصاحب "المرشد"، وقال البندنيجي: إنه اختيار الشافعي، وكذا المزني، وأنه وجهه بأنه قد يجب الصوم في زمان لا يمكن فعله فيه؛ كالصبي يبلغ في أثناء اليوم؛ فيلزمه قضاؤه، وكذلك المغمى عليه.
وعلى هذا قال الشيخ: فإن قدم في أثناء النهار، أي: أخبر بقدومه في أثناء النهار من الليل، نوى صومه، أي: من الليل، ويجزئه؛ لوجود شرط الصوم، وهو النية من الليل، وصحت اعتماداً على الظن؛ كصوم يوم الثلاثين من رمضان وقد وقع الشك في رؤية الهلال.
وقد قاس بعضهم هذا على ما لو نوى الصبي الصوم من الليل، ثم بلغ في أثناء النهار؛ فإنه يجزئه صومه على ظاهر المذهب، وكذلك من شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه، فإنه يصح على ظاهر المذهب كما قال الرافعي، وادعى الإمام فيه الوفاق؛ ويلزمه إتمامه.
والقائلون بالقول الأول منعوا صحة الصوم فيما إذا نوى من الليل وقد أخبر بالقدوم في الغد؛ لأمرين:
أحدهما: أنه لم يقطع بالنية؛ لأن من المحتمل أن يقدم وألا يقدم، ومن شرط النية الجزم، وقد حكي هذا عن القفال، والقاضي الحسين نسبه إلى الشيخ أبي زيد.
وقال الماوردي: إنه قياس قول ابن أبي هريرة، ويخالف ما لو نوى الصوم [في] ليلة الثلاثين من رمضان؛ لأن الظن الحاصل ثم من أن الأصل بقاء الشهر، لم يعارضه شيء، وهاهنا الظن الحاصل من الإخبار قد عارضه أن الأصل عدم القدوم.
والثاني: أن ما يصومه من اليوم قبل القدوم يكون تطوعاً؛ فلا يجزئه عما وجب جميعه بالنذر؛ لأن قوله: "فعلي صوم ذلك اليوم" يقتضي [إيجاب] صوم جميعه؛ وبهذا خالفما لو نوى الصبي الصوم من الليل، ثم بلغ في أثناء النهار، وما إذا شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه؛ لأنه إنما وجب بالبلوغ والنذر البقية.
وقد خص المتولي محل الخلاف في [صحة] صوم يوم القدوم إذا نواه من الليل بما إذا قلنا: إن نذره يقتضي إيجاب صوم جميع النهار.
أما إذا قلنا: لا يقتضي إلا إيجاب الصوم من حين القدوم، لا ما مضى من اليوم قبله، فلا يصح وجهاً واحداً؛ لأن سبب الوجوب لم يوجد في أول النهار، حتى ينوي إيقاع الصةوم فيه عن الواجب، وما ذكره من الترتيب هو ما أورده العراقيون.
وأما المراوزة، فقد اختلفوا في أصل القولين في صحة نذر يوم القدوم:
فمنهم من قال: أصلهما [أنه] لو نذر صوم بعض [يوم، هل يصح نذره؟ وفيه قولان؛ أصحهما: أنه لا يصح؛ لأن صوم بعض] اليوم ليس بقربة؛ فعلى هذا لا يصح نذره في مسألة الكتاب.
والثاني: أنه يصح، ويلزمه صوم يوم؛ لأنه يتضمنه؛ فعلى هذا يصح نذره في مسألة الكتاب.
وعن الإمام: أنه لا يصح نذره في مسألة الكتاب على هذا أيضاً؛ لأنه التزم يوماً في بعض يوم، وذلك محال؛ فيلغو.
وقد جعل المتولي انعقاد نذر بعض اليوم مبنياً على أن المتنفل إذا نوى الصوم نهاراً يكون صائماً من وقت النية، أو من ابتداء النهار؟ إن قلنا: من وقت النية، انعقد نذره، وإن قلنا: من ابتداء النهار- كما هو الأظهر- فوجهان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لما ذكرناه أولاً.
والثاني: ينعقد؛ لأنه قد ورد الأمر بإمساك بقية النهار؛ كما فيحق من أصبح مفطراً يوم الشك، ثم بان أنه من رمضان.
ومنهم من قال: أصلهما: ما إذا قدم زيد في خلال النهار، هل يستند النذر إلى أول النهار أم لا؟ [و] فيه قولان: فإن قلنا بالأول، لم يصح؛ لما ذكرناه.
وإن قلنا بالثاني، صح.
ومثل القولين في هذه الصورة يجري فيما لو قال لعبده: "أنت حر يوم قدوم فلان"، أو [قال] لزوجته: "أنت طالق يوم قدوم فلان"، فقدم في أثناء النهار، فهل يستند العتق والطلاق إلى أول اليوم أو إلى وقت قدومه.
وتظهر فائدتهما فيما لو كان قد باع [العبد] المعلق عتقه في ذلك اليوم قبل القدوم، وانقضى الخيار قبل القدوم، أو أعتقه عن الكفارة فيه قبل القدوم، أو مات
السيد فيه قبل القدوم، أو خالع زوجته فيه وكان الطلاق المعلق ثلاثاً أو قبل الدخول؛ فعلى الأول نتبين وقوع العتق، وبطلان البيع، وعدم الإجزاء عن الكفارة، والانتقال للوارث، وعدم صحة الخلع؛ وبه قال ابن الحداد.
وعلى الثاني لا يقع العتق، ويصح البيع، ويجزئ عن الكفارة، ويصح الخلع.
وقد بقي من التفريع على القول الثاني في مسألة الكتاب صور:
منها- كما قال الشيخ-: وإن كان مفطراً، لزمه القضاء؛ كما لو نذر صوم يوم معين، ففاته؛ فإنه يجب عليه القضاء؛ قياساً على صوم رمضان.
قال الرافعي: وكيف ذلك؟ أنقول: يلزمه بالنذر الصوم من أول اليوم؟ أو نقول: يلزمه من وقت القدوم؟ فيه وجهان، ويقال: قولان:
أصحهما- وبه قال ابن الحداد – الأول.
ووجه الثاني: أنه علق الالتزام بالقدوم، وبكونه في النهار، إلا أن صوم بعض اليوم لا يمكن؛ فيلزمه صوم يوم تام.
قال في "التهذيب" وليس هذا كما إذا نذر صوم بعض يوم؛ حيث لا ينعقد نذره على ظاهر المذهب؛ لأنه نذر هاهنا صوم يوم، لكن شرط الوجوب حصل في البعض؛ فهو كما لو شرع في صوم تطوع، ثم نذر إتمامه، يلزمه على ظاهر المذهب، ويكون واجباً من حين نذر؛ كما في جزاء الصيد يصوم عن كل مُدِّ يوماً وإن فضل نصف مد يصوم يوماً تاماً، والواجب فيه نصف يوم.
وعلى هذا الخلاف [خرج] ما لو نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان؛ فإنه لا خلاف في انعقاد نذره، ثم إن قدم ليلاً، لم يلزمه شيء، وإن قدم في أثناء النهار، لزمه اعتكاف باقيه، وهل يلزمه قضاء ما فات منه؟ إن قلنا بالأول لزمه، وإن قلنا بالثاني فلا؛ وهو ما ادعى في "المهذب" أنه المذهب، وقال فيما لو قدم فلان والناذر محبوس أو مريض: إنه يلزمه القضاء على المنصوص؛ خلافاً لأبي حامد وأبي علي الطبري.
وقال الصيدلاني: إن قلنا بالأول، وقد قدم في أثناء النهار، اعتكف باقيه، أو يوماً مكانه؛ وهذا ما قاله؛ بناء على أن الزمان المعين للاعتكاف لا يتعين، والظاهر التعين.
وقد حكى الإمام عن رواية شيخه: أن من أصحابنا من لم يوجب الاعتكاف في بقية النهار؛ تخريجاً من أن النهار إذا نذر اعتكافه لا يجوز تبعيضه بتفريق الساعات، وهو قد ذكر اليوم، واعتكاف يوم بعد قدومه غير ممكن إلا على نعت التقطع.
ثم اعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون إفطاره لعدم نية صدرت منه من الليل، وهو ممسك، أو لمباشرة ما يفطر به الصائم؛ لأنه مفطر في الصورتين شرعاً، وقد صرح القاضي أبو الطيب بذلك في حالة الإمساك، ومنه يظهر لك: أن مراد الشيخ بالمسألة الأولى ما ذكرناه، وإلا لكانت المسألتان واحدة.
فإن قلت: هذا ظاهر فيما إذا كان قد باشر ما يفطر به الصائم على أن فيه شيئاً على بعد.
أما إذا كان ممسكاً ولم ينو من الليل، فلم لا يُخَرَّج على الخلاف المشهور في أن النذر المطلق يحمل على أقل واجب في الشرع أو جائزه؟
فإن قلنا: يحمل على واجبه- كما اختاره العراقيون والروياني وغيرهم- فالأمر كذلك، وإن قلنا: على جائزه- كما هو الصحيح عند الإمام والغزالي- فينبني على أنه إذا قدم في أثناء النهار: هل يلزمه الصوم من أول النهار أو من حين القدوم؟ فإن قلنا بالأول، انبنى أيضاً على أن النية تنعطف على ما مضى في صوم التطوع أو لا تنعطف؟ فإن قلنا بالثاني، فالأمر كذلك، وإن قلنا بالانعطاف على ما مضى أو بعدمه؟ وقلنا: إن الوجوب يكون من حين القدوم؛ فينبغي أن ينوي صومه، ويجزئه، ولا يسمح له في تأخير ذلك؛ لتعين الوقت.
قلت: قد أطلق الغزالي القول بأن الصوم المنذور هل يصح بنية من النهار؟ إن قلنا: مطلق النذر يحمل على الواجب الشرعي، لم يجزئه، وإلا أجزأه، وصحح الإجزاء.
وقال الرافعي: إن هذا إذا نذر مطلق الصوم، أما إذا نذر صوم يوم أو أيام، فإن قلنا: إنه يسلك به مسلك جائز الشرع، انبنى على أصل آخر، وهو أن النية تنعطف على أول النهار كما هو الظاهر أو لا؟ فإن قلنا بالأول، أجزأه، وإلا فلا، وعزا هذا إلى الإمام.
والذي رأيته في أوائل كتاب النذر من "النهاية" حكاية ذلك في الصورتين، وجزم في موضع آخر منه: أنه إذا قال: "لله علي صوم [يوم] " أنه لا يكفيه أن ينوي نهاراً وإن قلنا: المتطوع لو نوى نهاراً، انعطفت النية؛ ولأجل هذا ادعى في "البسيط"- كما قال مجلي- قطع الأصحاب بعدم الإجزاء.
وقد حكى ابن يونس أن بعض الأصحاب قال: بإجزاء الصوم في مسألة الكتاب خاصة بنية من النهار، وأن على هذا يمكن حمل كلام الشيخ في المسألة السابقة.
فرع: هل يجب على الناذر الإمساك في هذا النهار؛ تشبهاً بالصائمين؟ فيه طريقان:
إحداهما- وهي التي أوردها الإمام والقاضي الحسين والماوردي- القطع بالمنع.
قال الماوردي: لكن يستحب له الإمساك؛ كما لو قدم المسافر في يوم من رمضان، قد أفطر في أوله، استحببنا له أن يمسك في بقيته وإن لم يجب عليه الإمساك.
وحكى الروياني ومجلي عن بعض المراوزة: أنا إن قلنا: يجب القضاء؛ وجب، وإلا فلا.
وقال الغزالي: قد أطلق الأصحاب القول في هذا الفرع، وظني: أنه إنما يجب الإمساك إذا كان كان لم يأكل، فأما إذا كان قد أكل، فكيف يلزمه الإمساك وهو من خصائص رمضان؛ وهذا ما اقتضاه كلام أبي الطيب؛ فإنه قال: "إذا قدم نهاراً أو كان مفطراً، ولم يطعم ذلك اليوم- أمسك يومه وقضى".
قال: وإن وافق ذلك رمضان، لم يقض؛ لأنه لو نذر صوم يوم من رمضان، لم ينعقد نذره؛ لتعينه للصوم عن رمضان، وعدم قبوله لغيره، وقد بينا أن النذر وقع فيه؛ فلم يصح، وإذا لم يصح، لم يلزمه القضاء؛ وهذا ما حكاه الماوردي، وألحق به ما إذا قدم وكان صائماً عن نذر تعين عليه فيه؛ لتقدم استحقاقه، وحكى وجهين في لزوم القضاء إذا وافق قدومه صيامه عن قضاء رمضان أو عن كفارة:
أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: أنه يلزمه القضاء، ويستحب له مع ذلك أن يعيد يوماً آخر؛ لأجل الاعتداد بيوم القدوم عما نواه، واستحباب الإتيان بيوم آخر محكي عن الشافعي في غيره؟ لأنه صام يوماً مستحق الصوم؛ لكونه يوم القدوم، قال في
"التهذيب": وفي هذا دليل على أنه إذا نذر صوم يوم بعينه، ثم صامه عن قضاء، أو [عن] نذر آخر: أنه ينعقد، ويقضي بدل هذا اليوم.
والثاني- وهو قول ابن أبي هريرة-: أنه يستحب القضاء، ولا يجب، والله أعلم.
قال: وإن وافق يوم عيد- أي: وما في معناه من أيام التشريق- قضاه في أصح القولين؛ لأن نذره قد انعقد على طاعة، وكان يجوز ألا يصادف يوم العيد ونحوه؛ فلزمه قضاؤه، لانعقاد النذر؛ وهذا نظير ما نص عليه الشافعي في كتاب الصيام فيما إذا نذر صوم يوم الاثنين أبداً، فوافق يوم الاثنين يوم عيد: أنه يلزمه قضاؤه.
والقول الثاني: لا يلزمه القضاء؛ كما لو وافق ذلك رمضان؛ وهذا ما أورده البندنيجي حكاية عن النص في "الأم" لاغ ير، ولم يورد الرافعي سواه، وصححه ابن الصباغ والنواوي وغيرهما؛ كما سنذكره، وهو نظير ما نص عليه الشافعي- أيضاً- في النذر فيما إذا نذر صوم يوم الاثنين أبداً، وكان يوم الإثنين يوم عيد: أنه لا يلزمه القضاء؛ كما اختاره المزني، وصححه البندنيجي، واختاره في "المرشد".
فإن قلت: ما ذكره من علة وجوب القضاء في هذه المسألة موجود فيما إذا وافق ذلك رمضان، وقد جزم الشيخ بعدمه فما الفرق؟
قلت: [قد] يتخيل بينهما فرق، وهو أن احتمال القدوم في يوم من شهر أغلب من احتمال وقوع يوم في يوم أو أربعة أيام؛ فلا يلحق أحدهما بالآخر؛ وهذا لا أثر له.
وقد جعل البندنيجي عدم إيجاب القضاء فيما إذا وافق ذلك رمضان مقيساً على ما إذا وافق يوم عيد؛ وهذا يدل على عدم الفرق بينهما؛ فيكون القولان عند من يثبتهما في الجميع؛ ويدل على ذلك: أن الأصحاب قالوا: لو نذر أن يصوم يوم يقدم فلان أبداً، فقدم في يوم الإثنين، كان في صحة نذره يوم القدوم القولان، ويلزمه صوم كل إثنين بعد ذلك، إلا الأثانين الأربعة الواقعة في رمضان، ولو وقع فيه اثنين خامس، ففي وجوب قضائه قولان، كما لو وقع يوم عيد.
ولو كان الناذر لصوم يوم القدوم امرأة، فصادف القدوم يوم حيضها أو نفاسها؛ ففي قضائه طريقان، حكاهما الروياني وغيره.
قال الأكثرون- ومنهم أبو الطيب، وابن كج، وابن الصباغ، والإمام، والمتولي-: فيه قولان؛ كما في العيد.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام هؤلاء ترجيح [المنع.
وقال الشيخ أبو حامد: الأصح من] القولين هاهنا لزوم القضاء، وفيما إذا وافق يوم العيد عدمه.
وفرق بأن يوم العيد لا يصح صومه في حق كل الناس، وزمان الحيض يختص بها، وتبعه في ذلك البندنيجي والماوردي.
وقال ابن الصباغ: هذا الفرق ضعيف، لأن الشرع حرم عليها صوم زمان الحيض كزمان العيد؛ ولهذا لو نذرت صوم الزمانين، لم ينعقد نذرها.
وقال بعضهم: يجب القضاء هاهنا قولاً واحداً لأن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع، وهو إذا فات بالحيض والنفاس يقضي.
قال في "البحر": ومنهم من قال: إن قلنا بقضاء يوم العيد، فقضاء يوم الحيض أولى؛ وإن قلنا: لا يقضي يوم العيد؛ ففي قضاء يوم الحيض قولان؛ وهذه الطريقة يمكن أخذها مما قاله الشيخ في هذه المسألة، ومسألة ما إذا نذرت صوم سنة بعينها، والله أعلم.
ومن المسائل المفرعة على القول بصحة نذر يوم القدوم: أنه لو قدم ليلاً، فلا يلزمه شيء، قال الشافعي: "وأحب أن يصوم من الغد؛ من أجل أنه قصد ذلك بنذره".
ومنها: إذا قدم وكان صائماً عن تطوع، فالمشهور: أنه لا يجزئه عن نذره، ويقضيه، ويتخير في إتمامه، والفطر فيه، مع قولنا بأنه لا يجب الإمساك فيه إذا قدم وكان مفطراً.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر: أنه يلزمه إتمام صيامه؛ لأنه قد كان عند الله مستحقاً في نذره.
وفي "التهذيب": أنا إن قلنا: إنه وجب عليه صوم جميع النهار، لا يجزئه عن النذر، ويجب عليه القضاء، ويستحب أن يمسك بقية النهار.
وإن قلنا: إنما وجب عليه الصوم من حين القدوم، فهل يجب عليه القضاء إذا كان
القدوم قبل الزوال؟ فيه وجهان، أصحهما: نعم.
والثاني: لا يجب، وينوي أن يتمه عن النذر.
وقال في "التتمة": إنا إذا قلنا: إنما وجب الصوم من حين القدوم، انبنى على أنه هل يجوز أن ينذر بعض يوم؟ إن قلنا: - يجوز؛ فينوي إذا قدم، ويكفيه ذلك، ويستحب أن يعيد يوماً كاملاً؛ للخروج من الخلاف.
وإن قلنا: لا يجزئه؛ فلا شيء عليه، ويستحب أن يقضي.
واعلم أن ما ذكرناه مفرع على الصحيح من المذهب: أنه إذا نذر صوم يوم بعينه: أنه يتعين صومه؛ حتى لا يجوز تقديم الصوم ولا تأخيره عنه مع القدرة، فإن أخر كان قضاء.
أما إذا قلنا: إنه لا يتعين- كما تقدم ذكره- فقد يقال: إنه يصح النذر وجهاً واحداً.
وإذا وافق قدومه رمضان، أو يوم عيد، أو وقت حيض: أنه يلزمه صيام يوم [واحد] وجهاً واحداً؛ كما لو قال: "لله علي صوم يوم إذا قدم فلان"، إلا أنه يلزم على ذلك- لو صح- أن يقال إذا نذر صوم يوم من رمضان أو يوم عيد: إنه ينعقد نذره بيوم، ولم أره، وقد يفرق بما ذكرناه عن الماوردي عند الكلام في لزوم قضاء أيام الحيض، وقد نذرت صوم سنة بعينها.
فرع: لو نذر صوم الأثانين أبداً، وقلنا بالتعين، ووجب عليه صيام شهرين في الكفارة، فإن سبق النذر وجوب الشهرين، فالأولى أن يصوم الأثانين التي فيها عن كفارته، واذا فعل ذلك، فعليه أن يقضي كل إثنين كان فيها؛ كذا أطلقه الإمام.
ويجيء فيه وجه آخر: أنه لا يصومها عن الكفارة، بل عن النذر؛ لأن صاحب "التهذيب" حكى وجهاً تقدم ذكره: أنه إذا عين يوماً بالنذر لا ينعقد فيه صوم آخر؛ كما في أيام رمضان.
فإن قلت: هذا يلزم منه ألا يتصور أن يقع منه صوم عن الكفارة؛ لأن من شرطها التتابع، وصوم الأثانين المنذورة يقطع التتابع كرمضان.
قلت: بل يتصور؛ لأن عدم التصور جاء من إلحاق الأثانين برمضان، وليس كذلك؛ لأن صوم الشهرين يتصور أن يقع في وقت لا يتخلله رمضان؛ فلذلك قطع التتابع،
والشهران- والصورة هذه- لا يتصور إيقاعهما خاليين- من الأثانين؛ فكان إلحاق الأثانين بأيام الحيض أولى؛ لأن الحيض قد لا يقع فيهما، بخلاف الأثانين.
وإن سبق وجوب الشهرين النذر، فإنه يصوم الشهرين عن كفارته، ويؤخر النذر.
والمذهب- كما قال في "المهذب" والبندنيجي-: أنه يقضي كل إثنين فيهما.
وقال الرافعي: إنه ينسب إلى رواية الربيع، وهو الأصح عند صاحب "التهذيب".
قال في "المهذب": ومن أصحابنا من قال: لا يقضي ما كان في الشهرين؛ لأنه نذر صوم يوم قد استحق صيامه، فهو كأثانين رمضان؛ وهذا ما حكي عن رواية الربيع.
قال في "البحر": وقد قيل: إنه المذهب، وهو الذي رجحه الإمام ومن تبعه، وكذا القاضيان: ابن كج وأبي الطيب؛ كما قال الرافعي.
وقال البندنيجي: إنه سهو؛ فإن أثانين رمضان لا يصح صومها عن نذره؛ لأنه لا يصح في رمضان صوم غيره، وأثانين الشهرين يصح أن يصومها عن نذره؛ ولهذا قضاها.
قال البندنيجي: وأصل هذا إذا نذر صوم يوم, وذلك اليوم مستحق صيامه لغيره، فإن كان مستحقاً لرمضان لم ينعقد نذره قولاً واحداً، وإن كان مستحقاً لغير رمضان: كالكفارة، والنذر السابق لهذا النذر، فهل ينعقد نذره [به] أم لا؟
على وجهين:
المذهب: أنه ينعقد.
وقد فهم من هذا أن محل الخلاف في النذر إذا لم يكن تعلق بوقت معين؛ كما في الكفارة؛ فإن الصوم الواجب فيها ليس له زمن معين، أما إذا تعين صوم يوم بالنذر، فقد قال في "التتمة": إن ذلك ينبني على أنه هل يجوز أن يصوم فيه عن قضاء أو نذر؟ [و] فيه خلاف سبق.
فإن قلنا: يجوز، فهو كما لو تعين، وإن قلنا: لا يجوز، فحكمه حكم رمضان.
قال الرافعي: وهذا ما رآه صاحب "التهذيب".
قال: ومن نذر صلاة، أي: بأن قال: "إن شفى الله مريضي، فلله علي صلاة"، لزمه ركعتان في أصح القولين؛ لأن إيجاب الآدمي على نسفه كما تقدم فرع لإيجاب الله
تعالى، وأقل ما أوجب الله – تعالى- من الصلاة فعل ركعتين، وهي صلاة الصبح، والصلاة في السفر، وإذا كان أقل الصلاة ركعتين كذلك هنا لا يجزئه أقل منهما؛ وهذا ما نقله المزني؛ ولأجله قال البندنيجي: إنه المذهب.
قال: وركعة في القول الآخر؛ تنزيلاً على أقل جائز الشرع، وهو الوتر؛ قال- عليه السلام-: "من أحبَّ أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بركعة فليفعل".
ولأنا أجمعنا على أنه يثاب على الركعة الواحدة إذا سلم منها؛ لأنه يسمى: مصلياً؛ كما إذا صلى ركعتين؛ فوجب أن يخرج عن نذره بها؛ وهذا ما حكي عن رواية الربيع مع القول الأول.
قال الرافعي: ويقال: إنه القديم.
وقال الماوردي: إنه منفرد بنقله، وقد صححه الغزالي، وإليه ميل ابن الصباغ؛ فإنه قال: وما ذكره الأولون: يبطل بالصوم؛ فإن أقل ما وجب بالشرع صوم ثلاثة أيام، ولا يجب ذلك بمطلق النذر.
والجمهور على ترجيح الأول؛ لأن حمل الشيء على نظيره أولى من حمله على غير نظيره، ونظير [إيجاب] الآدمي إيجاب الله تعالى؛ ولأن الوتر تابع للواجب، وإطلاق الصلاة ينصرف إلى الشرع الذي هو الواجب دون التابع.
وأما قول ابن الصباغ: إن ذلك يبطل بالصوم .. إلى آخره فيظهر أن يقال في جوابه: بل أوجب أقل من ثلاثة أيام، وذلك يتصور في جزاء الصيد، اللهم إلا أن يريد أنه أقل صوم وجب بالشرع نصاً؛ فحينئذ يمنع هذا الجواب؛ على أن الماوردي قال لأجل ذلك: لو قيل: يلزمه ثلاثة أيام كان مذهباً، والمذهب أنه لا يلزمه إلا يوم واحد؛ لأنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع.
وقال الرافعي: إنه يجيء فيه وجه آخر: أنه يخرج عن نذره بإمساك بعض يوم؛ على أن النذر يحمل على أقل ما وجب من جنسه، وأن إمساك بعض اليوم صوم.
وقد استنبط الأصحاب من القولين في مسألة الكتاب، ومن القولين الماضيين في أنه إذا نذر الهدي، وأطلق، ماذا يلزمه؟ أن مطلق النذر يحمل على أقل واجب في
الشرع، أو على أقل جائز في الشرع؟ [فيه] قولان، والذي رجحه العراقيون والروياني وغيرهم- كما تقدم- الأول.
قال الرافعي: ويدل عليه ما تقدم: أن الصحيح أنه لا يجوز أن يجمع بين فريضة ومنذورة، ولا بين منذورتين بتيمم واحد.
والذي رجحه الإمام والغزالي: الثاني، ثم استدل له بأنه لو نذر أن يتصدق، خرج عن نذره بما يقع عليه الاسم، وإن كان من غير أموال الزكاة باتفاق الأصحاب.
وقد يجاب عن ذلك بما ذكره الرافعي حيث قال: إن الأصحاب قالوا: لو نذر الصدقة، أجزأه ما يقع عليه الاسم ولو حبة؛ لأن ذلك القدر يحل شرعاً عند اختلاط المال، لكن هذا إنما يستمر على قولنا بتأثير الخلطة في النقود.
ثم لك أن تقول: إذا حملنا المطلق على الواجب، فإنما نحمله على أقل واجب من ذلك الجنس، والأقل من الصدقة غير مضبوط جنساً وقدراً، بل صدقة الفطر أيضاً واجبة، وليس لها قيمة مضبوطة؛ فامتنع إجراء هذا القول في الصدقة، ويتعين اتباع اللفظ، والله أعلم.
التفريع على القولين في مسألة الكتاب:
إن قلنا بالأول، فلا يجوز أن يصلي الركعتين قاعداً إلا أن يعجز، ولا على الراحلة، وله أن يصلي أربع ركعات، بل لو نذر أن يصلي ركعتين، جاز له أن يصلي أربعاً، ويجزئه؛ كما قال في "التهذيب"؛ تفريعاً على هذا القول.
وفي "التتمة" حكاية وجهين في إجزائها في الصورة الأخيرة من غير بناء.
وقال الرافعي: إنه يمكن بناؤها على أن النذر يحمل على أقل واجب الشرع أو جائزه.
وإن قلنا: بالقول الثاني، جاز أن يصلي الركعة قاعداً؛ كما صرح به البغوي، ويجوز فعلها على الراحلة، وحكى الرافعي في جواز القعود فيها وجهين.
وقد خرج على القولين- أيضاً- ما إذا نذر أن يصلي أربع ركعات، فإن قلنا
بالقول الأول، أمر بتشهدين، فإن ترك التشهد الأول، سجد للسهو، ولا [يجوز أن] يؤديها بتسليمتين.
وإن قلنا بلاثاني، يخير بين أدائها بتسليمة واحدة أو بتسليمتين، وأداء ذلك بتسليمتين أفضل؛ وهذا ما صححه النواوي في "الروضة"، وقال: الفرق بينه وبين سائر المسائل المخرجة على هذا الأصل- وقوع الصلاة مثنى وزيادة.
وقد فهم من حكاية الشيخ القولين: أنه لا يخرج عن نذره صلاة على القول الثاني بأقل من ركعة؛ لأن سجدة التلاوة والشكر وإن اعتبر فيها شروط الصلاة لا تسمى صلاة؛ وهذا كله عند الإطلاق، فلو قيد، فقال: "لله علي أن أصلي ركعة"، لم يلزمه غيرها، وكذا لو نذر أن يصلي قاعداً، لم يلزمه القيام، وإن قيدنا المنذور بواجب الشرع.
وقال الإمام: إنه يجب تنزليهما على [الخلاف] فيما إذا أصبح [الشخص] ممسكاً عن المفطرات غير ناوٍ للصوم، فقال: "لله علي صوم هذا اليوم"، فإنه هل يلزمه الوفاء؟ على وقولين مأخوذين من تنزيل المنذور على واجب الشرع، فإن نزلناه عليه، لم
يصح النذر كذلك، وإن نزلناه على ما يجوز في الشرع وإن لم يكن فرضاً، صح.
ووجه الشبه: أن نذر الصوم نهاراً حيث يجوز التطوع بالصوم بالإضافة إلى الصوم الواجب شرعاً، بمثابة الركعة بالإضافة إلى أقل واجب في الصلاة.
ولو نذر ركوعاً أو سجوداً أو تشهداً أو دون ركعة، فهل يلغو نذره أو يصح؟ فيه وجهان:
اختيار الشيخ أبي محمد منهما في السجود الأول؛ لأن السجدة الواحدة من غير سبب ليست قربة على الرأي الظاهر.
وعلى الثاني: قال الإمام: يجب عليه أن يأتي بما يأتي به الناذر للصلاة المطلقة، وفيه الخلاف السابق.
وفي "التتمة" فيما إذا نذر دون ركعة: أنه يلزمه ركعة واحدة؛ إن أراد أن يأتي بالمنذور منفرداً؛ أو إن اقتدى بإمام بعد الرفع من الركوع في الأخيرة خرج عن نذره.
وقال فيما إذا نذر الركوع: يلزمه، وفيما إذا نذر تشهداً: فإما أن يأتي بركعة ويتشهد بعدها، أو يكبر، ويسجد سجدة على طريقة من يقول: سجود التلاوة يقتضي التشهد.
قال: ومن نذر عتق رقبة، أي: بأن قال: "إن قدم غائبي، فلله علي عتق رقبة"، أجزأه ما يقع عليه الاسم، أي: من صغير وكبير، سليم أو معيب، [مسلم] أو كافر؛ لأنه إذا أعتق ذلك، وقع عليه اسم رقبة حقيقة؛ فأجزأته؛ وهذا ظاهر ما نقله المزني في "المختصر"، وعليه جرى بعض الأصحاب، واختاره من المتأخرين المحاملي والمستظهري، وصاحب "المرشد"، والأكثرون؛ كما قال النواوي في "الروضة"، وقال: إنه الراجح في الدليل.
وقيل: لا يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة؛ لأن مطلق كلام الآدمي محمول على ما تقرر في الشريعة، والذي قرره الشرع أن تكون الرقبة في الكفارة مؤمنة سليمة من العيوب؛ وهذا ما صححه القاضي أبو الطيب والداركي، وبه قال أبو إسحاق، واختار المزني، وحمل قول الشافعي: "فاي رقبة أعتق، أجزأه" على أنه أراد: أي رقبة أعتق مما تجزئ في الكفارة.
وقد جعل البغوي الوجهين في هذه الصورة مبنيين على القولين في المسألة السابقة.
فإن قلنا: يلزمه ركعتان، لم يجزئه إلا ما يجزئ في الكفارة، وإلا أجزأه ما وقع عليه الاسم.
وقال ابن الصباغ: إن أصلهما ما إذا نذر هدياً، هل يلزمه من النعم، أو يجزئه أي شيء أهداه؟
وقال الماوردي: إن مسالة الصلاة والهدي أصلهما إن قلنا: يلزمه ركعتان، والجذع من الضأن، والثنية من المعز والإبل والبقر- لم يجزئه هنا إلا ما يجزئ في الكفارة.
وإن قلنا: يلزمه ركعة وما يقع عليه اسم هدي، أجزأه [هنا] ما يقع عليه الاسم أيضاً.
وكلام القاضي أبي الطيب والداركي يقتضي أنه لا يجزئه هنا إلا ما يجزئ في الكفارة وإن قلنا: إنه يجزئه من الهدي ما يقع عليه الاسم؛ لأنهما قالا: فإن قيل: هلاَّ قلتم: إنه يجزئه أن يعتق ما يقع عليه اسم الرقبة حقيقة؛ كما قلتم في الهدي- قلنا: له في الهدي قولان:
أحدهما: لا يجزئه إلا شاة، وعلى هذا سقط السؤال.
والقول الثاني: يجزئه ما يقع عليه اسم هدي؛ وعلى هذا فالفرق: أن هاهنا وقع عليه اسم الهدي بالشرع أيضاً؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ الآية [المائدة: 95]، وإذا قتل عصفوراً وما أشبهه لا يجب عليه شاة، وقد سمى ما يجب عليه به: هدياً؛ فلهذا قلنا: يجزئه ما يقع عليه الاسم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن الشرع ما ورد بوجوب رقبة إلا مؤمنة سليمة من العيوب.
فرع: لو نذر اعتكافاً، قال في "التهذيب": خرج عن نذره بأقل ما يقع عليه الاسم، ولو ساعة، ويستحب أن يتمه يوماً.
وقال الإمام: لست أجد لهذا أصلاً في واجبات الشرع؛ فلا وجه إلا القطع باتباع اللفظ، وتنزيله على أقل المراتب.
وقد ذكرنا خلافاً في كتاب الاعتكاف في أن الحصول في المسجد مع النية- أي: من غير مكث: كالمرور- هل يكون اعتكافاً؟ فإن اكتفينا به، فهذا فيه تردد عندي؛ فإنا إن اتبعنا اللفظ، فالاعتكاف مشعر بالمكثف؛ فينبغي أن نوجب المكث تعلقاً باللفظ، ويحتمل أن يجعل الاعتكاف في لفظ الناذر لفظاً شرعياً: كالصلاة والصوم، ثم يكتفي فيه بما يصح في الشرع.
قال: وهذا ما جزم بمثله [الإمام] عند الكلام في وجوب تبليغ الهدي إلى الحرم حيث قال: "إنا لا ننظر إلى الواجب شرعاً، وإنما ننظر إلى اللفظ الشائع في الشرع.
ثم قوله: "لم أجد لهذا أصلاً في واجبات الشرع" فيه نظر؛ لأن الأصحاب حيث جزموا بصحة نذر الاعتكاف وإن اختلفوا في صحة النذر بما لم يجب بأصل الشرع، جعلوا أصله المكث بعرفة؛ وعلى هذا إذا حملنا النذر على واجب الشر ينبغي أن نكتفي بالعبور في المسجد مع النية؛ لأن ذلك يكفي في الوقوف بـ"عرفة" والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به.
إذا قال الشخص: "لله علي أن أعتق هذا العبد"، وكان ملك غيره، [فملكه يوماً- لا يلزمه عتقه؛ لقوله- عليه السلام-: "لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم".
ولو قال: "إن ملكت عبداً، فلله علي أن أعتقه"، فملك عبداً- لزمه عتقه.
وإن قال: "عن ملكت هذا العبد، فلله علي أن أعتقه"، فملكه هل يلزمه عتقه؟ فيه وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره في كتاب الأضحية.
ومثل ما ذكرناه في محل الجزم وجريان الخلاف، جار فيما لو قال لشاة الغير: "لله علي أن أضحي بها"، أو: "عن ملكت شاة، فلله علي أن أضحي بها"، أو: "إن ملكت هذه الشاة، فلله علي أن أضحي بها"؛ حكاه في "الحاوي"، و"البحر" في موضعه.
وذكر القاضي الحسين فيه إذا نذر إعتاق جارية بعينها، فولدت، لزمه إعتاق الولد معها؛ لأنها استحقت العتق استحقاقاً لا يرد عليه النقض والإبطال، ولا يعود إلى ما كان؛ فأشبه أم الولد، وذلك أنه إذا ألزم ذمته إعتاق عبدٍ فللعبد أن يرافعه إلى الحاكم؛ حتى يجبره على الإعتاق، وأنه لو أعتق على مال، المذهب: أنه يعتق، ولا يثبت المال].
بسم لله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر